إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الرحمن
طباعـة

سْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قد علمت أنَّ ترتيب السور والآي توقيفيٌّ في الدرس والمصاحف ولو خالف ترتيب النزول، فهذه السورة بعد سورة {اقتربت الساعةُ} في الدرس والكتابة، كما هو في اللوح المحفوظ، وبينهما مناسبة في أنـَّهما في أنـَّه كرَّر في هذه {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بعد ذكر كلِّ نعمة في أنفس الثقلين، أو في الآفاق، دنيويـَّة أو دينيـَّة، إنكار([1]) عليهم لإخلالهم بشكرها، كما كرَّر في تلك أنَّ القرآن قد يُسِّر للذكر، بعد ذكر كلِّ نقمة من نقم مخصوصة نزلت على الأمم السابقة؛ فهو جلَّ وعلا زجرهم عن الإعراض عن التذكُّر بالقرآن بتعديد، كما زجرهم عن كفر النعمة بتعديد، فإنَّ قوله: {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} في هذه، وتكرير: {فَكيف كان عذابي ونُذُري} في تلك، فأمـَّا {فَكيف([2]) كان عذابي ونُذُري} فأظهرُ للهيبة، وأمـَّا {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} فأظهر للرحمة.

 


 فتلك السورة سورة إظهار الهيبة، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة. وبينهما مناسبة أيضا بأن افتتح كلاًّ منهما بمعجزة، أمـَّا تلك فبانشقاق القمر، وأمـَّا هذه فبالقرآن، فإنَّ انشقاق القمر معجزة تدلُّ على العزَّة والجبروت، فالقادر على شقِّ القمر قادر على هدِّ الجبال، وقدِّ الرجال. والقرآن معجزةٌ لفظًا ومعنى، وصدقٌ يدلُّ على الرحموت، وشفاء للقلوب عن الذنوب. وبينهما مناسبة أيضًا بأن ختم تلك بالدالِّ([3]) الهيبة والعطيـَّة، وهو قوله: {عندَ مليكٍ مُقتدِرٍ}، وافتتح هذه بدالِّ الرحمة وهو قوله: {الرحمنُ}، فكأنـَّه قيل: شديد على الكفَّار، رحمان بالأبرار. وبدأ بالنعمة العظمى وهي القرآن في هذه السورة، فإنـَّه أعظم النعم شأنًا، وأرفعها مكانًا، وهو مدارٌ للسعادة في الدارين، وهو لبُّ الكتب السماويـَّة، والقائم عليها، والميزان، وهو طريق لكلِّ مقصد صحيح. ولكون السورة سورة رحمة ذكرت الرحمة أوَّله ثلاث مرَّات([4]) متَّصلات، إذ قال:

 

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الرحمنُ علَّم القرآن} [2] المفعول الأوَّل محذوف تقديره: علَّم الإنسانَ، أو علَّم الرسول، أو علَّم جبريل، أو علَّم الملك؛ وإنـَّما قلت: الأوَّل هو المحذوف، لأنَّ الإنسان أو الرسول أو الملك أو جبريل هو الذي يتَّصف بعلم القرآن، فتقول: هو عالم به بعد تعليم، ولا تقول: القرآن هو العالم بمن ذكر فمن هو فاعل في المعنى، وما هو فاعل معنى هو المفعول الأوَّل في باب أعطى وكسى، وهو كلُّ ما ليس أصله المبتدأ والخبر من المفاعيل، فدخل في بابهما المفعول الأوَّل مِمـَّا له ثلاثة مفاعيل، فإنـَّه فاعل معنى،

 

 وقول بعض المحقِّقين: إنَّ المحذوف هنا مفعول ثانٍ، لعلَّ معناه أنَّ للفعل هنا مفعولين، ذكر أحدهما وحذف الآخر، والأولى تقدير «الإنسان»، ليعمَّ الرسول وغيره، ليكون اللفظ أعمَّ في ذكر نشر الرحمة، والسورة مفتتحة لبيان النعم، فالحمل على التعميم أنسب للتعميم بعد، فإنَّ النعم المذكورة على العموم وللتعميم قيل: إذ عمَّ في قوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فتكون السورة حينئذ مفتتحة لبيان الأعمِّ من النعم، وأيضًا يرجَّح تقدير الإنسان بأنـَّه هو الأنسب بأدائها في القرآن، والتلبُّس به حفظًا ودرسًا، بخلاف الملائكة، فليس لهم العمل بما فيه من إقامة حدوده ومباحاته، فإنـَّه لا يجلدون ولا يقطعون ولا يصلُّون الخمس، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوَّجون، حـتَّى إنـَّه لو قدَّرنا: «علَّم الثقلين القرآنَ»،

 

 لكان أعظم عمومًا وأنسب لذكرهما في سائر السورة، إلاَّ أنَّ ذكر الإنسان يستتبع الجنَّ في الأحكام، كما يستتبع ذكر الرجل المرأة، فكفى تقدير الإنسان، ولاسيما هو المذكور قريبا بعد، والإنسان شامل لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ووجه تقدير جبريل أو الملك على العموم أنـَّه نزلت به الملائكة إلى السماء الدنيا مكتوبا، وقد تلقَّته من اللوح المحفوظ، ونزل به جبريل ع.م إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد قال: {لا يمسُّه إلاَّ المطهَّرون}، وقال: {تنزيل من ربِّ العالمين}، ولعلَّه لا يبقى في أذهانهم إلاَّ كما يوصلونه، لأنـَّهم لم يؤتوا درسه والتعبُّد به سوى ما ذكر من كتبه وإنزاله، ولا ينافي ذلك عرضه صلَّى الله عليه وسلَّم على جبريل في كلّ رمضان مرَّة ما نزل منه، وفي رمضان عام موته مرَّتين لجواز أنـَّه يحضره الله في قلب جبريل حين العرض وتقوِّيه على ذلك، أو حين ينطق به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ إنَّ تقدير جبريل أنسب من تقدير مطلق الملَك لأنـَّه المذكور في قوله تعالى: {نزَلَ به الروح الأمين على قلبك}، [3] وقوله جلَّ وعلا: {فإنـَّه نزَّله على قلبك}، ثمَّ إنَّ علَّة الحذف أن يكون الكلام بصورة ما لا يتعلَّق الغرض بذكره،

 

 وقد يقال: لا تقدير بأن يكون مِمـَّا لا يتعلَّق غرض المتكلِّم بما لم يذكر فيه كما نقول: زيد يطعم ويعطي، وأنت تربد وقوع ذلك منه هكذا تكثيرًا أو دفعًا لنفيه عنه، ثمَّ إنـَّه لا مانع من أن يكون حذف للعموم فيشمل كلّ من علَّمه من ملَك وإنس وجنٍّ، وفي جميع تلك الوجوه تكون الآية مثبتة لكون القرآن كلام الله لا كلام رسوله ولا غيره. ويجوز أن يكون المعنى أنـَّه تعالى جعل القرآن قابلاً لأن يتعلَّمه متعلِّم، كقوله تعالى: {ولقد يسَّرنا القرآنَ للذكر}، وهذا مجاز كقوله في من أنفق على متعلِّم وصرف مالاً في تعلُّمه: إنـَّه علَّمه، فيكون أنسب بقوله في السورة قبل هذه السورة: {ولقد يسَّرنا القرآنَ للذكر}؛

 

 ويجوز أن يكون المعنى: الرحمن جعل القرآن علامة النبوءة ومعجزتها، كما جعل انشقاق القمر معجزة في السورة الأولى التي هي للهيبة، وكما شقَّ ما لا يشقُّه غيره نشر من العلم ما لا ينشره غيره، وهو ما في القرآن؛ ولم يقل: هو علم القرآن، بل وضع الظاهر موضع المضمر إيذانًا بالظاهر لمزيد الرحمة، وهو لفظ: «الرحمن»؛ وهو مبتدأ خبره «علَّم القرآن» لا خبر لمحذوف، تقديره هو الرحمن، لأنَّ هذا يقتضي أنَّ الجملة تأكيد في المعنى لذكر الرحمة قبله، ولا يصار إلى الحمل على تأكيد بلا داعٍ، ولا سيما مع تكلُّف الحذف، ومخالفة الظاهر، ومع حصول معنى التأكيد بمجرَّد ذكر لفظ الرحمن، وعلى تقدير «هو» يكون لفظ الرحمن آية، وفي إسناد التعليم إلى الرحمن إيذان بأنَّ تعليم القرآن من آثار الرحمة الواسعة وعلمه الله أيضا وجب غير القرآن، ولكن اقتصر على ذكر القرآن تنبيها على أصالته وجلالة([5]) قدره.

 

 ومعنى تعليم القرآن إذا فسِّر بجعله علامة، أو قابلا لأن يتعلَّم ظاهر، وأمـَّا إذا فسَّرناه بجعله معلوما فهو أظهر، لأنَّ المعنى: جعلنا الإنسان مثلا عالما بألفاظه حافظا لها، وحفظ اللفظ أمر عظيم، فإنـَّه يتدرَّج به إلى حفظ المعنى، وقد يدرك المعنى من اللفظ وينسى ويبقى المعنى في الجملة. وإن قيل: معنى [4] تعليم القرآن تعليم معناه وهو خلاف المتبادر، لأنَّ القرآن اسم للألفاظ، فالمراد تعليم معناه بحسب ما أعطى الله الإنسان مثلا من قوَّة، فبعض الإنسان يفهم بعض معانيه دون بعض، وبعض يفهم معانيـَه كلَّها، إلاَّ أنـَّه لا يفهم جميع معاني كلِّ لفظ، فإنَّ علم ذلك مختصٌّ بالله جلَّ جلاله، كما تقول: فلان يعلم كتاب فلان، تريد أنـَّه يتقنه بقدر وسعه ولو كان لا يعلم مراده بيقين، فكذا يعلم الإنسان معاني القرآن بحسب الظاهر،

 

 وقد يكون علمه في بعضها خطأ عند الله، وما بقي له أكثر مِمـَّا أدرك، وذلك قابل له قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم} بعطف «الراسخون» على لفظ الجلالة، أي يعلم الراسخون تأويله أيضًا، بمقدار لا على الكُنه، وكذا إذا جعلناه مبتدأ والضمير المضاف إليه تأويل للقرآن، وإن جعلناه للمتشابه، وعطفنا «الراسخون» على لفظ الجلالة كان المعنى أيضا: الرحمن علَّم الإنسان مثلا معنى القرآن بقدر نصيب كلٍّ، وإن لم نعطف عليه كان المعنى: الرحمن علَّم الإنسان القرآن، أي معناه إلاَّ ما تشابه منه، فإنَّ الله استأثر بمعناه. ولفظ «الرحمن» عَلم منقول من الوصف، و«الـ» فيه للإشارة إلى معنى الوصف، وهو أنـَّه عظيم الرحمة، وهو بحسب الأصل صفة لكلِّ من عظمت رحمته،

 

 لكن عظمة الرحمة المرادة بهذا اللفظ لا توجد عند غير الله، فاختصَّ بهذا الاسم، ولو لم تجعل «الـ» فيه للإشارة إلى الأصل لئلاَّ يتوهَّم ثبوت تلك العظمة لغيره تعالى، فمن أطلق لفظ الرحمن على غير الله تعالى فقد كفر، ولا مانع من كونه باقيـًا على الوصفيـَّة مختـصًّا به تعالى، أو غالبا عليها الاسميـَّة كالفاروق أصله وصف شاع، فكان كاسم ثانٍ لعمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وعلى كلِّ حال كفَّ الله جلَّ جلاله الخلق أن يسمُّوا أحدًا الرحمن بالألف واللام، لأنـَّه بمعنى أنـَّه رحم الخلق بخَلقه إيـَّاهم، ولا خالق سواه، وبرَزقه ولا رازق يخلق الرزق ويقسمه سواه، وهكذا... إلى أن قدَّر الله على شقيِّ اليمامة أن سمَّاه بعض الأشقياء رحمانًا، لكن مضافًا لليمامة ومجرَّدًا عن «الـ» والإضافة، وذلك كفر من المسمِّي،

 

 كما يسمِّي الكافر صنمه إلها، وليس لفظ الرحمن كلُّه كلمة واحدة مسمًّى بها ــ كما قيل ــ وإلاَّ كانت الهمزة [5] قطعيـَّة وليست كذلك، بل وصليـَّة اتـِّفاقـًا، وجوَّز ذلك القائل أن يقال: «يا الرحمان» بقطع الهمزة بعد يا كما يقال: «يا الله»، ولا دليل له في قوله تعالى: {قل ادعو الله أو ادعو الرحمن} ...([6]) ابن مالك، ولو جوّز حكاية همزة الوصل على وصلها لكن يحتاج معه إلى بحث وإلى أن يؤتي بدليل أنَّ ما هنا من ذلك.

 

{خلق الإنسانَ علَّمه البيان}: الجملتان خبران ثانٍ وثالث، ولم يعطفهما عطفًا لأنَّ المراد التعديد، فيترك العطف ليستوعب الكلَّ من غير تطويل، ولذلك يحسن تركه، ويغلب إذا كانت النعم مثلا أكثر من ثلاث أو ثلاثًا، وقد يعطف الخبر الثاني مع عدم زيادة تلويحًا بأنَّ هناك كثيرًا أشير له باثنين، والعطف يدفع توهُّم البدل والتفسير، ويشير إلى استقلال كلٍّ على حدة. وذكر الله جلَّ وعلا ثمانية أخبار: أربعًا بلا واو وأربعًا بواو، لأنَّ السبعة عدد كامل والثمانية سبعة وزيادة، وذلك إشارة إلى أنَّ الزائد على الكمال خارج عن التحديد، فذكر الثمانية إشارة للخروج عن التحديد لا للحصر، والخبر الأوَّل «عَلَّم القرآن»،

 

 ووجه ترتيب الأخبار الثلاثة أنـَّه قدَّم تعليم القرآن لأنـَّه أعظم النعم شأنًا، وبه السعادة الأبديـَّة. وذكر بعده خلق الإنسان لأنـَّه أوَّل النعم، وليدلَّ به على أنَّ المراد: علَّم الإنسان القرآن بعد خلقه، وليبيـِّن به وبتعليم البيان المذكور بعده كيفيةَ تعليم القرآن، كقولك: قتلت فلانا الكافر، أثبته بسهم فذبحته، وأنجدت فلانًا المؤمن أزحت عنه العدوَّ، وحملته على فرس؛ وعلَّمت فلانا العلم دعوته إليه، وأنفقت عليه مالي. وإن أريد بتعليم القرآن تعليم الملائكة أو جبريل أو مع الإنسان، فوجه الترتيب تقديم العلويِّ وحده أو مع السفليِّ على السفليِّ وحده، كما قدَّم الشمس والقمر العلويـَّين على النجم والشجر السفليـَّين، على أنَّ النجم ما لا ساق له من النبات، وكما قدَّم السماء العلويـَّة، وأخَّر الميزان الجاري في أهل الأرض،

 

 وعليهم؛ وأيضا الوضع دلَّ على الانحطاط المقابل للعلوِّ، بل صرَّح أيضا بقوله: {والأرضَ وضعها}. ثمَّ المراد بخلق الإنسان خلقه من نطفة ثمَّ من علقة [6] إلى آخر الأطوار كما قال: {اِقرأ باسم ربِّك الذي خلق، خلق الإنسان من علقٍ}، ورتَّب على ذلك إفهامه؛ ويجوز أن يراد بخلقه إنشاءه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة. وكما قدَّم الخلق هنا على التعليم قدَّمه في سورة العلق؛ والتعليم فيهما ليس خاصًّا بالقرآن، وقدَّم فيهما القرآن فإنـَّه المراد في قوله: {اِقرأ باسم ربِّك}، فلا فرق بينهما في ذلك. والمراد بالإنسان هنا الجنس، كما في قوله {خلق الإنسان من علقٍ}، فإنَّ ذلك هو المتبادر هنا حملاً على الظاهر، ودعوى التخصيص محوجَّة إلى الدليل، فليس المراد ــ كما قيل ــ محمَّدًا رسول الله، ولا كما قيل آدم، صلَّى الله وسلَّم عليهما، والمراد بالبيان:

 

 بيانه عن نفسه، وبيان غيره له، فمعنى تعليم البيان جعله مبيـِّنا عن نفسه، وفاهِمًا لبيان غيره، إذ على ذلك يدور تعليم القرآن، يفهم ما يقال له منه، ويقول عن نفسه: لم أفهم كذا، أو فهمت كذا، أو كرِّر لي، أو نحو ذلك، وكأنـَّه جعله متمكِّـنًا من إظهار ما في نفسه بالنَّطق به، ومن إظهار غيره بقبوله بالفهم، ولا مانع من أن يراد هنا: تمكين الإنسان من بيان نفسه، وأمـَّا فهم بيان غيره فمن غير هذا اللفظ، كقوله: {علَّم القرآن} فإنَّ التعلُّم عن التعليم فهم لبيان المعلِّم، وعلى كلِّ حال تقول الآية: إنَّ الإنسان حيوان ناطق، خُلق كما خلقت الحيوانات، وتميَّز عنها بالنطق الذي هو الإدراك التامُّ الذاتيُّ له، وبالنطق

 

 الذي هو التلفُّظ بما أدرك. ويجوز أن يراد بالبيان القرآن، بمعنى المبـيَّن ــ بفتح المثنَّاة ــ فإنَّ الله جلَّ وعلا بيَّن القرآن، ووكَّل ما أشكل إلى رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بل بالنظر إلى ألفاظه هو كلُّه مبيـَّن، أو بمعنى المبيـِّن ــ بكسرها ــ فإنـَّه مبيـِّن للحقِّ من الباطل؛ وقد سمَّى الله القرآن بياناً مثل قوله جلَّ وعلا: {هذا بيانٌ للناسِ}، وسمَّاه كتابًا مبينًا، وآيات بـيِّـنة، ومبيـَّنات، والمادَّة في الأصل واحدة. والبيان اسم مصدر بمعنى اسم مفعول، أو بمعنى اسم فاعل، فيكون ذُكر أوَّلاً بلفظ القرآن وأعاده بلفظ الظاهر في موضع [7] الإضمار، إذ لم يقل: علَّمه إيـَّاه، ليصفه بأنـَّه بيان؛ وتفسير البيان بالقرآن مرجوح، إلاَّ أنَّ فيه إظهارًا لما خفي أوَّلاً، إذ الأصل: «علَّم الإنسانَ القرآن» فأخفى الإنسان. وإذا قلنا: المراد: علَّم الملائكة القرآنَ، فإنـَّما لم يذكروا لأنـَّه لا يظهر الإنسان في بادي الرأي أنَّ تعليم الملائكة نعمة، ولمــَّا كان تعليم الإنسان البيان نعمة ظاهرة

 

 للإنسان سواء كان بمعنى الإفصاح أو القرآن ذكر الضمير وهو الهاء ولم يخفه. والسورة تعديد للنعم ومطالبة الشكر عليها، وكما حذف هنا ثمَّ ذكر كذلك في سورة العلق إذ قال: {علَّم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلم}. وقد يتمسَّك بالآية على أنَّ اللغات توقيفيات، وقَّف الله عزَّ وجلَّ خلقه عليها بإنزاله إيـَّاها، كما يتمسَّك على ذلك بقوله عزَّ وعلا: {وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها}.

 

{الشمسُ والقمرُ بحسبانٍ} الخبر محذوف جوازًا، لأنـَّه كون خاصٌّ، تقدير الكلام: «يجريان، أو مقرونان بحسبان» مقدَّر في بروجهما ومنازلهما، تتفرَّع عليه حرارة الجوِّ وبرودتهما، وتنمو النباتات، وتختلف الفصول والأوقات، وتُعلم الشهور والفصول  والسنوات. والباء للمصاحبة، ولا يجوز أن تكون للاستعانة إلاَّ على طريق المجاز، لأنـَّه لا اختيار للشمس والقمر [و]لا إرادة، وهما جمادان لا فعل لهمـ[ـا] يستعينان فيه بحسبان، بل مضطرَّان بإجراء الله عزَّ وجلَّ([7])، ومجريهما اللهُ بقدرته وتكوينه، أو بتوسيط الملائكة، ولا يوصف بجريان بل بالإجراء، وهو فعل له حادث، وكلُّ فعل حادث، والله لا يعجز فلا يستعين، وأيضًا الحسبان لا إعانة له على الجريان، فما الاستعانة إلاَّ مجاز، وعليها فإنـَّما يقدَّر بجريان لا مقرونان؛ وعلى تقدير أنَّ للشمس والقمر عقلاً يبقى أنَّ الحسبان لا إعانة له على الجريان. وورد في الأخبار أنـَّهما يخشعان ويذكران الله ويناجيانه، وأنَّ الشمس ترى آية فتحيد عن مجراها، وأنـَّها تقول حين تطلع من المغرب:

 

 «ياربِّ ما أبعد المشرق!»، وأنـَّها كلَّ يوم تسجد وتستأذن في الطلوع ويؤذن لها، ولعلَّ [8] سجودها واستئذانها في حال جريانها عند قرب طلوعها بلا وقوف؛ وورد أنـَّهما يشكوان إلى الله من الطلوع على العصاة. وأنت خبير بأنَّ الحسبان الحساب، ولكلِّ واحد منهما على حدته حساب، فإنَّ الحسبان مصدر يصلح للقليل والكثير بلفظ واحد، وأيضًا هو كقوله: {وكلٌّ في فلَك يسبَحون}، فإنَّ الله جلَّ وعلا لم يجمعهما في فلك واحد، وأمـَّا قوله تعالى: {وكلُّ شيء عنده بمقدار} فظاهر أنَّ كلَّ شيء بقدره، وأمـَّا

 

«ركب القوم دابـَّتهم» ففيه الإضافة التي للجنس، وإن أردت اعتبار أنَّ الحساب لله فحسابهما واحد، بمعنى أنـَّه مقدار قدَّره الله لهما أنصباء متفاوتة، كما أنَّ المال يضاف لإنسان فهو مال واحد يقسمه على غيره قسمًا متفاوتة. ويجوز مرجوحًا أن يكون الحسبان بمعنى الفلك، تشبيهًا له بحسبان الرحى، وهو ما يدور فيه الحجر، فتكون الباء للاستعانة المجازيـَّة، إذ علمت أنـَّهما مضطرَّان، وأنَّ الله جلَّ وعلا لا يعجز، نَعَم، الملائكةُ يستعينون، والنعمة في سيرهما بحسبان كما في ضوئهما، إذ لو ثبتا في موضع واحد لم ينتفع بهما ولم يعرف وقت ولا فصل، وكذا لو كان بحسبان لم يعرفه الناس. ولم يقل: يجريهما الله أو يحرِّكهما الله، أو يسخِّرهما، كما قال: {خلق الإنسان علَّمه البيان}، لأنَّ خلق الإنسان وتعليمه أظهر في الامتنان على الإنسان وأتمُّ وأعظم، فأسندهما لنفسه في مقام تعديد النعم،

 

 ووكَّل ما بعد ذلك إلى الفهم، وهو مفهوم كما قال: {ليَقولنَّ خلقهنَّ الله}، ولأنَّ كون الإجراء من الله معلوم من قوله: {...الرحمنِ الرحيمِ، الرحمنُ}، فإنَّ حاصل ذلك أنَّ الرحمة كلَّها منه تعالى، فذكر الرحمة للتأمُّل لما بعدها كلِّه، كقولك لولدك: «أنعمتُ عليك، سعيت في صلاحك، وأعززتك، صرت ذا إبل وبقر ودار وجنان، وخيل»، تريد أنَّ ذلك بما أنعمت به عليه، وكأنـَّك قلت: صرت في صرح في الأعظم الأعمِّ بالإسناد،

 

 وكذا الآية، ولأنَّ الشمس والقمر يعلم بالعقل أنَّ أمرهما من الله فلم يسندهما [9] لنفسه، وأمـَّا تعليم القرآن والبيان وخلق الإنسان فلا يعلم ببادئ الرأي أنـَّهما من الله بل بالسمع، فأسندهما لنفسه، ولو كانا يُعلمان بالعقل أيضًا إذا عومل. ثمَّ إنـَّه لا مانع أيضاً من الإسناد إليه تعالى بأن يقدَّر: «يجريهما» أو «يسخِّرهما بحسبان» أو «يقدِّر الشمس والقمر بحسبان له والنجم والشجر يسجدان له»، فإنَّ الجملتين خبران آخران لـ«الرحمن»، حذف الرابط لأنـَّه يتوهَّم أنَّ حسابهما المقرَّر لهما هو من غيره، ولا من سجود النجم والشجر لغيره. والآية تردُّ على من ينكر أن ينزل الملك مع ثقله ويرجع، أو مع خفَّته، وكيف ينزل باستقامة؛ وعلى من قال: وكيف خصَّ محمَّد من بيننا، كما قال: {أأُنزل([8]) عليه الذكر من بيننا}!

 

 وكذا الآية بعدُ، وكأنـَّه قيل: كما أنَّ الشمس والقمر بحسبان منه، والنجم والشجر يسجدان به، وينموان على مقدارٍ أراده، واختار لذلك ممرًّا معيـَّنا وصوبًا معلومًا ونموًّا معلومًا كذلك اختار للملك طريقًا ونزولاً على استقامة وعلى إنسان معيـَّن، بل الثانية دليل للأولى، فإنَّ نموَّ النبات إلى جهة العلوِّ، ولو بسط النجم بعد علوٍّ بل أوراقه وأغصانه إلى علوٍّ أيضًا، ولو كانت تميل بعدُ، يدلُّ على قدرته على إصعاد الملك، ثمَّ إنـَّهم أيضا يشاهدون الطائر في علوِّه وتسفُّله، فالملك كذلك. ولا شكَّ أنَّ حركة الشمس والقمر إمـَّا بتحريك فاعل مختار بما شاء من ملك، أو بطبع طبعهما الله عزَّ وعلا عليه،

 

 لا بطبع لم يطبعه هو، فمن اختار دورانهما وقدَّره أنزل الملك. وحرَكتُهما بحسبان تدلُّ على فاعل مختار سخَّرهما على وجه مخصوص، فمن لم تكن له النفس الزكيـَّة تستغني بدلائل القرآن استدلَّ بالشمس والقمر والنجم والشجر والسماء، فالله جلَّ جلاله ذكرها للاستدلال كما ذكرهنَّ أو جلَّهنَّ للامتنان، ولو اجتمع كلُّ فلسفيٍّ وطبعيٍّ واجتهدوا لم يثبتوا للشمس والقمر ما أثبت الله لهما ممرًّا([9]) وصوبا وقدرًا، أي بطءًا وسرعة،

 

 ولم يجدوا إلاَّ أن يقولوا: يديرهما الفاعل المختار جلَّ وعلا، وأن يقولوا: إنـَّه خلقهما وخالق الملائكة المتوسِّطة [10] لهما وغيرهم. وقدَّم الشمس لأنَّ نفعها أقوى من نفع القمر، وكان حسبانهما [كذا] في السير أيسر من القمر.

 

{والنجم والشجر يسجدان} النجم: النبات الذي ينجم، أي يطلع من الأرض ولا ساق له، والشجر النبات الذي له ساق؛ وسجودهما انقيادهما لما يريد الله عزَّ وجلَّ اضطرارا وطبعًا، كانقياد الساجد المكلَّف كسبًا وطوعًا.

 

 شبـَّه عدم الامتناع عمـَّا يراد بهما من نبت وزيادة ونقص، وبقاء وفناء، بعدم امتناع المكلَّف بالسجود عنه، أو شبـَّه ثبوتهما بثبوت الساجد. ويجوز أن يراد بسجودهما تحوُّل ظلالهما، وأن يراد حقيقة السجود وإن لم تكن مرئيـَّة، كما يوصفان بالتسبيح ولو كنـَّا لا نفقه تسبيحهما؛ وأعني بحقيقة السجود فعل عبادة يصدر منهما يقوم مقام السجود من الإنسان، وليس بميل إلى الأرض حـتَّى يصلاها وينبسطان عليها كما يبسط الإنسان أعضاء سجوده عليهما([10])، إذ لا يوجد ذلك لمن يراقبه، بل يرى الشجر على حاله والنجم

 

 على انبساطه الأوَّل، وقد يقال سجودهما ثبوت عروقهما وأصولهما على الأرض وفيها، فهما منكوسان أرجلهما في الهواء وهي الفروع؛ وإنـَّما يطلق على فروعهما الرؤوس تشبيها بالإنسان إذ كانت رأسه في الهواء، ألا ترى أنـَّهما يشربان بعروقهما وأصولهما كما يشرب الإنسان برأسه؟ وأنـَّهما يموتان بقطع عروقهما كما يموت الإنسان بقطع رأسه لابقطع فروعهما، وزادت النخلة شبهًا له بأعلاها إذ تموت بقطعه.

 

 ويبحث بأنَّ يسجدان يدلُّ على التكرير، ولا تكرار في ثبوتهما على الأرض بل حالة مستمرَّة، إلاَّ أن يجاب بأنـَّهما ما داما عليها يزيدان ثباتًا بنجول([11]) العروق في الأرض دخولا، وبزيادة عروق. وقدَّم الشمس والقمر على النجم والشجر لأنَّ صلاحهما بالشمس والقمر فإنَّ فيه أيضًا حرارة، فنعمة الشمس والقمر صلاح النبات بهما وضوئهما، ولولا الشمس لمـا زالت الظلمة. وأمـَّا منافع النجم والشجر فإنـَّهما قوت للإنسان والدوابِّ،

 

 وهما أصل الرزق، فإنَّ الحيوانات مأكولات، وإنـَّما تحيى وتنمو بالنبات، وقدَّم النجم لأنـَّه أدخل في معنى السجودات هو([12]) منبسط على الأرض كالساجد، وقد يعدُّ [11] انبساطه قدَّامه سجودًا، كما أنَّ الساجد ينبسط من قيام إلى قدَّامه سجودًا. وقيل: النجم نجم السماء، وفيه أنـَّه غير أنسب بذكر الشجر، وأنـَّهما متفاوتان أرضًا وسماء، وأنَّ سجود نجم السماء غروبه أو أمرٌ ما؛ وعلى كلِّ حاله([13]) فالشمس والقمر أيضًا لهما ذلك السجود فلم خصَّه به؟ ونجم السماء ولو كان لا يخلو من فائدة ككونه مصباحًا ومرجامًا ودليلا في البرِّ والبحر وزينة، لكن نفعه لا يظهر لكلِّ أحد، وأنـَّه دون نفع القمرين، وقد ذكرا من أدلَّة السماء ومنافعهما.

 

 وقد علمت أنَّ الجملة خبر آخر ل«الرحمن»، كما أنَّ الجملة قبلها كذلك، إلاَّ أنَّ الجملة قبلها جرِّدت عن العاطف، لأنَّ المراد بها التعديد كما مرَّ في {خلق الإنسان علَّمه البيانَ}، وهذه قرنت بالعطف لتناسبها بالتي قبلها من حيث التقابل، فإنَّ النجم والشجر أرضيان سفليان، والشمس والقمر سماويـَّان علويـَّان، والأرض تقابل بالسماء، هكذا كتقابل التضادِّ ولو بدون استحضار تسفُّل هذه وعلوِّ تلك، ولا سيما مع استحضارهما، ولعلَّ هذا أصل التقابل، ولو كان قد يتناسى، وقد يقال بأنَّ وجه التقابل أيضا تذلُّل هذه ونيلها دون تلك. وبين الجملتين أيضًا تناسب من حيث أنَّ كلاًّ من حال العلويين وحال السفليين انقياد تلك تماسكت حيث هي بلا عمد ولا علاقة، وهذه كما هي.

 

{والسماء رفعها} من فوق الأرض وقد كانت متـَّصلة بها، وبعد رفعها فتقها سماوات سبعًا، فالسماء مفردٌ لفظ[ـًا] ومعنى، وإنـَّما كانت سبعًا بعد الرفع رفعتها النملة حين قالت: «لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم» عن وجه الأرض، فقالت الملائكة ما قالت، فرفعوها إلى حيث هي، وفتقها الله سبعًا، ورفعت الملائكة كلاًّ إلى محلِّها. أو خلق الله ارتفاعهنَّ بلا واسطة، ويجوز أن يكون معنى رفع السماء خلق السماوت مرفوعات الـمَحالِّ، كقولك لمريد حفر بئر: وسِّعها، ولمريد خياطة قميص: أدِر جيبه.

 

 وعلى هذا فالمراد بالسماء الجنس، فشمل اللفظ سبع سماوات. ثمَّ إنـَّه لا مانع من أن يراد سماء الدنيا، لأنـَّهم يشاهدونها وغيرها، يقاس عليها ويعلم حاله بها، وأنت خبير بأنَّ المراد [12] بالرفع الرفع الحسـِّيَّ، وقيل: هو الرفع المعنويُّ، إذ جعلهما منشأ أحكامه وقضائه، وتنزُّل أوامره ونواهيه، ومحلَّ ملائكته، وفي ذلك تنبيه على كبرياء شأنه، وعظم ملكه وسلطانه، وكلُّ ذلك حقٌّ، لكن في تفسير الرفع بالمعنويِّ والحسـِّي جمع بين الحقيقة والمجاز، فيجاب بأنَّ المراد عموم المجاز، لكنَّ المجاز خلاف الأصل، وإنـَّما يرتكب لقرينة، مع أنَّ الناس يكتفون عند نزول الآية بالاعتبار بارتفاع محلِّها وبعد ذلك يتدرَّجون إذا آمنوا؛ ولكن أيُّ نعمة في رفعها حيث هي؟ وإنـَّما النعمة في الأحكام النازلة منها، فيجاب بأنـَّها لو قربت من الأرض لكانوا في ضيق ولو علت على الجبال. أو بأنَّ فيها النجوم كلَّها، أو في كلِّ سماء نجم، والنجم نعمة دلالة وغيرها، أو بأنَّ غالب ما ذكر نعمة وعبرة، وهذه عبرة.

 

 والفعل الناصب مع فاعله المشغول بالمذكور عطف على «علَّم» عطف فعليـَّة على فعليـَّة، وقرئ بالرفع، عطف اسميـَّة على فعليـَّة، أو على اسميـَّة هي قوله: {الشمس والقمر بحسبان}.

 

{ووضع الميزان} شرعَ العدلَ، إذ بيـَّنه وأمر به، ووفَّى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ووفَّره، وجعل لكلِّ أحد حركة على غيره، حـتَّى كأنَّ الناس كلَّهم ملوك. وذكر العدل باسم الميزان تأكيدًا وتشديدًا لمراعاته، كما أنَّ ميزان الآلات إذا كان طريسًا لا يموت معه شيء من الحقِّ، وإذا لم يكن محكمًا فكأنـَّه مجزاف فخرج عن الوزن؛ ولا يخفى أنَّ احترام عرض كلِّ أحد وبدنه وماله ومنافعه وتوابعه نعمة له إلاَّ ما أجاز الشرع هتكه، فإنَّ ذلك عقوبة له وزجر، وهما أيضًا نعمة، إذ ينزجر بهما إلى الاستقامة النافعة. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «بالعدل قامت السماوات والأرض، ولو وكَّل كلَّ أحد إلى هواه وسلَّط لتكدَّر الأمر على كلِّ أحد». فالله جلَّ وعلا بدأ بذكر القرآن وهو أفضل العلوم، وذكر أخصَّ الأمور به وهو العدل، فهذا كقوله تعالى:

 

 {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} أي العدل. وسمَّى شرع العدل وضعًا، لأنَّ شرعه إثبات له كما يثبت الشيء الموضوع، وتفسير الميزان بالعدل قول الجمهور، وبه قال الحسن بن الفضل، وقيل: الميزان الجسم الذي يوزن به كرطلٍ، وكمقابل الموزون من نوع آخر أو من نوعه، وكآلة الوزن من [13] كفَّة وتوابعها، فهو نظير المكيال، وهو أعظم توفيرا وأشدُّ تحرُّرا عن النقص من المكيال، وبه قال الحسن وقتادة والضحَّاك، ومعنى وضعه أيضًا إثباته و الأمر به وتعليق الأحكام به والقضايا والمتعبـَّدات به من التسمية والتعديل في الأخذ والإعطاء؛

 

 ولا يخفى كون الميزان نعمة إذ فيه توفير الحقِّ لصاحبه ومنع الزيادة على من عليه الحقُّ، والنفس تحبُّ الاستعلاء في أمرها كلِّها حـتَّى مسألة العلم فإنـَّها يصعب عليها أن تغلبها المسألة ولا تفهمها، ولو كانت لا تستشعر الغلبة عليها لكن ذلك من ذلك الوادي، ولا ترضى لأحد أن يغلبها وترى ذلك إهانة، فلولا شرع الوزن لوقعوا في البغضاء بذلك والخزي والغلاء، كما يقع ذلك بالجهل وزوال العقل والسكر؛

 

 فالميزان نعمة عظيمة كاملة، لكنَّ النفس لخبثها أو لقصورها ترى الموجود الكثير السهل هيـِّنًا، كما تتهاون بالحياة والصحَّة والعقل والستر، وبالريح والماء ونحو ذلك مِمـَّا لا يـتـبـيَّن فضله إلاَّ عند فقده.

 

{ألاَّ تطغوا في الميزان}: «أنْ» مصدريـَّة لا نافية، والفعل منصوب، ولام التعليل مقدَّرة أي: لئلاَّ تطغوا، متعلِّقة بـ«وضع»؛ أو «أنْ» مفسِّرة و«لا» ناهية والفعل مجزوم، وإنـَّما ساغ كونها مفسِّرة لتقدُّم معنى القول دون حروفه في جملة، فإنَّ في «وضَعَ» معنى قال، ويدلُّ لهذا قراءة بعضهم: «لا تطغوا» بـ«لا» الناهية وإسقاط «أنْ» حكاية بوضع، لتضمن معنى قال، أو على تقدير القول، أي ووضع الميزان قائلاً: لا تطغوا في الميزان؛ والطغيان المجاورة([14])، والميزان العدل كالذي قبله، ومقتضى الظاهر الإضمار،

 

 أي «أن لا تطغوا فيه»، لكن أظهر لتأكيد العدل، أي لا تطغوا في محلِّ العدل، أي لا تجعلوا الطغيان بدل العدل. ويجوز أن يكون الميزان الأوَّل العدل، والثاني آلة الوزن المحسَّة، وأن يعكس، أي شرع آلة الوزن لئلاَّ تطغوا في العدل في شأن الوزن بالآلة، بأن توفُّوا أصحاب الحقوق حقوقهم، لا في شأن الحقوق كلِّها، لأنَّ الوزن بالآلة وزنًا صحيحًا لا يستر، أم أن يكون فاعله عاملاً بالعدل في كلِّ شيء، ثمَّ إنـَّه يجوز أن يكونا معًا مصدرين كالميثاق بمعنى الوثوق، والميعاد بمعنى الوعد، وهما معًا بمعنى العدل،

 

 أو الوزن بالآلة، أو الأوَّل بمعنى العدل والثاني بمعنى الوزن [14] بها، أو بالعكس وأن يكونا آلة الوزن، أو الأوَّل بمعناها والثاني مصدر أو بالعكس، ثمَّ إنـَّه لا يخفى أنَّ الوزن شامل لجانب وزن من له الحقُّ وجانب من عليه الحقُّ، وجانب من يزن لنفسه، وجانب من يزن على نفسه، وهذا العموم صالح لما([15]) إذا جعل الميزان آلة أو مصدرًا، فلو قال: وضع الوزنَ، أو قال: لا تطغوا في الوزن لعمَّ ذلك، لا كما قيل: إنـَّه لو قال:

 

 «في الوزنِ» لظنَّ أنَّ النهي مختصٌّ بالوزن للغير، لا بالاتـِّزان للنفس، فذكر بلفظ الآلة التي تشمل الأخذ والإعطاء، والآية آمرة بالعدل في الوزن وليس فيها أمر من عليه الحقُّ بالرجحان، وفيها نهي من له الحقُّ عن الزيادة ومن عليه الحقُّ عن النقص، لأنَّ الوزن الحقَّ ينافي الزيادة والنقص، ولو كان من عليه الحقُّ مأمورًا بالزيادة، ومن له مأمور بالنقص من حقِّه تبرُّعًا ومسامحة. وسمَّى بعضهم زيادة من له الحقُّ في الوزن ممـَّن له الحقُّ ربًا، أمـَّا إذا اتـَّحد الجنس فالربا ظاهر في الزيادة، إلاَّ على مذهب من يقول:

 

إنـَّما الربا في النسيـَّة، وأنت خبير بأنَّ الأصل في اللفظ الثاني الموافق للأوَّل أن يكون بمعنى الأوَّل إلاَّ لدليل صارف عن ذلك، فالميزان الثاني بمعنى الأوَّل إن كان الأوَّل من معنى العدل فالثاني كذلك، أو من معنى الوزن فالثاني كذلك، أو كان آلة أو غير آلة فالثاني مثله.

 

 

{وأقيموا الوزن بالقسط} الوزن هنا مقابل الكيل، فهو الوزن بالآلة لا بمعنى العدل، وإنـَّما أفاد العدل فيه بقوله: {وأقيموا}([16]) وقوله: {بالقسط}، لكن نفس الوزن أيضًا يقتضي العدل، كما يكون بمعنى الجور، ومنه: {وأمـَّا القاسطون فكانوا لجهنـَّم حطبًا}. ومعنى الآية: قوِّموا وزنكم بالعدل، فالإقامة بمعنى التقويم، وهو إزالة العوج والفساد، أو بمعنى القيام بالشيء وترك التهاون فيه، والقسط العدل؛ وقيل: أقيموا لسان الميزان بالعدل،

 

 والمعاني متداخلة، فإنَّ تقويم الوزن يتحقَّق بإقامة لسان الميزان، وإقامة اللسان تقويم للوزن، إلاَّ أنَّ تفسير الإقامة بالتقويم أعمُّ وأشمل، لأنـَّه يصرِّح بتقويم الكفَّتين، والعمود والخيوط أيضا، وأعني بالخيوط العلاقات؛ وقيل: الإقامة باليد والقسط بالقلب، ثمَّ إنَّ قوله: {وأقيموا الوزنَ بالقسط} يدلُّ على أنَّ المراد بقوله: {لا تطغوا في الميزان} أن لا تطغوا في الوزن [15] فإنَّ قوله: {وأقيموا الوزنَ بالقسطِ} كالبيان له.

 

{ولا تخسروا الميزان} الوزن بالآلة، فهو مصدر كالميعاد بمعنى الوعد، أو هو آلة الوزن، فهو اسم آلة، ومعنى خسر الوزن إيقاع النقص في وزنهم، ومعنى خسر آلة الوزن عدم إقامتها؛ ويجوز أن يكون بمعنى المال الموزون، فهو مصدر بمعنى مفعول؛ أو من باب تسمية الموزون باسم آلة الوزن مجازًا لعلاقة اشتقاق، فإنَّ كلاًّ من لفظ موزون واسم آلة الوزن مشتقٌّ من لفظ الوزن، أو لعلاقة الحلول، أو الجوار، فإنَّ ما يوزن يكون في الميزان؛ وقيل: كونه فيه قد كان عنده أمر الله جلَّ وعلا بالتسوية أوَّلاً؛ ونهى عن الطغيان الذي هو اعتدل([17]) وزيادة ثانيا، وعن الخسران الذي هو نقصان ثالثا. وكرَّر لفظ الميزان تشديدًا للتوصية، وتاكيدًا للأمر باستعماله، والحثّ عليه، سواء جعلنا الكلَّ بمعنى آلة الوزن،

 

 أو بمعنى الوزن، أو الأوَّلين على الوجهين، والثالث بمعنى الموزون، أو الأوَّل بمعنى العدل، أو الثاني، لأنَّ ذلك كلَّه لا يخرج عن معنى الوزن والتحقيق، وذلك كما أنَّ القرآن يُستعمل بالمعنى المصدريِّ كقوله تعالى: {فاتـَّبعْ قرآنَه} أي قراءته، وبمعنى اسم مفعول كما هو وجه في قوله تعالى: {إنَّ علينا جمعَه وقرآنَه}، أي مقروءه، وبمعنى ما كتب فيه القرآن قيل: كقوله تعالى: {ولو أنَّ قرآنًا سيـِّرت به الجبال}. ثمَّ إنَّ بين القرآن والميزان مناسبة قويـَّة، فإنَّ القرآن ميزان في الدين والدنيا، والأحكام بين الخلق ومهيمنًا على غيره من الكتب، وفيه ما لا يوجد في غيره من الكتب من أنواع العلم. والميزان مرصاد للتسوية في الموزون، وفيه من العدل ما لا يوجد في غيره من الآلات. وقرئ: «ولا تُـَخسروا» بضمِّ السين وبفتحها، والكلُّ متعدٍّ، وقيل في المفتوح: إنـَّه لازم يقدَّر حرف الجرِّ معه، أي «ولا تَخسروا في الميزان»، وماضي المكسور والمضموم مفتوح، وماضي المفتوح مكسور.

 

{والأرض وضعها للأنام} ...([18]) ودحاها لكلِّ ذي روح، وقيل: الأنام ما على الأرض من دابـَّة، وقيل: الإنس والجنُّ، وقيل: الإنس، وعليه فغيره من الجنِّ والدوابِّ تبع لهم؛ وخصَّ الإنسان على هذا لأنـَّه أكثر انتفاعًا بالأرض، وأظهر، فإنـَّه ينتفع بها، وبما عليها، وبما فيها، وقيل: الأنام الخلق، لكن يختصُّ الخلق هنا بالإنسان، أو بالثقلين، [16] أو بكلِّ ذي روح، والنصب على الاشتغال كما في قوله: {والسماء وضعها}، والاشتغال من باب التأكيد، فإنَّ التقدير: ووضع الأرض وضعها، ورفع السماء رفعها، وذكر الله جلَّ وعلا ما كان شديد الاختصاص بالإنسان بالفعل إذ قال: {علَّم القرآن خلق الإنسان علَّمه البيان}.

 

 وقال: {وضع الميزان} وما كان دون ذلك ذكر بفعل مقدَّر وهو قوله: {والسماء رفعها}، وقوله: {والأرض وضعها}، وما كان ذلك بالجملة الاسميـَّة، إذ قال: {والشمس والقمر} وقال: {والنجم والشجر}.

 

{فيها فاكهة} الجملة حال من الأرض مقدَّرة، أو من ضميرها في «وضعها» أو الحال فيها، وفاكهة فاعل فيها، وهو أولى فيها، قيل: أو ذلك جملة مستأنفة، وعلى كلِّ حال أفاد بقوله: {فيها فاكهة...} إلى قوله: {...والريحان} تقرير كون الأرض موضوعة لمنافع الأنام، وتفصيل المنافع العائدة إلى البشر، وفي قوله: {فاكهة} إشارة إلى الشجر وغيره.

 

{والحبُّ ذو العصف} مختصٌّ بالشجر، والنخل شجر لا غيره؛ وقيل: الفا...([19]) فاكهة الشجر، فهي مع قوله: {والنخل} عائدة إلى الشجر {والحبُّ ذو العصف} نبات ليس شجرًا في عرف الناس، ونكَّر «فاكهةٌ» للتكثير والتعظيم، إشارة إلى أنـَّها خارجة عن أن يعرف كنهها فضلا عن أن تصوَّر بصورة التعريف، وصرَّح بالتكثير في قوله تعالى: {يدعون فيها بفاكهة كثيرة} وقوله تعالى: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة}، أو نكَّرها للتنويع، ومنها ما لا يعظم نفعه كالخوخ والإجَّاص، فهي كثيرة الأنواع موصوفة بعظم النعمة في بعض الأنواع، وفي الجملة لا في كلِّ فرد، فناسب التنكير بخلاف النخل فعظيمة فردًا ونوعًا فعرَّفها لذلك، ولكونها محتاجًا إليها في كلِّ وقت عند أهلها لأنـَّها تثمر القوت .

 

 وهي أشدُّ معرفة بخلاف الفاكهة ففي أزمان دون أزمان، ولأشخاص دون آخرين، فناسب تنكيرها لذلك، ولكون بعض الناس يحتاج إلى نوع، وبعض إلى نوع، فليست كلُّها معتادة عندهم، بخلاف النخل والحبِّ في ذلك كلِّه كالنخل، فعرِّف وهو كالبرِّ والشعير، وذكره بذلك الترتيب على الترقِّي، فإنَّ الفاكهة دون النخل فإنـَّها لتطييب النفس لا للقوت، ولو كان قد يقتات بها الجائع إذا لم [17] يجد قوتًا معتادًا، والنخل تمرها يعتاد في أهله، وهو مختصٌّ بالبلاد الحارَّة، وهو دون الحبِّ فإنـَّه في جميع البلاد ولو اختلف نوعه، وهو أتمُّ نعمة لموافقة مزاج الإنسان، فخلقه الله لسائر البلاد. وفي لفظ «فاكهة» ما يدلُّ على أنَّ الفاكهة غير ركن معتمد إذ هي لتطييب النفس، ومعناها ذات الفكاهة إذ يتفكَّه بها كلُّ أحد، فهي للنسب أو من تسمية الآلة بالفاعل كما يقال للقربة راوية، لأنـَّه يروى بها العطشان؛

 

 ويقال للبعير راحلة لأنـَّه يرحل عليه. فأصل «فاكهة» وصفٌ صار اسمًا، وذكرت بهذا الاسم لا بأسماء أشجارها لكثرة شجرها نوعًا، وكذا الحبُّ بخلاف النخل فإنـَّه ذكر ولم يذكر باسم ثمره لاتـِّحاده وكثرة فوائده ولو بدون تمره كحبال ليفه، وجميع ما يعمل من ليفه وحشبه للسقف وغيره، وجميع ما يعمل منها من الآنية والظروف، وكجمارها، وكالماء الحلو من أعلاها، وانظر ثمارها أيضا كيف تقسَّمت إلى بلح وبسر ورطب وتمر، وبعض الشجر قد كثرت أنواع فوائده كشجر اللوز لكن دون منافع النخل، فإنَّ النخل أتمُّ نعمة، ومن ذلك تنوُّع أحوال ثمرها إلى تمر وبسر ورطب وبلح، كأنـَّها ثمرات مختلفة

 

 وهي في أزمنة، ويتَّخذ منها الخلُّ والنبيذ، وحرِّم المسكر والمفتر، ويخزن تمرها لعام وعامين فصاعدًا إذا كان قويـًّا، وأمـَّا الشجر ففوائده في ثماره جلَّى، وغالبًا. {والنخل ذات الأكمام} أشار إلى أنَّ من الشجر ما له أكمام، وأنَّ الشجر المثمر أفضل الشجر منه ما له كمٌّ وما لا كمَّ له، والكِمُّ ــ بكسر الكاف ــ وعاء الطلع ينشقُّ فيخرج منه الطلع، والجمع أكمام، ويجوز أن يكون أكمام جمع كُمٍّ بالضمِّ، وهو كلُّ ما يغطِّي غيره كوعاء الطلع وليف النخل وكربها، وما يلبس نواها، إلاَّ أنـَّه لا ينتفع بلباس نواها لكنـَّه في نفسه حكمة نفعها في الثمرة فكثرت منافعها بكمِّها أيضًا بضمِّ الكاف وعضمت [كذا] بكِمِّها ــ بكسر الكاف ــ إذ كان يجمع الثمار الكبيرة في قنو واحد مثل عنقود العنب،

 

 ولو تفرَّقت تمراتها، ولم تكن كعنقود العنب لصعب جمعها فيعجز عنه أو يتدارك بشدَّة إذ لا يمكن جمعه بالهزِّ لعظم النخلة وشدَّتها [18] إذ لم يكن كالشجر الذي يُهزُّ فيسقط ثمره، فكون ثماره في أكمام من جملة النعم، فذكر بلفظ النعمة وهو الكمُّ والحبُّ والبرُّ والشعير والدرة والسلت وغيرهنَّ مِمـَّا يقتات أو يصبغ به، أعني: يغمس فيه، أو يقرن به تأدُّما، والمعظم منه بحيث ينتهي إليه في الترقِّي من الفاكهة والتمر هو ما يقتات به منه. {ذو العصف} هو ورق ما له حبٌّ مأكول كما وصف بصحبته الحبُّ كورق البرِّ والشعير وغيرهما، وقيل: التبن، وقيل: أوراق النبات الذي له ساق الخارجة من جوانب الساق كأوراق السنبلة من أعلاها إلى أسفلها، والمراد في الآية خصوص ورق ما له حبٌّ مأكول، لأنَّ الكلام في الآية سيق لذلك، ولو فسِّر بأعمَّ، لأنـَّه تفسير بحسب الوضع اللغويِّ لا بخصوص مراد الآية؛ وفائدة ذكر العصف أنـَّه مأكول لدوابـِّنا.

 

{والريحان} ما يلتذُّ بشمِّه، وقيل: الريحان المعروف المسمَّى بالكمام، حبُّه دواء ينفع في الأدوية، والعطف على فاكهة؛ وقيل: الزهر منه هو الريحان، والعصف هو ورقه، وحبُّه هو ثمره؛ فقوله: {والحبُّ ذو العصف والريحان} كلُّه فيه، وهو تفسير ضعيف، وحاصله علف الدوابِّ ودواء الإنسان، وعلى هذا الوجه يتعيـَّن عطف الريحان على الحبِّ، أي والريحان الذي مع هذا الحبِّ؛ وقيل: الريحان الورق الذي لا يسمَّى عصفًا،

 

 والعطف على «فاكهة»، وحاصل ذلك أنـَّه علف دوابـِّنا، أو دواء، أو علف للقلب، فإنَّ الرائحة الطيـِّبة غذاء([20]) للقلب؛ وقيل: الريحان: الرزق المأكول، وعليه فالعطف على «ذو العصف» عطفًا تشبيها بعطف صفة على أخرى لموصوف واحد، كأنـَّه قيل: والحبُّ الذي هو ذو عصف، وهو أيضا ريحان، أي الحبُّ الجامع بين كونه ذا عصف وكونه ريحانا، أي رزقًا، كقولك: جاء زيد العاقل والعالم، أي الجامع بين العقل والعلم، ويجوز أن يقدَّر: «وذو الريحان» عطفًا على «ذو العصف» بتقدير مضاف، أي: «والحبُّ الذي هو صاحب العصف وصاحب الريحان» أي الريحة [كذا] الطيـِّبة أو المطعم،...([21]).

 

 «والحبَّ ذا العصف والريحان» بنصب الحبِّ، وذا والريحان، وعطف الريحان على الحبِّ، أو على «ذا العصف» ونصب الحبِّ بمحذوف، أي وخلق الحبَّ ذا العصف والريحان، أو أخصُّ الحبَّ ذا العصف والريحان، ويجوز أن [19] يقدَّر: «وذا الريحان» ويدلُّ على العطف في الرفع والنصب على «ذو العصف»، أو «ذا العصف» قراءة بعض «والريحانِ» بالجرِّ عطفًا على العصفِ. وأصل الريحان الروحان، قلبت الواو ياء، فرقًا بين الريحان بمعنى المشموم، أو الرزق، أو الريحان المعروف، أو الورق، والروحان بمعنى ما له روح، أو قلبت ياءً للتخفيف، أو أصله الريـَّحان بتشديد الياء مفتوحة فيعلان، من الروح قلبت الواو ياء وأدغمت، ثمَّ خفّف بحذف الياء الزائدة والراء في جميع ذلك مفتوح.

 

 {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بإثبات ألف التثنية، وفي نسخة شاذَّة([22]) حذفها في الخطِّ على القاعدة، وكذا في سائر السورة، والخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: {للأنام} وبقوله: {سنفرغ لكم أيـُّها الثقلان}، وقوله: {يامعشر الجنِّ والإنس}، وقوله: {يرسل عليكما}، وقوله: {فلا تنتصران}؛ وقد مرَّ أنَّ الأنام الإنس والجنُّ، وقد ذكر بعد أنَّ الإنسان من صلصال والجانَّ من نار، فخاطب ذرِّيتهما، وأنت خبير أيضا بأنَّ الخطاب والتكلُّم صحيحان بلا تقدُّم مرجع، ويقال لضميرهما ضمير الحضور، بخلاف ضمير الغائب فيشرط له تقدُّم المرجع، وقد تغني دلالة([23])

 

 الحال أو السياق فيصحُّ خطاب الثقلين ولو لم يذكر لهما لفظ، تقول: قم، كما تقول: يا زيد قم، بل يكفي القصد، بل ذكر مسمَّى المخاطب بلا خطاب بحرف النداء، لا يناسب الخطاب بالضمير بعد أو قبل، لأنَّ الظاهر من قبيل الغيبة، كما ذكر الأنام، وإنـَّما هو إيناس؛ أو لفْت منها إلى الخطاب حيث صحَّ الالتفات، نعم خوطب في قوله عزَّ وعلا: {أيـُّها الثقلان} وقوله: {يا معشر} مع الظاهر، ويجوز([24]) عود الخطاب للذكر والأنثى من الثقلين، ولا دليل على ذلك، ولو كان صحيحًا في المعنى، وما كلُّ ما صحَّ معنىً صحَّ التخريج عليه وإلاَّ عاد الفصيح غير فصيح، بل البليغ غير بليغ، إلاَّ أنـَّه يناسب ذكر الإنسان في قوله: {خلق الإنسان} عوده إلى الذكر والأنثى من الإنسان؛ وقيل: الخطاب للواحد مرادًا به العموم البدليُّ،

 

 وذلك الواحد هو الإنسان، أو المكلَّف من الجنِّ والإنس، أو وألف التـثـنية القائم مقام تكرير الفعل للتأكيد، أي تكذِّب تكذِّب، أي ما حملك على هذا التكذيب الذي بالغت فيه، أو بأيِّ آلاء ربـِّك تكذِّب بأيِّ آلاء ربـِّك تكذِّب، فاختصر. [20] ويجوز عود الخطاب للفرد العامِّ مرادًا به الاستغراق كالإنسان أيضا والمكلَّف، ويجوز عوده لمن يعقل،

 

 وما لا يعقل كأنـَّه قيل: لا يصحُّ لعاقل أن يكذِّب، ولا لشيء ما. ويجوز عوده إلى اللسان والقلب، لأنَّ التكذيب يكون بهما تارة، وبأحدهما فقط أخرى، بمعنى أنَّ النعم بلغت بحيث لا يكذِّبها لسان ولا جنان فضلا عن أن يستمرَّا هما أو أحدهما على التكذيب، ولا دليل لذلك؛

 

ويجوز عوده إلى المكذِّب بالرسل والدلائل السمعيـَّة من القرآن وغيره، والمكذِّب بالدلائل العقلـيَّة التي في الآفاق، فقد انتشرت وظهرت أدلَّة السمع وبراهين العقل، وبلغت رتبة لا يصحُّ معها التكذيب إلاَّ عنادًا أو إعراضًا عن النظر؛ وأشار إلى السمعيـَّة بقوله: {علَّم القرآن}، وإلى العقليـَّة بخلقِ الإنسان وتعليم البيان ورفع السماء ووضع الأرض، ويجوز عوده للمكذِّب بالفعل، والمكذِّب بالقوَّة؛ والمكذِّب بالقوَّة نوعان:

 

من آمن ويعمل عمل من لم يؤمن، ومن لم يكذِّب وسيكذب، بأن لم يخلق وسيُخلق ويكذِّب، أو خُلق وسيبلغ التكذيب، ويجوز عوده لنوعي القوَّة، ولا دليل لذلك، وإنـَّما الوجه عود الخطاب للثقلين، ولا يقوِّيه قول الجنِّ: كلَّما قرَأ عليهم {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان}: «لا بشيء من آلائك ربـَّنا نكذِّب»، لأنـَّهم داخلون في الخطاب على كلِّ وجه، لأنـَّهم قد علموا أنـَّهم داخلون في الخطاب ولو كان صريحًا في الإنسان؛ واختار بعض المحقِّقين التعميم للثقلين وغيرهما، مثل: تكذِّبان ياعاقل وغير عاقل، أو يا مكلَّف وغير مكلَّف، أو يا حيوان وغيره؛ والوجه هو الأوَّل كما مرَّ، وعليه وعلى غيره في الخلاف في تفسير الأنام يكون الخطاب لفتًا للكلام من الغيبة التي في لفظ الأنام، إذ الاسم الظاهر من قبيلها إلى الخطاب، لكن مع تصرُّف بالتقسيم إلى قسمين بضمير الخطاب، ولو قال:

 

 فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكم تُكَذِّبون بالفوقيـَّة والواو، لكان من باب الالتفات فقط، ولو قال: بالتحتيـَّة والواو لم يكن من بابه، وفائدة لفت الكلام إلى الخطاب من الغيبة أنَّ الحضور أدخل في الهيبة والتهديد والزجر والحياء، فالمخاطب كالواقف للحساب؛ يقول الله جلَّ وعلا له: أنعمتُ عليك بكذا وكذا [21] فبماذا تكذِّب من ذلك؟! فضمير الخطاب لتأكيد الإنكار عليهم وتشديد التوبيخ، ثمَّ إنـَّه لـمَّا قال أوَّلاً: {الرحمن علَّم} ولم يقل: أنا علَّمت ليذكر نفسه باسم الرحمة ــ لأنَّ السورة لها ــ كان مقتضى الظاهر أن لا يقول هنا: فبِأيِّ آلائي تُكَذِّبان، بالتكلُّم بل يجيء بالاسم الظاهر لأنَّ ما تقدَّم للغيبة، وناسب من أسماء الغيبة لفظ الربِّ لأنـَّه أنسب بالرحمة، إذ مدلوله الإنعام والتربية والإيناس لا الهيبة، وكأنـَّه قال: فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما الذي ربـَّاكما وأنعم عليكما تُكَذِّبان، بخلاف السورة قبل هذه فإنـَّها لمــَّا كانت للتهييب أسند فيها إلى ضمير المتكلِّم، وذكر ضمير المتكلِّم مثل: {كذَّبوا بآياتنا}، ومثل: {فأخذناهم} ومثل: {عذابي ونُذُري}، فإنَّ ضمير المتكلِّم في التهييب أشدُّ تخويفًا من الظاهر الدالِّ على الانتقام، وضمير مثل: كذَّبوا بآيات القادر، أو آيات المهلك، ومثل: فأخذهم العزيز الجبـَّار، ومثل: كيف كان عذاب القهَّار ونذره، ألا ترى أنَّ قولك: إن تعاصيت

 

 فأنا الذي تعرفني أو تصرفي شأني [كذا] أشدُّ من قولك: فأنا المعذِّب، ومن هذا المعنى: {ويحذِّركم الله نفسه}. ولا يخفى أنَّ في ذكر الربوبـيَّة الدالَّة على الملك والإنعام والتربية في مقام التوبيخ على تكذيب النعم تأكيد إنكار، وتشديد توبيخ، حيث أنـَّه لا يسيغ ذو عقل كفر نعم مَن شأنه المالكيـَّة الكلِّيـَّة، والتربية العامـَّة لجميع أدق [كذا] من اللحظات، فإنَّ أدنى إنعام يوجب الشكر التامَّ، فكيف يقابل غاية الإنعام بالكفران التامِّ.

 

 والاستفهام للتوبيخ. و«أيِّ» لواحد من أشياء مجموعة بأمر، والتكذيب واقع، والمراد: أيِّ إلىً من آلاه يستحقُّ أن يكذب به لا تجدان نعمة نستحقُّ([25]) أن يكذَّب بها، وقد كذَّبوا بآلائه وكفروا بها، إمـَّا بإنكارهم كونها نعمة كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينيـَّة، وإمـَّا بإنكار كونها من الله مع الاعتراف بأنـَّها نعمة كمن زعم من الكفرة أن لا قضاء ولا قدر، ومن زعم أنَّ الأرض تنبت بالطبع، والسماء تمطر به، وتوالد الأنعام كذلك [22] وكمن يزعم أنـَّه مطر بنوء كذا لا بالله جلَّ وعلا، وإمـَّا بدعوى ألوهية الأصنام وأنَّ لها مدخلا في جلب النعم ودفع المكاره، وإنـَّما الإيمان اعتقاد أنـَّها من الله محضا، وإمـَّا بعدم الشكر فإنَّ عدمه كفر بالنعم. و«الآلاء» النعم والنعمة، الواحدُ «إلىً» بكسر الهمزة وبالتنوين كـ«رِضًى»، و«ألىً» بفتحها، و«أليٌ» بفتحها وكسرها مع إسكان اللام بعده ياء، و«ألْوٌ» بفتحها وإسكان اللام بعدها واو، فذلك كلُّه مفردات جمعت على «آلاء»، قُلب الواو أو الياء من آخرها في الجميع لتطرُّفها بعد ألف زائدة، والمختوم منها بألف ردَّ إلى ياء في الجمع فقلبت همزة كذلك، وما كان بوزن «رضىً» فهو بلفظ «إِلى» الجارَّة، لا فرق إلاَّ بالتنوين. وذكر الله جلَّ وعلا قوله:

 

 {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} في هذه السورة إحدى وثلاثين مرَّة، كلُّ مرَّة لما تليه، كما يجيء الكلام في هذه السورة، وفي قوله: {ويل يومئذ للمكذِّبين} وليست مرَّة مؤكِّدة لأخرى، ولعلَّ مرَّة بعد النعم الكثيرة لبيان ما في الكلام من المعنى، وثلاثين ثلاث عشرات أضعافا للرحمة بأن قابل كلَّ مرَّة من العذاب في قوله في السورة قبل هذه: {فكيف كان عذابي ونذري} بعشر، لأنَّ الحسنة بعشر، والسيـِّئة بواحدة بعد إخراج مرَّة من العذاب والنذر، لبيان المعنى من أربع مرَّات مذكورة في السورة قبل هذه، وأيضا أبواب جهـنَّم سبعة

 

إغلاقها نعمة، وأبواب الجـنَّة ثمانية فتحها رحمة، وذلك خمس عشرة رحمة للإنس وخمس عشرة للجنِّ فذلك ثلاثون، بقيت واحدة لبيان فائدة الكلام، وفيه نظر، لأنَّ ذلك نعم الآخرة فقط، وما ذكر فيه {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} نعم الدنيا والآخرة، وأيضا ذكر سبع آيات للتخويف من قوله عزَّ وعلا: {سنفرغ..} إلى قوله: {...حميم آن}، وأبواب النار سبعة، وذكر بعد ذلك: {ولمن خاف مقام ربـِّه جنـَّتان}، ولكلِّ جـنَّة ثمانية أبواب تفتح للمتـَّقين فهنَّ ستـَّة عشر بابًا للجنـَّتين، فذلك ستَّ عشرة رحمة، وفي إغلاق أبواب النار السبعة سبع رحمات، والسبع إلى الستَّ عشرة ثلاثة وعشرون.

 

 وذكر من أوَّل السورة {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} [23] ثماني مرَّات إلى آية التخويف فالسبع منها بها تتمُّ الثلاثون للتقرير، والواحدة للبيان، وفيه نظر، لأنـَّه ليس لكلٍّ من الجنـَّتين بنصٍّ من القرآن ثمانية أبواب، بل الثمانية لمجموع الجـنَّة دار المؤمنين كلِّهم، والفاء لترتيب التوبيخ وإنكاره تعالى عليهم عدم الشكر للنعم الموجبة له إمـَّا رابطة لمحذوف، أي إذا تقرَّر ذلك {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان}، وإمـَّا لعطف الإنشاء على الإخبار.

{خلق الإنسان من صلصال كالفخَّار} هذا تمهيد للتوبيخ على ترك شكر النعمة المتعلِّقة بذات كلِّ إنسان، إذ خلق كلَّ إنسان من صلصال بخلق أبيه آدم منه، فهو في لذات [كذا] من وجود وحياة وتصرُّفات ونعم، وليس ذلك للصلصال لولا أنـَّه سبحانه وتعالى خلقه منه حيـًّا مميـِّزًا بفعل، ويجوز أن يكون قوله {وخلق الجانَّ من مَّارج من نَّارٍ} من جملة ما يوجب الشكر على الإنسان، بمعنى أنـَّه خلقكم من كثيف([26]) لا من لطيف،

 

 كما خلق الجانَّ منه، ومع خلقكم من كتيف [كذا] مكدَّر غير مضيء جعلتكم أفضل ممـَّن خلقته اللطيف المضيء فكيف تكذِّبون؟، وهذا على أنَّ الخطاب للإنس فقط، وأمـَّا على أنـَّه لهم وللجنِّ فهدا تهديد للجنِّ، ويجوز أن يكون جميع ذلك لبيان القدرة لا لبيان النعمة. والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة أي صوت إذا مسَّ أو حرِّك مع غيره من جنسه أو غير جنسه، وذلك من قولهم: صلَّ الحديد صليلاً إذا حدث منه صوت؛

 

 ويجوز أن يكون صلَّ اللحم صلولا إذا أنتن، وأصل البناء على الوجهين للمبالغة لتكرير الصاد فيه؛ أو على أنَّ الأصل: صلاَّل بتشديد اللام؛ والواو للمبالغة أبدلت صادًا، وليس من باب فعال الذي من هو([27]) الثلاثيِّ للمبالغة كضراب من باب الرباعيِّ المكرَّر فيه حرف يحصل منه ثلاثة أحرف من جنس واحد فيبدل ثانيهنَّ من جنس الفاء كوسواس وزلزال ولملم عند من يقول بذلك. والطين الحرُّ المتصوِّت بالتحريك صلصال قبل الإحراق بنار،

 

 ولا إحراق بنار هنا فيما خلق منه آدم، وإذا أحرق الطين بنار كان فخَّارًا، فشبـَّه الله جلَّ وعلا الطين [24] المخلوق منه الإنسان بالفخـَّار بجامع اليبس والصوت، ومعنى {خلق الإنسان من صلصال} تحويله من جمود الصلصال ويبسه وعدم وحسد [كذا] عقله فيه وتمييز وإدراك وتحرُّك ونتن إلى رطوبة، وثبوت عقل، وما بعد ذلك، وليس المعنى أنـَّه خلق بعض الصلصال إنسانًا وأبقى بعض الصلصال، إلاَّ على ما روي أنـَّه خلق النخل من بقـيَّة طينة [كذا] ولعلَّه موضوع. وأمـَّا سائر الحيوانات فخلق قبل آدم، وكلُّ ما خلق منه آدم يصحُّ أن يقال: خلق منه أولاده لأنـَّهم منه، فهم من ...([28]) الآباء بعد صلصال الأب الأوَّل آدم، ومن طين ومن حمإٍ مسنون، لأنَّ آدم من ذلك، فإنـَّه تراب ثمَّ طين ثمَّ حمأٌ ثمَّ لازب ثمَّ صلصال كالفخَّار، وأصل الفخَّار صفة مبالغة في الفخر كأنـَّه فخر على باقي التراب،

 

 إذ كان جامدًا وعاءً للمائع وغيره لا يتفتـَّت ولا يفسد بالماء، ولا يرجع به طينًا.

 

{وخلق الجانَّ من مارج من نار} تمهيد للتوبيخ على ترك الجنِّ شكر النعمة المتعلِّقة بذواتهم، إذ خلق أصلهم من نار محرقة ومع ذلك لا يحرق بعضٌ بعضًا، ولا يطفأون كما ينطفئ [كذا] النار، أو من تفضيل الإنسان، بمعنى أنـِّي لم أخلقك أيـُّها الإنسان من النار، ومع ذلك فضَّلتك على من خلقت منها، أو ذلك وماضه [كذا] بيان للقدرة. والجانُّ أبو الجنِّ وأوَّلهم وهو إبليس ــ أعاذنا الله منه ومن حزبه ــ كما أنَّ آدم أبو الإنس وأوَّلهم،

 

 فكما أنَّ أبانا آدم خلق من تراب، ونحن خلقنا من صلبه كذلك إبليس خلق من نار والجنُّ منه، فيجوز أن يقال: الجنُّ خلقوا من نار بواسطة خلق أبيهم منها، كما يجوز أن يقال: خلقنا من تراب بواسطة خلق أبينا منه، بل أجاز بعض المحقِّقين أن يقال: الجانُّ هو الجنُّ، وموضوعهما واحد، وأنـَّهما وصفان في الأصل كما يقال للذي يجعل في الطعام: ملحٌ ومالـحٌ، وإذ يقال: الجنُّ الجنس، والجانُّ صفة، وفيه أنَّ لفظ مجنون لا فعل له مبنيٌّ للفاعل يبنى منه وزن فاعل، وهو جانٌّ، والأصل جنـَّه الله، أو جنـَّه الشيطان،

 

 فهو مجنون، ومعنى جنـَّه ستر عقله وغطَّى عليه، أو جنـَّه الجانُّ على أنَّ الجانَّ ليس اسم فاعل بتصرُّف بل بمعنى إبليس أو شيطان؛ ويجوز أن يكون الجانُّ للنسب [25] بمعنى صاحب الجنِّ، وهو أبوهم كما تقول: «لابِنٌ» ولا فعل للَّبن، وحاصل ذلك أنَّ الجانَّ الجنُّ أو أبو الجنِّ. ومارج مختلط من نار ودخان، أي جزء مركَّب بتاء [كذا] ودخان من جملة النار كما قال: {من نار}، فالمارج نار ودخان، كما قيل: نار مشوية بدخان، فإنَّ المرج الخلط؛ وقيل: «مارج» بمعنى لهب أم جزء صاف عن الدخان من نار، كأنـَّه قيل: من نار صافية من جملة النار، كما أنَّ آدم خلق من طين خالص حرٍّ، واختاره بعض،

 

 وفيه أنَّ الطين تراب وماء، وعلى اعتبار المناسبة فليكن المارج ما ركِّب من دخان ونار، ويبحث بأنـَّه لو كان مارج بمعنى مختلط من الدخان والنار لقال: من مارج من نار ودخان من نار، أو قال: ومارج من نار ودخان، إذ لا يحسن ذكر المختلط بلا ذكر ما اختلط منه من الأجزاء، ولا الاقتصار على بعضها، الجواب أنـَّه لا ضعف في ذكر أنَّ الشيء مركَّـبًا بلا ذكر أجزاء تركَّب منها، وإنـَّما الممنوع أن يقال: مركَّب بكذا، أو يذكر بعض ما تركَّب به فقط، كما لا تقول: مداد مركَّب من زاج، بل قد يقال: على تقدير الباقي، وليس قوله تعالى: {من نار} ذكرًا لأحد الجزأين المركَّب بهما،

 

بل بيان لكون الجزأين من النار، وأيضا قد يقال: «مارج» خارج عن أصله وهو الوصفيـَّة فكان اسمًا لمجموع دخان ونار، فهو كمداد اسم لما ركِّب به من مجموع أجزاء. و«مِن» للتبعيض، فإنَّ الدخان بعض من نار، أو كبعض كبعض [كذا] بل نار ضعيفة، كما أنَّ تلك النار المخلوق منها بعض من جملة النار، وذلك أولى من أن يقال:

 

 للبيان، بأن يكون المعنى: {من مارج} هو نار مارجة، وإذا قيل: مارج بمعنى لهب صاف، أو جزء صاف فهي للبيان، ويجوز كونها للتبعيض، ووجه كون مارج بمعنى صاف أنَّ المراد نار لم يتخلَّلها دخان، بل نار خالصة متداخلة، إنـَّما يلي كلُّ جزء منها جزءًا آخر منها لا جزءً من دخان، فهي ممتزجة مختلط بعضها ببعض، فلم يخرج لفظ المرج عن الاختلاط، وعلى الوجوه كلِّها هو من «مرِجَ» المكسور اللازم، كقولك: «مرجت عهودهم»: اختلطت واضطربت، لا مِن المتعدِّي المفتوح كقوله:

 

 {مرَجَ البحرين}. وأمـَّا إذا فسَّرنا مرجًا بمضطرب [26] فلأدلـَّة له على أنـَّه صاف خالص إلاَّ بتلويح إلى أنـَّها مضطربة لقوَّتها، ومن شأن القويَّة أن لا دخان لها، قيل: وهذه نعمة ثامنة قرنت بواو الثمانية، وقد ذكرنا هذا في غير هذا المحلِّ وأنـَّه قول ضعيف. قيل: ذكر ثمانية أشياء لتخريج الأشياء عن العدد الكثير الذي هو أصل العدد، فيدلُّ على أنـَّها لا تحصى نعمه، وقدرته.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي أفاض عليكما التي منها خلقكما من الصلصال والمارج، أو بأيِّ نعمة من النعم التي في وسط خلقكما من ذلك فإنَّ الجنين من الجنِّ والإنس في نعم من الله قبل أن يتمَّ ويولد، كما يعدُّ ولادته، فإنَّ تنقُّله في أطوار النطفة والعلقة وما بعدهما نعم مع تغذيته([29]) في البطن وتوسيع محلِّه له، وتهنئته فيه.

 

 

{ربُّ المشرقين} مشرق الشمس في جميع العام، ومشرق القمر في الشهر كلِّه ثلاثين أو تسعة وعشرين، على أنَّ الشروق مطلق الطلوع ولو بلا ضوء ليشمل طلوع القمر في النهار لا ضوء له، لا على اعتبار شروقه، ولو إلى جهة السماء دون الأرض كما قيل، لأنـَّه لا يضيء إلى السماء نهارًا لأنَّ الشمس تغلب عليه؛ بل قد يقال: المراد مشارقه ليلاً([30])

 

 وهي المواضع التي يطلع منها مضيئًا ليلاً(30) فلا يعمُّ مطالعه كلَّها لأنـَّه لا شروق له من مطلعه ليلاً أوائل الشهر ولا آخره من ليالي الصحاق فما ذكرته أوَّلاً من أنَّ المراد المشرق المطلع مطلقا ولو بلا ضوء أولى، ويدلُّ له مقابلة المشرقينِ بالمغربين فإنـَّه لا ضوء في وضع لفظ المغرب.

 

{وربُّ المغربين} مغرب الشمس في جميع العام، ومغرب القمر في شهره كلِّه ثلاثين أو تسعة وعشرين، ويدلُّ لذلك أنـَّه قد جرى ذكر الشمس والقمر فناسب ذكر مغاربهما ومشارقهما، كما أنـَّه لمــَّا ذكر خلق الإنسان وتعليمه البيان ذكر أنـَّه مخلوق من صلصال، وأنت خبير [أنَّ] «الـ» في «المشرقين» و«المغربين» للاستغراق، فإنَّ المراد مشارق الشمس كلُّها ومغاربها كلُّها، ومشارق القمر كلُّها ومغاربها([31]) كلُّها، ويجوز أن يراد بالمشرقين:

 

 مشرق الشمس شتاء ومشرقها صيفًا، ومغربها كذلك، أو مشرقها من البروج الجنوبيـَّة ومشرقها [27] من البروج الشمالية، ومغربها كذلك، و«الـ» للاستغراق كذلك، ويجوز ــ قيل ــ أن يراد مشرقها في الجدي يوم غاية هبوطها، ومشرقها في السرطان يوم غاية ارتفاعها، ومغربها كذلك، فيتناول الكلام سائر المشارق والمغارب بذكر الطرفين، وهذا كما قال: {ربُّ المشرقين وربُّ المغربين}، والمراد([32]) ربُّ ما بينهما أيضا، بل تمثيل لملكه كلَّ شيء حـتَّى إنـَّه يدخل في ذلك ما لا يصحُّ فيه مطلع أومغرب، كما تقول:

 

«فلان يذكر الله غدوًّا وعشيًّا»، وتريد في كلِّ اليوم، وتقول: «فلان يملك المشرق والمغرب» وتريد أنَّ له ما بينهما، لكن لا دليل لهذا في الآية، وإنـَّما يحسن حمل الآية عليه لو كان لمطلعها ومغربها في غاية الهبوط وغاية الارتفاع عهد ذكريٌّ، أو عهد في أذهان الخلق ينصرفانِ إليه عند الإطلاق؛

 

 ويجوز ــ قيل ـ أن يراد مشرق الشمس ومشرق غيرها ومغربها ومغرب غيرها، لأنَّ كلَّ شيء ينحصر في نوعين لا يخلو عنهما، وفيه أنـَّه تكلُّف لا دليل عليه؛ ويجوز ــ قيل ــ أن يراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومشرق غيرهما مِمـَّا يفرضه العاقل، ومغرب الشمس ومغرب القمر ومغرب غيرهما، وفيه أنـَّه تكلُّف بحمل التثنية على الجمع، ولا دليل عليه، وإنـَّما يحسن ذلك إذا أريد شيئان فقط، كلُّ شيء مشتمل على أفراد أو أحدهما مشتمل عليها، نحو: السماوات والأرض ومابينهما.

 

 وقوله: {رَبُّ الـمَشْرِقَينِ} خبر لمحذوف أي الذي فعل تلك الأفاعيل البديعة، أو هو {رَبُّ الـمَشْرِقَينِ ورَبُّ الـمَغْرِبَينِ} وقيل: «ربُّ المشرقين» مبتدأ خبره {مَرَجَ البحرين}، والجملة معترضة كما اعترض بها بين {مدهآمـَّتان} ومنعوته، وقرئ بجرِّهما على الإبدال من «ربـِّكما». {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة التي منها النعم المترتِّبة على تعدُّد المشارق والمغارب من اعتدال الهواء في أوان اعتداله، وشدَّة البرد والحرِّ في أوانهما، وحدوث ما يناسب كلَّ فصل في وقته إلى غير ذلك؛

 

 ولا يظهر أنَّ مطلع الشمس أو مغربها يزيد الحرُّ أو البرد به أو يحصل به الاعتدال، وإنـَّما يحصل ذلك عنده لا به، وإنـَّما ذلك بكون وجه الشمس في الشتاء مائلا إلى [28] السماء فيحصل البرد، وفي الصيف إلى الأرض، والزيادة والنقص بزيادة الميل أو نقصه، أو ذلك بإرسال الله البرد في وقته والحرِّ في وقته، مع إبقاء وجه الشمس كما هو بلا إمالة،

 

 أو خلق الله الهواء على حرٍّ أو برد، فيزيله بإرسال الآخر، ويرجعه بإذهاب ذلك الآخر، كما خلق الدنيا مظلمة ويزيل ظلمتها بإطلاع الشمس والقمر، ويردُّها بإذهابهما، مع بقاء الضوء الحادث عليها أيضا بالكواكب.

 

 

{مرج البحرين} بحر فارس وبحر الروم، ومرجهما إرسالهما، يقال: مرج دابـَّته إذا أرسلها.

 

{يلتقيان} في البحر المحيط، لأنـَّهما خليجان منه، ومعنى التقائهما فيه اتـِّصال كلٍّ منهما به، ولو اختلف محلُّهما به، كما تقول: يلتقي الأخوان في أبيهما ولو طالت المدَّة بين ولادتيهما.

 

{بينهما برزخ} حاجز من قدرة الله، فقد يكون أحدهما أعلى من الآخر ولا يفيض عليه، كما قيل: إنَّ الماء في البحر الواحد منخفض مرتفع مع اتـِّصاله؛ أو حاجز من الأرض.

 

{لا يبغيان} أي لا يطغى أحدهما على الآخر بالانصباب فيه وإفساد ما فيه، مِمـَّا لا يليق به مثل لؤلؤ أحدهما ومرجانه وعنبره، لأنَّ الله منعه بقدرته أو بالأرض، أو لا يبغيان على الأرض بإغراقها، لأنَّ الله جلَّ وعلا منعهما بقدرته، أو بخلق الأرض مرتفعة عنهما. ولا مفعول لـ«يبغيان» لأنَّ معنى بغيهما طغيان أحدهما على الآخر؛

 

 و«طغى» لازم، ويجوز أن يكون «يبغيان» بمعنى يطلبان، فله مفعول محذوف، أي لا يطلبان الأرض بالإعراق([33])، ولا يبغيان أنفسهما أي لا يطلب أحدهما نفس الآخر بالانصباب فيه، وإفساد خاصِّيته، أو لا يبغيان شيئًا، أو لا يبغيان الحركة عن موضعهما والسكون في موضع آخر؛ أو لا يقدَّر له مفعول بل يتنزَّل منزلة اللازم، بمعنى لا طلب لهما. وقيل: البحران البحر المالح والبحر العذيب [كذا]، واختاره بعض المحقِّقين،

 

 وفي هذا القول نظر، لأنـَّه لا يوجد بحر عذب، والبحار كلُّها مالحة؛ وإن قيل: أريد بالبحر العذب بحر النيل، وسيحون وجيحون والفرات فليس قولا متبادرًا، وعلى كلِّ حال إذا أريد العذب والمالح فأين يلتقيان؟! فإنـَّه لم نر ولم نسمع التقاءهما؛

 

 وإن قيل: [29] المراد انصباب بحر النيل في بحر فارس أو الخليج من بحر النيل في بحر الإسكندريـَّة، وباقي تلك البحار العذبة في أمالح، فليس قولا متبادر([34]). ثمَّ إنـَّه ينافي ذلك قوله: {بينهما برزخ لا يبغيان}، فإنَّ الانصباب ينافي البرزخ، إلاَّ أن يقال: بينهما برزخ مانع من أن يُفيضَ كلٌّ منهما جميعه في الآخر، إلاَّ أنَّ الظاهر أنَّ العذب ولو أفيض كلُّه في المالح لا يؤثِّر فيه، ولو فرضنا أنـَّه يغيـِّر ملوحته لكان إفسادًا به في خاصِّـيـَّته فينتن بطول المكث لو زالت ملوحته. ووجه إرادة الأربعة كلِّها: النيل وما معها بالبحر الواحد أنهنَّ جنس واحد بالحلاوة، كما أنَّ العالم بحار كأنهنَّ بحر واحد بالملوحة، ثمَّ إنَّ الماء العذب نفع لحيوان البحر وما شاء الله فيه، فليس بـبغي([35]).

 

 على المالح بإفساد ملوحته، ولا ملوحة المالح تفسد عذوبته كما ينتفع به، ولا عذوبة العذب تفسد مرجان المالح ولؤلؤه. ثمَّ إنـَّه يجوز أن يكون معنى «يلتقيان» يشرفان على الالتقاء، ويصلحان له إلاَّ أنَّ الله منعهما، ويجوز أن يكون معنى {مرج البحرين يلتقيان} أرسلهما بحيث يلتقيان بالطبع الذي خلقه للماء من السيلان ومنعهما الله بقدرته؛ ويجوز أن يكون المعنى: من شأنهما الاختلاط والالتقاء، ولكن منعهما. والجمل الثلاث أحوال من البحرين، سواء قلنا: يلتقيان ويختلطان بالإمكان والصلوح كما هنا، أو بالفعل كما قلنا أوَّلاً، وذلك كلُّه إظهار للقدرة، وإلاَّ عدم بغيهما على الأرض بالإغراق، أو بعض على بعض بإفساد الخاصِّـيَّة، فإظهار قدرة وإظهار نعمة، وكذا عدم طلبهما الحركة عن موضعهما، وذلك نعمة لسكنى الأرض والتصرُّف فيها بالمشي والحرث والغرس.

 

 وذكر الحكماء كلُّهم أنَّ الماء له حيِّـز واحد بعضه ينجدب [كذا] إلى بعض كأجزاء الزئبق، وذلك بقدرة الله عند الحكماء الإلهيـِّـين، وبمجرَّد الطبع عند الطبعيـِّين الملحدين، وهو خطأ، وضلال مبين فمعنى «يلتقيان» من شأنهما أن يكون مكانهما واحدًا، ثمَّ إنـَّهما بقيا في مكانين متغايرين بحاجز معقول، أو محسٍّ بقدرته تعالى، فالماء في المكان [30] المستوي ينحدر إلى جهة واحدة، وإنـَّما ينحدر إلى جهات للحجز بعدم الاستواء، وزعموا أنَّ موضع الأرض ــ أعني الهواء الذي شغلته بالكون فيه ــ من طبعه أن يكون في المركز ويحيط الماء به فيقال لهم: فلمَ ظهرت الأرض ولم يعلُها الماء وتنزله تنزل فيه [كذا] فيقولون:

 

لانجداب([36]) البحار إلى بعض جوانبها، فمن راعى العقل منهم واستعمله يقول: ذلك الانجداب بقدرة الله، ومن ألحدَ قال: الانجداب بالكواكب وأوضاعها واختلاف مقابلاتها، فيقال له: لم اختلفت الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض المواضع دون بعض؟ فيبهت وينقطع. وقيل: البحران: بحر السماء الذي تجري الشمس، أو بحر دون سماء الدنيا، أو بحر يجري فيه القمر والشمس على أنـَّهما في سطح واحد وبحر الأرض وهو المحيط، فمن شأن السماويِّ أن ينزل ويلتقي بالأرض، ويغرق الأرض، ومن شأن الأرض([37]).

 

 أن يفيض على الأرض ويلتقي بالسماويِّ بنزول السماويِّ عليه فمنعهما الله من ذلك كلِّه بقدرته أو حاجز؛ ومرجهما أرسلهما ومنعهما؛ وكذلك قيل: البحران النوعان فدخل فيهما بحر السماء وبحر الأرض والبحر العذب والبحر المالح، وقد يقال: البحران الماء العذب من بحار وعيون ومطر، والماء المالح من كلِّ بحر مالح لا يفسد العذب مرجان المالح ولؤلؤه، ولا الصالح عذوبة العذب عمـَّا ينتفع به. وما قيل: إنَّ معنى «يلتقيان» يتجاوران ويتامس([38]) .

 

سطوحهما، لا فصل بينهما في مرأى العين تسفير([39]) بما لم نشاهده ولم يخبرنا به مشاهد. وإن أراد بحر النيل إذ شقَّ البحر الأسود المحيط، ولم يغيـِّره المحيط بالملوحة، ولم يغيـِّر المحيط بالحلاوة وهو ظاهر إن صحَّ ما روي في ذلك عن عيص بن إسحاق من أنـَّه اتـَّبع النيل فوجده شقَّ بحرًا أسود يجري فيه كسبيكة الفضَّة.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها منع البحرين عن أن يغرقا الأرض ولا يرجعا، أو أن يفيض الماء فيها ويرجعا، أو أن يمنع أحدهما خاصِّـيـَّة الآخر.

 

{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} بالبناء للمفعول من الإخراج، ورفع اللؤلؤ والمرجان أي يخرجهما الله من البحرين، [31] أو يخرجهما الناس، وبالبناء للفاعل من الخروج ورفعهما، ويَخرج بالبناء للفاعل من الإخراج ونصبهما أي يخرجهما الله من البحرين، ونُخرج بالنون وبالبناء للفاعل من الإخراج ونصبهما، وهاتان القراءتان دالَّتان على أنَّ الفاعل النائب عنه المفعول في القراءة الأولى ضمير عائد إلى الله. واللؤلؤ الدرُّ الأبيض،

 

 والمرجان الحجر الأحمر النابت في البحر كشجرة التين، وإنـَّما تشتدُّ حمرته بعد إخراجه وبالصنع، وقيل: اللؤلؤ كبار الدرِّ والمرجان صغاره، والإسناد في القراءات حقيقة إلاَّ في الثانية فمجاز، لأنَّ اللؤلؤ والمرجان ليسا خارجين بأنفسهما، فالإسناد إليهما من الإسناد إلى المعمول أو المجاور، والأصل: يُخرج بهما الناس أو الغوَّاص، فالإسناد عقليٌّ، ويجوز أن يكون حقيقـيًّا على أن يكون «يخرُج» بضمِّ الراء بمعنى يظهر، فيكون يخرج مجازًا لغويـًّا في معنى يظهر، فإنَّ الشيء إذا انكشف صحَّ عليه أنـَّه طهر([40]) .

 

ولو لم يكن له عمل في الظهور، وذكر يخرج بدل يظهر. والهاء في «منهما» للبحرين، وهما العذب والمالح، والمشاهد أنـَّه إنـَّما يخرج اللؤلؤ والمرجان إذ هما من أحدهما ولا بدَّ، وهو المالح، فقوله: {منهما} كلٍّ لا كلِّـيـَّة، ومجموع لا جميع، كما نقول: الخياطة في بني فلان، وإنـَّما هي في بعضهم، ولا بدَّ لنحو ذلك من مسوِّغ، والمسوِّع هنا التقاء البحرين على ما مرَّ من تفاسيره، فكأنـَّهما واحد، أو أنَّ اللؤلؤ والمرجان من ملتقاهما يدخلان المالح بعد على أنـَّهما الدرُّ الكبير والصغير؛ ويجوز تقدير مضاف، أي يخرج من أحدهما.

 

 أو يخرج من مالحهما، وقيل: إنَّ اللؤلؤ والمرجان كبار الدرِّ وصغاره، وليس منهما ذلك الحجر الأحمر كما مرَّ، وأنـَّهما جميعًا في ملتقى البحر العذب والبحر المالح ثمَّ يدخل صدفهما في المالح عند انعقاد الدرِّ فيه طلبا للملوحة، كالحامل المشتهية لشيء فيثقل هنالك فلا يمكنه الدخول في العذب، فإنـَّه يكون أوَّلاً حيوانًا ثمَّ نباتًا ثمَّ صدفًا مع ما في بطنه من اللؤلؤ، وهذا على أنَّ المراد بأحد البحرين الماء العذب من البحار العذبة [32] المنصبـَّة في البحر المالح والعيون العذبة المنصبـَّة فيه، أو ماء المطر، أو ماء النيسان [كذا] خصوصًا.

 

 وبالآخر الماء المالح من كلِّ بحر مالح، وإِلاَّ فنقول لمن يفسّر الآية بغير ذلك: أين البحر الماكث الملتقي مع المالح، والحكم في هذا الوجه أَيضـًا حكم على المجموع، أو يقدَّر من أحدهما، أو من مالحهما، لأنَّ الإخراج أو الخروج إنـَّما هو من المالح، وإن فسَّرنا الخروج أو الإخراج منهما بالتولُّد أو التوليد المظلق([41])، كان الحكم على الجميع فقوله: «منهما» كلِّـيـَّة، لا كلٌّ وجميع لا مجموع، فإنَّ الله جلَّ وعلا خلقها([42]) وأخرجهما من العذب والمالح، إلاَّ أنـَّهما تولَّدا من ملتقاهما؛ والخروج والإخراج صحيحان، فإنـَّهما خرجا بالأصالة من ملتقاهما إلى المالح ومن المالح إلى خارج البحر وتولَّدا أوَّلاً بالأصالة من الملتقى.

 

 وثانيا بالتمام من المالح، وأيضًا ملتقاهما هو البحران إذ فيه بعض المالح، وبعض العذب، وذلك في خروجهما من الملتقى، وفي إخراج الله وفي خروجهما بمعنى ظهورهما، وأمـَّا إخراج الغوَّاص فمن المالح، وإن اعتبرنا كونهما لا يكونان إلاَّ بالماء العذب، وفسـَّرنا الخروج بالتولُّد والإخراج بتوليد الله عزَّ وجلَّ انعكس الأمر الأوَّل، واختصَّ الخروج أو الإخراج بالعذب، ثمَّ إنـَّه لا مانع من أنَّ اللؤلؤ والمرجان بأيِّ تفسير فسِّرا لا مانع من أن يكونا جميعًا في البحر المالح، ويكونا جميعًا في البحر العذب مثل النيل.

 

إذ لا يلزم من...([43]) الغوَّاص إنـَّما يأتي بهما من المالح أن لا يكونا أيضا في العذب وخفيا على الناس، إلاَّ أنَّ الله جلَّ وعلا قال: {يخرج}، والخروج والإخراج لم يقعا إلاَّ من مالح، فلا يصحُّ أن يكون معنى الآية: يخرج من العذب، ويخرج من المالح، ولست أريد بالحكم على المجموع أو الجميع مجرَّد قوله عزَّ وعلا: {منهما} بأنـَّه ليس قضيـَّة، وإنـَّما القضيـَّة يخرج، فالمراد حكمها. واللؤلؤ والمرجان نعمتان من الله جلَّ وعلا يتزيـَّن بهما النساء، وتزيـَّن بهما الدوابُّ والأمتعة والرجال، وفي تزيين النساء بهما تلذُّذ للرجال، ولهنَّ في أنفسهنَّ، وفي تزيين الرجال بهما تلذُّذ للنساء. {وتستخرجون حلية تلبسونها}.

 

 وفيهما نعمة التجر بهما، فذكر الله جلَّ وعزَّ النعمة الضروريـَّة الدنيويـَّة، وهي لا لأرض بل الجسم الذي يستقرُّ عليه الإنسان أرضًا أو غيره، ولو لم يكن إلاَّ أرضًا أو ما يبنى عليها، أو يركب، أو سفنًا، وكالرزق الذي به البقاء والنعمة المحتاج إليها غير الضروريـَّة كالحبوب والشمس والقمر، والنعمة التفكُّهية كأنواع الفواكه المستغنى عنها، والبحار والنعمة الزينيـَّة كاللؤلؤ والمرجان وهنَّ كلُّهنَّ في الترتيب بعد نعمة الدين، وهي تعليم القرآن، إذ هو أفضل، إلاَّ أنـَّه لا بدَّ معه من خلق وبيان وقوت وقرار، ويجوز أن يكون ذكر اللؤلؤ والمرجان ذكرًا للقدرة، فبيـَّن الله جلَّ جلاله أنـَّه خلق الإنسان من عنصر هو التراب، والجانَّ من عنصر آخر هنا([44]) النار. واللؤلؤ والمرجان من عنصر آخر هو الماء، وهؤلاء ثلاثة عناصر خلق منهنَّ ثلاث خلائق عجيبة، والعنصر الرابع الهواء جعله منشأ للجواري.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ تلك النعم التي منها اللؤلؤ والمرجان.

 

{وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} الهاء لله جلَّ وعلا، أعني أنَّ مرجعها الرحمن، أو ربـُّكما، والأولى أولى لأنـَّه مبنى الكلام، وإن جعلنا الجملة ترجِّح الرجوع إلى «ربـِّكما» وكان الربط بالواو والضمير، وجاز الرجوع إلى الرحمن، وكان الربط بالواو، وكأنـَّه ربط بالضمير أيضا، لأنـَّه مسمَّى اللفظين واحد وهو الله جلَّ وعلا، والتقدير للحصر. والجوار([45]): السفن، و«الـ» للاستغراق، والواحدة جارية، والوصفيـَّة باقية، أي السفن التي يجرين، أو متروكة متغلِّبة عليها الاسميـَّة، أي: وله السفن المنشآت كالحراث علما، كما أنَّ السفينة اسم مفعول بمعنى: المنحونة([46])، ومن السَّفن بفتح السين وإسكان الفاء بمعنى النحت، أو صفة مشبَّهة بمعنى: شاقَّة الماء، وماخرته من الشفن([47])

 

 بمعنى شقِّ الماء ومخره، وتغلَّبت عليها الاسميـَّة حـتَّى إنـَّها تذكر ولا يستحضر معنى كونها منحوتة، ولا كونها تشقُّ الماء، وكذلك تذكر الجارية بمعنى السفينة، ولا يستحضر بالنظر إلى اللفظ بمعنى الجري، [34] والتاء في ذلك للنقل من الوصفيـَّة الي الاسميـَّة، ولاسيما في السفينة باعتبار أصل مسفونة اذا كان دليل التأنيث غير هذه التاء فإنـَّه لوكان وصفا لم تلحقه كما تقول امرأة كحيل. وإذا قلنا الجوار في جمع جارية بتغلُّب الاسميـَّة كان مشتركا استعمل في أحد معانيه وهي السفن وقد وضع لذلك دليل وهو قوله: {في البَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} بل يجوز استعمال المشرك([48]) مبهما لحكمة أو للعموم البدليِّ أو الشموليِّ ولا ضير في ذلك ومخالف الأصل لحكمة مقلوبة [كذا].

 

 ولا سيما أنَّ الدليل هنا موضوع فلا مخالفة أصل لأنَّ استعمال المشرك في أحد معانيه مع نصب دليل أصل وبيان الاشتراك أنَّ الجواري يطلق على السفن وعلى الإماء وعلى الإناث الصغار السنِّ الحرائر، وأصل ذلك لله الجري فإنَّ السفينة للجري صنعت، وتسمَّى بذلك ولو رست وهي تجري ومن شأنها الجري والأمة للجري في مصالح السـيِّد ومصالح أهل الدار، والزوج الحرَّة تسكن وهي تجري عليها، وهي تسمَّى جارية ولو سكتت([49]).

 

 لأنـَّها للجري، والأنثى الصغيرة تسمَّى بذلك لخفَّتها في الاستعمال حيث تستعمل، وقيل: غلب لفظ الجواري والجارية على السفن فبالغلبة تصرف إليها الآية، وما ذكرته من أنـَّها تصرف إليها القرينة قوله: {في البَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} وهو أولى إذ لا يرى في سائر كلام العرب قبل نزول القرآن أو بعده تغلب الجواري والجارية عليها. واذ قلنا ببقاء الوصفيـَّة لم يشكل علينا حذف الموصوف لأنـَّه إنـَّما يمنع إذا لم ينصب دليل على عينه أو جنسه أو نوعه وهنا نصب وهو قوله: {في البَحْرِ كَالأَعْلاَمِ}، وإنـَّما يمنع أن تقول رأيت قائما إذا لم يكن دليل حالي أو قالي على أنـَّه إنسان مثلا أو على أنَّ المراد جسم قائم.

 

 أمـَّا إذا نصب دليل كقولك: «رأيت قائما من الناس» أو «خفت قائما يضرُّ العجلة أو دواء بها أي شيئا منتصبا في طريقها فجائز حذفه؛ وإنـَّما قال له الجواري مع أنَّ كلَّ مخلوق له لمــَا علمت من جريها في الماء مثقلة بالحمل وغير مثقلة [35] ووقوفها فيه بلا رسوب في جري ولا وقوف، وليس من شأن الجسم الثقيل ذلك لولا أنَّ الله خلق فيها ذلك، وخلق الوقوف فوق الماء في كلِّ ما يقف ولا يرسب لم يكن الأمر كذلك ولكن الله خلقه وأرشد نوحا بالوحي إلى السفينة، وكأنـَّه قال: تلك الجواري في البحر مماليك لله وفي تصرُّفه لا طاقة لأحد عليها، وهو الذي يزجيها بريحه، وقد قال: {تجري بأعيننا}، يحفظهن عن الرسوب حفظ مالك مملوكه، وكذا ما فيهنَّ ما([50]).

 

 مال وحيوان وأناس يحفظهم بحفظهنَّ، وهم معترفون بذلك وقائلون: لك الفلك والملك، فقال الله جلَّ وعلا لهم: كيف تكفرون بي إذا نجـَّيتكم إلى البرِّ مع وقايتي إيـَّاكم بوقاية السفن حين حاجتكم إلى الوقاية أشد ما يكون، ثمَّ إنـَّك قد علمت أنَّ الجواري من الجري فهو يختم بالياء لكن حذفت الياء لالتقاء الساكنين وحقُّها أن تـثبت في الخطِّ لكن حذفت في الإمام أعني مصحف عثمان تبعا لحذفها في النطق إذ هو جار على إثبات ما أصله الإثبات تارة بيان للأصل وعلى حذفه أخرى على متابقة([51]).

 

 النطق لمــَّا كان المحذوف لالتقاء الساكنين آخِرًا يثبت عند الوقف أثبته الإمام غالبا بيانا للأصل ولمــَّا ناسب الحذف نطقا الحذف خطًّا حذفه خطًّا عملا بهذه المناسبة الأصليـَّة في شأنها وهو مرفوع بضمَّة مقدَّرة على هذه الياء المحذوفة. وقرئ بضمِّ الراء إلغاءً للياء، كقول حسان:

 

لهــا ثـنايـا أربـع حسـان             واربـع فـكـلُّـهــنَّ ثـمـانُ

بضمِّ نون «ثمان» إلغاء للياء بعدها وسمـَّاها الله فلكا لولا إذ لم يكن لها جري سابق فقال: {واصنع الفلك} وذكر بعد باسم السفينة إذ عزفت([52]) بشقِّ الماء بعد، وبالجارية إذ عرفت بالجري بعد، وبعد عرفها بذلك سمـَّاها أيضًا فلكا، وأمـَّا على وجه كونها من السفن بمعنى النحت فهو اسم لها أيضًا صالح قبل الجري وبعده. ومعنى «المنشآت» المرفوعات الشرع أو المرفوعات بأنفسهنَّ؛ يقال: نشأ الصبيُّ في بني فلان، أي عاش فيهم وارتفع وطلع وظهر، ونشأت السحابة، ارتفعت وطلعت وظهرت، وهو لازم، وأنشأ الله ذلك أي رفعه [36] وأطلعه وأظهره، وهو متعدٍّ بالهمزة ومنه الآية، أي أنشأ أهلها شراعها.

 

 أي رفعوه، أو الله أثبته وأظهره بالريح؛ وقيل: المنشآت بمعنى المحدثات الـمُوجَدات ــ بضمِّ الميم وفتح الجيم ــ مِن أنشأ الله الخلق بمعنى خلقه. ويبحث في هذا القول بأنَّ الله جلَّ وعلا لم يخلقهنَّ في البحر كما خلق الحوت فيه بل يصنعهنَّ الناس على الساحل ثمَّ تدخل الماء، ويجاب بأنَّ معنى إحداثها وإيجادها في البحر إفهام الخلق صنعها، وإثباتها في البحر بعد أن لم تكن سفينة ولا جري لها في البحر.

 

 أو بعد أن كانت ولكن قبلُ كانت كلُّ سفينة خشبا مطروحة أو في الشجر فهو الذي أنشأ صنعهنَّ وأنشأ شأنهنَّ والتصرُّف بهنَّ في البحر. والأعلام هو جمع عَلم بمعنى جبل، أي أحدث شانهنَّ والتصرُّف بهنَّ في الماء مع أنـَّهنَّ كالجبال ولا يرسبن، بل يجرين جريًا مجريهنَّ، وثبوتُهنَّ فوق الماء مع أنـَّهنَّ كالجبال من أعظم القدرة؛ ويجوز أن يكون المعنى: أحدثهنَّ أصحابهنَّ في البحر بإدخالهنَّ فيه، فإنَّ تركيبهنَّ ونحتهنَّ فعل للمخلوق، وكذا إدخالهنَّ، وكلُّ ذلك خلق لله عزَّ وجلَّ، وإجراؤهنَّ في البحر بقدرة الله؛.

 

 وفي ذلك كلِّه تعجيب بقدرته بتماسكها فوق الماء وجريها بإذنه، وهذا أولى من تفسير المنشآت بمعنى مرفوعات الشراع، لأنَّ التعجيب بقدرة الله أولى من التعجيب برفع الشراع، فالتعجيب إنـَّما هو بالإجراء في البحر لهنَّ مع أنـَّهنَّ كالأعلام، والشراع معلوم من خارج مستلحق. وقرئ المنشِئات ــ بكسر الشين ــ فمفعوله محذوف، أي رافعات الشراع، أو المحدثات الأمواج بجريهنَّ. و«كالأعلام» حال من المستتر في «له»، أو من «الـ» في «المنشآت»، أو من المستتر في «المنشآت»، أو نعت لـ«الجواري»، لأنـَّه ولو كان معرفة لكن «الـ» فيه للجنس، فهو كالنكرة، فصحَّ أن ينعت بالجارِّ والمجرور، أو بالنكرة فهو الكاف إن جعلت أسماء بمعنى مثل مضافًا للأعلام، وإضافته لفضية([53]).

 

 وإن أبقي الجواري على الوصفيـَّة ففيه ضمير يصحُّ أن يكون كالأعلام حالاً منه، ولا يلزم في الكاف من قوله: {في موج كالجبال} أن تكون حرفًا كما قيل. [37] و«الـ» في «الجواري» كما مرَّ للاستغراق، وكلُّ واحد كجبل، فجمع العلَم لذلك. و«الـ» في «البحر» للعهد، والعهد والمعهود للعرب حين نزول القرآن بحر جدَّة، ويجوز أن تكون للحقيقة، وذلك أولى مِمـَّا قيل: جمعهما وأفرد البحر ليدلَّ على عظمة البحر وبُعد ساحله، فيكون الإنجاء بقدرة كاملة إذ هو واحد وفيه جوار كالجبال، ولو جمع البحر لكان لكلِّ بحر جارية فلا يعظم

 

عظمه بحر واحد فيه جواز، والجواب أنـَّه لا يكون المراد هنا لو جمع أنَّ كلَّ بحر بجارية، ولا يلزم من كون البحر واحدًا فيه جوار([54]) أن يكون أعظم.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها خلق شجر السفن، وتعليم صنعها ونحتها، وإبقاؤها فوق الماء وإجراؤها.

 

{كلُّ من عليها فان} أي على الأرض للعلم بها، ولو لم يجر لها ذكر قريبا كما أعيد الضمير إليها في قوله: {ما ترك على ظهرها من دابـَّة} ولم تذكر.

 

 ومن كان في البحر يرجو السلامة من الله حـتَّى عبدة الأصنام، بل جرت عادتهم إذا أرادوا الركوب في السفينة قال لهم صاحبها: أخلصوا، ولو كان مثلهم، أي قولوا: «لا إله إلاَّ الله» وإذا نجوا واطمأنـُّوا في الأرض نسوا قدرة الله، فقال جلَّ وعلا: كلُّ من في الأرض التي يُطمأنُّ إليها فانٍ، فلا فرق بين خوف الهلاك في الأرض وخوفه في البحر، والله قادر على الكلِّ، بل الأرض لثقلها أقرب إلى الرسوب في الماء الذي هي عليه من السفينة في الماء الذي هي عليه لخفَّتها. ومعنى: {مَن عليها} من الناس، ويقاس عليهم غيرهم، أو من الثقلين وغيرهم يقاس عليهم؛ و«مَن» للعقلاء على ظاهرها، أو من الحيوانات كلِّها.

 

 أو المركَّبات كلِّها من الحيوان والبناء والجبال، فـ«مَن» لتغليب العاقل وفناء المركَّبات من البناء والجبال فكُّها وإذهابها؛ وإذا حملنا الآية على العقلاء ففائدة تخصيصهم بالذكر أنـَّهم المنتفعون بالتخويف بالفناء، وإن قلت: كيف يقال بالقياس وقد جاء النصُّ في فناء الجنِّ وفي فناء غير الثقلين من الحيوان، قلت: أردت هنا أنـَّه من لم يستحضر النصّ له هوله أو جهله به حمل غير المذكور على المذكور، وقيل: الضمير في «عليها» عائد إلى [38] «الجواري» كأنـَّه كلُّ من في السفن وإن لم يفن بالغرق سيفنى بغيره، ولو بغرق في غير البحر، فكما لا يملك لنفسه نفعًا ولا دفع ضرًّا [كذا] قضى عليه في السفينة كذلك لا يملكهما في البرِّ، أو كيف ينكر من في السفينة كونه في قبضة الله، ولا بدَّ من المقايسة أيضا بغير من في السفينة.

 

 ولا تخلو الآية منها، فإنَّ الملائكة في السماوات وما فوقها وفي الهواء وفي الأرض وحيث كانوا، وحيوانات البحور كلُّهم فنون([55])، وقيل: لا تموت ملائكة الأرض عند موت من فيها بل بعدُ. و«فانٍ» اسم فاعل للاستقبال بمعنى سيفنى، ولا حاجة إلى أن يدعى للماضي، وأنـَّه نزل المستقبل منزلة الماضي لتحقُّق لتحقُّق [كذا، مكرَّر] الوقوع وللقرب، كما يقال للقريب: إنـَّه واصل، وكما قيل في ميـِّت، لأنـَّه لو أريد بميـِّت أنـَّه سيموت لقيل: مائت، ولمــَّا قيل: ميـِّت علمنا أنَّ المراد وصفه بأنـَّه مات لتحقُّق الوقوع بعدُ، وأمـَّا «فانٍ» ففاعل كمائت، إلاَّ إن قال ذلك القائل:

 

 إنَّ اسم الفاعل حقيقة في الماضي، والمشهور أنـَّه حقيقة في الحال، قيل: والحقُّ أنَّ الموضوع للحال هو الصفة المشبَّهة كطاهر القلب وغيرها ليس الزمان من وضعها بل من استعمالها بأن استعملت غالبًا في الحال الحادث، وخرج بقيد التعرُّض للحدوث الصفة المشبـَّهة فإنـَّه للحال بلا تعرُّض للحدوث؛ ولك أن تقول: «فانٍ» للاستمرار، كقولك: الإنسان آكل شارب، والاستمرار يعمُّ الأزمنة الثلاثة، فإنَّ الدنيا ما بين فانٍ وحادث وحدوث وعدم، ألا ترى أنَّ الحيوانات بأصنافها من أوَّل خلقها تحدث وتفنى بنفسها وبأعراضها وأبعاضها، ولا بقاء لعرض، ألا ترى أنـَّه يروى ويعطش ويشبع ويجوع ويصفرُّ ويحمرُّ إلى غير ذلك من الصفات والأحوال،

 

 ألا ترى أنَّ الخلق مستمرُّون على الموت والتغيـُّر من حين خُلقوا تمضي لهم مدَّة فيموتون، وفي خلال ذلك وجود آخرين، وإذا فهمت ذلك تبـيـَّن لك جواز حمل الآية على الاستمرار الشامل للماضي وغيره في فناء الأجسام أنفسها فكيف أعراضها؛ والخُلف في الملائكة هل هم يموتون قبل قيام الساعة، كلٌّ في وقت كوقت الإنسان مثلاً حـتَّى [39] تقوم الساعة على الموجود منهم؟ الصحيح لا، وهل يزدادون الآن؟ الصحيح نعم. وأمـَّا ما قيل: إنَّ الأجسام لا تبقى أكثر من حال بل تتجدَّد كالأعراض فمذهب باطل.

 

 ثمَّ إنَّ فائدة ذكر الفناء الحثُّ على العبادة والتنصُّل من التباعات والمعاصي، والترغيب في صرف الزمان في ما يرضي الله، والزجر عن تضييع اليسير اليسير منه، وعن الوثوق بما في اليد، والموجود من الصحَّة والركون إلى ذلك، والاطمئنان إليه، والحثُّ على الصبر على الملمَّات، وعلى الفرائض والعبادات، وعن الذَّات وعلى الرضى على الله في الشدَّة والرخاء، والزجر عن عبادة غير الله، وعن الاغترار بالقرب من الملوك، فإنـَّهم فنون([56]) عن قريب أيضًا فيبقى بعدهم مشتومًا وكاليتيم، أو فانٍ عنهم فهو ذاهب إلى الله آبق عنه.

 

 {ويبقى وجه ربـِّك ذو الجلال والإكرام} وهذا مِمـَّا يقوى به ردُّ الضمير في «عليها» إلى الأرض، إذ لله ذكر البقاء لشيء بعد ذكر ضدِّه لعام [كذا] يقتضي أنَّ الكلام كالاستثناء، ومعنى بقاء وجه الله بقاء ذاته سبحانه وتعالى عن الجوارح والجسم والعرض، والمراد: لايفنى ربـُّك. وفي الآية ردٌّ على المجسِّمة، لأنـَّهم أثبتوا الجوارح لله، فلو صحَّ قولهم لزم أن تكون يد الله فانية تعالى الله عن اليد، ورجله فانية تعالى الله عن الرجل وغير ذلك، ولا يبقى منه إلاَّ وجهه الذي هو الجارحة تعالى الله عنه، وذلك خطأ لا يقول به المجسِّم فضلا عن غيره، فتبيـَّن أنَّ وجه الله بمعنى حقيقة الله، والله نفسه وذاته، وكذا في قوله: {كلُّ شيء هالك إلاَّ وجهه} يكون المعنى على قول المجسِّم: تفنى جوارح الله

 

 ــ تعالى الله عن الجوارح ــ إلاَّ وجهه، وهذا لا يقول به، وحينئذ يتكلَّف الجسم([57]) الوجه في ذلك وما أشبهه بمعنى ذاته تعالى وفي غير ذلك مِمـَّا لا يلزم عليه هذا لا يراد هو الجارحة على ظاهره، فيردُّ عليه بأنَّ إثبات الوجه وسائر الجوارح يوجب التحيـُّز والحلول والجهات والتركيب والحدوث والعجز وكلَّ صفة من صفات الخلق، كالجهل والحاجة تعالى الله عنهما وعن كلِّ نقص مِمـَّا ذكر وغيره؛ وإن قال: لزم عليك أن تفنى الصفات ويبقى بلا صفات، قلت: لا يلزم لأنـَّه لم يذكر قبل قوله: {ويبقى وجه ربـِّك} أنَّ صفاته تفنى،

 

 ولم يذكر أنَّ كلَّ ذات وصفاتها [40] تفنى ويبقى ذات ربـِّك، فنقول: استثنى الذات لا الصفات، بل ذكر الأشياء بلا تعرُّض لصفاتها، فلزم من فنائها فناء صفاتها، وذكر ذات الله بالبقاء فلزم بقاؤه مع صفاته، ولا سيما أنَّ مذهبنا أنَّ صفاته تعالى هو، بمعنى أنـَّها ليست غيره، فهو قادر بالذات عالم بالذات، لا قادر بقدرة ولا عالم بعلم وهكذا بل لو كانت الصفات غيره وكان عالما بعلم، قادر([58]) بقدرة وهكذا كما قالت الأشعريـَّة لم يلزم فناء الصفات لأنـَّها توابع على قولهم للذات، فإنـَّك تقول: «لم يبق لزيد إلاَّ ثوبه»

 

 يتناول صفات الثوب من لون وعرض وطول؛ وإن قلت: «لم يبق إلاَّ كمُّه» دلَّ على ذهاب الجيب والذيل، وإذا قيل: «لم يبق إلاَّ وجهه» بمعنى العضو، لزم أن لا تبقى يده. ووجه إطلاق الوجه على ذات الله سبحانه وتعالى أنـَّه جرى في عرف الناس أنـَّهم يقولون: «فعلت كذا لوجه فلان» يريدون فعلتـُه لفلان نفسه؛ وإذا رأوا وجه إنسان قالوا: «رأينا فلانًا»، وإن رأوا يده أو رجله مثلاً لم يقولوا: رأينا فلانًا، وقد يقولون، ونحو ذلك مِمـَّا فيه إطلاق الوجه على الذات كلِّها، وعلَّة جريان العرف لذلك في الأصل ولو تنوسي أنَّ الوجه مشتمل على الحواسِّ كلِّها: اللمس والنظر والسمع والشمِّ والذوق، فكأنـَّه كلُّه هو الوجه،

 

فاستعمل في حقيقة الإنسان تسمية للكلِّ باسم البعض مجازا باعتبار الأوَّل، ثمَّ حقيقة عرفيـَّة بالاعتبار الثاني المتناسى فيه الأوَّل، ثمَّ توسَّع في هذه الحقيقة العرفيـَّة إلى حقيقة الشيء مطلقًا جسمًا أو عرضًا، أو لا جسمًا ولا عرضًا، وهذا أولى مِمـَّا يقال: توسَّع إلى الجسم ثمَّ إلى ما ليس جسمًا، ومن ذلك أن يقال في الكلام المقبول: «هذا وجه حسن»، أي شيء حسن. ثمَّ إنـَّه قيل: الوجه من المواجهة فالموضوع أوَّلاً المعنى المصدريُّ بلفظه من الثلاثيِّ، واشتقَّ منه اسم الشيء؛ وقيل: الموضوع أوَّلاً اسم الشيء كالوجه لهذا العضو المخصوص،

 

وثانيًا المعنى المصدريّ بلفضه([59]) منه ثمَّ الفعل والوصف من المصدر، وكذا منه الإله وأسماء المكان والزمان الميميات، وذلك مختار بعض المحقِّـقين، والذي أقوله باختصار أنـَّه إن غلب ذكر الاسم وقلَّ ما يؤخذ منه معناه فهو السابق، والأصل وما أخذ منه معناه فرع كالأنف [41] والأذن والعين والركبة، فهذه مثلا أصول الألفاظ تستعمل من معانيه نحو: أذنَ وعانَ وأنفَ وركبَ بصيغ الماضي، بمعنى كبر أذنه أو سمع، أو كبرت عينه أو نظر بها،

 

وكبر أنفه أو شح به، أو أصاب بذلك غيره، أو أصيب فيه من غيره، فهذه الأفعال من أسماء الأعضاء بواسطة المصدر، فالأعضاء في ذلك هي الأصل لكثرة استعمال اللفظ فيها للتبادل والغلبة؛ وإن غلب ذكر ما أخذ من معناه فما أخذ من معناه هو الأصل،

 

وإن استويا فالأصل هو لفظ المصدر المأخوذ المعنى منه لما علمت من أنَّ الأصل الاشتقاق من المصدر، ثمَّ إنـَّه اختار لفظ «يبقى وجه ربـِّك» عن لفظ «يبقى ربـُّك» أو «يبقى الله» أو «يبقى الخالق» أو «يبقى الرازق» ونحو ذلك، لأنَّ هذه الألفاظ ربما أفادت وجود المربوب حال بقاء الربِّ، ووجود العابد حال بقاء المعبود، إذا قلنا: الله بمعنى المعبود بحقٍّ، وبغير ذلك من معاني الاشتقاق للفظ الجلالة لا بمعنى الذات سبحان الله، ووجود الخلق حال بقاء المخلوق، ووجود المرزوق حال بقاء الرازق، وهكذا، وكلام الله مفروض في أنـَّه لا باقي غيره، إذ قال: {كلُّ من عليها فانٍ} فناسب أن يذكر لفظ الوجه بمعنى الذات،

 

وليس ذلك حتمًا بل مناسبة لا برهان، نعم لو قال: «ويبقى وجه الله» أو «وجه الخالق» أو «وجه الرازق» ونحو ذلك لكان كقوله: {ويبقى وجه ربـِّك}، فلمَ خصَّ لفظ «رب»؟ الجواب أنَّ المقام لذكر النعم، فناسب ذكر لفظ يدلُّ على التربية بها بخلاف قوله: {فثمَّ وجه الله} ففي الصلاة وهي عبادة، وقوله: {يريدون وجه الله} ففي الزكاة وهي عبادة، فناسب ذكر لفظ الجلالة بمعنى المعبود الذي هو من تفسيرها. والخطاب في «ربـِّك» لكلِّ أحد يصلح له على العموم البدليِّ، أو لرسول الله صلَّى الله عليه [كذا]. وأفرد ولم يقل: «وجه ربـِّكما»

 

مع أنـَّه أنسب بقوله: {آلاء ربـِّكما} لأنَّ المقام لذكر بقاء الله وحده، فناسب إفراد الخطاب صرفًا للمخاطب عن الالتفات إلى غير الله جلَّ وعلا، فإنَّ ما عداه فانٍ، ولولا فرض الكلام في السمع لم يذكر مخاطبًا، وأيضا المخاطب كثيرا ما يخرج عن حكم الخطاب فلو قال: [42] «وجه ربـِّكما» لكان كلٌّ منهما يخرج نفسه، والمخاطب الآخر عن الفناء، كذا قيل بالوجهين، وفيهما أنَّ الخطاب في الدنيا والخلائق موجودة فكيف يتـَّجه أن يفرض ما ذكر من أنـَّه كأنـَّه لم يوجد حين الخطاب إلاَّ واحد أو اثنان مع الله؛ وأمـَّا قولك للشاكي من أهل موضع: «سأعاقب لك من في ذلك الموضع كلَّهم»، فإنـَّما خرج فيه المخاطب عن حكم الخطاب، لأنَّ العقاب من أجله، ثمَّ إنَّ الواحد في ذلك عامٌّ عمومًا بدليـًّا، وكذا العموم في التثنية شموليٌّ أو بدليٌّ. ولم يقل: «ويبقى وجه الربِّ» بترك الإضافة لأنَّ

 

المقام لتعديد النعم، فناسب ذكر المنعم عليه، وأيضا المربوب يضيف الربَّ إلى نفسه تملُّقا وتضرُّعا، نحو: «ربِّ اغفر لي» و«ربـَّنا اغفر لنا»، و«ربـَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، فناسب ذكر الله نفسه مضافًا إلينا، كما قال: {وجه ربـِّك}، وقال: {ربـُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ وأيضا لتذكير أنـَّه ربـُّك، ولو عقل المخاطب أن يقول: «ربـِّي»، وقد لا يضاف مع وصف آخر كالرحمة والغفران في قوله تعالى:

 

 {بلدة طيـِّـبة وربٌّ غفور} وقوله: {سلام قولا من ربٍّ رحيم}. ولفظ «ربّ» مصدر مِن ربـَّه يربـُّه بفتح عين الماضي وضمِّ عين مضارعه بمعنى ربـَّاه يربـِّيه، بل لفظ ربـَّاه يربـِّيه تضعيف للتأكيد، وأبدل ثالث المثلين ألفًا، وجعل اسم نفسه لفظ مصدر للتأكيد، كما يقال لكثير الصوم: هو ضوم([60])، تعالى الله عن أن يكون فعلا أو عرضا أو جسمًا، بل فعَّال وهو المراد، ويجوز أن يكون اسم فاعل، والأصل: راب، حذف الألف كما يقال للطبيب طبٌّ، وللأذن سمع، وكما يقال: برٌّ وبارٌ بالتخفيف بالحذف، لكن لا يحفظ راب بالألف؛

 

 ويجوز أن ينقل «ربَّ» الذي هو فعل على وزن «ضرب» إلى فعل بوزن «كرُم» للتأكيد، فيكون الربُّ صفة مشبـَّهة كسهُل وصعُب وصعين [كذا] من مضموم العين والمضموم أوكد. والجلال من صفات الإثبات، ومعناه عضمة([61]) الشأن وعظمة الفعل، وقيل: ذو الاستغناء المطلق، وقيل: من صفات السلب، بمعنى نفي النقائص، أي ليس بذي حدوث ولا ذي عجز ولا ذي جهل، ولا بجوهر ولا بجسم ولا بعرض ونحو ذلك، كما يقال: جلَّ الله عن كذا، أو تعاظم عن أن تكيـِّفه العقول. وفي هذه الأيـَّام ازددت [43] دليلا لثبوت الجزء الذي لا يتجزَّأ المسمَّى بالجوهر، وذلك الدليل هو أنَّ الأشياء الصلبة تنحفر على طول الزمان بتكرير الشيء عليها، أو بمماسـَّته كالحبل على فم البئر ومجرى الساقية، وكالبكرة العليا والسفلى، ودليلا آخر هو أنَّ الجدار مثلا يسودُّ بالاستناد إليه أو بمسِّه بيد ولو كانت نصيفة([62]).

 

 على طول المدَّة، ولست تجد جزءًا مرئيـًا يتجزَّى([63]) حين انجرار الحبل أو مماسَّته، ولا جزء من وسخ ملتصقًا بالجدار حين مسسته باليد أو بثوبك، ولو كان المذهب نفي الجوهر، وهو الجزء الذي لا يتجزَّأ. وفي جعل الجلال من صفات السلب بالمعنى المذكور تكون الآية جامعة لصفات السلب بالجلال، ولصفات الإثبات بالإكرام، فإنَّ الإكرام صفة فعل ثبوتيٍّ وليس صفة ذات، فإنَّ الإكرام هو فعله الخير لخلقه، كإيجادهم وتعليمهم وزرقهم وتشريع الدين وغير ذلك من نعم الدين والدنيا والآخرة. وقال بعض المحقِّـقين: إنَّ فيه إشارة إلى صفات الذات لأنَّ الإكرام إنـَّما يكون من حيٍّ قادر عالم، وتمامه وكماله من قديم لا أوَّل له ولا آخر،

 

 والحياة والقدرة والعلم والقدم صفات ذات، وكذلك فسَّره بصفة الذات من قال: معناه ذو الفضل التامِّ، والمعنى صحيح واللفظ يوجب ما ذكرت وهو الراجح، وأمـَّا السميع والبصير والحياة والكلام ونحو ذلك فقيل: صفات ثبوت بمعنى علم الأقوال وعلم الأفعال والألوان والأوصاف، بمعنى القدرة والعلم وغير ذلك من لوازم الحياة في الجملة، وبمعنى خلق الكلام وإنزاله والإنطاق، فالكلام صفة فعل ثبوتيٍّ؛ وقيل: ذلك صفات سلب بمعنى نفي الصمم والعمى والموت والخرس وهكذا... وهو مشهور المذهب وقول المعتزلة([64])، والأوَّل أيضًا حسن وهو قول الأشعريـَّة، وهو في المذهب أيضًا، وقالوا: صفات السلب قبل صفات([65]) .

 

الإثبات، لأنَّ التخلِّي قبل التحلِّي، وليس ذلك تقدُّما بالزمان بل باعتبار مزيد الترجيح لنظرنا القاصر، لأنـَّه لا أوَّل لصفة الذات مطلقًا، وذلك أنـَّا نجد دليل وجود الله وهو العالَم ــ بفتح اللام ــ محتاجًا إلى موجد لتركيبه وغير ذلك فهو حادث، فنقول ذلك [44] الموجد ليس مثل العالَم فليس بحادث ولا محتاج ولا مركَّب، فسلبنا عنه الحدوث والاحتياج والتركيب، ونثبت له بعد ذلك القدرة والعلم وغير ذلك، ولذلك قال لعباده: لا إله إلاَّ الله، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمرت أن أقاتل الناس حـتَّى يقولوا: لا إله إلاَّ الله...». ونفي الألوهيـَّة عن غير الله جلَّ وعلا نفي لصفات غير الله عن الله وهو المراد في المقام، فإذا قلت: الجسم ليس إلها فقد قلت الله ليس جسمًا، وهو المراد في المقام، وذلك اعتبار قويٌّ.

 

 فإنـَّه قد يتراءى لبادي النظر عكس الترتيب بأن تقول: الله موجود لا أوَّل له فهو الموجد لما له أوَّل فليس عاجزًا ولا محتاجا ولا مركَّبا بتقديم الإثبات، لكن الحكم بثبوته وقدمه لا بدَّ له من دليل يتقدَّمه، فإنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر الخلق بالقرآن وسائر الوحي وما فيهما من وجوده وقدمه، ولم يقتصر القرآن والوحي على الإخبار، بل فيهما ذكر الدليل، ثُمَّ إنَّ الجلال مرتَّب على فناء الغير، والإكرام على بقاه([66])

 

 فهو الجليل بعد فناء الخلق كما قبلُ، والمكرَّم بعدُ كما قبلُ، فهو قادر على إيجادهم بعد الفناء، ومثيب لصاحب الثواب، ومفيض للنعم. وقيل: معنى {ذو الجلال والإكرام} من له الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، أي أعدَّ لهم عظمة وكرامة، والواضح ما تقدَّم؛ والوصفان من عظيم صفاته تعالى. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الظوا بـيا ذا الجلال والإكرام»، أي ألصقوا [كذا] بهذا اللفظ، أي أكثروا منه. ومرَّ صلَّى الله عليه وسلَّم برجل يصلِّي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك». و«ذو» نعت لـ«وجه»، وقرئ «ذي» بالياء نعت لربـِّك. يا أرحم الراحمين ارحمنا.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي أكرم الخلق بها، منها أنـَّه حيٌّ دائم عظيم لا يعجزه شيء من الخير، جواد دائم فهو يحييهم بعدُ، ويثيبهم إن أطاعوا، وهذا ولو لم يأت لكن كالحاضر المشاهد الذي لا ينكر لقيام دلائله.

 

{يسأله من في السماوت والأرض} أي يطلبونه في مصالحهم، سؤال حال لا سؤال قال، لأنـَّه ليس كلُّ من في الأرض مقرًّا به طالبا له، فإنَّ من المكلَّفين من لا يؤمن به عزَّ وعلا، فالذي يعمُّ إنـَّما هو سؤال الحال حـتَّى إنـَّه قد يعمُّ غير المكلَّفين من الحيوانات والجمادات لجواز استعمال «من» في عموم [45] العاقل وغيره، ولو كان ما أكثر في ذلك؛ نَعم قد يقال: المراد العقلاء فقط هنا كما يدلُّ له لفظ «مَن»، فالسؤال سؤال قال، ويراد من آمن به من العقلاء، أمـَّا أهل السماوات فكلُّهم عقلاء([67]).

 

 مؤمنون به وأمـَّا أهل الأرض فالمراد منهم العاقل والمؤمن به، وأمـَّا أن يقال: المراد سؤال الحال وسؤال القال، ففيه الجمع بين الحققية، وهو سؤال القال والمجاز وهو سؤال الحال، فمن أجاز ذلك لم يشكل عليه، ومن منعه منع الحمل عليه، أو حمل الآية على عموم المجاز، وإيضاح سؤال الحال أنَّ الموجودات كلَّها، سواء تسأله بحالها للإبقاء بأنفسها وأحوالها، وتسأله إحداث ما تحتاجه من أعراض وأجسام وإبقاء ما وجد منها سؤالا مستمرًّا فإنَّ الموجودات بعد إيجاده تعالى لها غير مستغنية عنه في الوجود دينا ودنيا، كلٌّ بما يليق، فإنـَّه لولا إبقاؤه وجودها لفنيت البتـَّة، لا تقول: إنـَّها تتفرَّق فقط، أو يموت ما حيي فقط، أو تهري([68])

 

 أسفل فقط، بل لا تكون موجودة، وترجع إلى العدم الأوَّل، ففي كلِّ أقلّ من لحظة يحفظنا ربـُّنا عن العدم، ويحفظ الموجود لنا كذلك، {وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها}، وليس قاطعًا عنـَّا الحفظ كما يحصل الإنسان شيئًا ويجعله في حجرته ويدهل([69]) عنه أو ينساه، ومع ذلك يلقاه موجودًا فيها، فإنَّ الله جلَّ وعلا لا يغفل، فإذا وجدته فيها، فالله حفظه؛ والجملة مسنأنفة([70]). والسؤال في الدنيا لقوله: {كلَّ يوم} إذا عقلناه ببسله([71])، وكذا السؤال بمعنى الاستفهام يكون في الدنيا إذا علَّقنا «كلَّ يوم» بـ«يسأل»، وإن لم تعلِّقه([72])

 

 به فالسؤال بمعنى الطلب، أو بمعنى الاستفهام، يعمُّ السؤال في الدنيا وفي الآخرة، وقيل: الجملة حال من «وجهُ ربـِّك» وفيه تناقض، فإنـَّه إذا بقي بعد فناء الخلق لم يبق سائل، الجواب أنـَّه تبقى الجمادات ــ أعني غير الحيوانات ــ فهي السائلات بلسان الحال، أو أنـَّهم بعد الفناء يفرض سؤالهم البعث بلسان الحال سؤال معنى لا حقيقة، أو أنَّ المراد بـ«من عليها» في قوله: {كلُّ من عليها} الثقلان والحيوانات دون ملائكة الأرض فإنـَّهم يموتون بعدُ فيسألون طلبًا أو استفهاما: افعل لنا كذا، أو: ماذا نفعل، وإذا رجعنا([73])

 

 الضمير في «عليها» إلى من في الجواري فلا إشكال في إبقاء السائلين بعد [46] فناء من في الجواري، وإذا فسَّرنا السؤال بالاستفهام فإيضاحه أنَّ كلَّ أحد، بل كلَّ مخلوق يسأله بلسان الحال، وبعض به وبلسان القال عن عاقبة أمره، وعمَّا فيه صلاحه وفساده وحقيقة ذلك ما سواه لا يعلم إلاَّ ما علمه الله وتحدَّث عليه أمور لا يعلمها وهو عاجز والله جلَّ جلاله كامل القدرة والعلم، فهو المنظور إليه في الاستعلام.

 

{كلَّ يوم} متعلِّق بيسأل، أي يطلبونه في حوائجهم كلَّ يوم، أو يستفهمونه كلَّ يوم، والمراد باليوم الليل والنهار، أو الوقت، أي يسألونه كلَّ وقت.

 

{هو} عائد إلى اليوم.

 

{في شأن} الجملة نعت «يومٍ» خرج به الأيـَّام التي ليست في شأن كأيـَّام بعد موت الخلق كلِّهم لبقاء الشمس والقمر والنجوم على جريانها إلى يوم البعث، وأيـَّام قبل خلق الملائكة والحيوانات والثقلين، فإنَّ الشمس والقمر والنجوم قبل ذلك خلقت، وهذا على أنَّ السائلين الحيوانات والعقلاء، وأمـَّا على أنـَّهم هؤلاء وسائر الخلق فيتعيـَّن أنَّ اليوم الوقت فيشمل مطلق الخلق الموجود في وقته ولولم يكن ليل ولا نهار كالأرض والسماء وكالماء قبلهما وبعدهما وكالشمس والنـيِّرات قبل الحيوانات وبعدهنَّ، وقد مرَّ بيان سؤال الجمادات كالماء والشمس؛ وقد قيل تفنى الأشياء كلُّها حـتَّى العرش والكرسيِّ والسماوات والأرضون والقلم كما لم يكنَّ ثمَّ كنَّ، فقبل كونِهنَّ وقت ليس في شأن، وكذا بعد عدمهنَّ وقت ليس في شأن خرجا بقوله: {هو في شأن}،

 

 وبعد فنائهنَّ {لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار} فلا سائل ولا مجيب إلاَّ هو حينئذ؛ وإن قيل: السائلون العقلاء والحيوايات([74]) وأنـَّهم المعدمون فقط فلا مجيب يومئذ كما لا سائل إلاَّ هو؛ ويجوز عود الضمير إلى الله فتكون الجملة مستأنفة و«كلَّ يوم» متعلِّق بـ«يسأل» كما مرَّ، ويقدَّر مثله لقوله: {هو في شأن} أي الله في شأن كلَّ يوم،

 

 ويكفي أن يراد هو في شأن مستمرٍّ وهو إخراج قضائه إلى الوجود، وإمـَّا أن يعود الضمير إلى الله ولا يعلَّق «كلَّ يوم» بـ«يسأل» فلا يتمُّ، لأنـَّه يحوج إلى تعليقه بـ«في شأن» لنيابته عن فعل الاستقرار ووصفه، و«في شأن» عامل معنويٌّ لا يتقدَّم عليه معموله، وأجاز ابن مالك تقديم [47] معمول العامل المعنويِّ الاستقراريِّ، وعليه فيجوز تعليق «كلَّ يوم» بـ«في شأن». وهنا وجه آخر هو قول من قال إنَّ الظرف الخبريَّ لم ينتقل إليه ضمير الاستقرار فتعلّق «كلَّ يوم» على هذا بفعل الاستقرار أو وصفه كما تعلَّق به «في شـأن».

 

ووجه ثالث هو تعليقه بنسبة الخبر إلى المبتدأ. ومعنى الشأن إظهار القضاء قدرا كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم في تفسير الشأن: «يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع من يشاء، ويضع من يشاء»، وذلك تمثيل منه صلَّى الله عليه وسلَّم لكلِّ ما يفعله كإيلاج اليل في النهار والنهار في اليل، وإخراج الحيِّ من الميـِّت والميـِّت من الحيِّ، وشفاء سقيم وإسقام المريض، وإعزاز الذليل وإذلال العزيز، وإنبات النبات والإحياء والإماتة والرزق وإيجاد كلِّ موجود سواه من عرض أو جسم، ولا أوَّل له تعالى، وإعدام كلِّ ما يعدم من عرض أو جسم، فقد جفَّ القلم بالقضاء، فهو بعد في تقدير كلِّ ما قضى به شيئا فشيئا لأوانه. وإذا رددنا الضمير إلى الله فالمراد بـ«كلَّ يوم» ماهو عامٌّ مخصوص بأيـَّام لا تقدير فيهنَّ، وقد مرَّ بيانهنَّ كقوله تعالى:

 

{وأوتيت من كلِّ شيء} أي من كلِّ شيء مقدَّر لها أو لائق بها، وقوله عزَّ وعلا: {تدمِّر كلَّ شيء} أي كلَّ شيء أتت عليه. وما ذكرته من أنَّ الشأن إخراج القضاء إلى الوجود هو والحمد لله عين قول الحسن بن الفضل في جواب عبد الله بن ظاهر: شئون يُـبديها لا شئون يبـتدئها، أي شئون يظهرها على وفق القضاء، لا شئون يوجدها بلا سبق قضاء، وقال أيضًا: «المراد سوق المقادير إلى المواقيت»، وأراد بالمقادير ما حضر تقديره على طبق القضاء الأزليِّ، أو أراد ما قضى وقدَّر؛ وقد قيل: الإرادة أزليـَّة وهي القضاء، وغير أزليـَّة وهي تعلُّق الإرادة الأزليـَّة بالإيجاد أو الإفناء. وأجاز بعض المحقِّـقين تفسير الشأن بالنسبة إلى الخلق ومن يسأله من أهل السموات والأرضين، لأنـَّه قضى ما قضى ولا علم للخلق يحيط بما قضى كلّه فتسأله فتسأله [كذا] الملائكة وغيرهم بلسان الحال أو القال: إنـَّك يا إلهنا في هذا اليوم في أيِّ شأن في نظرنا وعلمنا؟ وأجاز أيضًا أن يقال في ذلك: إنَّ الفعل يتحقَّق بأمرين من [48] جانب الفاعل بأمرخاصٍّ ومن جانب المفعول في بعض الأمور فلا يمكن غيره وعلى وجه يختاره الفاعل من وجوه ممكنة، مثال الأوَّل: تحريك الساكن لا يمكن إلاَّ بازالة السكون عنه والإتيان بالحركة عقبه بلا فصل، ومثال الثاني: تسكين الساكن،

 

 فإنـَّه يمكن مع إبقاء السكون فيه ومع إزالته عقبه، من غير فصل أو مع فصل، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا يحرِّكه مع بقاء الجسم، وهذا لا يمكن عندنا. والله تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد، وخلق فيها صفات مختلفة في غير ذلك الزمان، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان، فمن خلقه فقيرا في زمان لم يمكن خلقه غنيا في نفس ذلك الزمان مع خلقه فقيرا فيه، وتحقيق ذلك أنَّ نسبة المحال اليه نسبة عجز وجهل إليه تعالى عنها، فلو خلقه فقيرا في وقت أراد خلقه فيه غنيـَّا كان ذلك من بدو البدوات له،

 

 وبدو البدوات عجز وجهل تعالى الله عن كلِّ نقص، ولو أراد خلقه فقيرا إرادة مقارنة للإيقاع في زمان أراد فيه كونه غنيـًّا لم يقع الغنيُّ فيه مع أنـَّه أراده فيلزم العجز، ثمَّ إنَّ الجهات متماثلة والأزمنة متماثلة، وتشبه الأضداد بالأعراض لا يتصوَّر الحركة إلى جهتين في زمان واحد، والإعزاز المستمرُّ، والإغناء المستمرُّ مثلا هما في كلِّ وقت غيرهما في الوقت الآخر، والله لا يشغله شأن عن شأن، بل هو الشاغل لوقت ومكان بشيء عن شيء، يعزِّز زيدًا ويمنع ذلَّه، ويذلُّ غيره ويمنع عزَّه. وبطل بالآية قول اليهود: إنَّ الله لا يقضي يوم السبت شيئا.

 

{فبأيِّ ءالآء ربـِّكما تكذِّبان} بأيِّ نعم من النعم التي تسألونه إيـَّاها فيعطيكوها([75]) وتشاهدونها واستعلام اللسان، والإخبار بواسطة نبيء أو إلهام من النعم واستعلام الحال المتعقَّب بجواب الواقع منها أيضًا.

 

{سنفرغ لكم أيـُّها الثقلان} قيل: سنترك الشؤون لانتهاءها ونجازيكم، وذلك يوم البعث، فإنـَّه لا شأن يومئذ إلاَّ الجزاء، فذكر فذكر [كذا] الفراغ مكان الجزاء، والمراد: سنتجرَّد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة عند انتهاء الشؤون المذكورة بقوله: {كلَّ يوم هو في شأن} ويبحث في هذا التفسير [49] بأنـَّه في حين الجزاء وبعد البعث وحين البعث هو في شأن، فإنَّ إبقاء الأرض وإحياءهم وإخراجهم من القبور وحركاتهم وسكناتهم وكلامهم وسكوتهم وخطرات قلوبهم، وإبقاءهم ومشيهم إلى المحشر، وتغيير السماوات وما فيهنَّ والأرض وغير ذلك كلُّها من شأن الله، فأين التجرُّد والاقتصار على الجزاء؟

 

 وأين الخلوُّ عن الشؤون؟ والواضح أنَّ المراد بالفراغ إيقاع الجزاء على الوجه الأعظم البيـِّن المتميـِّز الذي لاخلل فيه، وهو مع ذلك يفعل أفعالا لا يحصيها إلاَّ هو لمــَّا كان المخلوق يشغله شأن عن شأن، ولا يتقن فعلا إذا كان له مشوِّش عنه، وإنـَّما يتقنه إذا تفرَّغ له، ذكر الله الفراغ كناية عن إتقان الجزاء، وأفعال الله لا تخرج عن الإتقان في الدنيا والآخرة، ولا ولا [كذا] يشغله شأن عن شأن تمثيلا بقولهم: «سأفرغ لك»،

 

 أي سأتجرَّد للإيقاع بك عن كلِّ ما يشغل عن توفير النكاية. وعلى كلِّ حال «نفرغُ» كناية أريد لازمها فقط، وهو إتقان الجزاء على ما ذكرت من التحقيق، وأريد لازمها، وما وضع اللفظ له من التخلِّي عن الشؤون على القول المبحوث فيه؛ وحاصل الوجهين: القصد إلى الجزاء مع الشؤون الأُخَر، أو دونها لكن لا بدَّ معها لما أعلمتك من أنـَّه في شأن آخر أيضًا غير الجزاء، فإنَّ في الموقف أيضا الإعزاز والإذلال، والإطعام والإجاعة، والسقي والإعطاش إلى غير ذلك. أو الاستعارة مركَّبة تمثيليـَّة بأن شبـَّه الجزاء وإتقانه وانتفاء الشواغل بفعل المخلوق وإتقان المخلوق إيـَّاه، وانتفاء الشواغل بجامع مطلق الإتقان هكذا لا خصوص إتقان الله، ولا خصوص إتقان المخلوق، ولا إتقانهما، وعلى كلِّ حال فعل الله صالح للأضداد في محالٍّ متعدِّدة وفي أزمان متعدِّدة، وفي محلٍّ واحد لتخالف الأزمنة،

 

 وفي زمان واحد مع تعدُّد المحالِّ، ولا يشغله فعل عن فعل، بل يشغله هو المحل الواحد بما شاء والزمان الواحد بما شاء، والمخلوق إذا كان في فعل بعضو أو قلب لم يقدر حال الفعل أن يفعل بقلبه أو عضوه في ذلك الوقت فعلا آخر، إلاَّ بعضو آخر، أو زمان آخر، بخلاف الله سبحانه، فإنـَّه يفعل بلا علاج ولا أعضاء فإنـَّه لا يوصف بها، ولا تحويه الأمكنة، ولا تجري [50] عليه الأزمنة، فلا تعارضه ولا يدخل عليه تعطيل من ذلك، والمخلوق إذا اشتغل بفعل اختياريٍّ يمكنه الإمساك عنه فما دام متمسِّكا به هو غير فارغ، وإذا اشتغل بما يستحيل تركه ضرورة كارتعاش الأشلِّ والمقرور فالله هو الشاغل له وهو مشغول عن غيره بذلك العضو مثلا، وأمـَّا أن يقول اشتغلت بالتحرُّك مثلا عن السكون فلا، لأنـَّه لا اختيار له فيه، فعدم الفراغ إمـَّا بشغل الشيء نفسه وإمـَّا بلا شغل لكن شغل غيره كما رأيت،

 

 وكما يحرِّك القادر جسمك ولو أبيت وعالجت المنع، فإذا قدَّر الله فعلا للإنسان مثلا يفعله فهو مشغول به لا طاقة له على الخروج عن القدر المقدَّر له ولو كان بحسب سلامة أعضاءه قادرا على الخروج عنه فهو في فعل لا يمنع الفاعل الذي فعله التقدير وهو الله جلَّ وعلا، لكن يمنع فعلا آخر ومن ذلك إبقاؤه مدَّة حياته فبحسب الظاهر لو شاء لقتل نفسه قبل تمامها. والفراغ خلوُّ المكان عمـَّا يشغله، والزمان عن التعطيل عن إدراك فعل فيه، والعضو عن العجز عن الفعل، والله جلَّ وعلا لا يوصف بذلك.

 

 وضدُّ الفراغ ضيق المحلِّ أو الزمان أو العضو عن ذلك. وأيُّ مبهم ينادى على الإبهام ليستعدَّ عند سماعه كلُّ من يصلح له ويقبل عليه، فلا يضيع النداء، ثمَّ يزال الإبهام بالموصول المبدوء بـ«الـ»، أو بالمعرَّف بـ«الـ»، أو باسم الإشارة،

 

 فيعيـِّن المراد فيوافيه النداء وقد استعدَّ فيتمكَّن فضل تمكّن فيه مالاخله النداء ولإيجاء  [كذا] بعده بالعلم لأنـَّه أشدُّ معرفة منه اذايها [كذا] في غاية الإبهام والعلم المشخص في غاية الإبهام، والاعمام [كذا] كلّها مشخصة إمـَّا بالماهية وهي علم الجنس، وإمـَّا بالذات، فلا يقال: يا أيـُّها ثعاله [كذا]، كما لا يقال يا أيـُّها زيد ولا يجيء بعدها العلم المنقول المقرون بـ«الـ» التي للصح [كذا] الأصل لتغلب الفلحية [كذا]  في ذهن السامع عن ملاحظة الأصل الذي هو جنس، مثل أن تقول يا أيـُّها العبـَّاس وتريد بالعبـَّاس علَما،

 

ولا يا أيـُّها الأسد ويا أيـُّها الفضل علَمين، والظاهر أنـَّك إن استحضرت الإشارة إلى التعبس [كذا] والسبع والزيادة جاز فيضعف حينئذ جانب العلمـيَّة. وهاء للتنبيه أو عوض [51] عن الإضافة التي تستحقُّها، أي لمزيد إبهامها، إلاَّ أنـَّه حذف ألفها في الإمام، قيل: لو زالت أي لسقطت «الـ»، لأنَّ حرف النداء معرَّف، ولا يجتمع معرَّفان، وفيه أنَّ حرف النداء غير معرَّف، ألا ترى أنـَّه يدخل عن([76]) النكرة غير المقصودة. وقرئ: «سنفرغ إليكم» أي نقصد إليكم؛ وقرئ: «سيَفرغ لكم» بالياء التحتيـَّة والبناء للفاعل، وهو ضمير لله،

 

 وبالبناء للمفعول والنائبُ «لكم». و«الثقلين» الإنس والجنُّ، سمِّيا لثقلهما بالذنوب، فهو ثقل معنويٌّ معقول كقوله: {أنقض ظهرك}، أو ثقلهما تنزُّلهما منزلة الثقيل الضارِّ بالثقل، لأنَّ الملائكة يكرهون المعصية، فكراهتهم هي الثقل، وكذا تكرههم الجمادات والحيوان،

 

 إلاَّ المطيع؛ وقيل: لثقلهما على وجه الأرض ،والنار خفيفة لكن لمــَّا خلق منها الجنُّ ثقلوا؛ وقيل: سمِّي الجنُّ ثقلا لمجاورة الثقيل وللتغلُّب لأنَّ النار حقيقة؛ وقيل: لثقلهما بالتكليف فهو ثقل معنويٌّ معقول، صار التكليف كالشيء الثقيل عليهما؛ وقيل: لرزانة رأيهما، فإنَّ الثقل الأمر العظيم، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنـِّي تارك فيكم ثقلين: القرآن والسنـَّة».

 

 {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها التنبيه بالفراغ للجزاء بعد البعث لتأخذوا حذركم وأنتم تكذِّبون بأقوالكم وأفعالكم، ومن صدَّق بقلبه ولسانه فأفعاله مكذِّبة، إلاَّ عباد الله المخلصين.

 

{يا معشر الجنِّ والإنس} هما الثقلان، خاطبهما أوَّلاً بالثقلين، ثمَّ باسم جنسهما لزيادة التقرير، وليخصَّ الجنَّ على حدة إذا كانوا يوصفون بالطيران الشديد والدخول في الأرض والنفوذ في الأجسام، وبالأفعال الشاقـَّة، فقد يتوهَّم أنـَّهم يقدرون على النفوذ من أقطار السماوات والأرض، فقدَّمهم لذلك في مقام بيان عجزهم عن النفوذ من أقطارها، ولمــَّا كان الإنس أليق بالفصاحة والبلاغة من الجنِّ قدَّمهم في مقام بيان العجز عن معارضة القرآن إذ قال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله}. والمعشر الجماعة العظيمة، مأخوذ من المعاشرة وهي الاختلاط والجوار،

 

 أو من عدد العشرة، وهو عدد كثير كامل [52] إذ كانت لا عدد فوقها إلاَّ بتكرير آحادها كأحد عشر واثنى عشر، أو بتكريرها كعشرين وثلاثين ومائة وألف، أو بهما كأحد وعشرين، واثنين وثلاثين ومائة واحد وألف واثنين [كذا]؛ وهذا الخطاب إلى قوله: {إلاَّ بسلطان} هو في الآخرة، لقوله: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران}، وما روي أنـَّه تحيط بالثقلين سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السماوات والأرض؛ وإذا رآهم الثقلان فرُّوا في كلِّ وجه فلا يجدون فسحة يخرجون منها. وقوله:

 

 {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} فإنـَّهم في الدنيا ليسوا مهتمِّين بالفرار والنفوذ من الأقطار؛ وقيل: في الدنيا، كناية عن أنـَّه لا طاقة لكم على الخروج عن ملكي فما لكم إلاَّ الصبر على قضائي، وعلى هذا يكون قوله: {يرسلُ عليكما} إخبارًا عمـَّا سيكون في الآخرة، كما أنَّ قوله: {فإذا انشقَّت السماء...} الآيات إخبار عمـَّا سيكون فيها، وكأنـَّه قيل: اهربوا الآن من أقطار السماوات والأرض لتخرجوا عن ملكه فلا يجري عليكم حكمه يوم القيامة بإرسال الشواظ والنحاس، ولو خرجوا من أقطارها لم يخرجوا إلاَّ إلى ملكه تعالى، ولم يعجزوه. أخبرهم الله بذلك لأنـَّه لا يخاف أن يخرجوا، ولو خرجوا لم يعجزوه، ولا يحتاج إلى جزائهم ولا إلى غيره، فإنـَّما أخَّرهم إلى حين اقتضت

 

 حكمته لا لشغل، فإنـَّه لا يشغله بشيء [كذا]. ثمَّ إنـَّه لا يخفى أنَّ الشؤون الدنيويـَّة انقضت بانقراض الدنيا، ولا يشغله شيء بعدها كما لم يشغله فيها، فما التأخير إلاَّ لحكمة، ولذلك جاءت هذه الآية بعد ما قبلها.

 

{إن استطعتم أن تنفذوا} أن تخرجوا، والاستطاعة القدرة، إلاَّ أنـَّها متعدِّية، ووالقدرة [كذا] لازمة، تقول: «قدرت عليه»، لا «قدرته»، إلاَّ لمعنى آخر، والنفوذ الخروج بخرق، كمن خرق صفًّا بدخوله فيه وخروجه، وكهدم في جدار وخروج منه.

 

{من أقطار} أطراف

 

{السماوات}([77])

 

{والأرض} التي أنتم عليها حين الحشر، أي: إن قدرتم على الخروج من فوق أرضي وتحت سماواتي هروبًا من قضاء في الدنيا، أو من هول الحشر في الآخرة وما يعقبه من السوء،

 

{فانفذوا} منها

 

{لا تنفذون} منها

 

{إلا بسلطان}، لا تقدرون [53] على النفذ إلاَّ بسلطان، ولا سلطان لكم تقدرون به على النفذ إذا([78]) أنتم عاجزون، فاستعمل المسبَّب بمعنى السبب؛ أو إلاَّ بسلطان من الله ينفذها لكم، لو نفذتم منها لكان ذلكم واقعًا بسلطان من الله، لكنه غير واقع، لأنـَّه تعالى لا يجعل لكم منه سلطانًا أو لا تنفذون من العذاب وتتخلَّصون منه إلاَّ بسلطان من الله وهو أن يجيركم، لكنه لا يجيزكم([79]) وعلى الوجه الآخر يختلف النفذان، فالنفذ من أقطارها الخروج بأجسادهم منها، وكذا الثاني([80]) تبعًا له، والنفذ الآخر: التخلُّص من العذاب ولو بلا نفذ من الأقطار، وهو المراد بالذات من الأوَّل، ويجوز أن يكون معنى الآية أنـَّكم تشاهدون دلائل الوحدانيـَّة من السماوات والأرض بأذهانكم لا يخلو جزء منهنَّ عن أن يكون دليلا، ولا تخرجون بأذهانكم ولا بأجسامكم عنهنَّ، ولو خرجتم لم يكن خروجكم إلاَّ بدلائل الوحدانيـَّة وراءهنَّ. والسلطان في ذلك كلِّه بمعنى القوَّة الكاملة.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها التنبيه والتحذير والمساهلة مع قدرته على معاجلة العقاب.

 

{يرسل} وقرئ: «نرسل» بالنون ونصب «شواظ ونحاس».

 

{عليكما} يا أيـُّها الإنس ويا أيـُّها الجنُّ، وإنـَّما ثنَّى بعدما جمع في قوله: {إن استطعتم} وما بعده لأنَّ الإرسال مراد على النوعين هكذا لا على كلِّ فرد، فإنَّ المؤمنين ناجون من إرسال الشواظ لا يرسل عليهم، إن قيل: إنـَّه في الموقف أو في القبر لا إن قيل: المراد النار التي تسوق الناس إلى الموقف، بخلاف استطاعة النفوذ فإنَّ كلَّ من في الموقف مهتمٌّ وجل خائف ولو كان قد يحصل لبعض بعد ذلك أمن، والناس فيه،

 

 فناسب أن يجمع الضمير على معنى أنَّ كلَّ فرد لو استطاع النفوذ لنفذ، وأنَّ كلَّ فرد عاجز عن النفوذ على حدته، وعلى اجتماعه مع غيره معاضة في النفوذ، وأيضا هذا كلام مستأنف عن النداء قبلُ غير موصول إليه بالعطف، فكان الخطاب للنوعين الحاضرين، وما قبله على النداء للمعشر فناسب الجمع المعشر، وفيه أنـَّه نادى ولم يثنِّ في قوله:

 

 {سنفرغ لكم أيـُّها الثقلان}، الجواب أنَّ النداء فيه متأخِّر، وأنَّ حرف النداء فيه [54] محذوف بخلاف ما بعده؛ وقد علمت أنَّ الخطاب بقوله: {يا معشر الجنّ والإنس...} إلخ، إمـَّا في الآخرة كما أنَّ الإرسال فيها للشواظ لا في غيرها قطعًا، فإنَّ إرسال الشواظ والنحاس في الموقف يراهما كلُّ أحد، ويلتقط الشواظ ناسًا منه، أو المراد نار القبر كالكافر،

 

أو فاتـِّصال قوله: {يرسل...} إلخ بما قبله وجهه ظاهر، فالمعنى: يرسل عليكما شواظ ولا تفوتونه بالنفوذ من أقطار السماوات والأرض، وإمـَّا في الدنيا والإرسال في الآخرة، لكن إن استطعتم النفوذ الآن لئلاَّ يصيبكم الشواظ المرسل يوم القيامة فانفدوا، فوجه الاتـِّصال أيضًا ظاهر.

 

 {شواظٌ}: لسان خالص منها لا دخان فيه، وقيل: اللهب الأحمر، وقيل: اللهب الأخضر المنقطع من النار؛ وقيل: المختلط بالدخان؛ وقرئ بكر الشين. و«من نار» نعت لشواظ، أو متعلِّق بـ«يرسل» والأوَّل أولى. وتنكير «شواظ» و«نار» للتفخيم. و«نحاسٌ» معطوف على «شواظ»، فإنـَّه يرسل شواظ ويرسل نحاس، وهو دخان خالص، وقيل: النحاس الصفر المذاب يصبُّ على رؤوسهم، وعلى هذا فإرسال النار والنحاس بعد دخول النار، ووجه إرسال النار بعد دخولها تسليطها عليهم وتهييجها، أو إرسال النار في الموقف كما مرَّ وإرسال النحاس المذاب بعد دخولها، وقرئ: «نجس»([81]) .

 

بضمِّ النون والحاء، كلحاف ولحف؛ وقرئ: «نَحُسُّ» بفتح النون وضمِّ الحاء وتشديد السين بمعنى: نقتل، كقوله تعالى: {إذ تحسُّونهم} والمراد العذاب الشديد، سمَّاه قتلا، فيكون عطفًا على «نرسل». وقرئ: «ونِحاسٍ» أي دخان بالجر، عطف على «نارٍ»، فيكون الشواظ اسمًا لما ركِّب من نار ودخان، فـ«شواظ»([82]) مجموع نار ودخان، فـ«مِن» للبيان، أو للتبعيض، لأنَّ هذا المجموع منهما هو بعض جملتهما، أو يعلَّق «من» بـ«يرسل» كما مرَّ،

 

 أي يرسل من النار والنحاس هذا المركَّب من بعضهما، ووجه إرسال المركَّب التهويل والتخويف الشديد من الآن وعند المعاينة، لأنَّ النار القويـَّة تقفي [كذا] عن نفسها الدخان، فإمـَّا أن ترى من أوَّل فيفوت عذاب التوقُّع ألا توقع الوصول، وإمـَّا أن لا ترى لكن يسمع زفيرها كما زعمت الحكماء أنَّ النار إذا صارت خالصة لا تُرى كالتي تكون في الكير [55] الذي يكون في غاية الاتـِّقاد، وكما في التنـُّور المسجور يُرى فيه نور هونا فتفوت هيبتها ولهيبها، وإنـَّما يشتدُّ الهول برؤية دخان يتوقَّعون منه نارًا، وهذا التوقُّع مراد لشدَّة التعذيب به، وليجمعوا بين التعذيب بالنار وتوقُّعها ولو رأوها من أوَّل، أو خفيت لم يكن توقُّع مخصوص هناك، فهم معذَّبون بهذه النار الضعيفة بالدخان وتوقُّعها،

 

 وبعد ذلك بالقويـَّة على أنَّ أمر الآخرة ليس كأمر الدنيا، وقدرة الله صالحة للجائز فيمكن أن تكون مع الدخان أقوى كالخالصة؛ ثمَّ إنـَّا لا نسلِّم أنَّ النار لا تُرى إذا خلصت عن الدخان إذ يلزم عليه في الدنيا أن لا تضيء إذا خلصت ولا يقبل هذا، ولا يصحُّ أن يكون خبرا لـ«نحاسٌ» لجوار المجرور، وأنـَّه مقدَّر الرفع عطف على الشواظ لأنَّ العاطف فاصل مانع من الجوار على الصحيح ولا يجوز أن يقدَّر: «وشيء من نحاس» لأنَّ فيه حذف المنعوت وحرف الجرِّ معًا، وبقاء الجرِّ ولعلَّ مراد القائل بهذا أنـَّه أوَّل شواظ بشيء عام، أي يرسل عليكما شيء.

 

{من نار ونحاس} أي بعض نار على حدة، وبعض دخان على حدة، كما قال: علفتها تبنا وماء أوَّلَ علفة([83]) بأقلتُ أو أطعمتُ أو أعطيتُ، ويقال: تقلَّدتُ سيفا ورمحا على تأويل تقلَّدتُ بحملتُ أو أمسكتُ، وهذان يجوز فيهما سقيتها ماء وحملت رمحا. ثمَّ إنَّ الدخان أجزاء هوائيـَّة أرضية وأنَّ الشواظ والنحاس كليهما مرسلان على الجنِّ ومرسلان على الإنس، هذا هو الصحيح، لا كما قيل: إنَّ الشواظ للإنس لثقلهم وخفَّة النار، والصفر المذاب للجنِّ لثقله وخفَّتهم، ولا يصحُّ ما قيل: إنَّ الدخان ثقيل بالنسبة إلى النار.

 

{فلا تنتصران}: لاينتصر أحدكما بالآخر فيمنعه من الشواظ والنحاس، ولا تنتصران بغيركما فيمنعكما منهما، والوجه الأوَّل أولى، فيكون من باب الاِفتعال بمعنى التفاعل، ولا حذف فيه إلاَّ ما هو كالذكر أي منهما، بخلاف الثاني، فيقال: التقدير فيه لا تنتصران منهما بغيركما، إلاَّ أن في التفسير الأوَّل اخراج الافتعال إلى التفاعل وفي الثاني بقاؤه على أصله من المبالغة والعلاج، الجواب ترجيح الأوَّل لقلَّة الحذف فيه مع دلالة غير الآية عليه كقوله تعالى:

 

{ما لَكم لا تَناصَرون} وأمـَّا [56] قوله تعالى: {نحن جميع منتصر} فالظاهر أنَّ المراد به ينصر بعضنا بعضا فيكون مناسبا للتفسير الأوَّل، فتكون هذه الآية ردًّا عليهم في تناصرهم في الدنيا ودعواهم إيـَّاه، وفي تفسير «منتصر» بمتناصر موافقة لقوله: {مالكم لا تناصرون}، والانتصار التلبـُّس بالنصرة يقال انتصر منه، أي انتزع النصرة منه لنفسه وتلبـَّس بها؛ وأمـَّا تفسير «تنتصران» بتمتنعان فتفسيرمراد لأنَّ الناصر لغيره مانع له من مكروهه ومحذوره لا تفسير لغة.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان}: بأيِّ نعمة من النعم التي منها بيان عاقبة المعاصي وأهوال القيامة، فإنـَّه لطف عظيم يؤخذ به في الحذر، ويجوز أن يكون التقدير هنا وفيما فيه العقاب إلى قوله: {يطوفون بينها...} إلخ بأيِّ نعمة المذكورة أوائل السورة تكذِّبان فتستحقَّان هذا العقاب.

{فإذا انشقَّت السماء} الدنيا أو جنس السماوات

 

{فكانت وردة كالدِّهان} جواب إذا محذوف للتهويل، فإنَّ السامع يذهب في تقديره كلَّ مذهب ممكن فيجمعها بتقديره وقع من الأهوال ما لم يشاهد قط ولا خطر على قلب، أو كان ما لا تحيط به دائرة خطاب البشر ويجوز أن يكون الجواب: {لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جانٌّ} فيتعلَّق «إذا» به،

 

 ويومئذ على هذا يدلُّ من إذا [كذا] متعلِّق بـ«يسأل» أيضًا، وإنـَّما دخلت الفاء في الجواب مع أنـَّه مضارع مجرَّد لتقدُّم ضرفه([84]) عليه وهو يومئذ، والفاء الأولى للترتيب الذكريِّ، أي بعدما ذكرت لكم اذكرْ أنـَّه إذا انشقت السماء... الخ   فلا يضرُّ أنـَّه يكون الاِنشقاق قبل أن تهيج النار على أهله [كذا] الحشر والنحاس أو قبل دخول النار أو للترتيب الزمانيِّ على أن إرسال الشواظ والنحاس في القبر؛ أو لسوق الناس إلى المحشر. ويجوز أن يقدَّر جواب «إذا» «فانتصرا ولاَتَ حين انتصار»، والفاء على هذا أيضًا للترتيب الذكريِّ، وكذا إن قدَّرنا الجواب: «يجازَى المرءُ».    ولا يجوز أن تكـــون «إذا» للفجأة، لأنَّ المعنى ليس على الفجأة، ولأنَّ «إذا» الفجــأية([85]) .

 

لا تدخــــل على الصحيح في الجملة الفعليـَّة. ويبعد أن يجعل «انشقَّت» فعلا وضميرا مستترا خبرا للسماء بعده، فتكون الجملة اسميـَّة، ويكون قرينة كونِ «انشقَّت» خبرا مقدَّما لمــَا بعده، لا فعلا لفاعل بعده، إنَّ «إذا» الفجاية([86])

 

 لا تدخل على الجملة الفعليـَّة، ووجه البعد دعوى التقديم والتأخير، وأنـَّه يحتاج ذلك إلى [57] حجَّة تدلُّ على أنَّ «إذا» فجاية [كذا] حـتَّى يكون اختصاصها بالاسميـَّة دليلا على التقديم و التأخير، ومعنى انشقاق السماء انصداعها وتفرُّقها بالاذلة [كذا] أوتصيير أبواب منها، وذلك بعد البعث ومعنى كونها وردة كونها كوردة في الحمرة والبياض فذلك تشبيه أو استعارة على الخلاف في قولك: زيدٌ أسد. وليس النَّصب على نزع الكاف بل على الخبريَّة لكأنَّ؛

 

 وقد قيل: إنَّ الشواظ المرسل يجعل السماء كالحديد المذاب وتحمرُّ كالوردة ويبعد أن يردَّ الضَّمير إلى الانشقاق أو الزَّلزلة أو التَّحريكة المعلومة من انشقَّت، حيث كان من شأن المنشقِّ التَّحريكة والزَّلزلة ويكون وردة مصدرا من ورد يرد فعلة للمرَّة من الورود أي يرد الانشقاق أو ماذكر ورودا واحدا دفعة، كقوله تعالى: {إن كانت إلاَّ صيحة واحدة}، ويبعد عود الضَّمير إلى الورود المعلوم من «وردةً»، أي كانت الورود وردة فانت([87]) .

 

الورود لتأنيث الخبر كقولك: كان الضَّرب ضربة، أي كفت ضربة واحدة، وقرئ برفع «وردةٌ» على التَّجريد البديعيِّ، وهو اسم لـ«كان»، وخبرها كالدِّهان، أو فاعل لها على أنـَّها تامَّة، وكالدِّهان نعمته كما أنَّ كالدِّهان في قراءة النَّصب نعت لـ«وردة» أو خبر ثان لـ«كان»، ويبعد جعله حالا من ضمير كانت، وبيان التَّجريد أنَّ المعنى أنـَّه يبالغ في تهويل أمر السَّماء وتغييرها حتَّى تتولَّد منها سماء أخرى كوردة،.

 

 وليس ذلك على الحقيقة بل السَّماء واحدة لا تجرّد منها أخرى، وهي السَّماء الدُّنيا وعليها الكلام، لأنـَّها المشاهدة وأحوال السَّماوات السِّتِّ لا يشاهدونها يومئذ. أو المراد بالسَّماء المذكورة السَّماوات([88]) السَّبع بأن يروا لحال الكلِّ، وعلى كلِّ حال تكون الآية بيانا لخراب السَّموت(88) كما بيـَّن خراب الأرض بقوله: {كلُّ من عليها فانٍ}. والدِّهان دهن الزَّيت، أو كدردي [كذا] الزَّيت كقوله تعالى: {يوم تكون السَّماء كالمهل} ووجه الشَّبه الذَّوبان، أو سرعة الاِنصباب، وهذا على جعل كالدِّهان خبرا ثانيا، أو حالا من ضمير «كانت»

 

فإنَّ السماء حينئذ كالدهان في ذوبانه وسيلانه؛ أو أراد أنـَّها يسرع انصبابها كسرعة انصباب الدهان، وإمـَّا على جعله نعتًا لوردة من ورد الشجر فوجه الشبه على ما قيل: الحمرة [58] غيرالخالصة، على أنَّ في الدهان حمرة متخيـَّلة؛ وإن جعلنا «وردةٌ» فعلةٌ من الورود، وجعلناه نعتًا لوردة فوجه الشبه السرعة والمرَّة، والأَولى أن يكون خبرًا ثانيًا، ووجه الشبه بين السماء والدهان ما ذكر من السيلان وسرعته، وعدم بقاء شيء منها كما يصبُّ الدردي [كذا] كلُّه أو الدهن الخالص كلُّه ولا بقيـَّة منه، لا كما يبقى خبث الحديد. والدهان واحد كالحزام لما يحترم([89]) به، والإدام لما يصطبغ به؛ أو جمع دهن؛ وقيل: الدهان الجلد الأحمر، فوجه الشبه بينه وبين الوردة إذا جعلناه نعتًا لـ«وردة» هو الحمرة، وكذا بينه وبين السماء إذا جعلنا «كالدهان» خبرًا ثانيا أو حالا من ضمير «كانت».

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} فبايِّ نعمة من النعم تكذِّبان بها، وتقولان: إنـَّها ليست من الله مع قدرته على شقِّ السماء وجعلها كالوردة وإسراع انصبابها.

 

 

{فيومئذ} أي يوم إذ انشقَّت

 

{لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} الفاء للترتيب الذكريِّ، أي أذكرُ لكم بعد ذكر الانشقاق أنـَّكم لا تُسألون في الموقف، أو للترتيب الزمانيِّ تـبراخ([90]). ويقال: هي للتعقيب الزمانيِّ، أي فإذا انشقَّت السماء يقع العذاب، فيوم وقوعه لا يسألون؛ أو للتعقيب العقليِّ، أي يقع العذاب فلا يتأخَّر تعلُّقه بهم مقدار ما يسألون عن ذنوبهم؛ ويقال أيضا: الترتيب ذكريٌّ، وكأنـَّه قيل: أقول لا تمتنعون عند انشقاق القمر، فأقول: لا تمهلون مقدار ما تسألون؛ والتحقيق الموافق للصناعة ما ذكرته أوَّلاً؛ أو يقال: بحمل([91]) الكلام على الترتيب بحسب ظاهر([92])

 

لكن بتأويل، فيومئذ يتحقَّق أنـَّه لا يسأل، وفيه خلاف الظاهر، ومعنى نفي السؤال في ذلك كلُّ ما ثبت أنَّ الله جلَّ وعلا عالم بذنب كلِّ مذنب، لا يحتاج أن يسأله عنه، أو يسأل عنه الملائكة، أو أن تقرأ الصحف؛ أو لا يسأل في موضع ويسأل في موضع آخر، ومن هذا ما قيل: إنـَّه لا يسأل عند الخروج من القبر ويُسأل في الموقف؛ ويجوز أن يراد: لا يسأل: هل أذنبت؟، أو هل ذنبك كذا؟ استعمالا([93]) بل يسأل توبيخًا: لم فعلت؟!، وعلى كلِّ حال لا يخفى على الله شيء؛ وأمـَّا ما قيل من أنَّ المعنى: لا يقال: أنت المذنب أو غيرك، ولا يقال: من المذنب منكم، بل يعرفون بسواد الوجوه، ففيه أنَّ الآية في السؤال عن الذنب لا عن المذنب، [59] الجواب: المراد لا يسأل عن شأنه الذنب([94]): ألك ذنب فتكون مذنبًا؟ وفي هذا القول يكون السائل الملائكة أو غيرهم من الثقلين بعضٌ لبعض، لأنـَّهم مستغنون عن السؤال برؤية سواد الوجوه، فلا ينجو أحد في خمول [كذا] واشتباه حال، وأمـَّا الله فهو المسوِّد لها؛ وقيل: لا يسأل إنس ولا جانٌّ عن ذنب غيره، كقوله تعالى: {لا تزر وازرة وزر أخرى} وهو تفسير باطل، لأنـَّه لم يذكر في الآية إلاَّ فاعل الذنب، فإنَّ الهاء في «ذنبه» عائدة إلى الإنسيِّ المذنب، وإفراد الضمير لتأويل فرد الإنس، ويقرَّر([95]) مثله لقوله: {ولا جانٌّ}، أي: لا يسأل إنس ولا جانٌّ عن ذنب غيرهما، وإنـَّما يتوصَّل إلى هذا بإعادة الهاء إلى مبتدإ محذوف تقديره: فالمذنب لا يسأل يومئذ عن ذنبه إنس ولا جانٌّ.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها التنبيه إلى ما ترْكُه صلاح لكم، وعلى أنَّ الذنب لا يخفى، وأمـَّا ما قيل مِمـَّا أنعم الله على المؤمنين في هذا اليوم فلا يناسبه ما قبله ولا ما بعده، ولادليل له.

 

{يعرف المجرمون بسيماهم} مفرد، أي بعلامتهم، والمراد: الجنس فصدق على العلامات، أو لاتـِّحادها لكونها سوادًا أو لكونها أشياء مجموعة في كلِّ واحد، كأنـَّها واحد كقوله تعالى: {لن نصبر على طعام واحد} وهي سواد الوجوه، وزرقة العيون والكآبة والحزن والغَبرة والقَترة، وأمـَّا الكيُّ ففي بعض كمن يمنع الزكاة، وأصوله السين والواو ــ المبدلة ياء لانكسارها قبلها ــ والميم، وأمـَّا الأليف([96]) فللتأنيث، ومن ذلك قوله تعالى: {مسوَّمة}. والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل لقوله: {لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جانٌّ}.

 

 

{فيؤخذ بالنواصي والأقدام}، لا ضمير للمجرمين في «يؤخد»، وإلاَّ قيل: فيؤخذون، بل نائب الفاعل هو قوله: {بالنواصي} وإنـَّما تعدَّى بالباء لأنَّ المقصود الإمساك بالبعض لجرِّه، وهكذا حيث البعض لعمل به جرًّا أو غيره، كقوله تعالى: {وأخذ برأس أخيه} وقوله: {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي}، وقولك: أخذ الله بيدك، ونقول: خذ بيدنا، وإن أريد أخذ الكلِّ هكذا إلاَّ عمل ببعضه تعدَّى بنفسه كقوله تعالى: {خذها ولا تخف}، وقوله عزَّ وعلا: {وليأخذوا أسلحتهم}، وقوله: {وأخذ الألواح}. والنواصي جمع ناصية، وهو شعر ما فوق [60] الجبهة، أو ذلك الموضع نفسه مع ما فيه من شعر إن كان، أو الموضع وحده إن لم يكن شعر. تجمع الملائكة فيه نواصيهم([97]) وأقدامهم من وراء ظهورهم بسلسلة فتخرج صدورهم، أو من جانب وجوههم فتخرج ظهورهم فتكون وجوههم على ركبهم أو تحتها، ونواصيهم على بنان أرجلهم؛ وقيل: تسحبهم الملائكة تارة بأرجلهم، وتارة بنواصيهم، والوجه الأوَّل أصحُّ، وبه جاء الأثر عن السلف، ويليه الثاني، وهما أشدُّ إهانة، وفيهما السحب وزيادة، أو بعضهم كذلك وبعضهم يسحبون؛ ولم يقل: فيؤخذون لأنـَّه يوهم أنَّ الآخذين هم الذين يعرفونهم بسيماهم كلِّهم، وليس كذلك بل يعرفهم كلُّ أحد، ولا يأخذهم كلُّ أحد، بل تأخذهم حفظة أعمالهم والملائكة الغلاظ الشداد، وهم يعرفونهم ولو لم تكن علامة، إلاَّ أنَّ ظاهر الفاء أنَّ الأخذ بالنواصي سبب عن المعرفة، إلاَّ أن يقال: الفاء للترتيب بلا سبـبـيـَّة، وأيضا لو قيل: فيؤخذون لتوِّهم قبل مجيء قوله: {بالنواصي} تمام الكلام، وإذا قيل: فيؤخذ لم يتمَّ حـتَّى يجيء قوله: {بالنواصي والأقدام}، وهو المقصود الأعظم.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها هذا التحذير من الأخذ بالنواصي والأقدام، حـتَّى لا يكون المحذور.

 

{هذه جهـنَّم التي يكذِّب بها المجرمون} الجملة محكيـَّة بقول محذوف، أي يقال لهم يوم القيامة: {هذه جهـنَّم...} إلخ، والقول المقدَّر مستأنف في جواب سؤال محذوف، كأنـَّه قيل: فماذا يفعل بهم إذا أخذوا بالنواصي والأقدام، كذا قيل، وفيه أنـَّه أجيب السؤال بالقول فقط على هذا، وليس المقام مقام السؤال عمـَّا يقال لهم فقط، الجواب أن يقال: إنَّ قوله:

 

{يطوفون بينها وبين حميم آن} ولو لم يكن صريحًا في أنـَّه فعل بهم لكنَّ المراد أنـَّهم أوقعوا في الطواف بينهما وأدخلوا في النار تارة يجعلون فيها، وتارة يقادون إلى الحميم، فذلك مفعول بهم، فكان جملة ما فعل بهم التوبيخ بأن يقال لهم: {هذه جهنـَّم} وجعلهم طائعين([98]) بين النار والحميم، وهذا الطواف معلوم أنـَّه لا يفعلونه باختيارهم، ولا مانع [61] من أن يقدَّر: يقال لهم هذه جهـنَّم، بدون أن يكون جواب سؤال مقدَّر، بل يجعل القول المقدَّر مستأنفًا نحويًّا، أو حالا من ضمير محذوف نابت عنه «الـ»، أي بنواصيهم وأقدامهم، مقولا لهم: هذه جهـنَّم، ويجوز أن يكون([99]) الجملة بلا تقدير قول مستأنفة، أي هذه النار الموعود بها قريبة منكم وأنتم في الدنيا، لأنَّ المتحقَّق كأنـَّه حضر، تقول العرب إذا استقربوا القرية:

 

 هذه القرية قد وصلت إليها، وهذا زيد قد حضر، إذا قرب مكانه؛ واعترض بعضهم تقدير القول بقوله: {يكذِّب} لأنـَّهم حينئذ ليسوا مكذِّبين ولا بعد ذلك، وأجاب بأنَّ المضارع لحكاية الحال الماضية، كأنـَّه قيل: كان يكذِّب بها المجرمون، ويجوز أيضا الاستئناف بلا تقدير القول على معنى: هذه صفة جهـنَّم التي يكذِّب بها المجرمون؛ والمضارع لحكاية الحال على كلِّ حال، وصفتها هي الاشتمال على النار والحميم الآني. وأمـَّا لفظ قوله: {يطوفون...} إلخ فصفة للمجرمين، والضمير في «بينها» عائد إلى النار المعلومة من ذكر جهـنَّم، فإنَّ جهـنَّم اسم لدار اشملت على النار والحميم، وسائر أنواع العذاب،

 

 ويجوز عوده إلى جهـنَّم على أنـَّها بمعنى النار وحدها هنا أو مع ما فيها غير الحميم الآنيِّ، والحميم الآنيُّ هو الماء الحار البالغ في الحرارة. الآن أي الغاية، كقوله تعالى: {غير ناظرين إناه}، أي غايته، وآن اسم فاعل كقاضٍ، والحميم الحارُّ وآن بالغ من الحرارة إناها، أي وبين ماء حارٍّ بالغ غاية الحرارة، وأصل الحميم اسم مفعول، كأنـَّه قيل: ما محموم، أي حمته النار أي سخنته وأحرته وتغلَّبت الوصفيـَّة الفاعليَّة فصار بمعنى الحارِّ، يروى أنـَّه يصبُّ عليهم ماء حارٌّ، وأنـَّهم إذا استغاثوا من النَّار أغيثوا بالحميم، {وإن يستغيثوا يُغاثوا بماءٍ كالمهل}. ويروى ويروى [كذا] أنـَّهم يرون صديدهم المغلى من بعيد فيظـنُّونَه ماء فيردُونه كما يردُ العطشان جدًّا الماء المالح ولايشعر بملوحته حـتَّى يشرب منه كثيرا، فمن شدَّة حرارة النَّار لا يشعرون بحرارته حـتَّى يستقر في بطونهم فيقطِّع أمعاءهم.

 

 {فبأيِّ ءالآء ربِّكما تكذِّبان} بأيِّ نعمة من النِّعم التي منها التـَّنـبيه على هذا [62] المحذور الذي هو الطَّواف بينها وبين الحميم الآنيِّ.

{ولمن خاف مقام ربه جنـَّتان} نكَّر الجنتين للتَّعظيم لا للتَّكثير كما قيل، لأنَّهما جنـَّتان لا زيادة فبأيِّ تكثير ولو كان لكلِّ أحد جنـَّتان وليس تكثيرهما تكثيرًا لأصحاب الجـنَّة لأنَّ أصحاب الجـنَّة قليل، واحدٌ من كلِّ ألف وليس المقام مقام تكثيرهم، وأوَّل مراتب الثَّواب الجـنَّة وبعدها زيادات ومراتب، فكلُّ مقدار يوم من أيـَّام الدُّنيا يزدادون رتبة ونعما، وأمـَّا ما تقدَّم من شرب أو أكل من الجـنَّة في الحشر أو في القبر أو عند الخروج منه أو عند الموت أو في الجـنَّة فمفصول بما بين ذلك ودخول الجـنَّة، فلم يعد وآخرالعذاب جهـنَّم كذلك، ولم يعد ما سبقه من عذاب القبر والمحشر ولا يزال يزداد. والخوف أعمُّ من الخشية لأنـَّه يقع على خوف عقاب أو قهر أو غلبة. قال: {لا تَخَف سنعيدها...}، {لا تخف ولاتحزن}، {فأخاف أن يقتلون}، {إنـِّي خفت المواليَ} و{على خوف} إجلال [كذا]، والخشية خوف إجلال، والمراد هنا خوف إجلال، لأنَّ مقام ربِّه عظمة ربِّه، قال جلَّ وعلا: {إنـَّما يخشى الله من عباده العلماء}، {وتخشى النَّاس والله أحقُّ أن تخشاه}. ويجوز أن يكون المراد هنا الخوفين معًا فإنَّ الإنسان يرى ضعف نفسه فيذلُّ، ويرى عظمة الله فيجلّه، والخاشي يبقى على الخشية ولو أومِن مِمـَّا يكره، وقضي له جميع حاجاته، بل يزداد بذلك خشية.

 

 والخائف خوف عقاب يزول خوفه لو زال ضعفه أو أومِن من العقاب. ويجوز أن يراد بالخوف في الآية خوف عقاب على أنَّ «مقام ربِّه» بمعنى جزاء ربـِّه، فيكون للخائِف جنـَّتان فما ظنُّك بالخاشي فله جنَّات، فإنَّ درجة الخاشي كصهيب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أعضم من درجة الخائف، ولمــَّا ذكر الخوف ذكر المقام وإذا ذكر الخشية ذكر الله دون المقام لأنَّ الخاشي يعرف الله أشدَّ من معرفته بالعقاب، والخائف دون خشية يعرف العقاب أشدَّ من معرفته بالله، ومن الأوَّل والثَّاني معًا لولم يخف الله لم يعصه، لولم يخف عقابه لم يعصه إجلالا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «خشية الله رأس كلِّ حكمة». فإنَّ الخاشي يطيع الله ولو لم يكن له ثواب، ولا يعصيه ولو لم يكن عليه عقاب، وخشيته تمنعه من الملاذ ولو كان لا ينقص بها ثوابه ولا تشغله والخائف دون خشيته [63] لو رفع عنه القلم لفعل اللذَّات والمعاصي في حقِّ غيره. وتقدَّم أنَّ «مقام ربـِّه» جزاؤه أو عطيـَّته، ووجه ذلك أنَّ العظيم من الناس الذي يرجى ويهاب تظهر عظمته بالبروز إلى موضع يقعد فيه بموكبه يعطي فيه أو يحكم فيه بنقمة، والله منزَّه عن المكان، فيكون شبـَّه موقف الحساب بموقف الجزاء لسلطان من سلاطين الدُّنيا تشبيها للأعلى بالأدنى للإفهام، كقوله تعالى: {مثل نوره كمشكاة...} الخ.

 

 ويجوز أن يكون «مقام ربـِّه» في الدنيا، وما بعدها بمعنى نفس علمه بما فعل الإنسان وحفظه. {أفَمَن هو قائم على كلِّ نفس بما كسبت} فيجازي عليه، ويجوز أن يكون «مقام ربِّه» المقام الذي جعله لربِّه، فهو مقام للعبد إضافةلله لأنـَّه جعله له، كما تقول: هذا مال الله، تريد أنـَّك أخرجته لوجه الله عزَّ و علا، ومسجد الله، وبيت الله؛ وعلى هذا فالمقام نفس المقام الذي يعبد الله فيه، كما تقول معبد الله أي موضع عبادة الله، أو نفس العبادة، سمَّاها مقاما.

 

 ويجوز أن يكون معنى «مقام ربـِّه» الموضع هو مقام للعباد يقومون فيه للحساب، فالقيام للمعبد و إنـَّما أضاف المقام لله جلَّ وعلا لأنـَّه ملكه ومخصَّص له يوم القيامة، كما يقال: روح الله وصورته، أي الصُّورة التي هي ملك له صوَّر عليها آدم مثلا، وهي صورة آدم، والرُّوح الذي هو ملك له خلقه في الأحياء؛ وتقول: مسجد الله، ولا يوصف بالسُّجود. ويجوز أن يكون «مقام ربِّه» مصدرا ميميًّا، بمعنى قيام ربِّه وهو أنـَّه عالم بما يفعل، من قولك: قام عليه، إذا راقبه، وقام على أحواله. و«مقامَ» في ذلك كلِّه مفعول به، إلاَّ إذا فسر بموضع العبادة أو بها، فيجوز فيه ذلك، ويجوز كونه ظرفا، وهو مرجوح، لأنَّ الظَّرف الميميَّ ينصبه قياسا لفظ من معناه ولفظه، أو من معناه. وعلى كلِّ حال أضيف «مقامَ» لله تفخيما.

 

وقيل: «مقامَ» زائد من زيادة الأسماء، وهو قول للكوفيـِّين، وزيادته أيضًا تفخيم. ومعنى جنـَّتين، أنَّ جنَّة للخائف الإنسيِّ وجنَّة للخائف الإنسيِّ، لأنَّ الخطاب لهما. قيل لكلِّ خائفين [64] منكما جنـَّتان: إحداهما للخائف الإنسيِّ والأخرى للخائف الجنِّيِّ، أو أنَّ لكلِّ خائف منهما جنـَّتـين، فللخائف الإنسيِّ جنـَّتان: جـنَّة لتوحيده واعتقاده الطـيِّب، وأخرى لعمله، أو أنَّ لكلِّ إنسيٍّ جـنَّة لعمل الطَّاعة القلبيَّة والجارحيَّة، وجـنَّة لتركه المعاصي كذلك، لأنَّ التَّكليف بذلك، وكذا لكلِّ جنـِّيٍّ؛ أو أنَّ لكلِّ إنسيٍّ جـنَّة ثواب و جـنَّة تفضُّلا، وكذا لكلِّ جنـِّيٍّ أو أنَّ لكلِّ إنسيٍّ جـنَّة لروحه وأخرى لجسمه وكذا لكلِّ جنيٍّ، وذلك أن للرُّوح تلذُّذ كما للجسد، لأنَّ الخائف مقرَّب والمقرَّب في روح وريحان و جـنَّة نعيم،

 

 إلاَّ أن جـنَّة الرُّوح من جـنَّة الجسم. وقد قيل: المراد بالجنـَّتين([100]) الجـنَّة الواحدة، استعمل التَّـثـنـيَة بمعنى الواحد كما جرت عادة العرب بخطاب الواحد بخطاب الاثنين، وهو أحد الأوجه في قوله تعالى: {ألقيا في جهنَّم} ومنه قوله:

 

ومـهـمـهـــين ســــرت         مـرَّتــين قـطـعـتـه بالسَّـهـم لا      السَّـهـمـين

 

أراد المهمه الواحد بدليل إفراد الهاء في «قطعته»، وأجيب بأنَّ الهاء لتأويل ما ذكر، كقوله:

فـيـها خـطـوط من سـواد             وبــلق كـأنـَّه في الجــلد توليـع        الــبـهـق

أي كأنَّ ما ذكر.

 

 أو بأنَّ التَّقدير: قطعت كليهما فردَّ الهاء لكليهما، والأفصح في الضَّمير الرَّاجع إلى كلا وكلتا الإفراد؛ وحمل الآية على ذلك تعسُّف، بل المراد الجنَّتان للإنسيِّ و الجـنَّتان للجنيِّ، إحداهما من أجل كذا، والأخرى من أجل كذا كما مرَّ بأوجهه، وذلك لا ينافي أنَّ للخائف منهما جنَّات متعدِّدات، وهذا الخلاف هنا مثله في قوله بعد ذلك: {عينان} و{جنَّتان} و{عينان}. وفي هذه الآية مقابلة لقوله: {يطوفون بينها وبين حميم آن}، بأنـَّه أثبت للمجرم شيـئين، وللخائف شيـئين، إلاَّ أنـَّه قيل في المجرمين: {يطوفون بينها...} إلخ، فهم متردِّدون بين عذابين، ولا يخلون([101]) من إيلام شديد بينهما وإهانة عظيمة وقهر شديد. وقيل: في الخائف أنَّ له كذا من الخيـر دون المجرمين، فإنَّ التَّقديم في قوله: {ولمن خاف} للحصر، أي لمن خاف لا للمجرمين وللفاصلة.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من النعم التي منها الجنَّتان ومنها حكايتهما [65] الموصلة إلى السَّعي في تحصيلهما بها يوجبهما بإذن الله من الإيمان والعمل والتَّقوى، وكذا تقول فيما يأتي إلى آخر السُّورة من النعم الأخرويـَّة وحكايتها كما مرَّ في المواعيد أن التنبيه عليها نعمة لأنـَّه داع للانزجار، من قوله تعالى: {سنفرغ لكم} إلى قوله: {حميم آن}، وكما أنَّ ما ذكر من أوَّل السورة إلى قوله: {هو في شأن} نعم توجب الشكر، وحكايتها داعية إليه.

 

{ذواتا أفنان} نعت لقوله: {جنـَّتان}، وما بينهما جملة معترضة. و«أفنان» جمع «فان» وهو الصنف، أي ذواتا أنواع من الشجر والثمار أو جمع «فَنَنٌ» بالفكِّ، وهو الغصن، أي ذواتا أغصان متشعِّبة من فروع الشَّجر، وعلى هذا خصَّ الأغصان بالذكر لأنَّ في ذكرها ذكرا للأوراق والأزهار والثَّمار ومدِّ الظِّلِّ جميعا وهذا الوجه أولى من الأوَّل لأنَّ أفعالا في «فَعَل» ــ بتحريك العين ــ مقيس أكثر منه في الفعل بإسكانها، والأكثر فيه فعول. و«أفنان» جمع قلَّة مراد به الكثرة، ونكَّره للتعظيم أو للتكثير أو التعجيب.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} من نعمه التي من كون الجنـَّتين ذواتي أفنان، والله جلَّ وعلا جعل ما لم يشاهد ولم يؤمن به الكفَّار بمنزلة ما شوهد وأومن به، حـتَّى أنكر على مكذِّبه لوضوح الأدلَّة على صحَّته، كأنـَّه مشاهد، وهكذا فيما مرَّ مِمـَّا لم يشاهَد وأنكره المنكر من وعد ووعيد، وفيما يأتي.

 

{فيهماعينان تجريان} أي في كلِّ واحدة عين تجري، أو في كلِّ واحدة عينان تجريان، فهنَّ أربع عيون حيث شاء صاحبها أعلى وأسفل، فإن شاء امتدَّ إليه في الهواء، وجنب فراشه، ولا يبتلُّ، ولا تنفسخ في الهواء وبالمسِّ؛ وكلتاهما من ماء تجري من جبل مسك. وعن ابن عبـَّاس والحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم، والأخرى الزنجبيل؛ وقيل: إحداهما من ماء غير آسن، والآخرى من خمر لذَّة للشاربين. وفي قوله: {تجريان} مناسبة لقوله عزَّ وعلا: {ولمن خاف مقام ربـِّه جنـَّتان} فهما تجريان لمن تجري عيناه بالدموع خوفًا من الله عزَّ وعلا، كما قال أبو بكر الورَّاق: «فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عزَّ وجلَّ». وكلٌّ من قوله: {ذواتا أفنان} وقوله: [66] {فيهما عينان} وقوله: {فيهما من كلِّ فاكهة زوجان} وقوله: {فيهنَّ قاصرات الطرف} نعوت لجنـَّتان.

 

 وإنـَّما فصل بين نعوت الجنـَّتين بقوله: {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} تغليبًا لجانب الرحمة، ولأنَّ ذكر الثواب شيئا فشيئًا أطيب للسامع، ولأنَّ إعادة ذكر المحبوب وتوابعه كتكرير ضمير الجنـَّتين، وتطويل الكلام بذكر اللذَّات مِمـَّا يستحسن بخلاف العقاب فسرَده سردًا ليقصر ذكره إذ لم يفصل بـ{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بين قوله: {يرسل عليكما شواظ} وقوله: {من نار}، وبين قوله: {من نار ونحاس} وقوله: {فلا تنتصران}([102])، وبين قوله: {يعرف المجرمون بسيماهم} وقوله: {فيؤخذ...} إلخ، وبين قوله: {هذه جهـنَّم...} إلخ وقوله: {يطوفون ...} إلخ.

 

{فبأيِّ ءالآء ربِّكما تكذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها العينان الجاريَّتان.

 

{فيهما من كلِّ فاكهة زوجان} أبيض وأحمر، أو معروف وغريب، أو رطب ويابس؛ والمراد في هذه الجـنَّة زوج، وفي هذه زوج، فذلك نوعان؛ أو في كلِّ واحدة زوجان، فذلك أربعة أزواج. والزَّوج الـنَّوع الفرد المقابل للآخر؛ و«من كلِّ فاكهة» حال من المستتر في «فيهما» إلى([103]) العائد إلى الزَّوجين، وإنـَّما فصل بين قوله: {ذواتا أفنان} وبين قوله: {فيهما من كلِّ فاكهة}، مع أنَّ ذكر الفاكهة أنسب بذكر الأغصان، لأنَّ المتنعِّمين إذا دخلوا جنانا قدَّموا الـتَّـنـزُّه على الأكل أكل الثِّمار، فقد ذكر العينين، كما قدَّم ذكر الأشجار والأغصان الخضِرة تتميما للتـنزُّه، ولاسيما أنَّ أهل الجـنَّة يأكلون ويشربون تلذُّذًا لاسدًّا للجوع والعطش، إذ لا جوع ولا عطش.

 

{فبِأيِّ ءالآء ربِّكما تكذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها زوجان من كلِّ فاكهة في كلِّ جـنَّة من جنَّتي الخائف.

 

{مـتَّكـئين} قيل: حال من الموصول في قوله: {ولمن خاف} على طريق مراعاة الأفراد المجتمعة بكلِّ فرد فرد، فإنـَّك إذا اعتبرت الأفراد كان لك جماعة، والمعنى لهم في حال الاتـِّكاء جنَّتان لكلِّ واحد؛ وفيه أنَّ الجـنَّتين معدَّتان لهم، أو موعود بهما لهم قبل الاتِّكاء، بل في كلِّ حال، لا يقال الجواب أنَّ الحال مقدَّرة، أي هما لهم من الآن مقدِّرين الاتـِّكاء فيهما لأنـَّا نقول: ليسوا على يقين من ثبوتهما لهم من الآن لأنـَّهم خائفون راجون فلا [67] يكونون مقدِّرين الاتـِّكاء فيهما، ويجاب بأنَّ الحال مقدَّرة بالمعنى الآخر، أي ناوين من الآن بأعمالهم أن يتـَّـكـئوا فيها، أي قاصدين بها الجـنَّة والنَّجاة من النَّار بعد رضى الله جلَّ وعلا، ويجاب أيضا بتقدير فعل الاستقرار، أو وصفه للاستقبال، أي تـثـبـتان لمن خاف، أو ثابـتـتان لمن خاف، ويراد بـ«ثابتـتان» الاستقبال، فإنَّ فعل الاستقرار ووصفه يقدَّران بحسب المقام، فيكون المراد بالثُّبوت ثبوتهما له بالحضور.

 

 ويجوز حذف عامل الحال وصاحبه هكذا: «يتفكَّهون فيهما متَّكئين» ويدلُّ لذلك ذكر فاكهة، وذلك أنَّ الدَّليل كالعبد والخدم قد يأكل قائما أو مستوفزا، والأكل لدفع الجوع يأكل كما أمكن، والأكل للتَّلذُّذِ يأكل متمكِّنا في قعوده أو مائلا إلى جنب معتمدا على مرفقه مثلا كأهل الجـنَّة لصحَّة أجسامهم. والاتـِّكاء يطلق على التَّمكُّن في القعود، وعلى الميل فيه؛ وأجيز أن ينصب بـ«أعني» على المدح.

 

{على فرُشٍ} متعلِّق بـ«متَّكـئين» لأنـَّه مانع من الاتـِّكاء على ما فرش تحتهم، بمعنى التَّمكن عليه بالقعود، ولا من الميل على بعضه والقعود على البعض، ولا حاجة إلى تعليقه بـ«يتفكَّهون» المقدَّر. والمفرد: فِراش، والمراد أنَّ لكلِّ واحد منهم فرشا كثيرة([104]).

 

{بطائنها} جمع بطانة وهي ما يخفى،

 

{من إستبرق} ما غلظ من الدِّيباج، وإذا كان ما يلي الأرض من إستبرق فما ظنُّك بما يلي أجسامهم، فقيل: هو من سندس، وهو ما رقَّ من الدِّيباج؛ وقيل: هو من نور منعقد، وأقول: لا يخفى أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يعجزه أن يكون الباطن التـَّالي للأرض كالظَّاهر التَّالي لأبدانهم، فالآية تمثيل لترفُّه أهل الجـنَّة في الفرش بأنَّ([105]) يكون في غاية من الرفعة في الدُّنيا يكون لأهل الجـنَّة يلي الأرض، لا حقيقة أنَّ ما يلي أرضهم دون ما يلي أجسامهم، لأنـَّه إنـَّما يكون ذلك من بخل أو ذلَّة، والله جلَّ وعلا متـنـزِّه عن ذلك.

 

 وأرض الجـنَّة لا تغـير شيئا ولا تدنِّسه ولا تبليه؛ واللَّفظ قيل فارسيٌّ معرَّب، وإنـَّما صرِّف لأنـَّه نكرة، وأصله: استروه، أو ستبرك بمعنى تخين([106]) زادت العرب الهمزة أوَّلاً، لأنَّ الفرس سكَّنوا وله([107]) سكونا غير محض، لأنَّ أوائل الكلم في لسان [العربية]([108]) غير خالصة الحركة في كثير من المواضع [68] فأتي([109]) بهمزة القطع كما يؤتى بهمزة الوصل حين سكَّن أوَّل الكلمة، وقلَّ من يجعل همزة إستبرق همزة وصل فيحذفها درجا، وأبدلوا الكاف قافا لـئلاَّ يتوهَّم أنـَّها ضمير الخطاب، ومعنى كون القرآن عربيًّا أنَّ أكثره عربيٌّ

 

 والقليل جدًّا منه تداولته العرب بألسنتهم من كلام العجم، فجرى في كلامهم يتخاطبون([110]) بهم فهو من كلامهم.

 

{وجنى الجـنَّـتـين} ما يجتـنِي([111]) من ثمارهما. و قرئ بكسر الجيم كان قريبا([112]) يناله القائم والقاعد، والمتَّكئ المائل والمضطجع، كلُّ ثمارهما كذلك لا كثمار الدُّنيا بعضها في أعلى الشَّجر بعيد عن التَّناول، و إذا قربت من ثمرة بعدت عن أخرى،

 

 بل شجر الجنَّة يثمر أعلاه وأسفله، وأوسطه وتدنو من وليِّ الله حـتَّى يجتنيها قائما أو قاعدا أو مضطجعا كما روي عن ابن عبـَّاس، فقد يقال تفسير([113]) إليه الشَّجر جزاء لكونه في الدُّنيا يتحرَّك في العبادة ويسير إليها، ففي الجنس يتحرَّك تلذُّذا بالحركة لا باحتياج ويسكن كذلك لامن عياء، وتف [كذا!]. وإذا جعلنا الجنـَّتـين جـنَّة روح وجنَّة جسم، فجنَّة الرُّوح وفراشه وثماره هنَّ على وجه يعلمه الله.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها الاتـِّكاء {على فرش بطائنها من إستبرق}، ومنها قرب جنى الجنـَّتين.

 

{فيهنَّ} أي في الجنـَّتين، فردَّ ضمير الجماعة للتـثـنـية تعظيمًا، أو في الجنـَّات المدلول عليهنَّ بقوله: {ولمن خاف مقام ربـِّه جنـَّتان}، فإنَّ الخائفين كثير، ولكلِّ واحد منهم جنـَّتان، أو جـنَّة من الجنّ والإنس، فتحصل جنـَّات كثيرة لا يحصيهنَّ إلاَّ الله، فردَّ الضمير إليهنَّ؛ أو لسعتهما وكثرة أشجارهما ومساكنهما كانتا كأنـَّهما جنـَّات،

 

 كما أنـَّهما لعدم القفار فيهما جـنَّة واحدة لاتـِّصال شجرها. وكما أنـَّهما جنـَّتان باعتبار اشتمالهما على النوعين الحاضرين للخيرات مثل ما للروح وما للجسد، وما يعرف وما لا يعرف، وما في الدنيا وما ليس فيها، وما يوصف وما لا يوصف. ويجوز ردُّ الضمير إلى الفرش، وذلك ترتيب أنيق، إذ ذكر الجـنَّة ثمَّ ما يتنزَّه به فيها من ماء وشجر، ثمَّ ما يتناول للأكل من الفواكه، ثمَّ ذكر ما يكون بعد الأكل ومعه وهو الفراش، ثمَّ ما يكون معه في الفرش من الأزواج، فإنَّ [69] داخل جنان الدنيا لا أحسن عنده من هذا الترتيب، فإنـَّه ينزِّه عينيه ثمَّ يأكل الفاكهة، ويتلذَّذ بالفراش، ويزيل العياء به، ولا عياء في الجـنَّة، ثمَّ يحسن له الوقاع.

 

ويبحث في هذا التفسير بأنـَّه قد قال: {بطائنها}([114])، ولا [كذا] يقل: «بطائنهنَّ»([115]) ولو عاد الضمير للفُرش لقال: «بطائنهنَّ» كما قال: {فيهنَّ}، وبأنـَّه قد قال: {فيهنَّ خيرات حسان} ولو لم يجر ذكر الفرش فضلا عن أن يردَّ إليها من قوله: {فيهنَّ خيرات حسان}، ويجاب بأنـَّه لا مانع من عود الضمير تارة كضمير المؤنـَّثة بتأويل الجماعة، وتارة كضمير الإناث المجموعة، ولأنَّ النفس إلى كثرة النساء مع التمتـُّع بهنَّ أميل منها إلى كثرة الفرش، فذكر في جانبهنَّ ضمير الإناث، وحيث قال بعد ذلك: {فيهنَّ خيرات حسان} ولم يذكر الفرش رجع الضمير إلى غير الفرش، والوجه الأوَّل أحسن لتبادره، وأيضا لمــَّا لم يحسن ولو في الدنيا جمع النسوة([116]) الزوجات في موضع أو مواضع متـَّصلة،

 

 ولا سيما إن كنَّ كبار النفوس بالشرف والمال والجمال والغلمان. قال: {فيهنَّ} أي في الجنـَّات فتختصُّ كلُّ زوج منهنَّ وجواريها وغلمانها لمـا يجري مجرى جـنَّة مستقلَّة، وقد قيل بردِّ الضمير إلى ما في الجنـَّتين من المواضع والقصور، وأنـَّه يدلُّ عليه المقام، وقيل بعوده إلى الجنـَّتين والعينين والفاكهة، إلاَّ أن يقال: «في» بمعنى مع، ولا يجاب بأنَّ المراد أنَّ {قاصرات الطرف} في ذلك بالتنعُّم لأنـَّه فرض الكلام في التنعُّم بهنَّ لا في تنعيمهنَّ بالعينين، ولو قال قائل: إنَّ فلانا في عين ماء، وأراد أنـَّه ينتفع به فيها ويتلذَّذ به فيها،

 

 ولم يرد أنـَّه مضروف([117]) فيه داخل فيه لم يحسن، فلا يحمل كلام الله عليه، نَعم يجاب بأنَّ المراد أنَّ قاصرات الطرف في جملة تلك النعم، أي من جملتها، وأمـَّا ما قيل من أنـَّه لا فائدة في اختصاص القاصرات بكونهنَّ في الآلاء فلا يظهر، لأنَّ له فائدة ظاهرة إذ لم يتقدَّم ذكرهنَّ؛ وإن أراد قائله بالاختصاص فإنـَّا نقول: ليس تقديم فيهنَّ للحصر بل للفاصلة، بل نقول: للفاصلة والحصر، أي لا توجد قاصرات الطرف التي يطمثهنَّ([118]) إنس ولا جانٌّ، الشبيهات باللؤلؤ والمرجان إلاَّ فيهنَّ.

 

{قاصرت الطرف}: من قصَّر المتعدِّي بمعنى حبس، أي حبسن نظرهنَّ عن غير أزواجهنَّ، فالطرف مفعول به [70] مضاف إليه، والمصدر  القصر، أو من «قصُر» اللازم، كما يقال: فلان قاصر عن كذا، أي لا يقـدر عليه، ويقال: فيه قصور، أي عجرٌ عنه، وفعل قاصر؛ فالطرف فاعل مضاف إليه كـ«حسن الوجهِ» بإضافة حسن إلى الوجه، والمصدر القصور، والوجه الأوَّل ــ قيل ــ أولى، لأنَّ القصر فيه مدح، ولا مدح في القصور؛ وفيه أنـَّهما سواء، لأنَّ النساء في الجـنَّة لا يكون في قلوبهنَّ غير أزواجهنَّ، ثمَّ يقهرن نفوسهنَّ ونظرهنَّ إلى غيرهم، فهنَّ يحبسن نظرهنَّ على أزواجهنَّ طبعا لا كبسا، وهذا نفس الوجه الثاني إذ كان في نظرهنَّ قصور عن غيرهم بالطبع، ولو كانت أنفسهنَّ مائلات إلى غيرهم فمنعنها لكان نقصا فيهنَّ وخسـَّة لا غاية لها، حاشا نساء الجـنَّة عن ذلك،

 

 بل منع أنفسِهنَّ عن النظر إلى غيرهم إنـَّما هو كمنع الإنسان نفسه عن العبث وما لا نفع فيه، إذ لا اشتهاء([119])  لهنَّ لغير أزواجهنَّ، إذ حبـَّبهم الله إليهنَّ، وحبـُّهنَّ شغلهنَّ عن النظر إلى غيرهم، فهنَّ في غاية من الجمال والحبِّ والعفـَّة بالطبع، وفي غاية من التواضع لهم، فهذا أقصى ما يراد من شرف المرأة. والطرف: النظر، ويطلق على تحريك الجفن، وكلاهما جائز في الآية أن تفسَّر به الحورية والسعيدة من نساء الدنيا، لا تحرِّكان أجفانهما، ولا ترفعان رأسيهما إلاَّ إلى أزواجيهما، وفي التنـزُّه بالجنـَّة. والطرف مصدر على الوجهين، وهو صالح للكثير، ويجوز إطلاقه على العين، فتكون العموم من «الـ»، كأنـَّه قيل: قاصرات العيون. و«قاصرات» نعت لمحذوف، أي نساء قاصرات، أو أزواج قاصرات، وحذف المنعوت، وذلك إعظام لهنَّ ليزداد حسنهنَّ في أنفس أزواجهنَّ، فلم يذكرهنَّ لذلك إلاَّ بأوصافهنَّ في الدنيا أو في الآخرة، مثل حور وعين، وعُرُب وأتراب، وقاصرات الطرف، وأبكار، وثيـِّبات، ومؤمنات، ومسلمات.

 

 {لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولا جانٌّ} أي لم يمسسهنَّ إنس قبلهم ولا جانٌّ، لأنـَّهنَّ خلقن في الجـنَّة، وهنَّ عذارى أبكار، وإن أريد نساء الدنيا فالمراد أنـَّهنَّ بعثن وأنشئن إنشاء للجنـَّة، لم يمسـَّهنَّ بعده إنس ولا جانٌّ، ولو مسَّهنَّ إنسيٌّ أو جنِّـيٌّ في الدنيا فهنَّ في الجـنَّة أبكار عذارى. والطمث المسُّ أي الجماع. و[71]الهاء في «قبلهم» للأزواج الرجال المدلول عليهم بقوله: {ولمن خاف} وقوله: {قاصرات الطرف} وقوله: {متـَّكئين}. والآية دليل على أنَّ الجنَّ يطمثون، فإنَّ  الجنَّ يقع منهم الوطء للجنـِّـيَّات تزوُّجًا وزنى، وللإنسيات زنى، ولو ظهر للمرأة الإنسيـَّة جنـِّـيٌّ لا يلتبس عليها لجاز تزوُّجها؛ والإنس يتزوَّجون الجنـِّـيَّات أيضا إذا تمكَّنوا من علمهنَّ، وقد وقع ذلك، كما تزوَّجوا الإنسيات، ويقع الزنى؛ وإذا زنى الزاني حرمت عليه الجـنَّة إلاَّ إن تاب، وحرمت عليه مزنيـَّته أبدًا. وقيل: الطمث المسُّ باليد أو غيرها في أيِّ موضع، وذلك غير ظاهر،

 

 وقيل: بمعنى الوطء صريحًا لا كناية من معنى المسِّ. وقيل: لم يزل بكارتهنَّ إنس ولا جانٌّ، لأنَّ الحور ونساء الدنيا يكنَّ في الجـنَّة أبكارًا عذراى، فيكون صرَّح في نساء الجـنَّة بالوطء إشارة إلى خلوِّ وطء النساء في الجـنَّة عمـَّا يكره من حياء وضعف البدن به، وشغل عن العبادة وظهور نتن البدن به، ولا شيء من ذلك في وطء نساء الجـنَّة. والجملة نعت لقاصرت، ولو أضيف لمعرفة، لأنَّ إضافته لفظيـَّة، وهو في الأصل منوَّن رافع للطرف على الفاعليـَّة، أو ناصب له على المفعوليـَّة أو حال منه، لأنَّ إضافته ولو لم تفد تعريفا لكن أفادت تخصيصا، لكن تخصيصا بالفاعليَّة أو المفعوليَّة، لا تخصيصا بحقيقة الإضافة.

 

{فبأيِّ ءالآء ربِّكما تكذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها قاصرات الطرف لم يطمثهنَّ قيلهم إنس ولا جان.

 

{كأنـَّهنَّ الياقوت والمرجان} يشبهن الياقوت والمرجان في صفائهما، ولونهما، فكلاهما صاف واللؤلؤ أبيض وهو الياقوت، والمرجان أحمر؛ وقيل: المرجان صغار اللؤلؤ وهو أشدُّ بياضا وضياء من كباره، والياقوت أحمر، فهنَّ صافيات بيض حمر، من أعلى لأسفل إلاَّ أنَّهنَّ سود الشعر في الرَّأس، والجفن والحاجب، وسود العين في بياض، وقدَّم بيان شرفهنَّ بالعفـَّة في قوله: {قاصرات الطرف}، وهي من خلوص الباطن عن القبائح،

 

 ومن الحسن العقليِّ المترتـِّب عليه الحسن الحسـِّيُّ المتأثـِّر في الظاهر، ثمَّ أتبعه بالحسن الحسِّيِّ، وهو صفاء الجسد وبياضه وحمرته، فكما كنَّ قاصرات [72] الطرف ممتنعات عن الاجتماع بالإنس والجنِّ لم يمسُّوهنَّ كنَّ كياقوت ومرجان صافيين لم تمسَّهما يد فـتُدنِّسهما؛ فالجملة كالمقرِّرة لما قبلها، قيل: إنَّ الحوراء تلبس سبعين حلَّة، وهي أربعون ثوبًا ومائة، فيرى مع ذلك مخُّ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء، ويحسن ذلك في عين الرجل ولو كان لو وقع في الدنيا رؤية منها لم يحسن في النفس. والجملة نعت ثانٍ أو حال بعد نعت، أو بعد حال، أو حال من «هاء» يطمثهنَّ، كأنـَّه قيل: شبيهات بالياقوت والمرجان. وإن قلنا: كأنَّ بالهمزة والشدِّ إنشاءً قدَّرنا القول، أي المقول فيهنَّ:

 

«كأنـَّهنَّ»، أو مقولا فيهنَّ: «كأنـَّهنَّ»، وكأنَّ الداخلة على المشـبَّه أبلغ من الكاف الداخلة على المشبـَّه به، فكأن تقول: لعلَّ زيدًا سد([120]) والكاف، تقول: زيد يشبه الأسد، وإن سقطت أداة التشبيه كان أبلغ من الكاف وكأنَّ، وإن عكس التشبيه كان أبلغ من إسقاط الأداة نحو: «الأسد كزيد» و«كأنَّ الأسد زيد»، وإذا قلت: «زيد كالأسد» فقد نزَّلت الأسد عن درجته، فسوَّيت به زيدًا، أو رفعت زيدًا عن درجته وسوَّيته بالأسد، وإذا قلت: «كأنـَّه أسد» فقد رفعته عن درجته حـتَّى ساوى الأسد.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها كون نسائهم كالياقوت والمرجان.

 

{هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان} هذا تقرير لمـا قبله، أي ما جزاء الإحسان بخوف مقام الربِّ وبعمل الطاعات واجتناب المعاصي إلاَّ الإحسان بالثواب، كما أثاب الخائفين المذكورين بالجنـَّات والعيون والفراش والأزواج القاصرات الطرف الشبيهات بالياقوت والمرجان؛ وهكذا فسَّرت الآية بحال المقام، وبما هو كالبرهان إذ قلت: إلاَّ الإحسان بالتواب([121]) كما أتاب([122])إلخ، وأحسن من ذلك تفسيرها بالبرهان وحده بأن يقال: الإحسان من حيث هو إحسان ــ بقطع النظر عن كونه خوف مقام الربِّ أو غير ذلك ــ جزاءه الإحسان، هكذا من حيث هو عوض وزيادة بقطع النظر عن كونه الجـنَّة وما فيها أو غيرها فإنَّ هذا برهان شامل لجزاء الخائف بالجنـَّة وما فيها، كأنـَّه قيل: إذا كان لا بدَّ للمحسن [73] من جزاء فلا بدَّ لهذا الخائف من ثواب، والإحسان الأوَّل إحسان العبد، والثاني إحسان الله عزَّ وجلَّ، فإحسان العبد التوحيد والعمل الصالح، وترك المعاصي،

 

 وتصفية باطنه، وإحسان الله الإنعام بالغفران وبالجنـَّة وما فيها، وعند الموت وفي القبر، وعند البعث وفي الموقف؛ أو الأوَّل هو إحسان الله، والثاني إحسان العبد، فإحسان الله إنعامه بالإيجاد والصحَّة والعقل، وتحسُّن الوجه في الدنيا والآخرة والرزق وإنعامه بما عند الموت وما بعده إلى الإنعام بالجنـَّة وما فيها، أي ما جزاء المحسن بنعم الدنيا والآخرة إلاَّ الإحسان بعبادته، وهو جلَّ وعلا غنيٌّ عنها، والإحسان في ذلك كلِّه إثبات الحسن، فإنَّ المطيع أثبت الحسن في فعله لله، والله جلَّ وعلا أثبت الحسن في الجزاء.

 

 أو الإحسان: الإتيان بالحسن، تقول: أغربَ: أتى بأمر غريب، وأظرف: أتى بأمر ظريف، فهل جزاء فعل الحسن إلاَّ فعل أو الإتيان بأمر حسن، أو إثبات الأمر الحسن، أو هل جزاء الإتيان بالأمر الحسن أو إثباته إلاَّ فعله، أو الإتيان به أو إثباته. وزعم بعض المحقِّـقين أنَّ العوامَّ من السعداء لا جزاء لهم في الجـنَّة إلاَّ التلذُّذ بالأكل والشرب والأزواج وما أشبه ذلك، ولا تكليف عليها فيها، وأنَّ الخواصَّ مكلَّفون بالذكر والشكر ويتلذَّذون بها لذَّة ينسون الأكل والشرب والأزواج وكلَّ شيء غير ذلك، فهم في الجـنَّة كالملائكة الآن، وذلك خطأ، فإنـَّه لا مؤمن ولا نبيء ولا رسول إلاَّ يتلذَّذ في الجـنَّة بالأكل والشرب والأزواج وغير ذلك، ويمكن أن يكون ذلك التلذُّذ بالذكر في بعض الأحوال، وإمـَّا دائمًا كالملك،

 

 فلا ثم [كذا] أنَّ ذلك الذكر ليس تكليفًا، ولو كان تكليفًا لم يكن القصور عنه وإلاَّ لزم العقاب، ولا عقاب في الجـنَّة.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها إحسانه هذا إذ عوَّض على ما هو منه بالتوفيق ما هو أعظم وتفضل وعفا.[كذا].

{ومن دونهما جنـَّتان} من دون الجنـَّتين المذكورتين للخائف جنـَّتان أخريان لمن دون الخائف من أصحاب اليمين، فالدونيـَّة دونية شرف، كما أنَّ بعض أهل الجـنَّة أعلى من بعض في العبادة [74] والإخلاص، يكون بعض أعلى من بعض في مراتب الجـنَّة، والجنـَّتان الأوليان لمن خاف، والأخريان لذرِّيـَّتهم وأتباعهم، وفيه أنَّ الذرِّيــَّة تلحق بدرجة آبائهم إنعامًا على الآباء؛ وقد يقال: يكفي إلحاقًا جعلهم في الجـنَّة في مرتبة تلي مرتبة آبائهم، ولو كانت دونها. أو الأخريان للجنِّ كما جاء الخبر أنـَّهم في صحاري الجـنَّة،

 

 فلهم الجنـَّتان في صحاريها؛ ويدلُّ على أنَّ الدونية في الشرف أنـَّه قال في الأوليين: {ذواتا أفنان} و{تجريان} و{من كلِّ فاكهة زوجان} و{بطائنها من إستبرق} فما حال ظاهرها فإنـَّه لا يدركه العقل، وقال في الأخريين: {مدهامـَّتان} و{نضَّاختان} و{فاكهة ونخل ورمـَّان} و{رفرف خضر}، ولا يقال: إنَّ الجري قد يكون يسيرًا، والنضخ قويـًّا، لأنـَّا نقول: الجري يتبادر فيه الاتـِّصال، والنضخ([123]) القذف مرَّة بعد أخرى، والاتـِّصال أقوى. وقيل: المراد الدونيـَّة في المكان جـنَّة القويِّ في العبادة فوق جنَّتي مَن دونه في العبادة، حـتَّى إنـَّه لتتريان له كالكوكب الذرِّيِّ([124])؛ وقيل: الجنـَّتان الأخريان والأوليان للخائف سواء كانت الدونية في الشرف أو في المكان، وهذا كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، وكما قال: {غرف من فوقها غرف مبنيـَّة} فهم ينظرون الأفنان من فوقهم، ويطلعون([125])

 

 على أجنَّة تحتهم، أو دون تلك في الشرف، وهذا ينظر فيه، بأنَّ أهل الجـنَّة لا يعطون شيئا، يرون أنَّ عندهم أو عند غيرهم أفضل منه بل كلُّ ما أعطوا ظنـُّوه كالأوَّل، أو أفضل، فيجاب بأنـَّهما دون الجنـَّتين الأوليين عند الله، وأنـَّهما عندهم أفضل أو سواء، أو دونهما عند الله، وعندهم لكن الأخريان لمن دونهم، ومن دونهم لا يرونها دون الأوليين، بل مثلهما، أو أفضل، وذلك لأنـَّه [لا]([126]) يتألـَّم قلب ولا جسد بشيء في الجـنَّة. {فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها هاتان الجنـَّتان.

 

{مدهامـَّتان} سوداوان، لشدَّة خضرتهما، وهذا يدلُّ أنَّ شجر الجـنَّة من خشب وأوراق، وكما قال: {فطفقا([127]) يخصفان عليهما من ورق الجـنَّة} ففي الجـنَّة خشب، وقد جاء الخبر: «إنـَّك لو أردت في الجـنَّة عودا مثل ما يخلِّل به الإنسان لم تجده». الجواب أنَّ خشبها لا تموت([128]) [75] ولا يـيـبس منها شيء ولا يتفتَّت، بل هي كالغصن الطَّريِّ الذي يكاد يقطر ماء كساق ورقة اللفت؛ وقد يقال: الجنَّتان الأوليان شجرهما من ذهب وفضَّة وما أشبههما، والأخريان من هذا الخشب الموصوف، وقد يقال: إنَّ الكلَّ من الذهب ونحوه، لكن أجرى الله فيه وفي نحوه الماء، والإثمار به والنموُّ،

 

 كما أجرى ذلك في شجر الدنيا، فهو لتلك الخاصِّــيَّة، يخضرُّ([129]) بالماء كشجر الخشب. وقد يقال: المراد بالدهمة لازمها في الشجر وهو كمال الثمار جودة وكثرة، وقد يستدلُّ بقوله: {مدهامـَّتان} على أنَّ الغالب على هاتين الجنـَّتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وبالأوَّلين الأشجار والفواكه. و«مدهامَّتان» نعت جنـَّتان. فصل بـ{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} توبيخًا على إنكارهما كما يوبـَّخ على إنكار دهمتهما، وهو اسم فاعل ادهامَّ، كاحمارَّ، ووزنه: «افعالَّ» بتشديد اللام، وأصله هذا الوزن في لون يزول، والمراد هنا عدم الزوال وابتداء الألوان البياض فإنـَّه يقبل كلَّ لون، وآخرها السواد، فإنـَّه لايقبل غيره.

 

 {فبِأيِّ ءالآءِربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها ادهِيمامُهُما.

 

{فيهما عينان نضَّاختان} الجملة نعت آخر، أو حال. ونضَّاختان فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء المعجمة أعظم من النضخ([130]) بالحاء المهمَلة فإنـَّه الرشُّ.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها هذا النضخ.

 

 

{فيهما فاكهة ونخل ورمَّان} ظاهره أن التمر والرمَّان([131]) ليسا فاكهة لعطفهما عليها، فقيل: كذلك؛ وقيل: هما منها لكنَّهما ذكرا مع عموم الفاكهة لهما تعظيما لهما، وبيانا لفظلهما([132])، فإنَّ التمر فاكهة وغداء([133])، والرمَّان فاكهة ودواء، وعلى الأوَّل أبو حنيفة إذ قال: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطبا أو رمَّانا لم يحنث، ومن حلف ليأكلنَّ فاكهة فأكل أحدهما لم يخرج عن الحنث به، والظاهر التفصيل بأنَّ الرطب والبسر فاكهة وغداء(134) والتمر غداء(134). والفاكهة أرضيـَّة كالبطِّيخ وغيره من الأرضيـَّات المزروعة، وشجريـَّة كثمار النَّخل والرمـَّان، فالآية إشارة لذلك وللشجر الذي يكون غاية في الطول وحارًّا وحلوا، وفي البلاد الحارة في الدنيا، ومأكوله بارز ونواه لا يؤكل وهو [76] النخل وللشجر الذي يكون عكس ذلك وهو شجر الرمـَّان، ولمــا بين ذلك كما يعلم إذا ذكر الطرفان كالبكرة والعشيِّ والمشرقين والمغربين. والجملة {فيهما ...} الخ وجملة {فيها ...} الخ نعتان لجنتان.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها الفاكهة والنخل والرمـَّان.

 

{فيهنَّ خيرات حسان} أي في الجنـَّتـين، وجمَعَهما لأنَّ التـثـنـية قد يعبَّر عنها بالجمع، ولاحتوائهما على أجنَّة، ولتعدُّد الجنـَّتـين اللتين دون الأوليـين ونحو ذلك على حدِّ ما مرَّ في قوله: {فيهنَّ قاصرت الطرف} والمراد والله أعلم خيرات القلوب والباطن، حسان الظاهر والبدن، ومن حسن الظاهر حسن الخلق واللسان والرَّائحة. و«خيرات» جمع «خيـِّرة» بشدِّ الياء فخفِّف بحذف ياء، وقد قرئ بالتشديد على الأصل، وليس «خـيْرات» بالإسكان جمع «خـيْر» الذي هو اسم تفضيل لأنـَّه نكرة، واسم التفضيل المنكَّر لا يجمع، تقول النساء أفضل لا أفاضل. و«حسان» جمع حسنة أو حسناء بالفتح والمدِّ.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها هؤلاء الخيرات الحسان.

 

{حور مقصورات في الخيام} بيض الأبدان، أو شداد بياض أبيض العين، في شدَّة سواد أسوده، محبوسات في اليبوب مضروب عليهنَّ الستور، مخلوقات على ذلك لشرفهنَّ، وليس لو خلين لبرزن لو خلين لم يبرزن، لكن كما يلقي الإنسان الستر على الشيء الذي عزَّ عنده صونا له وحفظا ولو كان لا يفوته إذ لم يستره، وأجير([134]) أن يكون المعنى: مقصورات الطرف في الخيام، والخيمة ردة مجوَّفة تسير بالحور خيامهنَّ إلى أزواجهنَّ في القصور. و«حور» و«مقصورات» نعتا «خيرات»، وقيل: نعتَا منعوتِه، أي أزواج خيرات حسان مقصورات في الخيام؛ ولا داعي إلى كونه بدلاً مع كونه وصفاً صالحاً لأن يكون نعتا.

 

{ فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها كون الأزواج حوراً مقصورات في الخيام.

 

{لم يطمثهنَّ} لم يلمسهنَّ أولم يطأهنَّ أولم يزل عذرتهنَّ.

 

{إنس قبلهم} قبل هؤلاء الأزواج،

 

 {ولا جانٌّ. فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} [77] بأيِّ نعمة من نعمه التي منها كونهنَّ لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولاجانٌّ.

 

{متَّكـئين} حال من محذوف، أي: يطمثونهنَّ متَّكئين؛ أو أعني متَّكـئين، ومن الجائز أن يكون حالا من «إنسٌ» و«جانٌّ» ولو نكِرتين لتقدُّم النَّفي، ولجواز أن يكون «قبلهم» نعت لـ«إنسٌ»، والعطف على ما له مسوِّغ تسويغ، فيكون المراد نفي هذه الحال وما بعدها عن إنس وجانٍّ قبلهم وإثباتها لهم، ولا مفهوم لهذه الحال؛ وليس المراد أنَّ الإنس والجنَّ طمثوها غير متـَّكئين على رفرف، بل المراد أنَّ طمثهنَّ حال إتـِّكاء على رفرف...إلخ مختصٌّ بهم، ويعلم من مقام المباهات لهم أنَّ غيرهم لم يمسَّهنَّ مطلقا،

 

 كما تقول لمن تفاخر عليه بأنَّك من ثلاث آباء أتقياء، لست يا فلان من ثلاثة آباء أتقياء، ولست تريد أنـَّه من أب تقيٍّ أو من اثنين، بل الفخر بمطلق ما لَك من تقدُّم ثلاثة الآباء الأتقياء هكذا، ولوكان هو من آباء كلُّهم فجَّار. وأخَّر هنا ذكر اتـِّكائهم عن ذكر نسائهم، قدَّمه هنا لك ليدلَّ أنـَّهم في راحة قبل الاجتماع بنسائهم وبعده قبل الوطء وبعده، ولاتعب في الجـنَّة بخلاف الدنيا فمنهم من يجامع فيها فيغتسل، وينتشر للكسب أو قضاء الحوائج، ومنهم من يجيء من الكسب والحوائج فيستريح ويجامع بعد، أو يجامع فيستريح؛ وإذا دخل وليُّ الله جنـَّته التي هي مسكنه نقلت إليه أزواجه من الجـنَّة الأخرى واتـَّكأ في هذه، وقد اتـَّكأ في التي قبلها.

 

{على رفرف خضر} اسم جنس جمعيٌّ، أو اسم جمع والواحد رفرفة، وقيل: مفرد أريد به الكثير، ولذلك وصف بالجمع، ومثل هذا فعلل، وأصله: رفَّف ــ بتشديد الفاء الأولى ــ فتكون ثلاث فاءات أبدلت الثانية من جنس فاء الكلمة وهي الراء؛ وقيل: «فعفل»، بتكرير فاء الكلمة، وهو ما تدلىَّ من أعالي الثياب من فوق الأسرَّة؛ وقيل: البسط؛ وقيل: شبه البسط؛ وقيل: الوسائد؛ وقيل: الزرابي؛ وقيل: الثياب العريضة؛ ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط، وذلك مأخوذ من رفِّ الزرع [78] إذا بلغ نظارته([135])، فيناسب قوله: {مدهامـَّتان}؛ أو من «رفَّ الطائر» إذا تحرَّك في الهواء على استدارة حال إرادته النزول على شيء، فيناسب قوله عزَّ وعلا: {وفرشٍ مرفوعة}، وأنَّ دونيـَّة([136]) الجنـَّتـين في المكان،

 

 وليس الرفرف مفردًا لجمع نعته، وهو خضر جمع أخضر، ولم يقل: رفارف كمساجد، كما قال: {فرشٍ} بالجمع لثقله بالجمع والتضعيف؛ وقرأه بعض بالجمع هكذا: «رفارف خضر»، ولكن بضمِّ الخاء والضاد معًا، وبعض هكذا: «رفارف خضار»؛ وقرئ: «عباقري». والوصف بالخضرة من شأن ثياب أهل الجـنَّة كما قال الله عزَّ وعلا: {ثياب سندس خضر} والنفس مائلة إلى الأخضر في الدنيا:

 

ثلاثة يذهبن عن نفســي الحزن           الماء والخضرة والوجه   الحسن

 

وكذا تميل لذلك في الجـنَّة، ولا حزن فيها. قيل أصول الألوان سبعة: إشفاف وهو ما لا يحجب ما وراءه كالماء والزجاج، ثمَّ الأبيض، ثمَّ الأصفر، ثمَّ الأحمر، ثمَّ الأخضر، ثمَّ الأزرق، ثمَّ الأسود، ألا ترى أنـَّه كلَّما قلَّت الصفرةُ وضعفت([137]) صارت إلى البياض، وكلَّما اشتدَّت الخضرة مالت إلى الزرقة، وكلَّما اشتدَّت الزرقة مالت إلى السواد، وإذا اجتمع البياض والسواد كانت الزرقة، كما إذا دُلِك([138]) بياض العرائس بالنيلة، والجصُّ المدقوق بالفحم؛ وإذا قلَّت الخضرة وضعفت صارت إلى الصفرة، والأخضر يكون أوَّلاً أصفر، وبعض البياض مع بعض الحمرة يكون صفرة، وكلَّما اشتدَّت الصفرة وغلظت كانت إلى الحمرة، واعتبر ذلك بالزعفران، وتحصل الزرقة أيضا بجمع الأحمر والأسود، لكنـَّه أميل إلى السواد؛

 

 وتحصل الخضرة باجتماع الصفرة والزرقة أيضا.  وشدَّة البياض تضعف البصر. وذكروا أنَّ النظر إلى الثلج إذا عمَّ وجه الأرض يورث أن لا يرى ناظره في النهار، ويضعف نظره نهارًا. والسواد يجمع البصر، ومن الطبع([139]) حبُّ السعة، فكان الإنسان بالطبع يكره النظر إلى السواد لأنـَّه يجمع البصر ويضيـِّقه، فمن دام في الظلمة يخرج أعمى، وفي الخضرة بياض وسواد وزرقة يدفع بعضها أذى بعض، فلاق بالبصر، وكان يقوِّيه.

 

{وعبقريٍّ حسان} والعبقريُّ نسب إلى عبقريٍّ، تزعم العرب أنـَّه بلد الجنِّ فينسبون إليه كلَّ عجيب، والمراد الجنس بدليل جمع نعته، وهو حسان جمع حَسَن ــ بفتح الحاء والسين ــ كأنـَّه قيل: والثياب العبقريـَّة الحسان، كأنـَّها لجودتها ليست من عمل الإنس؛ أو النوع العبقريُّ، والنوع الشامل لأفراد، فلذلك نعت بالجمع، وقد قرئ: «عباقريٍّ» نسبًا إلى «عباقر» اسم لبلد الجنِّ على صيغة الجمع، فلكونه مفردًا، ولو كان على صيغة الجمع نسب إليه على لفظه الجمع كما تقول: الأصوليُّ، نسبة إلى أصول الفقه، إذ([140]) جعل لفظ الأصول اسمًا لذلك الفنِّ فهو مفرد جمع لفظ، لأنَّ معناه الفنُّ المخصوص، والفنُّ المفرد فلذلك البلد اسمان: عبقر، وعباقر، والعرب لا تجمع النسب، والجمع على لفظ واحدة مرَّة، بل ينسبون إلى المفرد إلاَّ قليلا، أو مؤوَّلا ولمــَّا قرئ([141])

 

 «عباقر» علِمنا أنَّ عباقر اسم مفرد على وزن الجمع، إمـَّا أن يكون عجميـًّا فلا إشكال، أو عربيـًّا أصله جمع، وجعل اسما لواحد كما لو سمَّيتَ مسجدا واحدا مساجد لا باعتبار يقع السجود منه، وكما لو سمَّيت زيدا زيودا؛ ورأى صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام رجلا ينزع دلوا من البئر ملأَى، ورأى آخر مثد [كذا] منه دلوا وملأ فقال فيه: «فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه» نسبه إلى عبقر لمــَّا تعجَّب منه.

 

{فبِأيِّ ءالآءِ ربـِّكما تُكَذِّبان} بأيِّ نعمة من نعمه التي منها الاتـِّكاء على الرفرف الخضر، والعبقريِّ الحسان.

 

{تبارك اسم ربـِّك ذي الجلال والإكرام} تعاظم اسم ربِّك أي عظم عظمة عضيمة([142])، واسم ربِّك اللفظ الذي هو اسمه وهو لفظ الجلالة وهو قولك الله، أو جنس أسمائه وعظمة اسمه وأسمائه لعظمته هو سبحانه، ولدلالتهنَّ على معان عظيمه، ولمنافع تحصل لذاكرهنَّ، والداعي بهنَّ. أو البركة النموُّ، فإنَّ بركات اسمه وأسمائه تنمو أو تزوِّل الشياطين والوسواس، وتكمل السعادة، وإنَّما الذي يتعيَّن تفسير البركة في شأنه بالعظمة هو الله الواجب الوجود لا أسماؤه التي هي ألفاظ. ويقال أيضا: «اسم» معجم، والأصل:

 

«تبارك ربـُّك» أي تعاظم. وختم الله جلَّ وعلا نعم الدنيا بقوله: {ذوالجلال والإكرام} وختم نعم الآخرة [90] بقوله: {ذي الجلال والإكرام} والدنيا فانية والآخرة باقية بإبقاء الله لا بالذَّات، وختم الله هذه السورة باسمه كما ختم السورة التي قبلها باسمه والتي بعدها مع ذكر النعم في الكلِّ، قال: {في جـنَّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}، ولا أجلَّ من الكون عند الملِك المقتدر، وقال: {فرَوح([143]) وريحان و جـنَّة نعيم}، وذكر بعده: {وأمـَّا إن كان من المكذِّبين الضالِّين}.. إلخ. ويجوز تفسير {تبارك اسم ربـِّك} بـ«دام اسم ربـِّك دواما عظيمًا»، وثبت ثبوتا عظيمًا، فإنَّ معنى اسمه لا يزول، وألفاظ أسمائه لا تزال في الجـنَّة؛

 

ويقال لمـا يخزن فيه الماء «بركة» لدوامه فيه وثبوته، وتفسيره بـ«علا شأنًا». وأهل الجـنَّة يتلذَّذون بذكر أسماء الله العظيمة الدائمة الثابتة، فذكر بعد ذكر نعم الآخرة: {تبارك اسم ربـِّك ذي الجلال والإكرام} ولمــَّا عدَّ نعم الدنيا الفانية ولا باقي يذكر الله إلاَّ الله فإنـَّه باقٍ قال: {ويبقى وجه ربـِّك} وعظمة([144]) الاسم تدلُّ على عظم المسمَّى. وقرئ: «ذو الجلال والإكرام» بالرفع نعت لـ«اسمُ». ووجه الربِّ هو الربُّ، فقال هنالك: {ويبقى وجه ربـِّك ذو الجلال} ووجه الوجه [كذا] بالجلال وصف لله، والاسم بمعنى اللفظ غير المسمَّى إجماعًا، فقال هنا: {ذي الجلال} بالجرِّ وصف للربِّ بالجلال، لا للفظ، ومن قرأ بالرفع فلإثبات العظمة أيضا للفظ، لكن يشكل عليه قوله: {والإكرام} فإن المكرم للخلق هو الله، لا اسمه، الجواب أنـَّه أسند الإكرام للاسم لأنـَّه آلة للكرامـة لمن توسَّل به إلى الله جلَّ وعلا.

 


 


[1]

- كذا لعلَّه: «إنكارًا».

[2]

- في الأصل: «كيف». وهو خطأ.

 

 [3] - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بدالِّ». أو «بالدالِّ على».

[4]

- في الأصل: «مراث». وهو خطأ.

[5]

- في الأصل: «وجلاله».

[6]

- كلمة غبر مفهومة رسمها: «وهم» أو «وعم».

[7]

- في الأصل: «وجلا». وهو خطأ.

[8]

- في الأصل: «أنزل». وهو خطأ.

[9]

- في الأصل: «ممر». وهو خطأ.

[10]

- كذا في الأصل، والصواب: «عليها».

[11]

- كذا في الأصل، لعلَّ الصواب: «بنزول».

[12]

- كذا في الأصل، لعلَّ الصواب: «السجود إذْ هو».

[13]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وعلى كلِّ حال».

[14]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المجاوزة».

[15]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لها».

[16]

- في الأصل: «أقيموا». والصواب ما أثبتناه.

[17]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اعتدال».

[18]

- كلمة غير واضحة رسمها: «بعضها».

[19]

- رمز غير مفهوم شكله: «~».

[20]

- في الأصل: غدا.

[21]

- كلمة غير واضحة، لعلَّها: «وقرئ».

[22]

- في الأصل: «شادة». والصواب: «شاذَّة».

[23]

- في الأصل: «دلاله».

[24]

- في الأصل: «ويجور».

[25]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تستحقُّ».

[26]

- في الأصل: «كتيف». وهو خطأ.

[27]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الذي هو من».

[28]

- كلمة غير مفهومة، رسمها: «نطيف».

[29]

- في الأصل: «تغديته».

[30]

- في الأصل: «لئلاَّ».

[31]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومغاربه».

[32]

- في الأصل: «والمراب».

[33]

- كذا في الأصل، لعلَّه: «بالإغراق».

[34]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «متبادرًا».

[35]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يـبغي».

[36]

- كذا في الأصل بدالٍ مهملة، ولعلَّ الصواب: «لانجذاب».

[37]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الأرضيِّ».

[38]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يتماسُّ».

[39]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تفسير».

[40]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ظهر».

[41]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المطلق».

[42]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خلقهما».

[43]

- كلمة غير واضحة لعلَّها: «كون».

[44]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هو».

[45]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الجواري».

[46]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المنحوتة».

[47]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «السفن».

[48]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المشترك».

[49]

- يمكن أن نقرأ: «سكنت» أو «سكبت».

[50]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من».

[51]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مطابقة»، أو «متابعة».

[52]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عرفت».

[53]

- كذا في الأصل، والصواب: «لفظيـَّة».

[54]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جواز».

[55]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فانون».

[56]

- كذا في الأصل، والصواب: «فانون».

 

ح[57] - كذا في الأصل، والصواب: «المجسِّم».

[58]

- في الأصل: «قادرة». وهو خطأ فادح.

[59]

- كذا في الأصل، والصواب: «بلفظه».

[60]

- كذا في الأصل، والصواب: «صوم».

[61]

- كذا في الأصل، والصواب: «عظمة».

[62]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نظيفة».

[63]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يتجزَّأ».

[64]

- في الأصل: «المغترلة».

[65]

- في الأصل: «صفاة».

[66]

- كذا في الأصل، والصواب: «بقائه».

[67]

- في الأصل: «عقلا».

[68]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تهوي».

[69]

- كذا في الأصل، والصواب: «يذهل».

[70]

- كذا في الأصل، والصواب: «مستأنفة».

[71]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «علَّقناه بـ"يسأله"».

[72]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نعلِّقه».

[73]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أرجعنا».

[74]

- كذا في الأصل، والصواب: «الحيوانات».

[75]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فيعطيكموها».

[76]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «على».

[77]

- في الأصل: «السموت».

[78]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إذْ».

[79]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يجيركم».

[80]

- في الأصل: «الثاتـي».

[81]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نُحُس».

[82]

- في الأصل: «شواط».

[83]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «علفتُ».

[84]

- كذا في الأصل، والصواب: «بظرفه».

[85]

- كذا في الأصل، والصواب: «الفجائـيـَّة».

[86]

- كذا في الأصل، والصواب: «الفجائيـَّة».

[87]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَـأَتـَت».

[88]

- في الأصل: «السموت».

[89]

- كذا في الأصل، والصواب: «يحتـزم».

[90]

- كذا في الأصل، والصواب: «بتراخٍ».

[91]

- يمكن أن نقرأ: «مـجمل».

[92]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الظاهر».

[93]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «استعلامًا».

[94]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المذنب».

[95]

- يمكن أن نقرأ: «ويقدَّر».

[96]

- كذا في الأصل، والصواب: «الألف».

[97]

- في الأصل: «نوصيهم».

[98]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «طائفين».

[99]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تكون».

[100]

- في الأصل: «يـالجنـَّتين».

[101]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولا يخلوان».

[102]

- في الأصل: «تنتصرن».

[103]

- لعلَّ الصواب: حذف «إلى».

[104]

- في الأصل: «كثيره».

[105]

- لعلَّ الصواب: إضافة «ما».

[106]

- كذا في الأصل، لعلَّ الصواب: «ثخين».

[107]

- كذا في الأصل، لعلَّ الصواب: «أوَّله».

[108]

- ما بين معكوفين من إضافتنا ليستقم المعنى.

[109]

- كذا في الأصل لعلَّ الصواب: «فأوتي» أو «فأتـَى».

[110]

- في الأصل: «يتحاطبون».

[111]

- كذا، ولعلَّ الصواب: «يجـتـنَى».

[112]

- في الأصل: «قريبٌ»، وهو خطأ.

[113]

- كذا في الأصل، والصواب: «تسير».

[114]

- في الأصل: «يطائنها». وهو خطأ.

[115]

- في الأصل: «ولا يقل: يـطائنهنَّ». وهو خطأ.

[116]

- في الأصل: «النسوت».

[117]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مظروف».

[118]

- في الأصل: «يتمثهنَّ». وهو خطأ.

[119]

- في الأصل: «لا شتها».

[120]

- كذا في الأصل، والصواب: «أسد».

[121]

- كذا في الأصل، والصواب: «بالثواب».

[122]

- كذا في الأصل، والصواب: «أثاب».

[123]

- في الأصل: «النظخ»، وهو خطأ.

[124]

- كذا في الأصل، والصواب: «الدرِّيِّ». بدال مهملة.

[125]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يطـلُّون».

[126]

- من إضافتنا ليستقيم المعنى.

[127]

- في الأصل: «فطفق». وهو خطأ!!.

[128]

- كذا، والصواب: «لا يموت».

[129]

- في الأصل: «يخظر». وهو خطأ.

[130]

- كذا في الأصل، والصواب: «النضح». بالحاء المهملة كما قال المصنـِّف.

[131]

- في الأصل: «والزمان».

[132]

- كذا في الأصل، والصواب: «لفضلهما».

[133]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «غذاء».

[134]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأجيز» أو «وأجيب».

[135]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نضارته».

[136]

- في الأصل: «دويـنـة».

[137]

- في الأصل: «وضفعت»، وهو خطأ.

[138]

- في الأصل: «ذلك». وهو خطأ.

[139]

- في الأصل: «ومن الصبع». وهو خطأ.

[140]

- في الأصل: «اد». وهو خطأ.

[141]

- في الأصل: «اوماولاولماقرا». وكتبناه حسب فهمنا.

[142]

- كذا في الأصل، والصواب: «عظيمة».

[143]

- في الأصل: «وريح». وهو خطأ.

[144]

- في الأصل: «وعطمة». وهو خطأ.