إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
مريم: الآيات ( 16 - 40 ) قصة مريم وعيسى عليهما السلام
طباعـة

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)

------------------------------------

 

هكذا يذكر الكتاب في سياق عجيب القصة الثانية في هذه السُورَة، قصة مريم التي نُسبت السُورَة إليها وسميت باسمها؛ لبسط القصة فيها بتفصيل وهي أيضًا القصة الخامسة من القصص المتوالية في هاتين السورتين المتتاليتين: "سُورَة الكَهف، وسُورَة مريم"، قصة أصحاب الكَهف، وقصة موسى والخضر ـ عليهما السلام ـ وقصة ذي القرنين، ثم قصة زَكَرِيَّاء وقصة مريم وأمرهما عجيب كالتي في السُورَة السابقة، أسرار وحكم ربانية، وخرق لسنن الله في خلقه بإذن خالق الكون مدبر الأمر، ولله في خلقه شؤون، وما من قصة من هذه القصص إلاَّ وراءها أسرارٌ وأسرار، يولد ولد من غير أب، هذا أمر لَم يقع في الأرض في هذه البشرية منذ خلق آدم، ولن يقع حتى تقوم الساعة: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}(آل عمران:59).

 

ثم كانت قصة ولادة مريم من غير ذَكرٍ آية للعالمين، قال ـ تَبَارك وتعالَى ـ: {وجعلناها وابنها آية للعالمين} (الأنبياء:91)، لقد كان حملها بعيسى آية وامتحانًا من الله، وابتلاء لهذه البنت العذراء العفيفة المؤمنة؛ ليرفع الله درجتها في العالمين، ولم يذكر في القرآن امرأة باسمها غيرها، وذلك تشريف لها ورفع لمقامها بين نساء العالمين، جاء ذكرها في القرآن الكريم مكررًا ونوديت باسمها غير مرة.

 

{وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انْتَبَذَت مِنَ اَهْلِهَا مَكَانًا شَرقِيًّا}

 

واذكر يا مُحَمَّد في كتابنا مريم، هذه المرأة المصطفاة التي نشأت في بيت طاهر، واصطفى الله أهله على العالمين، كما اصطفى من قبل آل إبراهيم، نشأت في بيتها طاهرة وفي بيت المقدس، ذلك أن أمها نذرتها لله، لعبادته وخدمة بيته، {إذ قال امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} (آل عمران:35)، نذرت امرأة عمران ما في بطنها لله ولخدمة بيته، وكانت ترجو أن يكون المولود ذكرًا كي يصلح لخدمة البيت، ولكن الله شاء أن يكون أنثى، ويتقبلها بقبول حسن، وينبتها نباتًا حسنًا يحفها بعنايته ولُطفه وأرزاقه، فنشأت في هذا الجو القدسي نشأة صالحة زكية، وأعاذها الله وذريتَها من الشيطان الرجيم، استجابة لدعوات أمها، والتعبير بالإنبات: تعبيرٌ فيه ما فيه من الروعة والبلاغة، لا سيما وقد وُصِف بالحُسن، فهو يوحي بعناية الله البالغة، وألطافه المتصلة التي لا تنفك عن مريم لحظة من اللحظات، وهي تنمو نمو النبات الحسن.

 

لقد كانت العناية من قبل الله تتولى كل شأن من شؤون مريم وإن كانت الكفالة الظاهرية من زَكَرِيَّاء، فقد ألقى الله القبول في قلوب ذويها فتنافسوا في كفالتها، واقترعوا بالأقلام يُلقونَها في نهر من ماء أيُّهم يكفل مريم، فجرف الماء أقلامهم إلاَّ قلم زَكَرِيَّاء فإنه جرى على عكس اتجاه الماء، وتلك إشارة من الله أنه هو الذي يكفل مريم، وهو زوج خالتها، وقيل هي أختها، فكفل هذا النبي الصالح القائم بالتوراة هذه العذراء البتول، ورأى عندها من الكرامات الربانية ما رأى، كان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، قيل كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيتعجب ويسأل: أنَّى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، إنَّ الله يرزق من يشاء بغير حساب، ويبدو أن هذا الرزق يتجدد ويتنوع؛ لأن التعبير بالنكرة بعد: "كلما"، يدل على ذلك، ولأنه لو كان نوعًا واحدًا لظنه بقية الأول.

 

اذكر يا مُحَمَّد في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شَرْقِيًّا، إذ اعتزلت أهلها، وقصدت مكانًا شَرْقِيًّا، لبيت المقدس، تفردت فيه بعيدة عن الناس، وما هي علة هذا الانتباذ؟

 

قيل: إنما ابتعدت عن المسجد الأقصى، واعتزلت عن محرابها فيه؛ لأجل الحيض الذي أتاها، وذلك أن حيضة أتتها قبل حملها بالمسيح، وهي في سن الثالثة عشرة.

 

وقيل: في الرابعة عشرة، وقيل أكبر من ذلك، عكفت في ذلك المكان البعيد أيام حيضها، ريثما تطهر ويزول الأذى فلما طهرت جاء أمر الله.

 

{فَأَرسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}

 

أرسل الله إليها الروح جبريل ـ عليه السلام ـ فتمثل لها في صورة بشر سوي، تام الخلقة، جميل الصورة، حسن الهيئة، وقد يتمثل الملك بإذن الله في صورة آدمي.

 

{قَالَتِ اِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}

 

ذُعرت المرأة الضعيفة، وخجلت وخافت منه سوءًا، فاستعاذت بالرحمن، وتصوروا كم تعظم دهشة امرأة تقية عفيفة تنشأ منفردة، في بيت العبادة في بيئة طاهرة لا يخطر السوء ببالها، كم تكون دهشتها عظيمة حين تجد بجانبها في خلوتها شابًا وسيمًا سَوِيًّا، كم يكون ذعرها شديدًا من هذا الفتى، فما أعظمها محنة من الله لمريم البتول بهذا الشاب الرسول، ولذلك ما لبثت أن نطقت بالاستعاذة ملتجئة بها إلى ربها الرحمن الذي لا راحم اليوم لضعفها سواه.

 

{قَالَتِ اِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}

 

تذكره بالله إن كان تقيًا، أي فاجتنبني إن كنت متقيًا لله، وما تدري أن الله هو الذي أرسله إليها، وقال بعض المفسرين: {إِن كُنتَ تَقِيًّا}

 

أي ما كنت تقيًا، جعلوها نافية غير أني أرى الروعة في المعنى الأول؛ لأن الوعظ والتخويف به أبلغ، وهو نظير قوله تعالى: {يا أيها الذِّينَ آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (البقرة:278).

 

{قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا}

 

أجابها قائلا: ما جئت إلاَّ مرسلا من الله ربُّك الذي أنبتك نباتًا حسنًا، ورزقك وحفَّك بألطافه.

 

اختيرت الإضافة إلى الرب ليذكرها بنعمه وألطافه، ولتعلم أن هذه الهبة من جملة نعمه، ورزقه فلتتقبلها من الله برضا وصدر منشرح، والواهب هو الله، وما المَلَكُ إلاَّ مبلغ للهبة حامل لها وفي بعض القراءات: {لِيَهَبَ} لك ولدًا ذكرًا زكي النفس والقلب، صالح الأفعال مَرضِيًّا.

 

{قَالَتَ اَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَّلَم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَّلَمَ اَكُ بَغِيًّا}

 

تعجبت وقالت كيف يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟ إنها لا عهد لها بالأمور الجنسية، ولكن الصدمة أثارتها فتكلمت ولم تصرِّح، وكَنَّت بالمسيس عن الجماع حياء منها، وبما أن المسيس يشمل الحلال والحرام وهي لم يسبق لها زواج زادت فصرحت بنفي النوع الثاني منه وهو الحرام، والبغي: هي المرأة الزانية، نفت عنها البغاء تشبثًا بعفافها، وهو كلام يدل على شدة وقع الصدمة على هذه المرأة المسكينة في محنتها هذه، ولولا دهشتها لأدركت أن الغلام الزكي الذي يأتي هبة من الله لا يكون بطريق البغاء، ولكنها الدهشة المفاجئة أنطقتها بما نطقت به.

 

{قََالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَّلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَّكَانَ أَمرًا مَّقضِيًّا}

 

قال لها الملَك: كذلك قال ربك، أي هو قول ربك وحكمُهُ، وأمره لا بد مقضي، ذكَّرها بالله وبقوله، لتعلم يقينًا أن الهبة من الله، وأن الأمر أمره حتى تطمئن إلى قول الله وأمره، ويسكن روعها، وتذهب عنها الهواجس، فليس ثمة ما ينكر، وأضيف القول إلى الرب، كما أضيفت الرسالة إليه من قبلُ، تذكيرًا لها بربها الذي سبق إحسانه إليها، فلتطمئن إليه فإنه لا يخزيها.

{قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ }

 

هذا الأمر الذي تتعجبين منه هيّن سهل ميسور في إرادة الله وقوته.

{وَّلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ}

قال الله تعالى: لنجعل هذا الأمر آية للناس، تُريهم قدرة الله على خرق سننه في الخلق متى شاء، فليست السنن المطردة إلاَّ بأمره وقدرته، وربما يظن كثير من الناس أن جريان الأمور على سننها حتم لا يمكن تغييره، ويغفلون عن قدرة الخالق المدبر الحكيم الفعال لما يريد، فاقتضت حكمة الله أن يُريَهم في بعض الأحيان بعض الخوارق التي تجري على خلاف ما يعتادونه؛ ليعلموا أن الله هو الذي أجرى هذه الأمور على سُنَن خَلَقَها وأرادها، وأن الله متى شاء خرقها وغيّرها، وفي ذلك تنبيه من الله عظيم للناس، إن كل شيء بإرادة الله وأمره، لا يعجزه شيء، ولا يستحيل في إرادته شيء.

 

{وَّلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا}

 

كان هذا الأمر بإرادة الله آية للناس ورحمة من الله، نعم رحمةٌ من الله لخلقه أن يرسل إليهم غلامًا زكيًا من امرأة زكية عابدة، من بيت اصطفاه الله، ليدعوهم إلى الله، وليخرجهم من الظلمات إلى النور.

{أَمرًا مَّقضِيًّا}

 

هو أمر قضاه الله وقدَّره، وأمر الله لابدَّ واقع لا رادَّ لأمره ولا معقب لحكمه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، نعلم أن الله على كلَّ شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، قُضِي أمر الله بما أراد وقدره.

{فَحَمَلَتهُ فَانتَبَذَت بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}

 

لا ندري كيفية حمل مريم لهذا الجنين، وإن كان بعض المفسرين ذكروا أن جبريل ـ عليه السلام ـ نفخ في جيب درعها، وليس في القرآن ذكرٌ لِهذا، ولو تعلق به غرض لذكره الله تعالى، وأسند الله النفخ إلى نفسه في موضع آخر من القرآن، ففي سُورَة التحريم {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتابه، وكانت من القانتين} (التحريم:12)، وفي سُورَة الأنبياء: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ءاية للعالمين} (الأنبياء:91)، وكذلك يقول عز وجل في خلق أبينا آدم: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر:29)، ولا يفسِّر القرآن مثل القرآن، فلنؤمن بهذا النفخ، ولنترك السؤال عن الكيفية، والروح من أمر ربي وما أوتينا من العلم إلاَّ قليلا.

 

حملت مريم بعيسى ومضت تلتمس مكانًا بعيدًا عن قومها تنفرد فيه بعبادة ربها، ولا يعلم إلاَّ الله ما في ضميرها من الخواطر بهذا الحمل الذي سيولد من غير أب، ماذا تكون أقوال الناس فيه؟ ولكنها تفوض أمرها أخيرًا إلى ربها، وهو الذي يجعل لها من أمرها يسرًا، وهي مُصدِّقة بكلمات ربها وكتابه، مؤمنة قانتة لله، خاضعة له خاشعة تملأ به وجدانها فليس للشيطان إليه سبيل.

 

{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخْلَةِ قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نِسيًا مَّنسِيًّا}

 

أجاءها فعل رباعي من "أجاء" مزيد بالهمزة، أي ألجأها المخاض ـ مقدمات الوضع ـ وهي حالة تعرفها الحوامل، تحس فيها أن ما في بطنها على وشك الخروج، لما أحست ذلك التجأت إلى جذع النخلة، وكأنها نخلة كانت معروفة عندهم وليس البلد بلد نخل، ولذلك عُرِّفت بالألف واللام، التجأت إليها لتمسك بجذعها عند الطلق لعلّها تجد بذلك قوة تعينها على الولادة، وما تدري أن الله قد جعل لها على رأس هذه النخلة المباركة رُطبًا يكون لها أفضل غذاء وأنفعه، ركضت هنالك وحيدة وفي قلبها ما الله به عليم من الهواجس.

 

ها قد أصبح الأمر حقيقة واقعة، وها هو المولود سيستهل بعد لحظات، فماذا تقول لقومها، ومن يصدقها منهم؟ إنه أمر عظيم أحست به مريم وهي راكضة للولادة.

 

{قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نِسيًا مَّنسِيًّا}تَمنت أن تكون ماتت قبل هذه الحالة، وكانت خرقة من ثوب بال مرمية منسية، إنها صدمة عنيفة هي من الله محنة وبلاء مبين لهذه المرأة التي أراد الله أن ينقي عنصرها، ويرفع درجاتها عنده حتى تكون أفضل نساء العالمين، ويريد الله أن تكون محلا لظهور هذه الآية العظيمة التي ستبقى ما بقي الزمان، يتناقلها الناس، ويهتدون بها إلى قدرة الله الفعال لما يريد، لقد كان الله حَفِيًّا بمريم، فلم يتركها في هذه الحيرة طويلا، فما إن خرج منها المولود الذكر، وصار حقيقة واقعة حتى خاطبها بلسان فصيح خطابًا تفهمه، يزيل عنها الحزن ويسري عنها ما بها من الحيرة والاضطراب.

---------------------

 

{فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا وَّهُزِّي إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تَسَّاقَط عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وِاشرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمَنِ صَومًا فَلَنُ اكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا}

 

كانت هذه الكلمات التي خاطبها بها ولدها بصوت مرتفع في تعبير فصيح تفهمه جيدًا وتأنس إليه.

{فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا} أي في ساعة الولادة، وبعدها مباشرة جاءت {أَنْ}: وهي تفسيرية، {لا تحزني}: أزيلي عنك الحزن وسري عن قلبك، فإن ربك سيجعل لك من أمرك يسرًا، فاشتغلي بطعامك الذي هيأه الله لك، ولا تشتغلي بما وراءه فإن الله معك ولن يخزيك.

 

{قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا}

 

وهنا تأتي كلمةُ الرب التي تدل على التربية والعناية والكفالة والحفظ، مضافة إليها تذكيرًا لها على ما سلف من إحسان الله إليها، وكما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي، ما دامت تعبُده وتتوكل عليه.

 

{قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا}

 

قد خلق ربك وأنبع لك سَرِيًّا: أي نهرًا صغيرًا، تحتك قريبًا منك، وخلق لك الرطب في النخلة قريبًا منك، فما هو إلاَّ أن تهزي إليك بجذع النخلة حتى يتساقط عليك الرطب الجني، الرطب الناضج المتهيئ للأكل، فكلي منه واشربي من السري العذب، وقري عينًا، وانبذي عنك المخاوف والأحزان، أربع كرامات تتحقق لهذه المرأة القصَّية عن قومها، ولكن الله معها فهو عندها يهيئ لها من أمرها مرفقًا.

 

الكرامة الأولى: إن الله أنطق لها وليدها تحتها في لحظة الولادة؛ ليطمئن قلبها، ويزيل ما به من خوف وحزن.

الكرامة الثانية: إن الله خلق لها على رأس النخلة رطبًا جنيًا، وليس البلد بلد نخل وتمر، ولا الوقت وقت جني الرطب.

الكرامة الثالثة: إن الله أنبع لها سَرِيًّا من ماء، وما كان موجودًا من قبل.

 

الكرامة الرابعة أنها تهز جذع النخلة فيطاوعها ويلقى عليها الرطب الجني الكثير، وهذا يفهم من قوله: {تَسَّاقَطْ} عليك رطبًا جنيًا، فكأن النخلة كلُّها تَسَّاقَطُ رطبًا لكثرته، ولم يقل يَسَّاقَطُ الرطب وهذا المعنى يدركه أهل البلاغة.

 

ثم إن الله اختار لها الرطب، ولو شاء لساق لها رزقًا غيره؛ وما ذلك إلاَّ لأن الرطب أوفق طعام لها ولوليدها تحنكه به وهذا ما يقرره الأطباء، ثم إن الله كلّفها أن تهز جذع النخلة؛ وما هذا إلاَّ لأن حركتها أرفق بها، وليعلَّمنا الله أن التسبُّب في طلب الرزق عبادة، وأن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وأن تظهر معجزته وقدرته بمطاوعة جذع النخلة الغليظ لسواعد امرأة نفساء ضعيفة، ولعل هناك كرامات غير هذه لم تذكر فقد يكون يسَّر عليها أمر الولادة، وخفّف عليها آلام الوضع، والله على كل شيء قدير، أطعمها الله وسقاها ثم أرشدها إلى أمر تعتصم به عند مقابلة أهل بلدها، حتى ترجع إليهم وهي تحمل طفلها.

 

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمَنِ صَومًا فَلَنُ اكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا}

 

إن رأيت أحدًا من الناس عند رجوعك إلى قومك فقولي: إني نذرت صومًا لله: أي صومًا عن الكلام، فلن أكلم اليوم إنسيًّا، اختار لها كلمة النذر حتى يحترم قومها نذرها؛ لأنهم مؤمنون يعلمون حرمة النذر، والصوم المقصود هنا هو الإمساك عن الكلام، وليس الصوم عن الطعام والشراب؛ لأن القرآن بينه وربطه بالفاء التفسيرية، ولأنه لا يشرع لامرأة نفساء أن تصوم فرضًا ولا نفلا.

--------------------------

 

{فَأَتَت بِهِ قَومَهَا تَحمِلُهُ قَالُوا يَا مَريَمُ لَقَدْ جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا (27) يَا أُختَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوءٍ وَّمَا كَانَتُ امُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتِ اِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا اَينَ مَا كُنتُ وَأَوصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَم يَجعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَمُوتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ قَولُ الحَقِّ الذِّي فِيهِ يَمتَرُونَ (34)}

 

فرجعت إلى قومها قادمة إليهم من المكان القصي، وهي تحمل طفلَها الصغير متوكلة على ربها معتصمة به.

{قَالُوا يَا مَريَمُ لَقَد جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا}

 

نادوها باسمها؛ لأنهم عرفوها يقينًا، ورأوها تحمل الولد وترضعه، قالوا لها: قد جئت أمرًا عظيمًا فظيعًا ولا أفظع من ولادة من غير زواج، وما عهدوا ولا سمعوا منذ أبيهم آدم ولدًا من غير أب، فلم يخطر ببالهم إلاَّ أسوأ الظنون، ولذلك أردفوا قائلين لها

 

{يَا أُختَ هَارُونَ}

 

تكلم أهل التفسير في هارون هذا المذكور في الخطاب، ولا نعلم لها أخًا من النسب اسمه هارون، ولو نعلمه لكان هو المقصود، بل قال المفسرون: "إنه رجل صالح من قومها شُهِرَ بالعفاف والبر والتقى"، وكان الناس يتبركون بتسمية أبنائهم باسمه، حتى قيل: "إنه لما مات حضر جنازته أربعة آلاف شخص اسمهم هارون"، فنسبوها إليه بأخوَّة الدين والشبه في العبادة والصلاة والتبتل، وقال بعضهم ـ وأرى هذا القول سخيفًا ـ: "إنما قصدوا اتهامها بشخص اسمه هارون كان مريبًا عندهم"، ولا أرى هذا.

 

ولا مانع أن تكون هذه الأخوَّة نسبة لقبيلة مريم إن كانت من ذرية هارون أخي موسى ـ عليهما السلام ـ، وفي التعبير العربي الشائع إذا أرادوا نسبة شخص إلى عشيرة قالوا يا أخا بني فلان، وقد يحذفون البنوَّة ويلغونها، وينسبون إلى اسم القبيلة أو العشيرة الذي هو اسم جدِّهم فيقولون مثلا: "يا أخا العرب"، "يا أخا قريش"، "يا أخا هذيل"، وهذا مستعمل كثيرًا في كلامهم.

 

{مَا كَانَ أَبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَّمَا كَانَتُ امُّكِ بَغِيًّا}

 

عرف الناس معنى الوراثة منذ القدم، ولذلك تعجبوا من مريم أن يصدر منها هذا وهي بنت الأطهار الأعفة الأبرار، قالوا لها: ما عُرف أبوك بالفجور، وما كانت أمك زانية، فمن أين أُصِبْتِ بهذا الخُلق الرديء الفاضح، ومن أين جئت بهذا الولد؟

{فَأَشَارَتِ اِلَيهِ}لَم تكلمهم، وقد قالت لهم من قبل: {إِنِِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمَنِ صَومًا فَلَنُ اكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا}، فأشارت إلى الولد وهو يرضع، أي كلِّمُوا هذا واسألوه، فتعجبوا من إشارتها وقالوا:

 

{كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهدِ صَبِيًّا}

 

أتهزئين بعقولنا؟ كيف نكلِّم صبيًّا في المهد ولا يفعل هذا عاقل؟ قيل: كان الصبي يرضع ثدي أمه، فلما أشارت إليه ترك الثدي والتفت إليهم متكئًا على اليسرى مشيرًا بسبابته اليمنى مخاطبًا لهم بلسان فصيح:

-------------------------

 

{قَالَ إِنِّي عَبدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَّجَعَلَنِي مُبَارَكًا اَينَ مَا كُنتُ وَأَوصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَم يَجعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَمُوتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا}

 

كان هذا الكلام المتزن المعقول المفهوم الذي خاطبهم به الصبي الرضيع الذي ليس من شأنه الكلام، ولا يعهد من مثله الكلام، فالكلام من مثله آية بينّة ومعجزة كبرى من الله، ليريهم الله أنه على كل شيء قدير، وأن مريم بريئة مما يتهمون، وأن طفلها مبارك ونبي، وسلام الله عليه أينما حلَّ وارتحل، ولا يكون هذا لِوَلَدِ بِغَاء، ولذلك سكتوا عن مريم وآمنوا بأمر الله الذي أظهره من هذه العذراء البتول، ولم يشك في أمرها إلاَّ المنافقون والذِّينَ في قلوبهم مرض، ولم يسلم من مثل هؤلاء نبيٌّ ولا رسولٌ، أما المؤمنون فازدادوا بهذه الآية إيمانًا وقد علِمُوا أنما أمرُ الله إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.

{قَالَ إِنِّي عَبدُ اللهِ}

 

بدأ بهذا الوصف الذي هو العبودية المحضة لله ـ تَبَارك وتعالَى ـ، حتى ينفي كل شبهة يتمسك بها من يزعم أنه إله في زمانه، أو بعد زمانه فما أبعد العبودية عن صفات الألوهية، تعالى اللهُ عما يقول المبطلون علوًّا كبيرًا، إن عيسى بن مريم عبد مخلوق خاضع متذلل لربه معترف بعبوديته له غير مستنكف عن ذلك، هذا كلامه عند أول نطقه وهذا اعتقاده ودينه ما دام حيًّا، وسيكون هذا كلامه بعد مبعثه، وعند وقوفه بين يدي ربه يوم القيامة، إن ربنا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا احد، ما اتخذ صاحبة ولا ولدًا.

 

{قَالَ إِنِّي عَبدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ}

 

الكتاب المقدس: التوراة ورثه عمَّن قبله من أنبياء بني إسرائيل، والإنجيل نزل عليه مكمِّلا للتوراة، فالكتاب هنا يعني به جنس الكتاب.

 

{وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}

 

جعله الله نبيًّا يوحى إليه كما أوحي إلى النبيّين من قبله.

 

{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا اَينَ مَا كُنتُ}

 

وجعله مباركًا، أينما حلَّ كانت البركة، فهو مبارك في بطن أمه، مبارك عليها، مبارك ساعة ميلاده، مبارك على قومه، يُبرِئ الأكمه والأبرص ويُحيِي الموتى بإذن الله، مبارك عليهم يهديهم الصراط المستقيم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور لِيَنجُوا من سخط الله، وليُزَحزَحُوا عن النار، ويدخلوا الجنّة، وذلك هو الفوز المبين، فما أعظم بركة الله عليه وعليهم ببعثه فيهم.

 

{وَأَوصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمتُ حَيًّا}

 

قال أوصاني الله بالصلاة والزكاة ما دمت حَيًّا، أي أمره بإقام الصلوات المفروضات، وأداء الزكوات ما دام على قيد الحياة، وهذا بلاغ من الله للمكلفين أن الصلاة فرضت على المكلفين مدى الحياة، ليست هنالك حالة تسقط فيها عنهم ولو في حالة قتال الأعداء في الميدان، فإنها تؤدَّى حسب الإمكان {فإن خفتم فرجالا اَو ركبانًا} (البقرة:239)، وكذلك الزكاة تؤدَّى إذا بلغ المال النصاب، وتجب في أموال الصغار والكبار والعقلاء والمجانين لا تسقط عنهم مدى الحياة، والوصية من الله أمر مؤكد واجب فعله، من تركه كان آثِمًا متعمدًا لمخالفة أوامر الله يستحق العقوبة من الله.

 

{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَم يَجعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}

 

وجعلني ربي برًّا بوالدتي، والبرُّ: هو الإحسان وفعل الخير، أثبت صفات البر، ونفى الجبروت والشقاء، والجبروتُ: هو الكبر والظلم وغلظ القلوب، والشقاءُ: التنكُّب عن طريق البر وسلوك طريق الشر والفساد، هذه صفات نطق بها المسيح وهو صبي في المهد، طبع عليها منذ تكوينه الأول، وستظهر فيه عندما يبلغ مبلغها، وذلك مثل النبوة والكتاب والصلاة والزكاة والبر، ومن المفسرين من فسر الزكاة بزكاة النفس وطهارتها؛ لأن المسيح لم يمتلك مالا تجب فيه الزكاة، ولا مانع عندي أن تكون الزكاة وهي الحقيقة الشرعية للزكاة، وهي فرض عليه وعلى من اتبعه من أمته، فهو وإن لم يؤدها مؤمن بها، ناوٍ أداءها لو كان يملك نصابها.

 

{وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَمُوتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا}

 

السلام معناه السلامة من الآفات، والسلم الذي هو ضد الحرب، وهو اسم من أسماء الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ؛ لأنه الحفيظ العليم الذي إن كتب السلامة لعبد من عباده فلن يستطيع أهل الأرض والسماوات أن ينالوه بمكروه، والسلام تحية أهل الجنة من ربهم ومن الملائكة، وتحية أهل الجنة بعضهم لبعض.

 

وإذا أردنا فهمَ السلام يومئذ حق الفهم فبالمقابلة بضده وهو العذاب، ففي سُورَة طه {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} (طه:48)، وذلك بعد قوله: {والسلام على من اتبع الهدى} (طه:47)، فالسلام ضد العذاب، وهو الرحمة والنجاة والفوز بالنعيم المقيم، لقد أنطق الله المسيح بالحق، فأخبر أن السلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا، وهي الأطوار الثلاثة التي يكون الإنسان فيها أحوج ما يكون إلى السلام، فما أضعف الإنسان يوم ولادته، وما أضعفه المسكين يوم موته، وما أضعفه وأحوجه إلى الرحمة والسلام يوم يبعث حيًّا، وتطالعه أهوال يوم القيامة، وقد رحمنا الله في الأولى، ونسأله أن يرحمنا ويسلمنا في الثانية والثالثة، وفي هذه الصفات الثمانية التي نطق بها الصبي المبارك، ووصف بها نفسه ردٌّ على الجانين من الكفار، وتكذيب لهم في دعواهم.

 

-الغالين في بغضه، والمتهمين لأمه بالزنا، المحاولين لقتله بعد ذلك، إذ الأوصاف هذه لا تنطبق على ولد غير شرعي.

-والغالين في تقديسه، ومن جعله إلَهًا، إذ الأوصاف هذه لا يوصف بها الإله، فهي لا تكون إلاَّ لمخلوق ضعيف يولد ويموت ويبعث، والله جل وعلا أولده وأماته وسوف يبعثه تقدست أسماؤه لا تناله هذه الأوصاف المتحولة، {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا اَحد} (الإخلاص:03-04).

 

فما أحكم كلام الله، وفيها بشارة لأمه ولمن آمن به من قومه.

-----------------------

 

{ذَلِكَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ قَولُ الحَقِّ الذِّي فِيهِ يَمتَرُونَ}

 

{ذَلِكَ}، إشارة إلى نبي الله وعبده عيسى ابن مريم الذي اختلفت فيه الأهواء، قول الحق من إله الحق، لو اتبعوا الحق ما تشتتت بهم الأهواء، {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والارض ومن فيهن} (المؤمنون:71).

{مَا كَانَ للهِ أَن يَّتَّخِذَ مِن وَّلَدٍ سُبحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)}

 

ما كان لله أن يتخذ من ولد، نفيٌ للشأن، وهو أبلغ في النفي، أي ليس من شأن الله أن يكون له ولد، سبحانه تنزه على الولد، وتقدس وتعالى عن الصاحبة والولد علوًّا كبيرًا، وهذا ردٌّ على الذِّينَ يزعمون أن المسيح ابن الله، وما المسيح إلاَّ عبدٌ لله سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

 

إذا قضى أمرًا وأراده يقول له: {كُن فَيَكُونُ}، وليس ثمة قول، فلا كاف ولا نون، بل هي إرادة الله وقدرته إذا تعلقت بشيء كان كما أراد في الوقت الذي يريد، خلق المسيح من غير أب بإرادته وقدرته، كما خلق آدم من قبل من غير أب ولا أم بإرداته وقدرته.

 

{وَأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ (36)}

 

تُوصَل هذه الجملة بالواو عطفًا على الجمل المفصولة السابقة التي بينهما كمال الاتصال، وهي كسوابقها من كلام المسيح ـ عليه السلام ـ، وهذا الذي أراه ويراه "أبو مسلم"، وجملة من المفسرين، فهي معطوفة على الجمل التي نطق بها المسيح من قبل ليُثبِتَ لقومه: أنه مثلهم عبدٌ لله، وليس بإله، وأن الله ربه وربهم، فليعبدوه مخلصين له الدين، وليوحِّدُوه بالعبادة، ولا يشركوا به شيئًا، هذا هو الصراط المستقيم لا اعوجاج فيه ولا ضلال، بهذه الجملة يختم المسيح كلامه لقومه، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، هذا الذي أرجحه، وهذا ما يتفق مع قول المسيح يوم القيامة حين يسأله ربه ويجيبه، ومن جملة كلامه يومئذ {ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} (المائدة:117).

 

ويقول بعض المفسرين إن هذا ليس من كلام المسيح، وإن كلام المسيح انتهى عند قوله: {وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا}، فالآية عندهم من جملة سائر القرآن ويقدر فيها: "قُل"، أي قل يا مُحَمَّد: {وَأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ} وكلٌّ يصحُّ، والوجه الأول أوضح وأتم لكلام المسيح ـ عليه السلام ـ، وألزم للحجة على النصارى الذِّينَ يدَّعون ألوهية المسيح، ورد على جميع من يتخذ من دون الله شفعاء، حتى الذِّينَ يعكفون على قبور الأولياء، يتخذون عندها السرج، ويبنون عندها القباب والمحاريب والأنصاب، يذبحون عندها وينذرون يطلبون عندها الحاجات، ويستدفعون البلايا والآفات، وكل ذلك شرك والله بريء مما يفعلون.

 

{وَأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ}الله ربنا وخالقنا ومربينا، فهو الذي يستحق عبادتنا، ومن يستحق العبادة غير الرب الخالق الرزاق المحيِي المميت؟!، إن عبادته وحده هي الصراط المستقيم الذي يهدي إلى الحق، وهو الصراط الذي دعت إليه أنبياء الله ورسله من لدن أبينا آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وعليهم أجمعين، وهو الصراط المستقيم الذي علّمنا الله أن ندعوه ليهدينا إليه، والدعاء في سُورَة الفاتحة، وهي أم الكتاب التي لا تصح الصلاة إلاَّ بها، وهي السبع المثاني {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذِّينَ أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة:06-07).

---------------------------

 

{فَاختَلَفَ الاَحزَابُ مِن بَينِهِم فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشهَدٍ يَومٍ عَظِيمٍ (37)}

 

الجملة مربوطة بالفاء السببية؛ لأن الاختلاف بين بني إسرائيل، إنما وقع بعد مبعث عيسى ـ عليه السلام ـ، والحال أنهم لو أنصفوا واستمعوا وأطاعوا ما وقع بينهم خلاف، اختلفوا بعد ميلاده وبعد مبعثه، وازدادوا خلافًا بعد رفعه، اختلف الأحزاب من بينهم، قال: {مِن بَينِهِم}، ولم يقُل: "بينهم"؛ لاشتداد الخلاف وتشعب الأهواء، فهم أحزاب متعددة لا حزبان، منهم من ادَّعَى ألوهيَّته، ومنهم من أبغضه واتهم أمه العذراء البتول، وأحزاب أخرى، جاء المسيح فوجدهم حرَّفوا الكلم من بعد موضعه وبدَّلوا وغيروا؛ يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله، فبيّن لهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه، ونفى التحريف والتغيير الذي أدخل على التوراة، وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وما حرَّمه التوراة، بل حرمه أحبارهم فأبغضوه وحاولوا قتله.

 

{فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشهَدٍ يَومٍ عَظِيمٍ}

 

ويل للذين كفروا بالمسيح وبغيره من الرسل، ولم يتبعوا النور الذي أنزل معه، ويل لهم من مشهد يوم عظيم يشهدونه ويشهده الأولون والآخرون، وتشهده الملائكة ويأتي فيه أمر ربك، وهو يوم عظيم في مشهده وأهواله، عظيم في أنواع جزاء الناس فيه، لهم الويل فيه: وهو العذاب الأليم، لا مفر لهم منه ولا خلاص وما لهم من ناصرين، وهو يوم لا ينفع فيه نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.

 

{اَسمِعْ بِهِم وَأَبصِرْ يَومَ يَاتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اليَومَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (38)}

 

ما أرهف أسماع الذِّينَ كفروا! وما أحد أبصارهم! يومئذ حين يرون العذاب بأعينهم، ويسمعون زفير جهنم وتغيُّظَها بآذانهم، حينئذ يرون الحقَّ، ويستمعون القول وهم اليوم عن الحق عمون، وعن سماعه متصاممون، ما أسمعهم للحق وما أبصرهم له يوم يأتوننا، يوم لا ينفعهم سمع ولا بصر ولا إيمان، وهذا محطُّ العجب أن يعموا عن الحق ويصموا عنه اليوم، ولو سمعوا وأبصروا لنفعهم، وإن يسمعوا ويبصروا اليوم لا ينفعهم ذلك، وهذا زجر لهم عن كفرهم وضلالهم، وتخويف من الله لهم من سوء مصير الكافرين الظالمين.

 

{وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذْ قُضِيَ الاَمرُ وَهُم فِي غَفلَةٍ وَّهُم لاَ يُومِنُونَ (39)}

 

أي خوِّفهم من يوم القيامة الذي هو يوم الحسرة على الكافرين؛ لأنهم يرون العذاب محقّقًا، ويدركون أن سبب استحقاقهم له إنما هو تفريطهم وعدم إيمانهم، فيستحسرون: أي يتندمون على ما فرطوا في جنب الله، ينادُون بالويل والثبور، ويتقطعون حسرات ويعضون على أيديهم، وفي وصفه بـ: {يَومَ الحَسرَةِ} تصوير بليغ لشدته وهوله، فهو يوم الحسرة الكبرى؛ ذلك لأنهم يعلمون أنهم فرطوا، وأنهم أضاعوا كل شيء، فلا ينفعهم اليوم ندمهم، ولا يؤذن لهم فيعتذرون {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} (فصلت:24)، أما اليوم فهم في غفلة وهم لا يؤمنون، طغت عليهم أهواؤهم وطالت في الدنيا آمالهم، فهم عن الآخرة هم غافلون، وهم بآيات الله البيّنات لا يؤمنون، في الآية موعظة بليغة وبيان لمصير الغافلين المعرضين وقد قضي الأمر، وانتهى كل شيء، فلا مطمع في الرجوع، ولا في المراجعة، قضي الأمر ومات الموت.

 

عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي به منادٍ: يا أهل الجنّة فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟، فيقولون نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار ثم يقول: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} وأشار بيده إلى الدنيا". رواه البخاري ومسلم والنسائي.

 

{إِنَّا نَحنُ نَرِثُ الاَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرجَعُونَ (40)}

هكذا يختم هذا السياق بهذا التذييل الغريب الذي يحمل الحقيقة الثابتة، وهي أن مرجع الأمور كلها إلى الله، وهم إليه يوم القيامة يرجعون مجردين مما خولهم الله من متاع الحياة الدنيا، كان التذييل بهذه الحقيقة؛ لأن الله الخبير بعباده علم أن سبب كفر الكافرين والمنافقين وغفلتهم وعدم إيمانهم، إنما هو لأجل تعلقهم بالدنيا فقد فتنوا بزينة الأرض وأطغاهم الملك والمال والجنود، فأعرضوا عن الآخرة، فهم صُم عُمي بُكم، فأنبأهم الله بهذا النبأ العظيم؛ لعلّه يزجرهم عن غفلتهم ويردعهم عن غيهم.

 

{إِنَّا نَحنُ نَرِثُ الاَرضَ وَمَن عَلَيهَا}

 

إنا نحن الوارثون للأرض وما عليها، وما فيها ومن عليها من الناس، إنه مالك كل مَن عليها وما عليها، ولا يبقى إلاَّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فهو الذي خلق الأرض وما فيها وما عليها ومن عليها، وهو الذي يرثها أخيرًا، ومن عليها بعد هلاك كل شيء وفناء كل شيء، ثم إليه المصير ليوم الحساب فلا يفلت منهم أحد.

 

{وَإِلَينَا يُرجَعُونَ}

 

هكذا، بتقديم ما حقه التأخير ليفيد الحصر، وبِنُون العظمة يأتي الحكم النهائي من الله ملك يوم الدين أن مرجع هؤلاء الغافلين إلى الله يوم القيامة، يوم يضع الموازين القسطَ، فلا تظلم نفس شيئًا، ومن ذا الذي يعقب هذا الحكم المحكم؟ ومن ذا الذي يفلت من هذا القضاء المبرم؟ ومن ذا الذي يتغيب عن هذا المصير الذي يرجعون إليه حتمًا؛ ليمثلوا أمام المحكمة الإلهية العادلة؟ إنها آيات عجيبة مؤثرة، وأحكام مبرمة، وحقائق ثابتة لا مفر منها، فلا ملجأ من الله إلاَّ إليه!