إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 115 - 127 ) قصة آدم وزوجه حواء
طباعـة

ثُمَّ يذكِّر الله ـ تعالى ـ بقصة أبينا آدم وأمر الملائكة بالسجود وعصيان إبليس وإبائه وتحذير آدم من مكر هذا العدو له ولزوجه وذريتهما، وفي هذا وعظ وتحذير من عدونا فيقول عز وجل:

 

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)

------------------------

 

بعد ذكر قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، وإيرادها مورد الاعتبار والاتعاظ، وهي من أنباء ما قد سبق يورد الله ـ تبارك وتعالى ـ قصة أبينا الأول آدم، قصة خلقه وإسجاد الملائكة له، وإباء إبليس من السجود، وما ترتب على ذلك، والمقصود من كل ذلك التذكير والإنذار والوعظ يقول الله ـ تعالى ـ:

 

{وَلَقَد عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}

 

العهدُ هو: الوصية، {وَلَقَدْ عَهِدْنَا} أي: وصَّينا آدم أباكم الأول، {مِن قَبْلُ} أي: من قبل موسى وهارون، ومن قبلهما من الأنبياء والرسل، عهدنا إليه بما عهدنا من الوحي الذي فيه إرشاده وهدايته، وتحذيره من عدوه حتى لا يفتنه ولا يغويه، ولكن آدم نسِيَ كل ذلك في لحظة من اللحظات، فافتُتِن بوسواس عدوِّه إبليسَ وضعف عزمه، قال ـ تعالى ـ:

 

{وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}

 

أي: لم نجد لآدم ولا لزوجه عزمًا: أي قوةَ صبرٍ في الصمود أمام العدو الأكبر إبليس اللعين، وهذا الضعف مركب فيه وفي بنِيهِ، فما أشبه ذريته به في ضعف العزيمة وقلة الصبر، ولكن آدم سرعان ما تذكَّر وتاب ورجع إلى ربه وأناب، فتقبله الله، وتاب عليه، وكذلك الذِّينَ اصطفى الله من ذريته يفتنون كما فُتِن أبواهم ثم يتوبون كما تابا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، أما الذِّينَ يصرون على خطاياهم والذِّينَ يكفرون ويحادُّون الله ورسوله، فأولئك لَم يتشبهوا بأبيهم آدم وأمهم حواء، ولم يرثوا عنها التوبة والإنابة، إنما هؤلاء أشباه إبليس وجنوده الذِّينَ ورثوا عنه الإصرار والتمرد فهم جند إبليس وحزبه، لقد انفصلوا من فصيلة البشر وانخرطوا في فصيلة الشياطين، يقص الله ـ تعالى ـ علينا قصة آدم لنتعظ بها فيقول:

 

{وَإِذْ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلنَا يَا ءَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}

 

يذكرنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بقصة خلق آدم وإسجاد الملائكة له سجود تعظيم وتشريف، لا سجود عبادة له، إنما هو عبادة لربهم الذي جعل خلقه من تراب، ونفخ فيه من روحه، آية عظيمة تدل على علمه وحكمته في خلقه وقدرته على كل شيء، فهم إذ يسجدون له تشريفًا وتكريمًا إنما يسجدون لربهم طاعة له وتعظيمًا وخضوعًا لسلطانه وخشوعًا، يقول ـ تعالى ـ: اذكر يا مُحَمَّد حين قلنا للملائكة ومعهم إبليس:

 

{اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبلِيسَ أَبَى}

 

لقد فَهِم الملائكة وفَهِم إبليس معهم أن أمر الله بالسجود موجه إليهم جميعًا، فلا يجوز أن يشذ منهم أحد فيمتنع عن السجود، فامتثلوا كلهم فسجدوا إلا إبليس الذي كان من الجن فامتنع وأبى ظلمًا وعلوًّا؛ ذلك أن إبليس خُلق من نار وركب في طبعه ما لم يركب في طبع الملائكة، فالملائكة خُلقوا من نور، ولم يركب في طبعهم الشهوات، فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أما إبليس الذي هو أبو الجن فقد رُكِّب في طبعه ما رُكِّب في طباع الجن والإنس من الشهوات، وجعلت لهم إلى جانب الشهوات عقول يتلقون بها أوامر الله ونواهيه، ويتحملون بها أمانة التكليف ويترتب عليها الثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى، لقد سبق في علم الله أن إبليس تتغلب عليه طبيعته الجنية، لذلك قال في آية أخرى: {إلاَّ إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}

 

ولا معنى هنا للاشتغال باختلاف بعض المفسرين وارتباكهم في أمر إبليس، هل يدخل في الخطاب وهو ليس من الملائكة، والخطاب موجه إلى الملائكة، أو هو من الملائكة؟ ويأتون بالتأويل البعيد حتى يجعلوه من الملائكة، كيف يكون من الملائكة والله ـ تعالى ـ يقول: {كان من الجن}، والجن غير الملائكة؟ وكيف لا يتناوله الخطاب، وقد جاء بواو الجماعة {اسجدوا لآدم} وهو معهم، وقد فهم ذلك قطعًا؟ ولذلك انقطع عذره حتى عاتبه الله {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك}، فالعبارة صريحة في أنه داخل معهم في الأمر، ولا إشكال في الأمر، ولا عذر له من هذا الجانب، إنما الذي منعه من السجود كِبرُهُ وحسدُه لآدم وخذلان الله له، ونعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ بالله من سوابق الشقاء، لقد أبى السجود تمردًا وكفرًا وعنادًا، ولَم تنفعه عبادته الطويلة مع الملائكة، وكذلك الكفر يُحبِط العمل كما يحبطه الله بالإصرار والتمرد فلنحذر الإصرار، ولنحذر محادة الله ورسله بالتمرد على الأوامر وارتكاب النواهي، ولنحذر الكبر والحسد؛ فإنهما أول ما عُصي الله به، وهما عدوُّ الإيمان، إذا تمكنا في القلب خرج منه الإيمان، حينئذ أسفر إبليس عن طبعه الخبيث وأعلنها عداوة لآدم وبنيه، وأعلنها حربًا على الله، فحذر الله أبانا آدم من شر عداوته، وما ينجَرُّ عنه من المكر والكيد والإغواء.

 

{فَقُلْنَا يَا ءَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوجِكَ فَلاَ يُخرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}

 

قال الله لآدم إن هذا الذي امتنع عن السجود لك عصيانًا وتمردًا هو عدو لك ولزوجك ولبنيكما، سوف لا يألو جهدًا في إضلالكم وإغوائكم؛ ليلحقكم به في الشقاء، فإياكم فاحذروا من مكره وكيده ولا تطيعوا له أمرًا، وإياكما أن يخرجاكما بمكره وكيده من الجنة فتشقى.

 

{إِنَّ لَكَ أَن لاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعرَى وَإِنَّكَ لاَ تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى}

 

أسكن الله أبانا آدم الجنة، وامتن عليه بما فيها من النعيم، وضمن له فيها أربعة أشياء هي كبرى النعم التي يسعى الناس ويشقون في الحصول عليها، وهي كبرى مطالب الإنسان في هذه الحياة: الطعامُ والشرابُ واللباسُ والمسكنُ الذي يُكنُّه، ويقيه حر الشمس وقهر الزمهرير، وبرد الأمطار، والبَرد والثلوج، هذا ما يطلبه الإنسان، ويشقى الرجال في التحصيل عليه، ولذلك قال ربنا مخاطبًا آدم {فَتَشْقَى}، ولم يقل: فتشقيا وفي هذا إشارة واضحة من الله أن الرجل هو الذي يسعى على العيال، وعلى كاهله مؤونتهم، أما المرأة فمقرُّها البيت الذي يعده لها زوجها هنالك تثوي وتلد أولادها وتربِّيهم وتقوم بشؤون البيت، إن لك يا آدم أن تطعم فلا تجوع، وتشرب من أنهار الجنة العذبة فلا تظمأ، وإن عليك من كسوة الجنة ما يسترك ويجملك ولا يبلى، فأنت فيها لا تخاف العري، ولا تتعب في نسج اللباس ولا خياطته، وإنك في ظل ممدود يقيك حر الشمس فلا تضحى، ولا تتعرض في الجنة لشمس ولا لزمهرير، فتمتع بنعيم الجنة ولا تستمع لوسواس عدوك إبليس، فتتعرض لعقاب الله، وأول ذلك: الطردُ من الجنة، وإذا كانت طاعة الشيطان تعرض أبا البشر الخروج من الجنة، فكيف يطمع من هو خارج الجنة في دخولها وهو يطيع الشيطان ويعصى الرحمن؟!، أليس في ذلك موعظة وذكر للمؤمنين!

 

{فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَالَ يَا ءَادَمُ هَلَ اَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلكٍ لاَّ يَبْلَى فَأَكَلاَ مِنهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}

 

فوسوس عدوُّ الله وعدوُّ آدم إبليس، وسوس لآدم وزوجه حواء ولا زال بهما يمعن في الوسوسة ولا يمل، ويظهر لهما بمظهر الناصح الذي يريد لهما الخير، ويقسم لهما على ذلك، وذلك بعد أن يشُكَّا في نُصحه ويراجعاه القول؛ ولذلك جاءت العبارة بالمقاسمة: {وقاسمهما إني لكما لَمن الناصحين} (الأعراف:21).

 

يقسم ويحلف بالله على الكذب، وهو الشيطان لا يتورع عن ذلك، وآدم وحواء مطبوعان على الإيمان والصدق لا يظنان أن أحدًا يتجرأ على الله فيحلف باسمه الغالي العزيز على الكذب، فيُصدِّقَان إبليس في قَسَمه، ويغتران بوسوسته بعد الارتياب، وبعد طول المحاولة والتكرار، ولذلك قال الله ـ تعالى ـ: {فدلاهما بغرور} (الأعراف:22)، والتدلِيَةُ: هي الإغراء بالخداع شيئًا فشيئًا، وإدلاء المخدوع وإلقاؤه في المهواة بطريقة تدريجية، ما زال بهما يزخرف لهما القولَ ويؤكده بالحلف الكاذب حتى وقعا في المحذور، ونسيا تحذير الله إياهما من كيده وخداعه، ويروى أن إبليس خدع حواء أولاً، ثم استظهر بها على آدم فغلب المسكين حين بقيَ وحدَه يغالب وسواس الشيطان والمرأة، ويَا لَضُعفَ الرجال أمام هذين العاملين إلا من عصم الله، مال آدم وحواء إلى الشجرة الوحيدة التي نُهِيَا عنها من بين أشجار الجنة الكثيرة والكثيرة التي أبيحت لهما، ذلك أن إبليس زعم لهما أنها هي وحدها شَجَرَةُ الخُلدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى، قال لهما:

 

{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَن هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَو تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ}

أقسم إبليس لآدم وزوجه أن هذه الشجرة التي نُهِيَا عنها هي شجرة الخلد، من أكل منها كان من الخالدين في الجنة، وأن الله نهاهما عنها ليهبطهما إلى الأرض، وما علم المسكينان أن أكلهما من الشجرة هو سبب هبوطهما إلى الأرض وحرمانهما من البقاء في الجنة؛ لأن الجنة هي دار الكرامة ولا يجاور الله في دار كرامته من عصاه، فاغترا بوسواس عدوهما وظناه ناصحًا أمينًا.

 

{فَأَكَلاَ مِنهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفضانِ عَلَيهِمَا مِن وَّرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى}

 

نسي آدم وحواء العهد فأكلا من الشجرة المحرمة عليهما حقيقة، فما إن أكلا منها حتى طار عنهما الحلي والحلل وبدت لهما {سَوْءَاتُهُمَا}: أي عوراتهما، طار اللباس؛ لأنه لباس الكرامة من الله، ولا تبقى الكرامة لمن عصى الله ـ تعالى ـ وأطاع الشيطان، اختار الله من كلماته هذه الكلمة الشنيعة {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}؛ لتدل على شناعة المعصية، وخزي العصاة وهوانهم على الله وهي كلمة تؤدي معناها حقًا وما كان ليدل على معناها غيرها في هذا الموقف، فلو قال مثلا: نزع عنهما لباسهما، أو طارت عنهما الحلل، لَمَا دلَّت حقيقة الدلالة على فظاعة الموقف، وكم مرة قرأت هذه الآية وقرأت تفاسيرها، ولكني ما شعرت بحلاوة بلاغتها ودلالتها على المقصود إلاَّ في هذه اللحظة، ولنفحات الله أوقات يدَّخرها لأوقاتها فسبحان الله، ولا قوة إلاَّ بالله، وكم لله على عباده من منن وفتوحات؟!، وكم لأسلوب القرآن من دلالات واضحات وآيات بينّات لا يظفر بكشفها إلاَّ المتدبرون؟!، وفي هذا التعبير عبر ومواعظ منها:

 

إن المعصيةَ: أي معصيةُ الخالق أمر عظيم وكبير، سريعة العقوبة، فما إن أكلا من الشجرة حتى نُزِع عنهما لباسهما كلُّه، ولم يبق لهما ما يستر عورتيهما، وناداهما ربُّهما بالأمر بالهبوط إلى الأرض والخروج من الجنة، وقرنهما في هذا المصير بعدوهما وعدو الله الشيطان الرجيم، فما أشأم المعصية وما أسرع عقوبتها، لولا أن الله يمهل العصاة لعلهم يتوبون أو يذَّكرون، وليس عليه أن يمهلهم إنما ذلك تفضُّل منه ولُطفٌ بعباده الضعفاء، ولو شاء ما فعل، وقد حذَّرهم شؤمها، وأنذرهم عقوبتها، وأحيانًا يعجلها عليهم إذا اقتضت حكمته وعدله ذلك، فليحذر العصاة من عقوبة الله {ولا يَامَنُ مكرَ الله إلاَّ القومُ الخاسرون} (الأعراف:99)، أفأمن الذِّينَ يرتكبون الفواحش والموبقات، ويبغون على الناس أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولا يمهلهم ولا يُفلِتُهم فيذهبون إلى سخط الله وعقابه وعذابه المقيم {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأنعام:165).

 

وفي الآية لَطف الله بعباده المؤمنين حتى في حالة العقوبة، إذا علم أنهم أولياؤه، وأنهم سيتوبون إلى ربهم ويُنِيبُون، فإن الله لَمَّا حرم على آدم وحواء لباس الجنة حين عصياه لَم يحرم عليهما الورق، وهو أيضًا من ورق الجنة بل تركهما ينزعانه ويخصفانه: أي يضمان بعضه إلى بعض بالشوك أو بالسعف أو نحوه ليجعلا منه ستارًا لسوآتهما الباديات، وهذا من الله لطف بهما وقد علم أنهما لم يعصياه كفرًا وتمردًا كما عصى إبليس، بل فُتِنا ونَسِيَا عهدهما نسيانًا وغفلة، وفي الآية دلالة على كرم طبع آدم وحواء، فَهُما وإن كان زوجين لا يحرُم عليهما النظر إلى سوآتهما، ولكنهما خجلا واستحيا بعضهم من بعض، وهذا يدل على ما طبعا عليه من الحياء والكرم وصدق الله العظيم القائل {لقد خلقنا الاِنسان في أحسن تقويم} (التين:04)، وفي الآية كشف لطبيعة الإنسان الذي هو شغوف بما منع ونُهِيَ عنه، وفي الحديث: "لو نُهِيَ الناس عن فت البعر لفتُّوه"، لقد كان في الجنة آلاف الأشجار ذوات الثمار المختلفة ولم يحرم الله عليهما إلاَّ شجرة واحدة كان يُمكن جدًا لآدم وحواء أن يستغنيا عنها، لولا مَيْلُ الإنسان إلى ما نُهِيَ عنه، ولا ننسى وسواس الشيطان.

 

وقد يعجب أحدُنا ويعتب على أبويه آدم وحواء فيقول: يا سبحان الله! كيف يتركان كل أشجار الجنة ويتعلقان بالشجرة الواحدة التي نهيا عنها، ويأكلان منها ويكون أكلهما سببًا لشقائهما، وشقاء ذريتهما من بعدهما؟!

 

وليس أمرهما بأعجب من أمرنا، ولا حالهما بأغرب من أحوالنا، فإننا جميعًا نقع دائمًا في مثل ما وقعا فيه، وما تلك الشجرة المحرمة عليهما إلاَّ مثال للمحرمات القليلة التي نهينا عنها، فما أقلها في جانب الطيبات الكثيرة والكثيرة التي أباحها الله لنا في هذه الأرض، إن الأشياء القليلة التي نهينا عنها وحُرِّمت علينا ما هي في قلتها بالنسبة للطيبات من الرزق التي خلقت لنا إلاَّ كنسبة الشجرة التي نُهي عنها آدم إلى شجر الجنة، أباح الله لنا الطيبات من الرزق وحرَّم علينا شجرة الخبائث، ولو عقلنا ما تعرضنا لها، ولكن الجِبِلَّة التي جُبِل عليها أبونا الأول وأمنا هي واحدة لا تختلف، والشيطان هو الشيطان فلا عتب على أبوينا، والرواية متكررة دائمًا وأشبهنا بأبويه الخطاءون التوابون والله هو الغفور الرحيم.

 

وفي الآية إشكال عند المفسرين: وهو يتعلق بوسوسة إبليس لأبوينا وهما في الجنة وهو مطرود منها بعد إبائه للسجود لآدم، كيف يتأتى له أن يوسوس لِمن في الجنة بعد أن أخرج منها؟ ولهم في هذه تأويلات، ولعل أقربها إلى الصواب هو أن الطردَ مؤجل إلى حين، وذلك أن الله خاطبهم جميعًا آدم وحواء والشيطان بخطاب واحد: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} (البقرة:36)، أبقاه الله في الجنة أو أذن له في الرجوع إليها ولو لفترات؛ ليتحقق أمر الله وقضاؤه المحتوم؛ لأن الله أمهل إبليس إلى قيام الساعة خاطبه بقوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهُم وما يَعِدُهم الشيطان إلا غرورًا} (الإسراء:64)، فلابد لأمر الله أن يقع، ولا يهمنا إشكال المفسرين في القضية ما دام أمر الله واقعا، وقضاء الله مقدورا، ولنتجاوز لهذه الأشكال إلى ما يعنينا من معنى الآيات ويكسبنا موعظة وذكرى، قال ـ تعالى ـ:

 

{وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى}

 

وصف الله عبده آدم بالمعصية، هكذا بهذا اللفظ الغليظ؛ لأنها مخالفة نهيه، وهي وإن عدَّها العلماء في الصغائر؛ لأن الأنبياء معصومون من الكبائر، ولكنها بالنسبة لمقامه تُعَدُّ معصية، وهو الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته وعلَّمه الأسماء كلها، فما كان ينبغي أن يرتكب إتيان المحظور، وليس فيما يعصى الله به صغير، وفي هذا الوصف من الله لما فعل آدم بالمعصية زجر لنا عن ارتكاب المعاصي، وأن ذلك ضلال وغواية يوجب العقوبة، ثم إن الله ـ تبارك وتعالى ـ اجتبى عبده آدم، أي وفقه للتوبة النصوح فأناب إلى الله وبكى من خطيئته زمانا، وكذلك بكت أمنا حواء وقالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف:23)، هذا إلى تسبيحات وتضرعات وذكر في كلمات تلقَّيَاها من ربهما فتاب عليهما، وهداهما إلى حظيرة الاستقامة، وهداهما لاكتساب معاشهما، وصنع كسوتهما، في هذه الأرض التي أُهبطا إليها، وجعلت مهادا لهما ولأولادهما، وما كان ربهما الذي خلقهما ليضيعهما وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وفي هذا ما فيه من لطف الله بعباده المؤمنين وقبوله لتوبة التوابين {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون} (الشورى:25).

 

وفي الآية إن مرتكب الخطيئة غاوٍ، وأنه بعد توبته مهتدٍ يهديه ربُّه إلى صراط مستقيم، وفي هذه الآيات ذكر آدمُ وتدخُل معه زوجه بالتبع، وقد جاء التصريح بها وبتوبتها في سُورَة البقرة حيث جاء ضمير المثنى هنالك، وبعد ذكر التوبة والهداية ذكر الله قصة إهباط آدم إلى الأرض، وإن كانت توبة الله عليه وقعت بعد هبوطه إلى الأرض، ولكن قدَّمها الله في الذكر لينبِّهنا على حفاوته وعنايته بأوليائه فلا يذكر لنا إخراجهما من الجنة إلاّ بعد أن ذكر لنا توبته عليهما واجتباه لآدم، وفي ذلك إشارة إلى أنه وإن شقى بمعصيته في الدنيا بهبوطه إلى الأرض ومجاورته فيها عدوَّه، فإنه لن يشقى يوم القيامة، وسيعود إلى الجنة وينعم فيها بالخلود، ورضوان الله أكبر، وكذلك التائبون من أبنائه.

 

{قَالَ اهْبِطَا مِنهَا جَمِيعًا بَعضُكُمْ لِبَعضٍ عَدُوٌّ}

 

الخطاب من الله ـ تعالى ـ لآدم وإبليس؛ لأنه قال: بعضكم لبعض عدُو، وهذه العداوة بين إبليس وآدم وذريته لا بين آدم وزوجه، صدر الأمر الصارم من الله العلي الأعلى بالهبوط إلى الأرض لآدم وزوجه وإبليس جميعًا، وصدر الحكم النافذ أن عداوة إبليس لآدم وذريته متمكنة مستمرة لا مطمع في زوالها، هذا ليحذر آدم وبنوه من شر هذه العداوة، ولا يحسنوا الظن بإبليس أبدًا، ولو تظاهر لهم بالنصح، وأقسم لهم على ذلك أيمانًا مغلظة، وقد رأينا ما جرَّ حُسنُ الظن به من بلاء وشقاء لأبوينا الأولين، فأعلن الله لنا بهذه العداوة صراحة، حتى نتقيها ولا نغتر بقسم إبليس وتظاهره بمظهر الناصح، فلا عذر بعد الإنذار المصرَّح به من قِبَل الله، فيجب أن نقابل عداوة إبليس بعداوتنا، وعداوتنا هي مخالفتنا له وسوء ظننا به وبذريته وجنوده، قال ـ تعالى ـ:

 

{فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنَ اَعرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَّنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعْمى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَومَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنَ اَسرَفَ وَلَمْ يُومِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}

 

خطاب من الله ـ تبارك وتعالى ـ لآدم وذريته، بل هو للإنس والجن حتى تقوم الساعة، وفيه من العلم أن الله ـ تبارك وتعالى ـ سيتعهد الإنس والجن بالأنبياء والرسل يهدونهم ويدلونهم على صراط المستقيم الذي يهدي الناس إلى الجنة ويجنبهم النار وأن لا يتركهم هملاً، بل يهديهم وينزل عليهم كتبًا قيمة فيها النور المبين {إن علينا للهدى وإن لنا لَلاَخِرة والاُولى} (الليل:12-13).

 

{فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}

 

إتيان الهدى من الله مؤكد بالنون الثقيلة، فالأمر محقق لا مرية فيه، والهدى من الله لا من غيره، فلا تهتدي عقول البشر وحدها لخط طريق الهداية؛ لأنها تختلف وتطغى عليها الأهواء والشهوات {قل إن الهدى هدى الله} (آل عمران:72)، حكم الله وحكمه الحق، أنَّ من اتبع هدى الله وآمن برسله واتبعهم، فإنه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، والأولى أن من أعرض عن ذكره وكفر برسله ولَم يتبع هداه، فإن له معيشة ضنكا في هذه الحياة، ويحشره الله يوم القيامة أعمى، فالشقاء والمعيشة الضنك: أي المضيقة المنغصة الشقية لأهل الضلال المعرِضِين عن ذكر الله، والراحة والهداية والمعيشة الطيبة وطمأنينة القلب للمتبعين هدى الله المؤمنين بأنبيائه ورسله.

 

هذا وقد يستشكل بعض الناس أمر الواقع وهم يرون الكفار والمنافقين منعمين مترفين، بينما كثير من المؤمنين الصالحين في بؤس وفقر ومرض وبلاء فكيف يستقيم المعنى والحالة هذه؟!

 

إن الله ـ تبارك وتعالى ـ صادق في قوله، وهو الذي يقول: {من عمل صالحًا من ذكر أوُ انثى وهو مُومن فلنحيِيَنَّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:97)، والحياة الطيِّبة في الحقيقة، ليست بوفرة متاع الحياة وكثرة الغنى، والظفر بالقهر والسلطان، وغيرها من زينة الحياة الدنيا، بل قد تكون هذه الأعراض من أسباب الشقاء والنكد إذا خلت من الروح، وتجرَّدت من قِيَم الإيمان والأخلاق الإسلامية، ولذلك نرى كثرة الإنتحارات والاغتيالات والمآسي عند هؤلاء المترفين من الكفار والمنافقين، وما ذلك إلاَّ عنوان على ما هم فيه من فراغ روحي يسبب لهم الشقاء والحيرة والاضطراب، و"الدنيا كماء البحر من ازداد شربه ازداد عطشه"، وأهلها يتناحرون على أعراضها الدنية، ويتقاتلون على حب العلو والمال، ويتحاسدون على مراتبها، ويتنافسون عليها، بينما ترى أبناء الآخرة مرتاحي القلوب، راضين بما قسم الله لهم، راجين من الله ما لا يرجوه أهل الدنيا، فهم في حياة طيبة قلوبهم مطمئنة بذكر الله الذي آمنوا به، وتوكلوا عليه وفوَّضُوا أمورهم كلها إليه، فهم في راحة، وهم على هدى من ربهم، فشتان بين الفريقين، وجاء في الحديث الشريف: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلاَّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (رواه مسلم).

 

وكيف لا يكون البلاء نعمة للمؤمنين، وبشرى لهم إذا علموا أنهم يؤجرون عليه مالا يؤجرون على العاقبة، فدرجاتهم ترتفع به عند الله وسيآتِهم تكفر به وحسناتهم تزكو به {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:15)، إنهم سيقال لهم يوم القيامة، وهم على أبواب الجنة {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (الزمر:73)، ويقال لهم في رياض الجنة ينعمون مخلدين فيها أبدًا {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} (الرعد:24)، فلا إشكال إذن في الآية إذا علمنا حقيقة الفرق في الحالات النفسية بين أهل الهدى وأهل الضلال.

وقيل عن بعض المفسرين

:

{مَعِيشَةً ضَنْكًا}

 

أي في البرزخ هي عذاب القبر، والمعاني لا تتزاحم فهم في الدنيا كما ذكرنا في شقائهم وحيرتهم وضلالهم يعمهون، وهم في قبورهم يتعذبون بما قدمت أيديهم، يوم يكون قبر المؤمن روضة من رياض الجنة، وتكون نسمته طائر يعلق في شجر الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح، ثم إنهم يوم القيامة يتباينون، فأهل الإيمان المتبعون هدى الله، يحشرون آمنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بينما أهل الضلال يحشرون عميًا وبكمًا وصمًّا، وعند حشرهم على هذه الحالة يجري بينهم وبين ربهم هذا الحوار المزعج:

 

{وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعْمى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِيَ أَعْمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَومَ تُنسَى}

 

إن الله يجزي عباده الجزاء الوفاق، فمن كان في هذه الدار أعمى البصيرة معرضًا عن ذكر الله، فهو في تلك الدار أعمى البصر، وذلك زيادة له في العقوبة؛ لأن الذي يتلقى أنواع العذاب والنكال، وهو أعمى أشد إحساسًا بالويل والألم والإهانة من الذي يُعذَّب وهو يرى، فأعداء الله يوم القيامة عميٌ وبُكمٌ وصمٌّ؛ لأنهم كانوا في الدنيا عُميًا عن نور الله لا يبصرونه، وبكمًا عن النطق بالحق يجحدونه، وصمًّا عن الذكر لا يسمعونه، كانوا إذا ذُكِّروا بآيات ربهم يخرون عليها صمًّا وعميانًا، فإذا حُشر أحدهم على هذه الحالة اندهش وانزعج منها.

 

 

{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِيَ أَعْمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}

 

يقول يا ربِّ لِمَ حشرتني أعمى؟، فَقِيدَ البصر، وقد كنت في الدنيا بصيرًا؟، فيُجيبُه ربُّه

:

{كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَومَ تُنْسَى}

 

وليس النسيان هنا بمعناه الحقيقي؛ لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يضل ولا يَنسى، وإنما يُفسَّر النسيان بِحرمان عدُوِّ الله من رحمة الله، فإن الله حين يقسم رحمته بين أوليائه يحرمُهم كالمنسيِّينَ، ولا يجعل لهم فيها حظًا ذلك هو النسيان.

 

{وَكَذَلِكَ اليَومَ تُنْسَى}

 

جزاء وفاقًا، كذلك يخاطبهم الله حتى ييأسوا من رحمة الله؛ لأنهم أتتهم آيات ربهم بينات فأعرضوا عنها ونسوها ولم يتدبروها، آتاهم الله الآيات البيّنات في الأكوان فلم ينظروا ماذا في السماوات وماذا في الأرض، وماذا بينهما، وماذا تحت الثرى من الآيات العظيمة التي تدل على عظمة الخالق وعلمه وقدرته وحكمته في خلقه، ولم ينتفعوا بها، وآتاهم الله الآيات البيّنات في كتبه المنزلة على رسله المبلغين عن الله، فلم يرفعوا بها رأسًا، وتولوا وهم معرضون، وقد يدخل في هذا الوعيد من آتاه الله القرآن فنسِيَه ونسِيَ دراسته والعمل بما فيه، فهو والجاهل سواء، فلنحذر هذا النوع من النسيان فقد ورد فيه الوعيد، ونعوذ بالله من نسيان كتاب الله، وفي الحديث الشريف: "مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعَقَّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت"، وفي الحديث الشريف: "من تعلم القرآن ثم نسِيَه حُشِر يوم القيامة أجذم"، والأجذم المقطوع اليد والمقطوع الحجَّة عند الله يوم القيامة كما رأينا في هذه الآية.

 

{وَكَذَلِكَ نَجزِي مَنَ اَسرَفَ وَلَمْ يُومِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}

 

كذلك يكون جزاء الله للمسرفين الذِّينَ أسرفوا في تقدير أنفسهم فرفعوها فوق الحق، وتكبَّروا على دعاة الله، وأعرضوا عنهم استكبارًا وطغيانًا، فما الدين وما القرآن وما الآخرة في نظرهم إلاَّ تخيلات الرجعيين المتخلفين {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} (غافر:83)، فهم مسرفون بهذا الاعتبار، ومسرفون أيضًا بارتكاب المعاصي والفواحش والمظالم؛ لأن حب الدنيا قد استحوذ عليهم فأنساهم الآخرة، وشهواتهم طغت عليهم، فلا قيد لها من إيمان أو خشية، فأي شيء يكفهم عن العصيان، وهم معرضون عن ذكر الله؟ ولذلك قرن الله إسرافهم بعدم الإيمان؛ لأن عدم إيمانهم هو السبب في إسرافهم، ولأنهم حين يسرفون في الإثم والعدوان يذهب الإيمان ولا يبقى، ففي الحديث الصحيح: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} (رواه البخاري ومسلم)، الحديث فكما أن اقترن العمل الصالح بالإيمان، فكذلك اقترن الإسراف بعدم الإيمان اقتران اللازم بالملزوم، ثم قال ـ تعالى :

{وَلَعَذَابُ الاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}

 

بعد هذا التخويف من سوء عواقب المسرفين، زاد فأنذرهم بعذاب الآخرة الذي هو أشد وأبقى، وأكد الله الخبر بـ: "اللام"، لتحقق وقوعه فلا ريب في ذلك، فإذا صاروا إليه تصاغر في جنبه كل نعيم نالوه في الدنيا، وتقاصرت أيام الدنيا حتى حسبوها يومًا أو بعض يوم، وتصاغر كل ما ينالهم من المعيشة الضنك وعذاب القبر وإن طال، وموقفهم موقف الخزي والفضيحة يوم القيامة، كل ذلك يتضاءل في جنب عذاب الآخرة المقيم الدائم، فهو أشد وأبقى فما أسوأ مصير المسرفين المكذبين.