إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة مريم: الآيات ( 1 - 15 ) قصة زكريا ويحيى
طباعـة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

--------------------------------

 

هذه سُورَة "مريم" تُسَمَّى بهذا الاسم، والأسماء توقيفية، تُسَمَّى السُورَة غالبًا بما يذكر فيها أو تنفرد بذكره من بين أخواتها، وهنا في هذه السُورَة تأتي قصة مريم ابنة عمران: أم عيسى المسيح ـ عليهما السلام ـ مفصلة.

( كهيعص ):

وتفتتح السُورَة بالحروف الهجائية المقطعة، بخمسة حروف وهو أقصى عدد تصله فواتح السور مثل سُورَة الشورى {حم عسق}، ومنها ما يفتتح بأربعة: {ألمص}، {ألمر}، ومنها بثلاثة {ألم}، {ألر}، ومنها بحرفين {يس}، {طه}، ومنها ما هو بحرف واحد {ص}، {ن}، {ق}، ولم يرد فيها تفسير عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ، ولذا لم يتفق المفسرون على معنى لها، بل تعددت تآويلهم، وهي كلها ظنية ليست قطعية.

 

قال بعضهم: هي أسماء السور المفتتحات بها مثل ما نقول سُورَة "يس"، وسُورَة "ص"، وسُورَة "ن والقلم"، ولكن هذا الاستعمال في المفتوحة بالحرف الواحد لخفته على اللسان، وقال آخرون: كل حرف منها بداية اسم من أسماء الله تعالى، فالكاف يرمز إلى "كافٍ"، والهاء يرمز إلى "هادٍ"، والياء يرمز "لاسم في علم الله"، والعين يرمز إلى "عليم"، والصاد ترمز إلى "صادق"، وجعلها بعض دلالة على بعض حسابات، واستدلوا بها على بعض أمور غيبية وأغرقوا في النزع، وابتعدوا عن الصواب، وقال آخرون: هي بمثابة حروف تنبيه في أوائل السور، وقال آخرون: هي رمز للإعجاز القرآني، أي أن هذا القرآن منزل بلغتكم التي تنطقون بها أيها العرب مؤلف من حروفكم الهجائية المعروفة، ولكنكم تعجزون عن الإتيان بسُورَة من مثله، وما هذا إلا برهان على أنه من عند العزيز الحكيم، وكل ما قاله القائلون إنما هو تخمين وظن، ليس يقطع به، والله أعلم بمراده من ذلك، ثم ندخل في تفسير السُورَة حسبما يتيسر لنا من معاني سائرها:

 

{ذِكرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيَّاءَ}

 

أقرب ما قيل في تفسير هذه الآية أن كلمة {ذِكرُ}خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا ذكر رحمة، {ذِكرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيَّاءَ}، أي اذكر لهم يا مُحَمَّد ذكر رحمة ربك عبد زَكَرِيَّاء، واضطرب المفسرون في وجوه أخرى لإعراب الآية وليس يسع تفسيرنا هذه الاضطرابات، فلنأخذ بأشهرها وأقربها إلى الفهم، وهو بيان الرحمة التي أضيفت إلى الرب، وإضافة اسم الرب إلى النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إضافة تشريف وتكريم، وإضافة العبد زَكَرِيَّاء إلى ضمير اسم الجلالة إضافة تكريم وحفاوة، وزَكَرِيَّاء هذا نبي كريم من أنبياء بني إسرائيل من ورثة موسى ومن حملة التوراة من بعده، يدعوا إلى الرشد ويحكم بما أنزل الله فيها بين بني إسرائيل.

 

{إِذ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}

 

هذه الرحمة مَوقعها حين نادى العبد الصالح زَكَرِيَّاء ربه نداءً خفيًا بما سيأتي بيانه، إنما كان هذا النداء في خلوة في مكان خفي لا يسمعه إلاَّ الله تعالى، نداء ذو صوت مرتفع غير خافت، ولكنه في خفاء بعيد عن رؤية الناس وسمعهم، وفي هذا التعبير إشارة إلى أن أقرب الدعاء إلى الإخلاص وحضور القلب ما كان في خلوة، وقد يكون من الدواعي التي دعت زَكَرِيَّاء إلى إخفاء النداء أن لا يسمعه من يخافهم من الموالي كما سيأتي.

 

{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي وَاشتَعَلَ الرَأسُ شَيبًا وَّلَمَ اَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَّإِنِّي خِفتُ الْمَوَالِيَ مِن وَّرَائِي وَكَانَتِ اِمرَأتِي عَاقِرًا فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ _الِ يَعقُوبَ وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا}

 

قال سيدنا زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ في ندائه لربه: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي وَاشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا}

 

الوهَن: الضعف، والاشتعَال: مجاز لانتشار الشيب في رأسه ولحيته انتشارًا حثيثًا، وهي علامة للكبر ودنو الأجل، فهو تعبير بليغ عن الضعف والهرم، وهذا التقديم للاسترحام، والله أعلم به وبضعفه وشيخوخته ثم قال: {وَّلَمَ اَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}، زاد فاستعطف ربَّه، فقال: وما كنتُ شقيًّا بدعائك ربي، فقد عودتني الإجابة، واسعدتني بحفاوتك، وأنت الحفي بمن دعاك، فكن عند حسن ظني ورجائي، واستجب دعائي يا من هو لمن رجاه قريب.

 

{وَإِنِّي خِفتُ الْمَوَالِيَ مِن وَّرَائِي}

 

الموالِي: أبناء العمومة والأقارب، خافهم على التوراة أن يُحرِّفوها ويبدلوها ويضيعوها، وشعب بني إسرائيل شعب غليظ الرقبة، عنيد، يقتلون الأنبياء بغير حق، وسيقتلون زَكَرِيَّاء نفسه، قال:

 

{وَكَانَتِ اِمرَأَتِي عَاقِرًا فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ _الِ يَعقُوبَ وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا}

 

وكانت امرأة زَكَرِيَّاء عاقرًا طول عمرها، لَم تلد، فطلب من الله ولدًا صالحًا رضيًّا يرثه، وميراث النبييّن الحكمة، فهم لا يرثون درهَمًا ولا دينارًا، إنما ميراثهم ما أتاهم الله من الهدى والحكمة، خاف سيدنا زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ من التوراة أن ينالَها بنو إسرائيل بالتحريف والتغيير، فدعا ربه أن يهب له غلامًا رضيًّا يرث عنه التوراة ويرث عن آل يعقوب، ويعقوب هو جد بني إسرائيل، وهو إسرائيل، طلب من الله وليًّا، وطلب أن يكون هذا الولي رضيًّا، يرضاه الله لتقواه وصلاحه، ويرضاه الناس لِسَعة صدره وحسن أخلاقه، لكي يلتفُّوا حوله ويتبعوه ولا ينفروا عنه ويتركوه، فاستجاب الله دعاءه وناداه:

{يَا زَكَرِيَّاءُ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمُهُ يَحيَى لَم نَجْعَلْ لَّهُ مِن قَبلُ سَمِيًّا (7)}

 

يا زَكَرِيَّاءُ أبشر فقد استجبنا لدعائك، وإنا سنهب لك ولدًا اسمه "يَحيَى" سماه الله قبل أن يولد باسم لم يسم به أحد قبله فهو "يَحيَى" باللغة العربية و"يوحنا" بالعبرانية، والسميّ هو الشبيه في الاسم عن أهل اللغة، وعند بعضهم الشبيه في الخصال.

 

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاًمٌ، وَّكَانَتِ امرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا (8)}

 

تعجَّب سيدنا زَكَرِيَّاءُ، كيف يأتيه الغلام بعد أن جاءته به البشارة المحققة من الله! فسأل ربَّه يا ربِّ كيف يكون لي غلام وامرأتي عاقر لَم تلد منذ تزوجت بها؟!، وأنا كبير السن وقد بلغت من الكبر عُتيًّا، والعُتِيُّ من الكبر: عندما تتصلب الشرايين، ويغيض ماء الشباب من المفاصل، فيشكو الشيخ وجع المفاصل، ويضعف عن الحركة، تعجب زَكَرِيَّاء من الولادة بعد الشيخوخة والعقم وقال: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ}، ولم ينكر ذلك بل آمن بوعد ربِّه واطمأن إليه، وإنما رغب إليه أن يعرِّفه بكيفية ذلك، فأجابه الله:

 

{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَّقَد خَلَقتُكَ مِن قَبْلُ وَلَم تَكُ شَيئًا (9)}

 

قال كذلك أمْرُ ربِّك وحُكمُه، إذا أراد شيئًا يكون كما أراد، وهو عليه هَيِّن سهل، وقد خلقتك يا زَكَرِيَّاء من العدم وما كنت شيئًا، ضرب الله له المثل بخلقه من العدم لِيَعلَم أن ولادة عاقر من شيخ كبير أهون من خلق الأشياء من العدم، وهما في قدرة الجبَّار الخالق سيَّانُ.

 

{قَالَ رَبِّ اجعَلْ لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)}

 

قال زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ ربِّ اجعل لي آية، أي علامة تعرفني بتحقق وقوع ما بشرتني به من الولد، وما ذلك من زَكَرِيَّاء شكٌّ في وعد الله، فقد آمن، ولكن يريدُ العلامة ليطمئن قلبه كما طلب جدُّه إبراهيم ـ عليه السلام ـ آية الخلق من ربه ليطمئن قلبَه، فوافقه الله إلى ما طلب، وقال آيتك ألاَّ تُكلِّم الناسَ، أي يَحتَبِسُ لِسَانك عن كلام الناس، ولا يَحتَبِس عن ذكر الله لمدة ثلاثة أيام بلياليها، وهذه كرامة لزَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ، لا يُكلِّم الناس وهو سَوِيُّ البدن سليم اللسان، ومظهر المعجزة أنَّه يذكر الله بلسان فصيح، لكن لا يقدر على مكالمة الناس المدة المذكورة كلُّها، تلك هي الآية التي جعلها الله لعبده زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ لوقوع الولد الموعود في بطن المرأة العاقر.

 

{فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ مِنَ الِمحرَابِ فَأَوحَى إِلَيهِمُ أَنْ سَبِّحُوا بُكرَةً وَّعَشِيًّا (11)}

فلما حان الموعد لما أراد الله تحقيقه خرج زَكَرِيَّاء على قومه بني إسرائيل من مِحرابه وهو ساكتٌ لا يقدر على الكلام، فأشار إليهم بيده التسبيح صباحًا ومساء، {فَأَوْحَى إِلَيهِم}: أي أشار إليهم أن سبحوا الله واذكروه بُكرة وعشيًّا، وهو يذكر الله كما أمره، {واذكر ربَّك كثيرًا وسبح بالعشي والابكار} (آل عمران:41).

 

بقي ثلاثة أيام بلياليها في بيت العبادة يذكرُ اللهَ ويسبحه، ولا يكلم بني إسرائيل وهو نبيهم ورسولهم، والقائم بشؤون دينهم، ولكنه أمْرُ الله وآيتُه لابدَّ وأن تظهر وتستوفي مدتها، وفي ذلك موعظة وذكرى لأولى الألباب.

 

ثُم ينتقل المشهد القرآني إلى مخاطبة الابن الصالح الذي تحققت بولادته آية الله، فها هو بعدما ولد يتلقى حكم الله في صباه قبل أن يبلغ مبلغ الرجال، وتلك آية أخرى وكرامة من الله لهذا المولود الكريم.

---------------------------

 

{يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيًّا (12) وَّحَنَانًا مِن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَّكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَم يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلاَمٌ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَيَومَ يُبعَثُ حَيًّا (15)}

 

نداء من الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ لهذا المولود باسمه الذي اختاره الله له، وهذا النوع من النداء الذي يقرن باسم المنادى فيه تشريف وحفاوة بالمنادى يشعر به الناس فيما بين بعضهم البعض، وناهيك إذا جاء من الله عز وجل.

 

كذلك شرّف الله عبده حين كرَّمه وقرَّبه بهذا النداء الذي أمره فيه بأخذ الكتاب بقوة وعزيمة على الإيمان به كلِّه والعمل بجميع ما فيه، وأن يدعُوَ إلى ذلك قومَه بني إسرائيل، وفي إعداد الله عبده يَحيَى لأخذ الكتاب بقُوَّة استجابة لدعوة أبيه زَكَرِيَّاء الذي رغب إلى الله أن يهب له وَلِيًّا يرث عنه الكتاب والحكمة والقيام على قومه بنِي إسرائيل في رقابتهم وحملهم على العمل بما في الكتاب، وهذا الكتاب هو التوراة الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ، وكان أنبياء بني إسرائيل يتوارثونه ويحكمون به ويدعون إليه، والقوَّةُ المقصودة هنا: ليست هي الإكراه والجبر، بل هي: العزيمة والصبر على الدعوة إليه والعمل بكل ما فيه، والصبر على أذى السفهاء من قومه، وقد كانوا يؤذون أنبياء الله ويقتلونهم، ثم إن الله تعالى أخبرنا أنه آتى يحيى الحكم صبيًّا، وذلك استجابة لعبده زَكَرِيَّاء الذي بلغ من الكبر عتيًّا، حتى يطمئن على ما خاف ضياعه من ميراث العلم والحكمة.

 

وإيتاء الحكم: يعني به إيتاء النبوة والوحي، أوحى الله إليه صبيًّا، كما أوحى إلى ابن خالته عيسى صبيًّا، وقد أعدهما الله إعدادًا خاصًّا لتلقِّي هذا الأمر العظيم في سن مبكرة، وزاده مع الحكم حنانًا في قلبه، وهو الخُلق العظيم الذي يكون سببًا لنجاح النبِي في دعوة قومه واجتذابهم إليه، والحنانُ: هو رِقَّة ورحمة وحب وعطف، تكون في قلوب من أعدهم الله لإرشاد عباده ورعايتهم، حتى يلتفوا حوله ولا ينفضوا عنه كما جاء في القرآن في وصف رسول الله مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159).

 

وجعله الله زكيًّا، والزكاء: هو الطهارة، طهارة النفس والروح، وطهارة القلب والبدن من الأدران والآثام، وكان تقيًّا لله مطبوعًا على التقوى، والتقوى: هي جماع الخير، وتكون في القلب فيصلح بصلاحه الجسد، وهي خشية الله ومراقبته واتقاء سخطه باجتناب الغفلة عن ذكره في حق أنبياء الله وأوليائه المقربين، وبهذه الأوصاف الثلاثة العظيمة: الحنان والزكاة والتقى، تحققت رغبة العبد الصالح زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ في كون ولده رضيًّا، فهو مرضي الأخلاق، مرضي الأقوال والأفعال، وهبة من الله من لدنه حفاوةً به وإكرامًا له ولأبيه، وحنانًا وزكاة وتقوى، وجعله برًّا بوالديه، وبِرُّ الولد بوالديه من أعظم نعم الله على الوالد والولد، وقد رفع الله مقام الأبرار وأجزل مثوبتهم وأثنى عليهم ثناء جميلا، فيا طوبى لهم وطوبى لهذا الولي الذي لا زال ثناء الله عليه يتعاظم في سرد هذه الأوصاف إثباتًا لطيِّبِها ونفيًا لخبيثها، ولم يكن جبارًا عصيًّا، نفى عنه الجبروت والمعصية؛ لأنها ليست من أخلاق الأنبياء والمرسلين.

 

{وَسَلاَمٌ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَيَومَ يُبعَثُ حَيًّا}

 

ثلاثة أطوار من أطوار تقلبات الإنسان في الدنيا والآخرة وهي كلُّها أطوار ضعف يكون فيها أحوج ما يكون إلى الرحمة والسلام: يومَ ولادته ضعيفًا، ويوم موته وانتقاله وحيدًا من الدنيا إلى الآخرة، وما يتبع الموت من دخول القبر، ويوم يبعث يوم القيامة للحساب والجزاء، وهو أخطر الأطوار وأحوجها إلى السلام، والسلام: هو السلامة والمعافاة من كل مكروه وسوء، والموت مكروه لا بد منه، وسلامة يَحيَى فيه: هي تخفيف شدته وتهوين سكراته عليه، وجعل ما بعده خيرًا مما قبله، وسلامة البعث: هي استقباله بالبشارات بحسن المصير.