إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 9 - 31 ) قصة أصحاب الكهف
طباعـة

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

--------------------------------------

 

ثم يُذكِّرنا الله بِقصَّة فتية آمنوا بربهم فزادهم هُدًى وربط على قلوبهم وتقبَّلهم قبولا حسنا؛ لعلنا نقتدي بهم ونسعى مثل سعيهم، وهؤلاء هم أصحاب الكَهف والرقيم الذِّينَ آمنوا بربهم ونابذوا قومهم المشركين وهجروهم إلى الله، فآواهم الله إليه وجعلهم في حصنه الحصين وحرزه المكين.

 

{أَم حَسِبتَ أَنَّ أَصحَابَ الكَهفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِن اَياتِنَا عَجَبًا (9) اِذَ اَوَى الفِتيَةُ إِلَى الكَهفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِن اَمرِنَا رَشَدًا (10)}

 

قَبل الشروع في بيان هذه القصة العجيبة الجارية على أسلوب القصص القرآني في إبداء مشاهد العبر من القصة الطويلة؛ لأن هذا الكتاب نزل للتذكير والاعتبار لا للتسلية بحكايات القصص بتفاريعها وجُزئِياتها.

 

قبل الشروع في بيانها ينبغي أن نعلم وجه المناسبة بينها وبين ما قبلها وما الحكمة من إيرادها في هذا المقام، ولتقريب ذلك يجب أن نعلم سبب نزول هذه الآيات وما اكتنفها من الظروف، وبهذا يظهر تمكنها ومناسبتها لما قبلها وما بعدها.

{أَم حَسِبتَ أَنَّ أَصحَابَ الكَهفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِن ايَاتِنَا عَجَبًا}، أمَّا الكَهف فهو الغار الكبير في الجبل، وأما الرَّقيم فاختلف فيه المفسرون، فقال قومٌ: اسمُ كَلبِهِم، وقال آخرون: اسمُ بلدتهم، وقال آخرون غير ذلك... والذي نراه أخذًا من مادة الرقم وهو الكتابة والنقش، أنه اسم لوح كتبت فيه قصتهم وأسماؤهم، قيل ووُضع ذلك اللوح على باب البلد على عادة القدامى يُخلِّدُون أخبارهم في النقوش والألواح يُرقِّمُونها فيها رقمًا، وهذه الرواية هي الأنسب بالاسم.

 

أَحَسِبتَ يَا مُحَمَّد وتالي القرآن أن قصة أصحاب الكَهف كانت عجبًا من آياتنا، إن آيات الله كلَّها لَعجيبة، وإن فيها ما هو أعجب من أصحاب الكَهف وإن كان قريش قوم النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ جعلوها علامة على صدق النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وأنَّه رسول إن أجاب عنها، وإن لم يجب عنها فليس برسول، ولقد أجاب عنها، وما نفعهم ذلك بل أمعنوا في الكفر والضلال، ولو أنصفوا لعرفوا الحق قبل هذه القصة وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يجحدونه، ولقد اشتدوا في معارضته وحاولوا إعجازه ومن ذلك أنهم أرسلوا من فتيانهم شابين من أهل المكر والدهاء، وهما: النضر بن الحرث، وعقبة بن أبي معيط، أرسلوهما إلى المدينة حيث اليهود أهل الكتاب يعلمون أخبار النبوات الأولى، يسألونهم عن حقيقة هذا الذي يَدَّعي أنه نبي ورسول، ما آية صدقه؟، فقال لهم اليهود: "اسألوه عن ثلاثة أشياء، وإن أجاب عنها كلها فليس بنبيّ، وإن لم يجب عنها وعجز عنها فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعضها فهو نبيّ"، وقد تقدّم بيان هذا السبب في تفسير سُورَة الإسراء.

"اسألوا عن خبر فتية ذهبوا قديمًا إلى غار في جبل فضرب الله على آذانهم قرونًا ثم بعثهم وكان من شأنهم ما كان، واسألوه عن رجل طوَّاف طاف الأرض حتى بلغ مغرب الشمس ومطلعها وبلغ بين السّدَّين، واسألوه عن حقيقة أمرِهِ"، فسألوه عما أمروهم وظنوا أنهم بهذا يُعجِزُونه ويَظهَرُون عليه، فلما سألوه قال لهم سأجيبُكم غدًا، ولم يقل إن شاء الله، فتأخر عنه الوحي خمس عشرة ليلة حتى ذهبت به الظنون مذاهب، وما ذلك إلاّ تأديبًا له من ربِّه حتى يردّ أمور الغيب كلها إلى مشيئة الله، وما كان تأخُّر الوحي عنه بِمُغْضٍ من مقامه وصدق رسالته، وإن كان قومُه سُرُّوا بذلك وذهبوا يرجفون بالخبر، يحاولون تشكيك الضعفاء في نبوته، فقطع الله حُجَّتهم بالجواب الشافي الذي نزل به جبريل ـ عَلَيه السَّلاَمُ ـ على قلب النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ فأخبرهم بِخبرهم على طريقة القصص القرآني البديع في استخلاص مشاهد العبر والموعظة من القصة لا على طريقة سرد القُصَّاص الذِّينَ يملأون الفراغ لتسلية الناس لا غير.

---------------------------

 

{نحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هُدًى وَرَبَطنَا عَلَى قُلُوبِهم} نحن نقص عليك يا مُحَمَّد الرسول المبعوث بالحق نبأهم بالحق إنهم فتية شباب آمنوا بربهم فزادهم الله هدى، وقوّى قُلوبهم وثَبَّتَهم على الإيمان، وكذلك يزيد الله الذِّينَ اهتدوا هدى ويؤتيهم تقواهم ويثبتهم، إنهم فتية شباب أعلنوا إيمانهم بالله الواحد، وآووا إلى كَهفٍ فِي الجَبَل فِرَارًا من بطش قومهم الكفَّار ومَلِكِهِم الجبَّار، ولَجَؤُوا إلى ربِّهم الذي آمنوا به وحده متضرعين إليه بالدعاء الخالص، وكذلك يفعل المؤمنون.

 

{رَبَّنَا آتِنَا مِّن لَّدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنَ اَمرِنَا رُشدًا} دعاء بليغ ألهمهم الله إياه لأنه أراد بهم خيرًا، إنَّ حالتَهم عجيبة، فقد فرُّوا من الملك وقومهم الكفار إلى هذا الغار الكبير في الجبل، وهم يَجهَلُون عاقبتَهم ولا يدرُون بعد هذا الفرار مصيرهم، ولم يكونوا خطَّطُوا لِفِرَارِهِم هذا من قبل، ولا رَسَمُوا بعده خُطَّةً يسلُكُونَها، وذلك حسبما يبدو من دعائهم هذا، وهُم يعلَمون أن قومهم سيتقصَّون آثارهم، فكيف يكون المخرَجُ من هذا المأزق؟، وكيف يَصدرُون من هذا المورد الذي وَرَدُوهُ من غير اختيارٍ، إلاّ أنهم أُلجئوا إليه إلجاءً، فوكّلوا أمرهم إلى خالقهم الذي هداهم ورغبوا إليه أن يهب لهم من لدنه رحمة ويهيئ لهم من أمرهم رشدًا، رغبوا إلى ربهم أن يهب لهم من لدنه رحمة وهُم أَمَسُّ الناسِ حاجَةً إِلَى رحمة الله تغمرهم، ومَنْ غَيرُ اللهِ يَرحَمُهم في حالَتِهم هذه؛ ولذلك سألوها من لدنه، ورحمةٌ مِن لَدُن رَحِيمٍ تكون عظيمة وشاملة، والهدية على قدر المُهدِي.

 

فاستجاب الله دعاءهم وغمرهم برحمة الدنيا ورحمة الأبد وهيّأ لهم من أمرهم المبهَمِ الرَّهِيبِ رَشَدًا، ولم يكونوا هيَّؤُوا له خُطَّة قبل فِرَارهم هذا، فالتجأوا إلى العليم الخبير أن يُهَيِّئ لهم من لطفه وقدرته رشدًا يصيرون فيه إلى العاقبة الحسنى، فكان الله عند ظَنِّهم، وكذلك يُنَجِّي الله المؤمنين به، ويجعل لهم من أمرهم يُسرًا، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه عاقبة الأمور.

 

{فَضَربنَا عَلَى آذَانِهِم فِي الكَهفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَـثنَاهُم لِنَعلَمَ أَيُّ الحِزبَينِ أَحصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)}

 

هيّأ لهم ربُّهم من لُطَفِه رَشدًا فَضَرب على آذانهم حِجَابًا من النوم يحجُب عنها كل أصوات الدنيا حتى يَنَامُوا نَومًا هَنِيئًا يُخرِجُهم من عالَمِهم المليء بالهواجس والمخاوف إلى عالَم كلُّه سُبَاتٌ ورَاحَة، وردّ عنهم أيدي الظالمين وحجبهم عن أعين الطالبين، وأطال نومهم هذا سنين طويلة حتى تغيَّر أمر قومِهم وسلطانهم، ثم بعثَهم بعد نومهم ليظهر أمر الله العجيب في إنامتهم هذه المدة الطويلة التي لا يعتادُهَا النَّائِمُون، وحفظ أجسادهم من التآكل والبلى.

 

ويظهر أمر الله العجيب فِي بَعثِهم بعد نَومهم الطويل الذي يشبه البعث بعد الموت ليظهر العلم الحقيقي من الله بهذه المدة الطويلة ومقدارها، والناس يختلفون كثيرًا في أبسط من هذا، فنصب الله العليم لمدتهم علامة وهي هذه العُملَة التي نُقِشَت بِاسمِ مَلِكِ زَمَانِهِم، ولذلك ذكرها الله نصًّا في نبأهم منها، يتَّضِح للناس مقدار مدة لَبثِهِم التي أخبَرَ اللهُ عنها بالنص، وهي ثلثمائة سنين وزيادة تسع سنوات، وهي الفرق ما بين الحساب القمري والحساب الشمسي، جعلها الله ثلثمائة بالحساب الشمسي حتى يستيقظوا في نفس الطَّقس والفصل الذي ناموا فيه ولا يتغير عليهم الجو فيظنوا أنهم ناموا يومًا أو بعض يوم، ثم بعد ذلك يظهر لهم الفرق الكبير، كما سيأتي في الآيات التالية:

 

{نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدنَاهُم هُدًى (13) وَرَبَطنَا عَلَى قُلُوبِهِم إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ لَن نَّدعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَد قُلنَا إِذًا شَطَطًا (14)}

 

النبأ هو الخبر الذي له شأن وقيمة، وهذا كذلك؛ لأن فيه أمرًا عجيبًا من آيات الله وفيه معتبر وموعظة للمتقين، {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ}

 

بِمَا هُو الصدقُ واليقينُ، وبِطَريقة الحق التي جَاء بِهَا القرآن في إيراد القصص مورد الاعتبار، لا مَورِد التفكّه والتسلية، كما اعتاد القصَّاصون، أمّا كلامُ الحقِّ فَهو حقٌّ لاَ بَاطِل فيه ولا لغو ولا فراغ بل هو القول الفصلُ، تنزيل من حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وفِي العبَارَة إشارة لطيفة إلى أن القُصَّاصَ قد زادوا في القصة وحرَّفوا وغيَّروا كعادة أكثرهم، فجاء النبأ الحق من لدن عالِم الغيب والشهادة يقول الحق جل جلاله:

------------------

 

{إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدنَاهُم هُدًى (13) وَرَبَطنَا عَلَى قُلُوبِهِم إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ...}

إنَّهم شَبَاب، ويقال إنهم من أبناء الأغنياء والخاصة، هداهم الله وهم في سنِّ الشباب والفتوَّة وثبَّتَهم على الهدى، على دين المسيح ـ عليه السلام ـ وشريعته، وربط على قلوبهم أي ملأها قوة وشجاعة لم يهابوا الملك حين صارحوه بعقيدتهم في ربهم بكل إيمان وثبات، ويقال أنهم من مدينة تُسَمَّى "أفسُوس" وأكثر المفسِّرين أنها المدينة المشهورة اليوم باسم "طرسوس"، وهي مدينة قصدها الملِك في بعض رحلاته التي تحرك إليها ليفتن الناس وينظر هل يعبدونه ويعبدون آلهته أم هم على دين المسيح وكان في المدينة مؤمنون على دين المسيح يكتمون إيمانهم ومنهم هؤلاء الفتية الأبرار، ولم يكن بعضهم يعلم ببعض حتى هيّأ لهم من لُطَفِه فرصة يتعارفون فيها ويطَّلع بعضهم على حقيقة البعض الآخر، وذلك في عيد من أعياد قومهم الدينية التي اعتادوا فيها أن يخرجوا كلُّهم من مدينتهم ويتقرَّبوا إلى آلهتهم بالقرابين ويذبحون لها ويقدّمون لها من طعامهم، فخرج الناس ولم يتخلّف عنهم إلاّ المؤمنون المستترون، ومن هؤلاء المتثاقلين وراء الناس هؤلاء الشباب، كل واحد على حاله، جلس أحدهم في ظل شجرة يتفكّر أسفًا في حالة قومه الضالين، فرآه الثاني وظن أن الذي قعد به عن الناس هو نفس الهم والأسف الذي في قلبه فتقدّم منه فتعارفا وتصارحا وبث كل منهما لأخيه ما في قلبه، ثم جاء الثالث فالرابع إلى تمام عدتهم التي يعلمها الله، فبث كل منهم ما في نفسه فإذا هم على دين الواحد الأحد الإله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد، فاتخذوا لأنفسهم مكانًا سِريًّا يخلون فيه لعبادة ربهم فكانوا بعد ذلك يجتمعون مستخفين من قومهم، ولم يمض عليهم وقت طويل حتى حانت رحلة الملك الجبار ولم تسلم مدينتهم من فتنته فدخلها وأقام لهم مهرجانًا دينيًا أمر جميع الناس بالخروج فخرجوا وجعلت جواسيس الملك يتعقَّبون المتخلفين ويفضحون أمرهم للملك فيقتل من يشاء ممن يأبى عبادة آلهته، ويسجن ويعذب من يشاء منهم، حتى رفع غليه أمر هؤلاء الفتية فجيء بهم إليه فلما مثلوا عنده فرض عليهم أن يسجدوا لآلهته، فَأَبَوا ذلك وقالوا:

 

{لَن نَّدعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَد قُلنَا إِذًا شَطَطًا}، فغضب الملِك وهدَّدهم بالتعذيب والقتل، فأصرُّوا على الثبات على عقيدتهم، فعزم على قتلهم لولا أن بهره ما رأى من هيئتهم الحسنة وغضارة شبابهم ونضارة وجوههم، فأشفق على هذه الغصون الطرية أن تهصر في صباها فأمهلهم أيامًا ليتفكروا في أمرهم، وظن أنهم سيرجعون عن دينهم الجديد إلى وثنية أجدادهم الموروثة، وما درى الجاهل أن بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب لن تزايلها وأنها لن يُثنِيَها عن دينها تهديدٌ بالقتل والصَّلب أو التَّعذيب، فسلَّموا أمرهم لله الذي ربط على قلوبهم وزادهم الله هدى، وثبتوا على إيمانهم ولم يرهبوا من تهديده إياهم، فتركهم وخرج إلى مدينة أخرى على أن يرجع إليهم بعد أيام، وقيل إنه أمر أن يجرَّدوا من ثيابهم الحسنة وأن تنزع منهم خواتمهم الذهبية وزينتهم إهانة لهم، ومن لُطَفِ الله بهم أن لم يُقيِّدهم ولم يَسجُنهم وتَرَكهم أحرارًا وأمهلهم ليتفكروا في أمرهم، فجلسوا يتفكرون في طريقة تنجيهم من هذا الجبار الذي لا يرحم، فاهتدوا أن يفروا في وقت يغفل فيه الناس إلى غار في جبل من الجبال القريبة من مدينتهم، ففعلوا ذلك بعدما جمعوا لهم شيئًا من المؤونة لا يكفي إلاّ لأيام قليلة، كان هذا قرارهم فمضوا فيه قائلين:

 

{رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ لَن نَّدعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَد قُلنَا إِذًا شَطَطًا (14)} والشَّططُ: القول البعيد عن الحق الذي لا يفوَّه به عاقل لبيب، ولا ينطق به إلاّ من أعمى الله بصيرته، فلم يعد يبصر الأشياء على حقيقتها وأعماه التقليد فهو في ضلاله يعمه من غير سلطان بيّن، قالوا ربنا الذي خلقنا وخلق السماوات والأرض هو الذي نعبده وحده، وندعُوه وحده لن ندعُوَ من دونه إلهًا آخر؛ إننا إن فعلنا ذلك نقول إذن باطلا وزورًا تعالى ربنا عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.

--------------------------------

 

{هَؤُلاَءِ قَومُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّولاَ يَاتُونَ عَلَيهِم بِسُلطَانٍ بَيِّن فَمَن اَظلَمُ مِمَّن افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا (15) وَإِذ اعتَزَلتُمُوهُم وَمَا يَعبُدُونَ إِلاَّ اللهُ فَاوُوا إِلَى الكَهفِ يَنشُر لَكُم رَبُّكُم مِّن رَّحمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُم مِن اَمرِكُم مَّرفِقًا (16)}

 

إن قومَنا هؤلاء يعبدون آلهة من دون الله خالق السماوات والأرض ما لهم بها من سلطان بيِّن، بل هم يفترون على الله الكذب، ولا أحد أظلم ممن افترى على الكذب، تبرَّأنا منهم ومن عبادتهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة والبغضاء، وإنا إذ اعتزلناهم في عبادتهم ونبذنا شركهم، فلنعتزلهم في سَكَنهم ولا نُخَالِطهم، ولْنَأوِ إِلى الكَهفِ لعلَّ الله يرحمنا ويُهيِّئ لنا من أمره مرفقًا، أحسنوا الظن حين أحسنوا العمل، فكان الله عند ظنِّهم فلم يخيبهم فنشر الله لهم رحمته وهيّأ لهم من أمرهم رشدًا ومرفقًا، وكذلك ينجي الله المؤمنين ويجعل الله للمتقين مخرجًا من كل ضيق، ويفتح بينهم وبين قومهم بالحق وهو خير الفاتحين.

 

أخذ كلٌ منهم مقدارًا من الدَّراهم، وكانوا أولاد أغنياء فذهبوا في الموعد المضروب إلى المكان المقصود، خرجوا مستخفين لا يشعر بهم أحد إلاّ كلبًا لأحدهم كان قد ربّاه، وأَلِفَهم فَتَبِعَهم فطردوه ورموه بالحجارة فأنطقه الله، وقال لهم: "ما الذي يُخيفكم منّي؟، اتركوني اتَّبِعكم، فإني أحبُّكم يا أولياء الله، اتركونِي أحرُسكُم، فتركوه، والعبرة من أمر هذا الكلب أنَّ رفيق أولياء الله لاَ يشقى ولو كان كلبًا، وأن محبة الرَّحمن وأولياء الرحمن ترفع مقام الكلاب، فتدنيهم من رحمة الله مع الذِّينَ أنعم عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

 

مَضَوا سائرين وكلبُهم يَتبَعُهم حتى وصلوا إلى الكَهف المقصود، فآوَوا إليه ومكثوا فيه أيامًا يعبُدون الله يصلُّون له، ويسبِّحُون ويصُومُون ويُفطِرُون على بُلْغة الأقوات، وإذا نَفذ زَادُهم بَعَثوا أحدهم إلى المدينة

 

مستخفيًا في ثيابِ أحد الرعاة يشتري لهم طعامًا، ويتنطَّس لهم الأخبار، وهم على ذلك حتى رجع الملك من جولته ودخل المدينة ثانِي مرَّة واقترب الموعد المضروب لهم، ففتَّش عنهم فلم يَجدهُم، وأمر بإحضار آبائهم فأمر الآباء بإحضار الأبناء وتوعَّدهم بالعقاب إن لَم يفعلوا، فاعتذروا بأنهم لا يعلمون من أمرهم شيئًا وأنَّهم مُتحيِّرون على مَصيرهم وأنَّهم آسفون غيرُ راضين على هذا التصرّف، وقد يكون هؤلاء الآباء من الذِّينَ يكتُمون إيمانهم وأنهم راضون على أبنائهم داعون لهم بالرحمة والتوفيق، ثم إن الملك أمر قوَّاته بالتفتيش عنهم فسلكوا في ذلك كل سبيل وصعدوا الجبال وتتبَّعوا كهوفها وشعابها حتى عثروا على الكَهف الذي آووا إليه، ووقفوا على بابه وأبصرُوهُم وهُم رُقُود وكلبُهم باسط ذراعيه نائم بباب الغار، ولكنَّ الله إذا دخل مَنْ يشاء منْ عبيده في حِرزه فلن تناله الأيدي ولو كانت بطَّاشة وقوية، حفظهم بحفظه وحرسهم بجند من الرعب ألقاهُ في قلوب كل من يطَّلع عليهم، وما يعلَم جُنُودَ ربِّك إلاّ هُو، فتولَّى الملك ومن معه فارِّين مرعُوبِين لا تنفعهم قُوَّتُهم، ولا يغني كيدهم شيئًا.

-------------------------

 

{وَتَرَى الشَّمسَ إِذَا طَلَعَت تَزَّاورُ عَن كَهفِهِم ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَقرِضُهُم ذَاتَ الشِّمَال وَهُم فِي فَجوَةٍ مِّنهُ ذَلِكَ مِن اَيَاتِ اللهِ مَن يَّهدِ اللهُ فَهُو الْمُهتَدِ وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَه وَلِيًّا مُّرشِدًا (17) وَتَحسِبُهُمُ أَيقَاظًا وَهُم رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُم ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعتَ عَلَيهِم لَوَلَّيتَ مِنهُم فِرَارًا وَلَمُلِّئتَ مِنهُم رُعبًا (18)}

 

يُخاطِب الله نبيَّه، وتَالِي القرآنَ كَأنَّه يَرَاهم ويُشَاهِد آياته فيهم؛ ذلك لأن أسلوبَ الخطاب أشدُّ تأثيرًا في النَّفس، فَرُؤيتُها وهي تسمَع كلام الله الصادق رؤية اعتبار وإيمان، فكأن الله يرسم لنا لوحًا لهيئة كهفهم واتجاهه، ويبدو أنه يتجه نحو النجمة القطبية أي نحو الشمال حتى تكون الشمس تميل عند طلوعها عن يمين الكَهف، وتقرضهم عند غروبها أي تقطعهم ذات الشمال، ويمين الكَهف هو يمين الواقف على بابه متجهًا نحو خارجه، وشماله كذلك، وهم في فجوة منه أي في براح واسع لا يزحم بعضهم بعضًا، كل ذلك وما تقدم من شأنهم، وما سيأتي في الحديث عنهم من آيات الله التي تملأ النفس والقلب إيمانًا بالله وقُدرته ورحمته بأوليائه ولُطَفِه بهم.

 

{مَن يَّهدِ اللهُ} من يُردِ اللهُ هدايتَه فهو المهتدي حقًا، ومن يضلل ويخذل فلن تجد له في أهل السماوات ولا في أهل الأرض وَلِيًّا يُرشِده، فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولم يرد هدايته، فاجعلنا ممن هديت يا هادِيَ الذِّينَ آمنوا إلى صراط مستقيم.

---------------------

 

{وَتَحسِبُهُمُ أَيقَاظًا وَّهُم رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُم ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}

 

فهيئتُهم وهم نيام كهيئة الأيقاظ على هيئة حسنة، لا تنكشف لهم سوءة، ولا يبدو فيهم شعث وهم يتقلَّبون بأمر الله، حتى لا تتآكل جنُوبُهم من هذا الرقاد الطويل، ولا يضرهم حر ولا قر ولا ريح صر، وحتى كلبهم شملته عناية الله ولطفه وهو الآخر آية من آيات الله ينام هذا النوم الطويل باسطًا ذراعيه على باب الغار يحفظه الله كما يحفظهم من تقلُّبات الأجواء الجبليَّة عبر الفصول المتعاقبة، من يراه باسطًا ذراعيه يرهبه ويظنه أسدًا ترتعب منه النفوس، وترتعد منه الفرائص فيُولي فارًّا بنفسه خائفًا، فَيَا لَعِنَاية الله إذا لحظت من يريد من عبيده، فهو الآمن لا تناله المزعجات، ينام مطمئنًا ولا تزعجه الليالي التي هي بالعجائب حبالى مثقلات، ولا يبليه كرُّ القرون المتعاقبات، تلك آيات الله الهاديات.

 

ولنرجع إلى التأمل في أسلوب القرآن وعرضه للقصة فهو أسلوب بدْع من الأساليب، وكلام فيه روح الدعوة والتذكير لا كسائر الكلام، إذ لو كان كلامُ غيرِ الله لَسَرَد القصة سَردًا متتابعًا خاليًا من الروح، أما كلام الله ففيه العجب العجاب الذي لا ينقضي ولا يبلى على التكرار، بل لا يزداد إلا عُلُوًّا وتَمكُّنًا وحلاوة في قلوب المتدبرين، فهو في أثناء الكلام عن هيئتهم وحالتهم يُلفتُنَا إلى آيات الله فيهم حتى لا ننسى المقصود من عرض نبأهم وهو الاعتبار والاهتداء، ويتبين لنا على ضوء هذا البيان القرآني العجيب أن الناس في كل زمان ومكان على فريقين شتان ما بينهما: فريق يتولَّى اللهُ هِدَايَتَهُ فَهُو المهتدي، وفريقٌ يَخذُلُه الله ويترُكه ما اختار لنفسه من تقليد الآباء والأجداد، لا ينظر في آيات الله بالعقل الذي وهبه الله إياه، بل يَعمَى عنها ويتصامَمُ عن النُّذر، كأن في أذنيه وقرا، فهو في الضلال يَعمَهُ، لَن تجد له وليا مُرشدا ولو حرصت على هدايته، {إِنَّكَ لاَ تَهدِي مَن احبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَّشَاءُ} (القصص:56)، ثم يستأنف ويعود إلى بقية الحديث في موضوع قصتهم فيعرض منها المشاهد الباقية التي لها اتصال وثيق بالموعظة والاعتبار كما تقدم بيانه.

 

ثم لننتقل إلى المشهد التالي، وهو استيقاظهم بعد نومهم الطويل وما جرى لهم فيه، قال الله تعالى:

{وَكَذَلِكَ بَعثنَاهُم لِيَتَسَاءَلُوا بَينَهُم قَالَ قَآئِلٌ مِّنهُم كَم لَبِثتُمْ قَالُوا لَبِثنَا يَومًا اَو بَعضَ يَومٍ قَالُوا رَبُّكُمُ أَعلَمُ بِمَا لَبِثتُم فَابعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُم هَذِهِ إِلَى المَدِينَةِ فَليَنظُر اَيُّهَا أَزكَى طَعَامًا فَليَاتِكُم بِرِزقٍ مِّنهُ وَليَتَلَطَّفَ وَلاَ يُشعِرَنَّ بِكُمُ أَحَدًا (19) إِنَّهُمُ إِن يَّظهَرُوا عَلَيكُم يَرجُمُوكُمُ أَو يُعِيدُوكُم فِي مِلَّتِهِم وَلَن تُفلِحُوا إِذًا ابَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعثَرنَا عَلَيهِم لِيَعلَمُوا أَنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيبَ فِيهَا إِذ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمُ أَمرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنيَانًا رَّبُّهُمُ أَعلَمُ بِهِم قَالَ الذِّينَ غَلَبُوا عَلَى أَمرِهِم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِدًا (21) سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُم كَلبُهُم وَيَقُولُونَ خَمسَةٌ سَادِسُهُم كَلبُهُم رَجْمًا بِالغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلبُهُم قُل رَّبِّي أَعلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعلَمُهُم إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمُ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَستَفتِ فِيهِم مِّنهُمُ أَحَدًا...}

 

وكذلك من آيات الله العجيبة بعثُهم من نومهم على هيئتهم الأولى من الصحة والنضارة والشباب بعد هذه القرون المتعددة، لم ينل الدهر منهم شيئًا، فذلك من آيات الله، وحكمة هذا البعث أن يشعروا بلُطَف الله بهم واستجابته لدعائهم وليزدادوا إيمانًا على إيمانهم بعد أن يعرفوا قدرة ربهم وعنايته بهم في إنامتهم هذه المدة الطويلة وبَعثِهم منها فيزدادوا يقينًا بالبعث، وكذلك يثبِّت الله الذِّينَ آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما طَمأَنَ قَبلهم قلب خليله إبراهيم في قضية البعث بعد الموت، والقصة مشهورة وهي في سُورَة البقرة، فالقصد من هذا البعث الأول إذن هو التذكير بالبعث الآخر، ليتساءلوا بينهم، ثم تنكشف لهم الحقيقة بعد التساءل.

 

استيقظُوا من نومهم قُبيل غروب الشمس وكانوا قد ناموا في صدر النهار فشعروا بالراحة فظنوا أنهم ناموا أكثر من يوم وقال بعضهم: {بَعضَ يَومٍ} أي من الصباح إلى المساء، غير أنهم لم يطمئنوا لهذا القول وبقوا حائرين في أمرهم لا يدرُون الحقيقة، ولن يتركهم الله في هذه الحيرة، بل سيكشف لهم جلية أمرهم.

 

فأرسلوا واحدًا منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعامًا وأَوصَوهُ أن يتلطَّف ولا يشعرن بهم أحدًا من الناس ظنًا منهم أن أهل المدينة هم الذِّينَ تركوهم في غلبة وقهر من الكفر فخافوا إن هم ظهروا عليهم ـ أي كشفوا على أمرهم ـ سيَرجُموهم أو يعيدوهم في ملتهم، أي في ملة الكفر بالإكراه والفتنة، ولا يَأمَنُونَ على أنفسهم الفتنة، فإنهم إن يفتنوا على دينهم لن يفلحوا أبدًا، والذي خافوه من العودة في الكفر أعظم من الذي خافوه من الرجم والقتل، فإنهم علَّقوا الخسران الدائم وعدم الفلاح على الثاني لا على الأول، وما دروا أن الله قد هيَّأ لهم من أمرهم مرفقًا كما هيأ لهم من أمرهم رشدًا.

 

بعثوا أحدهم بدارهم فضية من بعض ما احتفظوا به لِقُوتهم، وأمروه أن يقتصد ويلتمس لهم من أزكى الطعام ومن أبركه وأرخصه وأطهره؛ لأنهم عهدوا أن أهل مدينتهم يذبحون لأصنامهم وقد علموا أن ما ذبح عليها حرام في شريعة الله التي آمنوا بها، أرسلوه وأوصوه أن يبالغ في التلطُّف.

 

فذهب إلى المدينة فإذا الناس غير الناس الذِّينَ تركهم تغيرت الوجوه وتغيرت كثير من المعالم حتى ظن أنه ضل طريقة، فسأل عن اسم المدينة فإذا هو "أفسوس"لم يتغير فاستغرب أمرهم فسأل عن الملك فإذا هو اسم جديد ويسأل عن اسم الملك المعهود فاستغرب الناس وقالوا ذلك ملك مضى، ومضى زمانه، وطَوَتهُ القرون فلم يبق له أثر فإذا ملكهم مؤمن، ثم إنه قصد السوق ليشتري الطعام، فلما ناولهم دارهمه قالوا هذه دراهم مضى زمانها فلم يعد لها وجود، فاجتمع عليه الناس وكثر التساؤل، وظنوا أنه اكتشف كنزا قديما فاشتد طمعهم أن يقفوا على هذا الكنز، وبعد المحاوله ارتفع أمره إلى أهل السلطة فأقبلوا عليه يسألونه عن جلية أمره فأخبرهم وقد اطمأن على نفسه لما وجد أكثرهم مؤمنين ويحكمهم ملك مؤمن.

وقد كثر الجدل في زمانه في أمر البعث فاعتزلهم الملك ولبس مسوح العبادة، فرغب إلى الله أن يثبّته ويعنيه عليهم، فأرسل الله له هذا الشخص من أهل الكَهف الذِّينَ كثر فيهم الجدل ليظهر الله له على يده أمر البعث وتظهر آية الله في نوم هؤلاء الناس قرونا عديدة ثم يبعثون على حالتهم الأولى، ليدُل نومهم وبعثهم على قدرة الله.

 

وأمر عجيب كهذا الأمر، يدل على صدق أخبار الرسل، وإذا ظهر أمر الله في جماعة دل تحققُّهُ في جميع الناس، وبَعثٌ في الدنيا مِثل هذا البعث، يدل على البعث الآخر بعد الموت، والله على كل شيء قدير.

----------------------------

 

{وَكَذَلِكَ أَعثَرنَا عَلَيهِم لِيَعلَمُوا أَنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيبَ فِيهَا}

 

العثور على الشيء هو الوقوف عليه فجأة ومن غير سابق معرفة به، كذلك أعثر الله الناس على هؤلاء الفتية الذِّينَ ناموا قرونًا واستيقظوا فكان نومهم الطويل وبعثهم آية على ما آمن به الملك، وأغلب الناس من رعيته من آمن بالبعث يوم القيامة للجزاء، فعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله الذي بعث أهل الكَهف يبعث من في القبور، فانحسم النزاع وأفلجت حجة المؤمنين، وزهق الباطلُ، إن الباطلَ كان زهوقًا.

 

ثُمَّ إنَّ الملك ورَعيَّته رافقوا ذلك الرجل إلى الغار حيث يثوي أصحابُه، فوقفوا بباب الغار ودخل هو على أصحابه فأخبرهم الخبر وازدادوا إيمانًا بما شرح الله له صَدرهم من أمر الساعة والبعث والجزاء، ثم إن الله أعادهم إلى نوم آخر وهو النوم الذي لا بعث بعده حتى تقوم الساعة، قبض الله أرواحهم إليه وآواهم إلى رحمته، وجعلهم آيةً للناس فوقع فيهم نزاع بين الناس.

------------------------------

 

إِذ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمُ أَمرَهُم فَقَالُوا ابنُوا عَلَيهِم بُنيَانًا رَّبُّهُمُ أَعلَمُ بِهِم قَالَ الذِّينَ غَلَبُوا عَلَى أَمرِهِم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِدًا}.

 

لا يزال النِّزاع قائمًا إلى يوم الناس هذا في أمر أصحاب الكَهف في موطنهم وقومهم وفي عُدَّتهم ونومهم، وكذلك تنازع الناس الذِّينَ وقفوا على كهفهم ومرقدهم، حين ضرب الله على آذانهم الكرة الثانية فمن قائل ابنوا عليهم باب الكَهف ربُّهم أعلم بحقيقة نومهم الأول والثاني، وهو أعلم بعاقبتهم ومصيرهم.

 

وإضافة الرِّب إليهم إشارة إلى أن قائلي هذا القول مؤمنون ومُوالُون لهم وواثقون أن الله سيتولَّى أمرهم كما تولاَّه من أول يوم وأكرم مثواهم، ولا يكون مصيرهم بعد نومهم الثاني إلاَّ حسنًا، فهؤلاء ناس فازوا بِمَعيّة الله وهذا ما تدل عليه كلمة {رَبُّهُم}، وقال الذِّينَ غلبوا على أمرِهم وهم الملِكُ ووُزَرَاؤُه وأعيان القوم: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِدًا} يصلِّي فيه الناس ويذكُرُون الله ويتخذونه عيدًا، والفرق بين العبارتين يدلُّ أن هذا هو الذي وقع فعلا، فإن ضعفاء الناس اقترحوا رأيهم اقتراحًا ولم تكن لهم قوة التنفيذ فقالوا ابنوا عليهم بنيانًا، أما الغالبون فقرَّروا رأيهم قرارًا، قالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِدًا} فكان قرارُهم هو النافذ، ثم إن النزاع وقع فيمن علم بأمرهم بعد زمانهم، تنازعوا في عددهم.

---------------------------

 

{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُم كَلبُهُم وَيَقُولُونَ خَمسَةٌ سَادِسُهُم كَلبُهُم رَجمًا بِالغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبعَةٌ وثَامِنُهُم كَلبُهُم قُل رَّبِّي أَعلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعلَمُهُمُ إِلاَّ قَلِيلٌ}.

 

تنازعوا في عدتهم والنِّزاع مستمر، سيقول الناسُ: "هم ثلاثة رابعهم كلبهم"، ويقولون: "خمسة سادسهم كلبهم"، ويقولون: "هم سبعة وثامنهم كلبهم"، أخبر الله تعالى بتنازع الناس فيهم ولم يحسم النزاع جريًا على أسلوب القرآن الفصل الحكيم؛ لأن الحكمة لا تتعلَّق بذكر عُدَّتِهم قلّت أو كثرت، فالتنازع في هذا لا يفيد وهو من ترف العلم، وإن كان المتأمل في الآية يُلاحظ أن العبارة تشير إلى أنَّ القولين من الرجم بالغيب وتعرض عن القول الثالث، ولا تنفي العلم بعُدَّتِهم عن جميع الناس بل تثبِته للبعض، ولذلك يقول ابن عباس: "أنا من القليل الذي يعلمهم، هم ثمانية"، ولابن عباس وجهة نظر، ولهُ معتمده في استدلاله على صحة قوله، وهو ترجمان القرآن، آتاه الله الفهم وعلَّمه التأويل، ويؤيد ابن عباس في رأيه هذا كثير من العلماء، واستدلوا بأدلَّة بسَطَها الإمام الفخر الرازي في تفسيره، والحكمة تتعلق بما قصَّ الله عنهم لا بما طوى من أمرهم، ولذلك نهى نبيه أن يجادل فيهم الناس إلاَّ جدالا بسيطًا، والمراء ممقوت عند الله.

-------------------------

 

{فَلاَ تُمَارِ فِيهِمُ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَّلاَ تَستَفتِ فِيهِم مِّنهُمُ أَحَدًا}.

 

فلا تجادل في أحوال أصحاب الكَهف إلاَّ جِدَالاً ظاهرًا، إلا لحاجة فيه، ولا تستفت فيهم من أهل الكتاب أحدًا إنهم لا يعلمون تفاصيل أمرهم، وقد علَّمك الله من أمرهم ما تقيم عليهم به الحجة، وتجلي به العبرة، وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما القول فيهم بغير علم فهو رجم بالغيب، شبَّهه الله بالرجم، ورَميُ الشيء بالغيب وهو لا يراه يذهب طائشًا لا يصيب الغرض، فما أبين هذا التشبيه وما أدلَّه على المقصود، وفيه تقبيح لكل كلام بغير علم، {وَلاَ تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ} (الإسراء:36)، ثم إن الله علَّم نبيّه وكل من يقتدي به إلى كلمة هي من حسن الأدب مع الله عالم الغيب والشهادة مُقدِّر الأمور بمقاديرها ومواقيتها، فقال جل من قائل:

---------------------------

 

{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ اِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) اِلاَّ أَن يَّشَاءُ اللهُ وَاذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُل عَسَى أَن يَّهدِيَنِ رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا (24)}.

 

إرشادات وتوجيهات من الله العليم الحكيم تأتي في نواهٍ وأوامر حكيمة يوجهها الله تعالى إلى نبيّه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ولكل قارئ للقرآن من أمته، هي الهداية لهم وهي التي توجب لهم من الله الرحمة وحسن العواقب في الدنيا والآخرة.

 

جاء هذا النهي مؤكَّدًا بنون التوكيد الثقيلة لأهميته وتأكد الأخذ به؛ ذلك لأن عواقب الأمور كلُّها بيد الله تعالى، والمخلوق لا يملك منها شيئًا ولو كان نَبِيًّا من أنبيائه، وهو أولى الناس أن يتأدب مع الله فلا يقول لشيء أراد أن يفعله غدًا أو بعد حين إني فاعل ذلك إلاَّ أن يشاء الله فيعلق الأمر بمشيئته تعالى إيمانًا ويقينًا أنَّ ما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، فعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء عِلمًا .. وهكذا يُؤدِّبُنا ربُّنا تعالى، ويُعلِّمنا ما ينفعنا ويحسن عواقبنا في الدنيا والآخرة.

 

 

{وَاذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}.

 

ذلك لأن النسيان طبع في الإنسان لا يسلم منه أحد فأمرنا عندما ننسى أن نذكره حين نتذكر ولو بعد حين، وذكر الله نور لنا، وحصن حصين من عدوِّنا الشيطان الرجيم.

 

{وَقُل عَسَى أَن يَّهدِيَنِي رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا}.

 

أكثر المفسرين جعلوا دلالة اسم الإشارة {هذا} على حال أصحاب الكَهف أو آيتهم العجيبة، فقال بعضهم معناها: "عسى أن يهديني الله لأقرب من حال أصحاب الكَهف في الهداية والرشد"، وقال آخرون معناها: "عسى أن يؤيدني الله من المعجزات والآيات بما هو أقرب من آيتهم رشدًا وأدل على صدق نبوَّتي ورسالتي"، وكأن هذا عَودٌ على بدء حيث يقول ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{أَم حَسِبتَ أَنَّ أَصحَابَ الكَهفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنَ اَيَاتِنَا عَجَبًا}.

 

إنَّ ما عند الله من الآيات البينات ما هو أقرب رشدًا وأهدى للحق من آية أصحاب الكَهف، وحملوا معنى اسم الإشارة {هَذَا} هنا على هذا المعنى، وقال غيرهم بغير هذا التأويل واضطربوا كثيرًا في تفسيرها، ولكن يبدو أن في كلامهم شيئًا من التكلُّف، والذي يظهر لي من معناها ـ والله أعلم ـ وهو الأقرب إلى الصواب في نظري أن معناها يرجع إلى أقرب آية تليها والتي هي توجيه رشيد من ربنا، وتأديب حسن منه لنبينا ولنا جميعًا.

 

{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا اِلاَّ أَن يَّشَاءُ اللهُ وَاذكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُل عَسَى أَن يَّهدِيَنِي رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا}.

 

إذا عزمت أيها المؤمن على عمل فتوكل على الله، واعلم أن مقاليد الأمور كلها بيده وهو العليم بعواقب الأمور وإليه مصيرها، وقل: "سأفعل إن شاء الله"، وإذا نسيت أن تذكر الله في مبدإِ أمرك فاذكُره حين تتذكر، ولا تكن ساكنًا كل السكون إلى عزمك فلعل عزمك هذا يكون ضررًا لك وأنت لَم تشعر به، فكثيرًا ما تنبه الناس أو ينبههم إخوانهم وأصدقاؤهم إلى أخطار كادوا أن يقعوا فيها لعزمهم على أشياء تكمن فيها هذه الأخطار وما كانوا يتصورونها لولا أن نبَّههم نصحاؤهم، فإذا كان هذا يقع بين العباد الذِّينَ لا يعلمون الغيب، ولا يدرون بالعواقب إلاَّ تفرسًا وتخرصًا، فكيف بعالِم الغيب والشهادة ومالك العواقب؟، ما ظنك به؟، فتوكل عليه وفوِّض جميع أمورك إليه.

 

{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا اِلاَّ أَن يَّشَاءُ اللهُ وَاذكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُل عَسَى أَن يَّهدِيَنِي رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا}

 

لا تطمئن إلى الأمر الذي عزمت عليه، وفوِّض فيه أمرك إلى من بيده عواقب الأمور عالِم الغيب والشهادة وقل عسى أن يهديني لأقرب من هذا الأمر رشدًا، وأسلم منه عاقبة، ولله عاقبة الأمور.

 

هذا الذي أراه من معنى اسم الإشارة (هذا) في هذه الآية ولم أره لأحد من المفسرين قبلي، وهو معنى قوي لا ينبغي إلاَّ أن نعتمد عليه؛ لأن فيه تقوية لإيماننا بربنا وتفويضنا لأمورنا إليه وتوكلنا عليه، وفيه حسن الرضا بما قضى الله لنا وقدَّر، إذا لَم يكن ما نريدُ فَلنُرِد مَا يَكُون، عسى أن يكون ما كان أقرب رشدًا لنا مما أردناه، وما اختار الله لنا خير مما اخترناه لأنفسنا لدنيانا وآخرتنا، ونحن نؤثر الحياة الدنيا والله يؤثر لنا ما هو خير وأبقى، فَلنُردَّ جميع أمورنا إليه ولنتوكَّل في كل ما نفعله ونعتزم فعله عليه، ولنتوجه إليه وحده بالدعاء الخالص أن يجعل عاقبة أمرنا سلامة ورشدًا، إن الله يحب المتوكلين.

 

وللفقهاء في تأويل هذه الآية نظر فيما يتعلق بالأحكام فقال بعضهم في معنى: {وَاذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، أي إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت وهذا وإن كان معناه صوابًا، غير أن الآية لا يقتصر معناها على هذا الحكم الذي عرف من الحديث النبوي الصحيح: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها أنَّى ذكرها"، وقال آخرون إن في الآية حكمًا للاستثناء المنقطع المتأخر في الأيمان إلى عام وإلى ما بعد عام، وعزوا هذا القول إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقالوا: "إذا حلفت على أمر ونسيت أن تستثني في أثناء قسمك، فاستثن إذا ذكرت وينفعك الاستثناء إذا قلت إن شاء الله، ولو بعد مدة طويلة، فلا يلزمك الحنث ولا الكفارة"، وهذا التأويل بعيد يأباه المحققون من الفقهاء إذ لو كان الأمر كذلك ما لزمت أحدًا كفارة يمين بل كان يستثني في أي وقت تذكر، كيف وقد شرع الله في كتابه الكريم كفارة الأيمان وفصَّلها تفصيلا كما أرشده عبده "أيوب"إلى التحلل من قسمه على أن يضرب امرأته مائة سوط إن شُفي من مرضه، فلما شفاه الله أفتاه الله بما يبره في قسمه فقال {وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث} (ص:44).

 

أمره الله أن يأخذ مائة سوط حزمة واحدة فيضرب بها امرأته حتى لا يحنث في قسمه ولو كان الاستثناء المتأخر ينفع لأرشده إليه، ثم إن النبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ يقول: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يَمينه، ولَيأت الذي هو خير"،فظهر بما تقدم بطلان قولهم إذ لو كان صحيحًا لَقَال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "فليستثن"،ولَم يأمرنا بالتكفِير الذي فيه التكليف والمشقة، والتيسير أحب شيء إلى نبيِّ الرحمة ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.

 

أما فتوى جمهور العلماء في الاستثناء في اليمين فهي أن يكون متصلا بالقَسَم غير منفصل عنه كأن يقال: "والله لأفعلن كذا، إن شاء الله"، وقال بعضهم: "يجب أن يذكر الاستثناء قبل الفعل المقسم عليه فيقول: "والله إن شاء الله لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا"، حتى يكون نافعًا في عدم انعقاد اليمين، وأوسع ما أفتوا به في الموضوع أن يكون الاستثناء في المجلس نافعًا، حتى ولو تأخر عن القسم بعض دقائق، ولعل هذه الفتوى تكون مقبولة، واليمين عقد كسائر العقود، والله يخاطبنا بالإيفاء بالعقود {يا أيها الذِّينَ آمنوا أوفوا بالعقود} (المائدة: 01)، فلو كان الاستثناء ممدودًا غير محدود لتحلَّل الناس من جميع العقود، وهذا طبعًا كلام لا يصح في العقل ولا في النقل، وزعموا أن ابن عباس أفتى بمد الاستثناء إلى عام، ولو صحَّ هذا عنه لكانت فتوى الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ بالتَّكفير مقدمة على فتوى غيره، وما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك ما خلا رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.

------------------------

 

{وَلَبِثُوا فِي كَهفِهِم ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازدَادُوا تِسعًا (25) قُلِ اللهُ أَعلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ أَبصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَّلِيٍّ وَلاَ يُشرِكُ فِي حُكمِهِ أَحَدًا (26)}

 

من المعلوم أن أصحاب الكَهف لبثوا في كهفهم مدة طويلة وأن الناس اختلفوا في تحديد هذه المدة كما هو الشأن في أمثال هذه الأحداث العجيبة، يختلف فيها الرواة، وللقصاص حظُّهم من المبالغة، فبيَّن الله تعالى مقدار لبثهم وقطع النزاع ولم يحك أقوال المختلفين في مدة اللبث كما حكاها في عدتهم ولعلها لكثرتها أعرض الله عن تفصيلها إذ يقتضى ذلك إسهابًا ليس هو من أسلوب القرآن الحكيم، بل ذكر القول الفصل وذيَّله بقوله: {قُلِ اللهُ أَعلَمُ بِمَا لَبِثُوا}، وفي هذا إشارة إلى أقوالهم المختلفة، وإن العلم الحقيقي عند الله.

 

ثم إن الله تعالى أضاف الكَهف إليهم هذه المرة وفي هذه الإضافة نكتة لطيفة وهي أن هذا الكَهف لما صار مأوى لهم وطال مكثهم فيه، ثم صار مدفنا لهم نسب إليهم واختصوا به، فهو منزلهم الذي سيمكثون فيه إلى الحشر وما أروع التعبير القرآني.

 

{وَلَبِثُوا فِي كَهفِهِم ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازدَادُوا تِسعًا}

 

وهنا تأتي نكتة أخرى لطيفة، وهي كيف أنه تعالى أخَّر ذكر التسع في الذكر، ولم يذكرها مع العدد الأول فلم يقل ثلاث مائة وتسع سنين؟

 

ذلك لما سنذكره وهو أنه في هذا المقام يفصل الحكم بين طائفتين: طائفة تحسِب بالحساب الشمسي، وهم أهل الكتاب اليهود والنصارى، وطائفة تحسِب بالحساب القمري، وهم العرب، فذكر أولاً مقدار لبثهم بالحساب الشمسي كما هو عند أهل الكتاب، وزاد بعده الفرق بين الحسابين وهو تسع سنوات الزائدة، لمن يحسب بالحساب القمري، ثلاثُ سنوات لكل مائة عام، وقد تنبه لهذا الإمام عليٌّ ـ كرّم الله وجهه ـ، وهو تأويل صحيح ووجيه، ولا معنى لردِّ الفخر الرازي على الإمام عليٍّ في هذا التأويل بدعوى أنَّ الفرق ليس تسع سنوات بالضبط، بل فيها زيادةُ ثلاثة وسبعين يوما، والعجب أنَّ مثل الإمام الفخر الرازي يغفل عن طريقة حساب العرب في أمثال هذه العقود فهم يُلغُون الكسور الزائدة أو الناقصة ولا يجعلُون لها اعتبارا في الكلام الموجز البليغ، فكم تكون نسبة ثلاث وسبعين يوما التي هي أقل من ربع العام بالنسبة لهذا العدد الضخم من السنين؟

 

إن تأويل الإمام عليٍّ هو الصحيح المقبول، ولا عبرة لمن يعترض عليه بمثل هذا، ثم يذهب في تأويل هذه الزيادة إلى أقوال سخيفة لا ثبات لها ولا اعتبار، والقرآن نزل بلسان عربِي مبين، فهو يَجري بأسلوب التعبير العربِي وفي القمة العليا من البلاغة والإيجاز.

-----------------------

 

{قُلِ اللهُ أَعلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ أَبصِر بِهِ وَأَسمِعْ}

 

اللهُ وحدَه يعلَمُ مِقدار لَبثِهم في كهفهم، وهي المدة التي ذكرها بتفصيل السنين بالحسابين الشمسي والقمري ليقطع نزاع المختلفين، فله لا لغيره غيب أخبار السماوات والأرض، ما أبصره بحقيقة المبصرات وما أسمعه للسِّر والنجوى، وما هو من ذلك أخفى، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وفي هذه الصيغة: صيغة التفضيل الواردة في الآية في أوصاف الله تعالى ردٌّ على من زعم أنَّ صيغة التفضيل لا تصح في حق الله تعالى، والقرآن في تعبيره هذا يرد عليهم فلا معنى لاعتراضهم، وقد وردت في الآثار عبارات توافق ما ورد في الآية ففي الحديث الشريف الوارد عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "سبحانك ما أَحلَمك على من عصاك، وما أوسعك لمن دعاك، وما أعطفك على من سألك"، وفي الابتهال الذي رُوِيَ عن جبريل ـ عليه السلام ـ: "سبحانك سبحانك، ما أعظم شأنك وأعز سلطانك"، ابتهالات فيها روعة وجلال وتعظيم لله عز وجلَّ، فلنسلك طريقة القرآن والسّنة، ولا عبرة بمن ذهب يتكلَّف خلافهما والله أعلم.

 

{مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وِلِيٍّ وَّلاَ يُشرِكُ فِي حُكمِهِ أَحَدًا}

 

هذا تقرير لعقيدة التوحيد في قلوب الذِّينَ يتلون القرآن، وهي طريقة القرآن الذي هو كتاب ذكر، يذّكر الناس بعظمة ربِّهم ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يكاد يعرض قصة من القصص إلاَّ ويستخلص منها العبرة التي هي المقصود من إيرادها، وفيما تقدَّم من نسبة العلم لله وحده ونسبة البصر والسمع إليه يتجلَّى هذا المعنى العظيم، وهنا ينفي معنى الولاية لغير الله، فما للناس من ولِيٍّ يَلِي أمورهم إلاَّ الله، فهو وحده يحكم ويقضي ولا يشرك في حكمه وقضائه أحدًا، لا مَلَكًا مُقرَّبًا ولا نَبِيًّا مرسلا، تفرَّد بالأمور قضاء وقدرًا، حكمًا وتنفيذًا، {إن الحكم إلاَّ لله يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين} (الأنعام:57).

 

وردَّ بعض المفسرين الضمير هنا إلى المشركين الذِّينَ يلتمسون من غير الله الولاية والشفاعة، والحق أنه لا ولِيَّ لَهم دون الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، يلبِّي جميع أمورهم وتجري فيهم أحكامه قضاءً وقدرًا دون اعتراض منهم أو اختيار.

 

وردَّ البعضُ الآخر ضمير الآية إلى أصحاب الكَهف الذِّينَ جاء الحديث عنهم وعن قصَّتهم، فكان محط الاعتبار من هذا الخبر أننا رأينا من لطف الله بهم وعنايته بمصيرهم ما يزيدنا إيمانًا بأنَّ ولاية الله لعباده المؤمنين خيرُ وَلاَيَةٍ، فهو وحده لا غيره يلبي أمورهم ويجعل عاقبتها سلامة ورشدًا، وهو وحده جعل لهم من أمرهم يسرًا.

 

{الله ولِيُّ الذِّينَ آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} (البقرة:257)، {ذلكَ بأَنَّ اللهَ مَولَى الذِّينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَولَى لَهُم} (مُحَمَّد:11)، .

 

وهذا المعنى الذي ذهبوا إليه صحيح، غير أن البعض جعلوا مرَدَّ الضمير لعموم الناس جميعًا، فقالوا إن ولاية الله على جميع خلقه قضاء وقدرًا، فأحكامه تجري وتنفذ في جميع مخلوقاته، {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَّلِيٍّ وَّلاَ يُشرِكُ فِي حُكمِهِ أَحَدًا}، فالحكم لله وحده لا شَرِكَةَ لِأَحَد سواه فيه، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، تفرَّد ربُّنا بالْمُلك والأمر، وتعالى عما يقول الجاهلون عُلُوًّا كبيرًا.

--------------------------

 

{وَاتلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلتَحَدًا (27) وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الذِّينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ وَلاَ تَعدُ عَينَاكَ عَنهُم تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَلاَ تُطِع مَنَ اَغفَلنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا (28)}

 

أمران ونهيان من الله تعالى لنبيّه ورسوله مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ مُوجَّهان إليه وإلى أمته الذِّينَ يتَّبِعون هداه، الأمر الأول تِلاوة كتابِ اللهِ الكريمِ، والذكرُ الحكيمُ هو الحقُّ لا مبدل لكلماته؛ لأن الذي أنزله عليم خبير، يعلم غيب السماوات والأرض، وبيده مقاليدها وإليه تصير الأمور، ولا تبدو له البدوات، فكلُّ كلام لغيره يحتمل التبديل والتغيير، حاشا كلام رب العالمين.

 

اتل كلامَه، اقرأه وتدبَّره، واعمل بأحسنه إنك يا مُحَمَّد لن تجد من دونه ملتحدًا، لن تجد من دون كلام الله بديلا، ولن تجد من دون الله وَلِيًّا ولا نصيرًا، فاستمسك بالذي أوحي إليك ولا تَمِل عنه، وكلُّ مَيلٍ عن كلمات الله فهو إلحاد عن طريق الحق، إنه لا مبدل لكلمات الله، ومن ذا الذي يبدِّل كلام الله إلاَّ أن يكون الله هو الذي يريد نسخ آية من الأحكام لا من الأخبار، ثم يأتي بخير منها أو مثلها، رحمة بعباده الضعفاء تقتضيها حِكمَتُه، وهو اللطيف في أحكامه الحكيم بتشريعاته.

 

أما سبَب نُزُول هذه الآية فهُو أنَّ كبراء قريش قالوا للنبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "إن شِئتَ أن نَجلس إليك ونستمع إليك ونحادثك"، فاطرد هؤلاء الفقراء والضعاف والعبيد من مجلسك فإنه لا يجمعنا وإياهم مجلس واحد، وذلك يحطُّ من شرفنا ويغض من قدرنا، ويريدون بهؤلاء ضعاف المسلمين الأوائل أمثال بلال وسلمان وصهيب وعمار وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن أم مكتوم وأبي ذر وأمثالهم من ضعاف وفقراء الصحابة الأوائل ـ رضي الله عنهم ـ، مِمَّن تزدري عين الكبراء من قريش، فهم يحتقرونهم ويُعظِّمون أهل الثراء والشرف والعظمة والأنساب.

 

لما قالوا ذلك للنبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أنزل الله عليه هذه الآية تثبيتا لمقامهم ورفعا لشأنهم عند الله وعند رسوله والمؤمنين، فواحد منهم عند الله خير من طلاع الأرض من هؤلاء المتعاظمين بدنياهم، وميزان الله في تقدير الناس هو الإيمان والتقوى، {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات:13)، أما موازينهم الخاطئة فهي ترفع أهل الدنيا، والله يريد أن يحق الحق بكلماته فيضع نسبهم ويرفع نسبه، والله عزيز حكيم، أمر نبيَّه أن يُصبِّر نفسه، أي يحبِسها مع هؤلاء وأمثالهم الذِّينَ يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فهؤلاء هم أهل الإكرام عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين، بما معهم من الإيمان والتقوى والتواضع والإخلاص لربهم، فهم يريدون بعبادتهم وجه الله ويطلبون رضاه لا يدعون سواه.

 

اصبر نفسك معهم ولا تَعدُ عيناك عنهم، لا تترك عينيك تميلان عنهم ولا تتجاوزهم بنظرك إلى أهل السيادات والمال، وإن كنت لا تريد بذاك دنياهم بل تريد استمالتهم إلى الإسلام فما عليك ألا يسلموا إنما عليك البلاغ، فإياك أن تميل نفسك إلى زينة الحياة الدنيا، أو تطيع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، ولم يرد إلاّ الحياة الدنيا، فهم يتبعون أهواءهم فصار أمرهم باتباع الهوى فرطًا، أي ضياعًا، فهم الغافلون أغفل الله قلوبهم عن ذكره، وانطمست بصائرهم باتباع الهوى وكذلك الهوى يعمي ويصم.

 

{وَقُل الحَقُّ مِن رَّبِّكُم} هذا هو الحق الذي أنزله ربُّكم عليكم، فاتبعوه أيها الناس تهتدوا ولا تتبعوا السُبُل فتفرَّق بكم عن سبيله، أعْلِنها دعوة صريحة ثم اترك الناس بعد ذلك أحرارًا، لا إكراه في الدين.

----------------------

 

{وَقُل الحَقُّ مِن رَّبِّكُم فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليَكفُر}

 

قُل يا مُحَمَّد هذا هو الحقُّ من ربِّكم الذي كتب على نفسه الرحمة، خلقَكُم ولَم يترككم سدى، بل هدَاكم للإيمان، وبيّن لكم النجدين فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، من شاء فليختر سبيل الإيمان ومن شاء يختر سبيل الكفر، ليهلِكَ من هلك عن بينة ويحيا من حيِيَ عن بينة، أمّا جزاؤكم عند الله فإما نار يدوم جحيمها وإما جنة يدوم نعيمها.

 

{إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا اَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَّستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا (29)}

 

المقام هنا مقام وعيد وتهديد شديد لأهل الكفر والضلال والكبرياء، بعد إعراضهم عن الحق واحتقارهم لمن آمن به، وقد تبيّن لهم الهدى، فأعرضوا عن ذكر الله، واتبعوا أهواءهم واشتروا الضلالة بالهدى، إن الله أعدّ لهم عذابًا أليمًا، وهيّأ لهم نارًا، {نَارًا} عظيمة، نكَّرها الله؛ لأنها فَوق وصف الواصفين، فهي نار لا يأتي عليها وصف ولا تُدرِك حرَّها وهولَها العقول.

 

{اَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا}، جاء التعبير هنا بصيغة الماضي؛ لتحقيق وقوعها وقرب زمانها وكل آت قريب فكأنهم في وسطها وبين طياتها، يستغيثون فلا يغاثون إلاّ بما يزيدهم عذابًا، وقد {احَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا}، فهي من تحتهم ومن فوقهم ومن جميع جهاتهم، {لهم من جهنَّم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف:41).

 

والسُّرَادِقُ في لغة الغرب: هي الحواجز التي يحيط بها الناس خيامهم ومضاربهم، وقد يطلق على المخيمات والفساطيط سرادقات، ضرب الله لناره مثلا بالسرادقات حتى نتصوّر إحاطتها بهم من جميع جهاتهم، فهم لا يستطيعون التفلُّت منها ولا الفرار، وأنَّى لهم ذلك، وهي مطبَّقة عليهم وهم مُبلِسون، يستغيثون، يطلبون ما يبرد قلوبهم من الحر الذي لا يطاق فيغاثون بِحرٍّ مثله أو أشد منه، {بِمَاءٍ كَالْمُهلِ}، والمهل دَرديُّ الزيت تشتعل فيه النار فيكون أشد حرارة من الماء، وألصق ببدنِ صاليه، والمهلُ أيضًا يُطلَق على ذائب الحديد والنحاس، وهو ما هو في شدة حرارته يشوي الوجوه بأواره عندما يقبلون عليه ملهوفين يظنونه ماءً، فيسقط لحم وجوههم من شدة حرِّه قبل أن يُصبَّ عليهم ويجرعوه، ثم يسقونه جبرًا وبالرغم منهم، يتجرعونه ولا يكادون يسيغونه ويصب من فوق رؤوسهم فيصهر ما في بطونهم والجلود، أيّ شراب هذا؟!! {بِئسَ الشَّرَابُ}، وأي مرتفق هذه النار ساءت مرتفقًا، صيغتا تعجّب في قبح الشراب وسوء المرتفق، والمرتفق: هو المنزل الذي تعد فيه وسائل الراحة، وكانوا في الدنيا يتنعمون بالظلال والمرافق والمياه الباردة ولا يشكرون هذه النعم، بل ازدادوا بها طغيانًا وكفرًا، فعاقبهم الله بما يشوي وجوهَهُم المنعَّمة في دار الهوان والصَّغَار، فيها كل أنواع العذاب، لا راحة فيها ولا نعيم، ما أقبحها من دار، وما أسوأها مرتفقًا، هذا مثوى المتكبرين لا مفر لهم منه ولا محيص ولا سامع لاستغاثتهم ولا مجيب لدعائهم، وقانا الله هذا المصير وحشرنا مع الفريق الذِّينَ يقول تعالى في ثوابهم ونعيمهم:

--------------------------

 

{إِنَّ الذِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجرَ مَن اَحسَنَ عَمَلاً (30) أُولَئِكَ لَهُم جَنَّاتُ عَدنٍ تَجرِي مِن تَحتِهِمُ الاَنْهَارُ يُحَلَّونَ فِيهَا مِنَ اَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلبَسُونَ ثِيَابًا خُضرًا مِّن سُندُسٍ وَإِستَبرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الاَرَائِكِ نِعمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَت مُرتَفَقًا (31)}

 

بعد ذكر الوعيد في الآية السابقة يثني الله هنا بأية الوعد، يبسط فيها بعض أنواع النعيم تشويقًا لعباده المؤمنين حتى يصبروا على أذى الكفَّار وعلى تحمّل مشقة العبادة، والعبادة إيمان بالقلب لا يشوبه ريب، وعملٌ صالح بالأركان، وما يذكر ثواب الإيمان في القرآن إلاّ ويذكر معه العمل الصالح إيذانًا من الله أنه لا ينفع القولُ باللسان مجردًا عن العمل الصالح؛ لأن الإيمان الصادق هو الذي يتحقق بأداء الفرائض وترك المناهي والتخلّق بالأخلاق الحسنة، والتحلي بالآداب التي دعا إليها القرآن الكريم، فإذا امتثل المؤمن قولَ ربِّه كان مؤمنًا حقًا يستحق من الله الثواب والنعيم في جنات عدن، والعَدنُ: هو الإقامة الطويلة دائمًا، ومنه سميت المعادن معادن لاستقرارها في الأرض دوامًا، والعدْنُ أيضًا: عَلَمٌ لإحدى الجنَّات، أو عَلَم من أعلام الجنة.

 

{إِنَّ الذِّينَ آمَنُوا وَّعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، تبتدئ الآية بـ: "إنّ واسمها"، فأين خبرها؟ يقول بعض المفسرين إن خبرها أولئك وما بعدها، فهو إخبار عن حال الذِّينَ آمنوا وصدقوا إيمانهم بالعمل الصالح، إنهم مُنعَّمون في جنات عدن بما ذكر من النعيم جزاءً بما كانوا يعملون، ويقول البعضُ الآخر: "إن خبرها ما يليها"، وهو قوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجرَ مَن اَحسَنَ عَمَلاً}، أي أن الله لا يُضيع أجرَهم، وسيجزيهم الجزاء الأوفى، ويزيدُهم من فضله، وأظهر مكان الإضمار هنا؛ ليبيّن أن الذي استحقوه من الجزاء الأوفى إنما هو إحسانهم في الأعمال، {هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان} (الرحمن:60)، إن الله بَرٌّ رحيم، لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولو كان حقيرًا؛ لأن الأعمال بالنيات، وربما ينساه عامله لقلته وحقارته، ولكن الله يحصيه له ولا ينساه، وعلى كلا التفسيرين فالمعنى صحيح، والتصريح باسم الإشارة {أُولَئِكَ}؛ للعناية بهم وتكريمهم ورفع مقامهم، فهم في جنَّات لا في جنة واحدة، جناتٍ كثيرة، يتنقلون بين ظلالها وقصورها وأنهارها التي تجري دائمًا ولا تنقطع، وجري الأنهار ضمان لحياة الأشجار وزينة ومتعة للناظرين، ولا يعرف الناس منتزهًا أحلى من ضفاف الأنهار، وهناك تبنى قصور الملوك والمترفين من أهل النعيم، ونعيم الآخرة أعظم وأبقى.

 

ثم يعرض لنا لونًا آخر من ألوان النعيم في الجنة، وهو ما يحلون به من أنواع الحلي والحلل، فهم يُحلَّون فيها من أساور من ذهبٍ، وقد اعتاد ملوك الدنيا وأُمراؤها أن يحلُّوا أنفسهم بأَسْوِرَة الذهب، وقديمًا فخر عدو الله فرعون على نبي الله موسى بهذا النوع من الزينة فقال: {لولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} (الزخرف:53).

 

فأساور الذهب زينة عرفها الناس قديمًا، تحلى بها الملوك والأمراء، وأصحاب الجنة يوم القيامة ملوك منعمون، يحلون بأنواع الحلي من ذهب الجنة وفضتها ويلبسون ثيابًا خضرًا من أنواع حرير الجنة من سندسها وإستبرقها، وهذان نوعان من الحرير الناعم الرقيق والخشن، والكلمتان قيل: "أصلهما من اللغة الفارسية استعملهما العرب وعرفوهما قديمًا"، وجرس الكلمتين يدل على النعومة والليونة والبهاء، وأقصى ما وصل إليه الناس من الترف والزينة الذهب والحرير حليّ أهل الجنة ولباسهم، وليس ذلك فحسب، بل وقصورهم وأوانيهم وسجفهم وفرشهم وأرائكهم، فهم متكئون على سُررٍ موضونة من قصب الذهب، بطائنها من إستبرق أكِلَّتها من سُندس، والاتِّكاء يرد في كثير من مواطن الكلام عن أحوالهم، وليس معناه أنهم متكئون دائمًا، بل هم يترددون في رحاب الجنة الفسيحة، ويتزاورون ويتنزهون في بساتينها وعلى ضفاف أنهارها، والتعبير بالاتِّكاء كناية عن تمام راحتهم في ترفها ونعيمها، وأنهم غير مطالبين فيها بأي عمل من الأعمال، فلا صلاة فيها ولا صوم ولا جهاد ولا تكلّف فيها لكسب أرزاقهم، إذا خطر شيء من ذلك ببالهم، فدعواهم: "سبحانك اللهم"، فإذا هو مهيأ بين أيديهم، حتى الماء يسكبه لهم في أكواب الذهب والفضة غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون يطوفون عليهم بما يشتهون، وأي نعيم هذا وأي ثواب؟ {نِعمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَت مُرتَفَقًا}، ما أعظمه من ثواب، وما أحسن الجنة منزلا ومرتفقًا، يجد أهلها فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، وهم فيها خالدون ورضوان ربهم فوق كل نعيم ودونه كل ثواب.

 

ولنرجع إلى نكتة لطيفة فيها تقدم من وصف حال أهل الجنة وهي أنه لما وصف حِليَتَهم قال: {يُحَلَّونَ}، ولما ذكر لباسهم قال {ويَلْبسون} فنسب الأولى للمجهول، ونسب الثانية للمعلوم؛ وذلك لأن تمام نعيمهم أنهم لا يتكلَّفون بتحلية أنفسهم بأنفسهم، بل هناك من الخدم والوصائف والحور العين من يُحليهم، أما اللباس فنسبَهُ لهم وهو أنسب؛ لأن في اللباس ستر العورات؛ فناسب أن يتولَّوا ذلك بأنفسهم، وفي ذلك صَونٌ لعوراتهم وستر لها، فلا يطَّلع عليها غيرهم، فما أدق تعبير القرآن وما أدَّله على المقصود، ثم إن الله تعالى وصف لون ثيابهم بالخضرة؛ لأن اللون الأخضر أزهى الألوان وأحلاها في العيون، وهو اللون الذي تناسبه ألوان حُلِيِّ الذهب والفضة وسائر الجواهر والدرر التي يحلون بها، فتتجلى هذه الألوان في أروع وأحلى مناظرها، وصدق الله العظيم: {فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} (الزخرف:71)، اللهم متعنا بنعيم الجنة وخلودها وروِّحنا برضاك يوم نلقاك يا أرحم الراحمين.