إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 99 - 114 ) من مشاهد يوم القيامة
طباعـة

ثم يتوجه خطاب الله الجليل ـ تعالى ـ إلى عبده ورسوله مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.

 

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

-----------------------------

 

يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ مخاطبًا نبيه مُحَمَّدا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ والخطاب له ولأمته من بعده: كذلك نقص عليك القصص الحق من أنباء ما قد سبق، قصص اعتبار لِتَعتَبِر أنت وقومك بعاقبة المتقين وبمصير الظالمين، وذلك هو أحسن القصص، فخذ العبرة منها، وسنة الله فيمن سبق هي سنته في الآخرين، يبتلي الله البعض بالبعض، ثُم يكون الفوز والنصر للصابرين، ويكون البوار والخسار للظالمين والمتكبرين، {لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب} (يوسف:111).

 

{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنَ اَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدَ _اتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكرًا}

 

كذلك نثبت فؤادك، ونشد أزرك بما نقصه عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنًا ذكرًا، كتابًا فيه ذكر الأنبياء والرسل من قبلك، وكيف كان مصيرهم مع من آمن بهم من أممهم واتبعهم، ومن كذب بهم وأعرض عنهم وتولى، وفيه ذكر لك وذكر لقومك وذكر لمن يأتي بعدك حتى تقوم الساعة، وفيه تذكير لأولى الألباب بيوم الحساب وتذكير لهم بما عليهم من حقوق الله عليهم، {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44).

 

ثم بين الله ـ تعالى ـ ما أعده للمقبلين على الذكر المنتفعين به، وما أعده للمعرضين عن ذكره من العذاب المقيم، فبدأ بهذا الصنف من الناس؛ لينذرهم ويخوفهم، فقال:

 

{مَنَ اَعرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَومَ القِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ حِمْلاً}

 

من أعرض عن ذكر الله الذي أنزله الله على نبيه، ولَم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به، فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا ينقض ظهره، ويخلده في عذاب الله المقيم، وساء لهم ذلك يوم القيامة حملا، ما أقبحه من مصير يحملون فيه أوزارهم حيثُ {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يُحمل منه شيء ولو كان ذا قربَى} (فاطر:18).

 

{يَومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحشُرُ الْمُجرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمُ إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ عَشرًا نَّحنُ أَعلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمثَلُهُم طَرِيقَةً اِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ يَومًا}إن الله ينذر المعرضين عن كتاب الله بأوزار تنوء بهم، يأتون يوم القيامة يحملونها يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث، {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} (الزمر:68).

 

يقول الله ـ تعالى ـ: {يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحشُرُ الْمُجرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا}

 

أسند النفخ للمجهول؛ للعلم بالنافخ، ولأن الغرض يتعلق بالنفخ لا بالنافخ، فليكن إسرافيل أو غيره، يوم ينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم ويحشرون إلى ربهم، يومئذ يحشر الله المجرمين الذِّينَ ارتكبوا الإجرام وأعرضوا عن الذكر زرقًا، زُرقَ الألوان قد تغيرت ألوانهم، وامتقعت واستحالت من بياض ونضارة كانت في الدنيا إلى زرقة وسواد لِما يفجؤون به من الأهوال وينتظرونه من النكال والعذاب، وهو واقع بهم فتعلوهم يومئذ غَبَرة ترهقها قَتَرة أولئك هم الكفرة الفجرة، وقال بعض المفسرين: "زُرقَ العُيُون"، أي: عُميًا، قد استحال سواد عيونهم إلى زرقة وعمًى؛ لأنهم كانوا في الدنيا عُميًا عن الذكر إذا تليت عليهم آيات الرحمن، خروا عليها صمًّا وعميانًا، فأعمى الله أبصارهم يوم البعث جزاء وفاقًا، {ومن كان في هذه أعمى فهو في الاَخرة أعمى وأضل سبيلا} (الإسراء:72).

 

ولا يبعد هذا المعنى الثاني، وما فسر القرآن مثل القرآن وقد يراد المعنيان.

ثم قال:

 

{يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمُ إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ عَشْرًا}

 

يتخاطبون فيما بينهم بصوت خافت فيه الذل واليأس والندم، يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلاّ عشرًا، قيل: "عشرة أيام"، وقيل: "عشر ساعات"، أي ما لبثتم في الدنيا إلاَّ قليلا، وقد تضاءل نعيمها في أهوال يوم القيامة، وبعد مدة البرزخ الطويلة، فلم يعد إلاَّ خيالاً يتراءى ضئيلاً وقصيرًا موغلاً في الفناء ذاهبًا إلى غير رجعة.

 

{إِذْ يَقُولُ أَمثَلُهُمْ طَرِيقَةً اِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ يَومًا}

 

بعد هذا التخافت والتردد في مدة اللبث في الدنيا يقول أعقلهم: {إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ يَومًا}، أي ما نسبة مكوثكم في نعيم الدنيا إلى ما أنتم مقدمون عليه من عذاب الأبد إلاَّ يوم أو بعض يوم، وكم تكون نسبة المحدود إلى الممدود {قال إن لبثتم إلاَّ قليلاً لَّوَ اَنكم كنتم تعلمون} (المؤمنون:114)، هذا قول الله لهم بعد اختلافهم في مدة اللبث واتفاقهم على تقليلها وتحقيرها في جانب الآخرة، بعد أن اطلعوا على حقيقة ما كانوا يتمارون فيه، يعرض الله علينا هذا المشهد من مشاهد الكفار يوم الحشر؛ لنعتبر به ونستجلي من الدنيا ما خفي على المغترين بها من غرورها وحقارتها وقلة مدتها إلى دوام نعيم أو عذاب يوم القيامة، وسرعة فنائها، فهي بعد فنائها كأن لم تكن شيئًا، هكذا يعترف الذِّينَ كانوا مغترين بها مطمئنين إلى نعيمها، يقول أحدهم في صلف وكبرياء: {ما أظن أن تبيد هذه أبدًا وما أظن الساعة قائمة} (الكَهف:35-36)، وفي هذا الاعتراف موعظة وتذكير لنا وتنبيه لنا حتى لا نقع في مثل ما وقع فيه الغافلون من الخطأ والخطر العظيم.

 

ثم يلفتنا القرآن إلى سرعة وقوع الساعة وقرب يوم القيامة وأهوالها ويعرضها في مشهد نسف الجبال وهو من أروع وأقرب مشاهدها، وهو ما يستبعده الكفار والمنافقون ويتساءلون فيما بينهم ويسألون الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ سؤال تعنُّت واستهزاء وارتياب في أمر الساعة.

 

{وَيَسأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَّلاَ أَمْتًا (107) يَومَئِذٍ يَّتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الاَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (108) يَّومَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولاً (109) يَّعلَمُ مَا بَيْنَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا (110) وَّعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَن يَّعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَّلاَ هَضْمًا (112)}

 

يسأل الكفار سؤال تعنُّت واستهزاء بقيام الساعة واستبعاد لوقوعها، يقولون: إذا كان فناء الأرض حقًّا فكيف يكون فناء هذه الجبال الشاهقات الراسيات المتينة التكوين الصلبة الصخور؟ فجاء الجواب من الله ـ تعالى ـ مربوطًا بالفاء؛ لإمكان ذلك، وسرعة وقوعه إذا حان موعده {وما أمرنا إلاَّ واحدة كلمح بالبصر} (القمر:30).

 

{فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَّلاَ أَمْتًا}

 

قل لهم يا مُحَمَّد: إن ربي الذي خلق الجبال ينسفها، أي: يجعلها ذرات غير متماسكة، ثم يُسيِّرها كما يسير السحاب، وقد تنوع التعبير القرآني في وصف الجبال يوم تقوم الساعة، وكل عبارة تدل على فنائها وتطايرها في الفضاء ذرات، وسيرها سير السحاب، وبقاء الأرض بعدها مستوية لا اعوجاج فيها، جاء التعبير هنا بالنسف، وهو: النفخ على الغبار المتطائر؟.

 

وجاء في سُورَة التكوير بالتسيير: {وإذا الجبال سيرت} (التكوير:03).

 

وجاء في سُورَة القارعة بتشبيهها بالعهن المنفوش: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} (القارعة:04).

 

وجاء في سُورَة النمل بتشبيهها بالسحاب المار في الفضاء: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء} (النمل:90).

 

وجاء في سُورَة المزمل بتشبيهها بالرمال المهيلة: {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبًا مهيلاً} (المزمل:14).

فسبحان الذي أحاطت قدرته بكل شيء، وأتقن صنعُه كلَّ شيء، ولا يؤوده شيء، ينسف الجبال الراسيات نسفًا ويسيرها في الفضاء كما يسير السحاب، ويذر الأرض قاعًا صفصفا، صلبًا أملس لا ترى فيها عوجًا ولا أودية ولا آبارًا ولا سراديب ولا أمتًا ولا نتوءًا بارزًا، بل تمد الأرض مدًّا كأديم عكاظ: {يوم تبدل الاَرضُ غير الاَرض والسماوات} (إبراهيم:48)، هذا وأحوال القيامة متعاقبة، ويذكرها الله ـ تعالى ـ تباعًا، وقد تكون بينها مهلة، وهنا يذكر فناء الجبال واستواء الأرض، ويذكر خروج الناس من قبورهم متَّبعين الداعي، وبين نفخة الصعق ونفخة البعث أربعون، قيل: "أربعون عامًا"

 

.

{يَومَئِذٍ يَّتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الاَصوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا}

 

يومئذ يخرجون من قبورهم ويسيرون كأنهم جراد منتشر سراعًا، يتبعون الداعي الذي يدعوهم إلى أرض المحشر حيث يرون أعمالهم، رُوِيَ أن الداعي يقول: "أيتها اللحوم الممزقة!، أيتها العظام النخرة، ارجعي إلى ربك"، فيسيرون قُدُما سراعا، كأنهم منجذبون إلى صوته، لا ينحرفون يمينا ولا شمالا، ولا يتوانون ولا يتوقفون، كأن سائقهم يسوقهم من الخلف وقائدا يقودهم من أمامهم، فهم ينسابون من كل جهة خشعا أصواتهم للرحمن فلا تسمع إلا همسا، والهمسُ هو: "الصوت الخفي"، قيل هو: "صوت الأقدام الحافية الماشية في أرض المحشر المستوية"، أما الكلام، فلا كلام في هذه الحالة وهم مقبلون إلى خطر عظيم، وقد علموا أنهم قادمون على أعمالهم ليروها، فإما إلى جنة يدوم نعيمها وإما إلى نار يدوم جحيمها، وبين يديهم الوقوف بين يدي الله والسؤال والوزن والحساب والصراط ثم الجزاء المنتظر، فهم ساكتون لروعة الهول لا ينطقون، وقد يكون الهمس: "أصوات الملائكة المكلفون بما كلفوا به"، فهم يتخافتون بينهم في تبليغ ما أمروا بتبليغه بعضهم لبعض، أما الإنس والجن في هذه الحالة لا يتكلمون فهم أذلاء خائفون، خاشعة أبصارهم وفي هذا المشهد معتبر وأي معتبر! لِذوي الألباب الذي يتلقون كلام الله بقلوب شاهدة، ثم يستمر وصف المشهد الرهيب فيتكلم عن الشفاعة، وما أدراك ما الشفاعة فيقول:

 

{يَومَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولاً}

 

يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: يومئذ أي يوم تجتمع الخلائق للحساب لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا، فالشفاعة واقعة حقا، ولكن لها شرطان لازمان: الإذن والرضا.

 

شرط للشافع: أن يكون ممن أذن له الرحمن في الشفاعة، ورضي قوله من عباده المقربين؛ الرسل والأنبياء ومن أراد من أوليائه المخلصين.

 

وشرط في المشفوع له: أن يكون ممن ارتضاه الله لا ممن سخط عليه ومات هو مصر على الكبائر، فالشفاعة لا تكون لهؤلاء{ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} (غافر:18)، والقصد فيها يفهم من هذه الآية أن يقطع الله أطماع أهل الأماني الفارغة الذِّينَ يرتكبون كبائر الإثم والفواحش ويصرون عليها إلى الممات وهم يطمعون في الشفاعات فكأن الله ـ تعالى ـ يقول: اعملوا ولا تغتروا، ولا تتكلوا على الشفعاء، فإنه لا ينفع يومئذ والد ولا ولد ولا قريب ولا ولي ولا حميم، إنما الشفاعة تكون لمن ارتضاه الله من عباده رَفعًا لدرجاتهم، وتخفيفًا لأهوال يوم القيامة عنهم، وإزلافًا لهم إلى محمود الجزاء، وحسن المصير، وتكون أيضًا تشريفًا للشافعين رفعًا لمقاماتهم عند ربهم، وعند أوليائه المرتضين، هذا ما نعتقده في الشفاعة ـ معشر الإباضية ـ وهذا الذي تؤيده الآيات القرآنية الكثيرة التي تدعو إلى العمل الصالح والتوبة النصوح، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، وكل ما يؤدي إلى الكفر من ترك الفرائض وانتهاك الحدود، وهذا ما يدل عليه قوله ـ تعالى ـ: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يُجزَ به ولا يجد له من دون الله وَلِيًّا ولا نصيرًا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أوُ انثى وهو مومن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا} (النساء:123-124)، ثم قال ـ تعالى ـ:

 

{يَعلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}

 

هؤلاء المجموعون كلهم أوَّلُهم وآخرهم، وإنسهم وجِنَّهم المجموعون إلى ميقات يوم معلوم، لا تخفى منهم على الله خافية، يعلم الله ما بين أيديهم وما خلفهم، يعلم ما قدموا وآثارهم، يعلم ما صنعوه في الدنيا، وما خلفوه فيها من أمورها، ويعلم ما بين أيديهم من أمور الحساب والجزاء، يعلم الغيب والشهادة، يعلم أقوالهم وأفعالهم ونياتهم، ولا يحيطون علمًا بذاته ولا بشيء من علمه إلاَّ بما شاء، وما علم علمائهم في علمه إلاّ كقطرة في بحر محيط أو أصغر من ذلك، فسبحان من أحاط علمه بكل شيء، وسبحان من يرتد الطرف دون علمه خاسئًا وهو حسير، {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} (البقرة:32).

 

{وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّومِ وَقَد خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَمَن يَّعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَّلاَ هَضْمًا}

عنت وجوه المخلوقات لربها وإلهها الحي القيوم، أي: ذلَّت وخضعت، وذُلَّ الوجوه عبارة عن ذُلِّ القلوب البادي على الوجوه، والوجوه مرايا القلوب، وجاء وصف ربنا في هذه الآية بالحي القيوم، وهو الدائم القائم وما سواه فانٍ ضعيف؛ لأن المقام ينطق بذلك وكل ما فيه يوحي بقهر الله لخلقه وقيومته وضعفهم وذلهم ووقوفهم بين يديه خاضعين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وفي هذا العرض لهذا المشهد الرهيب موعظة بليغة لنا وذكرى؛ لنتزود لذلك اليوم الرهيب بالعمل الصالح ونتخفف من المظالم.

 

{وَقَدْ خَابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا}

أي: خاب وخسر من حمل في ذلك اليوم ظلمًا، أي شركًا فما دونه من المآثم والمظالم، والله ـ تبارك وتعالى ـ حَرَّم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا، ونهانا عن الظلم ونهانا عن الركون إلى الذِّينَ ظلموا، وأنذرنا لمن فعل ذلك بالنار فقال: {ولا تركنوا إلى الذِّينَ ظلموا فتمسَّكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} (هود:113)، فما أخيب الظالمين!، وما أخسرهم يومئذ!، فهم مبلسون ملعونون من رحمة الله.

 

{وَمَن يَّعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَّلاَ هَضْمًا}

 

يريد الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يضع الموازين القسط في القرآن الكريم للمؤمن الصادق الموفي بعهد الله الذي يستحق الشفاعة يوم القيامة، وهو الذي يعمل الصالحات ويجتنب الموبقات وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، إيمانًا يحجزه عن الشر ويطبعه على البر، فذلك الذي يحشر يوم القيامة آمنًا، لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، لا يظلم بزيادة سيئة لَم يعملها، بل يتوب الله على التائبين ويكفر عنه سيئاتهم، ولا يهضم بنقص حسنة قد عملها، بل يضاعف الله للمحسنين المخلصين، ويزيدهم من فضله إنه كان غفورًا شكورًا، تلك هي موازين القرآن الحكيم، لا خوف على المحسنين المؤمنين، ولا أمان للمفرطين في جنب الله، يرتكبون الذنوب الكبار، ويصرُّون عليها ويتمنون على الله الأماني، ويقولون نحن نحسن الظن بالله، كذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، فلنفهم عن الله الحق ولنَزِن أنفُسَنا بموازين القرآن القسط، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين وإنما يتذكر بالقرآن من يخاف وعيد منَزِّل القرآن.

 

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَو يُحدِثَ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}

 

بعد ذكر الآيات التي تنخلع لها القلوب لما تحمل من وعيد يوم القيامة، وتلين لها لما تحمل من معاني الموعظة البليغة، والقلب يتأثر غالبًا بالوعيد ويتذكر، وتحمله الذكرى على التقوى، بعد هذا العرض الرهيب لبعض مشاهد يوم القيامة يقول الله ـ تعالى ـ:

 

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحدِثَ لَهُمْ ذِكرًا

}

كذلك أنزلناه عليك وعلى قومك ومن يأتي بعدهم قرآنًا عربيًا، بلسان عربي مبين، بلسان قومك لعلهم يتذكرون، ووصفه هنا بالعربي إشارة إلى أن اللغة العربية التي اختارها الله ـ تعالى ـ لتكون لغة القرآن، وشرفها لتكون وعاء معانيه.

في هذا إشارة إلى أنها أفضل اللغات للتعبير عن الله في بلاغة وبيان، ولو علم الله أن لغة تقوم بأحسن وأبلغ منها، لاختارها ويخلق الله ما يشاء ويختار، فاللغة العربية التي هي أداة للتعبير بمعاني القرآن الكريم هي أشرف اللغات، يجب الاعتناء بها وتعلُّمها وتعلِيمها؛ لامتداد هذا النور وبقائه فينا، ولننتفع به ونتذكر، أنزله الله قرآنًا عربيًا وصرَّف فيه من الوعيد، والتصريفُ: هو وضع الشيء الواحد في أشكال مختلفة وتوجيهه إلى جهات متعددة، ومنه تصريف المياه في السواقي والأحواض، ومنه تصريف الرياح، ومنه تصريف السحاب، كذلك صرف الله معاني القرآن في أساليب متنوعة لها تأثيرها البليغ في النفوس، فمِن وعدٍ، إلى وعيدٍ، إلى قصةٍ، إلى ضرب مثلٍ، إلى عرضٍ لِمشاهد يوم القيامة، إلى أمرٍ، إلى نهيٍ، إلى خبرٍ إلى استخبارٍ، إلى غير ذلك من صيغ التعبير التي تهز القلوب هزًّا، وتملأ في النفوس روعة ومهابة، فكلام الله الجليل له سلطان على النفوس ليس كمثله كلام، وقد اعترف بهذا صناديد قريش وبلغاؤهم الذِّينَ يدركون الفرق بين كلام وكلام، ولقد علموا أن القرآن فيه حلاوة وعليه طلاوة، وأنه يعلو ولا يُعلا، وأنه ليس بشعر ولا كهانة، وأنه كلام الخالق وما هو بكلام مخلوق، وما منعهم من الإيمان به إلاَّ الكبرياء والظلم وحب العلوّ، ونعوذ بالله من سوابق الشقاء، هذا... وآمن به كثير منهم وأسلموا وهم الذِّينَ أراد الله بهم الخير، وأن ينتفعوا بهذا الغيث الروحاني الذي نزل من السماء إلى الأرض لتحيا به النفوس الطيبة، وتسعد به الفطر السليمة.

 

ولقد صرف الله فيه من الوعيد؛ لأن الله يعلم أن الوعيد أشد تأثيرًا على النفوس، وسلطانه أضبط لها، وقد علم الله أن هذه النفس الأمارة بالسوء، الكسولة عن الخير المطبوعة على الشح والهلع قد تسمح في كثير من الدرجات والعواقب الحسنة رغبة في الشهوات، وميلا مع الهوى، ولكنها ترهب من العقوبة إذا ذكر لها أصناف العذاب التي أعدت لأهل العصيان والتمرد والإصرار فتَلُوذ بالتقوى وترجع إلى الله وتتوب إليه متابًا، وربما تتلى على أحد من أهل الغفلة والإعراض آية أو آيات من كتاب الله، فتحدث له ذكرًا.

 

وفي تصريف الله لكلامه وتنويعه حكمة عظيمة وبالغة؛ ذلك لأن طبائع الناس تختلف ونفوسهم متفاوتة، وسعيهم شتى فالذي تعظه الآية الفلانية من كتاب الله قد لا يتأثر بالآيات الأخرى وقد ينتفع الواحد منها بما لا يرفع الآخر به رأسًا، وكذلك أمرهم في الأدوية والأغذية، فما يميل إليه طبع بعض الناس قد ينفر منه طبع الآخرين، والقرآن وإن كان قد ح عسل، ولكن تنحرف أذواق الناس بأمراض النفوس المتبعات لأهوائها فلا ينفع فيها حينئذ إلا ما كان قوي التركيب، يحمل أقراصًا شديدة التأثير في إصحاء المغمى، وإيقاظ النائم، وتنبيه الغافل، تلك هي حكمة تصريف الوعيد وتصريف الأمثال، {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل وكان الاِنسان أكثر شيء جدلا} (الكَهف:54)، هذا..

 

ويمتنع أهل الشقاء من الإيمان والاتعاظ والتذكر بكلام الله حتى تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قِبَلا، فحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، وقد يمضي أحدهم في الفجور، ويُمعِنُ في الضلال زمانًا، ثُم يريد الله به خيرًا، فيستمع إلى آية من القرآن تُتلى عليه فتحدث له ذكرا، فيرجع ويتوب ويقلع عن غيِّه، ولكل أجل كتاب.

{فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الحَقُّ}

 

جاء ربط هذه الكلمة بـ: "الفاء"؛ لارتباط معناها بما قبلها ارتباط السبب بالمسبَّب، فتعالى الله منزل القرآن ومصرف الوعيد، فيه رحمة بعبادة لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا، تعالى ربنا، تبارك وتعاظم الملك الحق هو الملك الحق الثابت الدائم وكل ملك سواه مَجازٌ، فانٍ زائل لا بقاء له، والحق هي الشيء الثابت المستقر، وحصر الحق في جنب الله يدل عليه التعريف بـ: "ألـ"، فالله هو الملك الحق، وما سواه باطل زائل وخيال، فهو وحده الرب الملك المعبود بحق إله الخلق منزل القرآن بالحق، فتح بصائر أوليائه فعرفوه وعلموا أنه الملك الحق فعبدوه، ووحدوه بالعبادة، وسجدوا له خاشعين، وركعوا له خاضعين، وقاموا بين يديه له قانتين، تعالى الله الملك، يهدي لنوره من يشاء ويجتبى إليه من يريد، تعالى الله الملك الحق يتصرف في ملكه كما يريد، لا رَادَّ لحكمه ولا معقب لقضائه، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.

 

{وَلاَ تَعجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبلِ أَن يُّقضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}

 

قد يقول قائل: "ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟"، إن مناسبتها لما قبلها عظيمة، وصلتها بسوابقها من الآيات وثيقة، وموضعها بعدها متمكن مناسب؛ ذلك أن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ لشدة إيمانه بعظمة القرآن وحكمة تصريف آياته المنزلة من الملك الحق، كان يعجل بترداد كلماته قبل أن يقضى إليه وحيه، كان يفعل ذلك خشية النسيان أو التبديل والتغيير في كلماته وحروفه، وهو يعلم أنه كلام الملك الحق، قد أُحكِمت آياته وفُصِّلَت من لدن حكيم خبير، فهو يعجل بالنطق بها قبل تمام نزولها؛ ليبلغها للناس كما أُنزِلَت فبشره الله وطمأنه بتثبيتها في فؤاده وتيسيرها على لسانه {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} (الأعلى:05)، ونَهيُه عن التعجل بتردادها، إنما هو نهيُ تطمِينٍ وتبشير وتخفيف، فهو يقول له: لا لزوم لك بالتعجل ولا حرج عليك في تحملها، فإن الذي أنزلها عليك وكلفك بتبليغها سيثبتها في قلبك فلا تنساها، فلا تعجل بها من قبل أن يقضى إليك وحي الله بها.

 

{وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}

 

أمره بهذا الدعاء الجميل وعلَّمه إياه إشعارًا له أنه مهما بلغ من العلم، فهو محتاج إلى الزيادة منه، وما علمه من علم الله إلاَّ القليل، قال له: {وَقُل رَّبِّ}، واختار له هذا الاسم الحسن في الدعاء إشعارًا له أن ربَّه الذي آواه يتيمًا، وأغناه من العيْلة، وهداه من الضلالة، وعلمه ما لَم يكن يعلم، هو حَرِيٌّ أن يزيده علمًا ينفعه، فكان النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ يقول: "يا رب انفعنِي بما علَّمتَنِي"، و"يا رب علِّمنِي ما ينفعني"، و"يا رب زدني علمًا"، و"الحمد لله على كل حال"، وهذا تعليم من الله لنبيّه، ولنا من بعده لنقتدي به وندعو ربنا بما دعاه به نبينا ورسولنا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ والله المرجو أن يجيب دعاءً علَّمَنَا إياه، وما أحوجنا إليه وما أحسن الدعاء بالكلمات التي جاء بها أو أمر بها كتاب ربنا ـ تبارك وتعالى

ـ.

ولم يأمر الله نبيَّه أن يقول رب زدني سلطانًا، ولا مالاً، ولا ولدًا، بل قال له: {وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}؛ لأن العلم هو الذي يرفع مقامه، ويقربه من الله، ويفتح له أبواب رحمته، ويرفع درجاته في الجنة، ذلك هو العلم النافع الذي به يُعبَد الله وينال رضاه، وبه يخشاه من يخشاه، {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} (فاطر:28).