إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الكهف: الآيات ( 1 - 8 )
طباعـة

سُورَة الكَهف مكِّية وآياتها: (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ لله الذي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل له عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا من لَّدُنهُ وَيُبَشِّرَ الْمُومِنِينَ الذِّينَ يَعمَلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الذِّينَ قَالوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا (4) ما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ وَلاَ لِآبَائِهِم كَبُرَت كَلِمَةً تَخرُجُ مِنَ افوَاهِهِمُ إِن يَّقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (5)فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)

 

السُورَة تُسَمَّى سُورَة الكَهف وسُورَة أصحاب الكَهف وآياتها مائة وعشر آيات في مصحفنا، وهو المشهور، وورد في فضل السُورَة شيءٌ كثير: أحاديث مرفوعة من طرق متعددة في فضل قراءة سُورَة الكَهف خاصة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، رُوِيَ عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أنه قال: "من قرأ سُورَة الكَهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، لا يزال يضيء له إلى يوم القيامة، وغفر له بين الجمعتين"، وورد أيضاً حديث آخر: "أن البيت الذي تقرأ فيه سُورَة الكَهف لا يدخله شيطان"، وجاءت رواية أخرى: "من قرأ سُورَة الكَهف أضاء له نور ما بينه وبين البيت العتيق، وهو البيت الحرام"، وورد عن الحسن بن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يقرأ سُورَة الكَهف كلَّ ليلة، وذهب كثير من أئمة العلم إلى أن قراءة سُورَة الكَهف سُنّة في يوم الجمعة وليلتها، ورَوَوا أن ذلك من فعل النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.

 

وذكر بعض أهل التفسير أنها نزلت جملة واحدة وشيّعها سبعون ألف ملك، وإن ثبت هذا فهو يدل على فضلها ومكانتها بين سُورَة القرآن، وذكر البعض الآخر أنها نزلت مُنَجَّمَة، وأنا أرى الجمع بين الروايتين، فلا مانع أن تكون نزلت جملة واحدة، ثم نزلت بعد ذلك مُنجَّمة والله أعلم.

 

وورد في فضل حفظها وقراءتها أن صاحبها يحفظ من فتنة المسيح الدجال، وورد أن من قرأ خواتم سُورَة الكَهف عند نومه ورغب من الله أن يوقظه في ساعة معينة أن يستيقظ في تلك الساعة بإذن الله تعالى، ولا غرابة في هذا فإن في آيات الله سرًا، والله على كل شيء قدير.

 

وجاءت سُورَة الكَهف في الترتيب بعد سُورَة الإسراء، والترتيبُ تَوقِيفِيٌّ، والمناسبة بين السُّورتين قوية وظاهرة، نلمسها بين أول سُورَة الكَهف وبين آخر سُورَة الإسراء، كما نراها بين أول سُورَة الإسراء وآخرها وهذا شيء ملحوظ بين سُورِ القرآن كلِّها، فهي حلقات ذهبية متماسكة متناسقة.

 

فُتِحَت سُورَة الكَهف بذكر الحمد ونسبته إلى الله، وقبلها فتحت سُورَة الإسراء بالأمر بإسناد الحمد إلى الله تعالى، كما فتحت بتسبيح الله تعالى، فبَيْن فاتحتها وخاتمتها، وفاتحة الكَهف وخاتمتها تكتمل حلقات الكلمة التي وَرَدت ووُصِفَت بالباقيات الصالحات وهي: "سبحان الله والحمد الله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر"، وجاء ذكر الباقيات الصالحات في مطاوي سُورَة الكَهف، وإن كان معناها لا يقصر فقط على هذا الذكر بل هي لجميع الأعمال الصالحات التي يبقى أجرها وذخرها عند الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ، فالصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الحقوق والعدل والإحسان وأنواع الذكر والبر كلها باقيات صالحات.

 

ولنرجع إلى المناسبة القوية بين فاتحتي السورتين: الإسراء والكَهف لنرى بديع كلام ربنا تعالى: فُتحت الأُولى بالتسبيح، وفُتحت الثانية بالحمد وتمام الذكر باقترانهما: سبحان الله والحمد لله ففي التسبيح تنزيه للمولى تعالى عن جميع النقائص مما لا يجوز في حق مولانا العظيم، وفي الحمد إسناد أوصاف الكمال والكبرياء والعظمة والبر والرحمة والإحسان إلى مولانا العظيم، فما ألزم هذين الذكرين بعضهما لبعض وكثيرًا ما يقترنان معاً كما جاء في القرآن: {وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده} (الإسراء:44)، {إنما يؤمن بآياتنا الذِّينَ إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم} (الفرقان:58).

 

وجاءت الأحاديث أيضاً باقتران التسبيح والتحميد: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"؛ "سبحان الله العظيم وبحمده" فهما ذكران متلازمان متكاملان في حق الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ.

 

ثم لننظر في الآيتين كرَّة أخرى نجد الله يمتن على عبده ورسوله بالإسراء في السُورَة الأولى، وبإنزال الكتاب في السُورَة الثانية، ويختار من الأوصاف في كليهما أشرفها وألطفها فإضافة العبودية في شخص مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إلى الله تعالى يشرفه ويشعره بلطفه تعالى به، فما أحلى وقع هذا الوصف عند أولي الألباب فهو أحلى من كل وصف سواه، ولولا ذلك ما اختاره الله لحبيبه وصفِيِّه من خلقه، فمُحَمَّد عبدُ الله خاضعٌ له قبل أن يكون نبياً ورسولاً ولم ينل شرف النبوة والرسالة، ولم يرفع الله مقامه بالإسراء والعروج إلى السماء وبإنزال الكتاب عليه إلاَّ بعد أن قام بحق العبودية متذللاً لمولاه تعالى، فتواضعه لمولاه هو الذي رفع درجته عنده حتى أصبح محلاً لحفاوته وتكريمه، وناهيك بمن يرفعه الله إلى مقام لا يتسامى إليه جبريلُ أمينُ الله المكينُ عند ذي العرش، عليه من ربنا السلام وعلى سائر الملائكة الكرام، وهو مقام دونه كل مقام لم ينله نبي مرسل ولا ملَك مقرب، لقد شرَّف اللهُ من قبل نبيَّه موسى بميقاته الذي وقَّته له بعد أربعين ليلة، غير أن شرف هذا النبي أعظم فميقات موسى ـ عليه السلام ـ في جبل الطور وميقات مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ فوق سبع سماوات، وميقات موسى بعد موعد أربعين ليلة ليتطهَّر ويستعدَّ، وميقات مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ من غير موعد سابق، وفي هذا ما فيه من بيان فضله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وصدق الله العظيم: {وكان فضل الله عليك عظيمًا} (النساء:113).

 

{الحَمدُ للهِ الذِّي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ (1)}، انظروا إلى شرف هذا الوصف، وصف العبودية، ثم انظروا إلى تشريف إضافته إليه، وقد يبدُو لبعض أن لو اختار له وصف النبوَّة لَكَان أفضل، كلا بل اختيار الله أفضل من اختيارنا وفيه ما فيه من التعبير على سر التواضع، وإن تذلَّلنا بالعبودية لربِّنا رفع لمقامنا عندَه وعزٌ لنا، وأيُّ عز، وكَذلِك نجد هذا التعبير يجري في القرآن بالنسبة إلى سائر أنبياء الله {ولكنَّ الله يَمُنُّ على من يشاء من عباده} (إبراهيم:11) وفي لفظ التشهد: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".

 

 

ثم لنرجع إلى المناسبة بين سورتي الإسراء والكَهف نجد من بينها ذكر الأجوبة على الأسئلة الثلاثة الموزعة بينهما، وذلك أن اليهود قالوا لقريش حين سألوهم عن شأن مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ؛ قالوا لهم: "اسألوه عن أمور ثلاثة، فإن هو أجاب عنها كلها فليس برسول، وإن عجز عن الجواب عنها كلها فليس برسول، وإن أجاب عن بعضها وترك بعضاً مفوِّضا فيها الأمر إلى الله فهو رسول حقًّا"، فأجاب بإذن ربِّه عن بعضها وفوَّض البعض الآخر إلى الله.

 

سألوه عن الروح، وعن قصة أصحاب الكَهف، وعن ذي القرنين، فكان جوابُه عن الروح ما أوحي إليه في حقها وهو قوله تعالى: {ويسألونك عن الروحِ قل الروحُ من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً} (الإسراء:85)، فقامت عليهم الحُجَّة بهذا الجواب وبما بعده، وما منعهم من الإيمان برسالته إلاَّ الحسد والجحود، وقالوا كيف يقول لنا {وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً} (الإسراء:85) وقد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء، فأنزل الله في أواخر هذه السُورَة: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} (الكَهف:109).

 

وفي قصة موسى مع الخضِر عليهما السلام عبرة لهم ومزدجر، ومن لطائف الموضوع أن جاء الجوابُ عن سؤال الروح في سُورَة الإسراء وجاء الجواب عن المسألتين الأخريين في سُورَة الكَهف، ذلك لأن قضية الروح من علوم الغيبيات ومن أمور ما وراء المادة، فناسب أن تذكر في هذه السُورَة التي فيها قصة الإسراء والمعراج وما شاهد هناك رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ من أمور الغيب والملكوت مما يمكن أن يظهره الله عليه فلا مطمَع بعد ذلك في الاطِّلاع على ما وراء ذلك من علوم الغيب التي اختص الله بها، {عالم الغيبِ فلا يُظهر على غيبه أحداً، إلاَّ من ارتضى من رسول}الآية ـ (الجن:26ـ 27) وهذا الإظهار لا يكون إلاَّ بمقدار، فلو كان عِلم الروح ممكناً لكان أولى من يُظهَر عليه هذا الرسولُ الذي فتح الله له من آيات الغيب ما طوى عن غيره، فلا مَطمَعَ بعد لأحد من المخلوقات في الاطِّلاع على حقيقة الروح، فسبحان ربنا العليم الحكيم المتفرد بالعلم المطلق والحكمة البالغة لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

 

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتابَ وَلَم يَجعَل له عِوَجًا قَيِّمًا لِينذِرَ بَأسًا شديدًا من لَّدنهُ ويُبشِّر المومنين الذِّينَ يعملون الصالحات أن لَهُمُ أجرًا حسنا مَّاكثين فيه أبدا ويُنذِرَ الذِّينَ قالوا اتخذ الله ولدًا ما لَهُم بِهِ من عِلمٍ وَلاَ لآبَائِهِم كَبُرَت كَلِمَةً تَخرُجُ منَ اَفوَاهِهِمُ إن يَّقُولُونَ إلاّ كَذِبًا}

 

الحمد هو الثناء باللسان على ذي الكمال والجلال والإنعام والإفضال، تبارك ربنا وتعالى، وفيه معنى الشكر وهو الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، والله جلَّ وعلا مَجمَعُ المحَامدِ ومُفِيضُ النِّعم، أنعم علينا بنعمة عظيمة وهي إنزال كتابه هدًى ورحمة للمؤمنين، يقول علماء اللغة: "تعليق الحكم بالمشتقِّ يُؤذن بِعِلِّيَّة ما منه الاشتقاق، وتعليق الحكمِ بالصِّلة يدلُّ على أن ما في حيِّز الصلة هو العلة"، فإنزال الكتاب هو النعمة الكبرى التي لا تتناهى بركاتها، كيف لا؟ وهو الهادي إلى السعادة الأبدية بالنعيم المقيم ورضوان الله أكبر.

 

واختار الله هنا لرسوله الكريم صفة العبودية ونسبها إليه تشريفًا وتكريمًا وهي الصفة التي لا أشرف ولا أحلى منها في قلب النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وهو الذي يتشرَّف أن يكون عبداً لله ويعلو مقامه بتواضعه لربه، وهو القائل: (ولا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله).

 

ثُمَّ إن الله يسمَّى كتابُه {الكتاب}، فهو الكتاب الجامع من الآيات البيَّنات والهدى والفرقان، تقاصرت دونه الكتب، فهو الكتاب حقًّا يستحق اسم الكتاب، وغيره لا يستحق هذا الوصف وإن تَسَمَّى به، فَـ: {تبارك الذي أنزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرا} (الفرقان:01)، و {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} (الكَهف:01)، وجاء في آية أخرى وصفه: {قرآنًا عربيًا غير ذي عوج} (الزمر:28)، والعِوَجُ هو الانحراف عن القصد وهو عكس الاستقامة، وكتاب ربنا هو الصراط المستقيم لا انحراف ولا عوج ولا جَورَ في دَلاَلَتِه ولا في أحكامه ولا في أغراضه ومقاصده ولا في أمثاله وقصصه ولا في شيء من معانيه، ولا اختلاف ولا تناقض بين سُوَرِهِ وآياته فهي تفسر بعضها بعضًا ويؤيد بعضها بعضًا ويكفل بعضها بعضًا وكلُّها معجز لا ينقضي العجب منها {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لَوَجَدُوا فيه اختلافًا كثيرًا} (النساء:82).

 

فهو الكتاب المستقيم في مبناه وفي معناه، نزل بالحق، وبالحق أنزله الله لا ريب فيه هدى للمتقين، لا يزال الناس يغترفون من بحور بلاغته ومعانيه وأحكامه، ويستخرجون منه دُرَرَ البَيَان وجواهر المعاني وحقائق العلوم وفصل الخطاب ومقاطع الحقائق وقوانين الأحكام، من قال به صَدَق ومن عَمل به نجا ومن حَكَم بِه رَشَد ومَن دَعَا به هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، نَفَى الله عنه العِوَجَ وَسَمَّاه {قَيِّمًا}، يَقُولُ بَعضُ المفسِّرين في القَيِّم تأكيدٌ للمعنى الذي سبق، غير أن الوصف السابق جاء بطريق النفي وجاء هذا بطريق الإثبات، فالكتاب {قَيِّمٌ} أي مُستقِيم غير ذي عِوَجٍ، ونقول أنه لا يُصار إلى التأكيد إلاَّ إذا لم نجد معنى للتأسيس جديدًا، والعلماء يقولون: "التأسيسُ خيرٌ من التأكيد"، وإذا نظرنا في اللغة وما تدل عليه كلمة {قَيِّمٌ} نجد لها مدلولا قويًا فوق مدلول الاستقامة فهي تدل على القيام والقائمية {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} (الرعد:33) وهي تدل كذلك على الهيمنة وسُلطَة الحكم، فالقيِّمُ هو المهيمن على جميع الكتب التي سبقته ولا كتاب بعده فهو القيِّم عليها، ما وافقه منها قُبِلَ وما خالفه تُرِكَ؛ لأنَّ القرآن لا يناله ما نال الكتبَ التي قبله من التبديل والتغيير والتحريف، فهو الكتاب الخالد {الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} (فصلت:42) والقرآن هو القائم على شؤون الناس وهو الحَكَم العدل بينهم، فهو القيِّم بهذا المعنى أيضًا فهو القائم على المؤمنين يعلمهم ويُربِّيهم ويُصلّح شؤونهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، له السُّلطة والإشراف والقيام في كل شأن من شؤون الدنيا والدين، وله الحجَّة البالغة والشهادة المعدّلة يوم القيامة، فهو قيّم أبدًا؛ لأنه كلام قيُّوم السماوات والأرض، قيُّوم الدنيا والآخرة، فما أحراه بهذا الوصف وما ألزمه به أبدًا.

 

وفي اللغة أيضًا يقال: قيِّم لما له قيمة غالية وعظيمة {فيها كتب قيِّمة} (البينة:03) تقول هذا كتاب قيِّم أي نفيس لا يوجد مثله، فقد ظفرنا والحمد بكتاب ليس مثله في النفاسة كتاب، وهو قيِّمُنا وهادينا ومربِّينا ومهذبنا وهو حُجَّتنا بين يدي الله إن نحن عمِلنا بما فيه وجعلناه إمامنا وقيِّمنا.

 

وتنبغي وقفة قصيرة بين كلمتي {عِوجًا، قيِّمًا} حتى لا يُتوهَّم أن الثانية نعتٌ للأولى، وهذا تناقض لا يصح ولا يستقيم في المعنى، فقد نُفِيَت الأولى وأُثبِتَت الثانية، فينبغي الفصل بينهما بوقفة قصيرة نفيًا للوهم ودفعًا للغلط، فالكلمة الأولى تتعلق بما قبلها، والكلمة الثانية وصف ثابت للكتاب، ولها اتصال وثيق بما بعدها.

 

{قيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنهُ}.

فالغرض من إنزاله النذارة والبشارة، أنزل الله الكتابَ على عبده مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ليُنذر الناس بأسًا شديدًا وعذابًا أليمًا من قِبَل الله إن هُم تمادوا على ما هُم عليه من الكفر والضلال والفساد، إن لله بأسًا شديدًا أعدَّه للكافرين وبأسًا شديدًا يُنزلُه على المتمردين من خلقه الذِّينَ يخالفون أوامره ويعصُون أنبياءه ورُسُلَه ويتمادون في الغي والضلال، ثم بعد بيان الغرض الأول وهو النذارة والتحذير من سوء المصير، يعطف عليه البشارة للمؤمنين والنذارة للمشركين الذِّينَ نسبوا الولد إلى الله، فيقول:

 

{ويُبشِّر المومنين الذِّينَ يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ماكثين فيه أبدًا ويُنذِر الذِّينَ قالوا اتخذ الله ولدًا ما لَهم به من علم ولا لآبائهم كَبُرَت كَلِمَة تَخرُجُ مِنَ افوَاهِهمُ إن يقولون إلاَّ كذبا}.

 

ذكر الإنذار أولا ثم ذكر التبشير وأردفه بالإنذار مرة أخرى، وللمفسرين تأويلات في هذا التكرار للإنذار؛ قال بعضهم: "الإنذار الأول للكفار عمومًا، والإنذار الثاني خصوصًا للذين قالوا تخذ الله ولدًا"، كما يظهر من ظاهر التعبير، قالوا: "لأن من الكفار من لم ينسب الولد إلى الله فجاء الإنذار هنا خاصة للذين نسبوا الولد إلى الله زجرًا لهم"، وهذا تأويل جمهور المفسرين، ومنهم من قال غير هذا، ونحن نقول في تأويل ذلك غير ما قالوا ونكشف إن شاء الله عما هو أروع وأنسب لكلام الله البديع، نقول: من المعلوم أن الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ أرسل رسلا كثيرين، ونجد أسلوب القرآن البديع يختار وصفهم بالنذارة أولا {إني لكم نذيرٌ مُبِينٌ} (هود:25) ويسميهم نُذرًا {وَقَد خَلَت النُّذُر مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ} (الأحقاف:21) فَكَأَن الوظيفة الخاصة بالرسل هي النذارة، ولا يذكر البشارة إلاَّ في مقامات أخرى يقرنها بالنذارة كما نرى في هذا الموضع، بينما نراه يقول في شيخ المرسلين سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ {إنا أرسلنا نوحًا اِلَى قومه أنَ اَنذِر قومَك من قبل أن يَاتِيهِم عذابٌ اَليمٌ، قال يا قوم إني لكم نذير مبين} (نوح:01-02) نراه يقول في خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: {يَس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قومًا ما أُنذِرَ آباؤُهُم فَهُم غَافِلُون لَقَد حَقَّ القولُ عَلَى أكثرهم فهم لا يُومنون} (يس:01-07)، ويقول في أول سُورَة السجدة: {أَلَم تَنزيلُ الكِتَابِ لاَ رَيبَ فِيهِ من رَبِّ العَالَمِين أَم يَقُولُون افتَرَاهُ بَل هُو الحَقُّ مِن ربِّكَ لِتُنذِر قَومًا مَا أَتاهم من نَّذِير مِن قَبلِكَ لعلَّهم يَهتَدُون} (السجدة:01-03)، ويقول في سُورَة القصص: {وَمَا كُنتَ بِجَانبِ الطُّور إِذ نَادَينَا وَلكِن رَّحمة مِّن رَّبِّك لتنذِر قَومًا مَا أتاهم من نَّذير من قَبلِكَ لعلَّهم يتذكرون} (القصص:46)، ويقول في سُورَة الحجر: {وَقل انِّي أَنَا النَّذيرُ المبين} (الحجر:89).

فما هو سر هذا الوصف المخصص بالنذارة لرسله في كلام ربنا تعالى؟

 

يجب أن نبحث لنعرف السر في هذا الاختيار القرآني المتكرر في غير موضع، لَم أَرَ الجوابَ عن هذا فيما اطلعت عليه من التفاسير فاستمعوا إلى السر الذي فتحه الله لي لعلَّه يكون فيه الشفاء بالجواب الكافي: إنه من المعلوم أن كل رسول إنما يرسل إلى قوم ضالين كافرين سادرين في غيِّ الشرك والجهالة وفساد الأخلاق، والظلم في المعاملات وسيئات الأعمال، فهم في الظلمات تائهون، فناسب إذن أن يكون الرسول الذي يرسل إليهم نذيرًا والحالة هذه، ينذرهم من عواقب ما هم فيه من الغفلة والإعراض والظلم والإفساد، ففي مثل هذه الحالة يجدر ذكر الإنذار أولا، ويختفي التبشير هنا فكان من الطبيعي أن يقول لهم رسولهم إن ما أنتم عليه من الضلال والفساد يوجب عليكم نقمة الله وسخطه وعذابه، فاتقوا الله واتقوا عاقبة ما أنتم عليه، وتلك هي النذارة.

 

وكذلك فعل رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ لما نزل عليه قولُه تَعَالَى: {وأنذِر عَشِيرَتَك الأَقرَبِينَ} (الشعراء:214)، ونزل عليه قولُه: {يا أيُّهَا المدَّثِّر قُم فَأَنذِر} (المدَّثر:01-02)، فجمع قومه وعشيرته فقام فيهم خطيبًا فقال: "يا قوم أرأيتم لو أخبرتكم أن وراء هذا الجبل خيلاً مغيرة عليكم تُصبِّحُكم أو تُمسِّيكم ماذا تقولون؟ أكنتم مُصدِّقيَّ.؟!"، قالوا: "ما جرَّبنا عليكَ كذبة"، قال لهم: "إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد"، فنطق بالنذارة كما أمره الله؛ لأنَّ حالتهم تدعُو إلى النذارة، فالنذارة هي الوظيفة الأولى للرُّسل كما هو نصُّ القرآن، وما فسَّر القرآنَ مثل القرآن، فعلى ضوء هذا التحقيق نهتدي إلى سر الابتداء بالإنذار أولاً ثم بعده يأتي التبشير لمن اتَّبَع وسمع وأطاع، والإنذار لمن أعرض وتولَّى واتبع هواه وعصى، وهذا الإنذار الثاني له وقع خلاف وقع الإنذار الأول كما يظهر مما تقدم، فليس في التكرار إشكال، ولا تكرار في المعنى وإن تكرَّر اللفظ، والحمد لله على فتحه وهدايته".

 

ثم ننتقل إلى الآية التالية:

 

{ويُبَشِّر المومنين الذِّينَ يعملون الصالحات أنَّ لَهُمُ أجرًا حَسَنًا مَّاكِثِينَ فِيه أَبَدًا}.

 

يبشر رسول الله الذِّينَ آمنوا به واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أن لهم أجرًا حسنا ومثوًى كريما يمكثون فيه أبدا لا يبغون عنه حِوَلاً، يبشر المؤمنين الذِّينَ عادتهم ودينهم أن يعملوا الصالحات من الفرائض والسنن والنوافل، أن لهم أجرا حسنا، جعل الله جزائهم على إيمانهم وعملهم أجرا حسنا، نَكَّرَهُ لتعظيمه ثم وصفه بالحسن، والحَسَنُ ما حَسَّن الله، ثم وصفه بالدوام والبقاء، ولا يعلم إلا الله مدى هذا الحُسن وتمتع فيه الماكثين فيه أبدا الآبدين، والسر الأكبر في الخلود، فلو أن إنسانا خُيِّر بين قصر عظيم يسكنه لمدة قليلة ثم يخرج منه، وبين دار متواضعة يسكنه طول عمره على القصر الذي لا يستقر فيه، هذا إذا كان ما يدوم أقل قيمة مما يزول، فكيف إذا كان ما يدوم مقرونًا بالحسن والجودة؟ لا محالة هو الكمال الذي يصبُو إليه العاملون، فما قيمة عمر الإنسان في هذه الدنيا الفانية بالنسبة للأبد؟!، ثم ننتقل إلى آية الإنذار.

 

قال تعالى:

{ويُنذِرَ الذِّينَ قالوا اتخذ الله ولدًا ما لَهُم به من علم ولاَ لآبائهم كَبُرت كلمة تخرج مِّنَ اَفوَاهِهِمُ إن يَّقُولُونَ إلا كذبًا}

 

أمر نبيَّه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أن يُنذِر الذِّينَ قالوا اتخذ الله ولدا، وقولُهم هذا من أقبح أنواع الكفر وهو شرك فظيع من أفظع أنواع الشرك وأشنعه، وذلك أن نسبة الولد إلى الله زيادة على ما فيه من الكفر والإشراك يستلزم اتخاذ الصاحبة، وهذه جرأة كبيرة في حق ذي الجلال والإكرام {أنَّى يكونُ له ولدٌ ولم تكن له صاحبة} (الأنعام:101)، {وأنَّه تَعَالَى جَدُّ ربِّنا ما اتخذ صاحبَةً وَلاَ وَلَدًا} (الجن:03)، ذلك؛ لأن اتخاذ الولد يستلزم الزوجة، واتخاذ الزوجة شرك فظيع وشنيع وخسيس؛ لأنه أمر يستلزم الشهوة البهيميَّة، وهذا أمر يَجِلُّ عنه ربُّنا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، {وَقَالَت اليَهُودُ عُزَيرُ ابنُ الله وقَالَت النَّصَارَى المسيحُ ابن الله ذَلِكَ قَولُهم بِأفوَاهِهم يُضَاهُونَ قَول الذِّينَ كفروا من قبل قاتلهم الله أنَّى يُوفكون} (التوبة:30)، وَقَالُوا هم وغيرهم من الكفار: "الملائكة بناتُ الله"، فنسبوا الولد إلى الله فجعلوه أنثى وهو ما يكرهون، وليتهم جعلوه مما يشتهون وكل ذلك شرك وبعضه أشد من بعض، أنكر الله عليهم كل ذلك وحاجَّهُم بما يعلمون استحالته، ولا تقبله عقولهم وهو وجود الولد مع عدم الصاحبة {أنَّى يكون له ولد ولم تكون له صاحبة} (الأنعام:101)، نفى عنه الصاحبةَ والوَلدَ، ونسبهم إلى الجهل والقول بغير علم {ما لَهُم بِه من عِلمٍ وَلاَ لآبائهم}، نفى عنهم العلم، فهم يقولون ما لا يعلمون حقيقتَه ولا وُجوده، ولا آباؤهم الذِّينَ يُقلِّدُونهم في هذا القول يعلمون ذلك، ونفي العلم هنا يعني نفي وجود، لاَ نَفيَ عِلمٍ فقط، بل المدَّعَى معدومٌ، فكيف يُعلم مَا لاَ وجود له؟، وكذلك ينفي الله علم الشريك والولد حتى عن نفسه {قُلَ اَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الارض} (يونس:18)، فالمقصود ـ إذن ـ من نفي العلم هنا هو نفيُ الوجود مطلقا.

 

{كَبُرَت كَلِمَة تَخرُجُ مِن افوَاهِهِمُ إن يَّقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا}، ما أعظمها وما أفظعها كلمة تخرج من أفواههم، صيغة تعجُّب واستنكار لهذه الكلمة التي يتجرأ مخلوقٌ فيتفوه بها كفرا وجهالة، وليتَه إذ جَالَ فِي خاطِرِه نوعٌ من هذا الكفر كَبَتَه ولم يتفوَّه به، إذن يكون كفره هينا ولا يؤاخذه الله إذا كره ذلك من نفسه، ولكنهم كفار جهلة يجهرون بكفرهم ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، إن هو إلا الهوى وتقليد آبائهم، {إنهمُ أَلفَواْ آبَاءَهُم ضَالِّينَ فَهُم عَلَى آثَارِهِم يُهرَعُونَ} (الصافات:69-70)، وما قولهم هذا إلا كذب وزور لا شيء فيه من حقيقة فهو كذب محض باطل كله، لا علم له به ولا وجود لما يقولون.

 

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفسَكَ عَلَى آثَارِهِمُ إن لَّم يُومِنُوا بِهَذاَ الحديث أسفا (6)}

 

لعلَّ ـ هُنَا ـ للتحذير من أمرٍ واقعٍ وهو: الأسفُ، وأمرٌ مُتوقَّعٌ وهو: إهلاكُ النَّفس وراء هذا الأسف والحزن الشديد؛ لأن النبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ حَزِن حزنًا شديدًا ممزوجا بالغضب على قومه الذِّينَ لم يؤمنوا بالقرآن كلام الله الحق بعدما تبين أنه من عند الله، لأنهم عجزوا بعد التحدي أن يأتوا بسُورَة من مثله.

 

نهى الله نبيَّه أن يهلِكَ أسفا على عدم إيمانهم، والبخعُ: إجهادُ الشيء وتحميله فوق طاقته، يقال: فلان بَخِع أرضَه إذا أجهدَها بالحرث في كل عام ولم يتركها تستريح وتسترجع قوتها، ونهيُ اللهِ وتَحذِيرُه لِنبيِّه في رأفة به وتسلية وتطمين بأنه قد بلَّغ ولم يقصِّر؛ لأن حزن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ على عدم إيمان قومه فيه إشفاق وخوف من أنه ربما يكون ذلك لعدم قيامه بواجب التبليغ كما ينبغي، فسلاَّه الله وطَمأَنَه وقال له: لا تهلِك نفسَك، ولا تقتلها أسفا، فما عليك بعد أن بلغت أَلاَّ يؤمنوا؛ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، ونَفسُك أعزُّ عند الله من أن تهلكها على آثارهم أسفا.

 

وللمفسِّرين في قوله: {عَلَى آثَارِهِم} تأويلات، منهم من قال: "وراءَهم"، أي بعد إعراضهم، ومنهم من قال: "بعد موتهم"، والأمر أبسط من ذلك ونحن نعبِّر بلغتنا العامية فنقول: "لا تهلِك نفسَك في جرَّتهم"، أي بِسبَبِهم، والجرَّة في لغتنا العامية هي أثر الأقدام في الأرض، ونستعملها في مثل هذا التعبير للسبب والعلة، أي لا تقتل نفسَك بِسبَبِهم؛ لأنَّهم أعرضوا ولم يؤمنوا بهذا الحديث، والمقصود بالحديث هنا هو كلام الله، القرآن المنزل عليهم.

 

والأسف يكون بمعنى الحزن ويكون بمعنى الغضب وذلك في قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} (الزخرف:55)، أي أغضبونا، ويلاحظ أن الأسف يُفسَّر بالغضب إذا كان من القوي على الضعيف، أما إذا كان من الضعيف على القوي فيكون حزنا، وإذا كان من الأعلى إلى الأدنى ولا يقوم على الانتقام فهو حزن ممزوج بغضب، كما في قوله تعالى في حق موسى ـ عليه السلام ـ: {وَلَمَّا رَجَع مُوسَى إِلَى قَومِه غَضبَانَ أَسِفًا} (الأعراف:150)، فهو في هذا الموضع حزن ممزوج بغضب وحيرة على عدم إيمانهم بعدما قامت عليهم الأدلة وسطعت الحجج على الحق الواضح، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء فالأمر له وحده: {إِن تَحرِص عَلَى هُدَاهُم فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهدِي مَن يُضلُّ} (النحل:37).

 

{إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الاَرضِ زِينَةً لَّهَا لِِِّنَبلُوَهُمُ أَيُّهُمُ أَحسَنُ عَمَلاً (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)}

 

زيَّن الله تعالى هذه الأرض بما انبت عليها من الأشجار وسائر النباتات، وبما أجرى عليها من العيون والأنهار، والماء أصل الحياة، وبما ذرأ عليها من أصناف الحيوانات، وبما خبَّأ فيها من المعادن، وفي بحارها من الجواهر واللآلِئ واليواقيت، فهذه الأخيرة وإن لم تكن على ظهر الأرض فهي في قشرتها العليا، فكأنها عليها، ويستخرجها الإنسان فهي على الأرض زينة، جعل الله ما على الأرض زينة لها نعمة للناس وابتلاء لهم ليختبرهم أيشكرون فيستعملونها في طاعة الله، أم يكفرون فيفتَتِنُون بها ويَطغَون ويستعملونها في محاداة المنعم بها عليهم بأنواع المعاصي والظلم، فيستحق المحسن الشاكر ثواب الله، ويستحق المسيء الكافر عقاب الله، ومصير كل ذلك إلى الزوال والفناء.

 

{وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جُرزًا}،

الصعيد: هو ما صعد على وجه الأرض من ترابها وأحجارها، والمراد هنا وجه الأرض الخالي من النبات والزينة، والجرُزُ: هو المحق والمحو، تقول: جرز الجراد الأرض، وجرزت الدواب إذا جردتها من كل حرثها ونباتها ولم تترك عليها من ذلك أثرا، وهذا الجعل الذي وعد الله به يقع في كل عام مرة أو مرتين، وفي كل مكان، كما ضرب ذلك مثلا للحياة الدنيا: {واضرِب لَّهُم مَّثَلَ الحَيَاة الدُّنيَا كَمَاءٍ انزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاختَلَطَ بِه نَبَاتُ الاَرضِ فَأَصبَحَ هَشِيمًا تَذرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقتَدِرًا} (الكَهف:45)،

وهو ما نشاهده دائما من تقلب الأرض من حال إلى حال، ولنا في ذلك اعتبار وذكرى تذكرنا بمصير زينة الحياة الدنيا.

 

وفي الآية تفسير آخر، وربما يكون هو المقصود وهو حالة الأرض بعد فناء ما عليها يوم تبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات {وإذَا الاَرضُ مُدَّت وَأَلقَت مَّا فِيهَا وَتَخَلَّت وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت} (الانشقاق:03-05)، ذلك هو مصير الأرض الأخير فناءُ وزوالُ كلُّ ما عليها ومن عليها، وفي تذكر الإنسان لهذا المصير موعظة له بليغة حتى لا يفتَتِنَ بما عليها من الزينة ويلهُوَ عَن النُّذُر التي جاءته من قِبَلِ خَالِقِه على يد أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وتلك هي المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أول السُورَة وإن اضطرب فيها المفسِّرُون، أي في وجه المناسبة وذهبوا في التكلُّف مذاهِبَ، وحَامُوا ولم يقعوا على وجه الصواب، وقد نظرت في التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي، وفي تفسير الألوسي فوجدتُ تكلُّفا ظاهرا، والمناسبة ظاهرة في غاية الوضوح.

 

من المعلوم أنَّ الغرض من إنزال الكتاب على نبينا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إنما هو التَّذكير والإنذار والموعظة وهي الوظيفة الأولى والأخيرة لجميع رسل الله ـ عليهم السلام ـ، فكان من المناسب جدًا أن يُخاطب المُنذَرِين والمُنذِرِين بالغرَضِ من خلق الأرض وتَعمِيرِها وتزيِينِها لهم بِمَصير ذلك كلِّه، فهو لِرُسله تسليةٌ لهم وتزهِيدٌ لهم في زينة الحياة الدنيا وترغيب لهم فيما يبقى، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى مخاطبا نبيه مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا منهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَى} (طه:131)، فهذا الخطابُ صَرفٌ لِنَظَر النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ عن زهر الدنيا وأصحابها، وأنَّ ذلك زائل لا بقاء له، و أنَّ ما عند الله لأوليائه خير وأبقى، هذا ما كان من مخاطبة الرسل والمنذِرِين، وأمَّا مَا كَان من مخاطبة المنذَرِين فوعظ لهم وزجر حتى لا يفتتنوا بزهرة الحياة الدنيا ويميلوا إليها، فتصرفهم عن الإيمان بالله والاستعداد للآخرة كما هو حال أكثر الناس، يذكّرهم الله تعالى أن ما جعله الله من الزينة على ظهر الأرض إنما هو للابتلاء والاختبار لا غير، وأن الذِّينَ حسبوه للتمتع مخطئون خاطئون، فهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

 

{زُيِّن للنَّاس حُبُّ الشَّهوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضَّة والخيل المسَوَّمة والاَنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسنُ الْمَآب} (آل عمران:14)، فلا تغرنكم أيها الناس زينة الحياة فإنها ستفنى قريبا ولا يبقى لها أثر، وما أعظم خسارة من آثر ما يفنى على ما يبقى، وما أعظم ربح من اشترى ما يبقى بما يفنى، فهو التاجر الرابح، تجارته لن تبور، ولا يوفق لهذا إلا من انتفع بكتاب الله القيِّم الذي أنزله رحمة للعالمين، أولئك الناجحون في الامتحان، لم يفتتنوا بزينة الحياة الدنيا، بل اشتروا بها الآخرة فكانوا أحسن عملا جزاؤهم عند ربهم أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدًا، فالمناسبة متينة وواضحة بين هذه الآية وما قبلها من الآيات كما ترون، والابتلاء المذكور في الآية هُو إِظهَار علم الله في خلقه فالله عليم بما يصنعون قبل أن يصنعوه {أَلاَ يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (الملُك:14)، فمن ظن غير ذلك فقد ضل وجار عن القصد، لا إجبار ولا إنكار لعلم الله وقدره وعدله في خلقه، يُضِلُّ من يشَاء ويَهدِي من يشاء، ومن ضلَّ منهم فإنما يضل على نفسه وبنيته وبمحض اختياره، ومن اهتدى فبفضل الله وتوفيقه {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} (الأعراف:43).

 

فإذا ظهر من الناس ما علمه الله منهم بعد البيان والاختيار قامت حُجَّة الله عليهم، لا سيما وقد أخبرهم بهذا الابتلاء قبل وقوعه، وهذا تفضُّلٌ منه وإعذار، ولو شاء ما فعل، لو شاء ربنا لابتلى خلقه بما يريد من غير أن يخبرهم بذلك، ولكان ذلك عدلا لا ظلم فيه، ولكن الله كتب على نفسه الرحمة فأخبرهم حتى يستعدوا ويصلحوا من أحوالهم كي ينجحوا في الامتحان، وفتح باب التوبة واسعا يسع الذنوب جميعا، فما أعظم رحمة الله وما أوسع فضله، فلا يحرم منه إلاّ شقي.. نعوذ بالله من سوابق الشقاء، أفيظن بعد هذا عاقل أن الناس خُلِقُوا عبثا ويتركون سُدًى وأنهم لا يفتنون؟!، أم يستبعدون البعث والنشور؟! ويقولون: {ذلك رجع بعيد} (ق:03)، إن الذي أنشأهم أول مرة هو الذي سيُعِيدُهم، ومَا خَلقُهم وَلاَ بَعثُهُم إلا كنفس واحدة، ولِحِكمَة خلقهم ولِحِكمَةٍ يُعيدهم ليُجازِي المحسِنُ بإحسانه،