إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
طه: الآيات ( 128 - 135 ) آخر السورة
طباعـة

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

--------------------------

 

بعد الكلام على أخبار موسى ـ عليه السلام ـ وقومِه، ثم الكلام على قصة آدم أبي البشر وأمهم حواء، وكيف انتقلا من الجنة التي أُسكِنا فيها أولاً فأُهبِطا منها بسبب نسيانهما عهد ربهما، فأُسكِنَا في هذه الأرض وتعرضًا لِمشقتها وحرِّها وقرها، وها نحن اليوم نَدبُّ فيها، منها خُلِقنَا وفيها نعود ومنها نبعث، بعد ذكر هذه الأخبار ألفتنا الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى آثار الأمم قبلنا في هذه الأرض لنعتبر بمن مضى، وتعجب ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من الذِّينَ يغفلون ويُعرِضون عن هذه الآثار التي تنتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويتمادون في الظلم والعصيان، وهم يسكنون في مساكن الظالمين، وضرب الله لهم الأمثال بهم، وهم عن الأمثال عمون:

 

{أَفََلَم يَهْدْ لَهُم كَمَ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ}

 

أعَمِيَ هؤلاء الكفار المعاندون والمكذبون عن أطلال من قبلهم؟ فلم يهد لهم أن يعتبروا بها ويخافوا مثل مصيرهم {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذِّينَ من قبلهم} (غافر:82)، الخطاب لكفار قريش، وغيرهم ممن كان في زمان نزول القرآن، ولجميع أصناف المكذبين حتى تقوم الساعة، وها هم يستمعون آيات الله تُتلى عليهم من جميع إذاعات العالم، حتى من إذاعات الشيوعيين المشركين، وهذا تحقيق لما ضمن الله لهذا القرآن من حفظ، فها هو يتلى ـ كما أنزل ـ من إذاعات الذِّينَ يكفرون به، فمَن في الدنيا لا يسمع هذا القرآن؟، وقد طبع ووزع في بلاد الدنيا، ونقل إلى لغات أجنبية كثيرة، ونُشِر في مشارق الأرض ومغاربها، وصدق الله العظيم {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه} (القيامة:17-19)، أيتحيَّر هؤلاء المستمعون للقرآن المكذبون به فلا يهتدون إلى أنه حق، وما يدعو إليه حق؟، ودعوته من جنس دعوات الرسل الذِّينَ سبقوه الذِّينَ كذبتهم أممهم، فأهلكهم الله وجعل من مهلكهم عبرة للمتأخرين الذِّينَ يأتون من بعدهم {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} (الزمر:21)، أفلا يتدبرون في هذه الآثار العمرانية الضخمة المتينة التي تدل دلالة واضحة على عظم ما كان عليه أصحابها من التمكن في الأرض، وتسخير الناس في البناء، والصناعة والحفر وما كانوا عليه من السلطان والقهر، كيف خربت بلادهم، وخلت ديارهم، وبقيت آثارهم تدل عليهم؟! {فكأين من قرية اَهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبير معطلة وقصير مشيد} (الحج:45)، إن هذه الآثار تنطق أن أهلها كانوا ظالمين، ولولا ذلك لما دمر الله عليهم وخرب ديارهم وأخلى قصورهم وعطل آبارهم وتركهم عبرة للمعتبرين، ولَم تُغنِ عنهم كثرتهم ولا قوتهم شيئًا.

 

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى}

 

إن في ذلك الإهلاك والتدمير لمساكن الظالمين لآيات لأولي العقول المفكرة، والقلوب المستبصرة المعتبرة، كان الأحرى بهؤلاء المكذبين أن يعتبروا بعواقب الظالمين المكذبين، وهم يمشون في مساكنهم، يمرون على "وادي القرى" ديار ثمود، وعلى "سدوم" ديار قوم لوط، وعلى "مدين" قوم شعيب وعلى "الأحقاف" مساكن عاد قوم هود، وفي أهرام مصر، وفي قصور الحيرة، وقصور اليمن في ديار سبأ، وغيرهم.. وغيرهم.. عبرة للمعتبرين، والدنيا ملأى بهذه الآثار والأطلال التي تنطق بالعبر وتبوح بالخبر، فما على العاقل إلاَّ يسير في الأرض فينظر ويعتبر.

 

{وَلَولاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى}

 

لقد رأينا فيما تقدم من قصة آدم وحواء شؤم المعصية وعقوبة الذنب فما إن وقع الذنب حتى حلت العقوبة وطار الحلي والحلل وانكشفت السوءات، وهنا يقرر الله ـ تبارك وتعالى ـ نفس المعنى ويقول: لقد كان عقاب الكفر والذنوب لازمًا لها لولا حلم الله، وإمهاله لهؤلاء الكفرة لعلهم يرجعون، أو لعلَّ الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله، تلك هي الكلمة التي سبقت من الله، إن الله يمهل الكفرة والفجار، وإن الله لا يستأصل هذه الأمة بعذاب يسحتهم رحمة منه بهم؛ ولأنهم آخر الأمم، فما أخر عنهم الهلاك إلاَّ كلمة الله وأجل مسمى مضروب لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فقوله ـ تعالى ـ: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} معطوف على قوله: {كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}، فقدم جواب: "لولا" وأقحم بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لِيَكون وقعه أمكن في النفوس وأشد، ولتكون دلالته أقوى؛ لأنها المقصودة بالذات، يقرر الله ويحكم أن لكل ذنب عقوبة لازمة له، إن لم تكن عاجلة فلها أجل محدود لا تتعداه، ولا يرفعها إلاَّ التوبة النصوح، وقد تكون العقوبة مخففة بعد التوبة كفارة للذنب وتطهيرًا للنفس والقلب من أثره، وكان من دعاء النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" ومن حديث ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، وفي هذا إشارة إلى شؤم المعاصي وأنها كالنار المشتعلة المهددة بالخطر، وأن ما يطفئها التوبة، والتضرع إلى الله، وإسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والإكثار من الصدقات، والمبادرة بالباقيات الصالحات، تلك هي المكفرات المطهرات.

 

{فَاصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنَ _انَاءِي اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرضَى}

 

فاصبر على ما يقول هؤلاء الكفرة، ولا تضق بهم ذرعًا فإن لهم أجلا مسمى لا يَعْدُونه، إنهم يسخرون ويستهزئون ويسبون رسول الله ودينه، ويستبطئون العذاب، ويكذبون بوقوعه ويقولون {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} (يس:48)، {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} (المجادلة:08)، اصبر على أذاهم واتركهم، وتوكَّل على الله وكفى بالله وكيلا، واستعن في صبرك وفي جميع أمورك بالصلاة، تقيمها لله ـ تعالى ـ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، {وَمِنَ _انَاءِي اللَّيْلِ}: أي في سائر أوقات الليل، وعند أطراف النهار {لَعَلَّكَ تَرضَى} ما اختاره الله لك ولأصحابك من الابتلاء والامتحان، وترضى عاقبة صبرك يوم تُلاقي ربَّك.

 

أمر الله نبيَّه بالصبر على ما يقول الكفار من قومه، وأمره أن يسبح بحمد ربه في أوقات عيَّنَها له وتلك هي الصلوات الخمس يقيمها ويصليها لله ـ تبارك وتعالى ـ {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}، أي صلاة الصبح وصلاة الظهر والعصر {وَمِنَ _انَاءِي اللَّيلِ}، أي صلاة المغرب والعشاء.

 

{فَسَبِّحْ}: أي فَصَلِّ، {وَأَطرَافَ النَّهَارِ} أي: صلاة العصر وصلاة الصبح، كرر هذين الوقتين لصعوبة الصلاة فيها وثقلهما على المنافقين، فهم ينامون عن صلاة الصبح ولا يشهدونها، ولا يحافظون على الصلاة الوسطى؛ لأنهم تلهيهم عنها الأسواق والتجارة والبيع فكرر الله هذين الوقتين وحض عليهما، ووعد عليهما الرضا، لما يناله المحافظ عليهما من الثواب الجزيل يوم يلقى ربه يوم الجزاء، و"لعل"، إذا جاءت في كلام الحق جل جلاله، فإنها للتحقيق لمن فعل المأمور مخلصًا لربه الدين.

فلنحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، ولنُرَبِّ عليها أولادنا وأهالينا، ولا نتركهم للنوم، فإن كثيرًا من الشباب يتباطئون ويتثاقلون عن صلاة الصبح خاصة، وهي الصلاة التي يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار {وقرءان الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} (الإسراء:78)، هكذا يسلي الله نبيَّه ويأمره بالصبر على ما يقوله المكذبون والمستهزئون، ويرشده أن يستعين عليهم بالصبر والصلاة، فهما خير وسيلة يتقرب بها إلى الله وينال بها رضاه، ويتقي بها سخطه ويعتصم بها؛ ليدفع الله بهما عنه كيد الكائدين وظلم المكذبين، ثم إن الله ـ تعالى ـ يصرف وجه نبيِّه وحبيبِه عن النظر بعين الاعتبار والإكبار إلى ما متع الله به أعداءه من نعيم الدنيا الفانية، فليس ذلك أبدًا علامة على تكريمه ومحبته لمن مكنهم من ذلك، بل هو لمجرد الابتلاء والامتحان، وقد يكون للإملاء والكيد لأعدائه ليزدادوا إثمًا، قال ـ تعالى ـ:

 

{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُم فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَّأَبْقَى}

 

أي: لا تنظر يا مُحَمَّد أنت ومن معك من المؤمنين نظر المعجب الراغب المتمني لما متعنا به بعضًا من هؤلاء الكفار الجاحدين لرسالتك، اصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك واتل ما أوحي إليك من كتاب ربِّك، واصرف بصرك عما أوتي هؤلاء من زينة الحياة الدنيا، فإنما متعناهم بها لنفتنهم بها، فليست لهم خيرًا، بل هي شر لهم وفتنة، ليس النهي هنا عن مجرد النظر العابر لِمَا أُوتِيَه هؤلاء الكفار المترفون، إنما نهيٌ عن النظر الطامح الذي تُمازجه الرغبة الملحة، والتمني كتمني الذِّينَ يريدون الحياة الدنيا لِمثل ما أوتي قارون حين خرج على قومه في زينته قالوا: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} (القصص:79)، فقد استعظموا حظَّه، وما أحقره!، ونسوا نعمة الإيمان وثواب الله الذي هو خير وأبقى، وذلك هو الحظ العظيم، وهذا النظر الطامح المنهي عنه تفيده صيغة النهي الواردة في القرآن الكريم.

 

 

{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}

 

جاء التعبير بِمَدِّ النظر المسند إلى العينين معًا؛ لأن الناظر إلى الدنيا نظر رغبة فيها يَمُدُّ عينيه معًا، ويفتحهما كأنه يريد أن يلتهمها بعينيه؛ لشدة رغبته في زينتها، وتلهفه على ما فاته منها، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاَّ قليل {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير} (البقرة:126)، وليس هذا المتاع إلاَّ كزهرة تتفتح زاهية، ثُم سرعان ما تذبل وتتصوح، وما أحلى التعبير بالزهرة، وإضافته إلى الحياة الدنيا مؤذن بسرعة ذهابها وفنائها، فلا ينبغي أن يفتتن بها العقلاء، ولا أن يتمناها الذِّينَ آتاهم الله نعمة الإيمان والعمل الصالح، ثم إن هذه الزهرة ليست لكل كافر وجاحد بل هي مقصودة على بعض منهم دون بعض ولذلك قال ـ تعالى ـ:

 

{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنهُمْ}

 

أي أصنافًا منهم بأصناف من زهرات الحياة الدنيا لفتنتهم، فبعض منهم فتنوا بالمال، وبعضهم فتنوا بالملك والسلطان، وآخرون يفتنون بالبنين، ومنهم من يفتن بصحة البدن واستوائه وجمال الصورة، فيبغون بهذه الأشياء ويبطرون ولا يشكرون الله، بل يُمعِنُون بها في الفجور والعصيان والإثم وأنواع الظلم، وتلك هي الفتنة، ويا ليتهم لم يُمتَّعوا بها فهي لهم عذاب في الدنيا، وحسرات في جهنم، حيث يلقون جزاءهم وتكون لهم عذابًا فوق العذاب، كما قال الله في أشكالهم من المنافقين: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} (التوبة:55)، فهي لهم عذاب في الحياة الدنيا وعذاب في الآخرة، نعم سيعذبون بها في الآخرة؛ لأنهم كفار لم يؤدوا حق شكرها، بل طغوا بها وظلموا وفتنوا بها، واستظهروا بها على معصية ربِّهم الذي رزقهم إياها، وهم أيضًا يعذبون بها في الحياة الدنيا؛ لِخُلُوِّ قلوبهم من الإيمان واستحواذ الشيطان وحب الدنيا عليها، فهم على استمرار في تعب شديد ولهث متواصل وحيرة وخوف عليها أن تصيبها الجوائح والخسائر والنقص، وأنَّى لأحد أن يسلم من المصائب، لاسيما الذِّينَ يكسبونها من الربا ولا يؤدون زكاتها، وهم أيضًا في عذاب من أولادهم الذِّينَ طمسوا فيهم فطرة الإسلام فنشؤوا كفارًا متمردين عاقين لهم مشاققين غير بارين ولا محسنين، فأنى لمثل هؤلاء أن يصدر منهم خير، فآباؤهم وأمهاتهم منهم في عذاب، وكذلك شأنهم من جميع مُتَع الدنيا، فعاقبتهم النحس والنكد والدمار والعياذ بالله، وفي قلوبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من الغم والمخاوف والوساوس، وإن رآهم الجاهل في نعيم وحسبهم به سعداء وهم عن السعادة بعداء، إنما السعادة وطمأنينة النفس في الإيمان بالله والاعتصام به وبكتابه.

 

{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَّأَبْقَى}

 

ورزق ربِّك من الكتاب والحكمة والإيمان والعمل الصالح خير لك ولمن آمن معك وبعدك وعمل صالحًا، {والباقيات الصالحات خير عندك ربك ثوابًا وخير أملا} (الكَهف:96)، ذلك رزق الله النافع لعبده المؤمن هو خير له في دنياه، وقد ملأ الله نفسه رضًا وطمأنينة وقناعة وأصلح الله أهله وذريته فهم أبرار قد اتبعوا آباءهم بإيمان، وأطاعوا الله فيهم فهم لهم قرة أعين في الدنيا، وهم لهم امتداد أجر بعد مماتهم، يدعون لهم ويتصدقون ذلك خيرٌ وأبقى، جمع الحسنَيَيْن:

الخيرية والبقاء، وهو ثواب الله للمؤمنين وعند الله ثواب الدنيا والآخرة.

 

{وَامُرَ اَهلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}

 

يرشد الله نبيَّه وكل مؤمن إلى بناء صرح سعادته الأبدية له ولأهله وذلك بتنشئتهم على التقوى، وعماد التقوى والإيمان هي الصلاة والمحافظة عليها والمداومة على إقامتها في أوقاتها، وبطهارتها وركوعها وسجودها وخشوعها، يأمر الله نبيَّه وكل مؤمن أن يأمر أهله بالصلاة، وذلك منذ صغرهم حتى يتعودوها وينشؤوا على محبتها والأنس بها، وتكون قرة عين لهم يناجون فيها ربهم، ويستعينون بها على أمورهم كلها، ولا خير في أهل لا يُصَلُّون، وأي خير في مساكنة من هو شرٌّ من الكلاب والخنازير وأضل سبيلا، والمقابر خير من البيوت لا تقام فيها الصلوات ولا يقرأ فيها القرآن، تلك بيوت لا خير فيها ولا بركة، ولا يرجى منها سكينة ولا هناء، وكما أمرنا الله ـ تبارك وتعالى ـ بأمر أهالينا بالصلاة أمرنا أن نصطبر عليها وعلى مشقة المحافظة على شروطها ومراقبة أوقاتها والمداومة عليها، ولا يكون أمرنا لأهلنا مقبولا ونافعًا إلاّ إذا كنا نمتثل ما نقول ونفعل ما نأمر به، فإذا كنا كذلك كان حريًّا بأهالينا وأولادنا الصغار أن يقتدوا بنا ويتبعونا في الإيمان والعمل الصالح.

 

ولما كانت الصلوات قد تعرض لنا في أوقات التجارة والبيع وأنواع الحرف في طلب الرزق، فتكون عرضة للضياع أخبرنا الله ـ تعالَى ـ أن الرزق مضمون وقد تكفل الله عزَّ وجلَّ به فقال:

 

{لاَ نَسْأَلُكَ رِزقًا نَّحنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}

 

يقول: لا نسألك أن تنفعنا برزقٍ، فالله ـ تعالَى ـ غنِيٌّ عن عباده، وهو يُطعِم ولا يُطعَم، ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أولادك، فنحن نرزقك وإياهم، فلا يمنعنك طلب الرزق عن إقامة الصلوات في أوقاتها الموقوتة، وفيه إشارة إلى أن الرزق يبارك لمن حافظ على الصلوات، والعاقبة الحسنة لأهل التقوى الذِّينَ يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيه، ويحفظون حدوده، فهم الذِّينَ يرضون سعيهم عند خروجهم من هذه الدنيا، وقد جاءتهم البشرى من ربهم، وهم الذِّينَ يحبون لقاء الله ويحب الله لقاءهم ويُلَقِّيهم الله نضرة وسرورًا، وذلك هو الفوز العظيم، وإذا كانت الأمور بخواتيمها، فإن العاقبة الحسنة تكون في آخر أيام الدنيا يوم لا تنفع أصحاب الأموال أموالهم، ولا يُغنِي عن أصحاب السلطان سلطانهم، ولا يدفع الأولاد ولا الأحباب عنك ما حلَّ بك من قدر الله شيئًا، ولا ينفعك يومئذ إلاَّ ما قدمت من عمل صالح، فبشرى يومئذ لأهل التقوى بشرى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذِّينَ ءَامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (يونس:62)، وأولياء الله المتقين هم الذِّينَ يقيمون الصلاة ويأمرون أهاليهم بإقامتها، ويُربُّون على ذلك أولادهم، تلك بيوت عامرة عَمَرُوهَا بالصلاة وقراءة القرآن وسائر أنواع القربات من الباقيات الصالحات، أولئك هم المؤمنون المتقون الذِّينَ لهم العاقبة الحسنى.

 

{وَقَالُوا لَوْلاَ يَاتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الاُولَى (133) وَلَوَ اَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَولاَ أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنَ اَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)}

 

قال الكفار من قريش لولا يأتينا هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول من الله الينا، لولا يأتينا بآية، أي: بِمعجزة من ربه تشهد له على صدقه، فأجابهم الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ بقوله:

 

{أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الاُولَى}

 

أولَم يكفهم أنَّ الصحف الأولى: صحف إبراهيم وموسى وغيرهما، قد بشَّرت بِمبعث نبِيٍّ صفته كذا وكذا، وموطنه كذا، فلم يبق لديهم شك في أن هذا هو نبي آخر الزمان الذي بشَّرت به الرسل وبينت أوصافه، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وتلك هي بَيِّنَة ما في الصحف الأولى، ومعجزته القرآن، يتلى عليهم لا يشُكُّون أنه ليس من كلام البشر؛ لأنهم أدرى الناس ببلاغة القول، وقد تحدَّاهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مفتريات أو حتى بسُورَة واحدة، فعجزوا كلهم وفي هذا ما يكفي في بيان أن هذا الكلامَ كلامُ الله، وليس هو كلام مُحَمَّد ولا غيره من البشر، فهم إنما يجحدون رسالته كفرًا وعنادًا وكبرًا {وما يجحد بآياتنا إلاَّ الكافرون} (العنكبوت:47)، ويكفي بيِّنةٌ أن أُمِّيًّا ما عرف القراءة ولا الكتابة يأتيهم بهذا الكتاب الحكيم، الذي فيه البيِّنات والعلوم والأحكام والحكم {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت:48)، فمن يرد الله هدايته يهده بهذا الكتاب، ومن يرد أن يضله لا يؤمن ولو جاءته كل آية، فهم يقترحون الآيات ويطلبونها كبرًا ولجاجًا، وقد علم الله منهم ذلك ولا يوافقهم إلى مطالبهم هذه رحمة بهم وإمهالا لهم لعلهم يرجعون ويذكرون؛ لأنهم لو أجيبوا إلى ما اقترحوه من بعض الآيات فلم يؤمنوا بعدها، لأهلكهم الله وتلك سُنَّة الله في الذِّينَ خلوا من قبل، قال الله: {وما منعنا أن نرسل بالاَيات إلاَّ أن كذَّبَ بها الاَوَّلُون} (الإسراء:59)، فما عليك يا مُحَمَّد إلاَّ البلاغ وسيهتدي بك من أراد الله هدايته {وقالوا لولا أنزل عليه ءَاية من ربه قُلِ اِن الله يضل به من يشاء ويهدي إليه منَ اَنَاب} (الرعد:27)، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات يا مُحَمَّد، فما عليك إلاَّ الإنذار والتبليغ، وبعد هذا فإن أمر الهداية والضلالة إلى مشيئة الله، وقد قامت عليهم حجة الله وجاءتهم البينات الكافيات.

 

{وَلَوَ اَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنَ اَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى

}

لا أحد أحب إليه العذر من الله، ففي هذه الآيات إشارة إلى حكمة إرسال الرسل وإنزال الكتب، وأن الله ـ تعالَى ـ يريد بذلك أن يقيم الحجة على عباده بإرسال مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ خاتم الرسل، وأرسله للناس كافة وضَمِنَ بقاءَ رسالته وحِفظَ كتابِه حتى تقوم الساعة، فهو نذير آخر الزمان، وإن من أمة إلاَّ خلا فيها نذير، ولو شاء الله لأهلك قريشًا على عصيانهم قبل إرساله؛ لأنهم قد خلت النذر من قبله، ولكنْ رَحْمَةً بهم أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم يخاطبهم بلسانهم ويقرأ عليهم كتابًا بلغتهم، وهم يعرفون أمانته وصدقه، ولو أن الله أهلكهم قبل مجيئه لاحتجوا على ربهم، وقالوا يا ربنا هَلاَّ أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى سبيلك ويبين لنا ما نفعل ونذر من الأعمال حتى نتجنب سخطك وعقوبتك، فكيف تُهلِكُنا يا ربَّنا ونحن غافلون؟ يقول الله ـ تعالَى ـ: {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهدا عليكم} (المزمل:15)، وأنزلنا معه كتابًا يخرجكم من الذل إلى العز ويجنبكم خزي الدنيا والآخرة ويخرجكم من الظلمات إلى النور، ولكنكم كذبتم به وأعرضتم، وقلتم ساحر ومجنون، وقلتم شاعر نتربص به ريب المنون.

 

{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنَ اَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}

 

قل لهم يا مُحَمَّد: كلٌّ منا ومنكم متربصٌ بالآخر، أنتم تتربصون بنا الموت أو الهزيمة {قل هل تربصون بنا إلاَّ إحدى الحسنَيَيْن ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون} (التوبة:52)، أنتم تتربصون بنا في الحقيقة إحدى الحسنيَين: الشهادة أو النصر، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده جزاء لكم على كفركم وجحودكم، أو بأيدينا في غزوة ينصرنا الله فيها، ويظهرنا عليكم، ونتربص ظهور هذا الدين {فتربصوا إنا معكم متربصون} (التوبة:52).

 

{فَسَتَعْلَمُونَ مَنَ اَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}

 

"السين"، للتنفيس، وجاءت هنا مقترنة بالفعل إشارة إلى قرب تحقق الوعيد، أي فستعلمون قريبًا علم اليقين من هم أصحاب الصراط السوي، نحن أو أنتم، وفي هذا تسلية للنبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ولقومه الذِّينَ يؤذيهم الكفار بالسخرية والاستهزاء وأنواع الأذى، وهذا نظير ما جاء في سُورَة المطففين {إن الذِّينَ أجرموا كانوا من الذِّينَ ءامنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهله انقلبوا فاكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أُرسِلوا عليهم حافظين فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون على الاَرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} (المطففين:29-36)، فالآيات تسلية وتطمين للمؤمنين على أنهم على هدى من ربهم، وأن العاقبة الحسنى لهم لا لأعدائهم {وسيعلم الذِّينَ ظلموا أي منقلب ينقلبون} (الشعراء:227)، ويومئذ يعترفون ويؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم، وذلك حين يأتيهم الأجل المحتوم وحين يبعثون يوم القيامة، وفي الآية ذكر أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى، وليس فيها ذكر الطرف الآخر لحقارته وهوانه؛ ولأنه يُعرَف بطريق المفهوم.

 

وفي السُورَة عَودٌ على بدء، وهذا من بلاغة القرآن تختم السُورَة بمثل ما بدئت به، ففي بدايتها تسلية لقلب النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وتطمين له أنه على الحق، فلا يهلك نفسه عليهم حسرات، إنه عليه إلاَّ البلاغ:

 

{طَه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ القُرْءَانَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَّخْشَى}

 

{قُل كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنَ اَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}

 

وفي نهاية السُورَة مثلُ الذي في بدايتها من التسلية والتثبيت والتطمين، فتربصوا بهم، فليتربصوا فسيعلمون قريبًا من هم أهل الهدى، ومن تكون لهم العاقبة، ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله رب العالمين.

***

تم تفسير سُورَة: "طه"