إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
سورة مريم: الآيات ( 1-58)
طباعـة

بسم الله الرحمن الرحيم     

{كهيعص * ذِكْرُ } هذا ذكر {رَحْمَةِ رَبِّكَ} أي: هذا المتلو ذكر رحمة ربك {عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته ، {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا} دعاء سرا من قومه ، {قَالَ: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ} ضعف {الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ} ابيض {الرَّأْسُ شَيْبًا} (لعله) أي: قرب من الموت ، {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} قيل: خاف منهم تبديل دين الله ، وتغيير أحكامه ، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته ، فسأل ربه ولدا صالحا يرثه النبوءة والعلم ، ويكون خليفة على أمته ، {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا، فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } المراد : وراثة الشرع والعلم فِإن الأنبياء لا يورثون المال ، {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} ممن ترضى عنه ويرضى عنك.

{يَا زَكَرِيَّا ، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ، قَالَ : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } أي: سنا ، {قَالَ :كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } .

{قَالَ: رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً} يطمئن بها قلبي ، ويصدقني الناس بها ، {قَالَ: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} وأنت سوي الخلق ، ما بك من خرس ولا بكم.

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} قيل: من المصلى ، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} لقوله: {إلا رمزا} ، وقيل: كتب لهم على الأرض ، {أَن سَبِّحُوا} صلوا ، أو نزهوا ربكم {بُكْرَةً وَعَشِيًّا} طرفي النهار أو جملته ، فإنهم ما داموا في طاعته فهم مسبحون له في الحقيقة بلسان الحال ، وإن لم ينطقوا بلسان المقال.

{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} بجد وعزيمة ، واستظهار بالتوفيق ، فإنه لا يبلغه من لعب . وأخذه بالجد: بأن يكون متجردا له عند قراءته ، منصرف الهم ، إليه عن غيره . وفي معنى أخذ بقوة: التكرير لتلاوته ، والمراجعة بالفكر ، والتدبر في استخراج سر تأويله ، والعمل بأحسنه ، {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} يعني: الحكمة ، أحكم الله عقله في صباه ، {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} رحمة منا عليه ، {وَزَكَاةً} وتطهيرا من الذنوب ، {وَكَانَ تَقِيًّا} مطيعا ، متجنبا عن المعاصي ، {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ} بتأدية حقوقهما، وترك لعقوقهما ، {وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} مستعصيا لأمر الله تعالى.

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ} سلام له منا له ، أي: مدة حياته ، {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} يعني: قصتها ، {إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} اعتزلت {مَكَانًا شَرْقِيًّا} شرقي بيت المقدس ، أوشرقي دراها ، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة فيما قيل ، {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} سترا ، {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ، قَالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ } التجأت إلى خالقها لما دهمها ما يسوؤها ، لأنه لا معين في الحقيقة سواه ، وكذلك ينبغي لكل مؤمن ، {إِن كُنتَ تَقِيًّا} تتقي الله ، وقيل: اسم رجل فاجر اسمه تقيا.

{قَالَ : إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} الذي استعذت أنت به ، بعثت {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا} لأكون سببا في هبته {زَكِيًّا} طاهرا من الذنوب ، أو ناميا على الخير ، أو مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح.

{قَالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} بالحلال ، {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} وهو " فعول" من البغي ، {قَالَ :كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} علامة لهم ، وبرهانا على كمال قدرتنا ، {وَرَحْمَةً مِّنَّا} على العباد ، يهتدون بإرشاده ، {وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} تعلق به قضاء الله في الأزل ، أو قدر وسطر في اللوح ، أو كان أمرا حقيقيا بأن يقضى ويفعل ، لكونه آية ورحمة.

{فَحَمَلَتْهُ} أي: فحملت به في بطهنا ، {فَانتَبَذَتْ بِهِ} فاعتزلت {مَكَانًا قَصِيًّا} بعيدا من أهلها . {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ} فألجأها المخاض {إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} لتستقر به وتعتمد عليه ، لتستعين به عند الولادة ، {قَالَتْ : يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}.

{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا} قيل: عيسى أو جبريل {أَلَّا تَحْزَنِي} أي: لا تحزني ، أو بأن لا تحزني ، {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} قيل: جدولا ، أو سيدا من السرور وهو عيسى.

{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} قيل: إنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ، ولا تمر ، وكان وقت شتاء ، فهزتها ، فجعل الله لها رأسا وخوصا ، ورطبا يسليها بذلك ، لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها – فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش – والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء ، قدر أن يحبلها من غير فحل ، وأنه ليس ببدع من شأنها ، مع ما فيه من الشراب والطعام ، ولذلك رتب عليه الأمرين ، فقال:

{فَكُلِي وَاشْرَبِي} أي: من الرطب ، وماء السري ، {وَقَرِّي عَيْنًا} وطيبي نفسك ، وارفضي منها ما أحزنك ، يقال: اقر الله عينك: إذا صادف فؤادك ما يرضيك ، وقيل: أقر الله عينك ، أي: أنامها ، يقال: قر يقر إذا سكن ، وجديرة هي بقرار العين ، لأن قرار العين الحقيقي في الحياة الدنيا لا يكون إلا في امتثال أمر الله تعالى. واشتقاقه من القرار ، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره . وقد قالت العلماء :" ولا نعمت عين في معصية الله ، ولا بالدنيا".

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} فإن تري آدميا ، فسألك عن ولدك ، {فَقُولِي : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} صمتا ، أو صياما ، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم فيما قيل ، {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} بعد أن أخبرتكم بنذري ، وقيل: أخبرتم بنذرها بالإشارة ، وأمرها بذلك لكراهة المجادلة ، والاكتفاء بكلام عيسى.

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} راجعة إليهم {تَحْمِلُهُ، قَالُوا :يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} بديعا منكرا ، من فري الجلد . قالو أبو عبيدة:" كل أمر فائق من عجب ، أو عمل فهو فري". قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر:" فلم أر عبقريا يفري فرية" ، أي: يعمل بعمله.

{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} كأنهم رجموها بالظن ، وذلك من طبع النفوس ، ولا يسلم منه إلا المخلصون.

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ، قَالُوا :كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } يروى عن ابن مسعود أنه قال:" لما لم يكن حجة اشارت إليه ، ليكون كلامه حجة لها ، وحجة عليهم".

فلما سمع كلامهم أقبل عليهم ، {قَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} أنطقه الله بالإقرار لله تعالى بالربوبية ، وعلى نفسه بالعبودية ، لأنه أول المقامات ، {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} (لعله) معناه: سيؤتيني الكتاب ، ويحعلني نبيا ، وقيل: هذا (لعله) أخبر عما كتب له في اللوح ، وقيل: أوتي الإنجيل{وهو} طفل ، وكان يعقل ، {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} نافعا معلما للخير {أَيْنَ مَا كُنتُ} في أي مكان، وأي حال كنت. {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} زكاة المال إن ملكته ، أو تطهير النفس عن الرذائل. {مَا دُمْتُ حَيًّا} متعبدا ، {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} قيل: الشقي الذي يذنب ولا يتوب . {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } فهذه ولاية حقيقة ، والتعريض باللعن عن أعدائه ، كقوله: { وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } ، فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى.

{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} أي: الذي تقدم نعته هو عيسى بن مريم ، ما لا تصفه النصارى ، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني ، حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه ، ثم عكس الحكم . {قَوْلَ الْحَقِّ} أي: هو قول الحق {الَّذِي} لا ريب { فِيهِ يَمْتَرُونَ} في أمره ، يشكون أو يتنازعون.

{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} تكذيب للنصارى ، وتنزيه لله عما بهتوه ، {إِذَا قَضَى أَمْرًا} كائنا في علمه وقضائه ، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا} الذي ذكرته ودعوتكم إليه {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} يعني: الذين أرسل إليهم ، {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} من شهود يوم عظيم ، هوله وحسابه ، وهو أن يشهد عليهم الملائكة والأنبياء والعلماء وألسنتهم وآرابهم بما فعلوا ، أو من وقت الشهادة أو من مكانها.

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} تعجب معناه: أن استماعهم وإبصارهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} أي: يوم القيامة ، جدير بأن يتعجب منهما ، بعدما كانوا صما وعميا في الدنيا ، أو تهديد سيسمعون ويبصرون يومئذ ، وقيل: أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم ، وما يحيق بهم فيه ، وقيل: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر ، أخبر أنهم يسمعون ويبصرون ، ما لم يسمعوا وما لا يبصروا في الدنيا . {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ} أي: في الدنيا {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أوقع الظالمين موقع الضمير ، إشعارا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم ، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال مبين.

{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} يوم يتحسر المسيء على إساءته ، {إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} فرغ من الحساب ، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار ، (لعله) ثم يقال: " يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت". قيل: (لعله) قال أبو عيسى :" فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة الدنيا والبقاء ، لماتوا فرقا ، ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالبقاء لماتوا فرحا" ، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.

{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} لا نبقي لأحد غيرنا عليها ، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك ، توفي الوارث لإرثه ، لأن كل شيء راجع إلى مالكه ، والله مالك الأشياء على الحقيقة ، وأما تمليك المخلوقين ، فهو تمليك وهمي ، {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} للجزاء.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا} ملازما للصدق ، كثير التصديق ، لكثرة ما صدق به من حجج الله ، وآياته وكتبه ورسله ، {نَّبِيًّا} قد استحق التعظيم بهذا الاسم الشريف بأحواله ، لأنه مستأهل للنبوة بخصائصه ، وقد علم الله منه ذلك.

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ : يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} فيعرف حالك، ويسمع ذكرك ،ويرى خضوعك ، {وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} في جلب نفع ، ودفع ضر ، دعاه إلى الهدى ، وبين ضلالة ، واحتج عليه أبلغ احتجاج ، وأرشقه برفق ، وحسن أدب ، حيث لم يصرح بضلالة ، بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصحيح ، ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي غاية التعظيم ، ولا يحق إلا لمن له الاستغناء التام ، والإنعام العام ، وهو الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المعاقب المثيب ، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح ، والشي{و}لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا لاستنكف العقل القويم عن عبادته ، وإن كان أشرف كالملائكة والنبيين ، لما يراه{مثله}في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة ، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر . ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم ، والصراط المستقيم لما لم يكن محضوضا للعلم الإلاهي ، مستقلا بالنظر السوي. فقال:

{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} ولم ينسب أباه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق ، ثم ثبطه عما كان بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر ، فإنه في الحقيقة الشيطان مع أنه الآمر به ، فقال:

{يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} واستهجب ذلك ، وبين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولى المنعم كلها ، بقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص ، وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم ، وينتقم{منه} ، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته ، وما نجزه {كذا} الله ، فقال:

{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن} في الدارين ، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} قرينا {له في} اللعن ، أو من العذاب تليه ويليك ، أو ثابتا في موالاته ، فإنه أكبر من العذاب ، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب . ومن كان للشيطان وليا فهو في{الـ}ـعذاب الأدنى لا محالة ، ومن كان في{الـ}ـعذاب الأدني ، كان في{الـ}ـعذاب الأكبر لا محالة ، إلا أن يتوب . وذكر الخوف والمس ، وتنكير العذاب إما للمجاملة ، أو لخفاء العاقبة . ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من جناياته لارتقاء همته في الربانية ، ولأنه ملاكها ، أو لأنه من حيث أنه نتيجة معاداته لآدم وذريته ، فتنبه عليها.

{قَالَ :أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ}؟ قابل استعطافه بالإرشاد ، بالفظاظة وعلظة العناد ، فناداه باسمه ، ولم يقابل "يا أبت" بـ"يا بني" ، وقدم الخبر على المبتدأ ، وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب ، كأنها مما لا يرغب عنها عاقل . ثم هدده فقال: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} عن مقالك {لَأَرْجُمَنَّكَ} بالحجارة حتى تموت ، {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} زمانا طويلا من الملاوة ، أو مليا بالذهاب عني ، استبدل بنوته بالهجران ، لأن قلبه تعذب بقربه ، وهكذا المضاددة بين الأشخاص المتقاربين بالأنساب ، تولد التباعد بينهم ، كما أن الإسلام يقرب بين الأباعد.

{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ} توديع ومتاركة ، ومقابلة للسيئة بالحسنة ، أي: سلمت مني لا أصيبنك بمكروه ، ولكن {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} بليغا بالبر والألطاف.

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} بالمهاجرة بديني ، {وَأَدْعُو رَبِّي} وأعبده وحده {عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا} خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم . وفي تصدير الكلام بـ"عسى" للتواضع ، وهضم النفس ، والتنبيه على أن الإجابة والإنابة تفضل غير واجب ، وأن ملاك الأمر خاتمته ، وهو غيب.

{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} بدل من فارقهم من الكفرة ، لأنه كل من استغنى عن شيء لله فقد أغناه بسواه أفضل منه ، {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} لأنهم أهل لها.

{وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا} قيل : ما بسط له من سعة الرزق ، وقيل: الكتاب والنبوة ، {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} عليا على لسان الكذب ، وقيل: نبأ حسنا ورفيعا في كل أهل الأديان.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} موحدا ، أخلص عبادته عن الشرك والرياء ، أو أسلم وجهه لله ، وأخلص نفسه عما سواه. وقرأ الكوفيون بالفتح ، على أن الله أخلصه ، {وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} مدحه الله على الرسالة والنبوة ، وإن كان جعلهما من الله له ، لأنه لا يصطفي لهما إلا المخلصين ، وقد أرسله الله إلى الخالق فأنبأهم عنه ، ولذلك قدم رسولا ، مع أنه أخص وأعلى.

{وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} من ناحيته اليمنى من اليمين ، وهي التي تلي يمين موسى ، أو من جانبه الميمون من اليمين ، {وَقَرَّبْنَاهُ} تقريب تشريف لا مكاني ، بعدما تقرب منا بالطاعة، شبهه بمن قربه الملك لمناجاته ، {نَجِيًّا} مناجيا ، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه.

{وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا} من أجل رحمتنا ، أو من بعض رحمتنا {أَخَاهُ} معاضدة أخيه ومؤازرته ، إجابة لدعوته ، {هَارُونَ نَبِيًّا}.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} ذكره بذلك لأنه المشهور به ، والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره ، وناهيك أنه وعد{الصبر} على الذبح ، فقال:{ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } ، {وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} مخبرا عن الله تعالى.

{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}اشتغالا بالأهم ، وهو أن يقبل الرجل على نفسه ، فمن هو أقرب الناس إليه بالتكميل . {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} لاستقامة أقواله وأفعاله ، وقيل: ارتضاه الله لرسالته.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ} قيل: اشتقاق إدريس من الدرس ، نعم ، لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريبا من ذلك ، فلقب به لكثرة درسه ، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة . وقيل: هو أول من خط بالقلم ، ونظر في علم النجوم والحساب ، {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } يعني: شرف النبوة ، والزلفى عند الله.

{أُوْلَئِكَ} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس . {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} بأنواع النعم الدينية والدنياوية ، لأن من لم يتوصل بالنعم الدنياوية إلى النعمة الآخروية فليست بنعمة ، لأنه لما أن كفرها كانت سببا لوقوعه في العذاب ، ومحال أن يكون مغضوبا عليه منعما عليه ، ولا منعما عليه ، مغضوبا عليه ، هذا من تنافي المعاني ، ولكن النعم تصير في حق الكافر نقما ، والضراء في حق المؤمن سراء ، فكان الإنسان لا محالـ{ـة} إما منعم عليه وهو المؤمن ، وإما مغضوب عليه معذب ، وهو من نقض جملته بمعصية ، أو معاصي ، وكلما كثرت النعم في حق المؤمن كان زيادة في ثوابه بشكره لها ، وكلما كثرت النعم في حق الكافر كان أشد وبالا عليه بسبب كفرانه لها. {مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ، وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} إلى الإسلام {وَاجْتَبَيْنَا} على الأنام ، {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا} منقادين لله ، {وَبُكِيًّا} خائفين من عذابه لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم له ، مع مالهم من علو الطبقة في كمال النفس ، والزلفى من الله.