إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 42 - 55 ) دعوة موسى عليه السلام لفرعون
طباعـة

اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)

-----------------------------

 

بعد أن طمأن الله عبد موسى بتعداد نعمه عليه، وتذكيره بها وآنسه باصطناعه لنفسه، أمره أن يذهب إلى فرعون بصحبة أخيه.

 

{اِذهَبَ اَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي}

 

اذهب أنت وأخوك هارون مزودين بآياتي، الآيات التي أراه الله إياها، والتي سيريهما هو وأخاه وبني إسرائيل وفرعون وقومه.

 

وفي قوله ـ تعالى ـ: {اِذهَبَ اَنتَ وَأَخُوكَ}

 

إيذان من الله ـ تعالى ـ أن الله قد استجاب له، وأعطاه سُؤْله، وقد أوحى لأخيه هارون وأشركه في أمره، والله ـ تعالى ـ لا يشغله شأن عن شأن.

 

قال ـ تعالى ـ: {ولا تنيا في ذكري}

 

أي: ولا تفترا عن ذكري؛ لأن ذِكر الله هو النور، وهو العون لهما على جميع أمورهما، وهو سلاحهما ودرعهما الذي يقيهما كيد إبليس ومن دون إبليس من شياطين الجن والإنس، وهذا إرشاد من الله لنا أن نستعين في أمورنا كلها بذكر الله ـ تبارك وتعالى ـ، وكذلك جاء في القرآن الكريم {يا أيها الذِّينَ ءَامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} (الأنفال:45).

 

وجه الله الأمر إليهما بالذهاب بصيغة التثنية؛ لأن المأمورين موسى وهارون، وقد يكون الله أمر هارون كما أمر موسى، وقد يكون الأمر في مناسبة أخرى بعد هذا الموقف، وجاء التصريح هنا بفرعون، ووُصِفَ بالطغيان؛ لأنه المقصود الأول بالذهاب، فهو رئيس القوم المعبود المتَّبع الذي طغى واستعبد الناس وجعلهم شيعًا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وهو الطغيان البيِّن، فأراد الله أن يقيم عليه الحجة قبل أن ينتقم منه، وقد علم الله أنه لا تنفعه الذكرى وأمر عبده موسى وأخاه هارون أن يقولا له قولا لينًا فقال:

 

{فَقُولاَ لَهُ قَولاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى}

 

ومن رحمة الله ـ تعالى ـ أن يختار رسله ويجعلهم على أخلاق حسنة ثم يأمرهم بِإِلانة القول للذين يدعونهم، وكذلك أمر عبده ونبيّه موسى أن يلين القول لفرعون الطاغية، وفي الأمر إشارة إلى حق فرعون على موسى؛ لأنه الذي رباه وأحسن إليه زمنًا طويلا، وفي قوله ـ تعالى ـ:

 

 

{لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى}

 

حثٌّ لموسى أن يجتهد في تبليغ الدعوة بأسلوب حكيم فيه رفق ولين رغبةً في إيمان فرعون، لعله يرجع إلى الفطرة، ويتذكر الحق، ويخشى عذاب الله وعاقبة الكفر والطغيان.

 

{قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَّفرُطَ عَلَينَا أَوَ اَن يَّطغَى}

 

جاء القول هنا بالتثنية، ولم يكن هارون مع موسى، فقد يكون هذا القول في مناسبة أخرى وهما مجتمعان، وقد يكون قول هارون موافقًا لقول موسى حين أوحى الله إليه هو الآخر، فنسب القول إليهما جميعًا، قال موسى وهارون:

 

يا ربنا {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَّفرُطَ عَلَينَا}

 

أي: يُعجِّل علينا في العقوبة، ويطغى علينا طغيانًا يقطع علينا طريق الدعوة.

 

{قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}

 

قال الله لهما لا تخافا وتوكلا عَلَيَّ واعتصما بي إنني معكما، ستجداني عندكما ومعكما أسمع وأرى، وناصية الأمور كلها بيدي، ثم لا يقع في ملكي إلاَّ ما أريد، ومن كان الله معه فهو الغالب المنتصر، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

 

{فَاتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُم قَد جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}

 

بعد أن طمأن الله موسى وهارون بِمعيَّته وسمعه وبصره، لقن لهما القول الذي يقولانه لفرعون والمطالب التي يقدمانها له، أمرهما أن يأتياه ويقولا له: إنا رسولا ربك الذي هو الله لا إله إلا هو أرسلنا بالحق وأيَّدنا بالآيات البيّنات.

 

{فَأَرسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ}

 

أطلِق سراح بني إسرائيل، وأرسلهم معنا ولا تعذبهم باستخدامهم وقتل أبنائهم.

 

{قَد جِئنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}

 

قد جئناك بالحق مؤيَّدين بآية من ربِّك ربِّ السماوات والأرض، والآية هي العصا واليد

.

{وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}

 

السلام: هو الأمن والعافية وحسن العاقبة، وحفظ الله وعنايته على من اتبع هداه وآمن برسله وصدق بكلماته.

 

{إِنَّا قَدُ -اوحِيَ إِلَينَا أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}

 

إن الله قد أوحى إلينا فيما أوحى أن عذابه يحق على من كذب بآياته وتولى ولم يؤمن، وأعرض عن ذكره واتخذ آيات الله هزوًا، هذا ما كان من أمر الله لموسى وهارون، فاستمَعَا لأمر الله وذهَبَا إلى فرعون وبلَّغا له ما أُمِرا به من القول في حكمة وموعظة حسنة وقول لين، فماذا كان جواب فرعون لهما بعد هذا؟

 

لقد أنكر أن يكون الله ربَّه، واستنكف واستكبر فردَّ عليهما السؤال في كبرياء وجحود.

 

{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى}

 

قال: فمن ربكما يا موسى؟ فكأن الله رب موسى وهارون وحدهما، وليس ربًّا لفرعون وقومه ورب العالمين، تَجاهَل فرعون أمر ربَّه، وسأل موسى سؤال تعنت وعناد، ونادى موسى باسمه كالمحتقر الذي لا يعترف بنبُوَّته ولا برسالته هو وأخيه هارون، وأفرد موسى بالتصريح باسمه؛ لأنه يعلم أنه هو الأصل في القضية، وهو القائم بأمر الدعوة والتبليغ والمحاور لفرعون.

 

{قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}

 

ألهم الله موسى فأجاب فرعون بجواب سديد مقنع، فعرّف ربه تعريفًا بينًا بوصفين يعجز عنهما فرعون وغير فرعون، عرَّف ربه بالخلق والهداية، وهما وصفان خاصان بالله ـ تبارك وتعالى ـ، {قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، ربنا الذي خلق كل شيء على هيئة خاصة سواها تسوية، ثم هدى كل مخلوق إلى القيام بمهمته التي خلقه الله من أجلها أحسن قيام، وفي هذا باب واسع من العلم لمن أراد أن يطلع على حكمة الله ورحمته بمخلوقاته، ما من شيء خلقه الله إلاَّ ومكَّنه بما مكَّنَه به من الإلهام الذي يؤدي به وظيفته التي خلق من أجلها، وألهم الحيوانات أن تبني بيوتها وأوكارها وأعشاشها، وأن تربِّي صغارها وأن تجمع أقواتها، وسلَّحها بالأسلحة التي تدافع بها عن نفسها، والآية أعم من الحيوانات دقيقها وجليلها، بل تعُمُّ كل ذرة، وكل مخلوق في الأكوان علويها وسفليها، مما نبصر وما لا نبصر، وتنطبق أيضًا على جوارحنا وأعصابنا وعروقنا، كل مخلوق على الهيئة التي تصلح به، وألهمه أن يؤدي وظيفته أداء دائبًا مستمرًا إلى أجله المضروب، وجاءت: "ثم" هنا، لا للمهلة فليس ثمة مهلة بين خلق الأشياء وهدايتها، وإنما هي لإلفاتنا إلى حكمة الهداية، بعد الخلق ورحمة الله بخلقه وإتقانه لصنعه، فكم يمكننا أن نحصي مخلوقات الله في هذا الكون الواسع؟ ومن ذا الذي يحصي وظائف المخلوقات كلها {وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً} (الإسراء:85).

 

وفي غير موضع من القرآن الكريم نجد الخلق مقرونًا بالهداية، هنا في محاورة موسى لفرعون، وفي محاورة إبراهيم ـ عليه السلام ـ لقومه: {الذي خلقني فهو يهدين} (الشعراء:78)، وفي سُورَة {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} (الأعلى:01-03)، وهذا النمط من الهداية نجده في سُورَة النحل {وأوحى ربنا إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذُلُلاً} (النحل:68-69) وكذلك ألهم الله النمل والجراد والطيور والحيتان والدواب، وكل شيء خلقه الله {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاَّ أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} (الأنعام:38)، وتتسع هذه الهداية لجميع المخلوقات حتى الذرات من الجماد والسحب والأمطار والنبات، كل يسير في خطة معينة مرسومة، والنجوم والكواكب تسبح في أفلاكها في نظام دقيق، وكان فرعون يستمع لموسى وهو يحاوره ولم يرد عليه؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أن هذا الكلام حق، وإنما ذهب في مرائه مذهبًا آخر، فسأل عن القرون الماضية: أعلى هُدىً هي أم في ضلال؟

 

{قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الاُولَى قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}

 

قال فرعون لموسى فما بال القرون الأولى؟، أي الأجيال الماضية، سأل هذا السؤال، وكأنه تأثر بكلام موسى، وأحس في نفسه بنوع من التذكر، ومهما بلغ أحد من الطغيان فإنه لا بدَّ تمر به لحظات يتجلى نور الحق في ضميره، وتقوم به عليه الحجة، ولكن سرعان ما تطغى الشهوات والأهواء فينكص على رأسه، ونعوذ بالله من غلبة الأهواء وطغيان الشهوات.

 

ويقول بعض المفسرين: إن فرعون سأل عن القرون الأولى مداورة منه ومناورة لينقل الحوار إلى موضوع آخر، حتى لا يظهر عن عجزه؛ لأن الحجة لزمته، وخشي أن يطلع الناس عن عجزه، وقد كان ينبغي له الإنصاف والتسليم بالحق لولا الكبر، فانتقل إلى السؤال عن القرون الأولى، وما له والقرون الأولى، وما هو عنها بمسؤول، فوفق الله موسى إلى الجواب السديد.

 

{قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}

 

ألهم الله عبده موسى ـ عليه السلام ـ هذا الجواب الحكيم القاطع، وهذا من الله تعليمٌ لنا وتلقين؛ لنتعلم كيف نجيب أمثال فرعون المتنطعين الذِّينَ إذا دعوتَهم إلى الحق بالبرهان والحجة يقولون: وما بال آبائنا وأجدادنا؟ لقد كانوا إذن على ضلال، وهذا هروب من الإنصاف عن الحق، ومالنا ولآبائنا الأولين، إنهم كانوا مهتدين وحِدْنا عن هداهم، فلن ينفعنا هداهم شيئًا، إن نحن تنكَّبنا طريقهم واتبعنا سبل الضلال، وإن كانوا ضالين فاهتدينا فلن يضرنا ضلالهم شيئًا، إنما أمرهم وأمرنا كما قال الله: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} (البقرة:141).

 

{قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}

 

قال علم تلك القرون عند ربي، أي: لا عندك ولا عند أربابك الذِّينَ تعبدهم من دون الله، علم تلك القرون والطرق التي سلكها من أطاع منهم ومن عصى، وجزاء الفريقين عند ربي في كتاب مدون مضبوط، لا يضل ربي ولا ينسى.

 

وقد فكرت كثيرًا في معنى هذا الضلال المنفي هنا في حق الله ـ تعالى ـ حتى اهتديت إلى المقصود منه بالرجوع إلى كتاب الله ـ تعالى ـ وما فسَّر القرآن مثل القرآن، وذلك قوله ـ تعالى ـ: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاُخرى} (البقرة:282)، والضلال هنا: ليس هو إتباع طريق الغواية وطاعة الهوى، إنما هو الخطأ والتضييع عن غير قصد، والنسيان قريب من هذا المعنى، ولذلك قُرِنا هنا معًا في نسق كما قُرِنا أيضًا في قوله ـ تعالى ـ: {ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة:286)، قرن الخطأ مع النسيان، وهو الضلال عن غير قصد في قول أو عمل، فالضلال هنا: هو الجور عن الصواب، قال موسى هذا الكلام لفرعون صَرفًا له عن فضوله، وتدخُّله فيما لا يعنيه، وهي حجة مُلزِمة، وجواب قاطع له ولغيره من كل مجادل متنطع لا يقبل الحق ولا يريده، ثم ذكَّره بربه الذي أسبغ عليه وعلى قومه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهي دلائل على وجوده وقدرته وسعة علمه ورحمته بخلقه.

 

{الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرضَ مِهَادًا وَّسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَّأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخرَجْنَا بِهِ أَزوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى}

 

لا زالت محاورة موسى ـ عليه السلام ـ لفرعون مستمرة، والكلامُ كلامُ موسى، وفي أثنائه يأتي قوله ـ تعالى ـ: {فَأَخرَجْنَا بِهِ أَزوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى...} إلخ، وهذا من كلام الله ـ تعالى ـ، وقد يكون كلام موسى ويكون الله صاغه صياغة أخرى، تصلح لكل قوم ولكل زمان، والكل من عند الله، وإذا كان هذا من كلام موسى فهو تذكير لفرعون بنعمة الله في تمهيد أرض مِصر التي هي من أخصب وأطيب بلاد الله، وإن كان هذا من كلام الله ـ تعالى ـ، والالتفات من فنون البلاغة، فالله ـ تعالى ـ يذكرنا بنعمه في تمهيد الأرض للزرع والبناء والضرب فيها، وأن الله سلك لنا فيها سبلا متتابعة من قرية إلى أخرى وأنزل الله من السماء ماء فأخرج به أصنافًا وأنواعًا من نبات مختلف الأشكال والألوان والطعوم، من كل صنف زوجان.

 

{كُلُوا وَارْعَواْ اَنعَامَكُمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى}

 

إن في ذلك التمهيد للأرض، وجعْل السبل فيها، وإنزال الماء من السماء، وإخراج أزواج النبات من الأرض من متاع الناس والأنعام لآياتٌ لأولي العقول والألباب الذِّينَ يتفكرون في نعم الخالق الرازق؛ فيزدادون له حبًا وبه إيمانًا وتعلقًا، أباح الله خيرات الأرض والطيبات من الرزق.

 

{كُلُوا وَارْعَواْ اَنْعَامَكُمُ}

 

كلوا من ثمارها وخضارها وحبوبها، وارعوا أنعامكم في نجودها ووهادها وجبالها، واسقوها من مياهها، واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون، وتفكروا في الخلق تفكير يهديكم إلى الخالق، وما هدى الإنسان مثل التفكر، فهو الذي يجعل الكافر مؤمنًا والمتحيِّر موقنًا، ويزيد المؤمن إيمانًا، ولذلك حثَّ الله على تدبر آياته البينات في مخلوقاته ومدح المتفكرين وذم الغافلين المعرضين.

 

{مِنهَا خَلَقنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُم وَمِنهَا نُخْرِجُكُم تَارَةًاخْرَى}

 

يقول الله ـ تعالى ـ: من الأرض خلقناكم الخلق الأول، وفيها نعيدكم يوم دفنكم، ومنها نخرجكم يوم بعثكم تارةً أخرى، يذكرنا ربنا ـ تعالى ـ بعهدنا الأول ومَقَرِّنا الأخير، وأصل تكويننا المادي الذي منه تكويننا الأول ومعيشتنا، فأجسادنا هذه من ذرات الأرض تتغذى من نباتها، وفيها تثوي وتنحل، ثم منها تبعث يوم ينفخ في الصور، وبهذا المعنى يذكر موسى فرعون حتى لا يطغى، ولقد كان طغيانه بأرض مصر ونيلها ومزارعها، فقال له موسى: إن هذه الأرض منها خلقتَ وفيها تعود ومنها تخرج تارةً أخرى للبعث والحساب، وإنها لتذكرة بليغة لو كان يعي ويعقل، ولكنه الكبر والعناد والتمرّد والإباء، ومن كان طبعه كذلك لا يؤمن ولو جاءته كل آية حتى يرى العذاب الأليم.