إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 50 - 59 )
طباعـة

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)

----------------------------------

 

{وَإِذ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنَ اَمرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِيَاءَ مِن دُونِي وَهُم لَكُم عَدُوٌ بِيسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (50) مَّا أَشهَدتُهُم خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَلاَ خَلقَ أَنفُسِهِم وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)}

 

بعد ذكر طوائف الطغاة من البشر وكيف كان تكبرهم عن آيات ربهم وتجبرهم على المؤمنين بالله واليوم الآخر، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، يذكر الله قصة سجود الملائكة لآدم امتثالا لأمر الله ويذكر إباء إبليس لامتثال أمر ربه كبرًا وحسدًا، وهذا مناسب لما تقدم من مصير المتكبرين والجبابرة، وكذلك ناسب بعد ذكر منتهى هذا العالم أن يذكر مبدأه، وكيف أن الحق والباطل في صراع دائم، وأصل هذا كله قصة السجود الذي أمر الله به لآدم فامتثل الملائكة أمرَ الله وهم سلف المؤمنين، وأبى إبليس وهو سلف الكافرين ورأس المجرمين المتمردين، وتتكرر هذه القصة في مناسبات متعددة من القرآن الكريم، وبأساليب متنوعة من التعبير القرآني البليغ ما بين مسهب وموجز، ولكل وقعه حسب موضعه ومناسبته.

 

ترد القصة هنا في سُورَة الكَهف وقبلها في سُورَة الإسراء وفي سُورَة الحجر وفي سُورَة الأعراف وفي سُورَة البقرة وبعد هذه السُورَة تأتينا في سُورَة طه وفي سُورَة ص، وكذلك سائر القصص منها ما يتكرر ذكره مطولاً ومختصرًا، ولكل حكمته ومناسبته، وفي كل عبرة وموعظة وذكرى، يصرِّف الله القول ويبيّن للناس آياته لعلهم يتذكرون.

 

{وَإِذْ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنَ اَمرِ رَبِّهِ}.

 

اذكر لهم يا مُحَمَّد قصة سجود الملائكة لآدم وإباء إبليس، والقصة معروفة عند قريش وسائر عرب الجزيرة يتناقلونها عن أهل الكتاب، ذكَّرهم بها لعلهم يتذكرون، اذكر يوم خلق الله آدم ونفخ فيه الروح وأمر الملائكة ومعهم إبليس، أمرهم بالسجود لهذا المخلوق العجيب وقد نفخ الله فيه الروح فامتثل الملائكة وسجدوا لآدم كلَّهم أجمعون امتثالا لأمر ربهم إلاَّ إبليس، كان من الجن، عصى وتمرد عن أمر ربه فلم يسجد استكبارًا وحسدًا لآدم، وقد كان يعتقد أنه خير من آدم، وأنَّ العنصر الذي خلق منه وهو النار أشرف من الطين التي خلق منها آدم، ومنعه هذا الكبر وهذا الزعم الباطل أن يسجد امتثالا لأمر الله الذي خلقه وخلق آدم، كما سجد الملائكة كلهم؛ ذلك أن الملائكة أطهار أبرار، خَلَّصَ اللهُ أصلَهم من الشهوات، أما إبليس فكان من الجن، سلطت عليهم الشهوات ابتلاء من الله، كما ابتلى بها آدم وبنيه.

 

ويستشكل بعض المفسرين الأمر فيقولون: ما دام أمر السجود موجهًا للملائكة، فكيف يطالب به إبليس إذا كان من الجن، فيقول بعضهم: "إن الجن المذكور هنا نوع من الملائكة"، ويستدلون لقولهم بقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ في سُورَة الصافات: {وجعلوا بينه وبين الجِنَّةِ نَسَبًا ولقد علمت الجِنَّة إنهم لمحضرون} (الصافات:158)، والجِنَّة هنا باتفاق المفسرين هم الملائكة وسموا جِنَّة؛ لاجتنانهم، أي استتارهم عن أبصار الناس، ويرد على هذا القول أن إبليس نسب الله له الذرية، والملائكة لا يتوالدون فإبليس إذن من جنس الجن الذِّينَ يتوالدون كالإنس، والجواب عن الإشكال الذي تقدم أن الخطاب موجه إليهم جميعًا وما دام إبليس معهم فيدخل في الخطاب، أو يكون قد وجه إليه خطاب خاص، ولولا أنه فهم يقينًا أنه داخل في الخطاب لتخلَّص من الأمر بجواب آخر يكون له عذرًا يخلصه من العقاب، فلا معنى لإشكالهم هنا، والمعنى واضح فإبليس إذن فسق عن أمر ربه وعصى متعمدًا ومنعه من السجود الكبر والحسد لا غير.

 

{قال آسجُد لمن خلقت طينا} (الإسراء:61) قال كيف أسجد لمن خلقته من طين وأنا خير منه خلقتني من نار، تكبر على أمر ربه، واحتقر آدم وحسده على هذا الشرف الذي أراده له ولذريته الذِّينَ سيكون منهم أنبياء الله ورسله وأولياؤه، فهو منذ ذلك اليوم يعلنها عداوة صريحة لآدم وبنيه، وأنه سيسعى جاهدًا في إغوائهم، فنبهنا الله وحذرنا من هذه العداوة التي لا تزول ونهانا أن نطيعه هو أو أحدًا من ذريته.

-------------------------

 

{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِيَاءَ مِن دُونِي وَهُم لَكُم عَدُوٌ بِيسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً مَّا أَشهَدتُهُم خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَلاَ خَلقَ أَنفُسِهِم وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}

 

عجبًا لكم يا بني آدم إن أمركم لغريب، أنى تؤفكون، أتغفلون وتجهلون فتتخذون إبليس وذريته وأنصاره وأعوانه أولياء من دوني وهم لكم عدو؟!، تتركون عبادة ربكم الذي خلقكم، والذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، والذي أمْرُكُم بيده وإليه المصير؟!، أتتركون ولاية الله، وتستبدلون بها ولاية إبليس وذريته وهم لكم أعداء؟!.

{بئسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}

 

أظهر مكان الإضمار وعبر بلفظ: "الظالمين"؛ ليتبيّن لنا أن من فعل ذلك فقد ظلم نفسه ظلمًا عظيمًا، وكل أنواع الظلم تنبع من ظلم الشرك بالله وهو الذي يعمي بصيرة الإنسان، فينطلق من كل القيود، فيطغى ويظلم ظُلمَ من لا يخشى يوم الحساب، ولا يخاف عاقبة الظلم وعقوبة الظالمين، وقرن بإبليس ذريته لنعلم أن لإبليس ذريةً وأعوانًا وجنودًا حتى نحذرهم.

 

واستشكل بعض المفسرين نسبة الذرية، وأوَّلَهُم بالأنصار والأعوان ولا داعي إلى العدول عن ظاهر اللفظ، ويمكن أن يكون لإبليس ذرية كما لأشكاله من الجن، ونحن نعلم أن الجن يتوالدون كما يتوالد الإنس، وإن كنا لا نعلم كيفيَّة تناكحهم وتوالدهم، ولا يعنينا هذا الأمر، إنما حذرنا الله من ولاية شياطينهم وولاية أشكالهم من شياطين الإنس الذِّينَ يصدون عن سبيل الله، واتخاذ هؤلاء أولياء يكون إما بطاعتهم ومعصية الله والرسول، وإما بعبادتهم وقد عبد الناس الشياطين، وذبحوا لهم وتقربوا إليهم بأنواع القربات رجاء عونهم واتقاء ضرهم وما يملكون لهم من ذلك شيء، إنما النفع والضر بيد الله، وقد علمنا الله تعالى أن نستعيذ بالله من شر الشياطين وما أضللن، وأنزل على نبيه المعوذتين وآية الكرسي التي من قرأها أَمِنَ شرَّ الشياطين وكيدهم، وأنهم لا يضرون أحدًا إلاَّ بإذن الله، ونبهنا الله أن عداوتهم لا تنقلب ولاية أبدًا.

{وَهُم لَكُم عَدُوٌ}

 

فما أبلغ إتيان هذه الجملة في هذا المقام، فهي جملة متمكنة مفيدة للغاية ممهدة للحكم الذي يأتي بعدها، وهو قبح العوض الذي استبدله الظالمون من دون الله، أيبتغون عندهم النصرة والعزة وهم الضعفاء الأذلاء؟!، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.

 

{مَا أَشهَدْتُهُم خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَلاَ خَلقَ أَنفُسِهِم وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}

 

خلق الله السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وما أشهد أحدًا من خلقه، ولا اشهد هؤلاء الشياطين، أنَّى يشهدون ذلك وهم بَعدُ في العدم لَم يبرزوا إلى الوجود؟!، ولا أشهدهم خلق أنفسهم، ولا كان لهم بذلك علم ولا اختيار، كيف يمكن أن يُتَّخذ مَن هَذَا حالُه وَلِيًّا من دون الله، يُطاعُ، ويعصى الله، ويُعبدُ ويُكفَرُ بالله العظيم؟!، ما كان الله ليأذن في ذلك وما كان ليتخذ من المضلين أعوانا وأنصارا، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا، والله غني عن العون والعضد، وكيف هو الخالق وما سواه مخلوق؟!، وهو الرب وما سوا مربوب؟!، وهو الصانع وما سواه مصنوع؟! وفي هذه العبارة إشارة وتأديب لنا أن لا نتخذ من الظالمين أعضادا وأنصارا، وكذلك كان رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ لا يستعين بأهل الشرك على أهل الشرك والظلم، وقد عرضوا عليه أن ينصروه فأبى نصرتهم، واكتفى بمن معه من المؤمنين على قتلهم، وكانوا يتوكلون على ربهم ويستنزلون النصر من عنده وحده، وما النصر إلا من عند الله، هذا هو تأديب الله لعباده المؤمنين وهذه هي سيرة أنبيائه ورسله وأولياءه، لا يعتمدون إلا على ولاية الله {ذلك بأن الله مولى الذِّينَ آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} (مُحَمَّد:11).

----------------------

 

ثم ينتقل بنا الأسلوب القرآني البليغ إلى مشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة حيث يزايل الله بينهم وبين شركائهم، فيعلمون أنهم كانوا في ضلال مبين، وأنهم كانوا ظالمين في اتخاذهم الشياطين وذرياتهم أولياء من دون الله، وأنهم بئس البدل.

 

{وَيَومَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَاءِيَ الذِّينَ زَعَمتُم فَدَعَوهُم فَلَم يَستَجِيبُوا لَهُم وَجَعَلنَا بَينَهُم مَّوبِقًا (52) وَرَءَا الْمُجرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَم يَجِدُوا عَنهَا مَصرِفًا (53) وَلَقَد صَرَّفنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَّكَانَ الاِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً (54) وَّمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُّومِنُوا إِذْ جَاءَهُم الهُدَى وَيَستَغفِرُوا رَبَّهُمُ إِلاَّ أَن تَاتِيَهُم سُنَّةُ الاَوَّلِينَ أَو يَاتِيَهُم العَذَابُ قِبَلاً (55) وَمَا نُرسِلُ الْمُرسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الذِّينَ كَفَرُوا بِالبَاطِلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحَقَّ وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُؤًا (56)}

 

مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة، وهو مشهد رائع ترتعد منه الفرائص حيث يوقف أهل الشرك موقف الذل والخزي، ويؤمرون أمر تبكيت وتوبيخ، يوجه إليهم القول:

 

{نَادُوا شُرَكَائِيَ الذِّينَ زَعَمتُم فَدَعَوهُم}

 

يقول الله تعالى لهم نادوا شركائي الذِّينَ زعمتم وتعالى الله عن الشركاء، ولكن يقول لهم ذلك تبكيتًا لهم، حيث يقفون على بطلان زعمهم وخيبة أملهم في هؤلاء الذِّينَ يزعمون أنهم شفعاء، يشفعون لهم، فدعوهم ولكن هل يجيبون دعوتهم؟، هل ينصرونهم ويشفعون لهم؟، كلا، ما أخيبهم يومئذ، إنهم لا يستجيبون لهم وقد كانوا في الدنيا عن دعائهم غافلين.

 

واستشكل بعضٌ بُعد الشركاء عنهم وعدم استجابتهم هنا، بينما يذكر القرآن في موضع آخر أن حوارًا يجري بينهم.

 

{ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون، فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} (يونس:28-29)، {ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} (يونس:40-41)، والذي نراه نحن أن لا إشكال في الموضوع، إنما تختلف العبارات حسب اختلاف المقامات وتعددها في يوم القيامة الطويل، فهنالك مقامات يجمع الله فيها بين المعبودين وعُبَّادهم فيجري بينهما الحوار، وهنالك مقامات يزايل بينهم فلا داعي ولا مجيب، فهي أحوال متعاقبة، واليوم طويل وطويل يقول الله تعالى هنا:

 

{وَجَعَلنَا بَينَهُم مَّوبِقًا}

 

اختلف المفسرون في تحديد معنى الموبق بَعد أن اتفقوا أن مادة: "وَبَقَ"، معناها: الهلاك، فالموبق إذن مسافة بعيدة دون اجتيازها الهلاك، وهذه المسافة إما مادية وإما معنوية، وقد يتراءون ولكن يزايل الله بينهم، فلا يطمع أحد في نفع الآخر، لا ينصره ولا يدفع عنه ما هو نازل به، خابت الآمال، وانقطعت الأسباب، ذلك هو الموبق، وقد يكون الذِّينَ عبدوهم من دون الله أنبياءَ أو أولياء وأنّى لهم حينئذ أن يدركوهم، وهؤلاء في رحمة الله ذهبوا إلى الجنة وهم بقوا وراءهم، {فضُرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} (الحديد:13)، هؤلاء صاروا إلى رحمة الله وهؤلاء صاروا إلى سخط الله وعذابه، أنّى لهم أن يطمعوا في لقياهم أو في محاورتهم.

----------------------------

 

{وَرَءَا الْمُجرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا وَلَم يَجِدُوا عَنهَا مَصرِفًا}

 

سماهم الله تعالى مجرمين؛ لأن الشرك بالله والتمرد على أنبيائه ورسله هو أصل الإجرام بل هو الإجرام بعينه، إنهم يوم يرون العذاب يعلمون أنهم مواقعوه لما شهدوا من مبادئه وعلاماته، فالظن هنا بمعنى اليقين، وكأنهم كانوا قبل رؤية جهنم وسماع زفيرها يطمعون في النجاة منها أو الرجوع إلى الدنيا، ولكنهم يوم يرونها عين اليقين يعلمون علم اليقين أنهم صالوها، فتختلط بجلودهم وأعصابهم وقلوبهم، لا مفر لهم منها ولا يجدون عنها مصرفًا يصرفهم عنها أو يصرفها عنهم {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} (غافر:18)، هنالك تنهار آمالهم الباطلة في شفعائهم الذِّينَ كانوا ينتظرون شفاعتهم، تبرأوا منهم وكفروا، وكفر إبليس بما أشركوه من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم، يا له من منظر هائل تزعزع منه القلوب.

---------------------------

 

{وَلَقَد صَرَّفنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَّكَانَ الاِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً}

 

ولقد ضرب الله الأمثال من كل نوع، فيه للإنسان هداية وعبرة، وصَرفُ القول فيها تعريفًا، أي تنويعًا، في كل ضرب من التعبير تأثير خاص في القلوب الواعية والناس أصناف شتى، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يصرف لهم القول لعلهم يتذكرون، فمن أراد الله أن يهديه هداه القول الحكيم إلى صراط مستقيم، ومن لم يرد هدايته تمسك بالجدل {وَكَانَ الاِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً}، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} (الحج:08)، يكثر الإنسان من الجدال، ولديه من الدلائل ما لو تأمله لارتدع عن الجدال، وكان يكفيه النظر إلى أصل خلقته من تراب ثم من نطفة ثم سواه ربه رجلا، يكفيه أن يعتبر رجوعه يوم البعث من أصل خلقته الأول، فيستدل بذلك على كمال قدرة الله على كل شيء، ولكن الإنسان المجادل تطغى عليه الأهواء والشهوات، يريد أن يتبعها ويتحلل من شريعة الله {بل يريد الانسان ليفجر أمامه} (القيامة:05).

------------------

 

{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُّومِنُوا إِذ جَاءَهُم الهُدَى وَيَستَغفِرُوا رَبَّهُمُ إِلاَّ أَن تَاتِيَهُم سُنَّةُ الاَوَّلِينَ أَو يَاتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلاً}

 

إذا كان الله حقًا، وقد صرف أمثلته كل مصرف، فما الذي يمنع الناس من الإيمان إذن؟، إنهم قوم خصمون معاندون مقلدون لآبائهم متبعون لأهوائهم، ما يمنعهم من الإيمان والاستغفار من شركهم وعصيانهم إلاَّ أن ينزل بهم عقاب الله، وحينئذ يؤمنون إيمانًا لا ينفعهم، وعقاب الله لمعاندي رسله شديد وأنواعه كثيرة، ولهم في أوائل المشركين وأسلاف المتمردين سنن، فما عليهم إلاَّ أن ينظروا سنة الله في قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم تبّع، وفي سنة فرعون وهامان وقارون والنمرود وأمثالهم من المتكبرين، أهلكهم الله وترك في أخبارهم عبرة للمعتبرين، لعلّ قومك هؤلاء المعاندين ينتظرون يومًا كأمثال تلك الأيام، وهذا تهديد من الله شديد، وإنذار ووعيد لمن ظهر له الحق ثم لا يتبع الهدى، ولا يستغفر مما فرط من شركه وإعراضه عن الحق طويلا بعد إذ جاءه، فهل ينتظر هؤلاء إلاَّ انتقام الله وبطشه يأتيهم قبلا، أي جهرًا لا سر فيه ولا خفاء {إن بطش ربك لشديد إن هو يبدئ ويعيد} (البروج:12-13) وهو لمن استغفره غفور ودود.

------------------------

 

{وَمَا نُرسِلُ الْمُرسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الذِّينَ كَفَرُوا بِالبَاطِلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحَقَّ وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُؤًا}

 

يجادلون رسلهم بالباطل، ويقترحون عليهم أنواعًا من المعجزات، ويسخرون بآيات الله البيّنات المجلوة في الأكوان، والمتلوة في القرآن، ويستعجلون الوعيد الذي ينذرونهم به ويقولون متى هو؟، واتخذوا آيات الله ووعيده هزؤا، وما علموا أن مهمة المرسلين هي التبليغ لا غير، فالتبشير لمن اتبع وآمن، والإنذار لمن أعرض وكفر لا غير، إنْ عليك إلاَّ البلاغ، إن رسل الله لا يملكون من أمر الوعد والوعيد شيئًا، لا يقربون البعيد من وعيد الله، ولا يردون بأس الله إذا نزل على القوم المجرمين، إن هم إلاَّ مبلغون ومبشرون ومنذرون، فما لهؤلاء الكافرين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق؟، أي ليزيلوا به الحق، والحق ثابت لا يقوى الباطل على دحضه، بل الباطل هو الداحض الزاهق لا ثبات له مع الحق {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا} (الإسراء:81)، إنهم اتخذوا آيات الله البينات وما أنذروا من أصناف النذر بعذاب الله الواقع في الدنيا والآخرة، اتخذوا كل ذلك هزؤا.

-----------------------

 

{وَمَنَ اَظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعرَضَ عَنهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَت يَدَاهُ إِنَّا جَعَلنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً اَن يَّفقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِم وَقرًا وَإِن تَدعُهُمُ إِلَى الهُدَى فَلَن يَّهتَدُوا إِذًا اَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَو يُوَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابُ بَل لَّهُم مَّوعِدٌ لَّن يَّجِدُوا مِن دُونِهِ مَوئِلاً (58) وَّتِلكَ القُرَى أَهلَكنَاهُم لَمَّا ظَلَمُوا وَّجَعَلنَا لِمُلَكِهِم مَّوعِدًا (59)}

 

كل أنواع المعاصي كبيرها وصغيرها ظلم، فهي إما ظلم الإنسان لنفسه وإما ظلمه لغيره، وأقبح أنواع الظلم الشرك بالله والكفر بآياته والإعراض عن ذكره، فلا أظلم في الناس ممن بعث الله له من يذكره بآيات ربه ويدعوه إلى الإيمان به وإلى عبادته وحده فأبى وأعرض ونسي عاقبة ما قدمت يداه من المعاصي والظلم والإجرام، ولا تكون أعمال أولئك الكفار المعرضين إلاَّ سيئة، ولا تكون أقوالهم إلاَّ سيئة، وهي صورة لانعكاس كفر قلوبهم وجحودها على جميع جوارحهم، وإن جاء التعبير بما قدمت أيديهم فذلك جري على الغالب من أحوال الإنسان لأن غالب الحركات تنسب للأيدي، وإلاَّ فالمقصود هنا كل الجوارح، وما يصدر عنها من الأقوال والأفعال مما يكون رَانًا على القلب، تلك هي أسباب عَمَى القلوب وصممها، ونسب الله جعل الأكنة لنفسه؛ لأن كل شيء من الله قضاءً وقدرًا، وخلقًا وتكوينًا {وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (النحل:33)، ظلموا أنفسهم بالإعراض عن آياته، ونسيان ما قدمت أيديهم، فكان ذلك طبعًا لقلوبهم وطمسًا لها، ووقرا في آذانهم، ما صمت آذانهم وإنها لمرهفة السمع، ولكنها لا تنتفع بما تسمع؛ لأنها لا تقبل الحق، فكان ذلك وقرًا وصممًا لها يمنعها من فقه ما تسمع، فإن تدعهم يا مُحَمَّد إلى الهدى فلن يهتدوا أبدًا، ختم الله على قلوبهم بسبب فساد أعمالهم فلا تبتئس إن لم يؤمنوا بآيات الله، ولا تظنن أن ذلك بسبب تقصير منك في التبليغ، فقد بلّغت وما عليك إلاَّ البلاغ، إنما إعراضهم وكفرهم لِنَغَلٍ في قلوبهم وعَمَى بصائرهم، فليسوا أهلا للفقه والاستماع، إنهم لن ينتفعوا بالنذر أبدًا.

---------------------

 

{وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَو يُوَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابُ بَل لَّهُم مَّوعِدٌ لَّن يَّجِدُوا مِن دُونِهِ مَوئِلاً، وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}

 

{وَرَبُّكَ} يا مُحَمَّد، نسب اسم الرب لكاف الخطاب والمخاطب هو رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إيناسًا له وتطمينًا لقلبه وجبرًا لخاطره، وهي نسبة تشعره بمعية الله ولطفه به ثم عرف الخبر {الغَفُورُ} لإفادة القصر، إن الله هو الغفور العظيم المغفرة، ذو الرحمة الواسعة بالمخلوقين، ولذلك أمهلهم ولم يعجلهم بالعقوبة وهم يستحقونها، لو يؤاخذاهم بما كسبت أيديهم لعجل لهم عذابه، بل أجَّله وأمهلهم ولهم موعد لن يخطئهم ولن يجدوا من دونه ملجأ ولا محيصًا، وهم يحسبون أن إملاءنا لهم خيرًا لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثْمًا، ولن يفلتوا من عذابنا، وسنسلك بهم مسلك الذِّينَ سبقوهم من المتكبرين الذِّينَ صرفهم الله بكبرهم عن آياته، فهم لا يهتدون ولا يستمعون للنذر حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون {فإن يصبروا في النار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} (فصلت:24)، تلك هي عاقبة هؤلاء المعرضين فلا يغرنهم إمهال الله لهم، {ولا تحسبن الذِّينَ كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون} (الأنفال:95)، وكان الأولى لقومك أن يعتبروا ويتعظوا بمن سبقهم من الكفار المكذبين بالنذر، المعرضين عن آيات الله، فأهلكهم الله وتركوا قراهم خاوية بها ظلموا، أفلا ينظرون إلى تلك القرى التي أهلك الله أصحابها وضرب موعدا لإهلاكها؟

 

فلما جاء أمر الله وأيقنوا بالهلاك لم يستطيعوا لأمر الله دفعا، ولم يجدوا عنه موئلا، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذِّينَ كانوا من قبلهم وكيف أصبحت قراهم عبرة للمعتبرين؟، إنهم لم يعتبروا بمن سبقهم فجاء موعدهم فأنفذ الله فيهم حكمَهُ ولم يستطيعوا له ردا، فقد أرى الله نبيه مصارعهم يوم بدر وأراه مصارع المستهزئين وغيرهم من المتمردين على الله بعد قليل من نزول هذه الآيات وصدق الله العظيم.

 

ما أبلغ هذه الآيات تعقيبًا على ما سبق من أول السُورَة في أمر المكذبين بآيات الله المتكبرين على رسله المعرضين عما جاءهم من الهدى، إنها صورة مطابقة لهم ولأمثالهم، ممن ختم الله على قلوبهم من الكفار حتى تقوم الساعة، وهي أيضًا تثبيت لقلوب الدعاة إلى سبيله أن يثبتوا على أمرهم ولا يضعفوا أمام هؤلاء العتاة، فإن لهم موعدًا لن يتجاوزوه، {إن أجل الله إذا جاء لا يُوَخَّرُ لو كنتم تعلمون} (نوح:04)، {ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:53)، {استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} (الأعراف:128)