إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الكهف: الآيات ( 99 - 110 ) آخر السورة
طباعـة

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)

------------------------------------

 

{وَتَرَكنَا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَّمُوجُ فِي بَعضٍ}

 

الموج: تدافع المياه الكثيرة في البحار، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: وتركنا الناس يومئذ يموج بعضهم في بعض، إشارة إلى كثرتهم وابتعادهم عن الله، فهم متركون لحالهم، وذلك قرب قيام الساعة، بعدما يندك السد ويفيض هذا البحر من البشر على العالم، بحرُ يأجوج ومأجوج، وقد رأينا اليوم كيف يموج البشر في هذا العالم؛ لارتفاع الحواجز وكثرة وسائل المواصلات السريعة فيه، فالعالم اليوم كأنه دار واحدة تدار الأحداث فيه بأزرار، فإذا بالوسائل الجهنمية من وسائل التدمير تجول شرقًا وغربًا في لحظات، ولا يقوم لها مانع، كلٌّ يسعى في إهلاك الآخرين، مرجت أحوالهم، وارتفعت الثقة من بينهم، واحتل الخوف محل الأمن، والفزع محل الطمأنينة، وكثر الهرج، وتماوجت قوى الشرق وقوى الغرب، وهذا نراه من أشراط الساعة التي تدل على قرب نهاية العالم وفنائه، فتفسيرنا اليوم لهذا التماوج تفسير واقعي لا نظري كما فسره من قبلنا، فنحن اليوم نعيش في تأويل هذه الآية، ولا ندري ما سيقع بعد ولا يزداد الأمر إلاّ تفاقمًا.

 

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعنَاهُم جَمْعًا}

 

بعد هذا التماوج البشري، ينفخ في الصور نفخة الفزع ونفخة الصعق، والأمر قريب ولا يزداد إلاّ قربًا، وقد رُوِيَ عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أنه قال: "كيف أنعم بالدنيا وقد التقم إسرافيل الصُّورَ؟!"، فهو قد التقم الصور وأحنى رأسه وأصغى سمعه ينتظر أمر ربه فينفخ، فالأمر قريب، ولا يقولَنَّ قائل كيف هذا القرب وقد مضى على الآية أربعة عشر قرنًا، نعم هو قريب وصدق الله العظيم: {اقتربت الساعة وانشق القمر} (القمر:01)، {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} (الأنبياء:01)، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل:01)، وأمثالها من الآيات التي تدل على قرب قيام الساعة، وفي الحديث الشريف عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين، كادت أن تسبقني فسبقتها"، ولا يعلم مدى هذا القرب إلاّ الله: {وإنَّ يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج:47)، فالأمور نسبيَّة، ولا نفهم قرب ما بقي إلاّ على ضوء معرفة ما مضى على هذه الدنيا، وليس المهم أن نعرف المقدار إنما المهم أن نعرف حقيقة القرب لنستعد ولا نغفل ولا نفرط، وقد عبّر الله هنا بصيغة الماضي لتحقق الوقوع وقربه، فكأنه قد وقع.

 

{فَجَمَعنَاهُم جَمعًا وَّعَرَضنَا جَهَنَّمَ يَومَئذٍ لِّلكَافِرِينَ عَرْضًا الذِّينَ كَانَتَ اَعيُنُهُم فِي غِطَاءٍ عَن ذِكرِي وَكَانُوا لاَ يَستَطِيعُونَ سَمْعًا}

 

بعد نفخة الصعق تأتي نفخة البعث، فيجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وكلمة الجمع هنا جاءت متمكنة في البلاغة بعد أن أماج بعض البشر في بعض، ما هي إلاّ زجرة واحدة، فإذا هم قيام ينظرون، لا يتكلمون إلاّ من أَذن له الرحمن وقال صوابًا، كلهم ينتظر أمر الله {يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله} (الانفطار:19)، وجاءت كلمة العرض مرة مضافة إلى الكفار ومرة مضافة إلى النار {ويوم يعرض الذِّينَ كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا} (الأحقاف:34)، {وعرضنا جهنم يومئذٍ للكافرين عرضًا} (الكَهف:100)، وذلك لشدة اقترابهم منها وتحقق ورودهم لها، فيومئذٍ يؤمن الكافر ولا ينفعه إيمانه، وقد كان في الدنيا معرضًا، عينُه في غطاء، وفي أذنه وقر، فهو لا يستطيع سمعًا، ونفي الاستطاعة هنا ليس معناه عدم القدرة، إنما هو تعبير عن شدة الكراهية التي تَمَلَّكته وطغت على نفسه فكأنه لا يستطيع السماع.

 

وقد يرد هذا في تعبير العرب، وتستعمل الاستطاعة ويراد بها الإرادة، ورد هذا في سُورَة المائدة {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مومنين} (المائدة:112)، أي هل يريد ربك ويشاء موافقتنا على طلبنا أن ينزل علينا مائدة من السماء؟، إنا عرضنا لهؤلاء المعرضين عن ذكرنا، المتصاممين عن سماع الآيات والنذر المتعامين عن النور، عرضنا لهؤلاء جهنم ليروا عَينَ اليقين مصيرهم الأخير الذي ينتظرهم، والذي سيدخلونه داخرين، وفي هذا التعبير الشديد الوقع ما فيه من روعة التخويف والإنذار لمن أراد الله هدايته فيقبل إلى حظيرة النجاة، وما يذَّكَّر إلاّ أولوا الألباب، أما الذِّينَ ختم الله على قلوبهم فهم يفرون منه، ويلغون فيه، ولا يزيدهم الوعظ إلاّ نفورًا واستكبارًا، أولئك قساة القلوب الذِّينَ قال نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ في حقهم: {قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارًا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا} (نوح:05-07)، ويوجد هذا الصنف من الناس في كل زمان، وقد ظهرت هذه القساوة في زماننا، فأعرضت القلوب ومالت إلى الدنيا، فليحذر قساة القلوب من هذا المصير المشئوم وبئس المصير.

-------------------------------

 

{أَفَحَسِبَ الذِّينَ كَفَرُوا أَن يَّتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَولِيَاءَ انَّا أَعتَدنَا جَهَنَّمَ لِلكَافِرِينَ نُزُلاً (102)}

 

في الآية إظهارٌ عِوَض الإضمار، فقد ذكر الكافرين ومصيرهم قريبًا ثم صرح بالذِّينَ كفروا وبالكافرين تشنيعًا لهم على كفرهم بربهم ورسله واليوم الآخر، وتبيينًا لنا أن ذلك الجزاء السيئ والمصير المؤلِم إنما نالوه بسبب كفرهم فهم فيه مبلسون، لا يستحقون الرحمة ولا يقبل لهم عذر، أعَمِيَ الذِّينَ كفروا عن الحق فحسبوا أن يتخذوا من عباد الله أولياء من دون الله ثم ينفعونهم؟، كلا لن ينفعوهم إنهم اتخذوهم أولياء في الدنيا، والولايةُ هي: المحبة والنصرة، إنهم لن ينصروهم وسيكفرون بشركهم يوم القيامة، اتخذ الكفار أنواعًا من الأولياء منها الأصنام والأوثان والشمس والقمر والنجوم والشجر، ومنها الأحياء والأموات يعبدونهم، يخافونهم ويرجونهم، ومنهم من يتخذ من عباد الله أولياء يُشَرِّعُون لهم فيتبعون تشريعهم، ويعرضون عن تشريع الله؛ لأنهم يجدون في تشريعهم موافقة لأهوائهم، هؤلاء شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} (الأعراف:30).

 

يحسبون أنهم على شيء يُستَمسَكُ به ويُعَوَّل عليه، إنهم ليسوا على شيء، بل زَيَّنَت لهم أهواؤُهم كفرَهم وضلالَهم، وقلَّدوا فيه آباءهم ورؤساءهم، فقد أعد الله لهم جميعًا جهنم تكون لهم نزلا ومقامًا، والإعداد هو: التهيئة، والنزل هو: ما يُهيَّأ للضيف النازل، من محل يقيم فيه، وطعام يأكله، وفراش وغطاء، وما يرتفق فيه، لقد هيّأ الله لهؤلاء الكافرين جهنم منزلا يقيمون فيه، وأعد الله لهم طعامًا من زقوم وغسلين وشرابًا من حميم آن، وعقارب وحيّات وفرشًا من نار وأغشية، {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف:41)، ذلك هو نزل الكافرين المعد لهم، شتان ما بينه وبين نزل المؤمنين الذِّينَ صدقوا في إيمانهم، وسيأتي قريبًا ذكره.

 

ثم بيّن الله تعالى عظيم خسارة هؤلاء الذِّينَ يحسبون الضلال هداية فهم في ضلالهم يعمهون.

------------------------------

 

{قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالاَخسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الذِّينَ ضَلَّ سَعيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسِبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا (104) اوْلَئِكَ الذِّينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتَ اَعمَالُهُم فَلاَ نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤًا (106)}

 

قل لهم يا مُحَمَّد، الأمر موجه من الله منَزِّل القرآن لنبيه مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أن يخاطب أمته بهذا الخطاب المهم والذِّينَ بعده، وإذا جاء الخطاب على هذا النمط من الأمر بالتبليغ دل على عِظَم أهميته، وهنا تستقبلنا ـ قبل ختام السُورَة ـ ثلاثة أوامر بالتبليغ مُصَدَّرة بـ: {قُلْ} فيها إلفات لنا إلى الحق، وهي خلاصة ما تقدم من أول السُورَة، فيها القرارات النهائية التي تستخلص من كل ما تقدم عرضه من القصص الخمس: قصة أصحاب الكَهف ومصيرهم، وقصة صاحب الجنتين وعاقبة كفره وطغيانه، وقصة خلق أبينا آدم وأمر الله الملائكة بالسجود له، وعصيان إبليس وتمرده على خالقه، ورجم الله إياه جزاء على كفره، وقصة موسى والخضر عليهما السلام، وبيان ما فيها من العلم بنوعيه: الظاهرُ والباطنُ، واستخلاص الحكمة من كل ذلك، وقصة ذي القرنين الملك الصالح، وما جرى على يديه تَحقيقُه من نفع العباد ودرء الفساد، هذه الآيات الثلاث المصدرة بـ: {قُلْ} الواردة في ختام هذه السُورَة،

 

{قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالاَخسَرِينَ أَعمَالاً}، {قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا}، {قُلِ اِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَّاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

 

في كلٍّ من هذه الآيات عرض لجانب كبير من المواضيع التي تناولتها السُورَة باستخلاص العبرة منها، وتقرير الخلاصة النهائية التي فيها الحقيقة الثابتة، وسيأتي بيان ذلك في تفسير معاني الآيات، فلنبدأ بالخطاب الأول منها: {قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالاَخسَرِينَ أَعمَالاً الذِّينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسِبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا} أمرٌ بالقول من الله، يليه حرف استفهام يراد به التحضيض، والنبأ هو: الخبر الهام الذي يحمل المعنى العظيم الذي له خطره، هل نخبركم بخبر أشد الناس خسارة لأعمالهم؟، بعض المفسرين جعلوا ما بعد هذه الجملة هو الجواب والخبر، وهم: {الذِّينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا} إلى آخر خبرهم، وبعضٌ جعلوا الجواب والنبأ هو قوله تعالى: {اولَئِكَ الذِّينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتَ اَعمَالُهُم فَلاَ نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا...}إلخ، ويكون ما قبله نعتٌ لِلأخسَرِينَ أعمالا.

 

والذي نرجح أن يكون الخبر هو الأخير، وهو أروع في الدلالة على المعنى، والمصير الرهيب لهؤلاء الأخسرين الذِّينَ ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ ذلك لأن أعمال الكفرة تكون هباءً منثورًا، فهي في ضلال، حتى الذي يبدو منها حسنًا ومفيدًا؛ لأنه لا ينفع مع الكفر عمل، ومن المعلوم أن هؤلاء الكفرة والمنافقين لهم صنفان من الأعمال: صنف منها قبيح وهو كل أنواع الشرك والمعاصي الظاهرة، والإجرام والقتل والظلم، وقد يحسبون أنها حسنة تزينها لهم أهواؤهم ويزينها لهم الشيطان، فهم يحسبون شركاءهم شفعاء عند الله، يقربونهم زلفى، وهم يحسبون الحروب والقتل والتدمير وطنيةً وانتصارًا للمبادئ التي يرونها صحيحة ومفيدة، ويحسبون الربا تجارة وبيعًا وتنمية للاقتصاد، ويحسبون السفور والغناء والرقص واختلاط النساء بالرجال ثقافة وفنًا ورياضةً وتقدمًا، ويحسبون الخداع والكيد ذكاء وعبقرية، إلى غير ذلك من مفاسد الأخلاق التي يحسبونها حريةً وحضارة، وهم ضالون في زعمهم هذا المخالف لما جاءت به كتب الله ورسله، فهم متورطون في الخسارة، باعوا آخرة باقية بِدُنيًا فانية، غلبت عليهم شهواتهم، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

 

والصنف الثاني من أعمال هؤلاء الكفرة حسن، ولكن ضيعه عليهم كفرهم بربهم، فهم يقومون بخدمات كبرى للإنسانية فيها رحمة للإنسان والحيوان، هم قد يكرمون اليتيم، ويطعمون المسكين، ويداوون الجرحى، ويعالجون المرضى، ويعطفون على المنكوبين، ولهم أعمال من هذا النوع يصرفون فيها أوقاتهم ويبذلون أموالهم، وقد يتركونها وقفًا بعد مماتهم، ولكنها لا تنفعهم لفساد نياتهم فهم لا يعملون لله، ولو عملوها لله فهم لا يفردونه بالعبادة، {وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون} (يوسف:106)، ومن الشرك بالله إنكارُ بعض رسله، والكفر ببعض كتبه، أو هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فقد ضرب الله المثل في القرآن بأعمال هؤلاء بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وبظلمات في بحرٍ لُجيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، وبرماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، ضاع كل شيء وخسروا كل شيء بكفرهم بآيات ربهم ولقائه.

 

{اولَئِكَ الذِّينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتَ اَعمَالُهُم فَلاَ نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤًا}

 

أولئك الكفرة الذِّينَ ذهب نصيبُهم في الحياة الدنيا هباءً وحبطت أعمالهم فيها، والحَبَطُ: داء يصيب بطون الإبل فتهلك وهو معروف عند العرب، حبطت أعمالهم؛ لأنهم كفروا بأيات ربهم ولم يؤمنوا برسله، وكفروا بلقاء الله وظنوا أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون فهلكت أعمالهم، فلا يقام لها ولا لهم وزنٌ عند الله، وربط هاتين الجملتين أفادنا أن ما قبلهما علة لما بعدهما كما هو ظاهر من كلام العرب، وفيه ما فيه من تحذير العباد من الكفر بربهم وآياته، وتحذيرهم من الشك في لقائه، وإخبارٌ من الله أن كل عمل خلا من الإيمان بالله ولقائه لا يزن عند الله ذرة، فما هو إلاّ هباءً منثورًا، ذلك جزاؤهم ومصيرهم جهنمُ؛ بكفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزؤًا، إنهم كانوا في الدنيا لا يسمعون ولا يعقلون، إذا حدثتهم رسل الله يهزأون بهم وبحديثهم، وإذا مروا بآيات الله يمرون عليها صمًا وعميانًا، فجازاهم الله جزاءً وفاقًا فكما لم يقيموا لآيات الله ورسله وزنًا، كذلك لا يقيم الله لهم ولأعمالهم يوم القيامة وزنًا، ومن لا وزن له عند الله فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ولعنه الله وغضب عليه وأعد له عذابًا عظيمًا، وأنواع الكفر بآيات الله ورسله كثيرة، منها الصريح ومنها كفر الأعمال المخالفة لآيات الله ورسله، فالألسنة تصف والأعمال تخالف، ومنها الشك والارتياب، والشاك في دينه وفي ربه ولقائه مشرك كما هو معلوم.

 

ومن الكفر ترك أركان الإسلام كالصلاة والصوم والزكاة ومنها كفر دون كفر، وهو كفر النعمة، وكل ذلك يورد النار، ومنها كفر الإصرار على الكبائر وعدم التوبة، وكل ذلك مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، فلنحذر جميع أنواع الكفر، ولنحذر الاستهزاء بآيات الله ورسله، ولنحذر هؤلاء الكفار والمستهزئين الذِّينَ يدّعون العلم والتقدم ويكفرون بما وراء المادة، فقد انتشر هذا النوع من الكفر عند كثير من الذِّينَ اغتروا بعلمهم فهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} (غافر:83).

 

اغتروا بعلم ظاهر الحياة الدنيا، وأنكروا لقاء الله وجحدوا بالله وآياته وظنوا أنهم... وأنهم...، إنهم يوم القيامة لا وزن لهم عند الله ولا وزن لعلمهم الدنيوي ولا لأعمالهم.

 

إننا لا نُزهِّد في العلوم فكلُّها مفيد، ولكن نُحذِّر من الكفر بآيات الله ولقائه اغترارً بالدنيا وكفرا بالغيب الذي يؤمن به المؤمنون، ومن الناس من ينكر السُّنة ويتظاهر بمظهر التحقيق العلمي، ويقول إنه لا ثقة له فيما رُوِيَ من الأحاديث النبوية، وهذه فتنة حذر منها رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أنه سيأتي على الناس زمان ينكر فيه الحديث، فلا نستغني عن سُنَّته، وقد قال الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: {وأنزلنا إليك الذكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44)، وقد حقق أهل السنة ما رُوِيَ من الأحاديث ونقحوه تنقيحا، فما علينا إلا أن ندرس ونحقق المعنى ونتبع، فمن رد السنَّة دخل في الفتنة، وحق عليه قول الله تعالى: {وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤًا}، وقد افتتن كثير من الناس برد السُّنَن وراحوا يُشكِّكون الناس في الأحاديث النبوية الشريفة، فلنحذر هؤلاء ولنتمسَّك بالسُّنَّة كما نتمسَّك بالقرآن، فهي مُكمِّلة لمعانيه مُبيِّنة لها، ونعوذ بالله من البدع والضلالات، ونعوذ بالله من أنواع الكفر كلِّها ومن مصير الكافرين.

 

ثُم إن الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ يعقِّب بذكر مصير أوليائه المؤمنين المحققين إيمانهم بالعمل الصالح، وبهذا التعقيب يتقابل المصيران، وشتان ما بينهما، وما أروع هذه المقابلات في القرآن بين مصير المؤمنين ومصير الكفار وبين الحق والباطل وبين التبشير والإنذار، فهي المثاني المذكورة في سُورَة الزمر، قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا مثاني تقشعر منه جلود الذِّينَ يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد} (الزمر:23).

------------------------------

 

بعد ذكر مصير الكفرة المستهزئين بآيات الله ورسله يذكر الله مصير المؤمنين الصادقين في إيمانهم فيقول:

 

{إِنَّ الذِّينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الفِردَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبغُونَ عَنهَا حِوَلاً (108)}

هنا تأتي المقابلة الرائعة بين النُّزلين: نُزل الكافرين ونُزل المؤمنين، ذلك فيه كل أنواع العقوبات المؤلمة: من نارٍ وضربٍ وإهانةٍ وطعامٍ ذي غصةٍ وشرابٍ يتجرعه ولا يكاد يسيغه، وهذا فيه كل أنواع الأطايب: من الأطعمة والأشربة في قصور وجنات وأنهار، ويزوجون بِحُورٍ عِين كأمثال اللؤلؤ المكنون، وهم مُعزَّزُون مُكرَّمون، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، ورضوان الله أكبر من كل ذلك النعيم، وهم فيها خالدون، لا يبغون عنها حولا.

 

وهذه نكتة لطيفة تختص هذه الآية بذكرها وهي أنَّهم لا يرغبون في التحول عما فيه من النعيم إلى حالة أخرى، ذلك لأنهم راضون به لا يتصورون نعيمًا أفضل منه، ثم إن طبع الإنسان في هذه الحياة الدنيا الملل والسأم من كل حالة يطول مكثه فيها ولو كانت حسنة، فهو يسأم الحياة الرتيبة التي هي على نمط واحد، ركب الله هذا الطبع في الإنسان في الحياة الدنيا ليرغب في البحث عما هو أفضل، فيظهر على يده ما أراد الله إظهاره من بركات الأرض وأسرار الكون، ولولا ذلك لجمدت حركات العلوم، وتوقفت الاختراعات والابتكارات، وذلك خلاف لحكمة جعل الله ابن آدم خليفة في الأرض وتسخير ما فيها له، أما في الآخرة فليس هناك بحث ولا سعي ولا نصب ولا كد، فالإنسان الْمُمَتَّع هناك راضٍ بما هو فيه من النعيم، مطمئن لما أعطاه الله، لا يبغي سواه، فهو في غاية الرضا والسرور والشعور بنعمة الله العظيمة، يلهج لسانه بالحمد والثناء لربه الكريم الولي الحميد، {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} (فاطر:34-35).

 

هذا الجزاء الحسن للذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات التي هي تحقيق لاستقرار الإيمان في قلوبهم وتصديق له لا للذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، ولا للذين يرتكبون من الذنوب والمآثم ما يخالف الإيمان ولا يتوبون ولا هم يذكرون، فالآية ترد على الذِّينَ يزعمون أن الإيمان يتم بدون العمل الصالح، وهو زعم باطل يعوِّل على الأماني الفارغة، وليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في الصدر وصدقه العمل، أولئك {كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً}، جاء التعبير بكانت التي هي للماضي؛ لأنها أعدت لهم فهي لهم وهم لها مَلَّكها الله لهم بفضله ورحمته، والفردوس: هي معظم الجنة وأطيبها وأعلاها منزلة دخولها برحمة الله ورحمة الله قريب من المحسنين، واقتسموا درجاتها بأعمالهم فطوبى لهم وحسن مآب، فيا خيبة من لا يعمل الصالحات وينتظر مصير العاملين، ويا خيبة من يعمل ولا يؤمن بالله ورسله ولقائه، إن عمله لا ينفعه، إنما ينفع الإيمان والعمل الصالح أولئك لهم خير النزلين عند الله جعلنا الله منهم آمين.

--------------------------

 

{قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا (109)}

 

يضرب الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ لنا مثلا في سعة علمه ليقرب معنى ذلك إلى أفهامنا القاصرة، فكم من مثل قرَّب البعيد، ومهما تنوعت العبارات في وصف سعة علم الله وإحاطته فلن تبلغ في أفهامنا ما يبلغ هذا المثل الواضح الذي يدركه كل الناس، فالبحر يدرك كل الناس سعته وعظمته وكثرة ما فيه من المياه، وعلماء الطبيعة يذكرون أن مقدار البحر في هذه الأرض التي نعيش عليها ثلاثة أرباع اليابسة، فلو كان هذا الماء كله مدادًا لكلمات ربي، والكلمات عبارة عن سعة علم الله وسعة كونه علويّة وسفليّة، علم الغيب والشهادة، علم الدنيا والآخرة، علم الملك والملكوت، علم المبصرات وغير المبصرات، لو كان البحر مدادًا لكلمات الله لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ونحن نعلم مقدار ما يأخذ القلم من الحبر ليكتب كلمات كثيرة وقد جاء في سُورَة لقمان أعظم من هذا، {ولوَ اَنَّما في الارض من شجرة اَقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} (لقمان:27).

 

هذه آية تبين عظمة سَعَة علم ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ، وأنه لا يتناهى إذ ليس المقصود بعد السبعة الاقتصار على هذا العدد، إنما المقصود الكثرة كما يرد ذلك كثيرًا في كلام العرب، هذا ما نفهمه من الآية، وهي النداء الثاني من هذه الأوامر التي ختمت بها السُورَة وهي مناسبة لما جاء في أثناء السُورَة من قصة موسى والخضر ـ عليهما السلام ـ وما عِلمُهما في علم الله إلاَّ قطرة من بحر أو بحار، وفيها بيان ما جاء في الجواب عن سؤال الروح {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلا} (الإسراء:85)، والآية رائعة حقًا في التعبير عن سعة علم الله، وكثرة كلماته التي لا تحد ولا تتناهى، وقد اعترف العلماء الكبار بقصورهم وتضاؤل علمهم أمام علم الله في هذا المحيط الذي نعيش فيه، وهو جزء ضئيل جدًا من هذا الكون الواسع، فهذا مخترعُ أو مكتشفُ نظام الجاذبية بين النجوم والكواكب، وإليها تشير الآية الكريمة في سُورَة الرعد {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} (الرعد:02.

 

هذا العالم الكبير "إسحق نيوتن" الذي اكتشف هذه القوة العظيمة في كون الله التي بها نتماسك أجرامه، وترتفع السموات وهي قوة لا ترى، وأطلقوا عليها اسم الجاذبية، وكم لله من قِوى في هذا الكون يجد الناس آثارها ولا يبصرونها، يقول "إسحق نيوتن" المكتشف لهذا السر العظيم، سر الجاذبية، يقول: "أنا لا أعرف قدر نفسى في هذا العالم الكبير، ولكن قدري وقيمتي عند نفسي كطفل صغير على شاطئ بحر خضم يجمع الحصى الناعم والصدف"، فهو يعترف في تواضع أنه عاجز عجز الصبي أمام بحر الحقيقة أمامه، لم يخض بعد فيه ولو بخطوة، إنما هو واقف على ساحله مندهش لما يشاهد من عظمته، كل ما عنده من حقائقه بعض الأصداف التي يرميها إليه بين الحين والآخر فيلتقطها، وفي بعض ما توصل إليه العلماء من نظريات ما ينقض نظريات من سبقوهم منذ قرون، كانوا يثقون بها ويعتبرونها مسلَّمات، ولسنا ندري ما يأتي به الغد، والعجب أن بعض المبتدئين في الفلسفة يلحدون في آيات الله ويغترون بنظرياتهم ظانين أنهم فهموا وأنهم علموا!، وهم لا يعلمون إلاّ ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولهم في الغابرين أشكال من نظرائهم، قال الله تعالى فيهم: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سُنّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} (غافر:83-85)، أولئك الذِّينَ اغتروا بعلمهم، وردوا ما جاءتهم به الرسل من الآيات البينات، فلما عاينوا بأس الله ندموا على كفرهم، فلم يكن لينفعهم إيمانهم يومئذٍ، وكانت عاقبة الكافرين الخسارة الكبرى.

 

ولا يزال العلم يصدق ما جاء به القرآن، ويظهر معجزاته يومًا بعد يوم، فالعلم يكشف عن حقائق كانت رموزًا أشار إليها القرآن ولا يعرفها قدماء المفسرين ويردون العلم فيها إلى الله تعالى حتى آن أوانُها فظهرت، والحمد لله فلا يزال إعجاز كتاب ربنا يتجدد يومًا بعد يوم وصدق الله العظيم {سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} (فصلت:53)، أما مبلِّغ القرآن فقد أمره الله في القرآن أن يقول:

--------------------------------------

 

{قُلِ اِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَّاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)}

 

قل لهم يا مُحَمَّد ولمن يأتي من بعدهم حتى تقوم الساعة، قل لهم: لستُ إلاّ واحدًا من البشر، فأنا مماثل لكم في البشرية، لا فرق بيني وبينكم إلاّ الوحي الذي يأتيني من الله وبدون اكتساب مني، أما في البشرية فهو بشر مولود من أب وأم، تقلب في بطن أمه أطوارًا، وولد صغيرًا ثم تنقل في النمو أطوارًا، يمسه ما يمس غيره من البشر من حزن وسرور وتعب وراحة وجوع وظمأ وشبع وري وصحة وسقم، ويموت كما يموت الأحياء، ويدفن في الأرض كما يدفنون، فهو لا يمتاز عنهم إلاّ بعناية الله به وبأمه التي حملت به كرامة له، وتأديب الله له إعدادًا لما سيحمل من عبء الرسالة وتكاليفها، فهو لا يعلم من الغيب إلاّ علمه الله إياه وما علمه في علم الله إلاّ قطرة من بحر، هو بشر اختاره الله ليكون واسطة وبين عباده يبلغهم ما أوحى الله إليه بواسطة الملك أو بغير واسطة فهو وحي موهوب غير مكتسب {وما كنت ترجو أن يُلقى إليك الكتاب إلاّ رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرًا للكافرين} (القصص:86)، أوحى الله إليه أُسَّ الدين: وهو التوحيد الخالص، كما أوحى إليه فروع الشريعة، أوحى إلى نبيه مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أن إلهكم إله واحد لا شريك له ولا شبيه ولا مثيل ولا ند ولا كفؤ، فهو إلهكم وهو ربكم الذي خلقكم والذي رزقكم والذي يميتكم والذي يحييكم والذي إليه ترجعون، فيجازيكم على أعمالكم التي يحصيها لكم، فأنى تؤفكون، وما لكم تجعلون له شركاء تعبدونهم من دونه، وتجعلون له أندادًا تحبونهم كحبّ الله، وتخرقون له بنين وبنات بغير علم، سبحان الله وتعالى عما تشركون:

 

{إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاّ هو وسع كل شيء علمًا} (طه:98)، وكل هؤلاء الذِّينَ تعبدونهم من دون الله سيكفرون بشرككم يوم القيامة ويتبرأون من عبادتكم:

{فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

 

هذه الآية من ربنا تطهير لعقيدة التوحيد في قلوب المؤمنين، وغسل لنواياهم من كل شائبة رياء، وتنقية لأعمالهم الصالحة من كل ما يدنسها أو يبطلها، وأنواع الشرك كثيرة منها الجلي ومنها الخفي، وإن من الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل.

 

{فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} فسَّر بعض العلماء الرجاء هنا بـ: "الخوف"حتى يناسب معنى الموضوع، وقد ورد في القرآن الكريم: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا، إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا} (الإنسان:09-10)، ولقاءُ الله: فسروه بـ: "الوقوف بين يدي الله للعرض والسؤال"، فمن كان يخاف ذلك الموقف الرهيب الذي هو آتٍ لا ريب فيه:

 

{فَليَعمَل عَمَلاً صَالِحًا} فلابد من الأعمال الصالحة، وهذه من جملة الآيات الكثيرة التي تبيّن أن الإيمان وحده بدون عمل لا ينجي صاحبه يوم القيامة، فلا ينفع القول بدون عمل، بل هو من الأماني الفارغة التي من استمسك بها فقد استمسك بباطل من الوهم، والعمل الصالح هو جميع القربات التي شرعها الله في القرآن، أو سنَّها رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ بأقواله وأفعاله أو تقريراته، فهي قربات موافقة لشريعة الله يأتي بها الإنسان مؤمنًا بالله متبعًا لشريعته قاصدًا لوجهه الكريم وذلك هو الإخلاص الذي ترمز إليه الآية {وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ففيها نفي لجميع أنواع الشرك، {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا} (النساء:48)، إنه لا ينفع مع الشرك بالله عمل.

 

{فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

 

من كان يحب ربَّه ويتمنى لقاءه، واللقاء هنا: الفوز بقربه ورضاه، والخلود في دار كرامته، هذا هو اللقاء لا الرؤية كما فسَّر البعض، تعالى الله عن ذلك فهو لا يُرى، ولن يراه مخلوق في الدنيا ولا في الآخرة وقد تمدح بذلك فقال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} (الأنعام:103)، وقد ورد في الحديث الشريف: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".

 

{فَليَعمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

 

فليعمل الأعمال الصالحة الموافقة للشريعة، وليعبد الله ربه عبادة خالصة لا يشرك فيها أحدًا غيره، من دعا مع الله أحدًا فقد أشرك، ومن سجد لغير الله فقد أشرك، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، ومن أنكر وجود الله وأنكر نَبِيًّا من أنبيائه أو كتابًا أو آية من كتابه فقد أشرك، أو أنكر البعث والجزاء فقد أشرك، ومن اتبع في الشريعة سبيلا غير صراط الله فقد أشرك، ومن عمل عملا من أعمال الآخرة يريد به غير الله، يريد أن يراه الناس ويمدحوه فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك لا يقبل ما شورك فيه، لا يقبل إلاَّ عملا خالصًا لوجهه الكريم ليس فيه شائبة رياء.

 

الله الذي وسع كل شيء علمًا، تنفَدُ مياه البحار لو كانت مدادًا لكلماته ولا تنفَد كلماته، الله الذي وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهي العلي العظيم، الله ربنا وإلهنا وإله كل شيء، أمر أن لا تعبدوا إلاَّ إياه، ذلك الدين القيم.

 

تلك هي المعاني التي تقررها هذه الآية العظيمة التي ختمت بها هذه السُورَة العظيمة، وهي خلاصة ما تقدم في جو السُورَة منذ افتتاحها، وهي تسند الحمد كله لمنزل الكتاب، وتنذر بيوم لقاء الله الذي فيه البأس الشديد للذين أشركوا بربهم وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا، وتبشر الذِّينَ يؤمنون بالله ويعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ماكثين فيه أبدًا.

 

كان هذا هو المعنى الذي طرقته بداية السُورَة، وهو المعنى الذي استمر خلالها، يبرز ما بين مشهد وآخر وتوضحه الأمثلة المضروبة في أثنائها، وهو المعنى الذي سيقت من أجله قصة: أصحاب الكَهف، وقصة: موسى والخضر ـ عليهما السلام ـ، وقصة: ذي القرنين الملك الصالح الذي سار في أرض الله ينشر فيها الدين ويدعو إلى الإيمان.

 

بعد كل تلك الحقائق الجلية المعروضة تختم السُورَة بهذه الآية البيّنة تقرر القرار الأخير الذي يبيّن مصير المؤمنين العاملين المخلصين عند الله يوم القيامة، فهم وحدهم الذِّينَ ينعمون بلقاء ربهم، وجاءت إضافة الرب إليهم مرتين إضافة تشريف وتقريب وتذكير وحفاوة وإكرام لمن اتبع الذكر.

 

{تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} (الرحمن:78).

 

نسأل الله ربنا ورب المؤمنين ورب كل شيء ومَلِيكه أن يجعلنا من الذِّينَ يسعدون بلقائه، وسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

والحمد لله ربّ العالمين..

 

تم تفسير سُورَة الكَهف