إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 70 - 82 ) إيمان السحرة وإغراق فرعون
طباعـة

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

--------------------------

 

كان نزول سُورَة: "طه"، في مكة قبل الهجرة، ولذلك يطوي فيها الكلام عن بني إسرائيل وأحوالهم في اختصار والمقصود بها الإدِّكار والاعتبار، وليس في مكة بنو إسرائيل وسيبسط عنهم الكلام في القرآن المدني.

 

وهنا بعد الكلام عن إيمان السحرة والموعظة البليغة التي تلي حكايتهم يأتي الكلام عن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر؛ لينجوا من عذاب فرعون؛ وليهلك فرعون غرقًا هو وقومه وراءهم، ويمتن الله على بني إسرائيل بنجاتهم من عدوهم، وبميعاد موسى نبيهم جانب الطور الأيمن، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وهو طعام مغذٍ ولذيذ، ويخاطبهم بإباحة الطيبات ويُحذرهم من الطغيان؛ حتى لا يحل عليهم غضب الله، ومن يحلل عليه غضب من الله فقد هوى، وأن الله لغافر بعد ذلك ذنوب التائبين المؤمنين المهتدين الذِّينَ يعملون الصالحات، كل هذه الأطوار التي تعاقبت في تاريخ طويل تطوى في كلمات بليغة، فيها العبرة الكافية والموعظة البليغة والذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

 

{وَلَقَدَ اَوحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنَ اَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي البَحرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَّلاَ تَخشَى}

 

يخبرنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ عن عاقبة بني إسرائيل، وكيف نَجاهم بعد إيمانهم بربهم وأنبيائه، وبعد صبرهم الطويل على أذى فرعون وقومه، لقد كانت عاقبتهم حسنة وعاقبة عدوهم الدمار والبوار، {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} (الأعراف:137-138)، لقد مرت سنوات وسنوات بعد إيمان السحرة وقتلهم، طغى فيها فرعون طغيانًا كبيرًا، وظلم بني إسرائيل ظلمًا كبيرًا، وكان الأشقياء من بطانته يغرونه بذلك، ويستمع إليهم ويأمر بالقتل والتنكيل وأصناف الأذى، {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الاَرض ويذرك وآلهتك قال سنُقتِّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الاَرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الاَرض فينظر كيف تعملون}

 

وكان موسى يأمر قومه بالصبر على طغيان فرعون والبلاء العظيم، ويعدهم أن عاقبة الصبر للمتقين حسنة وكانوا يشتكون إليه من طول أمد هذا البلاء وتأخر الفرج، فيطمئنهم بتحقق وعد الله، إن الله سيهلك عدوهم ويستخلفهم في الأرض بعده، فينظر كيف يعملون، وكان الله في هذا الأمد الطويل يأخذ فرعون وقومه بأنواع العقوبات لعله يرتدع، فما يزيدهم ذلك إلاَّ طغيانًا، وكانوا يطيرون بموسى ومن معه من المؤمنين، أخذهم الله بالسنين المتتابعات من الجدب ثم فرج عنهم بدعوة من موسى طمعًا في إيمانهم، وقد وعدوه بذلك حين مسهم العذاب ثم نكثوا، ثم أخذهم الله بالطوفان ثم بالجراد ثم بالقمل ثم بالضفادع ثم بالدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين، وكان الله ـ تعالى ـ يأخذهم بهذه الآيات عقوبة لهم على طغيانهم، وإقامة للحجة عليهم لعلهم يذكرون، قال ـ تعالى ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} (الأعراف:130).

 

وأخيرًا لما جاء الأجل المحدود لإهلاكهم، ولم يعد ينفع إمهالهم ولا يرجى إيمانهم، أمر الله ـ تعالى ـ موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا إلى جهة سيناء؛ لأمر أراده الله وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

 

{وَلَقَدَ اَوحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنَ اَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي البَحرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَّلاَ تَخشَى}

 

أوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ لعبده موسى {أَنَ اَسرِ بِعِبَادِي} والنسبة هنا نسبة تقريب وتشريف؛ لأنهم عباده الذِّينَ آمنوا به وصبروا على الأذى الذي لحق بهم من جراء إيمانهم برسالة موسى، فلما أراد الله تنجيتهم من البلاء العظيم ـ ولكل أجلٍ كتاب ـ أمر عبده موسى أن يسري بهم ليلا، بعدما أخبرهم ليستعدوا للخروج، وليجمعوا على ذلك أشتاتهم، وأظهروا أنهم يستعدون للخروج إلى عيد من أعيادهم، واستعارت نساؤهم حليّ نساء الأقباط فاجتمعوا وعددهم لا يقل عن ستمائة ألف كما نقلت الرواية، وهم اثنتا عشرة أسباطًا أممًا، فاجتمعوا ليلا، فخرج بهم نبيهم موسى إلى جهة البحر ومعهم تابوت يوسف، وقد أوصى ـ عليه السلام ـ أن يحمل إلى الأرض المقدسة، ويدفن مع آبائه إبراهيم واسحق ويعقوب، هذا ما كان من أمر بني إسرائيل.

 

أما ما كان من أمر فرعون وقومه، فإنهم لما سمعوا بخروج بني إسرائيل اغتاظوا لذلك، وتخوَّفوا من عاقبة هذا الخروج {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون} (الشعراء:53-56)، تخوَّف الأقباط من خروج بني إسرائيل وذهابهم إلى أرض كنعان وهي وطنهم الأصلي، فخافوا أن يستنجدوا بأهل كنعان ويرجعوا إليهم غازين، وهذا ليس ببعيد واغتاظوا لخروجهم عاصين، فهم يعتبرونهم عبيدًا لهم وزادهم غيظًا أن نساءهم أخذت حُلِيَّ نسائهم، ورجالهم أخذوا دوابهم وركبوها وحملوا عليها أمتعتهم، فهم لا محالة يخرجون كلهم متحمسين لينتقموا من معبّديهم، وليسترجعوا أموالهم التي أخذوها منهم، ورُوِيَ أيضًا أن الملائكة دخلت تلك الليلة دور الأقباط وقتلوا أولادهم؛ حتى لا يشغلوهم عن طلب بني إسرائيل، وحتى يَخِفُّوا في الخروج إلى حيث يلقون جزاءهم، وحتى يقطع دابر الأقباط فلا يبقى لهم خلف، وتلك عاقبة الظالمين، ولا تستعبد هذه الرواية، أليس الذِّينَ كانوا يقتلون أولاد بني إسرائيل يستحقون أن يقتل الله أولادهم انتقامًا منهم للمستضعفين المظلومين {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} (الأعراف:129)، طالما كان نبي الله يصبرهم ويردد لهم أمثال هذه الكلمات التي تربط على قلوبهم وتبعث فيهم روح الأمل في فرج الله، فيها قد جاء الفرج لقد أرسل الجبار فرعون في مدائن مصر جنودًا يحشرون الأقباط للخروج مع ملكهم فرعون، فلا يتخلّف منهم أحد، ولهذه الأسباب التي ذكرنا لبوا نداءه وخرجوا متحمسين لم يتخلّف منهم أحدًا يستطيع المشي أو الركوب، فخرجوا في جموع هائلة تكون جموع بني إسرائيل بالنسبة إليهم شرذمة قليلين، لحقوا بهم مسرعين حتى تراءى الجمعان.

 

{فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} (الشعراء:61-62)، لما تراءى الجمعان لحق بني إسرائيل الفزع من أعدائهم الكثيرين الحردين عليهم، وقد عارضهم البحر من الأمام، فإلى أين المفر؟ المفر إلى الله، كذلك قال موسى ولم يكن يعلم بعد كيف يكون المخرج، ولكنه أحسن الظن بربه، وهذا موقف من الإيمان لا يقوى عليه إلاّ الصديقون.

 

{قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} (الشعراء:63).

 

أحسن موسى ظنَّه بربِّه فكان الله عند ظنِّه، فأوحى إليه أن يضرب بعصاه البحر، فما هو إلاّ أن ضربه فانفلق الماء عن طريق في قاع البحر يبسًا ليس فيه وحل ولا مزالق، وانحازت جبال من الماء يمينًا وشمالاً.

 

{فَاضرِبْ لَهُم طَرِيقًا فِي البَحرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخشَى}

 

أمره الله تبارك في لحظة الخطر، وبعدما صدق في الامتحان أن يضرب لهم بقدرة الله طريقًا في البحر يابسًا، لا يخاف بعده إدراك العدو ولا يخشى غرقًا ولا عدوًا آخر يعارضه في مروره، بل لقد كانت ملائكة الله تواكبه، وفي نفس الوقت كانت تدفع جند فرعون من ورائه ليسلك الطريق الذي فيه هلاكه وهلاك قومه، قال ـ تعالى ـ: {وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} (الشعراء:64-66)، كذلك كانت نهاية القوم الظالمين لقد أضل فرعون قومه وما هدى، لقد أخرجهم من مساكنهم إلى غير رجعة.

 

{فَأَتبَعَهُم فِرعَونُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُم وَأَضَلَّ فِرعَونُ قَومَهُ وَمَا هَدَى}

 

لقد كان يظن فرعون أنه يتبع موسى بجنوده لينتصر عليهم ويردهم إلى مصر صاغرين، وما كان يظن أنه يسعى إلى عذاب الله، حتى إذا أزلفه الله في البحر هو وقومه أجمعين غشيهم من اليم ما غشيهم، فلما أيقن بالهلاك نطق بكلمة الإيمان، ولم يك ينفعه إيمانه لما رأى العذاب، بل أيقن حينئذ أنه هالك وأنه أضل قومه وما هداهم، ولا يعلم إلاَّ الله ما غشيهم من الحسرات ساعتئذ، وما تستقبلهم من الحسرات والويلات يوم القيامة {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} (هود:98)، انتهت قصة فرعون وقومه بالغرق وطويت ربوبيته المزعومة بين أمواج البحر، ورمى البحر جثته بإذن الله؛ لتكون للناس بعده آية حتى يوقنوا بهلاكه، وتتلاشى مزاعم الألوهية المدعاة؛ لأنه لو لم تظهر جثته لزعم الناس أنه غاب وسيرجع يومًا ما، وفي هلاكه عبرةٌ وأي عبرة، وآيةٌ تدل على وحدانية الله وقدرته الجبارة، ونصرةٌ لأوليائه وانتقامه من أعدائه ثم إن الله ـ تعالى ـ أورث تلك الجنات التي كانوا فيها مترفين فاكهين أورثها القوم المستضعفين قال ـ تعالى ـ: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قومًا آخرين فما بكت عليهم السماء والاَرض وما كانوا منظرين} (الدخان:25-29).

 

رُوِيَ أنه إذا مات المؤمن يبكي عليه موضع سجوده من الأرض وموضع صعود عمله من السماء، وهنا في الآية إشارة لطيفة إلى ذلك، وأن هؤلاء المجرمين ما بكت عليهم السماوات والأرض وما كانوا منظرين لَمَّا حان موعد هلاكهم، بل ذهبوا إلى سخط الله غير مأسوف عليهم، وتركوا الشيء الكثير من الجنات والعيون في مقام كريم، أقامهم الله فيه وما شكروا أنعمه بل كفروها فأُخرِجوا منها، وأورثها الله قومًا آخرين ليسوا بأولادهم ولا أحفادهم ولا ذويهم، بل أورثها قومًا آخرين، وهم الذِّينَ كانوا يستضعفونهم ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وهذه مِنَّة الله على بني إسرائيل بما صبروا، أنزلهم منازلهم وأورثهم كنوزهم ونجاهم من عدوهم، ولقد امتن الله عليهم بهذه الأنعم وبغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليهم من نعم الدنيا والدين، قال ـ تعالى ـ مخاطبًا إياهم بعد هلاك عدوهم:

 

{يَا بَنِي إِسرَائِيلَ قَدَ اَنْجَينَاكُم مِّن عَدُوِّكُم وَوَاعَدنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الاَيْمَنَ وَنَزَّلنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلوَى}

 

نداء من الله ـ تعالى ـ لبني إسرائيل يمتن عليهم بثلاث نعم عظمى؛ ليشكروا أنعم الله عليهم ولا يكفروها، وليطيعوه ولا يعصوه.

 

نجاهم من عدوهم بعد أن ذاقوا منه البلاء العظيم.

وهداهم بإنزال التوراة عليهم إلى صراط مستقيم.

 

وأطعمهم بنوعين هما من أطيب أنواع الطعام وهما المن والسلوى، والْمَنُّ: يشبه العسل، يجدونه على أوراق الأشجار ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يجمع الواحد منهم ما يكفيه له ولعياله كل يوم إلاَّ يوم السبت؛ فإنهم يجمعون نصيبه في يوم الجمعة، والسلوى نوع من الطير، وهي طيور السُّماني تتعرض لهم فيمسكون منها ما يشاؤون، وهذا بعد خروجهم من البحر، وقبل رجوعهم إلى منازلهم، والمنازل التي ورثوها من آل فرعون.

 

ثلاث نِعَم من كبريات النعم: النجاة من البلاء، والهدي، والإطعام من الجوع، كل ذلك ليتفرغوا لعبادة ربهم وطاعة نبيهم، وأنعم الله عليهم بالماء العذب الزلال أينما حلوا وارتحلوا، أوحى الله إلى موسى أن أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، على عدد قبائلهم قد علمت كل قبيلة مشربها فهم لا يتنازعون على الماء

 

{قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الاَرض مفسدين} (البقرة:60).

 

في هذه الرحلة إلى سيناء واعد الله موسى وسبعين رجلا يختارهم من قومه لميقات ربه، وكان الميقات جانب الطور الأيمن حيث كلمه الله وجرى بينهما من الحديث ما جرى وأنزل الله عليه ألواح التوراة فيها هدى ونور {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} (الأعراف:154)، لقد كانت عناية الله ببني إسرائيل عظيمة وذلك جزاء لهم على صبرهم وإيمانهم في أيام المحنة الطويلة، أكرم مثواهم وآتاهم ما لَم يُؤت أحدًا من العالمين، ثم أباح لهم الطيبات من الرزق، وحذرهم من الطغيان وعاقبة الطغيان.

 

{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَلاَ تَطغَواْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُم غَضَبِي وَمَن يَّحلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَد هَوَى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى}

 

يقول الله ـ تعالى ـ لبني إسرائيل وفي هذا القول ذكرى وعبرة لجميع الناس، يقول لهم:

 

{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم}

 

أي من الرزق الطيب الذي أنزلنا من السماء، والذي سُقنَاه لكم موفرًا، والذي أنبتنا لكم من الأرض الطيبة المباركة التي أورثناها لكم بعد هلاك عدوكم.

 

{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُمْ وَلاَ تَطغَواْ فِيهِ}

 

أي لا تطغوا بسبب تلك الأرزاق كما طغى من كان معكم، ورأيتم كيف نزل بهم غضب الله ومقته وكيف هلكوا بسبب طغيانهم، لا تطغوا كما طغوا.

 

والطغيانُ: هو العلُوُّ في الأرض، والفسادُ فيها: هو الخروج عن طاعة الله وهو يشمل جميع أنواع الكبائر والموبقات سواء منها التي بين الإنسان وبين ربه، والتي بينه وبين غيره من بني جنسه من أنواع الظلم، والإنسان من طبعه إذا أقبلت عليه الدنيا واستغنى يطغى ويكفر المنعم ويتجبر، وبعدما يطغى ويكفر ويفسق قد يمهله الله زمنًا طويلا، ويُغرِهِ ذلك الإمهال فيزداد طغيانًا، حتى إذا حان موعد هلاكه وحل عليه غضب الله لا ينفعه إيمانه، وذلك ما وقع لفرعون وقومه، فحذر الله بني إسرائيل من عاقبة الطغيان التي شاهدوها بأعينهم ورأوا كيف حل غضب الله على أعداء الله الذِّينَ عتوا على الله وكفروا بأنعم الله، فما أحراهم أن يعتبروا بهم ويتعظوا بكلام الله وهو يحذرهم.

 

{وَلاَ تَطغَواْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي وَمَن يَّحلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}

 

يقول الله ـ تعالى ـ ومن يَنْزِل عليه غضبي فقد هوى، أي هلك هلاكًا لا نجاة بعده، وقد رأى بنو إسرائيل كيف هوى فرعون من عرشه وعزه وسلطانه، وكيف هوى في قعر البحر حيث لقِيَ غمرات الموت، ثم هوى في نار جهنم {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا} (نوح:25)، نزلت هذه الآية في قوم نوح الطغاة، وكذلك صنع الله بفرعون وقومه {إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد} (البروج:12-16)، وما من آية في القرآن فيها التحذير من الوعيد إلاَّ وغالبًا ما تجد إلى جنبها آية تفتح باب التوبة والرجاء، إما تسبقها أو تليها، وهذا من رحمة الله بعبيده الضعفاء، وهو يعلم ضعفهم وطغيان الهوى عليهم، وكيد الشيطان بهم، فتح لهم أبواب التوبة الواسعة فكذلك في هذا السياق يقول الله عز وجل:

 

{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى}

 

باب المغفرة والتوبة مفتوح للتائبين المنيبين الذِّينَ راجعوا الهدى بعد الضلال، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، لقد أثنى الله على نفسه بما هو أهله، وصف نفسه بصفة المغفرة بصيغة المبالغة لكثرة مغفرته وشمولها لجميع الذنوب كبيرها وصغيرها، شرط أن يتوب مرتكب الذنب توبة نصوحًا، ويجدد إيمانه؛ لأنه كما ورد في الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، فلا بدَّ عند التوبة من تجديد الإيمان الذي كان تقلص عند ارتكاب الذنب الكبير ولابدّ من مراجعة الهدى، وليكفر التائب من ذنبه بعمل صالح يعمله تكفيرًا لذنبه؛ لقول النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، ولقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (هود:114)، تلك هي أركان التوبة بعد الندم على ارتكاب المعصية والإقلاع عنها والعزم على عدم معاودتها أبدًا، وذلك هو معنى التوبة فإن دام على ذلك فحَسَنٌ، وإن عاد فليعاود التوبة، وليجدد العزم وليكفر مرة أخرى بعملٍ صالح، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وليحذر العبد التمادي والإصرار فإنه لا مغفرةَ لِمُصِرٍّ، وجاء التعبير هنا بالاهتداء إشارة إلى أن من يرتكب الذنب كان متجهًا اتجاهًا خطأ وضل الطريق، وبعد توبته وإقلاعه عن الذنب يتجه الاتجاه الصحيح ويسلك الصراط المستقيم، فلنحفظ هذه الكلمات الأربع ولنعمل بها لنفوز بمغفرة الله {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى}.