إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 32- 49 ) قصة صاحب الجنة
طباعـة

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

------------------------------

 

بعد ذكر ما تقدَّم من احتقار الكفار للفقراء والضعفاء وتعظيمهم لأهل الدنيا، فهم يستنكفون من مجالسة فقراء المسلمين وضعفائهم، ولكن الله يأمر نبيَّه أن يصبر معهم ولا يعدوهم ببصره إلى أهل الدنيا، وما ذلك إلاّ لِهَوان الدنيا على الله، يضرب لنا في هذه الآية مثلا لحقارة الدنيا وزوالها، وأن الذِّينَ فُتنوا بها هم الخاسرون النادمون على ما أشركوا بالله غيرَه، وأن الولاية الحقيقية هي ولاية الله الحق هو خير ثوابًا وخير عُقبًا، واضرب يا مُحَمَّد لهؤلاء مثلا رجلين، جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعًا، الجنتان على شكل متناسق بديع، جنتان من أعناب محفوفتان بنخيل ولا يزال الناس يحوطون الكروم بالأشجار وبالنخيل ترد عنها عواصف الريح والسَّمُومِ وقساوة الجو، والنخل يصلح بتعرضه للشمس والهواء فتجود بذلك غلته، والزرع يصلح في أرض عراء لا غرس فيها، وإذا كان بين جنتين فهو أحفظ لنباته من الرياح الهوج، ومن رمالها ومن قساوة الجو، حرِّه وقرِّه، فهو تخطيط رباني عجيب، فيه إرشاد لنا إلى نظام غرس النخيل والكروم والزرع، والذي يزيد من قيمة الجنتين ويضمن بقائهما ـ لو أن صاحبَهما شكر نعمة الله ـ تفجير الماء الغزير خلالهما، فهو نهر دائم الجريان يسقيهما.

 

والقصة قال بعض المفسرين: "إنها رمزية ضربت مثلا من واقع الناس، ومحاورة أهل الإيمان لأهل الكفر"، وقال البعض الآخر: "إنها واقعية لأخوين من بني إسرائيل"، وقيل من غيرهم، مات أبوهما فترك لهما ثمانية آلاف دينار ذهبًا اقتسماها بينهما نصفين فأنفق أحدهما ألف دينار في شراء الجنة والقيام بها، وأنفق الآخر ألف دينار في سبيل الله يبتغي بها جنةً عند الله في دار كرامته ورضاه، ثم أنفق الآخر ألفًا أخرى في شراء دار وتأثيثها، وأنفق أخوه ألف دينار في شراء دار في الجنة يدوم نعيمها، ثم أنفق الآخر ألفًا في نكاح امرأة والإنفاق على عرسها فتصدّق أخوه بألف دينار، وقال: اللهم إني أتصدق بهذا مهرًا للحور العين فزوجني من الحور عندك وفي جنتك ومتعني بها في دار الخلود يا أرحم الراحمين، وتصدَّق بالباقي في سبيل الله، وطلب رضاه بينما أمسك الآخر الألف الباقية لينفقها في نيل شهواته وحاجاته، فمر بأخيه الفقير في أبهته وخيلائه بين خدمه وحشمه وهو معجب بدنياه فخور بها، فقال له: {أَنَآ أَكثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا}، وأنت أنفقت مالك كلَّه وتركتَ نفسك للفقر، وحَرَمتَها متعتها، فانظر إلى كثرة أموالي ووفرة أولادي وأنصاري وخلاني وبقيت أنت وحيدًا لا ناصر لك ولا حميم.

-----------------------------

 

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَّمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَّلَئِن رُّدِدتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيرًا مِّنهَا مُنقَلَبًا}.

 

راح يقول هذه الكلمات في صلف وتيه وإعجاب بأمر دنياه، مُعرِضًا عن نُصح أخيه وصاحبه، غير خاشٍ عاقبة الكفر والطغيان، ولا متعظ بتقلبات الزمان، فهو مطمئن إلى جنتيه متوكل على نهره الجاري خلالهما لا على خالقه وخالقهما، ومفجر الماء خلالهما ولا يتوقع لمصيره يوم القيامة الذي أصبح يشك فيه أن يكون مثل ما هو فيه من النعيم أو أوفر، وهو شعور أمثاله من الطغاة في كل زمان، وما أبعده عن الصواب، ويعجز عن طلبه حين يذهب كل شيء ويبقى فقيرًا.

 

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالذِّي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَولاَ إِذْ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَآ أَقَلُّ مِنكَ مَالاً وَّوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَن يُّوتِيَنِ خَيرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرسِلَ عَلَيهَا حُسبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) اَو يُصبِحَ مَاؤُهَا غَورًا فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)}

 

ظلم نفسه بالركون إلى الدنيا وفتنتها والإعراض عن الله وكفر نعمته، فذكره صاحبه بأصل خِلقَتِه الأولى وبخالقه، قال له: "أَكَفَرتَ بربِّك الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟، كلُّنا مخلوقون من تراب، وهو المادة التي خلق منها أصلنا الأول، ومن التراب غذاؤنا ثم من نطفة وهي المادة التي منها خلق كل واحد منا، ثم تطورت من طور إلى طور حتى سوانا ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ رجالاً، كيف نكفر بهذا الخالق العليم؟، إن هذا لظلمٌ عظيم، وَعَظَه صاحبُه وحذَّره من عاقبة هذا الكفر والطغيان ويبدو أنه لَم يقبل منه وَعْظَه، شأن المتكبرين ولذلك ردَّ عليه قائلا:

{لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا}.

 

لكن أنا إيماني واعتقادي هو الله ربى أعبده وحده وأشكر نعمته ولا أشرك به أحدا، هو الذي خلقني وأنعم عليّ بنعمِهِ التي لا تحصى، أشكره ولا أكفره وأذكره ولا أنساه.

-------------------------

 

{وَلَولاَ إِذْ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ}

 

ليتك حين دخلت جنتك ورأيت أثر نعم الله عليك، عَلمتَ أن جميع النعم من الله تعالى وقلتَ بلسانك: "ما شاء الله كل هذه بإرادة الله وتيسيره"، ما شاء الله كانَ وما لَم يشأ لم يكن، لا قوة إلاَّ بالله بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا قوة إلاَّ بالله، لا يقوى أحد من مخلوقاته على شيء إلاَّ بإذنه وقوته وتيسيره، فبِقُوَّتِه أثمرت جنتك هذه، وبقُوَّتِه تفجر نهرها، وبِقُوَّتِه تمتعتَ بخيراتها.

 

علّمنا الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ أن نقول هذه الكلمة التي تنبع من الإيمان العميق بالله المنعم، أن نقول هذه الكلمة الطيبة التي تنبئ عن شكر النعمة كما رأينا ما يعجبنا في أموالنا وأولادنا.

 

{مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ}

 

هي شكرٌ للنعمة، ورُقيًا مما عسى أن يصيب المرئي من العين، فإذا قلت هذه الكلمة مخلصًا من قِبَلِك حفظ الله ما رأيته من إصابة العين، وبورك لك ولغيرك فيه فسلمت وسلم الناس منك، ثم حاور صاحبه قائلا له:

 

{إِنْ تَرَنِ أَنَآ أَقَلُّ مِنكَ مَالاً وَّوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَن يُّوتِيَنِي خَيرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرسِلَ عَلَيهَا حُسبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا اَو يُصبِحَ مَاؤُهَا غَورًا فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طَلَبًا}

 

لا تفتخر عليَّ بمالك ولا بأولادك، إن تَرَ قِلَّة مالي وولدي فعسى الله أن يذهب بمالك ويؤتيني خيرًا من جنتك، ويرسل عليها عذابًا أو نارًا من السماء، فيهلكها فتصبح صعيدًا زلقًا، أرضًا جرداء، يزلق فيها الزالق، لا أثر فيها لزرع ولا شجر، أو يذهب الله بمائها فيغور في الأرض فلن تستطيع له طلبًا، فتيبس هذه الأشجار وتنقطع ثمارها، وتصبح هذه الزروع هشيمًا تذروها الرياح، نفى عنه استطاعته طلب الماء لا وجوده، لأنه حينئذ ييأس من طلبه ويعجز عن طلبه حين يذهب كل شيء ويبقى فقيرًا.

 

وفسَّروا الحُسبَانَ بالنار أو بالعذاب، وسُمِّيَ حسبانًا؛ لأن الله ينزل ذلك على من يريد تعجيل عقوبته محاسبةً له على طغيانه وكفره والله سريع الحساب.

------------------------------

 

{وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ فَأصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيتَنِي لَم أُشرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَّلَم تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَّنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الوَلاَيَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقُبًا}

 

جاء أمر الله بعد أيام معدودة، وأمره لابد واقع، فهلكت الجنتان وهلك كل ما فيهما من ثمار كما تدل صيغة الجمع، ويبدو أن الهلاك جاء والأشجار محمَّلةٌ بغلالها حتى يكون وقعهُ أشدَّ على من كفر بنعمة الله وأعرض عن الناصحين، هلك كل شيء، وغار الماء، وقُضِيَ الأمر، فأصبح الرجل المغتر بدنياه يُقلِّب كفَّيه أسفًا وندمًا وحسرة على ما أنفق فيها من الأموال الكثيرة الوافرة، فهي اليوم ذاهبة ولا أثر لها، لا يملك من أمرها إلاَّ الندم والحسرات، وتقليب الكفين إشارة إلى كل ذلك، فهي عبارة اِعتاد العربُ استعمالَها لتدُلَّ على الندم العميق مع العجز الكامل عن طلب التالف أو استدراك بعضه، ذهب كل شيء، وفات كل شيء، وانهارت الآمال، وبارت الأموال، فالجنة خاوية على عروشها، كل شيء فيها يدل على الخراب، حتى الأعمدة التي كانت منصوبة للأشجار المعروشة هي الآن ساقطة، يا لَهَولِ المنظر ويا لَعِظَم الكارثة، وقف الرجل يُقلِّب كفَّيه ويقول:

 

{يَا لَيتَنِي لَمُ اشرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}

 

ولم تكن منه هذه العبارة ندمًا على شركه بربِّه وما أدركه التوفيق بعد، إنما هي تعبيرٌ منه على النَّدم على تلف ماله، ندم على الشرك الذي كان سببًا في هلاك جنتيه وذهاب غناه فلو لَم يتلف المال ما كان يتحوَّل عن شركه، فندمه هذا صورة للإيمان الذي لا ينفع يوم يأتي بعض آيات ربك، هذا هو المعنى المتبادر من موقفه هذا، وأبواب ربِّك مفتَّحة بعدُ لو أراد الرجوع إلى الله، ولعلَّه يرجع فتُقبَل توبته والفرصة لَم تفت.

 

أمَّا الجانب المعروض من القصة فهو جانب الاعتبار والاتِّعاظ بحال هذا الكافر، وما آل إليه من زوال النعم وذهاب الأبصار، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا، لَم يبق له من أنصاره الكثيرين من يَقدِر على نُصرتِه، ولم يكن منهم من يقوى على رد الأمر بعد وقوعه، كما أنهم لَم يقدروا على دفعه قبل وقوعه بل وقفوا متفرجين، لا يملكون لصاحبهم ولا لأنفسهم حولاً ولا طولا، {وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا}، ولَم يكن هو الآخر يملك حيلة يدفع بها المقدور أو يخففه وهو نازل، بل حُمَّ قضاء الله، وتم ما أراده ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

-------------------------

 

{هُنَالِكَ الوَلاَيَةُ للهِ الحَقُّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقُبًا}

 

هنالك في هذه الحالة الحاسمة تمحَّضَ الحق وتبيَّن أن الولاية النافعة هي ولاية الله وكل ولايةٍ غير ولايته لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فولاية الله هي الحق والله خير ثوابًا وخير عقبًا، من آمن به وتوكَّل عليه، وفوَّض الأمر إليه نال ثواب عمله، ومن كفر به وأشرك به غيره، وأعرض عن ذكر ربه لقيَ جزاء كُفرِه، كلٌّ ينال جزاءه موفورًا ويصل إلى غايته، وخير العواقب ما كان في طريق الإيمان بالله وشكر نعمه واتباع أنبيائه ورسله، {هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقُبًا}، هكذا يُبيِّن لنا هذا المثل العجيب من أمثال الله الفارق الكبير بين أحوال الشاكرين وأحوال الكافرين ومصير الجبارين الذِّينَ لا يحبون الناصحين، كيف تكون عاقبتهم وَخِيمَة في هذه الدنيا، ولَعَذابُ الآخرة أشد وأبقى، ويُبيِّن للمعتبرين أنَّ عواقب الأمور كلَّها بِيَد ربِّ العالمين، فمن أراد الولاية الحق والنُّصرة الحق فليتخذه وكيلاً، فهو نعم الوكيل وهو نعم المولى ونعم النصير، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

---------------------------

 

{وَاضرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنيَا كَمَاءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرضِ فَأَصبَحَ هَشِيمًا تَذرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُّقتَدِرًا (45) المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ اَمَلاً (46)}

 

مثل آخر يضربه الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ لحقارة الدنيا وسرعة زوالها وزوال ما فيها، ما أقصر الحياة وما أسرع زوالها وما أعجب أمر من يغتر بها.

 

مضى لنا منذ أول السُورَة جولات في الذِّينَ غرتهم هذه الحياة الدنيا، أول ذلك: ملِك أصحاب الكَهف الذي تكبر بما ناله من عز المُلك وإقبال الأيام، فطغى وكفر بالله ودعا الناس إلى عبادته، وبطش بالذِّينَ عبدوا الله وحده، ثم جاء بعد ذلك أمر الله لنبيّه أن يصبِّر نفسه مع فقراء المسلمين الذِّينَ يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا يصرف عنهم بصره ناظرًا إلى زينة الحياة الدنيا، ولا يطيع الذِّينَ أغفل الله قلوبهم عن ذكره لافتتانها بالحياة، فهي مرادهم ومبلغ علمهم فكان أمرهم فرطًا، ثم يضرب لنا مثلا من الرجلين المتجاورين وقد افتتن أحدهما بجنتيه وطغى وظن أن الحياة الدنيا باقية والساعة غير قائمة، وكفر بالله وأعرض عن صاحبه الذي ظل يعظه ويبصره بالحقيقة، ويحذره عواقب الطغيان والكفران، ولكنه لَم يتعظ فكان من أمره ما كان من وخيم العواقب، فانتهى بالحسرات والندم، ولات حين مندم، ثم يعقب الله هنا بمثل الحياة الدنيا ومراحلها الثلاث في جمل وجيزة بليغة: ماء ينزل من السماء فيهيج به نبات الأرض ويختلط بعضه ببعض، نجمه وشجره وأعشابه وأزهاره وزروعه، فيصبح بعد مدة قريبة هشيمًا قد اصفرَّ ويبس وفارقته الحياة والنضارة، ثم يتصوح ويصير هشيمًا تذروه الرياح فتبدده وتذهب به في نواحي الأرض فيتلاشى ويفنى، تلك هي عاقبة الحياة الدنيا وقد انطوت كلها في هذه العبارات القليلة الموجزة.

 

{وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُّقتَدِرًا}

 

وكان الله على الخلق والإفناء قادر، بل هو على كل شيء قدير، وقد جاء التعبير هنا بهذه الصيغة {مُّقتَدِرًا} ليدل بهذه الحروف الزائدة على زيادة المعنى فهو كامل القدرة شديدها، أحاطت قدرته الجبارة بكل شيء لا يعجزها شيء، سواءٌ عندَه الأمورُ العظيمةُ والحقيرةُ والمخلوقاتُ الكبيرة والصغيرة، ثم يناظر بين حقارة الدنيا وفنائها وشرف الدار الآخرة وبقائها أن العمل لها خيرٌ عاقبةً وثوابًا.

------------------

 

{المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَّخَيرٌ اَمَلاً}

 

زُيِّن للناس أصناف الأموال، فهم يسعون ورائها ويجمعونها ويكنِزونها ويبخلون بها ويعصون ربهم في جمعها وإمساكها، وهي ذاهبة وهم قبلها ذاهبون، فما هي إلا زينة هذه الحياة الدنيا، ثم تزول ويصير حلالها حسابا وحرامها عقابا، هذا مصير الأموال التي بها يغترون وعليها يقتتلون، وهم كذلك يفتتنون بزينة البنين ويعصون الله من أجلهم، فهم يجمعون الحرام من أجل البنين ويبخلون بما رزقهم الله ولا ينفقونه في حقه، وهذه فتنة الأولاد كما جاء في الأثر: "الولد مبخلة مجهلة مجبنة"،وما هو إلا زينة الحياة الدنيا، وكثيرا ما يكون غصة على والديه وغما ونكدا ونحسا لهما، فليتهما لَم يلداه وليتهما لَم يجمعا له الحرام وليتهما لَم يفتتنا به، وقد قدم الله ذكر الأموال على البنين في الإعجاب بها والافتتان؛ وما ذلك إلا لأن فتنة المال أشد على الإنسان، وميله إليه أكثر، فالمال زينة ولو بدون الولد، أما الولد بدون المال فهو همٌ وغمٌ، لا سيما إن كثروا وقل المال، فيصير أمرهم حينئذ ثقلا وغمًا على والديهم، فالولد زينة مع وجود المال ولذلك قُرن به، والمال زينة على كل حال ولذلك بُدئ به، وما أعجب بلاغة القرآن.

 

{وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَّخَيرٌ اَمَلاً}

 

الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة بنواياها الخالصة، فلا يبقى شيء من الحياة الدنيا إلاّ ما تتزوّد منها من الحسنات الباقيات التي تبقى معك وتدخل معك القبر حين يذهب كل شيء، يذهب المال عند خروج روحك، ويذهب البنون والأهلون والأحبة حين يوسّدونك التراب في القبر وتبقى الأعمال، فيا طوباك إن كانت صالحة.

 

وفسّر بعض أهل التفسير الباقيات الصالحات بنوع من الذكر وهو: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر"، وزاد بعض: "لا حول ولا قوة إلاّ بالله"، وهذا التفسير ضعيف إلاّ أن يكون هذا من جملة الباقيات الصالحات فلا مانع من ذلك، أما أن يقتصر المعنى على هذا النوع من الذكر فهذا تحجير للواسع، فالباقيات الصالحات تبقى عند ربك ثوابًا حين تفنى كل أشياء الحياة الدنيا وتزول، {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} (النحل:96)، وهي خيرٌ أملا، نعم هو الأمل النافع، والنفع الدائم وهو الأمل الذي يرغبك في العمل الصالح ويذكرك بالآخرة، لا الأمل الذي يصدك عن العمل وينسيك الآخرة، ذكر خير الثوابين وخير الأملين ولم يذكر ما دون ذلك لحقارته، فلا وزن له إلى جانب ما يبقى وكلمة {خَيرٌ} تدل على التفضيل ويكفي ذكرها تعريضًا لحقارة ما سواها وتفاهته، فلا حاجة إلى ذكره ويكفي أن يفهم من فحوى الكلام ومما تقدم، فاعملوا أيها المؤمنون لما يبقى، ولا تلهِيَنَّكم زينة الحياة الدنيا، فإن مصيرها إلى الزوال والفناء، وموعدكم يوم الحشر حيث توفون أعمالكم وتجاوزون على ما قدمتم منها جزاءً وفاقًا عدلا لا ظلم فيه، إن الله سريع الحساب.

-------------------------

 

{وَيَومَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الاَرضَ بَارِزَةً وَّحَشَرنَاهُم فَلَم نُغَادِر مِنهُمُ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَد جِئتُمُونَا كَمَا خَلَقنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَل زَعَمتُمُ أَلَّنْ نَّجعَلَ لَكُم مَّوعِدًا (48) وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى الْمُجرِمِينَ مُشفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَّلاَ كَبِيرَةً اِلاَّ أَحصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَّلاَ يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)}

 

لمناسبة الكلام المتقدم على زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وقُربِها، يذكرنا الله تعالى بيوم القيامة بادئًا بفناء الكون مثنيًا بالحشر وتحقق وقوعه فكأنه قد وقع وقد عبر عنه بصيغة الماضي في المشاهدة الرهيبة لتحقق وقوعها في يومها المحدود {وما نُوَخِّرُهُ إلاّ لأجل معدود} (هود:104).

 

اذكر يا مُحَمَّد، وذكّر أمتك بهذا اليوم الهائل القريب يوم نسيّر الجبال، وهذه الجبال الرواسي التي هي أوتاد الأرض تكون كالعهن المنفوش وتسيّر كالهباء أو كالسراب، أيّ قوة هذه التي تنسف الجبال نسفًا وتذرها قاعًا صفصفًا، سبحان الذي أحاطت قدرته بكل شيء وأتقن صنعه كل شيء وترى الأرض بارزة، تمد الأرض مد الأديم لا عوج ولا أمت فيها، مرّت جبالها الرواسي مر السحاب فبرزت الأرض وأشرقت بنور ربها وألقت ما فيها وتخلّت وأذنت لربها وحقّت، ذلك يوم البعث والحشر والعرض والجزاء يعرض الناس كلهم على ربهم، ويقع الخطاب مركزًا على منكري البعث الجاحدين له الذِّينَ تقدم عنهم الكلام منذ أول السُورَة، يعرض هؤلاء وغيرهم ممن أنكر البعث والحساب، يعرضون على ربك صفًا صفًا، وقعت الإضافة على كاف الخطاب؛ وذلك إهانة لهم وإبعادًا لهؤلاء السفهاء عن شرف الإضافة، فهم لتكبرهم وتكذيبهم وإعراضهم لا يستحقونها، بل يكون نصيبهم يومئذٍ الهوان والنسيان كما نسوا آيات الله فهم لا يستحقون من الله إلاّ أن يخاطبوا خطاب الإهانة والتبكيت.

----------------------

 

{لَّقَد جِئتُمُونَا كَمَا خَلَقنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَل زَعَمتُمُ أَلَّن نَّجعَلَ لَكُم مَّوعِدًا}

 

لقد جئتمونا أيها المكذبون بالبعث كما خلقناكم أول مرة، ما خلقكم ولا بعثكم إلاّ كنفسٍ واحدة، كان الأولى بكم أن تتفكروا بعقولكم في قضية الخلق الأول فتستنتجوا منها إمكان الإعادة، وهي أهون، ولكنكم ضللتم وزعمتم أن لا بعث ولا حساب وما ذلك إلاّ لطغيان نفوسكم، فآثرتم أن تَفْجُروا وأنكرتم البعث؛ لأن فيه جمعكم للعرض والحساب فالجزاء، والحق لا يتغيّر لأهوائكم، وأمر الله لا بدّ واقع، فها قد وقع وها قد حشركم الله فلم يغادر منكم أحدًا، جمعكم صفوفًا ولم يترك منكم أحدًا.

 

ورد في الحديث عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أن الله تعالى يقول يوم القيامة: "يا عبادي إني أنا الله لا إله إلاّ أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، هيئوا كتبكم ويسِّروا حسابكم، فإنكم محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفًا على أنامل أقدامهم"، يصطفون كلهم منتظرين أمر الله فيهم، حينئذٍ يؤمن الكافر إيمانًا لا ينفعه، ويوقن المرتاب، ويعترفون بذنوبهم، فسحقًا لأصحاب السعير.

--------------------------

 

{وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى الْمُجرمِينَ مُشفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَّلاَ كَبِيرَةً اِلاَّ أَحصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَّلاَ يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

 

خمسة أشياء متعاقبة من أمور يوم القيامة: تسيير الجبال، وبروز الأرض مستوية، وحشر الأولين والآخرين مجموعين وعرضهم على الله صفوفًا، ووضع الكتاب المحصي عليهم أعمالهم كلها، تعرض هذه الأشياء الهائلة بصيغة الماضي متعاقبة في جمل وكأنها قد وقعت، وما أقرب وقوعها، والكتاب المذكور: هو الكتاب الذي يحصي على كل مكلَّف أعماله، فالألف واللام للجنس، وبُني الفعل للمجهول؛ لأن الغرض يتعلق بالوضع نفسه لا بالواضع، فترى المجرمين مشفقين مما فيه؛ لأنهم علموا أنهم سيفتضحون بجرائمهم ومعاصيهم، فأشفقوا من إحاطته وإحصائه لكل صغيرة وكبيرة من أفعالهم وأقوالهم،لم يترك واحدة إلاّ أحصاها، ووجدوا ما عملوا من خير أو شر محضرًا، تعجبوا وأشفقوا من إحصائه الدقيق لأعمالهم ولم ينكروا منه زيادة في سيئاتهم، ولو وقع ذلك لكان الإنكار بدل التعجب، فهم مشفقون من دقة الإحصاء ومن عدالة الجزاء، ولا يظلم ربك أحدًا بزيادة في سيئاته ولا نقص من حسناته.

 

لله ما أروع إيقاع هذه الجمل المتعاقبة في قلوب الذِّينَ يؤمنون بالآخرة، وما أشد وقعها على الذِّينَ يجحدون آيات الله ظلمًا وعلوًا، وقد استيقنتها أنفسهم، وسيأتي اليوم الذي يعترفون بما كانوا يكفرون به من قبل، وقد فات الأوان.

 

ثم ينتقل الأسلوب القرآني العجيب إلى قصة سجود الملائكة المكرمين لآدم وإباء إبليس اللعين واستكباره وعتوه عن امتثال أمر ربه، وما كان ينبغي له أن يفعل لولا أن سبق في علم الله وقضائه خذلانه، فنعوذ بالله من الخذلان ومن سوابق الشقاء.