إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الأنبياء: الآيات ( 1 - 15 )
طباعـة

سُورَة الأنبياء مكية وآياتها (112)

 

تفسير سورة الأنبياء: الآيات ( 1 - 15 )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)

-----------------------

 

السُورَة مكية تعتني بتقوية العقيدة كأخواتها من السور الْمِكِّيَّات، تقيم الدلائل على الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر وأهواله، وتنذر الناس عذاب الله يوم القيامة وعذابه في الدنيا، وسميت "الأنبياء"؛ لأنها تذكر خبر طائفة من أنبياء الله، بالإطالة بعض الشيء في خبر إبراهيم، وبالإيجاز في ذكر الأنبياء الآخرين، والسُورَة شديدة الاتصال بما قبلها من السور ففي سُورَة "طَـه"، يقول ـ تعالَى ـ في ختامها: {قل كل متربص فتربصوا فستعلمون منَ اَصحابُ الصراط السوي ومن اهتدى} (طه:135)، وفي بداية هذه السُورَة يقول ـ تعالَى ـ:

 

{اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعرِضُونَ}

 

إن هذا الأمر الذي نتربصه لقريب محقق الوقوع، فلا تستعجلوه ولا ترتابوا في وقوعه، اقترب للناس اليوم الذي يبعثون فيه ويحاسبون، وهم في غفلة عنه ساهون، معرضون عن ذكره وعن الاستعداد له، معرضون عن النذر.

 

{مَا يَاتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ اِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُم وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِّينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُكُمُ أَفَتَاتُونَ السِّحرَ وَأَنْتُمْ تُبصِرُونَ}

 

{مَا يَاتِيهِم مِّن رَّبِّهِم مِّن ذِكْرٍ}: وهو القرآن يتجدد نزوله عليهم، ما ينزل عليهم من قرآن إلاَّ استمعوه سماع الاستهزاء والسخرية واللعب، فهم لا يستمعون سماع الفهم والتدبر والقبول، بل يسمعون للسخرية والتكذيب، وقلوبهم لاهية معرضة عنه، ومتى يجدي استماع الأذن إذا كان القلب لاهيًا؟، كذلك حال هؤلاء المكذبين، كلما نزل شيء من القرآن، وحيَّرتهم بلاغته وإعجازه، تناجوا فيما بينهم وأسروا نجواهم.

 

{الذِّينَ ظَلَمُوا}

 

وهو بدل من الواو قبله: ظلموا أنفسهم بالتكذيب والكفر، وظلموا قومهم ونساءهم وأولادهم وأقوامهم بالصد عن سبيل الله، وإلقاء ركام الشبه على كلام الله الذي أدركوا عظمته وصدقه وحلاوته، ولكن كبرياءهم وإنكارهم أن يكون البشر رسولا منعهم من الاعتراف بصدقه والإيمان به، فيتناجى ملأهم سرًا ماذا يقولون لأقوامهم حتى لا يؤثر فيهم، فيؤمنوا وأخيرًا يقررون أنه سحر، وأنه كلام بشر، فيقولون لهم.

 

{هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمُ أَفَتَاتُونَ السِّحرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}

 

هكذا يصوغون الكلام على صيغة الاستفهام الذي يراد به النفي أولا، والإنكار ثانيًا؛ حتى يكون أشد تأثيرًا على النفوس.

يقولون مخاطبين أهاليهم: هل هذا الشخص إلاَّ بشر مثلكم، فكيف يدَّعي أنه رسول من عند الله؟ ولو شاء الله لأنزل ملائكة، وما هذا الكلام الذي يأتيكم به إلاَّ اختلاق من عنده، يؤيده بالسحر ليسحركم به، فلا تنخدعوا له ولا تؤمنوا به، أفتأتون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر؟ يقولون لهم هذا؛ لأنهم يعلمون أنهم يَحُسُّون حلاوته وبلاغته وسلطانه على نفوسهم، فيضربون لهم المثل بالسحر؛ لأن السحر يؤثر على النفوس، وهو باطل لا حقيقة له، وهم يدركون الفرق الفارق والبعد البعيد بينه وبين السحر، إذ السحر تَمتَمَات وأسجاع وتُرَّهات وأباطيل، وكلام رب العالمين صدق وحكمة وعلم وقول فصل وبيان معجز، ولكن الأهواء أعمت أبصارهم وجعلت قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقرا، فتولوا عنه معرضين، وقد ضربت كبرياؤهم بينهم وبينه حجابًا، فهم لا يؤمنون ولا يَدَعُونَ أقوامهم يفكرون في الإيمان، وكذلك الطغيان في كل زمان ومكان، وتلك طبيعة الاستبداد في سادة الناس وكبرائهم إلاَّ قليلا ممن عصم الله.

 

{قُل رَّبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالاَرضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}

 

أمر الله ـ تعالَى ـ نبيَّه أن يقول لهم ربِّي وربُّكم يعلم السر كلَّه في السماء والأرض، وهو السميع لأقوالهم التي يتناجون بها، العليم بنوايا قلوبهم، فهو السميع الذي لا تخفى عنه الأصوات، العليم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وجاء هذا القول بعد إسرارهم النجوى مناسبًا قوي التأثير عليهم؛ لأن الله العليم بهم فضحهم وفضح أقوالهم التي تناجوا بها فلم تعد خافية على الناس.

 

{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا أَفَهُم يُومِنُونَ}

 

فضح الله تآمرهم في هاتين الآيتين، ورد عليهم بالرد القامع لهم.

 

{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}

 

إنهم كذبوا بهذا القول ورموه بأنواع من الترهات والأباطيل؛ ليُمَوِّهُوا بها على أقوامهم حتى لا يؤمنوا، فمنهم من قال: هو أخلاط الرؤى يراها في المنام فيقصها على الناس، وكأن قائلاً يرُدُّ على هذا القول؛ لأنهم أدركوا أنه كلامٌ حكيمٌ، معجز يعلو ولا يعلى، فقال آخرون:

 

{بَلِ افْتَرَاهُ}

 

أي ليس الأمر كذلك، بل اخترعه مُحَمَّد وصاغه في كلام بليغ ككثير من البلغاء من قبله، وكأنهم شعروا أن هذا الكلام لا يروج على أقوامهم؛ لأنهم يدركون أنه أعلى رتبة في الحكمة والبلاغة والإعجاز من كلام الناس، حتى أنهم عجزوا أن يأتوا بمثله بل بسُورَة من مثله.

 

فقال بعضهم منهم بل هو شاعر صاغه كما يصوغ الشعراء كلامهم، إنما هو بدع من الشعر لَم يتقيد بأوزانهم، وكأن بعضًا منهم لم يرض هذا القول، ولَم يقتنع به للفرق الكبير بينه وبين الشعر وخيالاته ومبالغاته وأنواع أغراضه الدنيئة وأوزانه وقوافيه، فقالوا:

 

{فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ}

 

سكتوا عن معارضته بما سبق، فاقترحوا الآيات تحديًا لرسول الله لا طلبًا للحقيقة، قالوا لولا يأتينا هذا الذي يزعم أنه نبي بمعجزة خارقة كما جاء الرسل الأولون، وقد علموا أخبار من سبق من الرسل وأممهم المجاورين، مثل هود وصالح وشعيب وموسى ولوط، فهم يتحاكون أنباءهم، ويمرون على منازلهم، ويعلمون معجزاتهم، وسبب هلاكهم، فاقترحوا الآيات، ونسوا أن معجزة القرآن يأتي به الأمي هي المعجزة الكافية لمن يطلب الحق، وهي المعجزة الباقية الخالدة يدركها أهل زمان البعثة، ومن بعدهم من الناس حتى يرفع، ولكنهم قوم خَصِمُون، فرد الله عليهم بما يدحض شبهبتهم فقال:

 

{مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا أَفَهُم يُومِنُونَ}

 

لقد كانت أمم قبلهم طلبت من أنبيائها آيات لا ليستبينوا بها الحق ولكن ليعاجزوهم، وكان من سنة الله فيهم أنهم إذا طلبوا آية، فجاءتهم فلم يؤمنوا أن الله يسحتهم بعذاب فيُبِيدهم، وعلم الله أنهم حين يصلون إلى هذا الحد من المحادة والإصرار لا ينفعهم إتيان الآيات، فرد الله على قريش بما رد به عليهم؛ لأنه ـ تعالَى ـ لا يريد إهلاك هذه الأمة واستئصالها وهي آخر الأمم، وقضى الله أنها ستبقى إلى قيام الساعة فلم يسعفهم إلى إتيان الآيات المقترحة، وفي كتاب الله المنزل عليهم على رجل يعرفونه بالصدق والأمانة لآية بينة لمن يبتغي الرشد ويطلب الحق، ولكن طبيعة الكبر في نفوسهم وحب الشهوات ترين على قلوبهم كما رانت على من كان قبلهم، وقد علم الله منهم ذلك فرد الله عليهم، {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} (يونس:101)، ثم قال ـ تعالَى ـ:

 

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُم جَسَدًا لاَّ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسرِفِينَ}

 

هذه الآيات الثلاث رَدٌّ على هؤلاء الكفار الذِّينَ ينكرون أن يكون الرسول بشرًا، فرّد الله ـ تعالَى ـ عليهم هذه القولة، كما ردها عليهم في مواضع أخرى من كتابه الكريم، قال ـ تعالَى ـ: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم} (يوسف:109)، فالإرسال من قِبَل الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ والرجال يتلقَّون الوحي من الملائكة الكرام، ومنهم من كلَّم الله، ثم يُبَلِّغون الناس ما أنزل إليهم، وفي الآية إشارة إلى أن الرسالة لا تكون إلاَّ في الرجال، قال ـ تعالَى ـ:

 

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} الذِّينَ عندهم علم بالرسل والوحي، الذِّينَ يقرؤون التوراة والإنجيل، ويعرفون صفات الرسل وعلامات النبوة، اسألوهم إن كنتم لا تعلمون بحقائق النبوة والوحي وسمات الأنبياء والرسل، يُخبروكم بأوصافهم، فليس صاحبكم هذا بدعا من الرسل، ولا ينكر العرب أمر الرسالات وهم يتقاصون أخبارهم، وفي قوله السابق: {فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ} فقد ألزمهم الحجة بما يعترفون به، فما كان هذا الرسول الذي أرسل إليهم إلاَّ واحدًا من تلك الرسل الذين يوحى إليهم، وليسوا إلاَّ بشرًا مثلهم، قال الله ـ تعالَى ـ في وصفهم:

 

{وَمَا جَعَلْنَاهُم جَسَدًا لاَّ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعدَ فَأَنْجَيْنَاهُم وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسرِفِينَ}

 

وليُحقِّق الله بشريتهم نفى عنهم صفات الملائكة، ونفى عنهم الخلود، فقال وما جعلناهم أجسادًا لا تأكل الطعام ولا تخرج فضلاته، بل هم بشر كسائر البشر يجوعون فيأكلون، ويعطشون فيشربون، ويبولون ويتغوطون، ويَمَسُّهم التعب والإعياء، ويمرضون ويموتون، وهذه الأوصاف أليق بمن يُبعَث رسولاً ليكون قدوة للناس؛ لأنهم لو لَم يكونوا كذلك، لقال الناس كيف نقتدي بمن لا يَمسُّه ما يَمَسُّنا من الحاجة إلى الطعام والشراب والدواء؟ فهؤلاء ولو تبتلوا للعبادة قد تخلصوا من الطبيعة البشرية فكيف نكلَّف نحن أن نأتسي بهم، وليسوا مثلنا في الضعف والحاجة ومس المرض والموت؟ هلا كانوا مثلنا يشعرون بما نشعر به من الحاجة إلى الطعام والشراب والنساء؟ ويشعرون بالحر والقر، فتكون لنا بهم في تحمل أعباء التكاليف والعبادات من صلاة وصوم وطهارات وصبر عما تدعو إليه النفس من الشهوات؟ واضطرار في بعض الأحوال إلى تخفيف الأحكام عند المشقات؟ وأيضًا لو كانوا هؤلاء الرسل ملائكة لاقتضت حكمةُ الْمرسِل أن يَجعلهم بشرًا؛ ليكون في إمكان البشر أن يتصلوا بهم ويسمعوا منهم؛ لأنه ليس في استعدادهم الاتصال بالملائكة، وحينئذٍ لو كان الرسل من جنس الملائكة وجُعِلوا بشرًا في مظاهرهم، لالتبس الأمر على الناس فيكذبونهم في أمر الرسالة، وفي ادعائهم أنهم ملائكة، فكان من لطف الله بنا أن أرسل إلينا رسلا من أنفسنا يبعثهم في الذؤابة من أقوامهم يعرفونهم ويعاشرونهم عمرًا طويلا قبل مبعثهم، ويؤيدهم الله بالمعجزات والكرامات ما يدل على صدقهم وصدق الكلام الذي يأتون به، ويقولون هو من عند الله، فما يكذبهم حينئذ إلاَّ شقي أثيم خصيم مبين، ثم قال ـ تعالَى

ـ:

{ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُم وَمَّن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسرِفِينَ}

 

يقول الله: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُم} وعدنا إياهم بالنصر في الدنيا والتمكين في الأرض، والفوز في الآخرة بحسن المصير في النعيم المقيم، وما من نبِيٍّ ولا رسول إلاّ وقد وعده الله بوعود ثم يحققها في الدنيا والآخرة، ويوم يأتي الهلاك العام ينجيهم ومن يشاء من الذِّينَ آمنوا بهم واتبعوهم، ثم يهلك الله المسرفين بالشرك والمعاصي، وتأتي هذه الأفعال موصولة بنون العظمة لتدل على عظيم سلطان الله وهوانِ هؤلاء الكفار على الله، فهم لا يستحقون الرحمة يوم يأتي أمر الله بما عصوا وكانوا من المفسدين، وفي هذا تسلية لقلب النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ومن معه وإنذار للكفار في كل زمان من سوء العواقب التي يتعرضون لها بسبب كفرهم وتكذيبهم.

 

{لَقَدَ اَنزَلْنَا إِلَيْكُم كِتَابًا فِيهِ ذِكرُكُمُ أَفَلاَ تَعقِلُونَ}

 

يقول الله ـ تعالَى ـ مخاطبًا هؤلاء القوم الضالين الذِّينَ يطلبون الآيات يتحدّون بها رسولهم: لقد أنزلنا إليكم كتابًا هو المعجزة الكبرى الخالدة التي يدركها الأولون والآخرون، وفي إمكان كل جيل أن يدركها ولا يزال الزمان يظهر إعجازها في البلاغة والأحكام، وتحقق الأشياء التي أخبر القرآن بها، ومنها حفظ هذا الكتاب من التبديل والتحريف، فقد ضمن الله حفظه يوم نزوله، وها هو اليوم تمضي عليه أربعة عشر قرنا ولا يزال غضًّا طريًّا مشرقًا ساطعًا كما أنزل، لَم يغير منه حرف واحد، ولا استطاعت هذه العلوم البشرية المتقدمة أن تنقض قاعدة واحدة من أحكامه أو حقيقة من حقائقه، بل لا تزداد إلا نصاعة وظهورا كما قال منزله: {سنريهم ءَايتُنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} (فصلت:53)؛ ذلك لأنه كلام رب العالمين، عالِمُ الغيب والشهادة الحكيم الخبير، فأين المعجزات المادية من معجزة القرآن الخالدة؟ أين عصى موسى والآيات التي جاءت معه؟ أين معجزات عيسى وداود وسليمان؟ تلك كانت لزمان مضى ولقوم معيَّنِين، ونحن نؤمن بها ولا ننكرها؛ لأن القرآن أخبر بها، ولكنها اليوم لا تقيم للناس برهانًا؛ لأنهم لا يشهدونها، أما معجزة القرآن فلا تزال باقية ساطعة البرهان، ويمتن الله بهذا الكتاب على العرب خاصة.

 

{لَقَدَ اَنْزَلنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمُ أَفَلاَ تَعقِلُونَ}

 

أيها القوم الضالون، ما لكم عن القرآن معرضين؟!، أليس في ذكركم ومجدكم وشرفكم الخالد؟! ما لكم لا تعقلون؟! وهل كنتم شيئًا مذكورًا قبل نزول القرآن؟ كانت للأمم من غيركم حضارات وإمبراطوريات وجنود وقوة وعتاد، فماذا كنتم بينهم؟ أليس هذا الكتاب فيه ذكركم وفخركم وخلودكم إذا آمنتم به وحملتموه إلى الناس تفتحون به العالم، وتقهرون به الدول ذوات العدد والعتاد، إنه كتاب فيه عِزُّكم وسيادتكم، فما لكم لا تؤمنون به وفيه سعادتكم في الآخرة، وذكركم بين الأمم وعبر التاريخ؟! أفلا تعقلون؟!

 

واليوم وقد أصابت العرب جاهلية عمياء، فهم ينبذون الفخر بالإسلام وبالقرآن، وينبذون العمل به والحكم بما فيه وينادون بالقومية العربية والبعث العربي، وما قيمة هذه الشعارات إذا جردت عن الدين وابتعدت عن القرآن؟، وما جدواها وما قيمتها في الناس؟، إنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، وإنه لا سيادة للعرب إلا إذا رجعوا إلى دينهم، وتمسكوا بكتاب ربهم وأقاموه بينهم، فليتفطن الحمقى وليتنبه الغافلون وليستبصر الضالون، ولترفع شعارات الإسلام والقرآن بدل شعارات القوميات الضيقة والدعاوى الجاهلية، وليحل الهدى محل الضلال والرشاد محل الغي ولترجع العقول إلى صوابها.

 

{وَكَم قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَت ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعدَهَا قَوْمًا _اخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُترِفْتُم فِيهِ وَمَسَاكِنُكُم لَعَلَّكُم تُسأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلكَ دَعْوَاهُم حَتَّى جَعَلْنَاهُم حَصِيدًا خَامِدِينَ}

 

قال ـ تعالَى ـ:{وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَريَةٍ كَانَت ظَالِمَةٌ}

 

القصمُ: هو كسر الجسد الصلب كسرًا شديدا، كذلك يقصم الله الظالمين، يهلكهم في طغيانهم وهم في إقبال من الدنيا فيأخذهم أخذًا وبيلا، وقد أمهلهم قبل ذلك وما زادهم الإمهال إلا إمعانا في المكر والظلم، ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلم غيرهم بالإفساد في الأرض وطلب العلو والغلبة، وجاء التعبير بـ: {كَمْ} التي تدل على التكثير؛ ذلك لكثرة القرى التي كفر أهلها فأهلكم، والله لا يزال يهلك الظالمين بأنواع من الخسف والزلازل والحروب والدمار، ولله جنود السماوات والأرض، ثم قال ـ تعالَى ـ:

 

{وَأَنْشَأْنَا بَعدَهَا قَومًا _اخَرِينَ}

 

أي وأوجدنا بعد الهالكين أقواما آخرين؛ لننظر ماذا يعملون، حتى إذا بغوا وأفسدوا في الأرض صنعنا بهم ما صنعنا بأسلافهم كما قال ـ تعالَى ـ {ألم نهلك الاَوَّلين ثم نتبعهم الاخِرِين كذلك نفعل بالمجرمين} (المرسلات:18)، ولا يزال الله للظالمين بالمرصاد، قال ـ تعالَى ـ:

 

{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنهَا يَرْكُضُونَ}

 

فلما جاء العذاب وأحس هؤلاء الظالمون بوقعه إذا هم من قُرَاهم يركضون شرقًا وغربًا، هنا وهناك تائهين ذاهلين، والركضُ: ضربُ الأرجل بالأرض، وفي التعبير بالركض روعة في تصويرهم وهم يجرون إلى غير هدى، ظانين أن جريهم ينجيهم من عذاب الله، وقد أحاط بهم ولا عاصم من أمر الله إلاّ من رحم، وفي التعبير بـ: {إِذَا} الفجائية بيان مفاجأتهم بالعذاب من غير توقع ولا إنذار، وفي الآية تصوير بديع لحالهم وهم يتلقون العذاب المفاجئ الذي لا قِبَل لهم به ولا يطيقون دفعه، فهم يركضون طلبا للنجاة ولات حين مناص، قال ـ تعالَى

ـ:

{لاَ تَركُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُترِفْتُم فِيهِ وَمَسَاكِنُكُم لَعَلَّكُم تُسأَلُونَ}

 

لا تركضوا اليوم، فإن الركض لا ينفعكم ولا ينجيكم من عذاب الله، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه لتذوقوا الهلاك في تلك المساكن التي كنتم منعمين فيها بأنواع النعم، وكنتم لا تشكرونها، ارجعوا لعلكم تسألون عن النعيم الذي كنتم تتقلبون فيه، ولا تشكرون الرب المنعم ولا تؤدون له حق العبادة، بل كنتم تكفرون برسله وتحادون ربكم بأنواع المعاصي، أو لعل الناس يسألونكم عن سبب هلاككم، فإن لم تجيبوا حوارًا أجبتم اعتبارًا، فاليوم فذوقوا جزاءكم في مصارعكم ثم بعدها تسألون، أي ليس الأمر ينتهي بحلول بأس الدنيا، بل بعده سيحاسبون ويسألون وينالهم جزاؤهم في الآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، ولا يزال المشهد يعج بالأصوات والحركات:

 

{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلكَ دَعْوَاهُم حَتَّى جَعَلْنَاهُم حَصِيدًا خَامِدِينَ}

 

إنهم في تراكضهم ينادون بالويل والثبور شأن الأشقياء حين يأتيهم العذاب، ولا يعود لهم رجاء في النجاة، يعترفون أنهم كانوا ظالمين وليس اعترافهم بمغنيهم شيئًا قال ـ تعالَى ـ:

 

{فَمَا زَالَت تِلكَ دَعْوَاهُم حَتَّى جَعَلْنَاهُم حَصِيدًا خَامِدِينَ}

 

أي لا يزالون يتضاغون بالصراخ، حتى أحالهم عذاب الله النازل إلى حصيد، وانتهى حالهم إلى خمود كما تخمد النار بعد اشتعالها وتحول إلى رماد، والحصيد: هو الزرع المحصود، شبه الله حالهم بعد الإزدهار والإقبال بالزرع المتهشم المحصود، وما أدل هذه العبارة على حالهم وقد هلكوا وحل بهم بأس الله وانتهى كل شيء، ونعوذ بالله من حلول بأس الله ونستجير به من شر عذابه ونقمه ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليّ العظيم.

 

وفي هذه الآيات إنذار وتخويف للكفار من قوم النبي أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء الأقوام من الهلاك إذا هم لَجّوا في طغيانهم، ولم ينتهوا من تمردهم وظلمهم، ومن أراد الله به خيرًا، فإنه يعتبر ويرجع إلى الصواب، وباب التوبة مفتوح والإسلام جب لما قبله.

 

ثم بعد هذا يتحول الكلام إلى بيان حكمة الله من خلق السماوات والأرض وبيان وحدانية الله وعظيم سلطانه.