إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
مريم: الآيات ( 51 - 65 ) قصة موسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم السلام
طباعـة

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)

--------------------------------

 

يُقفّي الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ ذكر قصة إبراهيم بذكر بعض أنبيائه بإيجاز، ومنهم موسى وقد بسط قصته وقومه في مواضع متعددة من القرآن، بمجموعها تكتمل قصته منذ ميلاده إلى نهاية أمره، فقد ذكر في سُورَة البقرة، والمائدة، والأعراف، ويونس، وهود، والإسراء، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، وأوجز ذكر خبره في هذه السُورَة وفي سُورَة العنكبوت، ولكل مناسبته، وكلما ذكر هؤلاء الأنبياء فالمقصود من ذكرهم الاعتبار والتأسي، فهم بشر كسائر البشر ينالهم ما ينال غيرهم من التعب والحاجة والمرض والجوع والعطش والتعرض للأذى والقتل، غير أن الله أكرمهم بالنبوة وعصمهم من الكبائر، ففي إمكان البشر أن يقتدوا بهم في كل شيء إلاَّ في النبوة فهي هبة من الله اختصهم بها دون سائر البشر.

 

وهنا يأتي ذكر موسى بعد ذكر إبراهيم لا للترتيب الزمني بل لدرجة موسى عند الله فهو من أعظم أنبياء الله ورسله وهو من أولي العزم من الرسل وقد ذكر منهم في هذه السُورَة ثلاثة وموسى ثالثهم.

 

{وَاذكُر فِي الكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخلِصًا وَّكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (51)}

 

ذكر الله في كتابه موسى، وأمر بذكره للاقتداء والاعتبار، إنه كان مخلصًا، وهذه خصلة لا يعلمها إلاَّ الله عالم ما في الصدور؛ لأن الإخلاص صفة من صفات القلب الخفية، والإخلاصُ: أن يعمل الإنسان العمل لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، لا حظ لغير الله فيه، وهو سر النجاح والفوز عند الله، وبدونه لا يُقبل عمل، فمن كان مخلصًا فقد فاز، لقد كان موسى مخلصًا وكان مع إخلاصه رسولاً نَبِيًّا، اجتباه الله إليه واختصه برحمته، فقد أكرمه بالنبوة وزاده فوق النبوة الرسالة {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً} (المزمل:15)، فهو رسول الله إلى أعتى أعدائه، ثم رسول إلى بني إسرائيل، ما فرغ من أمر فرعون حتى استقبل جهاده مع قومه بني إسرائيل.

 

{وَنادَينَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الاَيْمَنِ وَقَرَّبنَاهُ نَجِيًّا}

 

يخبرنا ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ خبر موسى يوم نبَّأه، وناداه من جانب الطور الأيمن وفي آية أخرى يقول: {نودي من شاطئ الوادي الأيمن} (القصص:30)، والجهة اليمنى من الوادي هي باعتبار المتجهة للجهة التي يجري إليها السيل، فنفهم أن جانب الطور الأيمن الجانب الأيمن من الوادي عند الطور، وذكر الأيمن في كلتا الحالتين مقصود مقدر من الله؛ لأن اليمين هي علامة اليمن والسعادة والفوز فأصحاب اليمين هم أولياء الله الصالحون.

 

{وَقَرَّبنَاهُ نَجِيًّا}

 

وقربناه قُربَ مكانة لا قرب مكان، تعالى الله عن وصف الأمكنة، قرّب الله عبده موسى نَجِيًّا، والنجيُّ: الكليم المناجي، وهي الصفة التي امتاز بها موسى دون سائر أنبياء الله عليهم جميعًا سلام الله، فقد كلّم الله موسى تكليمًا، ولا نبحث في كيفية هذا الكلام، وكيفية سماع موسى له بل نؤمن بذلك ونكل علم تأويله إلى الله.

 

{وَوَهَبنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا}كان موسى سأل ربه أن يؤيده بأخيه هارون، يشركه في أمره، ويشدد به أزره، فاستجاب الله له، ورحمه ووهب له من رحمته أخاه هارون نَبِيًّا، يؤازره ويشد من عضده، وما أحوجه إلى المعونة وهو ذاهب إلى فرعون الجبار العنيد وملإه العتاة، فنعم الوزير كان هارون لأخيه موسى، ونعمت الهبة له من رحمة الله! وكذلك يبسط الله رحمته لعباده الصالحين المخلصين في عبادتهم ودعائهم لربهم.

------------------------

 

{وَاذكُر فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (54) وَّكَانَ يَامُرُ أَهلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا (55)}

 

من جملة هؤلاء الأنبياء الذِّينَ يذكرهم الله في هذه السُورَة، ويأمر بذكرهم لتخليدهم وللاقتداء بهم، إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ، يثني عليه بصدق الوعد.

 

{إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعدِ}

 

وصدق الوعد من أنبل صفات الرجل وأشرفها، وهو أعظم دليل على صدق الإيمان، كما أن إخلاف الوعد آية من آيات النفاق، وقد روى المفسرون في صدق وعد إسماعيل أخبارًا غريبة، بعضهم قال: إن إسماعيل انتظر في موضع الموعد يومًا وليلة لم يبرح مكانه، وهذا كثير، وبعض قال: عامًا كاملا، ولا أدل على صدق وعده من صبره على أن يذبح؛ لأنه قال لأبيه حين أخبره بذلك وطلب منه رأيه، قال له: {يا أبت افعل ما تُومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} (الصافات:102)، وعد أباه بالصبر فصدق وعده، وصبر على بلاء مبين لا يصبر الناس على مثله، بل إن كثيرًا من الناس يخلفون وعودهم لأتفه الأسباب، ثم يختلقون المعاذير ولا عذر لهم، فإن إخلاف الوعد نفاق، والله لا يحب كل خوان كفور، ثم إن الله يصف إسماعيل بالرسالة والنبوة وهما أعلى رتبة يصل إليها المصطفون الأخيار من البشر، وأي شرف يداني شرف الرسالة والنبوة.

{وَكَانَ يَامُرُ أَهلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا (55)}

 

ضرب الله بعبده إسماعيل مثلا للاقتداء به في القيام بواجب الأمر والنهي في دائرة مسؤولية الرجل، ولو أن كل رجل قام بواجب الأمر والنهي في أهله، ومن له عليهم رعاية، لصلح أمر الناس جميعًا، وهذا طبعًا لا يكون نافعًا إلاَّ بعد أن يصلح نفسه، وضرب الله مثلا بالصلاة والزكاة؛ لأنهما قاعدتا الإسلام في كل شريعة، فما من شريعة، مضت إلاَّ ومن دعائهما الصلاة والزكاة وإن اختلفت الكيفيات والمقادير من شريعة لأخرى.

 

وإسماعيل بانِي الكعبة مع أبيه إبراهيم وهو جد قريش وهي تفتخر بالانتساب إلى أبوته، فهلا اقتدت به وتشبهت بخصاله وأفعاله؟ أم تكتفي بمجرد الانتساب، وهو لا يكفى إذا خلا عن الاقتداء.

 

{وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا}

 

كان إسماعيل مَرضِيًّا عند ربه الذي هداه ورباه وفداه بذبح عظيم، نال درجة الرضا باستحقاق، فقد عمل بعمل أهل الرضا وسعى سعيهم، ودرجةُ الرضا أعلى ما يطمح إليها أولوا الألباب، فإنها أعلى الدرجات، إذ نَيلُ الثواب فيه متعة الجسد، ونيل الرضا فيه متعة الروح، والشعور بمنتهى الغبطة والسرور أن تعلم أن الله عنك راضٍ.

----------------------------

 

{وَاذْكُر فِي الكِتَابِ إِدرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَّرَفَعنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)}

يذكر الله عبده إدريس في هذه الآية ذكرًا موجزًا، ولم يرد له ذكر في سائر القرآن إلاَّ ما ورد من ذكر اسمه مقرونًا باسم إسماعيل وذي الكفل، ومدحهم بالصبر في سُورَة الأنبياء، وهنا لم يرد من أخباره إلاَّ أنه كان صدِّيقًا نَبِيًّا، وإن الله رفعه مكانًا عَلِيًّا، وهذا يكفيه شرفًا ورفعة مقام، وإدريس هذا قديم قبل نوح، وقيل هو جده، وهو من ولد شيت بن آدم، وكان صدِّيقًا نَبِيًّا، كما أخبر الله عنه، وقد تقدم معنى الصدِّيقية في ذكر إبراهيم وكذلك النبوة، أما رفعه مكانًا عَلِيًّا فرُوِيَ أنه رفعه الله في السماء الرابعة، كما تدل عليه قصة الإسراء والمعراج، وهل كان رفعه بجسده أو بروحه كسائر الأنبياء الذي التقى بهم النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ في السماوات؟ الله أعلم بحقيقة ذلك، ويذكر صاحب العقيدة: وأربعة منهم لم يموتوا إلى الآن "عيسى وإدريس في السماء، والخضر وإلياس في الأرض"، ذكر هذا صاحب العقيدة، وما كان ينبغي أن يذكر هذا في العقيدة؛ لأن هذا ليس فيه يقين لم ينقل نقلا متواترًا يوجب العلم، والله أعلم بمدى صحة الخبر وحقيقة الرفع، فلا سبيل لنا إلى الجزم بما ذكره صاحب العقيدة في حق هؤلاء الأربعة.

----------------------------------

 

{أُولَئِكَ الذِّينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلنَا مَعَ نُوحٍ وَّمِن ذُرِّيَّةِ إِبرَاهِيمَ وَإِسرَائِيلَ وَمِمَّن هَدَينَا وَاجتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِم ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)}

 

أولئك الإشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآيات السابقة من السُورَة أو أمر بذكرهم، من النبيين من ذرية آدم، وهم إدريس؛ لأنه كان قبل نوح وهُوَ جَدُّه، وممن حملنا مع نوح وكل من في الأرض بعد الطوفان، فهم ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب، وقد أخرج الله من صلبه أنبياء كثيرين، وكل هؤلاء ممن هداه الله واجتباه أي اصطفاه من بين سائر خلقه، وهم الذِّينَ أنعم الله عليهم بنعمة الهداية للإسلام وبنعمة النبوة والوحي والاجتباء، وليس وراءها نعمة، وكانوا أعرف الناس بربهم وأشدهم حبًا لله وتواضعًا له، لم يزدهم تقريب الله لهم إلاَّ خوفًا وخروا لله ساجدين باكين، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، تلك الصفات العلية التي ترفع مقام العبد عند ربه، معرفته بربه، وتواضعه، وسجوده له، وأولئك الذِّينَ امتن الله عليهم بهدايته إياهم واجتبائه لهم، وضربهم لنا مثلا علينا لنقتدي بهم، وإذا كان أمثال هؤلاء المجتبين المصطفين يبكون من خشية الله يرجون رحمته ويخافون عذابه، فَلَنحن أولى بالخوف والبكاء ونحن من دهماء الناس لا ندري ما يُفعل بنا، فما أحرانا بالبكاء والتضرع لعل الله يرحمنا، وإن لله عبادًا فطناء فهموا عن الله هذه المعاني واقتدوا بأنبياء الله ورسله فيا طوبى لهم ويا طوبى من اقتدى بهم، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، وهم عن آيات الله غافلون، وعن التذكرة معرضون.

--------------------------

 

{فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غيًّا (59) اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظلَمُونَ شَيئًا (60) جَنَّاتِ عَدنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعدُهُ مَاتِيًّا (61) لاَّ يَسمَعُونَ فِيهَا لَغوًا اِلاَّ سَلاَمًا وَّلَهُم رِزقُهُم فِيهَا بُكرَةً وَّعَشِيًّا (62) تِلكَ الجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (63)}

 

الخَلَفُ ـ في اللغة ـ: هم الأولاد؛ لأنهم يخلفون من مضى من الآباء قبلهم، ويكون بفتح اللام وإسكانه، وغالبًا ما يستعمل التسكين في خَلفِ السوء، والفتح في الخَلَفِ الصالح، وعليه جرت الكلمة هنا على الغالب فسكنت، خَلفٌ من بعد هؤلاء الصالحين الأخيار خَلفٌ رديء فاسد؛ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وهو تعبير جامع لمعاني التمرد والعصيان والانحراف، فإذا كانت الصلاة وهي عمود الدين أضاعوها فهم لما سواها أضيع، وكل عمل غيرها لا يقبل، والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن ضيعها وقع في الشهوات، فهما وصفان متلازمان، إضاعة الصلوات واتباع الشهوات، فمن أضاع الصلاة غويت نفسه وانهزمت أمام شهواتها، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، وذكر الله هو الحصن الحصين الذي يلوذ به الذاكرون، وينجون من همزات الشياطين، والشيطان يأتي النفس من قِبَلِ شهواتها فيهلكها، والشيطان للإنسان عدو مبين، قال الله تعالى في شأن هؤلاء للصلاة المتبعين للشهوات.

 

{فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا}

 

تهدَّدَهم بأفظع أنواع العذاب وهو الغي؛ ذلك لأنهم اتبعوا سبيل الغي في الحياة الدنيا، فعاقبهم الله بالغي في أسفل دركات جهنم، وهو واد في جهنم شديد الحر شديد النتن، تستعيذ جهنم من حره ونتنه، إنه عذاب أليم أعده الله لمن أعرض عن ذكره فأضاع الصلاة واتبع الشهوات.

 

 

{اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظلَمُونَ شَيئًا جَنَّاتِ عَدنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعدُهُ مَاتِيًّا}إلاَّ من تاب من هؤلاء، وأناب إلى الله وراجع إيمانه أو آمن من جديد مفارقًا كفره، قال هذا؛ لأن من ارتكب الكبائر فارق الإيمان فإن تاب وآمن عاوده إيمانه، ثم قال:

{وَعَمِلَ صَالِحًا}

أي أتى بما أمر الله به وندب إليه من الأعمال الصالحة وتقرب إلى الله بأنواع القربات؛ يُكَفِّر بها عما سلف من إعراضه وإساءته، وأتبع السيئات بالحسنات، فأولئك يغفر الله لهم ذنوبهم ويكفر عن سيئاتهم، ويدخلهم الجنة مع الأبرار، ولا يظلمون شيئًا، لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم مثقال ذرة، هي ليست جنة واحدة، بل هي جنات كثيرة، جنات عدن، إقامة وخلود، جنات الفردوس يخلدون فيها لا يبغون عنها حِوَلاً، جنات وعد الرحمن بها عباده، والإضافة هنا إضافة تشريف وتقريب، وعدهم بها بالغيب، فآمنوا ووثقوا بوعد الله وعلموا أن وعده كان مأتيًا لا يتخلف، دخلوا جنة الرحمن برحمته ووجدوا ما وعدهم ربهم حقًّا، وقالوا الحمد الله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.

 

{لاَ يَسمَعُونَ فِيهَا لَغوًا اِلاَّ سَلاَمًا وَّلَهُم رِزقُهُم فِيهَا بُكرَةً وَّعَشِيًّا}

 

اختار الله لجنته هنا هذا الوصف المريح الذي بدونه لا يحلو النعيم مهما كان عظيمًا، إنهم فيها منعمون مستريحون، راضون مرضيون، لا يسمعون لغوًا، أي كلامًا جارحًا يوجع قلوبهم أو يكدر صفوهم، واللغو هو الباطل من الكلام الذي لا نفع فيه، وكثيرًا ما يسوء ويورث الأحقاد والضغائن، ليس في الجنة شيء من اللغو، فهم لا يسمعون إلاَّ سلامًا، أي كلامًا طيبًا كله خير وسلام، يزيدهم نعيمًا إلى نعيمهم، إنهم أعرضوا عن اللغو في الدنيا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، فجنبهم الله اللغو في الآخرة وأسمعهم في الجنة سلامًا، جزاءً وفاقًا، {لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون} (الأنعام:127)، ففي الآية بيان لجزاء هؤلاء التائبين المنيبين إلى ربهم، وفيها إرشاد لما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في الدنيا من الإعراض عن اللغو واجتناب قول الزور والعمل به، ثم إن لهؤلاء السعداء بالجنة رزقهم بكرة وعشيًا، وليس في الجنة تعاقب البكرة والعشي بالمعنى المعهود في الدنيا ذات الليل والنهار، إنما جاء هذا التعبير لبيان دوام الأرزاق فيها ووفرتها بدون عناء، فالموائد مبسوطة، والأكواب موضوعة، والمياه مسكوبة، والأرزاق موفورة والفواكة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وهم على سرر مصفوفة، متكئين عليها متقابلين لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين.

 

{تِلكَ الجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا}

 

الإشارة للتعظيم والرفعة، تلك الجنة ذات المقام الرفيع والسعادة العظيمة، الجنة التي وعد الرحمن عبادَهُ بالغيب، الذِّينَ آمنوا بالغيب وأحسنوا الظن بوعد الرحمن، يقول الله عز وجل معظّمًا مصير الأتقياء عنده يوم القيامة.

 

{تِلكَ الجَنَّةُ التِي نُورِثُ}

نكتب هذه الجنة ميراثًا للأتقياء من عبادنا، والتعبير هنا بالميراث رائع؛ لأن الشيء الذي ترثه تأخذه خالصًا لا ينازعك فيه منازع، ولا منّة فيه لأحد عليك، وهي الشيء الذي يبقى عندك، وفي الميراث معنى البقاء، والجنة دار الخلود والبقاء، والإرث قد يكون كثيرًا وكثيرًا، فهو ليس كالشراء يكون على قدر ما تبذله من الثمن، وقد يربي عليه قليلا، لكن الإرث ليس كذلك، وما أعمالنا وإن كثرت هي التي تدخلنا الجنة، فهي لا تكون كفاء لشكر نعمة واحدة من نعم الله التي تمتعنا بها في الدنيا، إنما رحمة الله وفضله الواسع هو الذي يدخل أهل الجنة الجنّة، ويخلدهم في نعيمها، ومن هنا أشبه الميراث، وإن كان جاء في التعبير القرآني {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون} (الزخرف:72) فهذا التعبير من الله لأوليائه جاء تكريمًا لهم وتشريفًا لمقامهم، وإشعارًا لهم برضا ربهم عن أعمالهم، وشكرها لهم، ولا يعلم إلاَّ الله ما يشعرون به من الرضا والكرامة حين يسمعون هذا النداء من رب العالمين، جعل الله الجنة للأتقياء من عباده حتى نتشبث بهذا المعنى الذي هو جماع كل خير وبر، فالتقوى وحدها ترفعك أعلى الدرجات وينال أهلها الكرامات، لا الانتساب إلى الأنبياء والصالحين مع الابتعاد عن سننهم، فإن هؤلاء الخلف لهؤلاء الأنبياء الأخيار كان مصيره الغي لما أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وورث كل تقي جنة الله ولو كانت نسبته كنسبة إبراهيم إلى عدو من أعداء الله، والتقيّ هو الذي يراقب ربه في كل حركاته وسكناته، فيما يأتي وما يذر فهو يبرئ قلبه ونفسه من كل وصف قبيح لا يرضاه الله، ويجعل بينه وبين المعاصي وقاية باستقامته على أمر الله، فهو يتقي الحرام ويتقي الشبهات ويتقي الكفر ويتقي البدع، وأخيرًا يتقي الإصرار، وإذا أردنا معرفة خصال المتقين فإنا نجدها مبينة في القرآن الكريم، ولنأخذ منه تفسيرين في موضعين منه:

 

الأول في سُورَة البقرة وهو قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب ولكن البر من _امن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذِّينَ صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة:177)، هذا بيان لخصال المتقين في سُورَة البقرة.

 

والثاني في سُورَة الأعراف حيث يقول عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذِّينَ هم بآياتنا يومنون، الذِّينَ يتبعون الرسول النبيء الامي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، فالذِّينَ ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (الأعراف:156-157).

 

هذان نموذجان للتقوى في كتاب ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ، وما فسر القرآن مثل القرآن، والله أعلم بما ينزل، فلنزن أنفسنا وتقواها بهذا الميزان الطريس القويم ولنتجنب الدعاوي الفارغة {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (النجم:32)، فبشرى للأتقياء بشرى لهم من هذا المصير الذي ينتظرهم بجوار رب العالمين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

 

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلفَنَا وَمَا بَينَ

ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَمَا بَينَهَمَا فَاعبُدهُ وَاصطَبِر لِعِبَادَتِهِ هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)}

هاتان الآيتان من كلام رب العالمين، من قول جبريل وأمثاله من الملائكة ـ عليهم السلام ـ.

 

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمرِ رَبِّكَ}

 

وسبب نزول هذه الآية أن فترة وقعت في الوحي تأخر فيها نزول جبريل مدة أربعين يومًا وقيل أقل من ذلك فاستوحش النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ واشتد شوقه إلى الوحي، وإلى جبريل ـ عليه السلام ـ، وذلك بعد أن سألته قريش بإيعاز من اليهود عن الأسئلة الثلاثة المتقدم ذكرها في تفسير سُورَة الكَهف، فقال لهم سأجيبكم عنها غدًا، ونسي أن يقول: "إن شاء الله"، فأدبه الله بتأخر نزول الوحي، فاشتد حزنه وقلقه، فلما نزل جبريل ـ عليه السلام ـ قال له: يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل: إني كنت أشوَق إليك ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت وإذا لم أُبعث احتسبت فنزلت بعد ذلك هذه الآية:

 

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

 

ما يكون لنا معشر الملائكة أن ننزل إلاَّ بأمر ربنا وربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، ترى هل هذه (الماءات) المتكررة ظروف زمانية أو مكانية، للمفسرين فيها آراء، قال بعض ما مر من أعمارنا وما يستقبل منها، وما بين أيدينا الحاضر منها، وقال آخرون: ما بين أيدينا "الآخرة"، وما خلفنا "الدنيا"، وما بين ذلك "البرزخ"، وقال آخرون المراد الأمكنة، والاختلاف هنا إنما هو اختلاف تنوع لا تضاد، إذ المراد كل ذلك يعم الأزمنة والأمكنة كلها، وكل من فيها مِلكٌ لله ـ تَبَارك وتعالَى ـ خالق الأزمنة والأمكنة، ومن يضطرب في الأزمنة والأمكنة من الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات، فرأيي في الآية أن تبقى على هذا المفهوم، ومن ذهب يحدد المراد من الأزمنة أو الأمكنة فهو في نظري ينقص من روعة المعنى.

 

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}هذا على غرار قوله ـ تعالى ـ: {ما ودعك ربك وما قلى} (الضحى:03)، أي لئن تأخر نزول الوحي فما ذاك عن نسيان ولا عن قلى، تعالى الله عن النسيان، فهو صفة ضعف تكون للمخلوقين، ما كان ربك نسيًّا، نفي الكون أبلغ من نفي الفعل وهو تذييل مناسب للمقام.

 

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعبُدهُ وَاصطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَل تَعلَمُ لَه سَمِيًّا}

 

هذا قول الله، رب السماوات والأرض وما بينهما خالقهما وخالق ما فيهما وما بينهما ومربي مخلوقاته، قيوم عليها وعلى إصلاحها وتنميتها، المحيي والمميت، المبدئ والمعيد لا رب غيره، فاعبده وحده، والربط هنا بالفاء رائع يؤذن بالسببية، أي من أجل ذلك فاعبده ووحده بالعبادة، واصطبر لعبادته، أي اصبر وتكلَّف الصبر ولو كان شاقًّا، وهذا ما تفيده الزيادة على حروف الفعل الأصلية، وزيادة الحروف تؤذن بزيادة المعنى كما يقولون، والعبادة هي التلبس بحالة المحبّة والخضوع والطاعة لله في جميع الأحوال في المساجد والأسواق والمحاكم ومناصب السلطة كلها، العبادة هي الاستقامة في طلب المعاش والمعاد، وسياسة العباد، فهي شاملة لشؤون الحياة، وهي عبْء شاق يحتاج إلى صبر وعزيمة ولا يستحق العبادة إلاَّ الربُّ الذي خلق وهدى، وأطعم وسقى، وأمات وأحيا.

 

{هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا}

 

والسَّميُّ ـ في اللغة ـ: من يشبهك في الاسم واللقب، ولله ـ تبارك وتعالى ـ تسعة وتسعون اسمًا، أعظمها اسم الجلالة "الله" ثم "الرحمن" وهذا لا يجوز لأحد أن يسمى بها، أو يُسمّي بها مخلوقًا، ومن فعل ذلك صار كافرًا مشركًا حكمهُ القتل حدًّا عند العلماء، أما غيرها فيتُسَمَّى الناس بنسبة العبد إليها وإلى الله وإلى الرحمن مثل عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد العزيز، عبد الجبار، وفي غير عبد الله وعبد الرحمن، قد يختصرها الناس فيقولون: عزيز ورحيم وحميد وحكيم، وذلك جائز؛ إذ قد يوصف المخلوقون بذلك، غير أن معناها في المخلوقين ليس كمعناها في الخالق، شتان ما بين معنى ومعنى، فالرحمة في المخلوق وصف ضعيف وناقص، والعزة وصف ضعيف وزائل، والملك والقهر والعلم وغيرها من الأوصاف فهي كلها أسماء لم تكن ثم كانت بتكوين من الله، ثم هي فانية زائلة، فليس لله سَمِيّ في أسمائه كلها على الحقيقة، فسبحان المتفرد بالعز والملك والقهر والجبروت والعلم والقدرة، سبحان المتفرد بالأسماء الحسنى لا تجد له فيها سميًّا، فاعبده وحده، واصطبر لعبادته ولن تجد من دونه ملتحدًا، والتعبير بالاستفهام الذي أريد به النفي أبلغ من التعبير بالنفي كما هو معروف عند أهل العلم بالبلاغة؛ لأنه يترك الحكم الصحيح إلى عقل المخاطب وفهمه، فهو الذي يحكم بالنفي إذا كان عاقلا واعيًا ولا سبيل له إلاَّ ذلك، وتوحيد الله بالعبادة أن نطيعه فيما أمر ونهى، مخلصين له الدين لا نشرك به شيئًا.