إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 17 - 36 ) مناجاة الله لموسى عليه السلام
طباعـة

وَمَا تِلككَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخرى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسعَى (20) قَالَ خُذهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الاُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخرُجْ بَيضَاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ ءَايَةً اُخْرى (22) لِنُرِيَكَ مِنَ _ايَاتِنَا الكبرى (23) اِذهَبِ اِلَى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشرَحْ لِي صَدرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمرِي (26) وَاحْلُلْ عُقدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفقَهُوا قَولِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنَ اَهلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اِشدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشرِكْهُ فِي أَمرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَّنَذَكُرَكَ كَثِيرًا (34) اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدُ اوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)}

 

تلقى موسى ـ عليه السلام ـ نفحات ربِّه، وتلقى الأوامر والنواهي من ربه، واستمع لما يوحى إليه من كلام الله وهو خاضع واقف وقفة إجلال وخشوع ولا يزال الله ـ تعالى ـ يخاطبه، عرفه أولا بربوبيته وألوهيته، ثم أمره بعبادته والصلاة له وذكره، ثم أنذره بالساعة التي هي موعد جزاء كل نفس بما كسبت، وحذره من الذِّينَ يصدون عنها فإنهم هالكون، ومن استمع إليهم هلك وشقي معهم، كل هذا وموسى واقف يستمع الأومر والنواهي، وهو في غاية الهيبة والخضوع، ثُم إن الله ـ تبارك وتعالى ـ أراد أن يُسكِن من روعه، ويشعره بالأنس والقرب، فناداه باسمه، وفي هذا ما فيه من الأنس والقرب والارتياح، وكلنا يجد ذلك إذا كان النداء ممن نعظمه ونحترمه إذا نادانا بأسمائنا فإننا نشعر بالأنس، ويدل هذا على عطف المنادي ورضاه على الذي يناديه؛ لأنه في حالة الغضب لا يناديه باسمه، بل لا يذكر اسمه أو يدعوه بأسماء كريهة مخزية، هذا معروف، كذلك نادى الله عبده موسى ودعاه باسمه وألقى إليه سؤالا عن عصاه:

 

{وَمَا تِلكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}

 

كان موسى يُمسك عصاه بيمناه؛ لأنها اليد القوية، وهي سلاحه، فسأله ربه وهو عالم به وبعصاه، ولكن المقصود من السؤال ما بعده، وهو إظهار المعجزة التي هي كامنة في هذه العصا، ولم يكن بيمينه غيرها فأجاب موسى عن السؤال جوابًا مبسوطًا مسهبًا؛ لشعوره بلذة مناجاة ربه فأراد أن يطيلها، أجاب:

 

{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرى}

 

قال: "هي عصاي"، وذكر له من منافعها ما خطر بباله حينئذ

وأول ذلك الاتِّكاء، وذلك أن البدوي إذا وقف يحدث الآخر وطال الوقوف يتوكأ على عصاه، وإذا صعد مصعدًا يتوكأ على عصاه وإذا نزل فكذلك

 

والمنفعة الثانية أنه يهش بها على غنمه، أي يضرب بها أغصان الأشجار ويخبطها؛ فيسقط من ثمارها وأوراقها ما ترعاها غنمه، وكانت عصاه معكوفة في طرفها يجتذب بها الغصن المرتفع؛ ليجتنى ما فيه من الثمار، أو يهزه فتسقط ثم قال ولي فيها مآرب أخرى أي: منافع أخرى، مثل الدفاع، والحمل بها وعليها، وربما يلقي عليها ثوبًا للاستظلال، وقد تنفع العصا لحاجات كثيرة، ويختار البدوي عصاه من أصلب الأغصان وأجودها؛ لأنها عونه على قضاء مآربه، وسلاحه في دفع الصائل من الأناسي والسباع والهوام.

 

{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسعَى}

 

قال له ربه: "ألقها"، فألقاها، سارع موسى إلى الامتثال فألقى عصاه، وما كان يخطر بباله أنها تنقلب حيَّة بل كان يظن أنه يلقيها كما ألقى نَعْليه، وأن من تمام الأدب مع ربه وهو يحاوره أن يُلقي عصاه، فألقاها فإذا هي حية تسعى، فخاف منها وولَّى مدبرًا ولم يُعقِّب، فناداه ربه يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين، لا تخف إنه لا يخاف لديَّ المرسلون.

 

{قَالَ خُذهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الاُولَى}

 

نداءات من الله جاءت بصِيَغ متنوعة، كلها تدل على لُطَفِ الله وحفاوته بعبده موسى، بعضها في هذه السُورَة وبعضها في سُورَة أخرى من القرآن، نداءات تحمل البشرى لموسى إنه من الآمنين، وأي بشرى أعظم من هذه؟!، إنه من الآمنين، ومَن أمَّنه الله لا يخاف في الدنيا ولا في الآخرة، وبشرى أخرى أنه من المرسلين وهذه يفهمها ضمنيًّا، إنه لا يخاف لديَّ المرسلون، فموسى إذن من المرسلين الذِّينَ أمَّنَهم الله وهو أول خبر من الله برسالته، وهي بشارة عظيمة لموسى، وبشرى من الله أن هذه الحية لن تضره؛ لأنها ستعود عصا بمجرد ما يَمسُّها موسى، وإنما أراه الله منها هذه المعجزة العجيبة لمواقف ستستقبله، وسيريه الله منها ما يحب، والله على كل شيء قدير، رجع موسى مقبلا على عصاه بعد إدباره وهروبه منها، ومدَّ يده إليها بعد أن سمع نداء ربه وقلبه مطمئن فوقعت يده بين فكَّي الحية، فما إن مسَّتها يده حتى استحالت كما كانت عصا هامدة لا خطر فيها، عادت بإذن الله سيرتها الأولى فازداد موسى يقينًا بمعجزة ربه، ثم خاطبه ربه بأمره آخر فيه المعجزة الثانية.

 

{وَاضمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخرُجْ بَيضَاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ ءَايَةً اُخْرى لِنُرِيَكَ مِنَ _ايَاتِنَا الكُبرَى}

 

بعد أن شاهد موسى معجزة العصا أمره الله أمرًا ثانيًا، وعرَّفه في هذا الأمر بتأويله؛ ليطمئن قلبه ولا يرتاع، قال له:

{وَاضمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ}

 

أي أدخلها في جيبك، واضممها إلى جناحك الأيسر، تخرج بيضاء بياض نور لا بياض سوء، والناس منذ القدم يكرهون بياض البرص؛ لذلك طمأنه ربه ببيان نوع هذا البياض فامتثل موسى الأمر، وأدخل يده في جيبه وضمَّها إلى جناحه الأيسر، ثم أخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ نورًا، وهذا ما يبغيه موسى، ومن أجله جاء يطلب نورًا يهديه في هذا الظلام الذي غشِيَهُ في البادية، شاهد موسى المعجزة الثانية من يده اليمنى، واطمأن قلبه بها وازداد يقينًا وقال له ربه:

 

{لِنُرِيَكَ مِنَ _ايَاتِنَا الكُبرَى}

 

أخبره ربه أن ما رأى ما هو إلاَّ قطرة من بحر آيات ربه الكبرى، وكم لله من آيات غيرها، ولا يعلم إلاَّ الله ما كان يغشى قلب موسى من تعظيم ربِّه وتوحيده والتسبيح والتقديس له حين شاهد هذه الآيات العجيبة، وما كان يغشاه من الأنس بربه، ومن السكينة لما انفتحت له هذه النافذة من أسرار الملكوت

 

ثم بعد الآيتين يأتي الأمر من الله لموسى بالذهاب إلى فرعون لتذكيره وقومه بربهم ودعوتهم إلى توحيده وعبادته، وفي هذا التصريح بأن الله اختار موسى ليكون رسولا من جملة المرسلين، واجتباه لتَحَمُّل هذه الأمانة العظمى.

 

{اِذهَبِ اِلَى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغَى}

 

كانت هذه الكلمة من الله فاتحة الرسالة لموسى ـ عليه السلام ـ بعد أن أراه الآيات الكبرى، النور من الشجرة، وانقلاب العصا حية، وبياض يده اليمنى، وأسمعه كلامه؛ كلَّفه بالذهاب إلى فرعون الذي طغى عن الحق وبغى على قومه، واستعبد بني إسرائيل، يستخدمهم ويذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، ونصب نفسه إلَهًا من دون الله، قال الله لموسى: {اِذهَبِ اِلَى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغَى}، لقد فهم موسى المقصود من هذا الذهاب، وهو دعوته إلى التوحيد والاستقامة على دين الله، وتصور ما سيعترضه في هذه الدعوة من المشاق فانتهز هذه الفرصة فدعا ربه، ولا شك أن الله هو الذي ألهمه إياه، دعا ربه الذي رأى منه الكرامات والألطاف، سأله أن يُزوِّده بما يقوى به على هذه المهمة العظمى، وقد أَلِفَ من قبل أن يدعُوَ ربَّه لكل جليل وحقير من أموره، فقد سأله النجاة من القوم الظالمين عند خروجه من مصر، وسأله أن يهديه سواء السبيل، وسأله الطعام حين ألَمَّ به الجوع، فاستجاب الله لكل دعواته، فلم لا يسأله وهو مقبل على مهمته العظمى أن يُيسِّر له أمره؟، ويعينه عليه، وهو الذي أرسله وكلَّفَه بالمهمة.

 

{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدرِي وَيَسِّر لِي أَمرِي وَاحْلُلْ عُقدَةً مِّن لِّسَانِي يَفقَهُوا قَولِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِنَ اَهلِي هَارُونَ أَخِي اِشدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشرِكْهُ فِي أَمرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَّنَذكُرَكَ كَثِيرًا اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}بدأ في دعائه بشرح الصدر، وهو الأصل لجميع حركاته في هذه المهمة فإن الله إذا شرح صدره، ووطَّأ قلبه لتكاليف الرسالة فهو لا شك سيتغلب على كل عقباتها، وسيُقبِل عليها هادئ النفس، مطمئن الضمير، وقد علم موسى أن صدره وقلبه بيد الله فهو وحده القادر على أن يشرح صدره لهذا الأمر الذي هو في غاية الدقة والمشقة والصعوبة، ولذلك زاد فقال:

{وَيَسِّر لِيَ أَمْرِي}

 

سأل ربَّه أن يجعل أمره يسرًا، وهو وحده يعلم كيف يُيَسِّرَه ويَقدر على ذلك، وقد فعل فيسَّر له كل أموره، وجعل له معجزته في عصاه، وردَّ عنه كيد عدوه فرعون وطغيانه، فلم يضره، إلاَّ أذى ينال عليه الأجر الجزيل عند الله، ثم قال في دعائه:

 

{وَاحلُلْ عُقدَةً مِّن لِّسَانِي يَفقَهُواْ قَولِي}

 

سأل الله أن يحل عقدة من لسانه حتى يقوى على حسن التعبير؛ فيفهموا قوله ويفقهوه، ذلك أن لسان موسى كانت به حُبْسة، قال بعض المفسرين: "كانت لثغة طبيعية"، كما يحدث لكثير من الناس، لا ينطقون ببعض الحروف نطقًا سليمًا، وقال آخرون ـ وهم الجمهور ـ: "إن عقدة لسانه، كان لها سبب، وذلك لحادث وقع له في صباه، إذ من المعلوم أن موسى تربَّى في حجر فرعون، أرضعته أمه صغيرًا وبعد فطامه ردَّته إلى فرعون، فكان يُربِّيه ويلاطفه، ولَم يكن له ولد، فاتخذه ولدًا، وفي يوم من الأيام كان موسى يلعب في حجر فرعون وكان في يده عود فمدَّ يده إلى لحيته فاجتذبها، وضربه بذلك العود على رأسه، فغضب فرعون وتشاءم من ضربته وأوَّلَ هذه الضربة، بزوال ملكه على يديه فأمر السياف بقتله، ولكن آسية ـ عليها السلام ـ امرأة فرعون تلطَّفت لفرعون، ورغبت إليه أن يستبقيه ولا يقتله، واعتذرت له أنه ولد صغير، لا يعرف النفع من الضر، وقال له: لتختبره بما يظهر صحة ما أقول، فأمر فرعون أن يوضع جمر في طست وجواهر في طست آخر، ويوضع بين يديه لينظر أيهما يأخذ، ففعلوا ووضع الطستان بين يدي موسى، فمد يده إلى الجواهر، ولكن مَلَكًا سدَّد يده بأمر من الله إلى الجمر، فأخذ جمرة فألقاها في فمه فاحترق بعض لسانه، فأحدث الحرق فيه لثغة، فتعقد نطقه؛ ولذلك قال فرعون بعد ذلك، وهو يُهوِّن أمر موسى بعد الرسالة: {أمَ أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين ولا يَكاد يُبِين} إشارة إلى هذا الاحتباس الذي كان في لسانه قبل أن يزول"، أما بعد الرسالة وبعد أن استجاب الله لموسى فقد حلت العقدة، سأل موسى ربه أن يحل عقدة من لسانه ليفصح كلامه؛ فيفهموه ويفقهوا قوله؛ لأن الكلام الفصيح أقرب إلى الفهم والفقه والقبول، ثم زاد موسى في دعائه فقال:

 

{وَاجعَلْ لِّي وَزِيرًا مِنَ اَهلِي هَارُونَ أَخِي اِشدُدْ بِهِ أَزرِي وَأَشرِكْهُ فِي أَمرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَّنَذكُرَكَ كَثِيرًا اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}

 

طلب موسى وزيرًا مقوِّيًا له ومعينًا له في أمره هذا الخطير، وطلب أن يكون أخاه هارون، وسأل الله أن يشركه في أمره حتى يتعاونا معًا على تحمُّل أعباء الرسالة، ويقبلا على العبادة على تسبيحه وذكره كثيرًا، وقد علم موسى بما علَّمه الله أن تسبيح الله وذكره من أعظم أفعال العبادة وأحظاها عند الله ـ تعالى ـ، وأنهما خير معين لهما على الأمر الذي يقبلان عليه من دعوة الناس إلى الله، فبالتسبيح والذكر يظفران بعون الله وتسديده وحفظه {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} (البقرة:152)، تلك هي العُدَّة، وهي أقوى من كل عُدَّة، ومن كان مع الله وكان الله معه لا يخيب؛ ولذلك قال حين كاد أن يدركه العدو: {كلا إن معي ربي سيهدين} (الشعراء:62).

 

{اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}

 

ختم موسى دعاءه بالثناء على ربه، وهذا من أدب الدعاء وأثنى عليه بما هو أهله، وبما يناسب المقام قال يا رب إنك كنت ولا تزال بصيرًا بنا وبأعمالنا وبنوايانا، وبصيرًا بأعدائنا ومَكرِهِم لا تخفى عنك خافية، وعلى البصير الحي القيوم الواحد الأحد المقتدر يتوكل المتوكلون.

 

{قَالَ قَدُ -اوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}

 

استجاب الله لموسى دعاءه وآتاه جميع سؤله، وصرح له بذلك تطمينًا لخاطره، وناداه باسمه إيناسًا له وإشعارًا بقربه من ربه وحظوته عنده، فلله ما أحلى هذه الكلمة!، وكم تحتوي عليه من الألطاف، ولقد كان موسى موقفًا في انتهاز هذه الفرصة للدعاء في هذا المقام المبارك مقام المناجاة ولحظة التجلِّي، سأل موسى ثمانية أشياء فأسعفه ربه بها كلها، سأل ربه أولا شرح صدره:

 

{قَالَ رَبِّ اشرَحْ لِي صَدرِي}

 

والشرح ـ في اللغة ـ: هو التوسيع وإذا ذكر في القرآن فهو نور يقذفه الله ـ تعالى ـ في قلب من يريد هدايته {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} (الأنعام:125)، {أفمن شرح الله صدره للاِسلام فهو على نور من ربه} (الزمر:22)، وضدُّ الشرح: الضيقُ وقساوة القلب وإظلامه، وشتان ما بين الضدين، فالذي شرح الله صدرَه يعبُد الله على الرضا واليقين، ويتلقى أوامر الله وأحكامه، ولا يجد في نفسه حرجًا منها ويسلّم تسليمًا، ويرضى بقضاء الله ويصبر لبلائه ويشكر لنعمائه، ويحمد الله على كل حال، وهو الفرق بين المؤمن والمنافق ومريض القلب، فمن وجد صدره منشرحًا للإسلام فليحمد الله على ذلك، ومن وجد صدره ضيقًا حرجًا فليطلب العلاج، ولا ييأس من نفسه إذ ربما يقف على سبب ذلك فيتَّقيه، ويطلب الدواء فيشفيه الله فيصلح حاله، وشرح الصدر من أعظم نعم الله على عباده الذِّينَ اصطفى، ولقد امتن الله ـ تبارك وتعالى ـ على نبيّه الكريم فيما أنزل عليه {ألم نشرح لك صدرك} (الإنشراح:01)، وامتن على عباده المؤمنين بمضمون الشرح فقال {ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم وكرَّهَ إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} (الحجرات:07)، وهذا معنى آخر واضح من معاني شرح الصدور للإسلام

 

وقد سئل رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ عن معنى الشرح، قالوا يا رسول الله ما شرح الصدر؟ فقال: "نور يقذف في القلب"، ثم سألوه عن أمارة ذلك فقال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله".

 

ولا نجد تفسيرًا لكلام الله أحسن من تفسير رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أمارات ثلاث بيَّنها النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وجعلها علامة على شرح الصدر، ولها في واقع الناس مظاهر وآثار، منها قوله ـ تعالى ـ في الإنفاق في وجوه البر {ومن الاَعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السَّوء والله سميع عليم} (التوبة:99)، {ومن الاَعراب من يُومن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} (التوبة:100)، بيَّن الله ـ تعالى ـ في هذه الآيات حقيقة الفريقين، الفريق الذي شرح الله صدره للإسلام، فهو ينفق راضيًا راغبًا بإنفاقه القربة عند الله، والفريق الذي لم يشرح الله صدره، فهو ينفق عن كره ويتخذ ما ينفق مغرمًا، والمغرَم: ما يأخذ جبابرة الملوك على الرعايا ظلمًا، فهم ينفقونه مكرهين ويتربصون دوائر السوء للانتقاض، ولذلك ما إن مات رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ حتى منعوا الزكاة وحاربوا جيوش المسلمين الذِّينَ دعوهم إلى حقيقة الإسلام فلم يستجيبوا، تلك هي الصدور الضيقة الحرجة التي لم يشرحها الله للإسلام، وهذا أمر الله، ونحن ليست لنا قوة على صنع قلوبنا كما نريد، فنسأل الله أن يشرح صدورنا للإسلام ويُغَلِّبنا على النفوس والأهواء، وندعوه كما دعاه عبده موسى على نبينّا ـ عليه الصلاة والسلام ـ

.

ثم إن موسى ـ عليه السلام ـ سأل المطلب الثاني وهو تيسير الأمر فقال

 

:

{وَيَسِّر لِيَ أَمرِي}

 

لقد كلف موسى أمرًا شاقًا وطويلا لا يقوى على تحمُّله والقيام به إلاَّ من أعانه الله، ولذلك طلب من الله التيسير، طلب من الله أن يُهوِّن عليه الصعب ويذلِّله له، وهو وحده القادر على ذلك، فلا يسير إلاَّ ما يسر الله ـ تعالى ـ، قال صاحب شرح العقيدة: "فجاءت نملة فاحتزمت، وقالت باسم الله، فحملت العرش بإذن الله"، وكثيرًا ما نغفل في أمورنا عن ذكر الله ونعتمد على قواتنا ومعرفتنا وأدواتنا، وننسى ذكر الله ولا نطلب منه التيسير، وما كان ينبغي لنا أن نغفل عن ذكر ربنا، فهذا الدعاء من موسى ـ عليه السلام ـ وإيراده في القرآن تنبيه وإرشاد أن نتوكل على الله في جميع أمورنا بعد أن نأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، ثم نطلب منه التيسير، وكثيرًا ما يرزقنا الله بغير سبب، والله يرزق من يشاء بغير حساب، سأل موسى من ربه التيسير كي يتمكن من القيام به على أحسن وجه، ثم سأله السؤال الثالث والرابع.

 

{وَاحلُلْ عُقدَةً مِّن لِّسَانِي يَفقَهُواْ قَولِي}

 

سأل موسى ربَّه أن يَحُلَّ عُقدة من لسانه، وقد تقدم ذكر سبب هذه العقدة، وقد أدرك موسى أن الكلام الفصيح له تأثيره في السامعين؛ لذلك طلب حلَّ عقدة لسانه حتى يفقهوا قوله، وَفَقْهُ الناس قولَه: هو نفسه مطلبٌ آخرُ يتوجه به موسى إلى ربه بذكره هنا؛ لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، ولأنه قد يكون الكلام فصيحًا مفهومًا لا لُبس فيه؛ ولكنه لا يقبل ولا يفقه، والفَقْه، شيء أعمق من الفَهْم، والفاقِه أبلغ في الأمر من الفاهم، ثم إن موسى طلب المطلب الخامس والسادس والسابع والثامن فقال:

{وَاجعَلْ لِّي وَزِيرًا مِنَ اَهْلِي هَارُونَ أَخِي اِشدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشرِكْهُ فِي أَمرِي كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَّنَذكُرَكَ كَثِيرًا اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}

 

سأل موسى ربه أن يَجعل له وزيرًا يُعينه في أموره إذا أحسن ويُنَهنِهَه إذا أستشاط به الغضب؛ لأن موسى كان سريع الغضب عصبي المزاج، وهارون كان أسنَّ من أخيه موسى، وكان ذا رزانة وحلم، ولابدَّ لِمثل هذا الأمر من غضبة موسى وحلم هارون، والملوك إنَّما تصلح بصلاح وزرائها وبطاناتها، فتجد الوزير الصالح لا يجاري الملك في هواه إذا هوى، ولا في غضبه إذا غضب، إنما يذكره ويبصره بعواقب الأمور، ويكفكف عن غربه إذا غضب، ويعينه على الإحسان إذا أحسن، فتستقيم أموره وتصلح رعيته.

 

كذلك طلب موسى من ربِّه وزيرًا يكون من أهله؛ لأنه يكون أخلص في المودة والنصح، وطلب أن يكون هذا الوزير أخاه الشقيق هارون لِما عَلِم فيه من الإيمان والاستقامة والرزانة والحلم وفصاحة اللسان، طلب من الله أن يشد به أزره، ويشركه في أمره: أي يُحمِّلَه الله من هذا الأمر مثل ما حَمَّلَه، وتلك هي الشركة فحينئذ يشد أزره، وشدُّ الأزر: هو تقوية الظهر، والمقصود شدُّ قُوَّته على تَحمُّل الأمر، فهو يعينه ويشير عليه ويقوي جانبه ويهدئ أعصابه إذا غضب، ويتحمل معه أذى فرعون وقومه ويَخلُفَه في قومه إذا غاب.

 

{كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَّنَذكُرَكَ كَثِيرًا اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}

 

يقول موسى لربِّه بعد أن سأله هذه الأمور: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا}... الآية؛ لأن موسى قد علم بما علَّمه الله أن ذكر الله والتسبيح بحمده هو غاية الغايات، وما المقصود من اختياره وبعثه إلى فرعون وقومه وبني إسرائيل إلاَّ دعوة الناس إلى توحيد ربهم بالعبادة، وذِكره وتسبيحه، وخير الأعمال أن لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، وذكر الله يكون بالقلب، وما اللسان إلاَّ آلة للتعبير عما في القلب، وبكليهما ينال الذَّاكر الأجر عند ربه والله يحب الذاكرين ويجزي الشاكرين.

 

{قَالَ قَدُ اوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)}

استجاب الله لموسى كل دعواته وبشَّره في الحين قبل أن ينطلق إلى وجهته تطمينًا لخاطره وإكرامًا له، ثم خاطبه بخطاب آخر يُلفِتُه فيه إلى ما منَّ عليه من قبل، منذ ولادته وصباه حتى يزداد اطمئنانًا إلى حفاوة ربه به وإكرامه إياه؛ وذلك لعنايته به واجتبائه لتلقِّي وحيه وتبليغ رسالته.