إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
الأنبياء: الآيات ( 93 - 104 )
طباعـة

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)

---------------------------------

 

في الآية التفات، وذلك أنه بعد خطاب الله الناس جميعًا أن يعبدوا الله وحده ويكونوا أمة واحدة ولا يتفرقوا؛ لأن دينهم واحد، وربهم واحد، يتحول الأسلوب إلى الغياب فيخبر الله تعالى نبيّه فيقول:

 

{وَتَقَطَّعُوا أَمرَهُمْ بَيْنَهُم كُلٌّ اِلَيْنَا رَاجِعُونَ}

 

هؤلاء الناس الذِّينَ أُمِروا أن يكونوا أمة واحدة لَم يمتثلوا أمرهم، بل تقطعوا دينهم فِرقًا وأحزابًا وتمزقوا شيعًا، فمن موحد ومن يهودي ونصراني، وصابئ ومجوسي ووثني، ثُم إن كل هؤلاء تقطعوا شيعًا وأحزابًا، والله أعلم بهم وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، وقال تعالى:

 

{كُلٌّ اِلَيْنَا رَاجِعُونَ}

 

أي: كل من هؤلاء المتقطعين إلينا يوم القيامة يرجعون فنحكم بينهم.

 

{فَمَن يَّعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيَهِ وَإنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}

 

يقول الله تعالى: {فَمَن يَّعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وفعل الخيرات، وهو مؤمن بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، {فَلاَ كُفرَانَ}، أي لا نُكران ولا بطلان لسعيه وعمله، وإنا له كاتبون، لكل منهم كتاب تُدَوَّن فيه أعماله فلا يبخس منها شيئًا، والله يُحصي عليهم أعمالهم ويكتبها لهم، يقول الله هذا؛ لأن الناس يطمئنون إلى الكتابة، وإلاَّ فعلم الله محيط بكل صغيرة وكبيرة، لا يضل ولا ينسى، ولكن ليُطمئِن عباده جعل لهم ملائكة كرامًا حافظين يكتبون لهم أعمالهم، ويقرن الله في هذه الآية وفي كثير من آيات القرآن العمل الصالح بالإيمان، فإنه لا ينفع عمل بدون إيمان، كما أنه لا ينفع إيمان القلب بدون عمل الجوارح، فالإيمان الحقيقي، النافع يوم القيامة، فهو الإيمان الذي يثمر العمل الصالح الذي هو عبادة الله بما شرع، ومن قال الإيمان قول بلا عمل، فقد ضل ضلالا بعيدًا، وأسند الله النفي إلى المصدر الذي هو الكفران؛ ليكون أبلغ في النفي وفيه تنزيه الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ أن ينسب إليه الكفر ولو بطريقة النفي، وهذا المعنى مثل قوله تعالى: {ومنَ اَراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مُومن فأولئك كان سعيُهم مشكورًا} (الإسراء:19)، وقوله: {وكان الله شاكرًا عليمًا} (النساء:146)، إن الله يضاعف الحسنات ولا يظلم بزيادة السيئات، وقال ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرجِعُونَ}

 

اضطرب المفسِّرون في هذه الآية، وفسَّر بعضهم الرجوع إلى الدنيا، وجعلوا: "لا" زائدة، والذي يتضح من معناها ولا لُبس فيه: أن الرجوع هو البعث يوم القيامة للحساب، والرجوع إلى الله كما جاء في قوله تعالى: {كل اِلَينا راجعون}.

يقول الله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ}، أي مُمتَنِع على كل قرية أهلكها الله عدم الرجوع إليه للحساب، ولابدَّ لكل قرية مسَّها الهلاك في الدنيا أن تبعث يوم القيامة، وترجع إلى الله لتنال جزاءها، وهذا مناسب بعد ذكر جزاء المحسنين المؤمنين أن يذكر جزاء الكافرين، كلٌّ ينال جزاءه الأوفى عند الله، ولا يشُكُّ أحد في البعث والرجوع إلى الله، وفي ذكر الآية عود على بدء، فقد ذكر في أوائل هذه السُورَة إهلاك الله للقرى الظالِمة، وإنشاء الله بعدهم قومًا آخرين، وذكر هنا أن الله سيبعثهم، وأنهم إليه يرجعون فيجزيهم بما كانوا يعملون، وفي هذا إنذار للكافرين المكذبين من قوم النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ والذِّينَ من بعدهم حتى تقوم الساعة.

 

ثُمَّ يُخبرنا الله باقتراب الساعة وبعض أشراطها الكبرى كما فتحت السُورَة بذكر اقتراب الحساب وغفلة الناس عنه وإعراضهم، قال تعالى:

 

{حَتَّى إِذَا فُتِّحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ ابْصَارُ الذِّينَ كَفَرُواْ يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّن هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}

 

بُدئت الآية بحرف الغاية "حتَّى"، ولم يذكر قبلها الْمُغَيَّا، والذي يتأمل السُورَة من أولها يفهم هذه الغاية جليًا، وذلك أن الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ ذكر من قصص الأنبياء وأممهم في حلقات متعاقبة، ولا يزالون مخالفين لأنبيائهم متقطعين أمرهم بينهم، ولا يزال هذا شأنهم حتى تأتي أشراط الساعة فتزعجهم، ويقترب الوعد الحق فيكون من أمرهم ما قصه الله علينا، قال تعالى:

 

{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}يأجوج ومأجوج: هما قبيلتان عظيمتان كثيرٌ عددهما، وهم كما ذكر الله تعالى في سُورَة "الكَهف" يفسدون في الأرض ولا يُصلِحون، وتقدم خبَرهم وكيف جعل ذو القرنين بينهم وبين مُجاوِرِيهم ردمًا من حديد ونحاس، وقال لهم بعد تمام العمل: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكًّا وكان وعد ربي حقًّا} (الكَهف:98)، فإذا اقترب الوعد الحق يدُكُّ اللهُ السَّدَّ دكًّا، فينفتح الطريق بين الصدفين، وأسند الفتح هنا إلى يأجوج ومأجوج، فكأنهم هم الذِّينَ فتحوا، لكثرتهم ونسولهم من كل حدب وصوب، قال تعالى:

 

{وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}

 

الحدب كلُّ ما ارتفع من الأرض من جدد وهضاب وشعاب، فهم ينحدرون منها كالسيول المتدفقة، أو كالجراد المنتشر على الناس، فيمُوج بعضهم في بعض، وتكون فتن وحروب وهرج ومرج، وحينئذ يكون الوعد الحق، وهو قيام الساعة قد اقترب، وروى أن سدَّ يأجوج ومأجوج إذا دُكَّ فالساعة كالمرأة الحامل التي اقترب وضعها، لا يدري متى تصبح أو تُمسي، قال ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ اَبْصَارُ الذِّينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّن هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}واقتربت الساعة التي هي الوعد الحق لا ريب فيه، فإذا هي شاخصة أبصار الذِّينَ كفروا، جاءت هنا "إذا"، الفجائية، وهي تدل على حدوث أمور عظام، وأهوال لم تكن بالحسبان تشخص لها أبصار الناس يومئذ، ولا يبقى يومئذ إلاَّ الكفار.

 

وقد جاء في الأثر أن الساعة لا تقوم إلاَّ على دين أبي جهل، والشُّخُوص: هو انفتاح الأبصار، إلى خطر مهول مخوف تنظر إليه بحدة ولا تطرف، وقد أذهلتها الأهوال عن النظر العادي، وقد أسند الشخُوصُ إلى الكفار الذِّينَ كانوا يستهزئون ويستعجلون الأمر ويشككون فيه، حتى إذا جاء وعد الله فإذا أبصارهم شاخصة وأفئدتهم هواء وألسنتهم تصرخ وتنادي:

 

{يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفلَةٍ مِّن هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}

 

جاء النداء في الآية غير مسند إلى عامله؛ لأن الأمر فيه دهشة واستعجال فلم يبق وقت لذكره والمشهد عظيم حقًّا، كأن تالي الآية يشهد ويسمع الأصوات المنكرة التي فيها الحسرات والاعترافات، قد كنا في غفلة من هذا الأمر وقد أنذرَتْنَا الأنبياء والرسل، ولكن كنا مكذبين غافلين وما ظَلَمَنا الله بل كنا نحن الظالمين حين تمارينا بالنذر، فهم يعترفون ولكن لا ينفعهم الاعتراف، وقد فات الأوان وقُُضي الأمر، فمن كان معتبرًا فليعتبر اليوم قبل أن يأتي أمر الله، {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن ءَامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا} (الأنعام:158)، نعم لقد كانوا ظالمين بما كذبوا رسل الله، وكذبوا بالساعة واقترفوا الشرك وعظائم الأمور، ولا يزال عرض المشهد مستمرًّا فلنستمع لجواب الله لهم.

 

{إِنَّكُمْ وَمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}

 

يقال لهؤلاء الكفار الذِّينَ اعترفوا بظلمهم حينما اقترب الوعد الحق: إنكم أيها المشركون المكذبون أنتم وما تعبدون من دُون الله من الأوثان والشفعاء حصب جهنم، أي وقودُها الذي يحصب فيها ويرمى، أنتم وما اتخذتم من دون الله آلهة واردون، أي داخلون، فلا شك أن غمَّهم يزداد عندما يرون معبوداتهم في جهنم تصلاها معهم، وتزيدهم ضيقًا وعذابًا، وقد كانوا يظنون أنها تشفع لهم وتنفعهم، فإذا بها تحصب معهم في جهنم، وفي ذلك من الخزي والعذاب ما فيه، فالآية ذكرت النوعين من العذاب الجثماني والنفساني ثم قال ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ ءَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَّهُم فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}

 

في الأسلوب التفات، ففي هذه الآية يأتي الكلام بصيغة الغياب بعدما كان قبلها بصيغة الخطاب، يريد الله عز وجلَّ أن يخزي هؤلاء المشركين، ويزيد في تعذيبهم بإدخال آلهتهم معهم في النار، وهي حجارة لا تحس بالعذاب، لكن ورودها في جهنم يزيد في عذاب عابديها، ولو كان هؤلاء الأصنام آلهة كما زعمتم ما وردوها، وكلٌّ من الأصنام وعابديها واردوها وهم فيها خالدون، ثم قال تعالى:

 

{لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَّهُم فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}

 

أي لهؤلاء الكفار زفير في العذاب، يخرج من أجوافهم لشدة اغتمامهم وحزنهم وحسراتهم، ولا يعلم إلاَّ الله مبلغ ما يلتهب في أجوافهم من حرِّ الندم والحسرات، وهذا ما يدل عليه التعبير بالزفير، {وَهُم فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} أصمَّهم الله كما تصامَموا في الدنيا عن سماع الحق، وهم في النار عُميٌ كما كانوا في الدنيا عمين عن رؤيته، وقد جزاهم الله جزاءً وفاقًا، والجزاء يكون من جنس العمل، والعذاب يشتد إذا كان المعذَّب لا يرى من أين يأتيه العذاب ولا يسمع، وقد يرد الله إليهم السمع في فترة المحاورة، أو عند نداء أهل الجنة إياهم، وعند جواب خَزَنَة جهنَّم لَهم ليسمعوا ما يزيدهم خزيًا وإبلاسًا وعذابًا، ثم يرجعون إلى حالتهم، ونعوذ بالله من مصير أهل الشقاء.

 

{إِنَّ الذِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنهَا مُبعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُم فِيمَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الاَكبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَومُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}

 

بعد عرض مصير أهل الشقاوة، يأتي الكلام على أهل السعادة على طريقة القرآن، يزاوج الوعد والوعيد ليكون ذلك أوقع في نفوس السامعين وأبلغ في موعظتهم، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

 

{إِنَّ الذِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبعَدُونَ}

 

الضمير في "عنها"، لِجهنم، أي إن الذِّينَ سبقت لهم من ربهم الكلمة الحسنى أنهم السعداء، أولئك مبعدون عن النار لا يصلونها ولا يسمعون حَسَّها وزفيرها، وقوله تعالى: {سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى} فيه أن بداية الأمور من الله فهم موفقون لِما قدَّر الله لهم من البر والإحسان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وعلى الإنسان أن يعمل ولا يغتَرَّ، فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له، كما جاء في الحديث الشريف، وقوله تعالى

:

{أُولَئِكَ عَنْهَا مُبعَدُونَ}

 

فيه أن الله هو الذي يُبعدهم عن نَار جهَنَّم وحرِّها بتوفيقهم إلى التوبة في الدنيا، حتى يكون ذلك سببًا في إبعادهم عنها يوم القيامة، وفي هذه الآية رَدٌّ على الذِّينَ طعنوا في المسيح ابن مريم وأمِّه ـ عليهما السلام ـ بعد نزول قوله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: {إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبُ جهنَّم}، قالوا: فالمسيح ابن مريم وأمُّه عُبدا من دون الله، وكثير من الصالحين فهم إذن في النار، فرَدَّ الله عليهم بهذه الآية، وقطع شبهاتهم بهذه الآية الكريمة، فهي رَدٌّ مُحكم في صدور المشككين الذِّينَ يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما ذنب من عَبَدَه الناسُ وهو يُنكِر هذا منهم ولا يرضاه، أو عبدوه بعد موته، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم قال تعالى:

 

{وَهُم فِيمَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}

 

أي وهؤلاء السعداء خالدون في النعيم في الذي تشتهيه أنفسهم في الجنة، لَهم فيها ما يدَّعون، وهنا لَم يقل خالدون في الجنة، بل قال فيما اشتهت أنفسهم، وفي هذا ما فيه من تضخيم نعيمهم وتَمتُّعهم به، جزاء على ما صبروا في الدنيا على طاعة ربهم، ونهي أنفسهم عن شهواتها من أجل الله.

 

{لاَ يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الاَكْبَرُ}

 

والفزع الأكبر: هو الموتُ هو هاذم اللذات، فقد أمَّنَهم الله منه حين يقال لهم: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت أبدًا، كما يقال لأهل النار خلود فلا موت أبدًا، حينئذ يَعظُم النعيم لأهل النعيم كما يَعظُم العذاب على أهل الشقاء والعياذ بالله، وقيل: الفزع الأكبر: هو فزع يوم الحشر، فهم لا يفزعون؛ لأن الله أمَّنَهم بالبشارات:

 

{وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَومُكُمُ الذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}

 

وتتلقاهم ملائكة الله على أبواب الجنة بالبشارات، تستقبلهم كما يستقبل الوفود المكرمون، يقولون لهم: {هَذَا يَومُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}، قد أتى وتحقق وعد الله لكم.

 

فهذه خمس كرامات لأولياء الله الذِّينَ سبقت لهم من ربهم الحسنَى، يذكرها الله في كتابه ولابدَّ ستقع لهم يوم القيامة لا ريب فيها، والله لا يخلف الميعاد، وفي ذكرها اليوم ترغيب للمؤمنين أن يسارعوا إلى هذه المنازل الكريمة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، نسأل الله أن نكون بفضله وتوفيقه من أوليائه الأبرار.

 

{يَومَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكِتَابِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْْقٍ نُّعِيدُهُ وَعدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}

 

السجلُّ: هو ظرف الكتاب، أي الطومار الذي يضم أوراق الكتاب والكتابة، ويطلق أيضًا على الكاتب الذي يكتب الكتاب ثم يطويه، وكذلك يطوي الله السماوات عند قيام الساعة وهو حدث عظيم، هو لابدَّ واقع، يوم الفزع الأكبر، وفي ذكره إنذار لنا وتذكير لمن يخاف الآخرة، ويقول الله تعالى:

 

{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}

 

أي إنا نُفنِي هذه المخلوقات كلّها ثم نعيدها كما بدأناها على غير مثال سابق، ونبدِّل الأرض غير الأرض والسماوات، وهذا الإفناء وهذه الإعادة وعدٌ علينا لازم، ألزمه الله على نفسه ولم يلزمه عليه أحد، قال تعالى:

 

{إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}

أي: إنا كنا قادرين، وفاعلين لما نريد لا يعجزنا شيء، ويأتي التعبير بالجملة الاسمية وبـ: "نون العظمة"؛ لإثبات وصف القدرة لله تعالى حتى لا يشك شاك في بعث الخلق وإعادتهم بعد الفناء، وضرب الله المثل بالبدء، وأقام به الحجة على الإعادة؛ لأن الإعادة أهون وهما عند الله سواء، والله فعال لما يريد موَفٍّ بوعده لا يخلف الميعاد.