إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
سورة طه: الآيات ( 1-82)
طباعـة

بسم الله الرحمن الرحيم     

 

{طه} قيل: معناه يا رجل ، وقيل: أمر للرسول بأن يطأ ارض مكة بقدميه . {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} قيل: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر من كفر إذ ما عليك إلا البلاغ . {إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ، وقيل: لما رأى المشركون اجتهاد رسول الله في العبادة ، قالوا: ما أنزل عليك القرآن {إلا} لشقائك ، نزلت :{ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} أي: لتشقى وتتعب ، وأصل الشقاء في اللغة : العناء . { إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} أي: لكن أنزلناه عظة لمن يخشى.

 

{ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} ما بعده إلى قوله: { لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى} تفخيم لشأن المنزل ، بغرض تعظيم المنزل ، بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل ، فبدأ بخلق الأرض والسماوات التي هي أصول العالم ، وقدم الأرض ، لأنها أقرب إلى الحس ، وأظهر عنده من السماوات العلى.

 

ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات ، وتدبير أمرها بأن قصد العرش ، فأجرى منه الأحكام والمقادير ، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته ، وتعلقت به مشيئته ، فقال: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *  لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته ، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة ، وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى ، بجليات الأمور وخفياتها على سواء، فقال:

{ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} السر: ما أكنته الصدور ، وأخفى من السر ما ستكنه بعد، ولم تكن أكنته ، وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء ، والجهر فيما ليس لإعلام الله ، بل لتصوير النفس بالذكر ، ورسوخه فيها ، ومنعها عن اشتغال بغيره ، {و} هضمها بالتضرع والجؤار.

ثم لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية، بين أنه المنفرد بها، والمتوحد بمقتضاها ، فقال: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى} تفخيم المنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن ، ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإكرام ، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به ، والانقياد له من حيث أنه كلام من هذا شأنه . والثرى: الطبقة الترابية ، وهي آخر ما تحت طبقتها . والحسنى: تأنيث لأحسن ، وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن ، لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها.

{ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى}؟ قفا تمهيد نبوته عليه الصلاة والسلام قصة موسى ليؤتم به في تحمل أعباء النبوة ، وتبليغ الرسالة ، والصبر على مقاساة الشدائد ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل.

{ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} هاديا يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين ، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم.

{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي: يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } قيل: إنه لما نودي قال من المتكلم ؟ قال: إنى أنا الله ، فوسوس إليه إبليس ، لعلك تسمع كلام شيطان ، فقال: عرفت أنه كلام ، وهو إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام تلقى ربه كلامه تلقيا روحيا ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه ، وانتقل إلى الحس المشترك ، فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة ، وكل إلهام ألهم المخلوق أتاه من قبل الله تشهد له أنوار الحجج أنه من عند الله فاتبعه ، والشيطان يلقي إليه أنه من إبليس فلا تتبعه . { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} أمره بذلك ، لأن الحفوة تواضع وأدب ، ولذلك طاف السلف حافين ، وقيل: لنجاسة نعليه ، وقيل: معناه فرغ قلبك من الأهل والمال ، أو للاستقرار والمكث بالبقعة المباركة ، ليكون أحضر لقلبه لتلقي وحي ربه. { إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} المطهر من حضور الشياطين ، { طُوًى} بالضم ، وبكسر وتنوين ، واد بالشام على ما يوجد طوى.

{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} اصطفيتك للنبوة على علم بأحوالك ، على عالمي أهل زمانك ، وينبغي لكل إمام استولى على بلد ، أن يختار لها الأفضل من الناس يوليه أمر العباد والبلاد ، لينزل كلا من الناس منزلته . { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} لأنه واجب استماع الوحي ، ما كان من الوحي بإلهام أو غيره ، لأن قبوله على كل متعبد.

{ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، فَاعْبُدْنِي } دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم ، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} خصها بالذكر وأفرادها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها ، وهي تذكر المعبود ، وشغل القلب واللسان بذكره ، وقيل : { لِذِكْرِي} لأني ذكرتها في الكتب ، وأمرت بها ، أو لأن أذكرك بالثناء ، أو لذكري خاصة لا ترائي بها غيري ، ولا تشوبها بذكر غيري ، وقيل: لأوقات ذكري ، وهي مواقيت الصلاة ، أو لذكر صلاتي. لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:" من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها " . إن الله تعالى يقول: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} .

{ إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ} كائنة لا محالة ، { أَكَادُ أُخْفِيهَا} أريد إخفاء وقتها ، أو أخفيها في قلوب الأعداء ، فلا يؤمنوا بإتيانها ، { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} متعلق بـ:"آتية" أو " أخفيها" على المعنى الأخير. { فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} عن تصديق الساعة ، أو عن الصلاة { مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا} المراد : نهيه الانصداد عنه ، تنبيها على أن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ، ولم يعرض عنه ، وأنه ينبغي أن يكون راسخا في دينه ، فإن صد الكفار إنما يكون بسبب ضعفه أو مرض فيه. { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة ، فقصر نظره عن غيرها ، { فَتَرْدَى} فتهلك بالانصداد بصده ، والهلك: الهوي ما بين كل شيئين.

{ وَمَا تِلْكَ} استفهام يتضمن استيقاظا لما يريه فيها من العجائب . { بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}؟ تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه . { قَالَ : هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} اعتمد عليها إذا عييت ، { وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} وأخبط بها الورق على رؤوس غنمي ، { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} حاجات أخر ، وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم أن المقصود من السؤال أن يتذكر حقيقتها ، وما يرى من منافعها . وفيه تنبيه على أن المؤمن لا ينبغي له أن يستعمل شيئا لا معنى له ، ولا يشتغل به ، وأنه مسؤول عما يتخذه ، كما سئل موسى عن عصاه ، فكان من جوابه ما كان.

{ قَالَ : أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } تمشي بسرعة على بطهنا ، قيل: لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ، ثم تورمت وعظمت ، فلذلك سماها جانا تارة نظرا إلى المبدإ ، وثعبانا مرة باعتبار المنتهى ، وحية أخرى بالاسم الذي يعم الحالين. قيل: كانت في ضخامة الثعبان ، وجلادة الجان ،ولذلك قال: {كَأَنَّهَا جَانٌّ } . {قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ} فإنه لما رآها حية تسرع خاف وهرب. وقيل: كان بين لحييها  أربعون ذراعا ، ففزع موسى منها. {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} هيأتها وحالتها المتقدمة.

{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} أي: جنبك تحت العضد ، {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} من غير عاهة ، {آيَةً أُخْرَى} معجزة أخرى . {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} ليزداد قلبك اطمئنانية . {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} بهاتين الآيتين ، وادعه إلى توحيدي وعبادتي. {إِنَّهُ طَغَى} بشركي ، وعبادة خلقي.

{قَالَ : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} للإسلام ، ووسعه للحق ، {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} للطاعة ، لما أمره الله بخطب عظيم ، وأمر جسيم ، سأله أن يشرح صدره ، ويفسح قلبه لتحمل أعبائه ، والصبر على مشاقه ، والتلقي لما تنزل عليه ، ويسهل الأمر عليه بإحداث الأسباب ، ورفع الموانع. {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } فأحسن التبليغ من البليغ ، قيل: { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} تمنع الإفهام ، ولذلك نكرها ، وقيل: غير ذلك.

{ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي } يعينني على ما كلفتني به . { اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} الأزر: القوة والضعف ، ضد ، والتقوية والظهر. { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} لإصلاح الخلق ، { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } فإن التعاون يهيج الرغبات ، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده ، { إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} عالما بأحوالنا ، وأن التعاون مما يصلحنا ، وأن هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به ، وإذا ارتفعت الأهوية من الشخصين ، انضم المطلوب منهما إلى توحيد الله وعبادته ، ولذلك قلت الموافقة بين الأشخاص لما في القلوب من المرض ، وائتلاف القلوب على قدر الموافقة منها ومقاربتها في الطباع.

{ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} أي: مسؤولك ، { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} يذكره إن كان ناسيا ، وينبهه إن كان غافلا ، ويعلمه إن كان جاهلا ، أنه أنعم عليه في وقت آخر بقوله:

{ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ} بإلهام ، أو في منام ، أو على لسان نبي في وقتها ، أو ملك لا على وجه النبوة ، { مَا يُوحَى} ما{لا} يعلم إلا بالوحي ، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يترك لعظم شأنه لما فيه من الحكمة ، وأنه كائن لا محالة. { أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} القذف: يقال(لعله) للإلقاء . { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} لما كان إلقاء البحر إياه على الساحل أمرا واجب الحصول – لتعلق الإرادة به – جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك ، وأخرج الجواب مخرج الأمر ، والأولى أن يجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم ، والمقذوف في البحر ، والملقى إلى الساحل ، وإن كان التابوت بالذات ، فموسى بالعرض . { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} قيل: إنها جعلت في التابوت قطنا ، ووضعته فيه ، ثم قيرته ، وألقته في اليم خفية من فرعون وآله ، وكان يشرع إلى بستان فرعون نهر ، فرفعه الماء إليه ، فأداه إلى بركة في البستان ، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم ، فأمر به ، فأخرج ، ففتح ، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها ، فأحبه حبا شديدا ، كما قال:

{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} أي: محبة كافية مني ، قد زرعتها في القلوب ، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك ، فلذلك أحبك فرعون. ويجوز أن يتعلق " مني" بـ" ألقيت" أي: احببتك ، ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه ، لأن الماء يسحله ، فالتقطه منه . { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ولتربي بكلاءتي ، أي: وليكون عملك على عين مني ، لئلا تخالف به عن أمري.

{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ} وذلك أنه لا يقبل ثدي المراضع ، فجاءت أخته متفحصة خبره ، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها ، فقالت: هل أدلكم.. ؟ فجاءت بأمه فقبل ثديها ، { فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ} وفاء بقولنا: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} ، { كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بلقائك ، { وَلَا تَحْزَنَ} هي بفراقك ، أو أنت على فراقها . وفائدة هذه المنة العظيمة من قوله: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى... } إلى {.... وَلَا تَحْزَنَ} وذلك أن فرعون حاذر زوال ملكه على يد رجل من بني إسرائيل ، فكان يقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، فأمر الله تعالى أم موسى لما خافت عليه القتل – كما يقتل غيره من أبناء بني إسرائيل ، لأنه منهم – أن تلقيه في التابوت ويلقيه في البحر ، وليلقه البحر بالساحل ، ويأخذه عدو الله وعدوه ، وليرجع به إلى أمه لتربيه بأمان من القتل ، لئلا يعرفوه أنه من بني إسرائيل . فانظر إلى هذه الحكمة الباهرة ، لأن الله غالب على أمره إلى أن {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ }.

{ وَقَتَلْتَ نَفْسًا} نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي. { فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} غم قتله خوفا من عقاب الله واقتصاص فرعون ، بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين . { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} وابتليناك ابتلاء ، أو أنواعا من الابتلاء ، على أنه جمع فتن ، فخلصناك مرة بعد أخرى ، وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ، ومفارقة الألاف ، والمشي راجلا على حذر وخوف ، وفقد الزاد ، وأجر نفسه إلى غير ذلك ، أو له ولما سبق ذكره . { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين ، { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ} قدرة لأن أكلمك وأرسلك ، غير متقدم وقته المعين ، ولا مستأخر ، { يَا مُوسَى} كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.

{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} واصطفيتك لمحبتي وعبادتي ورسالتي ، وإلا فكل الخلق قد خلقهم لعبادته ، لكن اصطنعه لنفسه على علم منه أنه مستأهل لما جعله له ، { اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} بمعجزاتي ، { وَلَا تَنِيَا} بمعنى: التواني ، أي: ولا تقصرا تعطلا وتبطلا{كذا} . { فِي ذِكْرِي} ، ولا تنساني حيث تقلبتما ، وقيل: في تبليغ ذكري ، والدعاء لي.

{ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } مثل:{  هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } ، فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة ، احذروا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما . { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} أي: باشر الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر ، ولا يخيب سعيكما ، فإن الراجي مجتهد ، والآيس متكلف .  والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد ، مع علمه بأنه لا يؤمن ، إلزاما للحجة ، وقطعا للمعذرة ، وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات ، والتذكر للمتحقق ، والخشية للمتوهم.

{ قَالَا:رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا} أن يجعل علينا بالعقوبة ، أن يعجل علينا بالعقوبة ، ولا يصير إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة ، أي: نخاف أن يحمله حامل من استكبار ، أو خوف على الملك ، أو شيطان إنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب ، {أَوْ أَن يَطْغَى} أي: يجاوز: الحد في الإساءة إلينا.

{قَالَ : لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا} بالحفظ والنصرة {أَسْمَعُ وَأَرَى} ما يجري بينكما ، وبينه من قول وفعل ، فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما ، ويوجب نصرتي لكما.

{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا : إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أطلقهم {وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} بالتكاليف الصعبة ، وقتل الولدان ، {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} لا يتأتي إتيانها بقوى البشرية ، {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} السلامة في الدارين لهم ، كما أن عذاب الدارين لمن تولى وكفر . والعذاب ضده السلام ، فلا يجتمعان في حق شخص واحد في محياه ومماته ، بدليل قوله: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أن عذاب المنزلين على من كذب وتولى.

{قَالَ : فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ؟ قَالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ} من الأنواع {خَلْقَهُ} صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له ، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ، ويرتفقون به ، وقيل: أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا ، وقيل: أعطى كل مخلوق ما لا يستقيم إلا به ، وقيل: أعطى {كل} شيء صلاحه ، وهداه لما يصلحه . {ثُمَّ هَدَى} ثم عرفه كيف يترفق بما أعطي ، وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا ، وهو جواب في غاية البلاغة ، لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ، ودلالته على أن الغني القادر بالذات ، المنعم على الإطلاق هو الله تعالى ، وأن جميع ما عداه مفتقر إليه ، منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله . ولذلك بهت الذي كفر ، وأفحم عن الدخل عليه ، فلم ير إلا صرف الكلام عنه ، فقال:

{قَالَ: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى}؟ فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة؟ {قَالَ: عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أي: أنه غيب لا يعلمه إلا الله ، وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به {فِي كِتَابٍ} مثبت في اللوح المحفوظ. ويجوز أن يكون تمثيلا ، لتمكنه في علمه ، بما استحفظه العالم ، وقيده بالكتبة ، ويؤيده: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} والضلال: أن يخطىء الشيء في مكانه ، فلم يهتد إليه ، والنسيان: أن يذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك ، وهما محالان على العالم بالذات. ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة الله بالأشياء كلها ، وتخصيصه أبعاضها بالصورة ، والخواص المختلفة ، لأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها ، والقرون الخالية ، مع كثرتهم ، وتمادي مدتهم ، وتباعد أطرافهم ، كيف علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون معنى الجواب أن علمه تعالى محيط بذلك كله ، وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى.

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} أي: كالمهد تتمهدونها ، وقرى: {مهادا} وهو اسم ما يمهد ، كالفراش ، أو جمع مهد ، {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} وجعل لكم فيها سبلا بين الجبال والأودية والبراري ، تسلكونها من الأرض إلى الأرض لتبلغوا منافعها . {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ} عدل به من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية ، لكلام الله عزوجل تنبيها لظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة ، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته ، {أَزْوَاجًا} أصنافا سميت بذلك لازدواجها ، واقتران بعضها ببعض ، {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} أي: متصرفات في الصور والأغراض والمنافع ، يصلح بعضها للناس ، وبعضها للبهائم ، فلذلك قال:

{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل ، وارتكاب القبائح ، جمع نهية ، سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن المعاصي.

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب.

{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} بصرناه إياها ، وعرفناه صحتها. (لعله) من أوتي تأويل القرآن العظيم ، فقد أوتي من آيات الله تعالى. {فَكَذَّبَ وَأَبَى} الإيمان والطاعة لعتوه.

{قَالَ : أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى}؟ هذا تعلل وتحير ، ودليل على أنه علم كونه محقا ، حتى خاف منه على ملكه ، فإن ساحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه . {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} مثل سحرك ، {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ} فإن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان ، {مَكَانًا سُوًى} .

{قَالَ : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} قيل: يوم عاشورا ، أو يوم النيروز ، أو يوم عيد كان لهم في كل عام ، وإنما عينه ليظهر الحق ، ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ، ويشيع ذلك في الأقطار ، {وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} .

{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} ما كاد به ، يعني: السحرة وآلاتهم . {ثُمَّ أَتَى} بالموعد. {قَالَ لَهُم مُّوسَى: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بأن تدعوا آياته سحرا. {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} فيهلككم ويستأصلكم به ، والسحت: هو الهلاك . {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} كما خاب فرعون ، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه . وهذه الآية تعم جميع العصاة.

{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} أي: تشاورت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه ، فقال بعضهم:" ليس هذا من كلام السحر". {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى *  قَالُوا: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } تفسيرا لـ { َأَسَرُّوا النَّجْوَى}. { يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم} بالاستيلاء عليها ، لأنه إذا استولى عليهم فلم يبق لهم رأي ولا تدبير ، فكأنه في المعنى أخرجكم من أرضكم ، وكل ذلك حب للرئاسة ، كما قال:{ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ }.{ بِسِحْرِهِمَا ، وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب ، بإظهار مذهبه وإعلاء دينه ، لقوله:{ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ } ، وقيل أرادوا أهل طريقتكم ، وهم بنو إسرائيل ، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم ، لقول موسى: {أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، وقيل الطريقة: اسم لوجوه القوم وأشرافهم ، من حيث أنهم قدوة لغيرهم.

{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} أي : اجعلوا مجمعا عليه، لا يختلف عنه واحد منكم ، أي: اعزموا على الكيد من غير اختلاف بينكم فيه ، والكيد: يؤتى به على خفيه ، {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين ، قيل: كانوا سبعين ألفا ، مع كل واحد منهم حبل وعصا ، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة. {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} فاز بالمطلوب من غلب وترأس.

{قَالُوا : يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ ، وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} ؟ أي: بعدما أتوا مراعاة للأدب. {قَالَ: بَلْ أَلْقُوا} مقابلة أدب من الأول بأدب ، وعدم مبالاة بسحرهم ، وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم  ، وتغيير النظم في وجه أبلغ {كذا} ، ولأن يبرزوا ما معهم ، ويستنفدوا أقصى وسعهم ، ثم يظهر الله سلطانه ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه.

{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} قيل: إنهم لطخوها بالزئبق ، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت ، فخيل إليه أنها تتحرك. {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} فأضمر فيها خوفا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية ، أو أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه.

{قُلْنَا : لَا تَخَفْ} ما توهمت {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى} الغالب ، {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} تبتلعه بقدرة الله ، {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} وقرىء: { كَيْدُ سحر} بمعنى: ذي سحر ، أو بتسمية الساحر سحرا للمبالغة، { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} حيث كان ، وأين أقبل ، لأنه وهمي لا حقيقة له.

{ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} أي: فألقي ، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر ، وإنما هو من آيات الله ، ومعجزة من معجزاته ، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله ، توبة عما صنعوا وإعتابا ، وتعظيما لما رأوا ، ويجوز أن يكون الإلقاء بمعنى: الاستسلام والانقياد. { قَالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}.

{ قَالَ :آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} في الإيمان له؟ { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ} لعظيمكم في وقتكم وأعلمكم به ، أو أستاذكم { الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} وأنتم تواطأتم على ما فعلتم . { فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}.

{ قَالُوا: لَن نُّؤْثِرَكَ} لن نختارك { عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}المعجزات الواضحات ، {وَالَّذِي فَطَرَنَا} عطف على:ط ما جاءنا" . {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} ما أنت قاضيه ، أي: صانعه . {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} إنما تصنع ما تهواه ، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا ، والآخرة خير وأبقى.

{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} من الكفر والمعاصي ، {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} في معارضة المعجزة. روي: أنهم قالوا لفرعون: "أرنا موسى نائما" ، فوجدوه تحرسه العصا ، فقالوا:" ما هذا بسحر! فإن الساحر إذا نام بطل سحره " ، فأبى إلا أن يعارضوه. {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} جزاء ، أو خير منك ثوابا ، وأبقى عقابا.

{إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} بأن يموت على كفره وعصيانه. {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح ، {وَلَا يَحْيى} حياة مهنأة. {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا} بأن يموت على الإيمان ، {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ ، فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى } تطهر من أدناس الكفر والمعاصي.

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: من مصر ، {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا، لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} (لعله) قيل: لا تخاف فرعون ، ولا تخشى البحر . {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ} أي: علاهم من البحر {مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} أي: أضلهم في الدين ، وما هداهم.

ثم ذكر الله بني إسرائيل نعمه ، فقال(لعله) لإنزال الكتاب: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} (لعله) للميقات ، وهو من أجل النعم الدينية والدنيوية. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}.

{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} فيما رزقناكم بالإسراف ، وبإخلال عن شكره ، والتعدي لما حد الله لكم فيه ، كالبطر ، والمنع عن المستحق ، {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} فليزمكم عذابي في الدنيا والآخرة . ويجب عليكم من أجل الدين إذا وجب أداؤه. {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} فقد تردى وهلك ، ووقع في الهاوية من حيث لا يشعر.

{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} ثم استقام على الهدى المذكور، وقيل: علم أن ذلك بتوفيق الله له ، لا بقوته وحوله ، (لعله) وقيل: لزم الإسلام حتى مات عليه ، وقيل: علم أن له ثوابا ، وقيل: تعلم العلم ليهتدي كيف يعمل.