إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
1- مقدمة التفسير
طباعـة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمـــة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل لـه عوجا، وجعله إلى كل خير منهجا ومن كل شر مخرجا، أنزله كتابا معجزا بيانه، شاملا تبيانه، ساطعا برهانه، لا يرقى إلى شأوه كلام البشر، ولا تحيط بأسراره العقول والفكر، تتجلى في كل ظرف أسراره، وتسطع في كل أفق أنواره، أحمده حمد المستزيد من أفضاله، الراجي لمثوبته، المشفق من عقوبته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء علما وأوسع كل حادث حكما، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، جمعت رسالته ما تفرق في الرسالات وخلدت معجزته دون سائر المعجزات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا هداة البشرية، ومحاة الأمية، وأساتذة العالم وبناة التاريخ.

 

أما بعد:

 

فإن شرف الإنسان بتشريف الله له، وتفضيله إياه على غيره من الكائنات الموجودة في الأرض، وبما أودع فيه من الملكات والطاقات التي تؤهله للخلافة في الأرض والسيادة في الكون، ومن المعلوم أن تكوين الإنسان تكوين عجيب، فهو يجمع بين الروح والجسم والعقل والقلب والضمير والغريزة، ولكل منها طبعه وخصائصه وضروراته ومطالبه، فضلا عن كون أفراد الجنس الإنساني متشابكة مصالحهم، متداخلة معاملاتهم، وهذا كله يستوجب أن تسيطر على حياة النوع الإنساني قوة تنظم العلاقة بين جوانب الإنسان المتنوعة في نفسه والمصالح المختلفة المشتركة بين بني جنسه، وليست هنالك قوة ترشح لهذه المهمة أعظم من العقيدة السماوية التي ينبثق منها المنهج السليم لسلوك الإنسان في حياته، لأجل ذلك أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال/42)

 

وقد توالت مواكب جميع المرسلين حاملة إلى الخلق هداية الحق مشتملة- بجانب قضايا العقيدة- على حلول للمشاكل الخاصة التي تنوء بأثقالها المجتمعات التي تنزلت فيها تلك الرسالات سواء أكانت مشاكل إجتماعية أم ُخلقية أم غيرها، ولكن شعاع تلك الرسالات ما كان يمتد لأكثر من أجيال محصورة ولا يتعدى أحيانا شعوبا معينة، وأقاليم محدودة؛ لأنها كانت موقوتة، ولم يرد لها الخلود.

 

وعندما أراد الله إسباغ نعمته على خلقه أرسل محمدا -صلى الله عليه وسلم- برسالة خالدة تشتمل على كل ما تحتاج إليه الإنسانية من تنظيم لحياتها وحلول لمشاكلها، وكما تشتمل على كل ما تتشوق إليه نفس الإنسان من تبيان حقائق غيبية ترتبط مصالح الناس بمعرفتها واعتقادها. ولخلود هذه الرسالة العظمى فقد جمعت في ظل بنائها المتين الواسع بين فئات البشر من غير تفرقة بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين قوي ومستضعف، ولن نستطيع أن نقدر هذه الرسالة حق قدرها، ونكتنه عظمتها وشأنها إلا إذا استوحينا ذلك من إعلان الحق تعالى لمقام المرسل بها فقد قال عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/107) .

 

وهنا لا يملكه العقل إلا أن يقف وقفة الخشوع والتسليم أمام البيان الرباني عن عظمة الرسالة المتمثلة في عظمة الرسول,فقد بين-تعالى-أن الرحمة التي تجسدت في هذه الرسالة لم تكن مقصورة على البشر, ولا على الأرض وسكانها، وإنما هي شاملة للعالمين، والعالمون جمع عالم والعالم كل ما كان علامة ودليلا على وجود الحق تعالى. وهذا يعني أن كل ذرة في هذا الكون مغمورة بهذه الرحمة، مشمولة بهذه النعمة، ولكن الهدف الأساسي بهذه الرسالة إصلاح النوع الإنساني، لأنه الخليفة في الأرض، والقطب الذي تدور عليه رحي هذا الكون. وإصلاح الإنسان يكون نفسيا واجتماعيا، والإصلاح النفسي هو التنظيم الدقيق بين جوانب الإنسان المختلفة بحيث لا يطغى أثر جانب على آخر فلا توفر مطالب الجسم على حساب الروح، ولا تلبى مطالب الغريزة على حساب الضمير والعقل ولا عكس ذلك، ولكن تراعى مطالب الروح والجسد معا، وأشواق القلب وتطلعات العقل جميعا، حتى لا يحدث أي نشاز وتضاد بين جانب وآخر، وأما الإصلاح الاجتماعي فهو رعاية جميع مصالح الناس على اختلافهم من غير توفير لأحد على حساب غيره، وهذا كله تنطوي عليه هذه الرسالة الخالدة.

 

والقرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه- عليه أفضل الصلاة والسلام- هو منبع هذا الخير كله، ومطلع هذه الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس فبدد منها الظلمات، واستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت/42) ونجد من خلال تلاوتنا لـه ما يدلنا على عظمة محتواه وعلى القصد من إنزاله فالله تعالى يقول: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( (البقرة/2) ويقول: ) كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( (إبراهيم/1) ويقول:  )إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء/9) ويقول: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) (الزمر/23) ويقول:  (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (ص/29) ويقول:  (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ( (يونس/57) .

 

ولقد وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- القرآن الكريم وصف العارف به، كيف لا؟ وهو الذي أنزل عليه ليبينه للناس، يقول تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل/44).

 

 

 ولعل أجمع حديث لصفات القرآن ما رواه الإمام أحمد الترمذي عن الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، قيل يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم, وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين والذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء, ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) (الجن/1) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم بع عدل، ومن عمل به أجِر, ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم).

 

ومهما قيل في إسناد الحديث فإن البريق الذي يلمع من عباراته دليل على تألقه من مشكاة النبوة، فإن هذه الإحاطة الدقيقة بصفات القرآن لا تكون إلا ممن أنزل إليه، وقصارى ما يمكن أن يصل إليه فهمنا من هذا الوصف الجامع للقرآن الكريم احتواء القرآن على كل ما يحتاج إليه الإنسان من عِبر يستفيدها ممن مضى قبله، وخبر يتطلع إليه من وراء حجاب المستقبل الغيبي، وحكم يقيم عليه علاقته ببني جنسه، وأن كل من جانبه من جبار إعراضا عنه لابد لـه من قاصمة، وأنه فصل ليس بالهزل وكيف يكون هزلا أو يحتوي عليه وهو كلام رب العالمين؟ وأنه حبل الله الذي لا ينقطع بمن تمسك به، ونوره الذي لا يضل من استبصر به، وذكر منه لا تستولي الغفلة على من دأب عليه، وصراط مستقيم لا يزل من سلكه, ولا يضل.

 

 والحديث يتضمن التحذير من سوء العاقبة لأولئك الذين يضربون بشريعة القرآن عرض الحائط، متمسكين بقوانين صاغتها عقول البشر القاصرة، وأنظمة معوجة لا صلة لها بالفطرة الإنسانية، وهؤلاء يحتويهم وعيد الحق في قوله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه/124) وفي حديث عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أخرجه ابن الأنباري النحوي ما يتفق مع محتوى الحديث السابق؛ فقد جاء فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم) إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد. فأتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول(الم) حرف، ولا ألفّين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله)، وفي قوله عليه أفضل الصلاة والسلام (فتعلموا من مأدبته) دليل على أن هذه المأدبة بسطت لتكون غذاء الأرواح والأفكار لا لتكون غذاء المعدات والأجسام.

 

فالقرآن الكريم أنزل ليكون نورا وهدى يقوم المنحرفين عن الجادة, ويهدي الضالين عن الحق، وفي حديث أخرجه مسلم عن عمر (رضي الله عنه) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( إن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويخفض آخرين)، وهو يعني أن الله يرفع به الذين يهتدون بنوره، ويقفون عند حدوده ويخفض به الذين يضلون عنه ويبغونه عوجا، لا يبالون بشيء من حلاله وحرامه.

 

هذا وبما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي اختاره الله من بين خلقه لإنزال القرآن عليه أعلم الناس بمقاصد التنزيل, ومسالك التأويل كان المرجع في بيان ما غمض من الكتاب, وتفصيل ما أجمل، وتوضيح ما استشكل، وهذه المهمة لم يتسور إليها من قبل نفسه، وإنما وكلت إليه من قبل ربه، فالله تعالى يقول له( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل/44) وهو- عليه أفضل الصلاة والسلام- لم يكن ينطلق في تبيان القرآن من هواه، وإنما كان ينطلق في ذلك، وفي كل شيء من وحي الله (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم/3، 4) .

 

ولذلك قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: (ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه) يعني بذلك سنته المطهرة التي فيها إيضاح ما انبهم من الكتاب، وتفصيل ما أُجمل, ومن ثم كانت أقواله وأفعاله وتقريراته -صلى الله عليه وسلم- تشريعات لأمته، تهدي للتي هي أقوم، وتكشف عما توارى عن الأفهام من معاني القرآن، ومن هنا نجد في آيات الكتاب التأكيد الذي يلي التأكيد على اتباعه -صلى الله عليه وسلم- في أمره ونهيه والتأسي بأفعاله والتخلق بصفاته، يقول تعالى: ) وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( (الحشر/7) ويقول سبحانه: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران/31) ويقول: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب/21) ويقول: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)(النساء/80) ، والنبي -صلوات الله وسلامه عليه يقول: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنتي).

 

ونحن إذا عدنا نتصفح تاريخ السلف الصالح الذين تلقوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن غضا طريا، فكان هجّيراهم آناء الليل وأطراف النهار نجد أنهم بالقرآن والسنة استطاعوا تحقيق الأماني التي لا يكاد العقل يتصورها، فقد كان القرآن مصدر عزتهم وقوتهم، وبإدراكهم لذلك كانوا يدأبون عليه تلاوة وعملا ودراسة، وكانوا تتمثل فيهم صفات الإيمان بالقرآن التي ذكرها الله تعالى في قوله (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ, تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ َ) (السجدة/15، 16).

 

 وكانوا متفاعلين معه في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه وأمثاله، قد أشربت قلوبهم حبه، وجرى في أرواحهم وعقولهم مجرى الدم في العروق، منعكسة آدابه وأخلاقه على معاملاتهم، فكان كل منهم صورة حية لهداية القرآن، متأثرين في ذلك بالرسول العظيم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- الذي تصفه أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) بقولها- كان خلقه القرآن- يصدرون في السلم والحرب والرضى والغضب والمكره والمنشط عن توجيهه ودلالته، فكان الجندي منهم إذا انطلق مجاهدا في سبيل الله يضع كتاب الله نصب عينيه، لا يرفع السيف ولا يضعه إلا بإشارته، وهذا الذي دعا أعداءهم إلى إكبارهم وخشية بأسهم, فكانوا يتناقلون صفاتهم فيها بينهم في عبارات كلها ثناء ومدح، فعندما هزموا جيوش الروم حين زحفوا على أرض الشام اجتمع هرقل عظيم الروم بقادة جيشه لدراسة أسباب الهزيمة فوجد القادة متأثرين إلى حد بعيد بما وجدوه في جنود المسلمين وقادتهم من صفات الرجولة والشهامة والورع والتقوى وتأثير القرآن عليهم، فبينما يصفهم واحد منهم بقوله :

" هم رهبان بالليل فرسان بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه"، إذا بآخر يبزه في الوصف إذ يقول " أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان يريشون النبل ويروونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر"، وقد سلك هذا المسلك: مسلك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كل الذين استقاموا على طريقتهم، وعاشوا على مبادئهم وماتوا في سبيلها.

 

لقد سمعنا علما من أعلام هؤلاء وهو الإمام القائد أبو حمزة الشاري -رحمه الله- سمعناه على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجلجل منه صوت الحق, دفاعا عن أصحابه الذين باعوا أنفسهم لله بكلمات وعاها الزمن، وخلدها التاريخ نقتصر منها على ما يلي:

" لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه".

 

 ونجد هذه الصورة تتكرر في أخلاف أولئك الذين مضوا على طريقهم فيعود هذا الوصف نفسه على لسان الشاعر الكبير العلامة أبي مسلم -رحمه الله- إذ يقول:

تراهم في ضمير الليل صيرهم            مثل الخيالات تسبيـح وقرآن

 

وفي قوله:

أكبوا على القرآن شربا لمائه       فأصدرهم والكل ريـان هائم

 

وبسبب هذا التفاعل العجيب مع روح القرآن استطاع السلف الصالح أن يبثوا هدايته في الأرض، فقد فتحوا القلوب الغلف، وأسمعوا به الآذان الصم, وبصروا به الأعين العمي، ودحروا بسلطانه القوى الكبرى التي كانت تقف في وجه الدعوة إليه، فقد دحروا قوة كسرى وقيصر وقهروا جيوشهما بقوة القرآن الكريم، فأخذ نور هذا القرآن يسطع في آفاق الأرض، ممزقا حجب ظلمات الجاهلية التي كانت ترين على قلوب الناس فدخلت الأمم في دين الله أفواجا، وتم ما وعد الله به المؤمنين من استخلافهم في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم.

 

 وقد بقي هذا القرآن هو القلعة المتينة التي يحتمي بها الإسلام، ويأرز إليها في كل شدائده ومحنة التي تقذفه بها أحداث الزمن، ولولا القرآن ما وصل إلينا من الإسلام شيء، بل لولا القرآن لم تبق لنا لغتنا العربية الفصحى متألقة عبر القرون، ولولاه لم تخرج من محيطها الضيق في جزيرة العرب لتكون لغة الدين والدنيا، يجهد أبناء العجم في بنائها كأبر أبنائها، خدمة لكتاب الله الذي شرف الله به لغة العرب، وحبا في النبي العربي الذي أنقذ الله به الإنسانية، ولولا القرآن لما انسلخ العرب، من عاداتهم السيئة وتحرروا من أوهامهم المطبقة، وخرجوا من مجتمعاتهم الضيقة التي كانوا فيها أشبه بالسباع المفترسة في غاباتها يأكل الكبير الصغير ويعدو القوي على الضعيف، فقد أخرجتهم هداية القرآن من هذا المحيط الضيق الذي كانوا يعيشون فيه إلى محيط الأرض كلها، وحولتهم من جاهليتهم الحمقاء، وصيرتهم هداة البشر وقادة الأمم، ينظرون بعين المودة من أحبائهم ,وبعين المهابة من أعدائهم.

 

إن القرآن هو الذي أرهف حسهم، ورقق طباعهم وصفى وجدانهم, وحرك في نفوسهم مشاعر الرحمة للإنسانية, فكانوا مثالا في طيب الخلق, وحسن المعاملة, حتى قال قائل من علماء الإجتماع الغربيين " ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب".

 

إن هذا القرآن هو الذي بعث في نفوسهم الهمم, وأوقد في قلوبهم العزائم، فانطلقوا في أرجاء الأرض، مستهدفين كل جبار عنيد وشيطان مريد، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الأكاسرة والقياصرة ووطئوا بنعالهم على تيجانهم، فحرروا الشعوب المستضعفة المقهورة المحكومة بنير الجبارين، وبطش الظالمين، وأبدلوها بالذل عزا، وبالخوف أمنا، وبالإستكانة إباء.

 

وعندما أخذ المسلمون- وفي مقدمتهم العرب- ينأون عن القرآن وهدايته ويتبعون السبل المتفرقة كانت النكسة الأليمة التي أصيبت بها الإنسانية كلها، إذ أخذت الجاهلية الحديثة بزمام قافلة البشرية تقودها إلى حافة الإنتحار، والمسلمون أنفسهم من ضمن الركب (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)(النساء/98) بل المسلمون صاروا بانحرافهم عن طريق القرآن من أشد الناس شقاء, وأتعسهم حالة، وألبسهم للذل, وأوغلهم في التخلف, ولا غرو فقد أفلتوا سبب العز من أيديهم، وتفرقت بهم السبل بضلالهم عن سبيل الله، واستولت على عقولهم الظلمات لتعاميهم عن نوره المبين، فاختلت نتيجة ذلك عندهم الموازين، وتبدلت المقاييس، فأصبح المعروف عندهم منكرا والمنكر معروفا، والحق باطلا والباطل حقا، والفضيلة رذيلة والرذيلة فضيلة، والعز ذلا والذل عزا, لأنهم لم يأخذوا بموازين القرآن ولم يستخرجوا منه مقاييس الأمور، وإذا تلي عليهم القرآن وذكروا بآياته خروا عليها صما وعميانا، واستعاضوا عن صوت القرآن أصوات القيان ومزامير الشيطان، وقصرت عند كثير منهم تلاوته عند حدوث المصائب, وقد تفتتح به برامج الإذاعة المسموعة والمرئية وتختتم، وما يدور بين الإفتتاح والإختتام معظمه حرب على القرآن وهدم لما شيده، كما تفتتح وتختتم به الحفلات التي كثيرا ما تكون مجانبة لأمره بعيدة عن هديه.

 

وإذا كان الصحابي الجليل ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- يرى أن تلاوة القرآن مع ترك العمل به مؤدية بصاحبها إلى الوعيد الذي جاء في قوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه/124) فما بالك بأولئك الذين يحفظون عناوين الأغاني المائعة, والقصص الماجنة أكثر مما يحفظون أسماء سور القرآن.

 

 ولقد قيل قديما" لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" فطريق العز لهذه الأمة طريق واحد وهو واضح لا غموض به ومستقيم لا التواء فيه، يتمثل هذا الطريق في هذا القرآن وهو المشار إليه بقولـه تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام/153).

 

 فما أحوج المسلمين اليوم إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد، وبناء هيكل حياتهم على أسس صلبة متينة من تعاليمه سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة أو الإقتصاد أو الأدب أو الثقافة أو الإجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله ليسطع على العالم ما بقى الدهر، وليقود الإنسانية إلى الرشد، لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة وصدق الله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام/38) .

 

 

وإذا كان العالم اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة يواجه فيها صحوة إسلامية مشرقة، يتألق نورها في عقول شباب المسلمين، فإن الواجب يفرض على جميع أفراد المسلمين أن يضافروا جهودهم- كل بحسب ما يملك- وأن يحشدوا جميع طاقاتهم المادية والمعنوية للمحافظة على سير هذه الصحوة في مسلكها السليم وانتشارها بنور من وحي القرآن حتى لا يعتريها الشذوذ أو الإنحراف.

 

لذلك رأيت لزاماً عليَّ أن أسهم في هذا العمل الإسلامي حسب طاقتي ولو بجهد متواضع، وقد كنت من نحو عقد من السنين أحلم بأن أنال شرف خدمة القرآن لكن يصدني قصور نفسي وعظمة الأمر المطلوب, وعدم توفر الوقت الكافي لمثل هذا العمل الخطير، فبقيت خلال هذه المدة مترددا بين طموح نفسي وشعوري بعجزها، حتى استخرت الله تعالى فتيسر لي إلقاء دروس في التفسير (بجامع قابوس بروي) أمام طلاب معهد إعداد القضاة وغيرهم وسائر المستفيدين، وكانت الفرص التي أتيحت لي للقيام بهذا العمل كأنما انتزعها القدر انتزاعا من قبضة الدهر فأهداها إلي أو اختلسها الجد اختلاسا من بين رقابة الزمن، فمنحني إياها والحمد أولا وآخرا لله الذي له الفضل والمنة، وقد ابتدأت الدرس الأول بما سطره القلم هنا, ثم واليت بعد ذلك الحديث عن التفسير والمفسرين وعن إعجاز القرآن الكريم راجيا من الله تعالى أن يوفقني لإتمام ما قصدت حتى آتي على ما يمكنني بيانه من معاني آي الذكر الحكيم من أول الفاتحة إلى خاتمة "الناس".

 

وقد اقُترح علي أن أدون هذه الدروس بعد تفريغها من الأشرطة, لتعم فائدتها المستمعين والقراء، فاستجاب ضميري لهذا الاقتراح مع الصعوبات التي تكتنفه، وإنما شجعني وقوف إخوان أعزة علي بجانبي يسددون خطاي، ويأخذون بيدي، وإني لأرجو من الله تعالى أن يوفقني لإتمام هذا العمل على الوجه الذي يرضيه كما وفقني لابتدائه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم, وأن يجعله سببا للفوز في يوم الدين وأن يعم بنفعه جميع المسلمين.

 

هذا ومما هو جدير بالذكر أنني لا أتقيد في التدوين بنصوص عبارات الدروس وإنما أحافظ على روحها ومضمونها، ذلك لأن مجال التدوين يختلف عن مجال الإلقاء الإرتجالي، فلا مناص عن تهذيب العبارات واختصارها بحسب ما يمكن، وكان إلقاء أول درس من هذه الدروس بعد صلاة المغرب من ليلة الأربعاء، السادس من المحرم الحرام عام 1402هـ ومن الله التوفيق وعليه التكلان.

 

أحمد بن حمد الخليلي

مسقط 10 صفر 1402هـ