إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 60 - 82 ) قصة موسى والعبد الصالح
طباعـة

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)

------------------------------------

 

قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح

 

ثم ينتقل بنا الأسلوب القرآني إلى موضوع آخر شديد الاتصال بِجَوِّ السُورَة العام:

 

اذكر لهم يا مُحَمَّد رحلة موسى إلى مجمع البحرين، حيث يلتقي بالرجل الصالح الذي علمه الله علمًا لَدُنِيًّا، فكان من شأنه مع موسى ما كان، وتكلم أهل التفسير في موسى هذا: هل هو موسى بن عمران نبِي بنِي إسرائيل صاحب التوراة، أم غيره، وإذا كان هو نبي بني إسرائيل المعروف، فكيف تَرَك بني إسرائيل وذهب في رحلته هذه التي عزم أن يمضي فيها حقُبا؟، أبإذن من الله؟، ومن يترك لبني إسرائيل خليفته عليهم، استشكلوا هذا الغياب من هذا النبي الرسول؟، والراجح فيما يبدو وحسبما تثبت الرواية عن ابن عباس أنه هو نبي بني إسرائيل المعروف لا غيره، وأنه هو الذي يتحدث عنه القرآن كثيرًا باسمه المعهود موسى، ولا نعرف هذا الاسم في القرآن كلِّه إلاَّ لهذا النبي الرسول صاحب التوراة، وأن الرحلة كانت بإذنٍ من الله، وأن سبب هذه الرحلة أن بني إسرائيل سألوا موسى، هل تعلم في الأرض أحدًا أوتي من العلم ما أوتيت؟ فقال لا، وذلك إثر خطبة بليغة خطبها فيهم، بيَّن لهم فيها الحلال والحرام وبيَّن حدود الله وأحكامه ووعده ووعيده.

 

وهذا بعدما جاءهم بالتوراة التي فيها هدى ونور من الله، فألقوا عليه هذا السؤال، وقد تعجبوا من سعة علمه وحكمته وبيانه، فأجاب حسب اعتقاده أن لا أحد في الأرض يعلم مثل هذا العلم، وكان ينبغي أن يرد العلم إلى الله ويقول: "الله أعلم"، فنبهه الله على خطئه هذا، وأوحى إليه أن في الأرض عبدًا من عبادنا عنده من العلم ما ليس عندك يا موسى، فطلب موسى من الله أن يدُلَّه عليه حتى يستزيد من العلم الذي عنده ويضيفه إلى علمه، وقد علم مما أوحي إليه أن طلب العلم فريضة وقربة هي من أعظم القرب إلى الله، فرغب أن يحصل على هذا الفضل ولو طالت الشقة وعظمت المشقة، فأذن الله له في ذلك ودلَّه على طريقه، وجعل له علامة على عثوره على الرجل، فعزم على قصده واصطحب معه فتاه: "يوشع بن نون"، وهو من افرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام، وكان قد صَحِبَ موسى وخَدَمَهُ ولَزِمَه تقربًا إلى الله ورغبة فيما عنده من العلم، لا عبدًا مملوكًا له بل خادمًا متطوعًا، كما كان أنس بن مالك لنبينا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.

 

ولنرجع إلى جواب موسى بالنفي حين سأله بنو إسرائيل هل في الأرض أعلم منك؟، لا يجوز أن نظن به أنه قال ذلك اعتزازًا وفخرًا، إنما نفهم من جوابه أنه إنما قال ذلك اعتقادًا لما يقول أنه الحق، وتحدثًا بنعمة الله وفضله عليه، وسدًّا لباب المخالفة والمعاندة لقومه، وهم المعروفون بالعناد والمخالفة، ولو يظنون أن هنالك من هو أعلم منه لجادلوه ولامتنعوا من متابعته حتى ينظروا هذا الذي يجدون عنده من العلم ما لَم يكن عند موسى، فلنحسن الظن بأنبياء الله تعالى وأوليائه، لقد سدَّ عليهم هذا الباب حتى يتبعوا ما أنزل الله ويؤمنوا بالكتاب كله ويعملوا بما شرع الله لهم ويكفوا عن الاختلاف والسؤال المراد به العنت.

 

كان هذا هو السبب في هذه الرحلة من نبي الله موسى في طلب العلم؛ قال لفتاه لا أبرح سائرًا حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا، والحقبة في مشهور استعمال العرب ثمانون عامًا، يعني أنه لا يزال سائرًا حتى يجتمع بالرجل العالم وقد جعل الله له علامة التقائه به في مجمع البحرين حيث تدب الحياة في الحوت الذي يتخذه زادًا ويتسرب في البحر فذلك هو الموضع الذي يلتقي فيه بمراده، وقد تكلم المفسرون في مجمع البحرين أي مجمع هذا؟، أفي مجمع البحرين من مضيق هرمز؟، أم مضيق جبل طارق كما قال القرطبي؟، أو مجمع بحر الروم ببحر فارس؟، أو مجمع خليج العقبة بخليج السويس؟

 

والذي نراه ونرجحه هو هذا الأخير؛ لأن جزيرة سيناء هي مضرب موسى وبني إسرائيل وما كان الله ليبعده عن قومه بعيدًا وهو إمامهم ومعلمهم، هذا الذي نراه، ولا يمتنع أن يكون غيره والله أعلم، ولا يفوتنا من القصة غرض الاعتبار بجهلنا هذا الموضع ولو تعلقت به فائدة لذكره الله وعيَّن موضعه.

 

سار نبي الله موسى، وفتاه يوشع يحمل الزاد، وهو حوت في مكتل، وطويًا مسافة السفر في مدة يعلمها الله حتى بلغا مجمع البحرين، وقد أوصى موسى فتاه أن يخبره إذا فقد الحوت؛ لأن فقدانه وتسرُّبه في البحر علامة على التقائهما بالعبد الصالح فاتخذ الحوت سبيله في البحر سربا بعد أن دبت فيه الحياة، ولكن قدر الله شاء أن ينسيا حوتهما ويغفلا عنه، تسرَّب الحوت داخل الماء وبعد مدة من السير شعر موسى بالجوع والتعب.

 

{فَقَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا}

 

حينئذ تذكر الفتى أنه عندما آوى إلى الصخرة، دبت الحياة في الحوت فقفز في البحر واتخذ سبيله في الماء، ولكن الفتى نسي أن يخبر موسى بذلك وعبر بصيغة التعجب.

 

{أَرَايتَ إِذَ اَوَينَا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيطَانُ أَنَ اَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا}.

 

وهذه العبارة: "أَرأيت"، كثيرًا ما تستعمل في كلام العرب ولا يراد به حقيقة معناها الاستفهامي، إنما يراد بها التعجب، وقد تكرر ورودها في القرآن قال له: {أَرَايتَ إِذَ اَوَينَا إِلَى الصَّخرَةِ}، والصخرة موضعٌ قالاَ فيه أو باتا، ثم استأنفا سيرهما، هنالك قفز الحوت في البحر فنسي الفتَى أن يخبر موسى بذلك؛ لأنه قال: {وَمَا أَنسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيطَانُ أَنَ اَذكُرَهُ}، كما نسي موسى أن يسأل الفتى عند استئناف السير؛ لأنه صاحب الأمر الذي ينبغي أن يهتم له، ولذلك نسب النسيان أول الأمر إليهما معًا، فالفتى نسيَ ذكر الحوت لموسى، وموسى نسي أن يتفقد أمره عند الارتحال، هذا ما يبدو لي من الفرق، ولم أره قبل، إذن فالمنسي عند الفتى هو ذكر الحوت وخبره لا الحوت نفسه، ونسب هذا النسيان لنفسه، لا لهما ونسب الإنساء إلى الشيطان؛ لأنه السبب فيه، وتعجب من أمر الحوت، وأمره حقًا عجب، ترجع إليه الحياة بعدما أخذ منه النصف، وقيل أقل، وقيل أكثر، ثم يذهب سابحًا في لجة الماء، قال موسى: "ذلك ما نبغي"، أي هو الأمر الذي نطلب؛ لأنه علامة على وجود المقصود.

 

{فَارَتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا}.

 

رجعا يقتصان آثارهما، لا يحيدان عنه يمنة ولا يسرة حتى عثرا على مطلوبهما.

-------------------

 

{فَوَجَدَا عَبدًا مِّن عِبَادِنَا ءَاتَينَاهُ رَحْمَةً مِّن عِندِنَا وَعَلَّمنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلمًا}.

 

عند الصخرة وجدا عبدًا من عباد الله نائمًا مسجى في شملته، وقيل وجداه يصلي، نسبه الله إليه تشريف وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا لم يؤته غيره من العباد، ألقى موسى ـ عليه السلام ـ، فردّ عليه الخضر: عليكم السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: ومن أنبأك أني نبي بني إسرائيل؟، قال أنبأني الذي أرسلك إلَيَّ، وهذا من العلم اللَّدُنِي لهذا العبد الصالح الذي يكاد يتفق الرواة أن اسمه الخضر، ويختلفون في نسبه، ولا يتعلَّق الغرض باختلافهم في هذا ونحوه، ويذكرون أنه لا يزال حَيًّا يرزق، وأنه اجتمع به بعض الصالحين، وقد يكونون اجتمعوا بروحه كما اجتمع النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ بأرواح الأنبياء ليلة أسرِيَ به، ولا نكذب بما يخبر هؤلاء الصالحون، وعالَم الأرواح أوسع من عالَم المادة، أما أن نقطع بوجوده حَيًّا كما يقول الكثير فلا، ثم يختلفون بعد ذلك في نبوته، فيقول البعض: "إنه نبي؛ لأن الله قال آتيناه رحمةً من عندنا، والرحمة هنا هي النبوة؛ لقول الله تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك} (الزخرف:32)"، فالرحمة هنا قالوا هي النبوة، ولا نرى هذا يكفي دليلاً لإثبات النبوة، وقد قال أصحاب الكَهف، ونحن نقول بعدهم: {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا}، ولم يريدوا بها النبوة، ولا أحد يقول بهذا فهو إذن عبدٌ صالح ميّزه الله واختصه بعلم من لدنه.

---------------------------

 

{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلَ اَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا (67) وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِطْ بِهِ خُبرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَّلاَ أَعصِي لَكَ أَمرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلاَ تَسأَلَنِّي عَن شَيْءٍ حَتىَّ أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا (70) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا اِمرًا (71) قَالَ أَلَمَ اَقُلِ اِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا (72) قَالَ لاَ تُوَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرهِقْنِي مِنَ اَمرِي عُسرًا (73)}.

 

عرض موسى طلبه على الخضر عرضًا، تأدبًا معه وكم لنا من آداب نتعلمها من كتاب ربنا الحكيم، قال له:

 

{هَلَ اَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا}

 

يعلمنا القرآن أدبًا آخر من آداب التعلم، وهو أنَّ طالب العلم تابع، والمعلم متبوع لشرف العلم، فهو الإمام ومن سواه مأموم، ثم يصرح موسى بطلبه وهو أن يُعلِّمه مِما عُلِّم من الرشد والهدى.

 

{قَالَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا}.

 

أجابه العبد الصالح قال: "إنك لن تستطيع معي صبرًا"، والحكم مؤكد بإنَّ، ونكر الصبر، والنكرةُ في سياق النفي تؤذن بالعموم، فلا استطاعة لموسى إذن على أدنى صبر مع الخضر، وكيف ذلك وقد جاء يطلب العلم؟، ذلك لما سيأتي.

 

{وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِطْ بِهِ خُبرًا}

 

قال له عاذرًا وكيف يتأتى لك أن تصبر على أمور لم تحط بها تأويلا، إنك يا موسى أوتيت علم التوراة فيها أحكام الله وفيها هدى ونور، غير أن العلم الذي اختصني الله به لا صبر لك عليه، كيف يصبر موسى على أمور ظاهرها يخالف ما عنده من الحكم، وهو النبي الرسول المكلف بالنهي عما يراه في الظاهر منكرًا، فهو معذور إذن إن لم يستطع صبرًا مع تصرفات الخضر، غير أنه قال له في هيئة طالب العلم المتأدب مع معلِّمه.

 

{سَتَجِدُنِيَ إِن شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَّلاَ أَعصِي لَكَ أَمرًا}.

 

وتأدب مع ربه فقال: {سَتَجِدُنِيَ إِن شَاءَ اللهُ صَابِرًا}، فقد علَّق أمرَه بِمشيئة الله، وهذا من الأدب العالي الذي نتعلمه من كتاب ربنا، والذي نقتدي فيه بأهل الهدى من أنبياء الله ورسله الذِّينَ جعلهم الله قدوة لمن بعدهم من المؤمنين، {أُولَئِكَ الذِّينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِه} (الأنعام:90)، وعده أن يصبر معه الصبر الذي يرضاه وأكد هذا الصبر بعدم عصيانه فقال هو:

{لاَ أَعصِي لَكَ أَمرًا}

 

لا أخالفك في أمر، ولا أعصي أوامرك مطلقًا، وهذا هو الأدب العالي الذي يجب أن يتحلّى به المتعلم في عِشرة مُعلِّمه حتى ينال مما عنده من العلم، التواضعُ والخدمةُ والصبرُ والطاعةُ الكاملة، وينبغي أن يلين له القول حتى يطيب قلبه فينال منه مراده، وكذلك كنا نعامل مشايخنا رحمهم الله، كنا نتلطف لهم إذا أخطؤوا بعبارات لطيفة ننسب فيها القصور إلى فهمنا حتى إذا كرروا العبارة وأولوها عناية خاصة لتفهيمنا أدركوا خطأهم بأنفسهم ولا نجابههم بما يسوءهم، وربما نعرض وجه الصواب عرضًا إذا لم ينتبهوا له، ولا نجابههم بالتخطئة أو عدم الفهم تأدبًا معهم ورفعًا لمقام العلم، نتقبل منهم اللوم والعتاب ونتلقف عنهم الصواب، ونستأني بهم إذا أخطؤوا، أيّ أدب هذا تحمله هذه العبارة القرآنية البليغة وتفيضه على تاليها والمتدبرين لمعناها، هذا والطاعة المطلقة لا تكون إلاّ لله ولمن عصمهم الله، أما طاعة غير هؤلاء فهي في معروف، وهذا معروف عند أهل العقول الذِّينَ صنعت عقولهم شريعةُ القرآن الحكيم.

 

{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلاَ تَسأَلَنِّي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا}

 

قال أستاذ موسى لموسى إن اتبعتني لتتعلم العلم فلا تعاجلني بالسؤال عن شيء لم تفهم تأويله حتى أكون أنا الذي أكشف عن حقيقته وحقيقة القصد من فعله، وأكد له النهي، تأكيدًا حتى يلزم متابعة هذا الشرط ويصبر ولا يستعجل، وكأنه علم أنه سيُغلب على أمره ولا يطيق الصبر؛ لأن أفعاله لا تجري على الأحكام التي في علم موسى، وعقب نهيه بغاية كشفه له عن حقيقة الأمر الذي يأتيه حتى يصبر في انتظار الفائدة، وهل أجدى ذلك في موسى؟، وهل صبر كما أمره وكفّ عن السؤال والاعتراض؟، إن حدة موسى في الأمر والنهي لم تتركه يسكت، بل أنسته ما كان قد قطعه على نفسه ووعد به معلِّمَه.

 

{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَيئًا اِمرًا}

 

انطلقا سائرين على سيف البحر حتى وجدا سفينة ففاوضا أهلها في ركوبها معهم فأذنوا لهما في ذلك من غير مقابل أجرة، ولم يحدثنا القرآن كما روى بعضهم عن ذلك، ولا عن وجهتهما في هذا السفر، ولا تكون الرحلة إلا في وجهة صالحة؛ لأن هذا العبد الصالح المعلم لا يمشي إلاّ لقصد نبيل، وهذا ما لا يحتاج إلى تنصيص، كما أنه لم يحدثنا عن نقط العبر من القصة، يقول: "بينما هم سائرون في البحر إذا بالخضر يأخذ حديدة يخرق بها جدار السفينة، فما إن يرى منه موسى ذلك حتى يسارع في الإنكار ناسيًا كل شيء.

 

قال له: أخرقت السفينة ليدخل الماء فيها فيغرق أهلها؟!، إن هذا لأمر عظيم، وما هذا بالجزاء الذي يجزى به المحسنون؟، قالها كلمات صريحة تفيض بالحدة والإنكار مخاطبًا بها مُعلِّمه الذي كان وعده أن يصبر له، ولا يعصيه في أمره ولا يعرضه في شيء يراه منه حتى يكون هو الذي يخبره بحقيقته والقصد منه"، أجابه الخضر مذكّرًا إياه بوعده وشرطه عليه.

 

{قَالَ أَلَمَ اَقُلِ اِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا}

 

جاء السؤال في صيغة التقرير؛ وذلك أبلغ حتى يكون موسى هو الذي يقر بالحقيقة ويرجع إلى الصبر، وهذا من الأدب العالي الذي يشرعه القرآن في معاملة أهل العلم لأتباعهم ومريديهم، أليس قد قلت وأكدتُ القولَ إنك لن تستطيع الصبر على ما لم تحط به خبرًا؟، وهذا تنبيه منه لموسى حتى لا يعود مرةً أخرى إلى هذا الخطأ، فتلقاه موسى بكامل الأدب واعتذر لمعلمه بالنسيان، وطلب منه أن لا يؤاخذه على هذا النسيان الذي صدر منه لأول مرة، وأن لا يرهقه بالمؤاخذة عليه ولا يعسر عليه في أمره.

 

{قَالَ لاَ تُوَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرهِقنِي مِنَ اَمرِي عُسرًا}

 

عبارات يقولها موسى مخاطبًا بها معلمه، فيها التلطف وحسن الاعتذار، وليس فيها أدنى شيء من المعارضة والتنطع، ولذلك سكت عنه معلمه عاذرًا له عافيًا عنه، وكأن لم تقع مخالفة، وهذا ما ينبغي أن يقع في معاملات التلاميذ لمعلميهم وفي معاملات المعلِّمين لتلاميذهم من العفو عن السقطات الصغيرة التي لم يسبق لها مثيل، والتي مبعثها الغفلة والنسيان لا سيما إن سُلِّم القصد منها.

---------------------------

 

{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفسٍ لَّقَد جِئتَ شَيئًا نُّكُرًا (74) قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلاَ تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَّدُنِّي عُذرًا (76)}

 

نزلا من السفينة واستأنفا رحلتهما سيرًا في البر وانطلقا حتى لقيا غلامًا وسيمًا فأخذه الخضر، ففصل رأسه عن جسده فمات، لما رأى موسى هذه العملية أخذته سَورَةٌ في إنكار المنكر، ولم يصبر ونسي ما كان وعد صاحبه من الصبر، فأنكر عليه قال:

 

{أَقَتَلتَ نَفسًا زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفسٍ لَّقَد جِئْتَ شَيئًا نُّكُرًا}

 

أتقتل نفسًا بريئة طاهرة لم ترتكب إثْمًا ولم تقتل نفسًا، لقد أتيت أمرًا منكرًا، كان إنكار موسى هذه المرة أشد على صاحبه من الإنكار الأول؛ لأنه هنا قتل محقق، وفي الأول غرق متوقع ربما يترتب عليه موت، لذلك جاء جواب الخضر أشد من جوابه الأول.

 

{قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا}

 

أما قلت لك صراحة إنك لن تستطيع الصبر معي، ذكَّره بالقول الذي قاله له فنسيه، وكان هذا النسيان هذه المرة مكررًا فهو أعجب وأبعد عن العذر، فهو نسيان يستوجب العتاب وربما العقاب، لذلك فهم موسى فداحة خطئه وحدّة معارضته، وما كان ينبغي أن يفعل لو صبر، فسارع إلى الاعتذار والإعذار:

 

{قَالَ إِنْ سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلاَ تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَّدُنِّي عُذرًا}

 

قال نادمًا على نسيانه يعتذر لمعلمه: إن سألتك عن شيء بعد هذه المرة فاطردني إن شئتَ من مصاحبتك، قد بلغت من لدني عذرًا؛ لتكرر خطئي وخُلفِي، إنما أطلب منك العفو هذه المرة، وأرغب إليك أن تتركني في صحبتك ولا تطردني، وأعدك أن لا أعود، فإن أنا عدت فلا عذر لي معك، والأمر أمرك حينئذ، إن فارقتني فأنت معذور من جهتي غير ملوم، قال موسى هذا الكلام، ويعلم الله ما في نفسه من الصبر على ما شاهده من صاحبه في هذه المرة والتي قبلها من عمل لا يتحمله عقله ولا يقره علمه، ولكنه تذكر وصبر آملاً أن يحدث له معلمه ذكرًا عندما يريد هو لا عندما يسأله تلميذه، فقبل منه مُعلِّمه للمرة الثانية اعتذاره، والعذر عند كرام الناس مقبول.

---------------------------

 

{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهلَ قَريَةٍ اِستَطعَمَا أَهلَهَا فَأَبَوَاْ اَن يُّضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَّنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا (78)}

 

فاستأنفا سيرهما حتى إذا أتيا قرية طلبا من أهلها طعام الضيافة، فلم يفعلوا وأبوا ضيافتهما، وإطعام الضيف واجب في الدين، وفي حق المروءة والأخلاق، فقد ارتكب أهلُ القرية إذن إثمًا يأباه الشرع، وتأباه الأخلاق والمروءة، بينما كان استطعام الخضر وموسى ليس فيه غضاضة؛ لأنهما طلبا حقًا لهما، وحق الضيف واجب قبل أن يستطعم يتعجل به كرام الناس ولا يؤخرونه.

 

وفي تعبير القرآن بالضيافة استثارة لشعور السامعين بحق إكرام الضيف الذي استقر في النفوس، وتفظيع لمنكِر هذا الحق وإبائه لتقديمه، ورفع لمقام الخضر وموسى عن ذل السؤال وفداحته، فليس عملهما هذا تسوّلا، فمن ظنّه ذاك فقد أساء في حق العبدين الصالحين وأخطأ خطأً بيّنًا، ولا شك أن هيئة الرجلين ليست في هيئة الشحاذين والمتسولين، بل هي هيئة أهل الهمة والمروءة، فما أحرى أن تستقبل هيئتهما بالحفاوة والإكرام، ولكن أهل القرية الذين استضافاهم بخلوا، وما أقبح البخل لا سيما في مثل هذا المقام، وعلى مثل هذين الضيفين الكريمين.

 

{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَّنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا}

 

وجد الخضر وصاحبه في هذه القرية جدارًا مائلا للسقوط، ولا غرابة في التعبير عن هذا الميلان بالإرادة، والجماد ليست له إرادة، ولكن هذه العبارة مألوفة مستعملة في كلام العرب وغيرهم، وفي العبارة تعبير مبين عن مقدار هذا الميلان، وأنه على وشك السقوط، فكأن حالته حالة من يريد السقوط، فهو مجاز بليغ، فمر عليه الخضر بيده فأقامه، فاستقام بإذن الله، هكذا تؤذن العبارة بالإقامة، لَم يقل بناه ولا دعمه ولا رمَّمه، وهي معجزة وكرامة لهذا العبد الصالح الذي علمه الله وقواه على ما يشاء لما يريد لحكمة يعلمها، عندها تأثر موسى لما رأى من صاحبه من الإحسان إلى من لا يستحقون الإحسان في نظر موسى فاعترضه قائلا:

 

{لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا}

 

قال لو شئت لطلبت أجر عملك الكبير هذا، إنهم أناس لا يستحقون الإحسان وهم لم يقوموا بواجب الإحسان لضيفهم، فلو قطعت عليهم شيئًا يكون أجرة عملك نقيم به أودنا، ونحن في حاجة إلى طعام كما ترى، قال هذا الكلام ناسيًا وعده الأول والأخير، فاستوجب العقاب من مُعلِّمه ولا يكون هذه المرة إلاّ الفراق.

 

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا}

 

عندها قال الخضر لصاحبه هذا فراق بيني وبينك، لا بقاء لك معي بعد هذا الاعتراض الذي استوجبت به ما قطعته على نفسك من الفراق وعدم المصاحبة، إنه هذه المرة لا يستحق العفو؛ لأنه كرر الذنب ثلاث مرات، وقد نطق هو بنفسه بنوع العقوبة إذا هو كرر السؤال، ولأنه في المرتين الأولَيَين أنكر ما رآه منكرًا، وفي هذه المرة أنكر ما يراه معروفًا، وهو الإحسان، وما ينبغي لمثله لأنْ ينكر هذا الإحسان، ولو كان في نظره واقعًا فيمن لا يستأهلونه، ولكن هذا الإنكار من مثل موسى النبي الرسول ذنب، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فحق الأنبياء أن يدعوا الناس أن يحسنوا إلى من أساء إليهم حتى لا ينقطع الفضل بين الناس، فإنكاره هذه المرة منكر من مثله لا يستحق العفو، لذلك قال له مُعلِّمُه:

 

{هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ}

 

هذا الذي ارتكبتَه من الخطأ وما ينبغي من مثلك، سيكون سببًا للفراق بيننا، ولك عليّ قبل أن نفترق أن أنبئك بتأويل ما فعلتُ مما أنكرتَه عليَّ، وقد وعدتك من قبل بذلك فاستمع:

-------------------------

 

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ فَأَرَدتُ أَنَ اَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبًا (79)}

 

أما السفينة التي سألتني عن خرقها فكانت مِلْكًا لمساكين يعملون في البحر يَحملون عليها الناس وأثقالهم، وقد يكونون صيادين للأسماك، وليس لهم مورد من الرزق غيرها، فهي معتمد معيشتهم بعد الله، فأردت أن أحدث فيها بخرقي إياها وترقيعه عيبًا يكون سببًا في إنقاذها من غصب الملك الجبار، وكان وراءهم ملك يغصب كل سفينة صحيحة ليس فيها عيب، فلو لَم أَعِبْها لأَخذها منهم هذا الملك غصبًا، فيحرمهم من مورد معيشتهم، فيكون الضرر أعظم، فاخترت أن أُحدث لهم هذا العيب الذي هو وإن كان ضررًا خفيفًا، فسيكون وقاية لها من الضرر العظيم، وهو فقدانها وحرمانهم منها، فقد أردت لهم خيرًا، وما فعلته هو بإذن الله لا من أمري.

{وَأَمَّا الغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَينِ فَخَشِينَا أَن يُّرهِقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا (80) فَأَرَدنَا أَن يُّبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِّنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحْمًا (81)}

 

وأما الغلام الذي أنكرت عليّ قتلَه فكان أبواه مؤمنين صالحين، فخشيت أن يهلكهما ويُحمِّلَهما بطغيانه وكُفره ما لا طاقة لهما به من المشقة والعنت في الدنيا، أو ما لا طاقة به من عذاب الله يوم القيامة إن هما طاوعاه على طغيانه وتَمرُّده، وقد علمتُ مما علمني الله أن الولد إن يَعِشْ فسينشأ شَقِيًّا عَصِيًّا، فأردت ـ وإرادتي من إرادة الله وبإذن الله ـ أن أقتله صغيرًا، وفي قتله راحة له من عذاب الله، وراحة لوالديه من تمرده وطغيانه، وسيصبران على فقده محتسبين أجرهم عند الله، وسيُعوَّضُ لهما بصبرهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا من ولد صالح ذكر أو أنثى، علم الله ذلك وعلمني أياه، وسبَرُّهُما هذا الولد الثاني وسيكون لهما رحمة من ربهما.

وإضافة الرب إليهما فيه إشعار بحفاوة الله بهما، وأنه مولاهما الذي يريد بهما خيرًا، وفيه إشارة إلى ما يجب أن يكون عليه المؤمن من الرضا بقضاء الله والصبر على بلائه، ففي ذلك حسن العوض من الله تعالى على ما فات وخير الخلف عما فقد، وأن ثقة المؤمن بربه تكون أعظم من ثقته بما في يده ولا تكون عاقبة الصبر إلاّ خيرًا، وقد قيل عوضهما الله عنه بأنثى نشأت صالحة برَّة بوالديها، وخرج من نسلِها عدة أنبياء، والله أعلم.

--------------------------

 

{وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَّبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلتُهُ عَنَ اَمرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسطِعْ عَّلَيهِ صَبرًا (82)}

ثم يُبيِّن الخضر لصاحبه حكمة إقامة الجدار المائل فيقول: وأما الجدارُ الذي أقمتُه فهو لغلامين يتيمين من أهل المدينة، تحته كنز لهما تركه لهما أب صالح، فأراد ربك يا موسى أن يعيشا حتى يبلغا أشُدَّهُما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وذلك بفضل صلاح والدهما.

 

وكل الذي فعلتُه مما رأيت من خرقِ السفينة وقتلِ الغلام وإقامةِ الجدارِ فهو من أمر ربي وبإذنه، ذلك يا موسى تأويل مالم تسطع عليه صبرا، إذا لو علمتَ حكمة ما صنعتُ ما عارضتَنِي بأسئلَتِك، ولو صبرت لأحطتك علما بما صنعتُ.

 

هكذا يحيط الخضر صاحبه خبرا بما رأى ولم يدرك تأويله، ثم يتكلم المفسرون في الرجل الصالح الذي يترك لأولاده كنزا كيف يكون هذا من رجل مؤمن متوكل على الله يكنز المال ويتركه لأولاده مدفونا تحت الأرض؟

 

قال بعضهم ليس الكنز مالا مدفونا، إنها هي حكم مكتوبة في رق، ولا داعي إلى هذا التأويل، إذ يجوز أن يترك لهم مالا، وفي الحديث الصحيح: "لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"، ويقول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: "كل مال أديتَ زكاتَه فليس بكنز، ولو كان مدفونا تحت سبع أرضين"، ونحن نقول يجوز أن يكون الأمران جميعا مال مدفون وحكم مكتوبة؛ حتى يستفيد الولدان بالمال ويعملا بالحكم، فينالا منفعة معيشتهما في الدنيا وثواب عملهما في الآخرة، أما إقامة الجدار فليبقى الكنز محفوظا، إذ لو سقط عليه الجدار لانطمر في أنقاضه فيصعب على الولدين استخراجه، وربما يعجزان عن ذلك، وقد تضيع مَعالِمُه بسقوط الجدار، وربما يظهر الكنز فيأخذه الناس بسقوط الجدار، أو يعثرون عليه حين يحفرون عن أساس الجدار، لإعادة بنائه فينهبونه، ففي إقامة الجدار حفظ لمال حلال تركه أب صالح لولديه، وفي صلاح الولدين صلاح للذرية وضمان لحقوقهم بعدهما ببركة تقواهما، وهذا ما تفيده عبارة القرآن: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَّبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}.

 

تلك هي إرادة الله ورحمته وعنايته تختص أهل الصلاح والتقوى في أنفسهم وأهليهم، كما رأيت يا موسى أمثال هذه الرحمات من ربك، وهي ما تفيد إضافة الرب إلى كاف الخطاب؛ حتى يعتبر موسى بما وجد من رحمة ربه وعنايته به منذ ولادته وفي جميع مراحل حياته، وكان بالمؤمنين رحيما.

 

ولنا في مطاوي القصة حكم وأحكام وعِظَات ترشدنا وتعلمنا أن نتقبل ما ينزل علينا من قضاء الله وقدره بقلوب مطمئنة راضية بحسن تأويل ما نراه بلاء ومصائب، إذ كثيرا ما تكون عواقبهما خيرًا لدنيانا، أما الآخرة فهو الأجر العظيم ورفع الدرجات ونزول الرحمات للصابرين، وفي الدنيا يعقب الصبر الظفر.

 

{فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجعلَ اللهُ فيه خيرا كثيرًا} (النساء:19).

 

والذي يظهر لنا من هذه المسائل الثلاثة أمور كبرى من أمور الحياة:

 

(الأمر الأول): الاعتناء بالفقراء والمساكين ومساعدتهم وتخليصهم من ظلم الأقوياء المتجبرين.

 

(الأمر الثاني): الاعتناء بالوالدين وتحذيرهم من فتنة الأولاد، وأن من الأولاد عدوًا للوالدين يكون سببا في فتنتهم وهلاكهم، وتعليمهم الرضا والصبر على ما يهلك من أولادهم في سن الصبا ولا يدرون كيف تكون نشأتهم، إذ ربما تكون نشأتهم مرهقة لوالديهم فليصبروا على القضاء، وليرضوا بقدر الله وليثقوا به، وليعلموا أن ما اختار الله لهم خير لهم مما اختاروا لأنفسهم، ولا يريد الله بعبده المؤمن إلاّ خيرًا، فليتق ويصبر.

 

(الأمر الثالث): الاعتناء بأمر الأولاد من طرف الوالدين والإحسان إلى اليتامى ومساعدتهم على شئونهم، والمحافظة على تركاتهم، وإن هذا من أعظم القربات.

 

في هذه المسائل الثلاث التي أطلع الله نبيه موسى من عبده الصالح علمٌ واسع ينير نواحي الحياة، ويزيد المؤمن إيمانًا، فيتمسك بأركان الدين الأربعة التي لا يتم إيمانه إلاّ بها وهي: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، والاستسلام لأمر الله والعلم بأن كل أمر واقع من قضاء الله وقدره لا يخلو من حكمة لله بالغة، وأن ثواب الصبر عند الله خيرٌ وأبقى.

 

هذا نمط من علم الله اللَّدُني الذي علمه عبده الصالح، والذي لا يظهر لموسى وغيره من الأنبياء، ولو صبر موسى لتعلَّم أكثر، ولا شك أن لِلخَضر تصرفات بإذن الله قبل التقائه بموسى وبعده، وهذا نمط منها، وفوق كل ذي علم عليم، وعلوم الله واسعة، وحكمُهُ بالغة، وعواقب أهل الإيمان والصلاح حميدة، ورحمة الله قريب من المحسنين.

 

ولنا في خرق السفينة قاعدة تنير لنا الطريق في باب واسع من الفقه، وهو أن إحداث الضرر اليسير جائز، إذا كان ذلك وقاية من الضرر الكبير، فلولا ذلك الخرق الذي لم يكن خطرًا على السفينة لغُصبت عليهم سفينتهم، فيحرموا منها ويفقدوا معتمد معيشتهم، وهذا أعظم من خرقها وترقيعها، فهو وإن كان عيبًا فيها، لكنه لا يُفَوِّتُهُم مَصلَحَتَهُم منها، تلك هي قاعدة ارتكاب أخف الضررين.

 

أما قتل الغلام فليست من محيط علمنا، ولا تجري وفق تصرفاتنا، وليس في شريعة الله المنزلة علينا قتل الصبيان، ولو ارتكبوا ذنوبًا، وهي في حقهم لا تكون ذنوبًا تستوجب العقوبة؛ لأنَّ قَلَم التكليف مرفوع عن تصرفاتهم ما لم يبلغوا الحلم، ولنا فيها من الحِكم ما تقدَّم مما يزيد إيماننا ويقيننا ورضانا بما يقدّره الله لنا، والذي نستفيده منها ومن التي بعدها أن تقوى الله تدفع المكروهَ الذي في غيب الله عنا وعن أولادنا، فما أعظم بركة التقوى على المتقين، وما أقرب رحمة الله من المحسنين.