إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الأنبياء: الآيات ( 51 - 73 ) قصة إبراهيم عليه السلام
طباعـة

وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)

--------------------------

 

{وَلَقَدَ -اتَينَا إِبرَاهِيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}

 

يأتي الإضمار في الآية بنون العظمة وضمير الجمع الذي يراد به التعظيم، ويؤكد بـ: "لام القسم"، و"قدْ"، ولقد علمت قريش خبر أبيهم إبراهيم ورسالته، ولكنهم ينكرون نبوة مُحَمَّد ورسالته، ويسخرون منه ظلمًا وتطاولا عليه، فضرب الله في صدورهم بهذه الحقيقة التي لا يستطيعون ردَّها، ودعوة إبراهيم، إنما كانت مثل دعوة مُحَمَّد وسائر الرسل إلى توحيد الله وإنكار الطواغيت، وهذا هو الرشد الذي أتاه الله عبده إبراهيم، هداه الله بعد الضلال والتحير منذ نشأته الأولى، وهذا ما يدل عليه قوله: {مِن قَبْلُ} وكان به عليمًا، أي علم من صفات إبراهيم ما يجعله أهلا للرسالة والرشد، والله أعلم حيث يجعل رسالاتِه، واختصاصه بهذا العلم إشعار بأنه اختصه الله بالهداية والعناية دون غيره ليؤهله للدعوة إلى الله، والله يختص برحمته من يشاء، وهذا الأسلوب مألوف يجري به التعبير عند العقلاء عندما يريد الأمير أن يستعمل رجلا لمهمة خطيرة، يكون جوابُه حين يُسأل عن سبب اختياره: "أنا أعلم به"، وقد يخطئ علم البشر في بعضهم، ولكن علم الله محيط بكل شيء، ما خفي من مخلوقاته وما ظهر، فلا يخطئ أبدًا، والتعبير بـ: "نون العظمة"، مشعر بعظمة الخصال التي علمها الله في عبده إبراهيم، وهو الذي اختصَّه بها وقال فيه {إذا جاء ربه بقلب سليم} (الصافات:84)، كما قال فيه: {إن إبراهيم كان أمة} (النحل:120)، وقال فيه: {إني جاعلك للناس إمامًا} (البقرة:124).

 

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَومِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ التِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَد كُنتُمُ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمَ اَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}

 

اذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه مُنكِرًا عليهم عبادة الأصنام:

 

{مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ التِي أَنتُم لَهَا عَاكِفُونَ}

 

ألقى عليهم استفهام تعجُّب واستنكار لحالِهم، فيه تجاهل لهذه الأصنام التي سماها تماثيل؛ لأنهم نَحَتوها على مثال بني آدم وحيوانات وأشياء رمزوا بها لنجوم، إنكارًا منه عليهم العكوف عندها، والعكوفُ: هو طول الإقامة عندها، وقلوبهم عاكفة عندها حتى عند فراقهم لها فهي مليئة بِحبِّها وتعظيمها وعبادتها، يرجون نفعها ويخافون ضرها، سألهم ما قيمتها وما نفعها وما خطرها؟، وهو يعلم أنها لا تغني شيئًا فأجابوه.

 

{وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}

 

أي نعبدها؛ لأنا وجدنا آباءنا الأولين يعبدونها، فنحن على آثارهم، نصنع كما صنعوا، وهذا جواب يدل على عجزهم وإفلاسهم من الجواب الصحيح؛ لأنهم يعلمون أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا فهي لا تخلق ولا ترزق، ولا تنزل المطر ولا تخرج النبات ولا تغني شيئًا، ولذلك التجئوا إلى حُجَّة المفلِس الضعيف، وهل يغنيهم أن آباءهم عبدُوها وهي أضعف من أن تجلب أو تدفع شيئًا، ولذا فإن إبراهيم ـ عليه السلام ـ أجابهم بجواب فيه تسفيه لعقولهم وعقول آبائهم الأولين.

 

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمُ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}

 

نسبهم إلى الضلال المبين، أي الظاهر الصريح الذي لا لُبس فيه، ووصفهم بالجملة الاسمية لتمكُّنهم منه، وقال أنتم وآباؤكم، وما يغنيكم إذا ضل آباؤكم أن تتبعوهم في ضلالهم، فكلكم هلكى بما تعبدون.

 

{قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمَ اَنتَ مِن اللاَّعِبِينَ}

 

قالوا لإبراهيم حين جابَهَهم بالحقيقة، وما كانوا يظنون أنه يجرؤ على ذلك ويصرح به، ويسفه أحلامهم وأحلام آبائهم، {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمَ اَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ} أي المازحين؛ لأن اللعب يكون باللسان أيضًا، وهذا السؤال منهم للتعجب الشديد من موقفه منهم، ولذا كان جوابه لهم بالإضراب وبيان الحق مدعَّمًا بالبرهان مشفوعًا بالشهادة.

 

{قَالَ بَل رَّبُّكُم رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}

 

قال بل ربكم الحق المعبود بحق هو رب السماوات والأرض، مالِكُهن وخالقهن ومن فيهن، وأنا على ما أقول من الحق شاهد، والشاهدُ: هو الذي ينطق بعلم وحُجَّة، وأنبياء الله هو الشاهدون على أممهم يوم القيامة، وهم الشاهدون أن لا إله إلاَّ الله وأن الدين عند الله الإسلام.

 

{وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعدَ أَن تُوَلُّواْ مُدبِرِينَ}

 

انتقال من خليل الرحمن، من إنكار الباطل باللسان إلى إنكاره باليد، لكن بعد أن يُوَلُّوا مدبرين؛ لأنه حينئذ يتمكن مما يريد من الكيد لتلك التماثيل التي جعلوها أصنامًا، وعكفوا عليها يعبدونها من دون الله، أقسم بالله وأعلن لهم عن عزمه غير خائف ولا مبال من انتقامهم، وهذا غاية الجهاد، أقسم بـ: "التاء"، ولا تكون إلاَّ عند التعجب ومقرونة باسم الله، وأكد قَسَمه بنون التوكيد، في لهجة صارمة أن يكيد أصنامهم بعد أن يُولُّوا مدبرين، فبَرَّ خليلُ الله بِقَسَمه.

 

{فَجَعَلَهُم جُذَاذًا اِلاَّ كَبِيرًا لَّهُم لَعَلَّهُمُ إِلَيهِ يَرجِعُونَ}

 

فلما تولوا مدبرين إلى عيدهم، ولم يبق منهم أحد عمد إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى تلك الأصنام الكثيرة، وقيل: "إنها كانت سبعين صنمًا"، فكسرها تكسيرًا وجعلها قِطعًا إلاَّ كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون، تكلَّم المفسرون في مرجع ضمير إليه، فقال بعضهم: "هو الصنم الكبير"، أي لعلهم يرجعون إلى كبير الأصنام ينسبون إليه هذا العمل، وهذا المعنَى ضعيف؛ لأنهم يعلمون أنها لا تتحرك ولا تنفع ولا تضر، والذي أراه ويراه المحققون من أهل التفسير: "أن مرجع الضمير هو إبراهيم ـ عليه السلام ـ"، أي لعلَّهم يرجعون إلى رأي إبراهيم وعقيدته السليمة؛ فيدركون أنها لا تستطيع الدفع عن نفسها فكيف تدفع عن غيرها؟

 

أما تركُه الكبيرَ فليكون موضع التبكيت والسخرية بعقولهم، ولعلَّهم بعد الحوار يفهمون الحق ويرجعون إليه، وهو الرجوع الذي يأمله إبراهيم منهم بعد هذا الحادث وقد وقع، لكن في لحظة خاطفة أبصروا فيها الحق، ثُم طغت عليهم أهواؤهم، فنكسوا على رؤوسهم كما سيأتي الكلام.

 

 

{قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذكُرُهُم يُقَالُ لَهُ إِبرَاهِيمُ قَالُوا فَاتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُم يَشْهَدُونَ قَالُوا ءَآنتَ فَعَلتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمُ قَالَ بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُمُ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِم فَقَالُوا إِنَّكُمُ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيئًا وَّلاَ يَضُرُّكُمُ أُفٍّ لَّكُم وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعقِلُونَ}

 

رجعوا من عيدهم فوجدوا أصنامهم جذاذًا، فغضبوا لها وما كانوا يظنون أن أحدًا يتجرأ عليها، فتساءلوا متعجبين قالوا:

{مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}؟ قالوا مستفهمين: من هذا الذي تجرأ على آلهتنا، ففعل بها هذه الأفاعيل، إنه حقًا لمن الظالمين، حكموا عليه بالظلم وأكَّدوا حكمهم في غضب وانفعال، عندها قال الذِّينَ حضروا محاورة إبراهيم:

 

{سَمِعنَا فَتًى يَذكُرُهُم يُقَالُ لَهُ إِبرَاهِيمُ}

 

وصفوه أنه فتى لِصِغَر سِنِّه، قيل: "فعل هذا قبل النبوة وهو شاب"، وقيل: "بعد أن أصبح نَبِيًّا وهو في سن الأربعين، وهو فتى بالنسبة لكبار القوم أصحاب الستين والسبعين والثمانين"، والراجح أنه فعله بعد أن نبأه الله تعالى، أما قولهم: {يَذكُرُهُمْ} أي يذكر آلهتهم بسوء، وقد يكون سمعه أحدهم يتهددها بالكيد، ولما صرح القائل باسم هذا الفتى أنه يقال له إبراهيم، أي يسمى بهذا الاسم، أمروا بإحضاره.

 

{قَالُوا فَاتُوا بِهِ عَلَى أَعيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُم يَشهَدُونَ}

 

قال كبراء القوم وسادتهم المتحكمون: فأتوا به على مرأى من الناس ومشهد، وقولهم: {عَلَى أَعيُنِ النَّاسِ}، أي في مكان يتمَكَّنُ الناس من رؤيته، حتى لكأنه على أعينهم لعلهم يشهدون ما يقال له وما يقول، ويشهدون الحكم بما يستحقه في نظرهم من العقوبة، فيكون ذلك عبرة للمعتبرين، وزجرًا للناس حتى لا تحدثهم أنفسهم بالقيام بمثل عمله.

 

{قَالُوا ءَآنتَ فَعَلتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُمُ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ}

 

قال القوم لإبراهيم في حرد وغيظ: {ءَآنتَ فَعَلتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمُ}؟ أجاب إبراهيم ـ عليه السلام ـ في رباطة جأش: {بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمُ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ}؛ ذلك لأنه علق الفأس على عاتق الصنم الكبير، فقال لهم هذا الكلام الذي فيه تبكيت لهم وسخرية بهم، وهو يعلم أنهم لا يصدقون كلامه، وفي جواب إبراهيم إياهم بهذا الكلام إحراج لهم واستدراج لهم للرجوع إلى الصواب، وما كان يقصد إلى الكذب، بل هو يعلم أنهم يدركون بهذا الجواب أنه الفاعل، ولو قصد إلى الكذب لقال ما فعلت، بل عمد إلى أسلوب حكيم فيه تأثير عجيب في نفوس القوم، فاسألوا هذه التماثيل إن كان في إمكانها أن تنطق فتجيب على الأقل، فتُخبِر بالذي حطمها وهي عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وما لهذا الكبير لَم يدافع عنها؟ أم غضب عليها فانتقم منها

.

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمُ أَنتُم الظَّالِمُونَ}

 

ومضت ومضة الحق مُشرقة في نفوس القوم، فأدركوا على ضوئها الحقيقة، وليتها دامت طويلا، لكنها سرعان ما انطفت تحت ركام الأهواء وتقليد الآباء، عندما رجع القوم إلى الفطرة التي ركزها الله في قرارات نفوسهم، فأدركوا الحق وعرفوه وصرحوا به فقال بعضهم: إِنَّكم أَنتم الظَّالِمُونَ في عبادتكم من لا تملك نفعًا ولا تستطيع دفعًا ولا تطيق نطقًا، وما ظَلَم هذا الفتى، فماذا ترجون عند من لا يسمع ولا يضر، ولا يغني شيئًا؟ ثم هو لا يخبر باسم الشخص الذي تجرأ عليها فجعلها جذاذًا.

 

{ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنطِقُونَ}

 

انتكست عقولهم تحت تأثير التقليد الأعمى، وجاء التعبير بانتكاس الرؤوس، فكأن أجسامهم انتكسن فصار الرأس أسفل، والرِّجلاَن أعلى، وهذا تصويرٌ للمعنويِّ في صورة المحسوسِ، أسلوب من أساليب البديع يدرك حلاوته أهل البيان، وله تأثيره البليغ في نفوس السامعين، وقال القوم لإبراهيم:

 

{لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنطِقُونَ}

 

أنت تعلم أن آلهتنا لا تنطق، فكيف تسخر بنا وتأمرنا بسؤالها، وهل يجيب الجماد؟

 

{قَالَ أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَالاَ يَنفَعُكُم شَيئًا وَلاَ يَضُرُّكُمُ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعقِلُونَ

}

قال سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ يخاطب قومه في لهجة المستعلي الجاد المعتَدِّ بجوابه؛ لأنه الحق:

 

{قَالَ أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَالاَ يَنفَعُكُم شَيئًا وَلاَ يَضُرُّكُم}

 

كيف تعبُدون من دون الله ربكم وخالقكم تماثيل جامدة لا تنفعكم شيئا ولا تضركم، وهي لا تدفع الضر عن نفسها، كما رأيتم، ولا تنفعكم أي نفع ولو قليل.

 

{أُفٍّ لَّكُم وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ}

 

"أفٍّ": كلمة يقولها المتكلم إذا كان في منتهى الضجر والسأم والسخط على المخاطَب بها، تأفَّف إبراهيم ـ عليه السلام ـ من سخافة عقول قومه، ومن تلك المعبودات التي لا تغني شيئا.

 

{أَفَلاَ تَعقِلُونَ}

 

أين عقولكم؟! مالكم لا تبصرون بها الحق؟!، أعلنها كلمة صريحة حاجَّهم بها، وجاء بها النمرود وجنوده وكذلك يكون موقف الرجل المؤمن بربِّه المتوكل عليه، المعرض عن كل ما سواه، وليكن ما يكون من سخط قومه وانتقامهم، فقد فوَّض أمره إلى الله رب العالمين، ولَم يشُكَّ إبراهيم أن ربه سينصره عليهم ويتولاه بعنايته ومعيته، وقد ظن به الخير فكان عند ظنه، إيمان راسخ في قلب كبير وعقل مستنير ونفس مطمئنة، راضية بقضاء ربها متوكلة عليه واثقة بنصره، ذلك هو إبراهيم الذي قال ربه فيه: {إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا} (النحل:120)، وقال فيه: {سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين} (الصافات:109-110).

 

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمُ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلنَاهُمُ الاَخسَرِينَ}

 

عجزوا عن مقاومة إبراهيم في محاورته ولزمتهم الحجة، فالتجَؤُوا إلى استعمال القوة معه وكذلك يصنع المفلسون من الحجج، يعمدون إلى المكر اعتمادًا على قُوَّتِهم، وما علموا أن بأس الله أشد وأنكى.

 

{قَالُوا حَرِّقُوهُ}

 

والتَّحرِيقُ: أشد من الحرق على أن الحرق بالنار أشد أنواع العقوبات، أمر نَمرود ومن معه بتحريقه بالنار لِيَكون نكاية فيه وزجرًا لغيره، فجعلوا لذلك شهرًا كاملا لجمع أنواع الحطب التي تكون وقودًا للسعير الملتهب، وخصصوا لذلك مكانًا في حفرة من الأرض أوقدوا فيها لهبًا عظيمًا، تكاد الطير تحترق إذا مرت فوقه، وحملهم على ذلك الانتقام لآلهتهم التي يقدسونها

 

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمُ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}

 

أي: إن كنتم ناصريها حقًا، قال الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهِيمَ}

 

يَجيء القول من عند الله مقرونًا بنون العظمة؛ لأن المقام عظيم يظهر فيه نصر الله لعبده إبراهيم، وقد أمر الله النار أمرًا قدريًا أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، قال ابن عباس: "لو قال بردًا لآذته ببردها؛ لكنَّه قرن البرد بالسلام، كانت له كالبستان في الربيع ولَم تُصِب منه إلاَّ وثاقه"، ورُوِيَ أن الله امتحنه، فأرسل إليه عبده جبريل في طريقه بين المنجنيق والنار، فقال له: ألك حاجة؟ قال أمَّا إليك فلا، وأما إلى الله فَعِلمُه بحالي يكفي عن سؤالي"، وقيل: "لَمَّا رموه إلى النار، قال حسبي الله ونعم الوكيل، فأمر الله النار أن تكون عليه بردًا وسلامًا"، وما كان للنار أن تحرق إلاَّ بإذن ربها، وكذلك ينصر الله رسله والمؤمنين، ويتخذ ممن يشاء منهم شهداء، والله على ما يشاء قدير.

 

وللمتوسمين في هذا المقام وقفة تأمل واعتبار في المقابلة بين قول المشركين حين قالوا: {حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ}، وبين قول رب العالمين حين قال: {قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهِيمَ}، أي القولين أمضى وأقوم؟ لا شك أن قولَ الله رب العالمين هو الذي نفذ به القدر، أما قول الكفار فباء بالفشل والخسران، قال ـ تعالى ـ:

 

{وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلنَاهُمُ الاَخسَرِينَ}

 

ما أعظم وقع هذا التذييل بهذه الآية، بعدما رأينا ما وقع، فقد باءت جهودهم بالخسار عليهم في الدنيا والآخرة، أما إبراهيم فقد كانت الأيام التي قضاءها في النار أفضل أيامه في الدنيا، فقد أرسل الله إليه ملكًا بثوب من حرير الجنة وفراش من فرشها، وقرن به الملك فكان يعبد الله ويصلي، ورزقه يأتيه من عند الله، والناس ينظرون ويتعجبون، حتى رُوِيَ أن نمرودًا قال له: "إن ربَّك الذي ردَّ عنك النار لعظيم فاعبده"، ولم يتعرض له بعد ذلك بأذى، وقيل إن نمرود تقرب إلى رب إبراهيم بذبح أربعة آلاف بقرة، غير أن إبراهيم قال له: "إن الله لا يقبل منك ما دُمت تُشرِك به"، ولكن النمرود لم يفارق دين قومه خوفًا على ملكه من الزوال، ولو آمن لصار إلى ملك عظيم لا يزول، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.

 

ثم إن إبراهيم لَمَّا خرج من النار هاجر أرض قومه هو وابن أخيه لوط الذي آمن به وزوجه سارة، هاجروا أرض العراق بإذن ربهم إلى أرض الشام التي بارك الله فيها بخصوبة التربة، وجودة الثمار ووفرتها كما بارك فيها بالنبوات.

 

{وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا اِلَى الاَرضِ التِي بَارَكنَا فِيهَا لِلعَالَمِينَ}

 

يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: {وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا} من العذاب الذي أصبنا به قومه من بعده، رُوِيَ: "أن الله أهلكهم بالبعوض وأبادهم به"، وهذا مكر من الله بهم فقد كانوا يعتدُّون بقوة ملكهم وصلابة أبدانهم، فأهلكهم الله بأضعف شيء فلم يستطيعوا له دفعًا، وساقت العناية الإلهية إبراهيم ومن معه إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام، وقد استقر إبراهيم بعد في: "بيت المقدس"، كما استقر لوط في: "سدوم" وبينهما مسيرة يوم وليلة، وقد بارك الله تعالى في أرض الشام بخصوبة تربتها وجودة ثمارها، ورخاء العيش، ثم بارك فيها للعالمين بإرسال أكثر الرسل والأنبياء هداة البشر منها، ثم قال تعالى:

 

{وَوَهَبنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعقُوبَ نَافِلَةً وَّكُلاًّ جَعَلنَا صَالِحِينَ وَجَعَلنَاهُمُ أَيـمِّة يَهدُونَ بِأمرِنَا وَأَوحَيْنَا إِلَيهِمْ فِعلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}

 

سأل إبراهيم ربه أن يؤتيه ولدًا صالحًا قال: {رب هب لي من الصالحين} فاستجاب الله له فأعطاه إسماعيل الغلام الحليم، ثم إن الله أعطاه إسحاق نافلة من غير دعاء جزاء له على صدق بلائه في ذبح إسماعيل، ثم وهب له من إسحاق يعقوب نافلة أي زيادة، فقد أطال الله عمره حتى رأى يعقوب كهلاً صالِحًا، ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ}، أي: وكُلٌّ من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب {جَعَلنَا صَالِحِينَ} والوصف بالصلاح يشمل كلَّ خُلُق حسن يتصف به الرجل، وكان صلاحهم بجعل من الله، أي بتوفيق منه وحسن تأديب، ومن أعظم النعم على الرجل صلاح ذريته بعد صلاحه هو، ثم قال تعالى:

 

{وَجَعَلنَاهُمُ أَيـمَّةً يَّهدُونَ بِأَمرِنَا}

 

الإمامُ: كل من يُقتدَى به في الخير أو الشر، والمقصود هنا أن الله جعل من إبراهيم وذريته أئمة في الخير يهدون الناس الصراطَ المستقيمَ بأمر الله؛ لأن الله كلَّفهم بعد أن هداهم بدعوة الناس إلى الهدى، وهذا واجب الهداة الصالحين في كل زمان وهم الذِّينَ يؤثر كلامهم في الناس، من أراد الله به منهم خيرًا، أما من لم يكن في نفسه صالِحًا فكيف يصلح لإمامة الناس ودعوتهم إلى الصلاح؟ و"فاقد الشيء لا يعطيه"، والإمامة في الخير رتبة عظيمة يطمح لها المؤمن كما جاء في دعاء عباد الرحمن في خواتم سُورَة الفرقان {واجعلنا للمتقين إمامًا} (الفرقان:74)، ثم قال تعالى:

 

{وَأَوحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}

 

أوحى الله أن يفعلوا الخيرات، وفعل الخيرات يشمل جميع أنواع العبادات والطاعات، إلاَّ أنه خَصَّص الصلاة والزكاة بالذكر؛ لعظم مقامهما في الإسلام، فالصلاة عمود الدين وهي الصلة بين العبد وبين ربه، فمن أقامها فقد أقام الدين، والزكاة برهان الإيمان فمن أتاها في وقتها لمن يستحقها طيبةً بها نفسُه، فقد أقام البرهان حقًّا أنه من الأبرار لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران:91)، وأوحى الله لنبيّه بهذا ليعلمنا أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة شُرعا في كل الشرائع التي نزلت من السماء، وجاء تخصيصهما بالذكر بعد فعل الخيرات؛ ليفيد أنه لا يقبل الله من عبد عملا من فعل الخيرات ما لم يقم الصلاة ويؤتي الزكاة، فهما من قواعد الإسلام العظمى، فمن أضاع الصلاة ومنع الزكاة فقد هدم بنيان الإسلام، وليس من الله في شيء، ثم قال تعالى:

 

{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}

 

أي: وكانوا لنا لا لغيرنا عابدين، موحدين لنا لا يشركون بعبادتنا أحدًا، والعبادةُ: التوحيد والإتيان بالأوامر واجتناب النواهي، والإخلاص في ذلك لله ابتغاء ما عنده، وما عند الله خيرٌ وأبقى، وهذا الكلام من الله في وصفهم يراد به الاقتداء بهم {أولئك الذي هدى الله فبهداهمُ اقتَدِه} (الأنعام:90)، وفي قصة إبراهيم تثبيت لقلب النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ولمن معه من المؤمنين أن يصبروا على كيد الكافرين، فإن العاقبة للمتقين ولا عدوان إلاَّ على الظالمين.