إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
مريم: الآيات ( 77 - 98 ) آخر السورة
طباعـة

ثم يمضي الأسلوب القرآني الحكيم في حِجَاج أهل الكفر والضلال فيقول ـ تبارك وتعالى ـ:

 

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

---------------------------

 

يَروِيَ أهل الحديث والتفسير أن سبب نزول هذه الآية والمقصود الأول بوعيدها هو: "العاص بن وائل السهمي"، أحد كبار المستهزئين، وذلك لحديث جرى بينه وبين أحد ضعفاء المؤمنين السابقين إلى الإسلام، وهو: "خباب بن الأرت" ـرضي الله عنه ـ، وذلك أن خبابًا كان حدادًا يصنع السيوف والسكاكين، فصنع للعاص بن وائل سيفًا وماطله العاص في ثمنه، وكان خباب يطالبه فيه ولما ألح عليه قال له: "والله لا أقضيك حتى تكفر بمُحَمَّد"، فقال له خباب: "والله لا أكفر بمُحَمَّد حتى تموت وتبعث"، فقال له العاص: "إن كنت سأبعث فسأكون غنيًا ذا مال وولد، وهناك أدفع لك أجرتك"، فنزلت هذه الآيات المحكمات فيه وفي أمثاله في كل زمان حتى تقوم الساعة.

 

والآية مصدرة بكلمة تفيد التعجب: {أَفَرَايْتَ} هذه العبارة تستعمل للتنبيه إلى أمر هام لعظم المخبر به، أو إذا كان يدعوا إلى العجب، أو إذا كان حقًّا لا معدل عنه، أو إذا كان باطلا ظاهر البطلان والفساد، تأتي الكلمة على هذه الصيغة لحمل المستمع على الانتباه إلى ما يلقى إليه، فيحكم بنفسه على الخبر الحكم الذي يستحقه.

 

أفرأيت يا مُحَمَّد إلى أي حد تصل الوقاحة ببعض العتاة؟! يكفرون بآياتنا، ثم يتجرؤون علينا هذه الجرأة، ينكرون البعث والحساب ولا يؤمنون برسلنا ولا يعملون بكتبنا، ثم يزعمون أنهم إذا بعثوا فسيكونون ذوي عز وأموال وأولاد كحالتهم في الدنيا، ويستعلون بذلك على الذِّينَ آمنوا وعملوا الصالحات ويسخرون بهم ويظلمونهم، إن هذا منهم أمر عجيب، كلا! ليس الأمر كما يزعمون، فهل اطَّلعوا الغيب وعرفوا الحقيقة أم اتخذوا عند الرحمن عهدا؟ والعهدُ: هو الإيمان الخالص والعمل الصالح، ذلك ما ينفع يوم القيامة، ويبقى عند الرحمن الذي رحمته قريب من المحسنين، فعلام يعتمد هؤلاء العتاة المتكبرون على آيات الله المستعلون على عباده؟ كلا ليس الأمر كما يزعمون سنكتب ما يقولون ونجازيهم عليه.

 

{كَلاَّ سَنَكتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا، وَّنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَردًا}

 

{كَلاَّ} حرف ردع وزجر، دفع بها كلام العاتي على الله المستهزئ بعباده، الكافر بلقائه، سنكتب ما يقول، إن قوله مُحصًى عليه مكتوب مُسجَّل، وسيحاسب عليه، ويجازى شر الجزاء، وسيندم عليه يوم لا ينفعه الندم، وسنمد له من العذاب مدًّا نطيل أمده في العذاب يلبث فيه أحقابًا، ويخلد فيه مهانًا

 

{وَّنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}

 

إنه يفخر بالمال والولد ويزعم أنه سيكون له باقيًا يوم القيامة، كلا بل سنرث كل الذي يقوله، ونرثه هو ويصير إلينا فردًا، يترك ما خولناه وراء ظهرِهِ لا مال ولا ولد ولا عز ولا أنصار، إنه يأتينا ليلقى جزاءه، فردًا وحيدًا فقيرًا ذليلا، وفي هذا تهديد للذي نزلت فيه الآية، ولأمثاله المستهزئين المتكبرين، وفيه تسلية لعباد الله المؤمنين المستضعفين، فليصبروا على أذاهم وليعتصموا بمولاهم فإن العاقبة للمتقين.

 

{وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُم عِزًّا، كَلاَّ سَيَكفُرُونَ بِعِبَادَتِهِم وَيَكُونُونَ عَلَيهِم ضِدًّا}

 

واتخذ هؤلاء الكفرة بالله آلهة يحبونها كحب الله ويعبدونها من دون الله يبتغون عندها العز، كل طائفة منهم تعتز بمعبودها وتبتغي عنده قضاء الحاجات، وتزعم أنها ستكون لها عزًا، قال الله ـ تعالى ـ: كلا، ليس الأمرُ كما يزعمون، بل سيكفرون بعبادتهم، والكفر هنا متبادل، سيكفر عابدوها بعبادتهم يوم القيامة يوم لا تنفعهم بل تكون عليهم ضدًّا، وستكفر الآلهة المعبودة بعابديها وتكون عليهم ضدًّا، أما الملائكة والصالحون من الإنس والجن الذِّينَ عُبِدُوا من دون الله، فسيَلعَنُون عابديهم يوم القيامة، ويَدعُون عليهم بمضاعفة العذاب، وأما الذِّينَ نصبوا أنفسهم لذلك فسيكفرون أيضاً بعبادتهم ويلعنون من عبدوهم ويكبكبون مع أتباعهم في جهنم، وكذلك الأصنام والحجارة والأضرحة والقباب والأوثان حين تكون حصب جهنم، تُلقَى فيها هي وعابدوها وتزيدهم عذابًا، حينئذ تكون عليهم ضدًّا، تكون عكس ما كانوا يرجون منها {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين} (العنكبوت:25)، تلك هي عاقبة الذِّينَ اتخذوا من دون الله آلهة يرجون عندها العز، إنها لا تغني عنهم شيئًا، وستكون عليهم ضدًّا، وقد يعلمون ذلك ولكن شياطينهم زيَّنَت لهم عبادتها، وتقليدُهم لآبائهم الأولين غلب عليهم، فهم في طريقهم مندفعون، وفي ضلالهم يعمهون ولشياطينهم متبعون، وهم عن الحق معرضون وله كارهون

 

{أَلَم تَرَ أَنَّا أَرسَلنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمُ أَزًّا، فَلاَ تَعجَلْ عَلَيهِمُ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم عَدًّا، يَّومَ نَحشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفدًا وَّنَسُوقُ الْمُجرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِردًا، لاَّ يَملِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهدًا}

 

{أَلَم تَرَ}: كلمة تدعو إلى الانتباه لشيء محقق، ذلك أن الله ـ تبارك وتعالى ـ أرسلَ الشياطينَ على الكافرين بالله وبأنبيائه ورسله وباليوم الآخر وعَموا عن ذكر الله، فقيّض لهم قرناء من الشياطين تؤزهم أزًّا، تُثيرهم وتهزهم وتدفعهم دفعًا إلى الفجور والفسوق، تزين لهم سوء أعمالهم فيرونها حسنة وتغريهم بالمعاصي إغراءً، والذِّينَ تعوَّدُوا الفسق بأنواعه، الخمر والزنا والميسر والسرقة تستفزهم شياطينهم إليها فلا يستطيعون أن يصبروا عنها، وعندما تسكرهم الخمرة، أو حب الدنيا، وحب المال، وحب الشهوات، فإن الشياطين تلعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، يحسب أحدهم نفسه من عِليَةِ الناس وكبرائهم، ويعتز بجاهه وسلطانه ومكانته، وهو لعبة بين أيدي الشياطين تؤزه أزا.

 

{فَلاَ تَعجَلْ عَلَيهِمُ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم عَدًّا}

 

فلا تعجل بالدعاء عليهم، إنما نؤخرهم لأجل معدود، نعدُّ لهم قبله أنفاسهم، وكلُّ معدودٍ لاَ محالة يَنفَدُ، فاصبر إن وعد الله حق ولا تستعجل لهم، وفي هذا إنذار لهم ولأمثالهم، وفيه تذكر المؤمنين وموعظة تذكرهم بقرب آجالهم حتى يبادروها بالأعمال الصالحة قبل نفادها.

 

رُوِيَ عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه كلما قرأ هذه الآية بكى وقال: "آخر العدد خروج نَفَسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك، كل نَفَس خطوةٌ إلى القبر"، رُوي أن جعفر بن السماك دخل على المأمون فقرأ هذه الآية فقال: "إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد، هذا في عدد الأنفاس والآجال"، وكذلك نفهم من الآية عدَّ الأعمال والأقوال، فإن الله يحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم ليجازيهم عليها، إن عليهم رقباء لا تغادر من أعمالهم صغيرة ولا كبيرة، والله من ورائهم محيط، قد أحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا.

-----------------------

 

{يَومَ نَحشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفدًا، وَّنَسُوقُ الٍمُجرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِردًا لاَّ يَملِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهدًا}

 

ذكِّرهم بيوم الحساب والجزاء يومَ نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، حُشِروا إلى ربهم الرحمن الذي غمرتهم رحمته وتغمدهم بها يوم لقائه، إنها كانت قريبة منهم ؛لأنهم كانوا محسنين، حشروا إلى ربهم وفد معززا مكرما، وكذلك وفود الملوك تعزز وتكرم وتستقبل أحسن استقبال، فإذا كان هذا لوفود البشر، فكيف بوفود أكرم الأكرمين من ملك الملوك أجمعين؟ كذلك يُحشَر المتقون الذِّينَ استجابوا لربِّهم واهتدوا بهداه، واتخذوا بتقواهم واستقامتهم عند الله عهدا، إن الكرم يومئذ لأهل التقوى فهم وحدَهم وفد الرحمن المكرم، أما المجرمون فيساقون إلى العذاب سوقا عنيفا، يساقون إلى جهنم عطاشا، جاءت العبارة بالسوق وفيها ما فيها من الهول فهم لولا الدفع العنيف ما تقدموا خطوة وقد عاينوا جهنم وسمعوا زفيرها، فمن ذا يمشي طائعًا إلى أشد العذاب، إن الزبانية تسوقهم بأمر الله وتأخذهم مغلولين مقيدين في الأصفاد فتسحبهم على وجوههم ذوقوا مس سقر، هذا جزاءهم على إجرامهم فهم أذلاء داخرون لا يملكون الشفاعة، إنها الشفاعة للذين اتخذوا عند الرحمن عهدا بإيمانهم وعملهم الصالح، أوفَواْ بعهد الله في الدنيا فأوفَى الله بعدهم يوم القيامة، وشَفَّعَ فيهم رُسله.

العهد أن تنطق بكلمة التوحيد مخلصًا من قلبك ثم تفسرها بالاستقامة، أما من قالها وراح يعبد الشيطان والهوى وذهب يضيع الصلاة ويتبع الشهوات فهو خائن ليس له عند الله عهد فلنفهم كلام الله على ضوء كلام الله وما فسر القرآن مثل القرآن.

 

--------------------------------

 

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَّقَد جِئتُمْ شَيئًا اِدًّا (89) يَّكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقُّ الاَرضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا (90) اَن دَعَواْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَّمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) اِنْ كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ إِلاَّ ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبدًا (93) وَّكُلُهُمُ ءَاتِيهِ يَومَ القِيَامَةِ فَردًا (94)}

 

في هذه الآيات البيّنات هي في الردِّ على مقالات الكفار، وتشنيعها وإنذارهم بسوء المصير، يذكر الله قول الذِّينَ نسبوا إلى الرحمن الولد، ويرد عليهم بالرد المحكم القاطع، والقائلون لهذا القول الشنيع هم طوائف اليهود والنصارى والمشركين الذِّينَ قالوا الملائكةُ بناتُ الله، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.

 

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَّقَد جِئتُمْ شَيئًا إِدًّا يَّكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقُّ الاَرضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا اَن دَعَواْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَّتَّخِذَ وَلَدًا}

 

قال اليهود والنصارى والمشركون: "اتخذ الرحمن ولدًا"، وعبدوا ما زعموه ولدًا، ورمزوا له بأصنام وتقربوا إليها بأنواع القربات، يعكفون عليها ويطلبون عندها الحاجات، قال الله ـ تعالى ـ: لقد جئتم بزعمكم هذا شيئًا شنيعًا قبيحًا ثقيلا، تكاد السماوات والأرض تنفطر من شناعته وثقله، لو أذن الله لانفطرت وتشققت، والجبال الراسيات لا تقوى على سماع هذا الكلام الذي لا أثقل منه، تكاد تنهدُّ وتخر لو أذن الله لها بذلك لفعلت، يكاد الكون ينهدُّ من نسبة الولد إلى الخالق الرحمن، ولا ينكر أحد هذه الأمور من السماوات والأرض والجبال، فإن الله الذي خلق السماوات والأرض والجبال هو وحده يعلم ما بداخلها من شعور وإيمان بخالقها، وقد أثبت لها الخشية والتسبيح، ولا ينكر ذلك إلاَّ أعمى البصيرة، مطموس القلب مكذب للرحمن، ولله في خلقه أسرار وشؤون، والله على كل شيء قدير.

 

{وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَّتَّخِذَ وَلَدًا}

 

لا يليق بعظمته، وليس من شأنه أن يتخذ ولدًا، ولا يمكن هذا أبدًا، فشتان بين الخالق والمخلوق بينهما، تباين لا يمكن حصره مطلقًا

 

{إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ إِلاَّّ ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبدًا}

 

أثبت الله الحقيقة الكبرى الثابتة التي لا تزول ولا تحول والتي قامت بها السماوات والأرض ومن فيهن، فما من مخلوق في السماوات أو في الأرض إلاَّ آتي الرحمن عبدًا، إنهم يأتونه عبيدًا يوم القيامة حين تتمحض عبوديتهم، وتذوب دعاوى القوة والسلطان، التي ادَّعاها العتاة الجبابرة في الدنيا، ينفي الله بهذه الآية ما زعموا من البنوَّة، ويبين الفرق الكبير بين الولد، والعبد فمن كان عبدًا لا يكون ولدًا، ومن كان ولدًا لا يكون عبدًا لوالده، فالكل لله عبيد مخلوقون أذلاء خاضعون، فلا تنسبوا للرحمن ما لا ينبغي له ولا يليق بعظمته وكبريائه، إنما يحتاج إلى الأولاد الضعفاء الذين يفتقرون إلى الأولاد، والذِّينَ يموتون ويرثهم الأولاد ويحيون ذكرهم، أما الرحمن القوي القادر الذي هو حي دائم لا يموت فلا يحتاج إلى شريك ولا ولي، ولا ينبغي له الولد، ثم إن نسبة الولد إلى الله يستلزم الصاحبة، ويستلزم الاتصال المعهود بين الصاحب والصاحبة، ولذلك كان الأمر شنيعًا تتزلزل الأرض والسماوات والجبال منه وتنفطر لنسبة ذلك إلى الرحمن، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وما جاء هذا التعبير: "تَفَطُّر السماوات وانشقاق الأرض وخُرُور الجبال هذا"، إلاَّ في نسبة الولد ودعواه إلى الله، لما فيه من شناعة الاتصال بالصاحبة، ما جاءت هذه العبارة قط في موضع آخر في نسبة الشريك إلى الله، وإن كان الشرك كله افتراء وإثمًا عظيمًا، ولكن هذا النوع منه أشنع وأقبح أنواعه، فيا ويلهم، ماذا يصفون؟ ويا قبح ما يفترون؟ إنه لأمر عظيم، تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولد.

 

{إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ إِلاَّ ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبدًا لَّقَدَ اَحصَاهُم وَعَدَّهُم عَدًّا وَّكُلُهُمُ ءَاتِيهِ يَومَ القِيَامَةِ فَردًا}

 

جميع من في السموات ومن في الأرض آتي الرحمن يوم القيامة عبيدا، لقد أحصاهم عدا، وكلهم آتيه فردا، لا يفلت منهم أحد، ولا يأتونه قبائل ولا عشائر يعتز بعضهم ببعض، بل تتقطع يومئذ بهم الأسباب، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، كل واحد منهم يحضر مفردا بين أيدي الله صاغرا ذليلا ليس دونه حجاب ولا عنده ترجمان، هناك تتمحض العبودية لله، وهنالك تجزى كل نفس ما كسبت، مالها من دون الله من ولي ولا نصير حتى الذِّينَ زعمتموهم للرحمن أبناء يحضرون بين يديه عبيدا يسألهم الله أفرادا فيجيبون {ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} (فاطر:14).

--------------------------

 

{إِنَّ الذِّينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(69) فِإِنَّمَا يَسَّرنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُّدًا(97) وَّكَمَ اَهلَكنَا قَبلَهُم مِّن قَرنٍ هَل تُحِسُّ مِنهُمْ مِّنَ اَحَدٍ اَو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا(98)}

 

بختم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ هذه السُورَة المحكمة بهذه الآيات التي هي خلاصةٌ لِما مر علينا من المعاني التي تناولتها السُورَة من أولها، وفيها الموعظة البليغة لمن يتذكر ويتدبر، فيها التبشير للمؤمنين المتقين، وفيها الإنذار بالهلاك للمعاندين المتمردين على الله.

 

 

كانت بداية هذه السُورَة بقصص أولياء الله الصالحين، زَكَرِيَّاء، ويحيى، ومريم، وعيسى، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس من ذرية آدم، ونوح، ومن ذرية إبراهيم، وإسرائيل، وممن هدى الله واجتبى من عباد الله الصالحين، ثم بعد هؤلاء الصالحين خلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، تَوَعَّدَهم الله بالغي.

 

ثم تعرض الأسلوب القرآني الحكيم لشُبه المبطلين وتُرَّهَاتِهم فقرعها بالحجج البيّنات، والحقائق الثابتات وأنذرهم بعذاب جهنم، يوم يأتونه فرادى لا يملكون الشفاعة إلاَّ من اتخذ عند الرحمن عهدًا، والعهدُ: هو الإيمان بالله واليوم الآخر، والاستقامة على ذلك بالقول والعمل، وفي إنذار الظالمين وتخويفهم تنفيس عن قلوب المؤمنين المستضعفين وإنعاش الأمل في قلوبهم بما يبشرهم بحسن العقبى إن صبروا على أذاهم.

 

{إِنَّ الذِّينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}

 

يبشر الله عباده الذِّينَ يعملون الصالحات أن الله سيجعل لهم ودًّا بينهم وبينه، وبينهم وبين ملائكته، وبين بعضهم البعض، ودًّا يبقى ويدوم، بينما تتقطع الأسباب بين أعدائهم الكافرين والمنافقين، ويلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل واحد منهم يأتي الرحمن فردًا لا صلة بينه وبين أخلائه وأقربائه، والمؤمنون يجعل لهم الرحمن ودًّا عظيمًا، نكَّر كلمة: {وُدًّا}، وتنكيرها يدل على عظمة مدلولها، ومن أسماء الله الحسنى "الودود"، وقد جعل الله لأوليائه ودًّا في حياتهم الأولى عند ملائكته، فهم يستغفرون للذين آمنوا، ويصلون عليهم في الدنيا قبل الآخرة، وجعل لهم ودًّا في قلوب المؤمنين، وهي المنزلة التي سألها إبراهيم من ربه حين قال: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} (الشعراء:84)، الوُدُّ والقبول للمؤمنين والمقت والبغضاء واللعنة لأعدائهم المجرمين، بينهم وبين الله، وبينهم وبين ملائكة الله، فهم يبغضونهم ويلعنونهم، وبينهم وبين بعضهم البعض، فهم يوم القيامة يتلاعنون وتنقلب خلَّتهم عداوة، وقد كانت مودَّتُهم في الدنيا على المعصية، ولأجل أغراض دنيئة يختِل بعضهم بعضًا، ويخدع بعضهم بعضًا، أما مودة المؤمنين فكانت في ذات الله فهم يتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى، ويتحابون على ذلك ويدعو بعضهم لبعض عن ظهر الغيب، لِمن عرفوه ولمن لم يعرفوه من إخوانهم المؤمنين، والحب في الله أوثق عرى الإسلام كما جاء في الحديث الشريف، وهم على ذلك حتى جاءهم وعد الله فازدادت مودَّتُهم يوم القيامة تمكُّنًا، ونزع الله ما في صدورهم من غلٍّ إخوانًا على سرر متقابلين، وقد حمدوا مغبَّة أمرهم، وحمدوا الله على ما هداهم: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَنَ إن ربَّنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} (فاطر:34-35)

.

قال بعض المفسرين: {سَيَجعَلُ لَهُم الرَّحْمَنُ وُدًّا}

 

أي سيحقق لهم ما يودُّون من السعادة الدائمة في الآخرة من رحمته وفضله، وهذا المعنى وجيه، ولا مانع أن يفهم من الآية، والمعاني لا تتزاحم، ومهما قلبتَ معنى الوُدّ في الآية وجدته بردًا وسلامًا على المؤمنين، وتطمينًا لقلوبهم بعدما سمعوا الزواجر والقوارع التي ذكرت في الآيات السابقة للمكذبين بالبعث، المعاندين للنذر، المستهزئين بآيات الله ورسله، فما أبلغها من آية، وما ألذ وقعها في قلوب المؤمنين الذِّينَ حققوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، وفيها ما فيها من الموعظة البليغة التي تدعُو الناس إلى ربهم الرحمن، وتبيِّن لهم أن لا ملجأ ولا منجى يومئذ من الله إلاَّ إليه، ولا مفر لهم إلاَّ إلى رحمته.

 

ثم إن من تدبر الآية جيدًا وجد فيها الإشارة إلى أن تشريعات الله لعباده المؤمنين من إقام الصلوات في المساجد إلى قبلة واحدة، وإيتاء الزكوات، وصوم رمضان، والأعياد، والحج في أشهره ومواضعه، وغير ذلك من القربات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتناصح في أمور الدين والمعاش، والتخلُّق بأخلاق الإسلام، وأداء حقوق الأزواج والوالدين والأرحام والجوار، وإفشاء السلام، وحقوق الإسلام... كل ذلك يدعو إلى المودة والتحابب، ويغرس الحب في قلوب المؤمنين، أما ولاية المؤمنين بعضهم لبعض التي هي من أسس الديانة، فتلك تثبت المودة في قلوب أصحابها ـ حتى ولو لم يتعاصروا ولم يتعاشروا ـ، وبين الإنس والجن والملائكة من كل زمان ومكان، وقد علَّمنا الله ورسوله ذلك في الصلاة، يقول المصلي عندما يقرأ التشهد: "السلام علينا وعلى عباده الله الصالحين"، ويقول المؤمنون اللاحقون في الأزمنة المتأخرة {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذِّينَ سبقونا بالاِيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين ءَامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر:10).

 

هذه أمة الإسلام تربط المودة بين أولها وآخرها وقاصيها ودانيها، وبين جميع أجناس المسلمين، يقول رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ولا يتم إيمانهم إلاَّ بذلك، ولا يدخلون الجنة حتى يتحابوا، فشرط محبة الله لهم أن يتحابوا في الله، فإن هم فعلوا ذلك وجبت لهم محبة الله ربهم، وشملتهم رحمته الدائمة، فكأنما شرائع الدين شجرة ثمرتها التواد بين المؤمنين في الدنيا، والود يوم القيامة، يحبونه في الجنة أبد الآبدين، ودُّ الله لهم، ووُدُّ ملائكته، ووُدٌّ في الجنة من الحور العين والولدان، ووُدُّ بعضهم لبعض، يصفو يومئذ ويخلص من شوائب الغل التي كان يلقيها الشيطان في الصدور، فيومئذ لا غِلَّ ولا شيطان ولا دنيا، {ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ اِخوانًا} (الحجر:47)، لا نظن أن عاقلا أو حكيمًا أو فيلسوفًا يزعم أن هناك رابطة تربط بين مجموعة من البشر مثل رابطة المودة التي بين أهل الإيمان الذِّينَ حققوا معنى: "لا إله إلاَّ الله"، بالسمع والطاعة لله ولرسوله، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فكانوا بذلك خير أمة أُخرجت للناس.

{فَإِنَّمَا يَسَّرنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُّدًّا}

 

{فَإِنَّمَا يَسَّرنَاهُ}: الضمير للقرآن، بلسانك: أي بلغتك العربية ليتيسر فهمه، والاعتبار بما فيه من قصص الماضين؛ ذلك لأن جميع أخبار الذِّينَ ذكروا من أول السُورَة من الأنبياء والرسل إنما كانت بلغات غير عربية، فجاءت هنا ميسرة باللسان العربي المبين ليسهل فهمها، ولذلك جاء الربط بالفاء متمكنًا، والتيسير من الله منة عظيمة، إذ لا يقدر على نقل جميع الأحاسيس والعواطف وما يجري في الضمائر إلاَّ خالق الضمائر والقلوب العليم بذات الصدور، فالله وحده العليم الخبير قادر على أن يترجم اللغات الترجمة الحقيقية التي لا يضيع منها شيء من المعنى، والتي يسهل إدراكها والاستفادة منها للذين يتكلمون العربية أو يتعلمونها، وينبغي على كل مسلم أن يتعلم العربية حتى يتيسر له فهم القرآن؛ لأنه ميسَّر بلسانها، فكأن في هذه الآية إشارة إلى وجوب تعلم لغة القرآن حتى نحسن فهم ما فيه من المعاني، والخطاب هنا إلى رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ثم إلى كل من يقوم بأمانة الدعوة والتبليغ من بعده، وينبغي للداعية أن يتقن لغة المدعوين حتى يدعوهم بلسانهم، والغرض من التيسير التبشيرُ والإنذار، قال الله تعالى:

 

{لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُّدًّا}

 

{لِتُبَشِّرَ بِهِ}: أي بالقرآن، {الْمُتَّقِينَ}: تبشرهم بحسن المصير وحسن العاقبة عند ربهم، فليثبتوا على تقواهم وليصبروا على أذى أعدائهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، سيوفيهم أجورهم غير منقوصة وسيدخلهم مدخلا يرضونه، والبشارة هنا جاءت مطلقة لم تقيد بذكر المبشَّر به، هذا أروع وأبلغ في تعميم المعنى وتوسيعه وشموله جميع مراحل التبشير في الدنيا وفي الآخرة، فلنترك الفكر يذهب فيها مذاهب {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون} (السجدة:17)، تلك هي عاقبة التقوى، وذلك هو مصير المتقين، والتقوى: معنًى جامع للخير كله، وفيها معنى الوقاية والحذر، فهم يعملون أعمال البِرِّ يرجون بها رضوان الله ويخافون عذابه، ويجتهدون في إخلاص العمل لوجه الله، ويخافون ألاّ يقبل منهم {والذِّينَ يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60)، هذا شأنهم في الطاعة، وهم عن المعصية ناكبون، قد عصمتهم تقواهم من ارتكابها، {إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، ليسوا معصومين من الذنوب، ولكنهم سرعان ما يتوبون منها وسرعان ما يتذكرون، أولئك لهم البشارات من الله

أمَّا أهل الكفر والإصرار والعناد والجدال بالباطل فقد قال الله في شأنهم:

 

{وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُّدًّا}

اللَّدَدُ في الخصومة: هو العناد واللَّجاجة، والتمسك بالباطل ولو ظهر الحق، وهم ينم عن طبع الكبر في النفوس الخبيثة {إن الذِّينَ يجادلون في ءَايات الله بغير سلطان اَتَاهمُ إن في صدورهم إلاّ كبرٌ ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} (غافر:56)، وصف الله المجادلين في آيات الله بغير سلطان من علمٍ بالكِبْر، وهو العليم بطبائع النفوس، ووصف الله قومًا يعاندون رسوله بعدما شهدوا له بالصدق والأمانة، وبعدما شاهدوا براهين الرسالة ومعجزاتها، وصفهم بأنهم: {قَومٌ لُّدًّا}، وما أحراهم بهذا الوصف وما ألزمه بهم، فأمر الله نبيه أن ينذرهم بالقرآن وكفى به نذيرًا، فإن فيه من القوارع والوعيد ما أن لو أنزل على جبل لهدّه {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله} (الحشر:21)، {ولو أن قرءَانًا سُيِّرَت به الجبال أو قُطِّعَت به الارض أو كُلِّم به الموتى بل لله الأمر جميعًا} (الرعد:31).

 

وأطلقت النذارة هنا ولم تقيد بمفعول به كما مر في البشارة، وإطلاقها أروع وأبلغ لتؤذن بالعموم أي أنذرهم بجميع أنواع الشرور والنكال والعذاب والحسرات في الحياة وفي الممات، فيا ويلهم مما ينتظرهم إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الحق قبل الفوات، لله ما أبلغ هذه الجملة الوجيزة من كلام الله ماذا تحمل من معانٍ عظيمة لا يزال يتكرر تعبيرها في النفوس مدى الحياة، فلا يعرض عنها إلاّ الصم البكم العمي الذِّينَ لا يعقلون، ونعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن همزه ونفخه، ونعوذ بالله من الكبر، فإنه إذا تمكن في الصدور جعل قلوبها في أكنة، وجعل في آذانها وقرًا، وجعل بينها وبين كلام الله حجابًا مستورًا، فلا ينفع الإنذار وإنما تقوم به الحجة عليهم يوم يعترفون ويقولون {بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما أنزل الله من شيء إنَ اَنتم إلاّ في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير} (الملك:09-11)، تلك هي عاقبة القوم اللُّدِّ، وهذا ما ينذَرون به، ذلك وهو حظُّهم من الإنذار، الاعتراف يوم لا ينفعهم الاعتراف، والندم يوم لا يجدي الندم، {ولات حين مناص} (ص:03)، ولو كانوا أهلا للاعتبار لاعتبروا بمن مضى من الأمم التي عاندت رسل الله فأهلكها الله وأبادها وجعلها أحاديث.

 

{وَكَمَ اَهلَكنَا قَبلَهُم مِّن قَرنٍ هَل تُحِسُّ مِنهُم مِّنَ اَحَدٍ اَو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا}

 

يختم الله السُورَة بهذه الآية الرائعة الرهيبة التي توحي بجلال الله وعظمته وأنه الحي القيوم، الأول والآخر، الذي يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، {كل شيء هالك إلاّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون} (القصص:88).

 

يقول ـ تعالى ـ: {وَكَمَ اَهلَكنَا قَبلَهُم مِّن قَرنٍ}

 

أي ما أكثر الأمم التي أهلكناها، والقرنُ: هو الأمة التي جمعها عصرٌ من العصور في ظل سلطان في قطر من الأقطار، كانت هذه الأمة متمكنة من أمرها تدبر شؤونها، لها حضارة وعمران ثم زالت وبادت، فلم تبق إلاّ آثارها العمرانية خاوية، وأخبارها تتداولها ألسنة الناس بعدهم، وما أكثر القرون الماضية، وما أكثر مواطن آثارها الشاهدة على عمارتها لهذه الأرض وتمكُّنها منها، فما على العاقل إلاّ أن يسير في الأرض فينظر إلى هذه الآثار ويعتبر، لا يخلو قطر من الأقطار من آثار مدن وقرى تشهد لأهلها بالقوة والسلطان والعلوم.

 

اقرأ كتب التاريخ، وقِف على الأطلال الضخمة المعالم، واستمع إلى أخبارهم وتفكر، وانظر هل بقي شيء من سلطانهم وقوتهم، تفكر وتسمَّع وانظر وتحسَّس بين آثارهم

 

{هَل تُحِسُّ مِنهُم مِّنَ اَحَدٍ اَو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا}هل تُحسُّ من هؤلاء الهالكين من أحد؟! لا شيء مطلقًا، تخيَّل ما كان هناك من جلبة وصخب في أسواقهم وميادينهم وشوارعهم وملاعبهم، هل تسمع لهم اليوم ركزًا، أي صوتًا خفيًا؟! سكنت الأصوات وهدأ الضجيج، وخلت الميادين والأسواق والشوارع، وخربت الديار، فلا داعي ولا مجيب، ولا حاكم ولا محكوم، ولا بائع ولا مشترٍ، ديارهم كأن لَم تغن بالأمس، فهي خاوية على عروشها، تفكّر أيها العاقل واعتبر بآثارهم وأخبارهم، ولا تغتر بالحياة فإنها ذاهبة، ذاهب من فيها ولا يبقى إلاّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وفي هذا التفكر ما يقهر النفوس العالية، ويردُّ إليها صوابها، ويكشف عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، فلا تغترَّ بها ولا تطغَ، وفيها ما يلفت العقل إلى الاستعداد لدار البقاء والتزوّد لها بما يبقى إن كان فيه ذرة من إيمان، وفيه تسلية من الله لرسوله والمؤمنين، فلا يتألموا من سخرية أعداء الله، ولا يضيقوا بأذاهم، فسوف يهلكون كما هلك من كان قبلهم ممن هو أشد منهم قوة وأكثر جمعًا، والذِّينَ عمروا الأرض أكثر مما عمروها.

 

وفي هذه الآية إنذار شديد لمن أعجب بقوته وسلطانه وماله وجاهه من هؤلاء الكفار، الساخرين من أنبياء الله ورسله، النابذين كتاب الله، وراءهم ظهريًا، فلينظروا إلى من كان قبلهم من القرون هل بقي منهم من أحد، والتعبير في الآية بِـ: {هَلْ} الإستفهامية التي يراد بها النفي: تعبيرٌ في غاية الروعة، فيه تحريك للعواطف والعقول، وإثارة للنفوس حتى تنظر فتحكم بنفسها الحكم الصحيح الذي لا محيد عنه، فهو أبلغ من الإخبار.

 

وفي الآيات التي ختمت بها السُورَة خلاصة لما في السُورَة من أولها، فيها استخلاص الموعظة البليغة من أخبار الماضين، وبيان عاقبة أهل الإيمان والتقوى والصلاح، وعاقبة أهل الغي والجحود والعناد، وفيها الانذار لِمن يعرض عن الحق ويَلِجُّ في الجدال، وفيها التبشير للذين استجابوا لربهم واتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ومن أجل ذلك يَسَّر مُنَزِّل القرآنِ القرآنَ بلسان عربي مبين، وهو لسان مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وقومه، ولسان أهل الاستجابة لكتاب الله، يتعلَّمونه ويعلمونه أبناءهم، ولا سبيل لهم إلى فهم دينهم إلاّ بإتقان لغة القرآن.

 

نسأل الله أن يفتح صدورنا لفهمه، وأن يجعلنا ممن ينتفعون بذكره، ويتعظون بزجره، ويقومون بحفظه وتلاوته، والعمل بما فيه، آمين يا رب العالمين.

 

انتهى تفسير هذه السُورَة بما تيسّر من عون الله، والحمد لله رب العالمين.

 

*** تَمَّ تفسير سُورَة مريَم ***