إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
سورة آل عمران: الآيات (86-95)
طباعـة

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)

 

{ كيْفَ يَهْدِي اللهُ } هداية توفيق، وأما هداية بيان فوقعت لهم { قَوْماً } هم هؤلاء الاثنا عشر المرتدون، استبعد هدايتهم أو نفاها، لأنهما كهم في الضلال بالردة بعد غاية وضوح دين الإسلام، كما قال:

 

{ كَفَرُوا بَعْدِ إِيَمَانِهم } وذلك في الاثني عشر المذكورين، قضى الله عليهم ألا يتوبوا إلا الحارث بن سويد، وليس كل مرتد لا يتوب، فإن بعض المرتدين تابوا وأصلحوا، وقد شرط الله تعالى في خذلانهم قوله:{ فيمت وهو كافر }[البقرة: 217]، فيجوز أن يموت المرتد بعد توبته من الردة، والآية استبعاد لتوبة المرتد، لا نفي، أو هي نفي في حق الاثني عشر، لعلم الله أنهم لم يتوبوا من قلوبهم، ولا يصلحون، ولو أرسلوا من مكة إلى أهلهم بالمدينة، انظروا، هل لنا من توبة، فالآية مؤيسة لهم عن أن يوفقوا، وقيل الآية في اليهود والنصارى، آمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ولما بعث كفروا حسدا، إذ كان من غيرهم.

 

{ وَشَهِدُوا أن الرَّسُولَ حَقٌ } عطف على المعنى كما يقال في غير القرآن عطف توهم، كأنه قيل بعد ما آمنوا وشهدوا فهو محفوظ بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق، أو حذف حرف المصدر، أي وما شهدوا، أي وشهادتهم، أو نزل الفعل منزلة الاسم، كما هو أحد أوجه في، تسمع بالمعيدي خبر من أن تراه، أو كفروا والحال أنهم قد شهدوا أن الرسول حق.

 

والآية دليل على أن الإقرار، غير الإيمان، بل الإيمان تصديق بالقلب، والإقرار وهو الشهادة إخبار باللسان عما في القلب، وقد يشهد ويقر ويوهم أن قلبه مواطئ للسانه وليس كذلك، ولا يكفى الاعتقاد عن الإقرار في التوحيد عند الجمهور، وذلك أن العطف يقتضى التغاير والقيد، وهو الحال مثلا غير المقيد وَجَآءَهُمُ البَيِّنَاتُ } الحجج الظاهرة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم عطف على شهدوا، أو المراد، والحال أنهم جاءهم البينات { وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ } هؤلاء المرتدين أو مطلق الكافرين بالردة أو بغيرها فقد ظلم نفسه وغيره.{ أُوْلَئِكَ جَزَآءُهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }.

 

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)

 

{ خَالِدِينَ فِيهَا } في اللعنة لا تزول عنهم، أي هم أبدا مطرودون عن الخبر مذمومون، أو خالدون في العقوبة، أو النار الدلول عليها باللعنة، أما لعنة الله فلا نتصور بلا نار، وأما لعنة الملائكة والناس فكذلك إلحاقا وتبعا لجريانهم على أمر الله، لا بالذات، لجواز أن تكون بغير النار عقلا،

 

والمراد بالناس المؤمنون، وهم الكاملون في الناسية، العالمون بمقتضى العقل، أو المراد الناس كلهم، فإن أجساد الكفرة كسائر الجماد تلعن العصاة الكفرة، ولا تقل تلعنهم الكفرة، لأنهم يلعنون من حالفهم،{ كل حزب ما لديهم فرحون }[المؤمنون: 53]، لأنا نقول، لا اعتبار للعن الكافر، لأنه يلعن الكافر الآخر لمخالفته كفره لا لمخالفة دين الله، ولأن لعن الكافر لغيره لمخالفة دينه يشمل المؤمن.

 

واللعن يكون على الوصف كلعن من يشرب الخمر، وعلى التعيين كما " مر صلى الله عليه وسلم بحمار وسم في وجهه، فقال، لعن الله تعالى من فعل هذا " ، ولعن الملائكة قد لا ينفذ، كما يلعنون من خرجت بلا إذن زوجها، فإنها قد تتوب إن قضى الله أن تتوب، وقد يجعل الله لهم علامة ألا يلعنوا من قضى الله له بالتوبة { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ } بأن ينقص بعضه ويدوم باقيه، لا يكون ذلك { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } لا يرحمون، فهو كناية أو مجاز، ولا يهملون بترك العذاب ساعة، من الإنظار بمعنى التأخير.

 

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)

 

{ إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا } من الكفر الأصيل، أو من كفر الردة، فالاستثناء متصل، كأنه قيل، الكفرة ملعونون، كفرا أصيلا أو كفر ردة،، إلا من تاب منهم فلا لعن عليه، فلا حاجة إلى جعله منقطعا { بَعْدِ ذَلِكَ } الارتداد أو الكفر مطلقا { وَأَصْلَحُوا } أي اعتقادهم وأعمالهم مع الخالق والمخلوق، أو دخلوا في الإصلاح { فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لهم ولكل مذنب تائب.

 

نزلت الآية في الحارث بن سويد، كما أخرجه النسائي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، ارتد، فلحق بمكة، وندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، هل له من توبة، فسألوه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فبعث بها إليه أخوه الحلاس، بضم وتخفيف، وقيل بالتشديد، مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، وخصوص السبب لا ينافي عموم الحكم المفاد باللفظ العام.

 

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)

 

{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً } كاليهود، كفروا بعيسى والإنجيل، ومحمد القرآن بيد بعثه، بعد الإيمان بموسى والتوراة والقرآن ومحمد قبل بعثه، وازدادوا كفرا بمحمد والقرآن زيادة كم، وبالإصرار زيادة كيف، وبالطعن والصد عن الإيمان، ونقض الميثاق بعد بعثه زيادة كم، وكقوم ارتدوا ولحقوا بمكة، وازدادوا كفرا بقولهم: نتربص به ريب المنون، وإن صار غالبا نرجع إليه وننافقه زيادة كيف،

 

{ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } لإصرارهم إلى أن غرغروا وعاينوا فتابوا، أو لم يتوبوا إلا بعد الموت، أو المعنى لا يتوبون، لأن توبة المعاينة أو ما بعد الموت كلا توبة، لعدم التكليف، أو المعنى لا توبة لهم فضلا عن أن تقبل، فنفى اللازم بدل نفى الملزوم، كما تقول، لا جحر للضب في هذه الصحراء، بمعنى لا ضب فيها، وقيل، تاب قوم من أهل الكتاب من ذنوب غير الكفر، فلم تقبل توبتهم، وقيل، قال أصحاب الحارث، نقيم على الكفر حتى إذا شئنا تبنا، فينزل قبولنا كما نزل قبوله.

 

{ وَأُولَئِكَ هُمُ الضّآلُّونَ } الراسخون في الضلال بحيث لا يخرجون، فهم أعظم من أن يقال، الكاملون في الضلال، والكافر إما تائب توبة نافعة، كقوله تعالى:{ إلا الذين تابوا }[آل عمران: 89]، وإما تائب توبة فاسدة، كقوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم } ، وإما غير تائب، كقوله تعالى:

 

{ إنَّ الَّذِينَ كَفرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ } الفاء إشعار بأن عدم القبول مسبب عن موتهم كفارا، ولم تكن في لن تقبل توبتهم، لأن الارتداد وزيادة الكفر لا يكونان سببا لعدم قبول التوبة، بل هما نفس الذنب، وإنما السبب الغرغرة أو الموت، إلا أن ازدياد الكفر يوجب ازدياد الدين المانع من التوبة، ولم يعتبر هذا لأنه لا يتبادر إلا بالتوسط، وقرن خبر إن هنا بالفاء لأن اسمها على معنى العموم فكان كمن الشرطية، ولم يقرن فيما قبلهما لأن اسمها جاء لمعنيين فلم يشبه من الشرطية.

 

{ مِنْ أَحَدِهِمْ } هذا أبلغ من أن يقال منهم، لأن المعنى من واحد منهم كائناً ما كان { مِّلْءُ الأَرْضِ } شرقا وغربا وغيرهما إلى السماء الدنيا، وملء الشيء ما يملؤه، ولا أطراف للأرض مرتفعة ارتفاع أطراف الوعاء، فكان المراد ملء هوائها إلى السماء، وهذا أولى من أَن يقال، ملؤها تعميم ظاهرها { ذَهَبَاً } وهو أعز ما يملك، وكل أحد يعرف له قدرا، وكثرت معاملته، وكان أثمن الأشياء، ويزين به، بخلاف سائر الجواهر الثمينة كالزبرجد فإنه غير متداول بين الناس إلا قليلاً.

 

{ وَلَو افْتَدَى بِهِ } لا يخفى أن نقيض الشرط في لو أن الوصلتين أولى بالجزاء، ونقيض افتدى لم يفتد، ولا يصح هنا لو لم يفتد به ولو افتدى به، ولا افتدى به، فكيف لو لم يفتد، لأن الكلام في القبول، ولا يتصور مع عدم الافتداء، فإما أن يجعل المعنى والحال أنه افتدى به، كما قيل بزيادة لو، وإما أن تجعل الواو زائدة كما قرئ خارج العشرة شادَّا، بإسقاطها، وإما أن يقدر، لو تقرب به إلى الله في الدنيا لكفره ولو افتدى به من العذاب من الآخرة، أو لا يقبل ولو في حال الافتداء، وهو لا يمتن فيها إذ هي حالة قهر،

 

أو الآية عبارة عن عدم قبول الفدية مطلقاً، ولو كانت أضعاف ملئ الأرض، كما يعبر بالسبعين عن العدد الذي لا يتناهى، أو تجعل شرطية محذوفة الجواب، أي ولو افتدى به لم يكفه، أو لم ينفعه، أو لمَ ينجه من العذاب، ودل على ذلك قوله عز وجل:

 

{ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ } وإما أن يجعل أولئك لهم عذاب أليم جواباً، فلا يصح، لأن جواب لولا يكون جملة اسمية، للهم إلا إن ضمنت معنى إن، وفي البخاري ومسلم والطبراني عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل " ، فذلك قوله تعالى: إن الذين كفروا.. الآية { وَمَا لَهُم مِّن نّاصِرِينَ } بدفع العذاب أو تخفيفه.

 

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)

 

{ لَن تَنَالُوا البِرَّ } الإحسان الكامل الذي هو عبادة منكم { حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } أو لن تنالوا بر الله، أي إحسانه إليكم الكامل حتى الخ، أو لن تنالوا ثواب البر، أي ثواب الطاعة حتى الخ، وبه قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، ولن تكونوا أبراراً حتى.. الخ، والمراد الإنفاق الواجب وغير الواجب، والإنفاق من المال إطعاماً وإشراباً وإسكاناً، وإعارة، وإعتاقاً، ووقفاً من الجاه، ينفع به الأقارب والضعفاء، وغيرهم، ومن البدن في العبادات، وخدمة العلماء، والأولياء، والناس في كل ما يرجع إلى البدن، ومن تفويت البدن كالقتال في سبيل الله حتى يقتل، وذلك من عموم المجاز، وهو استعمال الكلمة في المعنى الموجود في الحقيقة والمجاز كالصرف هنا.

 

لما نزلت، " قال أبو طلحة: يا رسول الله أحب أموالي إليَّ بَيْرحى فضعها حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: بخ بخ، ذلك مال رابح أو رائح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " ، أي أقرباء طلحة، فقسمها أبو طلحة في أقربائه وبني عمه، وفي رواية لمسلم وأبى داود: فجعلها لحسان بن ثابت وأُبى ابن كعب، وذكر الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم الحديث.

 

وبيرحى بفتح الباء وكسرها وفتح الراء وضمها وكسرها، والمد والقصر بستان في المدينة، أو موضع فيها منه البستان، أو موضع قرب المسجد، أو أرض وهو فيعلى، أو فيعلاء من البراح، وهي المنكشفة، أو بير مضاف لقبيلة اسمها حاء ويخ بإسكان الخاء وكسرها، منون أو غير منون، وبالضم مخففاً ومشدداً مدح ورضاء بالشيء وتعجب، من أسماء الأصوات، ورايح بالموحدة ذو ريح، والمراد الثواب المضاعف، وبالهمزة والمراد رائح بصاحبه إلى الجنة كما في رواية.

 

وجاء زيد بن حارثة بفرس يحبها، فقال، هذه في سبيل الله فحمل عليها صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، فقال زيد، يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدق بها، فقال صلى الله عليه وسلم إن الله قد قبلها منك، رواه ابن المنذر، وابن جرير مرسلا، ويستفاد من الحديثين والآية، أن إنفاق أحب الأموال على الأقارب أو أقرب الأقارب أفضل، وكان ابن عمر ينفق السكر، فقيل، لو اشتريت طعاماً وأنفقته، فقال، نعم، لكن قال الله: حتى تنفقوا مما تحبون، وأنا أحب السكر وحضرته الآية فلم يجد إلا جارية رومية، تسمى لؤلؤة، وكانت أحب ماله إليه فأعتقها،

 

وعن الحسن ( كل ما أنفق المسلم من ماله لوجه الله تعالى فداخل في الآية ) والمراد من مطلق ما تحبون، والمال كله محبوب، والمشهور ما تقدم بمعنى ما تحبون أكثر من غيره وقيل، المراد الزكاة مما لا يسترذل، ومن أنفق من غير ما يحب نال ثوابا غير كامل، ومن لم ينفق غير الواجب فاته ثواب الإنفاق، أو ناله من عمل آخر، والفقير الذي لم يجد ما ينفق ينال الثواب من غير أعماله، وقد يكون أفضل من الإنفاق، وقد يكون الثواب الكامل بنية من لم يجد، ومن اللعب جعل ما مصدرية والمصدر بمعنى مفعول، أي من حبكم، أي محبوبكم فإنه يغنى عن ذلك جعلها اسماً واقعاً على المحبوب، أي الذي تحبونه، أو شيء تحبونه.

 

{ وَمَا تُنفِقُوا مِن شيء } زيادة في العموم، أي مطلق ما يسمى شيئاً، ولا دلالة لشيء على خبث أو طيب إلا من حيث العموم فليجعل مع مِن نعتاً لما، لا تمييزاً.

 

{ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } يجازى عليه، ولو رذلا، مما هو رذل، واجبا، أو رذلا من طيب نفلا، قليلا أو كثيراً، ولا يدل قوله عليم على الحث على إخفاء الصدقة، بل على الحث على مطلق الصدقة ظاهرة أو خفية قالت اليهود له صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك على دين إبراهيم وتأكل لحم الإبل وألبانها، وهو لا يأكلها وأنها محرمة على آدم ومن بعده إلى وقتنا هذا أو بعده فنزل قوله تعالى:

 

{ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاَّ لِبني إِسْرَاءِيلَ } يعقوب، أي كل المطعومات أي ما يؤكل أو يشرب، فشمل لبن الإبل، كقوله تعالى: { فمن لم يطعمه } ، والأحكام لا تطلق على الذوات، فالمراد تناول الطعام، وزعم بعض أنه يوصف العين بالحل، ونسبة لائمة الأصول، ويجوز إبقاء الطعام على معنى المصدرية، أي كل أكل وشرب كان حلا لبني إسرائيل.

 

{ إلاَ مَا حَرَّمَ إسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ } أي المأكول والمشروب، أو الأكل والشرب الذي حرمه إسرائيل على نفسه { مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } وهو، قيل لحوم الأنعام أو زيادتا الكبد والكليتان وشحم غير الظهر، والمشهور، وهو الصحيح، أنه لحم الإبل وألبانها لحصول عرق النَّسا له بها، فوعد، إن شفى، لم يأكلها ولم يشربها، فلم يحرمها عليهم، بل ذلك نذر منه، وقيل: حرمها على نفسه خاصة، فحرمها الله عليهم في التوراة اتباعا لبنيه له،، وكانت أحب طعام وشراب إليه، فتركها نذراً تقرباً إلى الله،

 

وزادوا في الحرمة أشياء لم تحرم عليهم جهالة وتشرعا، وزاد الله عليهم حرمة أشياء لبغيهم، قال الله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا } ، { وعلى الذين هادوا حرمنا } ، الآيتين، وذلك رد عليهم إذ قالوا، إن المحرم في التوراة محرم عَلَى من قبلهم، لا، بل حرم عليهم خاصة، حكمة لبغيهم، وقيل: حرمها على نفسه خاصة على أن الاستثناء منقطع، أي، ولكن ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، وهو حرام عليه خاصة، والصحيح ما مر من تحريمها عليهم أيضا، والاستثناء متصل.

 

وذكر الكلبي أنه لم يحرم سبحانه تعالى عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم بعدها بظلمهم، وقال السدي: لم يحرم عليهم في التوراة إلا ما حرموه قبلها، تبعا لأبيهم، وقيل: نذر ألا يأكلها هو ولا بنوه، وقيل: التحريم الامتناع للتداوي من عرق النَّسا بإشارة الأطباء له عليه السلام.

 

ودواء عرق والنساء <النسا > بالفتح والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ يمر بالعرقوب حتى يبلغ القدم كلما طال زمانه زاد حتى يبلغ الركبة والكعب، وربما امتد إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلتها، ويهزل معه القدم والفخذ، ويحدث منه العرج، وذكرت مداواته في تحفه الحب، ومنها، قطع إليه كبش عربي ولا كبير ولا صغير، يشرب كل يوم على الريق فطير ثلث قطعة مصلية، قال أنس: وصفته لأكثر من مائة شفاهم الله تبارك وتعالى.

 

ومن متعلق بكان أو بحلا، لجواز الاستثناء قبل ذكر ظرف، أما قبله نحو ما قام إلا زيد اليوم، وما جاء أحد إلا زيد على فرس بتعليق على بحاء، ويجوز تعليقه بحرم بياناً لتقديم التحريم على نزوله التوراة مشتملة على محرمات أخر.

 

{ قُلْ فَأْتُوا بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ } حتى يتبين للسامعين ولكم صحة دعواهم، أن كذا وكذا محرم، فلا تجدون دعواكم فيها، أو اتلوا محل دعواكم منها لا يوجد.

 

{ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ } فلم يأتوا بها ويقرأوها لعدم صدقهم فيما أخبروا عنها.

 

فإنما حرم إسرائيل لحم الإبل ولبنها نذراً، وليس في تحريمه ذلك دلالة على اجتهاد الأنبياء، لأنه حرمه نذرا، بمعنى أنه منع نفسه منها نذراً أو تطبباً بإشارة الطبيب، وأما دعوى أن إسرائيل حرم ما حرم لأن الله أمره بتحريمها فمحتمل أيضاً، فلا يدل على الاجتهاد ولو كان بعيداً، إذ لم يقل إلا ما حرم الله على إسرائيل، واحتج للاجتهاد بأنه طاعة، ولا طاعة إلا وللأنبياء فيها نصيب، بل أقوى في ذلك لمزيد فهمهم وصفاتهم، قلنا كم عبادة تكون لنبي دون آخر، ولأمة دون أخرى، بل خصت هذه الأمة بالاجتهاد، واحتجوا بقوله تعالى: { فاعتبروا يا أولى الأبصار }[الحشر: 2]، وقوله تعالى:{ لعلمه الذين يستنبطونه منهم }[النساء: 83]،

 

قلت: لا يلزم أن يكون الاستنباط والاعتبار اجتهادا ولا شاملين له، ولأن المستنبطين أنبياء، أو استنبطوا من الأنبياء وبقوله تعالى:{ عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم }[التوبة: 43]، وتأتى الآية، وزعم بعض، أن التوراة نزلت منجمة في ثماني عشرة سنة، كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات، وهو ضعيف، وكأنهم أجمعوا على نزولها مرة.

 

فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)

 

{ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ } في شأن تحريم ذلك على عهد إبراهيم ومن قبله كغير ذلك الشأن، وذلك غير داخل في القول، أي إذا تحقق ذلك، فمن افترى، أو داخل فيه، ومحل النصب لمجموع أتوا إلى الظالمون، لا لأتوا وحده فضلا عن أن يكون لهذه الجملة محل نصب عطفاً عليها، ولا محل له، ولو عطفناه على أتوا، بل المحل للمجموع { مِن بَعْدِ ذَلِكَ } أي قيام الحجة بأن التحريم من يعقوب.

 

{ فأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ } لأنفسهم ولمن غروه، ومن العجيب أنهم يجيزون كون من موصولة في كل موضع تصليح فيه معنى، مع أن الأصل في العموم من الشرطية لا الموصولة، ون الأصل في الفاء الربط في جواب الشرط لا الزيادة في خبر الموصول، وإنما يصار إلى الموصولة إذا قام دليل، وقيد البعدية لكمال القبح والوعيد، لا لإباحة ما قبلها، لأنهم مكلفون قبلها فيما يدرك بالعلم، فلو سألوا لأجيبوا، فليسوا قبلها كالصبي.

 

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)

 

{ قُلْ صَدَقَ اللهُ } في هذا وجميع ما أخبر به، وفيه تعريض بأنكم كذبتم أو صدق الله في أن ذلك النوع من الطعام صار حراما على إسرائيل وأولاده بعد حله، فصح النسخ، وبطلت شبهة اليهود، أو في أنها محللة لإبراهيم، وإنما حرمت على بني إسرائيل لأنه حرمها على نفسه، فمحمد أفتى بما وافق إبراهيم، أو في أن الأطعمة حلال لبني إسرائيل، فإنما حرمت على اليهود لقبائح أعمالهم جزاء.

 

{ فَاتَّبِعُوا } يا بني إسرائيل { مِلّةَ إبْرَهِيمَ } أي وهي ملتي، فما لم تكونوا عليها لم تكونوا على ملته، فمعنى ملة إبراهيم ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو اتبعوا ملة إبراهيم في تحليل ما أحل لكم، أو مثل ملة إبراهيم وهي ملتي، فإني لا أدعو إلى شرك أو تحريف. كما أن إبراهيم لا يدعو لذلك { حَنيفاً } عن كل ما سوى الله، وأكد نفى الشرك خصوصا بقوله { وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ } كما أنتم مشركون، فهذا تعريض بشركهم.