إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 83 - 98 ) قصة ذي القرنين
طباعـة

 

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)

----------------------------------

 

في هذه الآيات تأتي القصةُ الثالثة من القصص المعروضة في هذه السُورَة المباركة التي تحمل هي الأخرى عبرًا وعظات لأولي الألباب، وهنا يأتي الجواب عن السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة التي اقترحها اليهود على كفار قريش حين سألوهم عن خبر هذا النبي المرسل، اقترحوا عليهم أن يسألوه عن ثلاثة أسئلة، وقد تقدم بيانُها، فإما أن يجيب عنها كلُّها أو لا يجيب، وكلا الأمرين مسقط لرسالته، وإما أن يُجيب عن بعضها ويُفوِّض البعض الباقي إلى الله فهو نبيّ حقا، وهذا السؤال الثالث يأتي جوابُه كما يلي:

 

{قُل سَأَتلُوا عَلَيكُم مِّنهُ ذِكرًا}

 

قل لهم يا مُحَمَّد: سأتلوا عليكم من شأنه ذكرا، يكون لكم به موعظة واعتبارا.

 

ولا ترد في الآية كل تفاصيل الحكاية فليس هذا من طريقة القرآن في عرض القصص، فهو لا يعرض إلا ما تتعلق به الفائدة، من تثبيت أصول الدعوة وقواعد الإيمان بالله واليوم الآخر مما جاءت به الرسالات الربانية، ولذلك لم يتكلم عن هوية هذا الرجل الذي يُسمَّى ذو القرنين، ولا عن سبب تسميته بهذا الاسم، ولا عن تاريخ ظهوره، ولا عن موطنه الأصلي، كل ذلك لا يتعلق به الغرض من الدعوة، وللمفسرين والقصاص حظُّهم من ذلك، وقد اختلفوا فيه كثيرًا، فمنهم من قال: "إنه نبي"، واستدلوا لقولهم هذا بقوله تعالى: {قُلنَا يَا ذَا القَرنَينِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسنًا}، ولا يكفي هذا في الاستدلال على صحة قولِهم كما نرى، ويراه كثير من المفسرين؛ لأن هذا القول الموجه له من الله يمكن أن يكون بطريق الوحي المباشر، ويمكن أن يكون بطريق نبِيٍّ من أنبياء زمانه، ويمكن أن يكون إلهامًا له من الله وإرشادًا، ويتفق المختلفون في نُبُوَّتِه وعدمها في أنه مَلِكٌ صالح، مَلَكَ مُلكًا عريضًا في مغرب من الأرض ومشرقها كما ينص على ذلك كلام الحق جلّ جلاله، ثم يختلفون في موطنه وهويَّته فيقول البعض: "إنه هو الاسكندر المقدوني اليوناني وموطنه مقدونيا وهي عاصمته ونقطة انطلاقه"، ويقول آخرون: "إنه غيره؛ لأن الاسكندر كان تلميذًا لأرسطو طاليس اليوناني، وهذا له فلسفة في الإلهيات مناقضة لأصل الدين الإسلامي الذي جاءت به الرسل"، ولا نطيل في تفاصيل اختلافاتهم؛ لأن ذلك يشغلنا عن المقصود، إلا أنا نعرض هنا خبرًا قرأناه في بحث مهم لأحد الكتاب المعاصرين، وهو عالم بحاثة مسلم من علماء الهند أبوه هندي، وأمه عربية، ولد سنة:1888م، وتوفي سنة:1958م، سكن المدينة وتزوّج فيها ووَلَد، وله مؤلفات كثيرة وهو ذو ثقافة عربية وهندية وإنجليزية، وهو من الذِّينَ يعتمد على أبحاثهم.

 

وملخّص بحثه في الموضوع كما يلي: يقول العالم البحاثة أبو الكلام آزاد: "ما دام السؤال جاء من طرف اليهود، فلابدّ أن يكون لهم علم ببعض شأنه، فمن أين لهم علمٌ به؟، إنا نجد في سفر دانيال من أسفار التوراة أن دانيال ـ عليه السلام ـ رأى رؤيا عندما كانت اليهود مأسورين عند الملك: "بختنصر" الذي سلّط على اليهود وخرّب بيت المقدس وهيكل سليمان، وكان هذا الملك وثنيًا طاغية قتل عددًا كبيرًا من اليهود وأسرَ عددًا وشتت شملهم، وذلك عقوبةً من الله لهم؛ لقتلهم أنبياء الله بغير حق، في هذه الفترة من الزمن كان نبي الله دانيال رأى رؤيا، ورؤى النبيين وحيٌ وحق، رأى في المنام: "كبشًا ذا قرنين كبيرين ينطح بهما شرقًا وغربًا، ثم رأى تيسًا جاء من جهة الغرب، له قرن واحد صلب نطح به الكبش فكسر قرنيه وأرداه قتيلا"، ثم إن دانيال ـ عليه السلام ـ سأل جبريل ـ عليه السلام ـ عن تفسير هذه الرؤيا فقال له جبريل: "أما الكبش ذو القرنين فهو ملك ذو سلطان يخرج من بلاد فارس، يقوى أمرُه ويشتدُّ، وأما التيس ذو القرن الواحد فهو ملك يخرج في أرض اليونان، يتغلّب على الأول ويخرِّب ملكه".

 

فكان الأمر كذلك، بعد مدة خرج في بلاد فارس ملكٌ مؤمن يسمى (قورش) وحّد مملكة فارس، وضم إليها مملكة أخرى بجانبها تُسَمَّى (ميديا) فكوّن من المملكتين دولةً قوية الجانب مرهوبة ثم هجم إلى جهة فلسطين، وحرّر اليهود من الذُّل الذي كانوا فيه، ووحد شملهم وأعاد بناء هيكل سليمان، وطهر بيت المقدس وعمَّره، ثم زحف إلى بلاد آسيا الصغرى وفتحها وضمها إلى إمبراطوريته، ثم توجه صوب المشرق وفتح بلادًا واسعة واشتهر أمرُه اشتهارًا كبيرًا، وهو مؤسس دولة الفرس، وكان هذا في القرن السادس قبل الميلاد، وبعد موت هذا الملك الصالح بقي الْمُلك في أولاده حتى آل إلى الملك (دارا) الأكبر المشهور في التاريخ، ثم ورثه بعده ابنه (دارا) الأصغر الذي هجم عليه ملك اليونان الاسكندر المقدوني، فاستولى على مملكته وقتله وكان مقتله على أيدي بعض حرسه، وبقتله انتهى سلطان هذه الأسرة، فالاسكندر هو التيس ذو القرن الواحد الذي جاء من جهة الغرب في رؤيا دانيال ـ النبي عليه السلام ـ، وذو القرنين هو الملك (قورش) الذي آمن بدين الإسلام الذي هو دين أنبياء بني إسرائيل".

 

ثم إن الأستاذ: "أبو الكلام آزاد" صاحب هذا الكلام بعد أن اطَّلع في سفر دانيال على هذه الأخبار سافر إلى إيران ليتحقَّق من صحّة هذه الأنباء، وبحث في تلك البلاد عن الحقيقة فدرس معالم التاريخ والآثار القديمة وجغرافية البلاد، فعثر على ما يؤيد ما قرأه في سفر دانيال، وهو اكتشاف وقع على أيدي بعض الباحثين في حفريات الآثار القديمة، عثروا على تمثال حجري (لقورش) الملك الفارسي الكبير وللتمثال قرنان وذلك في القرن التاسع ولا يزال التمثال محفوظًا في دار الآثار، فهذا التمثال ذو القرنين يؤيد ما ذهب إليه البحاثة الهندي أن الملك الفارسي (قورش) هو ذو القرنين، وهو مؤمن صالح كما يروِي الإسرائيليون في أخبارهم أنهم عرضوا عليه ديانتهم فاستحسنها واعتنقها، وهو ما تدل عليه الآية، إنه مؤمن بالله واليوم الآخر، عادل في أحكامه رحيم برعيته.

 

نشر هذا البحث لهذا العالم الهندي في مجلة صدرت في أثناء سنة:1952م، وهذه حجج قوية لا تقوم لها حجج من يقول إن ذا القرنين هو الاسكندر المقدوني، وقد اكتفينا بما نشره هذا الكاتب عن التعرض إلى أقوال أخرى واختلافاتهم، في حقيقة هذا الرجل.

 

أما وجه تسميته ذا القرنين فقيل: "لأن رأسه فيها قرنان"، وقيل: "كان يضفر شعره قرنين"، وقيل: "لأنه رأى في المنام أنه أمسك الشمس من قرنيها"، وقيل: "لأنه شجاع مقدام"، فأطلقوا عليه الاسم.

 

{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الاَرضِ وَءَاتَينَاهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا}

 

التمكين هو التثبيت، ثبت الله قدمه في الأرض، ومكنه من القوة ما استطاع أن يرسي به دعائم ملكه، وقد استعمل القرآن كثيرًا كلمة التمكين لهذا المعنى ثم قال:

 

{وَءَاتَينَاهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا}

 

والسبب في اللغة هو الحبل، واستعمل مجازًا لكل قوة تساعدنا على نيل مرادنا، إذن فقد مكن الله هذا الملِك من كل القوى التي يتمكن بها، من تصريف أمور الْمُلك من سياسة الرعايا وعمارة الأرض ومحاربة الأعداء وغير ذلك من المواهب القوية التي تمكنه من إدارة ملكه إدارة رشيدة، وتمكنه أيضًا من توسيع رقعة مملكته، هذا ما تدل عليه كلمة: {كُلِّ شَيءٍ}، أي من كل شيءٍ ينبغي لمثله من الملوك، ولا تحمل على عموم كل شيء إذ لا يكون هذا إلاَّ لله خالق كل شيء، وقد وردت هذه العبارة في القرآن، في شأن بلقيس ملكة سبأ: {وأوتيت من كل شيء} (النمل:23)، أي من كل شيء مما يصلح لإدارة الملك وعمارة الأرض، وكذلك جاء في ريح عاد: {تدمر كل شيء بأمر ربها} (الأحقاف:25)، نعم تُدمِّر كل شيء، ولكن لا تدمر الجبال ولا الشمس ولا القمر ولا النجوم، ولا تدمر إلاَّ ما على أرض عاد قوم هود، وما وراء ذلك لا تدمره، هكذا تفهم المعلومات على ضوء المعقول والمنقول.

 

{فَاتَّبَعَ سَبَبًا}

 

وقد يستعمل السبب في الطريق، أي سلك طريقًا في غزوه لما يجاوره من البلاد، وقد مكنه الله بذلك فاتجه في غزوه إلى جهة الغرب.

 

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغرِبَ الشَّمسِ وَجَدَهَا تَغرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَّوَجَدَ عِندَهَا قَومًا}

 

حتى إذا بلغ في سيره مغرب الشمس، أي حيث تغرب الشمس من ساحل البحر، والمشهور أنه انتهى إلى ساحل آسيا الصغرى: بلاد الأناضول شرقي البحر الأبيض المتوسط، مشى هو وجنوده حتى ردَّهم البحر الذي تغرب الشمس من جهته، وعلى سواحله عيون وأنهار وبرك تتجمَّع فيها المياه، فتصير بطول المكث حَمِئَة يقف الراكب دونها، ويبدو للناظر أن الشمس تغرب فيها، هنالك وجد قومًا يعمُرون هذه الأرض وقد يكونون ممن يعيشون على صيد أسماك البحر، تمكن ذو القرنين من هذه الأرض واستولى على أهلها، فصاروا تحت سيطرته يتصرف فيهم كما يريد.

 

{قُلنَا يَا ذَا القَرنَينِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسنًا}

 

قول الله لذي القرنين قد يكون بطريق الوحي إن كان نَبِيًّا، وقد يكون على لسان نبي من أنبياء الله في زمانه، وفي شريعة من شرائع الله المنزلة يتبعها هذا الملك الصالح، فوَّضه الله فيما يستولى عليه من البلاد، إما أن يعذب أهلها المحاربين له، وإما أن يتخذ فيهم طريقة العفو والإحسان، فكانت طريقته فيهم طريقًا وسطًا، وهو طريق الموفقين أمثاله.

-------------------

 

{قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكُرًا، وَأَمَّا مَنَ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءُ الْحُسنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنَ اَمرِنَا يُسرًا}

 

أما من ظلم منهم بالإعراض عن الإسلام، فاستبدل الشرك بالإيمان، والمعصية بالطاعة، فأولئك يلاقون منا العذاب بالقتل أو السجن والتقييد أو النفي أو غير ذلك من أنواع العذاب المشروعة لأمثالهم من العصاة المتمردين، وسيرد إلى ربه يوم القيامة فيعذبه عذابًا نكرًا، أي أليمًا فظيعًا مقيمًا، وأما من آمن وعمل صالحًا فله من الله الجزاء الحسنى، وسنعامله بالحسنى وسنقول له المقالة الحسنى وسنكرمه ونقربه جزاء على إحسانه، وهذا لا يتم إلاّ بالإيمان والعمل الصالح، أما الإيمان فبالعقيدة التي بعث بها كل الأنبياء والرسل، {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19)، وأما العمل الصالح فبما جاء في شريعة نبيهم وكتابهم: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر المبَرَّات التي يدعون إليها.

 

هكذا يبين الله لنا دستور العبد الصالح ذي القرنين في رعاياه ويبين الله لنا أن الإيمان لا يتم إلاّ بقرينه العمل الصالح، وأن إيمانًا بغير عمل صالح لا يُعتدُّ به، فهو كلا إيمان، فدستور ذي القرنين إذن دستور رشيد ينبغي أن يتقفَّاه الملوك والرؤساء في رعاياهم إن راموا فيها صلاحًا، وذلك هو الميزان الذي نفرق به بين أصناف الناس، لا اعتبارَ للأجناس ولا للألوان ولا للأنساب ولا للفقر والغنى، بل الاعتبار وحده للفرق بين الكفر والإيمان والفساد والصلاح، ليس هناك مقياس غير هذا، وكل شيء وراء هذا فهو باطل.

 

{ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطلِعَ الشَّمسِ وَجَدَهَا تَطلُعُ عَلَى قَومٍ لَم نَجعَل لَّهُم مِن دُونِهَا سِترًا كَذَلِكَ وَقَدَ احَطنَا بِمَا لَدَيهِ خُبرًا}

{ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا}،

 

أي سلك طريقًا آخر صوب المشرق، يغزو ويستولي على البلاد ينشر فيها الإسلام، حتى إذا بلغ مطلع الشمس، بلغ ساحل البحر حيث تنتهي رحلته البرية، عند هذا الساحل الشرقي وجد قومًا ليس بينهم وبين الشمس الطالعة حجاب من بناء ولا من جبال أو كهوف، إنما هم قوم بُداة ينتشرون في بادية واسعة مترامية الأطراف هذا الذي نرجحه من هذا المعنى، وإن قال بعض المفسرين: "إنهم عراة تطلع الشمس على أجسادهم العارية ليس بينهم وبينها من لباس"، وعلى كلٍّ فَهُم قوم كفار جهلة، غزاهم هذا الْمَلِك الصالح لينشر فيهم الدين الحق، وليُعلِّمهم كيف يعبدون الله، وقد سلك فيهم نفس المسلك الذي سلكه في أهل مغرب الشمس، وإن كان القرآن لم يفصل ذلك بل أجمله في كلمة {كَذَلِكَ}، يعني كانت سياسته فيم هي السياسة الشرعية التي سلكها فيهم قبلهم، وقد أحاط الله به، وبالقوم الذِّينَ غزاهم خبرًا وعَلِمَ سِرَّهم ونَجواهم، وهي السياسة التي لو سلكها الملوك والرؤساء الْمُسلَّطون على الناس لَصَلُح أمر العباد والبلاد، ولكن الله يولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون، فاعتبروا يا ملوك المسلمين ورؤساءهم بسيرة هذا الملك الصالح، فإن الله إنما مكنكم في الأرض لتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، ولا تطغينَّكم أُبَّهَة الْمُلك، ولا تسكرنَّكم نشوة الرئاسة والتسلط، فإن الله مُستَخلِفُكم فناظر ما تعملون، فمجازيكم عليه جزاءً وفاقًا.

--------------------------

 

ثم إن إذا القرنين استمر في رحلته في بلاد الله العريضة ينشر الصلاح ويدعو إلى الله.

 

كانت رحلة ذي القرنين في هذه المرحلة داخل البر، فبعد أن بلغ مغرب الشمس من ساحل البحر الغربي، ومطلع الشمس من ساحله الشرقي، سار في البر العريض فاتِحًا وغازيًا {ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا}: أي سلك طريقًا، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السُّدَّينِ}: أي بلغ فجًّا بين سلسلتين من الجبال، {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَومًا لاَّ يَكَادُونَ يَفقَهُونَ قَولاً} وجد من دون السدين: أي في الشق الذي يليه منهما قومًا ذوي لغة تخالف لُغَتَه، فهم لا يكادون يفقهون قولا، و"كاد"في اللغة العربية نفيُها إثباتٌ وإثباتُها نفيٌ، إنهم يخاطبونه ويخاطبهم، ولكن كانوا يفهمونه بمشقة وصعوبة، ولو لم يفهموه مطلقًا ما خاطبوه وما خاطبهم كما سيأتي، وقال بعض المفسرين: "لا يكادون يفقهون قولا؛ لبلادتهم وبساطتهم، لا لاختلاف اللغة"، ولكن هذا القول مردود عليهم، ولو كانوا كذلك لَم تصدر منهم تلك الأعمال العظيمة التي تحقق بها أعظم مشروع عرف في ذلك الزمان وما يزال أعجوبة، ولَم يتحقق إلاّ بمساعدتهم، ثم إن اقتراحهم لبناء السد يدل على أصالة رأيهم.

 

{قَالُوا يَا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفسِدُونَ فِي الاَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلَى أَن تَجعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُم سُدًّا}

 

لما رأوا قوة عتاد هذا الفاتح الجديد، ووفرة أمواله، وتوسموا فيه الصلاح وحب الخير قالوا يا ذا القرنين: إن بجوارنا قومًا مفسدين في الأرض، يهلكون الحرث والنسل، يغيرون على زروعنا يهلكونها، ويذبحون أغنامنا وحيواناتنا ويقتلون منا عددًا، قيل: "إنهم كانوا يأكلون بني آدم"، إنهم يأجوج ومأجوج قبيلتان، أو شعبان عظيمان لا قِبَلَ لنا بِهم، ولا قوة لنا على ردِّ غاراتهم وفسادهم، فهل نجمع لك أموالا على أن ترد ظلمهم وفسادهم؟، نضرب لك في أموالنا خرجًا، والخرج في اللغة هو: الأجرُ الذي يُدفع عن طواعية واختيار، والخراج هو: الذي يؤخذ بالقوة، وقيل هو: خراج الأرض، أي جزء من غلل الأرض المأخوذة عنوة يأخذه الفاتح، {أم تسألهم خرجًا} (المؤمنون:73)، أي أجرًا.

 

طلبوا من ذي القرنين أن يضربوا له في أموالهم خرجًا يدفعونه له، على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًّا يرد عنهم شرَّهم وفسادهم، وعرضوا له هذا الطلب عرضًا يدل على سداد رأيهم ورجاحة عقولهم، وحسن أدبهم مع هذا الفاتح القوي الأمين.

 

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ اَجعَلْ بَينَكُم وَبَينَهُم رَدْمًا}

 

أجابهم ذو القرنين بجوابٍ حكيمٍ يدُلُّ على نزاهته وأمانته وعِفَّته، وأنه ما جاء يفتح البلاد لجمع الأموال، والتمتع بها، كما هو شأن أغلب الفاتحين، إنما جاء ينشر الصلاح في الأرض، ويهدي الناس إلى صراط الله المستقيم، عرضوا عليه الأموال فأبى، وقال في قناعة ونزاهة: ما مكني فيه ربي مِما ترونَ خيرٌ من جمع الأموال، فقد مكنه الله في الأرض، وقوَّاه بما أيده به من الجنود والعتاد والأموال ومعرفة استخراج خيرات الأرض وكنوزها وبركاتها، وتلك هي أسباب الغنى في الأمم، لا مجرد جمع الأموال، فإنها لا تغني شيئًا إذا أهملت الأسباب الأخرى، وكأن هذا الملك يضع بمقالته هذه دستورًا لما يجب أن يكون عليه الأقوياء الفاتحون إذا أرادوا إصلاح البلاد وعمارتها وامتلاك الرعايا بالإحسان إليهم وحسن سياستهم لهم، قال لهم لا حاجة إلى خرجكم، ولكن أعينوني بقوة أبدانكم أجعل بينكم وبين عدوكم بنيانًا عظيمًا لا قِبَلَ لهم باختراقه.

 

{_اتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفرِغْ عَّلَيهِ قِطرًا}

 

اجمعوا لي قطع الحديد واجمعوا الحطب الجزل، وضعوا قطع الحديد بعضها على بعض، وضعوا خلالها حزم الحطب وأشعلوا فيها النار، وانفخوا عليها بمنافخ كثيرة؛ لتشتد النار فتذيب الحديد، كل ذلك بأمر ذي القرنين وعلى نظام وهندسة يتم بها العمل الجبار، وقد ساوى بين الصدفين، والصدف: أنف الجبل البارز، أي بلغ من ارتفاع ردم الحديد مستوى الجبلين، وسدّ ما بينهما، ولا يقوى على هذا العمل إلاّ من مكَّنه الله في الأرض بالقوة والعلم والجنود وسائر الإمكانات، فنفخوا في النار واشتد لهبها، فاحمر الحديد فصار مجموع الحديد والحطب نارًا، وهو ما تدل عليه العبارة البليغة {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا}، عندما حَمِيَ الحديد والتزقت زُبَرَه بعضها ببعض فصارت بنيانًا واحدًا، تتخلله أخاديدُ هي مواضع الحطب المشتعل، لذلك أمر بذائب النحاس وهو القطر، كان أُوقِد عليه في قدور راسيات عظيمة، فأُفرغت على الردم فملأت تلك الأخاديد، والتحم الحديد بالنحاس فصار أقوى ما يكون شدة وصلابة، وهو ما يقرره علماء المعادن والتصنيع، يقولون: "إن الحديد يشتد بمزجه بالنحاس"، وهذا ما علمه ذو القرنين منذ ستة وعشرين قرنًا، ولا يعلم إلاّ الله مقدار ما أوتي هذا الملك من الوسائل والتمكين حتى يقوى على إتمام هذا العمل العملاق في وسط هذا الجحيم من النار، فإذا بالردم العظيم يسد ما بين الصدفين والله يعلم ما بينهما من العرض والعلو، وكم يستهلك هذا السد السميك من الحديد والنحاس في هندسة دقيقة وعمل متقن، شهد له القرآن الحكيم بعبارات صادقة لَم تَحكِها خيالات القصاص ومبالغات الشعراء.

 

{فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَّظهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقبًا}

 

سدٌّ عظيم عالٍ سميك، لم يستطع الشَّعبَان الكبيران يأجوج ومأجوج أن يصعدوا عليه فيظهروه، ولم يستطيعوا أن يُحدِثوا فيه نقبًا يسلكون منه، وما ذلك إلاّ لضخامته ومتانته وعُلُوِّه ودقة صنعه، أتَمَّه هذا الملك الصالح بإعانة هؤلاء القوم، وبفضل ما مكَّنه الله فيه من مختلف العلوم والقوى، وحين أتَمَّه ورآه سامقًا بإذن الله لَم يغتَرَّ بقوته ولَم يتكبَّر ولم ينس فضل الله عليه، بل ازداد تواضعًا واعترافًا بفضل ربه وتمكينه إياه.

 

{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وَّكَانَ وَعدُ رَبِّي حَقًّا}

 

كلمات تنبع من قلب أُفعِم إيمانًا ومحبة للرب المنعم، واعترافًا بفضله ورحمته، فقد جاءت فيها كلمة: "الرب"مكررة ثلاث مرات مضافة إلى ياء المتكلم إشعارًا بشدة تَمسُّك هذا الرجل بربه وحبه إياه وتوكله عليه، وأنه ملأ عليه وجدانه وكيانه، فلا يزال لسانه رطبًا بذكره لا يذكر غيره، {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}: أي هذا المشروع الضخم العملاق لَم يكن من تفكيرنا، ولا من قوتنا، وإنما قيامه وتمامه برحمة ربنا، وسيكون فناؤه وانتهاؤه بأمر ربي، {فَإِذَا جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا}: أي دكَّه الله وسوَّاه بالأرض، كما تَندَكُّ الجبال عند قيام الساعة، فسيكون هدمه بيد الله لا بيد الإنس ولا بيد الجن، ولابد سيتحقق هذا الأمر عند أجله المعلوم؛ لأنه وعد الله، ووعد الله حق، وسيكون انهدامه من أشراط الساعة؛ لأن أمورًا تقع يومئذٍ عظامًا منها النفخ في الصور.

 

هكذا ينطق هذا الملك المؤمن بكلمات تدل على إيمانه بربه وبما جاءت به أنبياء الله ورسله، إن كل شيء في هذه الدنيا سيأتي موعد هلاكه وفنائه فلا يبقى إلاّ وجه الله الكريم، إنه لَم يَطغَ بملكه كما طغى من أغفل الله قلبه عن ذكره من الملوك والأغنياء أمثال النمرود وفرعون وهامان وقارون وصاحب الجنتين، لم يقل كما قال قارون: {إنما أوتيته على علم عندي} (القصص:78)، بل قال: {هذا رحمة من ربي}، كما قال العبد الصالح نبِيُّ الله سليمان، حين مَثُلَ بين يديه عرش بلقيس العظيم، {هذا من فضل ربي ليبلوني ءاشكر أمَ اَكفر} (النمل:40)، وهكذا يعلمنا الله في كتابه الكريم أن نقتدي بأمثال هؤلاء ممن أحبهم الله، وأنعم عليهم بنعمة الإيمان والهدى، {أولئك الذِّينَ هدى الله فبهداهمُ اقتده} (الأنعام:90).

 

ولننتقل إلى الكلام عن موضع هذا السد، فقد زعم كثير من المفسرين وأهل الأخبار أن موضعه في شمال شرقي آسيا في بعض سلاسل الجبال هناك، قال بعض: "في جبال أرمينيا وأذربيجان"، وقال آخرون: "في سلسلة جبال من البحر الأسود وبحر الخرز"، وقيل: "في ترمذ"، وقال بعض: "في جبال منغوليا"، ولا يزال الأمر غامضًا لَم نعلم أنهم اكتشفوا سدًّا من حديد ونحاس، فلا نستطيع أن نرجح قولا على قول.

 

أما يأجوج ومأجوج فمن هؤلاء الأقوام؟ وهل خرجوا واختلطوا بالناس؟

 

يزعم كثير من العلماء أنهم التتار الذِّينَ أغاروا في القرن السابع الهجري على بلاد الإسلام هجومًا عنيفًا اكتسحوا فيه البلاد، وأكثروا الفساد في الحرث والنسل، ذبحوا مذابح رهيبة أرهبت الناس وشردتهم، وهم أقوام من المغول، أطلقوا عليهم التتار؛ لأنهم أفواج كثيرة متتالية، قيل هؤلاء هم يأجوج ومأجوج تنطبق عليهم أوصافهم، فهم من كل حدبٍ ينسلون، وهل ظهروا السد ونقبوا أو خرجوا من أطراف الأرض وهل اندَكَّ هذا السد أم لا يزال قائمًا؟

 

أما حديث صحّ عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ روته عنه أم المؤمنين زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ قالت: "أستيقظ النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ذات ليلة ووجهه مُحمَرٌّ فقال: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج قدر هذا، وأدار السبابة مع الإبهام"، ولا نعلم شرًا أصاب العرب أعظم من هجوم التتار، فهل يكونون هم القوم؟ نرجح هذا ولا نجزم به، كان هجوم التتار ويلات متتابعة في مدة ستين سنة، اكتسحوا فيها البلاد، فكأنهم سيول من نار زاحفة تأتي على الأخضر واليابس، لا يرد سيلهم أحد، يقتلون الناس، ويهتكون الحرمات، ويتخذون المساجد مرابط لخيولهم وحيواناتهم، ويخربون خزائن الكتب تمزيقًا وتحريقًا وتغريقًا، ورُوِيَ أنهم اتخذوها معبرًا في نهر دجلة فضاعت بذلك ثروات لا تقدر من المخطوطات الفريدة التي أفنى العلماء أعمارهم في تصنيفها وتحقيقها.

 

وكانت بغداد يومئذٍ عاصمة الإسلام، فقضوا على خلافة العباسيين، ودمروا ملكهم العريض، وطَوَوا خلافتهم في البلاد طيَّ السجل للكتاب، فانهارت دولتُهم، وهجموا على بلاد الشام وفلسطين، وهددوا مصر بالهجوم عليها فبعثوا إلى ملكها "قطز" أن يستسلم ويدخل تحت طاعتهم وهددوه بأنواع التهديد، فأبى أن يستسلم واعتصم بالله واستنهض الناس لقتالهم وللدفاع عن الإسلام ضد هؤلاء الوثنيين الهمجيين وخرج هو بنفسه وخرج الناس معه لمقاومة هؤلاء الأعداء بعيدًا عن قصبة ملكه، فكان موضع الملاقاه بهم في فلسطين في موضع يسمى: "عين جالوت" حيث وقعت الوقعة المشهورة، التي انتصر فيها المسلمون على التتار لأول مرة بعد ستين سنة، وما كانوا يظنون أنهم يَغلِبُون، فخيب الله ظنَّهم وشتت شملهم وكسر حِدَّتَهم على يد الملك الأعجمي "قطز" كما هزم الله الصليبين على يد القائد العظيم "صلاح الدين الأيوبي"، لقد أبلى الملك "قطز" وقائده الأعلى "بيبرس" بلاءً حسنًا، وضربوا أروع مثال في الدفاع عن بيضة الإسلام، فأنزل الله عليهم نصره وهزم أعداء الإسلام على أيديهم، وقتل قائد التتار "هولاكو" فانهدَّ بنيانهم وتفرقت جموعهم فلولا، ثم إنّهم بعد هذه الهزيمة توزعوا في البلاد فابتلعهم الإسلام، فاعتنقوه وانتهى أمرهم، وكانت هذه الوقعة المشهورة التي انتصر فيها الإسلام في شهر رمضان المبارك من سنة:668هـ، بعد اثنتي عشرة سنة من احتلالهم بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

 

فأُعجبوا لهذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي تحققت فيه للإسلام منذ فجره انتصارات باهرة كانت السبب في قوته وانتشاره وبقائه، فغزوة بدر الكبرى وفتح مكة كانا في شهر رمضان، وكذلك وقعة الزلاّقة التي انتصر فيها "يوسف بن تاشفين" في الأندلس لما استغاث به "المعتمد بن عباد" كانت يوم الجمعة منتصف شهر رمضان، فلِلَّه ما أبرك هذا الشهر على المسلمين، كانت وقعة "عين جالوت" التي انتصر فيها المسلمون على التتار من أعظم الوقائع بعد انتصار القائد "صلاح الدين الأيوبي" على الصليبيين.