إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الأنبياء: الآيات ( 74 - 92 ) قصص الأنبياء
طباعـة

وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)

-------------------------

 

بعد عرض قصة إبراهيم مع قومه في إسهاب، يعرض الله خبر لوط ـ عليه السلام ـ في اختصار، وقد بسطت في سُور أخرى من القرآن، وكذلك يأتي بعد ذكر لوط نوح ـ عليه السلام ـ وما آل إليه أمره وأمر قومه، وفي ذلك عبرة لأولى الألباب، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَلُوطًا _اتَيْنَاهُ حُكمًا وَعِلمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القَرْيَةِ التِي كَانَت تَعمَلُ الخَبَائِثَ إِنَّهُم كَانُوا قَومَ سَوءٍ فَاسِقِينَ}

 

واذكر نبِيَّ الله لوطًا إنا آتيناه حكمًا وعلمًا، قيل: "الحُكم" هو النبوة، أعطاه الله النبوَّةَ والحِكمة والعلم والفهم السديد، والفقه في الدين وقد كان آمن بعمِّه إبراهيم قبل النبوة، وهاجر معه من أرض بابل إلاَّ أن هجرته كانت إلى "سدوم"، فأرسله الله إلى أهل هذه القرية يدعوهم إلى توحيد الله وينهاهم عن الفواحش، ولكن القومَ عَصَوه ولم يستمعوا له، ولَجُّوا في معاصيهم، ولقد أنذرهم بطشة الله فتماروا بالنذر، فأذاقهم الله من العذاب ما ترك منه آية للذين يخافون العذاب الأليم، أمطر الله عليهم مطرًا من حجارة من سجيل، فيها عذاب لهم وجعل أرضهم عاليها سافلها، وصاروا إلى عذاب الله يوم القيامة وبئس المصير، ونجى الله نبيّه لوطًا، أي جنَّبَه العذاب، لَم يمس منه بسوء هو والذِّينَ آمنوا معه وهم قليل، ونَجَّاه من القرية التي كان قومها يعملون الخبائث، يأتون الرجال شهوة من دون النساء، ويأتون في ناديهم المنكر جهارًا، ويقطعون السبل لأجل الفاحشة، وقيل: "إن رجالهم اكتفوا بالرجال ونساءهم اكتفين بالنساء"، ولا شك أنهم مع شركهم بالله يعملون فواحش أخرى، فعاقبهم الله بعد إنذار لوط إياهم فلم يستمعوا له، بل راودوه عن ضيوفه الملائكة الذِّينَ جاءوا لإهلاكهم، فعصمهم الله منهم وطمس أبصارهم، فنجى الله لوطًا ومن معه من المؤمنين منهم ومن العذاب الذي أصابهم.

 

{إِنَّهُمْ كَانُوا قَومَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}

 

أي أهل قبح وشر خارجين عن طاعة الله معتدين لحدوده، وقد قلبوا الأوضاع السليمة، فقلب الله عليهم أرضهم جعل عاليها سافلها والجزاء من جنس العمل، وأدخل الله عبده لوطًا ومن معه من المؤمنين في رحمته إنه من عباد الله الصالحين، وكذلك يرحم الله الصالحين من عباده.

 

{وَنُوحًا إِذ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظِيمِ وَنَصَرنَاهُ مِنَ القَومِ الذِّينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُواْ قَومَ سَوءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ}

 

القصة الرابعة من قصص الأنبياء في هذه السُورَة الكريمة هي قصة شيخ المرسلين سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ في قومه وكيف نصره الله منهم، ذكر الله القصة هنا بإيجاز له وقعُهُ البديع في النفوس، وقد بُسِطت في مواضع أخرى من كتاب الله، ولكل موضعه ومقامه ودلالته وتأثيره، وكذلك يصرف الله الآيات، وفي كل من قصص القرآن عبرة لأولى الألباب، وهنا يقول تعالى:

{وَنُوحًا اِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَربِ العَظِيمِ}

 

واذكر يا مُحَمَّد عبدَنا نوحًا حين نادانا داعيًا لنا، فاستجبنا له دعاءه، فنجيناه وأهله الذِّينَ آمنوا معه من الكرب العظيم، وهو الغرق والهلاك، لَم يذكر هنا صيغة النداء وقد ذكرت في مواضع أخرى من القرآن، مثل قوله تعالى في سُورَة الشعراء {رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحًا ونَجِّنِي ومن معي من المومنين} (الشعراء:117-118)، وكان هذا النداء بعد صبر ألف سنة إلاَّ خمسين عامًا، وبعد اجتهاد شيخ المرسلين في تبليغ رسالات الله ليلا ونهارًا، سرًا وعلانية، فجاءه نصر الله ونجاه من الكرب العظيم الذي كان يُلاقيه منهم كُلَّما دعاهم، ومن الكرب العظيم الذي أصابهم ولم يفلت من العذاب إلاَّ المؤمنون القلائل الذِّينَ أقلتهم سفينته، قال تعالى:

 

{وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القَومِ الذِّينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ}

 

جاءت تعدية النصر هنا بِـ: "مِن"، والأصل أنها تكون بِـ: "عَلَى"، وذلك لتفيد معنى زائدًا، فقد ضمن معنى التنجية والإبعاد ومعناه: نصرناه عليهم حتى انقذناه وأبعدناه من القوم الذِّينَ كفروا وكذبوا بآياتنا، وكانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم حتى لا يسمعوا الآيات التي كان يتلوها عليهم نبِيُّ الله نوح، إنهم كما وصفهم الله:

 

{كَانُوا قَومَ سَوءٍ}

 

أي: شرٍّ ومنكرٍ فاسقين عن أمر الله، مكذِّبِين لرسله، فأهلكهم الله بالغرق العام ولم ينج منهم أحد، وغرقت معهم البهائم والوحوش، وكذلك شؤم الكفر وسائر الذنوب ينال الأرض وما عليها، ونعوذ بالله من مصير الظالمين، ونسأله أن ينصرنا من القوم المفسدين.

 

{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنَّا لِحُكمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ _اتَيْنَا حُكْمًا وَعِلمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِيُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلَ اَنتُمْ شَاكِرُونَ}

 

القصة الخامسة من قصص الأنبياء: في قصة داود وابنه سليمان النبيَّيْن الرَّسُولَين من أنبياء بني إسرائيل، ذكر الله جانبًا مشرقًا من جوانب هذين الرسولين الكريمين، وهو جانب الحكم بين الناس بالعدل، ثُمَّ ذكر ما أيد الله به كلا منهما من الكرامات والمعجزات ما يقوي أمرهما.

 

{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِم شَاهِدِينَ}

 

واذكر يا مُحَمَّد أخويك داود وسليمان حين حكما في الحرث قيل: إنه كان الحرث أشجار عنب نفشت فيه غنم القوم، والنفشُ: هو انتشار الغنم في حرث، ترعى في الليل ولا راعي لها أفسدت الحرث، فلما أصبح الصباح جاء صاحب الحرث إلى نبي الله داود ـ عليه السلام ـ يشتكي ما صنعت المواشي في حرثه، وبعد التثبت والفهم حكم النبي داود بالغنم لصاحب الحرث مقابل ما أفسدت فيه؛ لأنه قَوَّمَ الفسادَ وقَوَّمَ الغنم فوجدهما سواء، فحكم بها لصاحب العنب، وهو حكم عدل لا جور فيه، ولكن أصحاب الغنم مروا على سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ، فعرضوا عليه أمرهم، فظهر له ـ في القضية ـ رأي غير رأي أبيه، فقال لو كنت مكان أبي لحكمت بحكم آخر، فارتفع الأمر إلى داود فدعا الخصمين وسأل سليمان عن رأيه في القضية، فوجده صوابًا واستحسنه وحكم به، وهو أرفق بهما.

 

حكم سليمان أن تبقى الغنم تحت تصرف صاحب الحرث يستغلها حتى ينجبر الحرث ويؤتي ثمره، ويكون الحرث تحت مسؤولية صاحب الغنم يسقيه ويقوم عليه فإذا حضر نفعه وزال نقصه ردَّه إلى صاحبه، وهو حكم أعدل، فيه دقة الفهم؛ لأن فيه مقابلة الفروع بالفروع والمحافظة على الأصول، فما دام أصل الحرث باقيًا، وإنما فسدت الغلة، فليكن أصل الغنم باقيًا لصاحبه، ولتكن غلة الغنم لصاحب الحرث مقابل غلته الضائعة، حتى إذا صلح حرثه وحضرت غلته ردَّ الغنم على أصحابه، وهذا معنى قوله تعالى:

 

{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ _اتَيْنَا حُكمًا وَعِلمًا}

 

فقد فتح الله لسليمان من الفهم ما لَم يكن عند داود، وفيه إشارة إلى أن العلم والفهم ليس وقفًا على الكبار دون الصغار، بل قد يتجاوز الصغار مبالغ الكبار، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وقوله تعالى:

 

{وَكُنَّا لِحُكْمِهِم شَاهِدِينَ}

 

أي حاضرين عالِمين، معنى ذلك أن حكمهما كان عدلا وصوابًا، ولم يكن ظلمًا وزورًا؛ لأن الله تعالى لا يشهد الزور، إنما كان حكمُ سليمان أقوم وأدق صوابًا؛ لأن فيه الرفق بالخصمين جميعًا من غير أن يضيع حق المظلوم منهما، ثم قال تعالى:

 

{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}

 

سخر الله الجبال تُردِّد التسبيح مع سيدنا داود ـ عليه السلام ـ وكذلك الطيرَ عندما يقرأ الإنجيل ويردد تسابيحه وأذكاره، تجتمع الطير حوله وفوقه أسرابًا تؤوِّب أي ترجِّع التسبيح والذكر معه، وليس ترديد الجبال هو ترجيع الصدى، بل هو ترديد إرادي، مثل ترديد الطير وفي ذلك كرامة لداود ـ عليه السلام ـ ومعجزة من الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ ولذلك قال:

 

{وَكُنَّا فَاعِلِينَ}

أي: كنا فاعلين لما نشاء ونريد فلا تسبعدوا الأمر ولا تشكوا فيه، فإن الله فعَّال لما يريد، على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ثم قال تعالى:

 

{وَعَلَّمْنَاهُ صَنعَةَ لَبُوسٍ لَّكُم لِيُحصِنَكُم مِن بَأْسِكُم فَهَلَ اَنتُمْ شَاكِرُونَ}

 

أي: علمنا عبدنا داود صنعة لَبُوسِ الحرب؛ {لِيُحصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ}، أي من الضرب والطعن، وذلك بإتقان صُنعِهِ وتقدير سرد حلقات الدروع نعمةً من الله، أَلاَنَ الله له الحديد وعلمه هذه الصناعة ليقتات بصنعة يده، وأفضل ما أكل المرء ما كان من كسب يده، فهل أنتم يا آل داود شاكرون لله هذه النعمة العظمى التي حفظت أجسادكم من ضربات السيوف وطعنات الرماح؟ والاستفهام هنا يقصد به الأمر والإلزام، وفيه استنهاض الهمم للقيام بواجب الشكر، وأن ذلك من شأن العقلاء ذوي الأخلاق الحسنة.

 

{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِي بِأَمرِهِ إِلَى الاَرضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَّغُوصُونَ لَهُ وَيَعمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُم حَافِظِينَ}

 

يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَسَخَّرنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِي بِأَمْرِهِ}

 

رافعة بساطه إلى الأرض التي باركنا فيها، قال أهل العلم: "هي أرض الشام"، التي بارك الله فيها بخصوبة التربة وطيبِها ووفرة المياه وجودة الثمار، وهي مسكنه ومركز ملكه، وكان لسليمان، بساطٌ صنَعَته الجن ترفعه الريح تجري به عاصفة أو رخاء كما يريد سليمان، وكانت تقطع في غُدُوِّها مسيرة شهر وفي رواحها مثل ذلك، تسخيرًا من الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ لسليمان الذي آتاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وكان يتفقد أقطار مملكته الواسعة في أسرع ما يمكن هو وجنوده وأعيان مملكته، وكان بساطًا عريضًا واسعًا تجري به الريح إلى حيث يريد.

قال الله تعالى:

 

{وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ}

 

وهذا التعقيب مثل قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ}

أي: وكنا بكل شيء من سَيْر الريح، ومقادير عصفها ورخاوتها، وما يقع في مملكة سليمان عالِمِين، وعلم الله محيط بكل شيء.

 

{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَّغُوصُونَ لَهُ وَيَعمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُم حَافِظِينَ}

 

يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ وسخرنا لسليمان جنودًا من الشياطين، وهم كفرة الجن، سخَّرهم الله عز وجل لعبده سليمان، وجعلهم طوع أمره وإرادته، يستعملهم في شتى أنواع الأعمال، وجعل الله عليهم ملائكة رُقباء يحفظونهم لخدمة ملك سليمان وطاعته، ومن يزغ منهم من أمر الله يذقهم الله من عذاب أليم، يلهبه الملك بسوط من نار فيحرقه، ولذا فهم يعملون له ما يشاء من أعمال في البناء والنقل وصنع التماثيل، والغوص في البحار، يستخرجون منها اللآلئ والجواهر والمرجان، قال تعالى:

 

{وَكُنَّا لَهُم حَافِظِينَ}

 

أي: حافظين، فحَفظَهم لِخِدمة مُلك سليمان فيما يأمرهم به من أعمال، فهم لا يعصونه ولا يفلتون من سلطانه، ولا يفسدون ما عملوه، بل هم له مسخرون ليلا ونهارا، وقد لبثوا زمنًا، قيل: "عامًا كاملا"، يعملون في بناء بيت المقدس بعد وفاته، وما علموا موته ولو علموا ذلك، لانطلقوا من حينهم وتركوا العمل، ولكنهم بقوا يعملون وينصبون، وهذا كله من حفظ الله لهم، وما سلطان سليمان إلاَّ ظل من سلطان الله تعالى.

 

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُم رَحْمَةً مِّن عِندِنَا وَذِكرَى لِلعَابِدِينَ}

 

القصة السادسة من قصص الأنبياء في هذه السُورَة الكريمة: يذكرها الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ بعد قصة داود وسليمان، يعرض منها جانب الاعتبار؛ لتكون ذكرى للعابدين الصابرين، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَاذْكُر عَبْدَنَا أَيُّوبَ} (ص:41)، حين نادى ربه وتضرع إليه ودعاه يشكو إليه ما أصابه من ضر في نفسه وأهله وماله، ولم يبق له من اهله إلاَّ امرأته، أبقاها الله له لتخدمه صيانة له عن كشف حاله لغيرها من الناس، وكذلك يصون الله أنبياءه ويستر عليهم، ابتلى الله عبده سيدنا أيوب ـ عليه السلام ـ بأشد أنواع البلايا في نفسه وأهله وماله فصبر لبلاء الله، وكشفت محنة الله إياه عن عنصر طيب، ومعدن خالص وقلب منيب، ونفس مطمئنة صابرة لبلاء الله راضية بقضائه غير ساخطة ولا جازعة، فكان سيدنا أيوب ـ عليه السلام ـ إمامًا للصابرين، وقد صبر في البلاء، قيل: "مدة ثماني عشرة سنة"، وعن قتادة: "ثلاث عشرة"، أصابه الله في ماله فذهب كلُّه، وكان ذا مال كثير وثروة متنوعة من حرث وأنعام وجنات، وأصابه في أهله وكان له أولاد كثيرون، قيل: "عشرون ولدًا"، فانهدم عليهم البنيان فماتوا كلهم، وأصابه بالمرض في بدنه فلازمه حتى بقي في بلائه معزلا عن الناس وحيدًا، جفاه كل الناس حتى أصدقاؤه ولَم يبق أحد يتردد عليه إلاَّ المرأة المؤمنة المخلصة "رحْمة" ـ عليها السلام ـ، وقد ابتلاه الله بهذه الأنواع من البلايا؛ ليرغم به الشيطان وليجعله مثلا أعلى يقيم به الحجة على المبتلين، فمن اقتدى به في الصبر فاز بالثواب، ومن لَم يصبر فلا عذر له.

 

ورُوِيَ أن الله أقام الحجة بأربعة من عباده الأنبياء على أربعة أصناف من الناس، أقام الحجة بسيدنا سليمان على الأغنياء ليشكروا كما شكر، وأقام الحجة على المبتلين بسيدنا أيوب ليصبروا كما صبر، وأقام الحجة على الفقراء بسيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ ليصبروا على الفقر، ويحسنوا التوكل على الله، وأقام الحجة على الموالي بسيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ ليحسنوا عبادة ربهم وخدمة مواليهم.

 

ثم إن الله كشف ما بعبده أيوب من ضر ففجَّر له عينًا فاغتسل بها فزال ما به من ضر، وفجَّر له عينًا أخرى فشرب منها فرد الله عليه صحته وجماله، ثم إن الله ردَّ عليه أولاده ورزقه من أهله مثلهم قيل: "كان له عشرون ولدًا فزاده الله مثلهم"، وتلك عاقبة الصبر والإيمان وحسن الرضا بقضاء الله والتوكل على الله، وللآخرة خير وأبقى، وقد أثنَى الله على عبده أيوب بثلاثة نعوت من الثناء الحسن فقال فيه: {إنا وجدناه صابرًا نِعمَ العبدُ إنه أواب} (ص:44)، ثم إن الله بعد أن أخبرنا بخبر أيوب وما آل إليه من الفرج، أخبرنا بسبب ذلك وعلته وغايته ومغزاه فقال:

 

{رَحْمَةً مِّن عِندِنَا وَذِكرَى لِلعَابِدِينَ}

 

أي: كان ذلك لطفًا منا به ورحمة من عندنا، ومن تغمدته رحمة الله صار إلى أحسن العواقب في الدنيا وفي الآخرة، وفي ابتلاء أيوب وصبره وكشف الله البلاء عنه ذكرى للعابدين من عباد الله الذِّينَ امتحن الله قلوبهم للتقوى، وقد جعل الله تعالى في قصص أنبيائه ورسله عبرة لأولى الألباب

.

{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكِفلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِنَ الصَّالِحِينَ}

 

ثلاثة أنبياء من أنبياء الله يذكرهم الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين بإيجاز تقتضيه الحكمة الربانية، ويراد بذلك الاقتداء والاعتبار ويثني عليهم ربهم بأنهم من الصالحين، وهي أعظم شهادة من الله لهم ولمن سلك طريقهم من المؤمنين، والله يزكي من يشاء وهو العليم الحكيم، واذكر لقومك إسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين، أي كل هؤلاء من الصابرين، إسماعيل بن إبراهيم وهاجر، وإدريس بن شيت، وذو الكفل، قيل: هو إلياس، وقيل زَكَرِيَّاء، وقيل يوشع بن نون سماه الله ذا الكفل؛ لأن الله تعالى جعل له كفلا من رحْمته زيادة، فهو المجدود على الحقيقة وذلك جزاء صبره، والله يعلم مقادير الأعمال، وهو الذي يجزي كلا بما يستحق ويضاعف لمن يشاء، وقيل إن ذا الكفلَ: هو الذي تعهَّد لليسع وتكفَّل له أن يخلفه على بني إسرائيل، وذلك أن اليسع لما كبر وأراد أن يستخلف خليفة على بني إسرائيل فقال: "من يتكفل لي بثلاث استخلفه، أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب"، فلم يتكفل له بذلك إلاَّ شاب اسمه: "عوبديا"، وإنه ثبت على ما تكفل به فكان من أفضل الصابرين، فصبر إسماعيل على الذبح، وصبر إدريس على الجد والكد والأسفار في طلب العلم والحكمة، وله في ذلك أخبار عجيبة، وصبر ذو الكفل على الوفاء بما تكفل به، فأثنى الله على الثلاثة بالصبر وأدخلهم في رحمته، وشهد أنهم من الصالحين، وجعلهم أئمة يقتدى بهم، وقيل إن ذا الكفل لَم يكن نبيًّا.

 

{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُومِنِينَ}

 

ذكر الله في هاتين الآيتين قصة سيدنا يونس بن متَّى ـ عليه السلام ـ موجزة، كما تقتضي حكمته أن يطوي قصص بعض أنبيائه في آيات من كتابه ويبسطها في أخرى، وقد يذكر في موضع ما لَم يذكره في موضع آخر، وباستقراء تلك المواضع تكتمل الصورة التي أراد الله تعالى إظهارها وهنا يقول: واذكر يا مُحَمَّد ذا النون حين ذهب مغاضبًا لقومه {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ}، أي ظن أن لن نضيق عليه وهو من القدر لا من القدرة، وذو النون هو يونس لقبه الله بهذا اللقب لشأنه مع الحوت الذي يسمى النون كما سماه صاحب الحوت في موضع آخر، وذلك أن نبِي الله يونس غضب من قومه حين دعاهم ودعاهم، فلم يستجيبوا له، وأنذرهم عذاب الله فتماروا بالنذر فهرب وتركهم قبل أن يأذن الله له، فصار بذلك آبقًا ومُليمًا، أي فاعلا ما يلام به، فابتلاه الله بالتقام الحوت إياه، فلما صار في بطن الحوت علِمَ أن ذلك عقوبة من الله له على تسرعه في الهروب من قومه، فنادى في الظلمات ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، نادى متضرعًا إلى ربِّه

 

{أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}

 

اعترف لربه أنه ظلم نفسه، فأصبح من جملة الظالمين وقدم بين يدي ندائه كلمة التوحيد، وهي أفضل ما قاله النبيون من قبله ومن بعده، وذلك هو التوسُّل الذي ينبغي أن يتوسل به المتوسلون، سبح الله: أي نزهَّه عن الظلم، فسمعت نداءه الملائكة فشفعت له عند الله فقبل الله شفاعتهم فيه؛ لأنه عرف الله في الرخاء فعرفه في الشدة، لقد كان تسبيحه مألوفًا عند ملائكة الله، فضجت له بالدعاء إلى الله تقول: "اللهم إن هذا صوت معلوم من مكان مجهول، اللهم ارحم عبدك يونس"، سمع الله تسبيحه ودعاءه ففرج عنه، قال تعالى

:

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُومِنِينَ}

 

هكذا بنون العظمة يقول الله العظيم الجليل الحليم فاستجبنا لعبدنا يونس، ونجيناه مما كان فيه من الغم في البطن الحوت، فنبذه الحوت بأمر الله ربِّه في العراء، وأنبت الله عليه شجرا من يقطين: وهو شجر القرع اللين الأوراق، جعل الله منها فراشه وغطاءه يُظِلُّه من الشمس؛ لأن جلده كان قد تهرى من حرارة بطن الحوت الذي مكث فيه أياما، قال تعالى:

 

{وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُومِنِينَ }

 

الذِّينَ يسبِّحُوننا في الرخاء، ويتوسلون إلينا بالعمل الصالح التضرع بالدعاء، فهذه كرامة من الله ليونس وبشارة للمؤمنين جميعا أن ربَّهم حفيٌّ بهم، سميع لندائهم يفرج عنهم وينجيهم من الغم، فما على المغموم منهم إلا أن يسبح الله ويعترف بذنوبه، ويخلص الله في الدعاء موقنا بالإجابة، والله يحب أن يسمع تضرع عبده وشكواه، وهو عند ظن عبده المؤمن فليظن به ما شاء من خير.

 

{وَزَكَرِيَّاءَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}

 

تأتي قصة زَكَرِيَّاء مطوية في آيتين كالتي قبلها، ويذكر الله جانبًا واحدًا، وهو تضرع زَكَرِيَّاء لربِّه حين طلب الولد الصالح، واستجابة الله له وعلَّة تلك الاستجابة، وهي صلاح زَكَرِيَّاء وأهله، وحسن عبادتهم لربهم وخشوعهم له، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَاذْكُر عَبْدَنَا زَكَرِيَّاء حِينَ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا}

 

أي: لا تتركني فردًا وحيدًا وأنت خير الوارثين، أي وأنت خير الباقين، لك البقاء وحدك ولك ميراث السماوات والأرض، قال: يا ربِّ لا تذرني فردًا وحيدًا، وهبْ لِي من لدنك وَلِيًّا يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيًا ترضى أخلاقه وسجاياه، ولم يقصد زَكَرِيَّاء بالميراث ميراث المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون، ولا يهتمون بالمال ومن يرثه؛ لكنَّه يقصد ميراث النبُوَّة والحكمة والقيام بالتوراة وعلى أمور بيت المقدس وقد خاف عليها من الضياع، فطلب من الله ولدًا صالِحًا فاستجاب الله نداءه، ووهب له يحيَى النبي الصالح السيد الحصور البَرُّ التقي الرضي، وأصلح الله لزَكَرِيَّاء زوجه العاقر العجوز فجعلها تحمل وتلد بإذن الله.

 

ورُوِيَ عن ابن عباس: أن عُمُر زَكَرِيَّاء يومئذ كان مائة سنة، وعُمُر زوجه تسعًا وتسعين، فتحققت فيها معجزة الله، فرزق منها ولدًا سماه الله يَحيَى لَم يُجعل له من قبل سميا، فكان خير خلف لخير سلف، قام بالأمر بعد أبيه أحسن قيام، قال الله تعالى:

 

{إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}

 

أي: إن كلا من زَكَرِيَّاء وأهله وولده، وقيل إن كلا من المذكورين في هذه السُورَة من الأنبياء كانوا يسارعون في فعل الخيرات، ويدعون ربهم رغبة في رضاه ورحمته، ورهبة من سخطه ونقمته وعذابه، وكانوا لله خاشعين متذللين مُخبِتِين، وفي ذكر هذه ألأوصاف إيذان بأنها هي العلة التي استجاب الله بها لزَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ، فهي عبرة لأولى الألباب حتى يتمسكوا بها ويقتدوا بالصالحين من عباد الله، إن رغبوا أن تكون دعواتهم مستجابة وعملهم مقبولا.

 

{وَالتِي أَحصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلعَالَمِينَ}

 

بعد قصة زَكَرِيَّاء العجيبة التي فيها خلق الولد من شيخ وعجوز عاقر، تأتي قصة مريم العذراء البتول التي فيها ما هو أعجب، وهو أن امرأة تلد ولدًا من غير أب، وفيها امتحان لِمريَم ـ عليها السلام ـ، وكذلك يبتلي الله من يشاء من عباده؛ ليرفعهم عنده درجات بصبرهم على البلاء، وفي هذه الآية يطوي الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ قصة التي أحصنت فرجها من غير ذكر اسمها، وقد ذكر في مواضع أخرى، حيث ذكرت القصة مفصلة في سُورَة "مريَم"، وفي سُورَة "آل عمران"، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ واذكر خبر التي أحصنت فرجها من الفاحشة ومن الحلال، فبعث الله لها جبريل ـ عليه السلام ـ فنفخ في جيب قميصها، والقصة معروفة كما هو مذكور في سُورَة "مريَم" فحملت وولدت عيسى ـ عليه السلام ـ فجعل الله منها ومن ولدها آية للعالمين؛ ليعلم الناس أن الله قادر على أن يُغيِّر سنَّته في خلقه، وأن إرادته إذا تعلَّقت بأمر فإنه يكون، وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثُم قال له كن فيكون، وقد انتشر خبر مريم وابنها في العالمين كما أراد الله، وضلَّ من النصارى من يزعم أن المسيح ابن الله، وما من إله إلاَّ إله واحد سبحانه وتعالى عما يشركون.

 

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُم فُاعْبُدُونِ}

 

يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ إن هذه أمتكم أمة واحدة دينها واحد وهو الإسلام وأنا ربكم أيها الناس فاعبدوني، أي فأطيعوني ووحدوني ولا تشركوا بي شيئًا، تلك هي الأمة التي أرسل الله الرسل لتكوينها، أمةٌ واحدةٌ لا تختلف في دينها، وإن اختلفت شرائعها ما بين رسول ورسول، فقد رُوِيَ عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أنه قال: "نَحن معاشر الأنبياء أبناء عِلاَّت، أبونا واحد وأمهاتنا شتى، أبونا الإسلام وأمهاتنا شرائعنا"، واختلاف الشرائع لا يُفرِّق هذه الأمة الواحدة ما دام دينها الإسلام، وما دام التشريع من الله الواحد القهار، وهو ربنا إياه نعبد وإياه نستعين، وهذه الجملة خلاصة لما سبق من ذكر سبعة عشر نَبِيًّا، وذكر مريم العذراء البتول، وكل أنبياء الله ورسله من عرفناه منهم ومن لم نعرف أمرهم الله بهذا الأمر، وهو الأمر الذي جاء لتحقيقه خاتم النبيين، وإمام المرسلين مُحَمَّد بن عبد الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ وعليهم أجمعين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.