إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
مريم: الآيات ( 41 - 50 ) قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام
طباعـة

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)

------------------------

 

بعد قصة مريم والمسيح ـ عليهما السلام ـ تأتينا من الله العلي الكبير هذه الآيات البينّات في ذكر إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه السلام ـ، ومحاورته لأبيه آزر وبين القصتين مناسبة متينة، ذلك أن كلا القصتين تعالجان موضوع الدعوة إلى توحيد الله تعالى، ونفي الصاحبة والولد والشريك بحجج واضحة، تعالى الله عن الصاحبة والولد والشريك علوًّا كبيرًا.

 

في الآيات الأولى ردٌ على المشركين من النصارى، وبيان للحق في مريم والمسيح عليهما السلام، وفي الآيات التاليات ردٌّ على قريش وعرب الجزيرة الذِّينَ يتخذون الأوثان والأصنام، يعبدونهم من دون الله، ويحبونهم كحب الله، ثم يزعمون أنهم على دين إبراهيم، ويفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم فتبيّن لهم الآيات البيّنات أن أباهم إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، فهو بريء من الشرك والشركاء ومن الذِّينَ يعبدونهم.

 

ويأتي الأسلوب في غاية الأدب والتلطف، وذلك ما يقتضيه محاورة الابن للوالد لا سيما والخطاب من إبراهيم الحليم الأواه المنيب، فلتكن صيغة المناداة والمحاورة درسًا لشبابنا في حق التأدب مع الوالدين، فهو في كل مقطع من مقاطع الكلام يستهل النداء بـ: "يا أبت"، وهذا ما ينبغي للأبناء والبنات في محاورة الآباء والأمهات، وهو من تمام البر والرحمة بالوالدين، ونحن نعلم أن بعض شبابنا يستنكفون من هذه الكلمة التي هي عنوان المحبة والبر، ولو كان من الآباء من تُنْزَعُ كَلِمَةُ الأُبُوَّة من محاورته، لكان أبا إبراهيم المشرك الجاحد الذي أعلن الحرب بينه وبين من يدعوه إلى التوحيد، ونبذ الأصنام ولو كان ابنُه، ولكن هذا الابن البَرّ الوَصُول أبى عليه أدبه الرباني إلاَّ أن يستهل كل مقطع من محاورته لأبيه المشرك المعاند بـ: "يا أبت"، فاعتبروا أيها الشباب واقتدوا بأبيكم إبراهيم.

 

{وَاذكُر فِي الكِتَابِ إِبرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}

 

واذكر في الكتاب إبراهيم، والقصد من الذكر التذكير والموعظة بخبر إبراهيم أبي الأنبياء وسيد الحنفاء ـ عليه السلام ـ.

وقبل عرض المحاورة اللطيفة يثني الله ربنا على عبده إبراهيم ويصفه بوصفين عظيمين: "الصديقية والنبوة"، ويبدأ بالصديقية قبل النبوة، فما هي الحكمة من ذلك، والحال أن رتبة الأنبياء فوق رتبة الصديقية؟ فيما نرى أن إبراهيم كان صدِّيقًا قبل أن يكون نَبِيًّا على أن الصدِّيقية هي من أبرز صفات الأنبياء، والصدِّيق في اللغة صيغة مبالغة من الصدق والتصديق، فالعبد الصادق لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا، كما جاء في الحديث الشريف، والصدِّيق أيضًا الذي يسارع إلى تصديق الحق إذا جاءه ولا يرتاب، ولذلك سمي أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ صدِّيقًا حين كان أول المصدقين لصاحبه مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ، وكذلك صدق بقصة الإسراء قبل أن يسمعها من صاحبه فسمي لذلك صدِّيقًا، وإذا كان هذا الوصف مدحًا لأحد، فلأن يكون بأنبيائه ورسله أولى وأحرى وبهم ألزم، ثم يأتي المدح بوصف النبوَّة وهي هبة من الله لمن يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

 

بدأ الله بالثناء الجميل بهذين الوصفين لخليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ حتى نتخذ منه المثل الأعلى في الاقتداء بهداه، ملة أبيكم إبراهيم.

 

ثم قصَّ علينا خبر محاورته لأبيه، يدعوه إلى توحيد الله ونبذ الأصنام.

 

{إِذ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لاَ يَسمَعُ وَلاَ يُبصِرُ وَلاَ يُغنِي عَنكَ شَيئًا}

 

يا أبت لِمَ تعبد من دون الله ما لا يسمع لك دعاء، ولا يبصر لك عبادة ولا سجودًا، فهي أصنام جامدة لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنك شيئًا، لا تجلب لك نفعًا ولا تدفع عنك ضرًا ولو قليلا، وهذا ما تدل عليه كلمة: {شَيئًا} المنكرة بعد النفي، وهي الحجة القاطعة التي تنسف الشرك والشركاء، إنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعي ما يأتيه عابدوها، وهي عنهم غافلة فَلِمَ إذن عبادتها، ثم هي لا تغني شيئًا عن العاكفين عليها من جلب نفع ولا دفع ضر فما جدوى عبادة من هذا وصفه؟، إن هذا لهو الخطأ البيّن والضلال المبين، والحال أن الرب الخالق الرزاق الواجب الوجود الحي القيوم السميع البصير العليم القدير لا يرضى لعباده الكفر ولا يغفر أن يشرك به.

 

{يَا أَبَتِ إِنِّي قَد جَاءَنِي مِنَ العِلمِ مَا لِمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعنِي أَهدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}

 

يا أبت: نداء لطيف كالأول فيه حنان الأبناء البررة بآبائهم.

 

{إِنِّي قَد جَاءَنِي مِنَ العِلمِ مَا لَم يَاتِكَ}

 

فيه تلطف آخر وأدب عظيم، وهو أنه لم ينسب لأبيه الجهل، وإنما ذكر له أن عنده علمًا ليس عنده، وليس من اكتسابه، بل جاءه من العليم الوهاب، فما على أبيه إلاَّ أن يتبعه فيهديه صراطًا سَوِيًّا مستقيمًا لا عوج فيه، ولا يُخشَى على سالكه ضلال، وما على الكبير من غضاضة في أن يتبع الصغير الذي عنده من العلم ما ليس عنده، فالعلم نور والجهل ظلام، فكما لا يستنكف الذي هو في ظلمة أن يتبع من عنده نور ولو كان دونه في السن أو في القدر، فأحرى أن لا يستنكف الجاهل أن يتبع العالم، وهذه قاعدة يقررها القرآن في هذا الحوار الذي يجري على لسان أبينا إبراهيم ـ عليه السلام ـ تبيّن أن على العالم أن ينشر علمه ولا يكتمه، وأن على الجاهل أن يتبع العالم ولو كان ابنه، وأن درجة العالم هي العليا، وقديمًا كان الملوك والأمراء يجلسون بين يدي العلماء يأخذون من علومهم.

 

{يَا أَبَتِ لاَ تَعبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}

 

ينادي العبد الصالح إبراهيم أباه للمرة الثالثة باسم الأبوة مُصدِّرًا به نداءه تأدبًا وتلطفًا، يقول له: {لاَ تَعبُدِ الشَّيطَانَ}؛ لأن عبادة الأصنام هي في الحقيقة عبادة للشيطان؛ لأنه هو الذي زين لهم ذلك ووسوس لهم به ثم قال له:

 

{إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}

 

والشيطان عند جميع الأمم هو رمز للشر والطغيان، ينفر كل الناس منه ويزعم حتى الطغاة منهم أن أعمالهم حسنة ليست من أعمال الشياطين، وذلك من مكر الشيطان، يزين لهم سوء أعمالهم، ويخيل إليهم أنها عبادات، وأنها قربات لله، كما زين لأبيهم آدم معصية الله وأقسم له بذلك فأغراه وزوجه فأكلا من الشجرة، ذكّر إبراهيم أباه أن الشيطان كان للرحمن عَصِيًّا منذ أن أمره بالسجود لآدم، فهو منذ ذلك اليوم عصيُّ للرحمن بعيد من رحمته محروم منها، ومثله في ذلك من عبده من الإنس والجن.

 

{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَّمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا}

 

جاء هذا النداء الرابع من إبراهيم لأبيه على النحو الذي سبق، مليء بالتحنن والتلطف، وفيه تخويف وإنذار لأبيه إن هو لَم يستمع إلى نصحه، فهو يخاف على أبيه سوء العاقبة وهي أن تحق عليه كلمة العذاب فيمسَّه عذاب من الرحمن، واعجَبُوا لعذاب يأتي من الرحمن، ولا يكون إلاَّ لمن فرّ من رحمة الله، وأبى وكذب وتولى وأعرض، وهؤلاء هم أولياء الشيطان تولاهم واستحوذ عليهم، وأخذ بنواصيهم فأبعدهم من رحمة الرحمن، هذا ما خافه إبراهيم الحليم الأواه على أبيه آزر، فصرح له به أخيرًا لعله يرتدع وينصاع إلى سماع الحق، ولكن أباه لم يستمع لهذا النصح العميق والموعظة البليغة من ولده، ولم يزدْه إلاَّ عتوًّا ونفورًا، وراح يهدد ابنه وناصحه بأقسى أنواع التهديد، كأن قلبه قُدَّ من صخر، فهو لم يلن لعبارات ولده اللطيفة اللينة التي لو خاطب بها الحجارة للانت وخشعت، ولكن الله يهدي من يشاء، ومن يضلل الله فلا هادي له، قاسية ممعنة في الضلال لا تحب الناصحين.

 

{قَالَ أَرَاغِبٌ اَنتَ عَنَ الِهَتِي يَا إِبرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرَجُمَنَّكَ وَاهجُرنِي مَلِيًّا}

 

كان هذا جواب الشيخ الكافر لولده الناصح الأمين البر الوصول بعد تلك العبارات التي تفيض مودَّة وإشفاقًا، قال لابنه مجيبًا له بصيغة الاستفهام التعجبي، مناديًا له باسمه تاركًا اسم النبوة جانبًا، كأنه لم يعترف ببُنُوَّته له، فهو لا يستحقها في نظره الحَرِد:

 

{قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم}

 

قال أمعرض أنت عن آلهتي، كافر بها يا إبراهيم، فهي آلهة كثيرة ليست إلهًا واحدًا، لقد همه أمر آلهته في الدرجة الأولى، ولذلك أخر عنها ذكر اسم إبراهيم فهو في غاية التمسك بها معتزًا بنسبتها إليه، وفي غاية التوتر والغضب لمن يرغب عنها، غضبًا يمنعه من سماع الحق، والرد على حجج ولده المحاور له ولو بالشبه، بل لجأ إلى أسلوب القوة والتهديد شأن الذِّينَ تعوزهم الحجة، ويمنعهم الكبر عن الإذعان والاستماع فيلجئون إلى أساليب المكر والانتقام انتصارًا لأهوائهم، كذلك كان جواب الشيخ الكفور لابنه النصوح أنكر عليه في شدة إعراضه عن آلهته التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئًا، وهدده لئن لم ينته عن دعوته إلى التوحيد بالرجم، والرجم أفظع أنواع القتل فهو لا يكون إلاَّ للكلاب المسعورة، والهوام المؤذية، وأكد تهديده بلام القسم والنون المشددة ثم راجعته عاطفة الأبوة قليلا فقال:

 

{وَاهجُرنِي مَلِيًّا}

 

أي أنج بنفسك قبل أن انتقم لآلهتي منك واهجرني مَلِيًّا، إبعد عني مدة طويلة ما دمت على هذا الرأي، لا تخاطبني ولا أحب أن أراك أو أستمع إلى كلامك.

 

هكذا بلغ الجفاء والكفر من أبي إبراهيم هذا الْمَبلَغَ المشتط، ولكن إبراهيم الحليم الأواه المنيب لَم يقطع صلته بأبيه، وراح يخاطبه بخطاب آخر كلُّه لين ورحمة، وليس فيه هذه المرة تعرض لآلهته بسوء ولا دعوة إلى نبذها، وقد اكتفى بما تقدم لو كان نافعًا.

 

{قَالَ سَلاَمٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعتَزِلُكُم وَمَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}

قال إبراهيم لأبيه مودعًا له ولقومه:

{سَلاَمٌ عَلَيكَ}وهي كلمة مليئة بالخير وحب الخير، سلام عليك: دعاء بالسلامة من الآفات، تحية من عند الله مباركة طيبة تقال عند اللقاء وعند الافتراق، قالها إبراهيم لأبيه قيامًا بحق أبوته عليه وأظهر له أن يتمنى له الهداية من الله.

 

{سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}

 

سأطلب لك المغفرة من ربي إني رأيت من ربي الحفاوة والبر والإكرام، ولذلك أرغب إليه وادعوه أن يهديك للإسلام ليكون لك إسلامك سببًا لمغفرة ذنوبك، فهو لا يسأل له المغفرة على شركه؛ لأنه يعلم أن الشرك يحول دونه ودون المغفرة، ولكنه يتمنى له الهداية التي تكون سببًا للمغفرة، ولذلك لما تبين له بعد أنه عدو لله، وأَيِس من إيمانه تبرأ منه، ولم يعد يدعو له، ثم قال:

 

{وَأَعتَزِلُكُم وَمَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ}

 

وهذا القول منه تصريح لهم بالهجرة، ولم يعد ينفع مع هؤلاء الطغاة في كفرهم إلا الاعتزال، فليعتزلهم إذن مهاجرًا إلى ربه؛ ليفرغ لعبادته وينجو من رجم أبيه، ولا تكون هجرته لهم إلا بإذن من ربه، وهو أول المهاجرين وإمامهم، وما هجرة الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إلا اقتداء بأبيه إبراهيم.

 

اعتزل إبراهيم أباه وقومه، وهاجر إلى الشام مُوَدِّعًا إياهم بهذه الكلمات، وهي آخر ما يسمعهم من الكلام.

 

{وَأَدعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}

 

أدعو ربي الذي خلقني وهداني وأكرمني، ومن أحق بالدعاء ممن سبق إحسانه؟، وكل دعاء لغيره ضلال في ضلال، عسى ألا أشقى بدعائي إياه، فأنا أطمع منه في الإجابة والإسعاد، وقد رأيت منه الحفاوة والإكرام، وهذا تعريض بآلهتهم التي لا تسمع لمن دعاها ولا تسعده، فما أشقى من يدعو مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئًا، يقول لهم هذا الكلام عند الفراق لعله يؤثر فيهم، ولعلهم يرجعون إلى أنفسهم فيعلمون أنه الحق، أما هو فقد وجد ربه سميعا وله مجيبا، هداه وعوّضه عن بلده الذي هاجر منه بلدًا طيبا مباركا في الشام، وعوّضه عمن فارقهم من أبيه وأقاربه ذرية طيبة، وآمن له لوط ابن أخيه.

 

{فَلَمَّا اعتَزَلَهُم وَمَا يَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلنَا نَبِيًّا}

 

هاجر أبونا إبراهيم قومه وبلده وذهب إلى ربه، وهو أول من سن الهجرة إلى الله، وفارق الأهل والوطن في ذات الله معتزلا الشرك والمشركين، فارًّا بدينه من الفتنة، تاركًا وراءه كل جبار عنيد من أعداء الله، وكان لغاية هجرته عاقرًا، وكان يوم هجرته شيخًا، قيل عمره خمسة وسبعون عامًا، فعوضه الله وأهله "سارة" التي هاجرت معه، وتكبَّدت معه مشاق الهجرة ومفارقة الأهل والوطن، عوَّضهما خيرًا ممن فارقا من الأقارب، وَلَديْن ذَكَريْنَ صالحين نبيَّيْن، يولد الأول ويكبر، ثم يعقب الثاني، والشيخان على قيد الحياة تقرُّ أعينهما بهما جميعًا، ذكر الله هنا إسحق ويعقوب ولم يذكر إسماعيل؛ لأنهما الولدن اللذان يشترك فيهما المهاجران، أما إسماعيل فهو ولد لإبراهيم دون أهله المهاجرة معه، فهما الولدان اللذان بشرت بهما الملائكة "سارة"، وهما: ـ هي وزوجها ـ في مقر هجرتهما والولدان هبة من رحمة الله للأبوين المهاجرين إلى الله.

{وَّوَهَبنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيًّا(50)}

 

كلا من الوالد والولدين، جعل الله منهم أنبياء ووهب لهم من رحمته الواسعة ما تقر به أعينهم من الهبات، وفضلهم على العالمين وجعل لهم لسان صدق عَلِيًّا، أي ذكرًا حسنًا صادقًا، وأعلى منزلتهم عنده وعند ملائكته وعند الآخرين ممن يأتون من بعدهم، وحسَّن عواقبهم في الدنيا والآخرة والعاقبة للمتَّقين.

 

وفي قصة إبراهيم مع قومه موعظة لقريش في الرجوع إلى الحق، وترك ما عليه الآباء والأجداد من الضلال القديم، وقريش تعظم إبراهيم وتدّعي أنها على دينه، فها هو دينه يجلوه القرآن، وها هي خطته مع أبيه وقومه المشركين، فهل أنتم معتبرون يا من يدعى الانتساب إلى ملته؟ وهل أنتم متبعوه؟.

 

ومن جملة ما وهب الله لإبراهيم وبنيه حسن الأخلاق، وحسن الخلق من أعظم ما يهب الله لمن يشاء من عباده، وورد في الحديث عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ قال: "إن الله تعالى أوحى لإبراهيم: يا إبراهيم إنك خليلي، فحسِّن خُلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت أن من حَسُنَ خلقه أظللته تحت ظل عرشي، وأسكنته حظيرة قدسي وأسكنته بجواري".