إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الواقعة
طباعـة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعت الواقعة} هي نفخة البعث، أو القيامة من القبر([1])، أو البعث، أو الزلزلة، والواقعة اسم لذلك لا وصف له، ولو كان في الأصل وصفًا تغلَّبت عليه الاسميـَّة، إذ لا دليل على منعوت محذوف معيـَّن مثل: إذا وقعت الزلزلة الواقعة، أو البعثة الواقعة، ونحو ذلك، فإنـَّما هو اسم لمـا يقع مذكَّرًا كالبعث، أو مؤنـَّثًا كالبعثة والقيامة، فهو كالداهية لمـا هو عظيم مؤنـَّثا أو مذكَّرًا، وكما تقول: حدثت حادثة، ولا يمنع كونه اسما من وقوع التاء في فعله، لأنـَّه اسم لمؤنَّث كالداهية؛ والداهية معتبرتا [81] ينته([2]) وتوقُّع التاء في فعله، تقول: وقعت داهية؛ فلفظ الواقعة ولو دلَّ على الوقوع غير وصف بل اسم معناه كمعنى الوصف، وهذا معنى قول بعض المحقِّـقين: إنـَّه وصف لشيء غير معيـَّن،

 

 ألا ترى أنـَّك لا تقول: المرأة الداهية، ولا الرجل الداهية بل تقتصر على لفظ الداهية، ونفس المراد لا يخرج عن مذكَّر أو مؤنَّث، والتاء في ذلك للتأنيث، بدليل تأنيث الفعل، لا لمجرَّد المبالغة، كما تقول في كثير الرواية: «فلان رواية([3])»، فإنَّ التاء فيه للمبالغة فقط، فلا يؤنَّث، وإذا أنـِّث فلكونه لمؤنَّث، تقول: «قال رواية [كذا] جرير»، تريد الرجل الذي يروي شعرًا، وإن روته امرأة قلت: «قالت راويته». وإن قلنا: التاء في «الواقعة» للمبالغة في الوقوع، وهو له كانت وصفيـَّته باقية، واحتيج إلى تعيـُّن موصوف، إذ لا يحذف منعوت إلاَّ وقد علم، ولا دليل هنا على تعيينه، فإنـَّه يحتمل أشياء مأصدقها واحد أو متقارب، ولا يتعيـَّن واحد كما تقدَّم أنـَّه قد يقال: وقعت القيامة الواقعة، أو الزلزلة الواقعة ونحو ذلك، يدلُّ لذلك على غير تعيين قوله تعالى: {إذا رجَّت الأرض رجًّا...} إلخ، لكن لم يكن على التعيين، وكان هذا الدليل متأخِّرا فاخترت أنَّ الواقعة اسم لنفس القيامة ونحوها، ولا يخفى ما في لفظ الواقعة من المبالغة بلا تاء، إذ سمَّى الشيء واقعا قبل وقوعه، وجعل اسمه واقعًا، وكذا حيث كان.

 

 ووقع يفيد المبالغة، تقول: حدثت حادثة، فسمَّيتَه حادثة، وقد كان يكفي: وقعت وحدثت، إذ الأصل: حدث شيء، ووقع أمر، ولا يخرج عن المبالغة لجعله وصفًا للاستقبال، أي إذا وقعت القيامة التي ستقع، وهذه مبالغة، واللفظ بلا مبالغة إذا وقعت القيامة، فكيف إذا جعلنا الواقعة اسما لمـَا وقع ومضى مبالغة لا تحقيقًا، لدليل «إذا» الاستقباليـَّة. وجواب إذا محذوف تقديره: إذا وقعت الواقعة كان ما لا يسعه عقول الخلق، أو كان ما لا يسعه خطابكم، أو نحو ذلك مِمـَّا حذف تهويلا، أو لم يكن تكذيبها، أو اعترف بها كلُّ أحد، كما يدلُّ له قوله: {ليس لوقعتها كاذبة}؛ أو يُخفض ناس، ويرفع آخرون، كما يدلُّ له: {خافضة رافعة}؛ وليس جوابها قوله: {ليس لوقعتها} لعدم فاء الجواب فيه مع أنـَّه فعل [82] جامد،

 

 إلاَّ أن يدَّعى أنـَّه من باب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمـَّا بعدُ، ما بال رجال» من حذف فاء الجواب، ولا يكون جوابها: «وأصحاب الميمنة» لاقترانه بالواو، ولا تكون «إذا» مفعولا به لـ«اذكر» محذوفا، لأنَّ «إذا» لا تخرج عن الظرفيَّة إلى المفعوليَّة، ويجوز أن يكون الجواب هو قوله: {فأصحاب الميمنة...} إلخ.

 

{ليس لوقعتها} لوقوعها دفعة واحدة كما دلَّ عليه وزن «وقعة» من المرَّة، فإن «فَعْلَةٌ» لمرَّة، واللام للتوقيت، كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}.

 

{كاذبة} أي نفس كاذبة على الله، تنفي وقوع القيامة، أي لا يوجد لها كاذبة، بل يعترف المنكرون لها، وقد كانوا في الدنيا منكرين لها، واللام متعلِّق بمحذوف خبر «ليس»، و«كاذبة» اسمها، وهي على أصلها من التعدية، كما تقول: ليس لزيد ضارب، وليس لفلان ولد، ولا يجوز أن تكون للتعليل، لأنـَّها لو كانت له لتعلَّقت بـ«ليس»، فتبقى ليس بلا خبر، ولفظ «ليس» إبداله خبر، إلاَّ أن يُتكلَّف حذفه، أي: ليس لوقتها كاذبة توجد يومئذ، أي انـتـفي من أجل وقوعها وجود كاذبة، فإنَّ وقوعها لمشاهدة يومئذ مانع من تكذيبه، أو لا كاذبة توجد لشدَّة وقوعها، كما يقال: لا كاذبة عند الملِك، أي لضبطه،

 

 فإنـَّه لولا عظم هولها وشدَّته لأمكن للمعاند المستهزئ إنكارها ولو وقعت؛ وقد علمت أنَّ كاذبة وصف لموصوف محذوف، أي نفس كاذبة؛ وقيل: التاء للمبالغة، والموصوف عامٌّ مذكَّر لا مؤنَّث، تقديره: «ليس لوقعتها أحد كاذبة» وهو مشكل لإيهامه أنـَّه يوجد كاذب غير مبالغ، فيحتاج إلى الجواب برجوع المبالغة للنفي، أي انتفى الكاذب لها انتفاء عظيما؛ أو بأنـَّه لو كذب لها يومئذ أحد لكان كاذبا عظيما؛ أو بأنَّ المراد أنـَّه من كان عظيم الكذب صادقا فيه لا يمكن منه يومئذ أن يكذب فيها. وقيل: الكاذبة مصدر بوزن اسم الفاعل، أي ليس لوقعتها كذب كالعاقبة والعافية، أي لا كذب في الأخبار بها وبشأنها، كلُّ ما قال الله فيها صدق.

 

{خافضة([4]) رافعة}: خبران مبتداء([5]) محذوف، أي هي خافضة رافعة، أي القيامة خافضة لأقوام هم أصحاب الكبائر والمشركون، رافعة لأقوام لم يعصوا [83] أو تابوا؛ وهذا تهويل لأمرها، وتقرير لعظمتها، وكذا شأن الوقائع العظام؛ ومن تهويل الأمر بها أنـَّه لم يذكر مَن تخفض ومَن ترفع، فليجتهد الإنسان في معرفتهما، وفي الكون في من ترفع بظهور عزِّه وإكرامه في البعث والموقف وإدخال الجـنَّة ورفع الدرجات، وفي النجاة من أن يكون فيمن يخفض بالإهانة والعذاب إلى أن يدخل النار،

 

 ويكون في دركة من دركاتها، وكم من عال في الدنيا يخفظ([6])، وكم من منخفظ([7]) فيها ترفع [كذا]. ويجوز أن يكون المعنى: تنخفظ [كذا] الأجسام العالية كالبروج والجبال والأجنية والتلال والأهرام والسماء، وترفع ما انخفض منها كقوله: {جعلنا عاليها سافلها}، لكن بلا قلب هنا فتساوي الأرض رؤوس الجبال، وتسقط أجزاء السماء والنيـِّرات،

 

 بل تخفظ [كذا] أيضًا بعض ما انخفظ [كذا]، وترفع بعض ما ارتفع، كما ترفع الجبال في الهواء. ويجوز أن يكون الرفع والخفظ [كذا] شاملا للعقليِّ كإكرام السعداء، وإهانة الأشقياء، وللحسيِّ كخفظ [كذا] الأجرام ورفعها كما مرَّ، ومنه تسفُّل الأشقياء في النار، وإعلاء السعداء في الجـنَّة، فإنـَّهما حسِّـيَّان وعقليـَّان، لكن في جعلهما شاملين للعقليِّ والحسيِّ جمع بين الحقيقة والمجاز بأن نجيزه أو نحمل ذلك على عموم المجاز. وإسناد الخفظ [كذا] والرفع للقيَامة مجاز عقليٌّ، لعلاقة الزمان. والخافظ [كذا] الرافع الله حقيقة، ويجوز أن يكون {خافضة رافعة} نعتـين لكاذبة، أو لموصوفه، أي: ليس لوقعتها نفس كاذبة تخفض ما علا بفصاحتها أو كذبها، وترفع المنخفض كذلك. أو ليس لوقعتها كذب يخفظ [كذا] ما علا ويرفع ما انخفظ [كذا]؛ وكونهما وصفين للواقعة أولى أعني خبرين لضميرها، كما يدلُّ له قراءة نصبهما على الحال وصاحب الحال هو الواقعة، كذا قيل، وفيه أنـَّه لا مانع من جعلهما حالين من «كاذبة» ولو نكرة لتقدُّم النفي، أو لموصوفه إذا جعلناه وصفا لا مصدرا؛ ولا مانع من جعلهما خبرين لـ«ليس»، فتكون اللام للتعليل متعلِّقة بـ«ليس». ووجه تناسب السورتين أنَّ الأولى لتعديد النعم والمطالبة بالشكر لها، والمنع من التكذيب بها والثانية [84] لذكر الجزاء بالخير للشاكر وبالشرِّ للكافر، وأنـَّهما معا لذكر النعم الدنيويـَّة والأخرويـَّة؛ والأولى لإظهار الرحمة والثانية لإظهار الهيبة، كما أنَّ التي قبل الأولى لإظهار الهيبة؛

 

 وآخر الأولى لنفي النقص بالجلال وإثبات الكرم، وأوَّل هذه للقيامة ومثوبتها وعقوبتها، وكلٌّ يدلُّ على كمال عزَّته وقدرته.

 

{إذا رجَّت الأرض رجًّا}: زلزلت الأرض زلزلة شديدة ينهدم بها ما فوقها من بناء وجبل وهرم، والمصدر للتأكيد كما رأيت بقولي: شديدة، فهو ناف لأن يقال: ذلك الرجُّ غير معتبر لضعفه أو ليس بشيء، ولا يقول ذلك إلاَّ مشرك. و«إذا» بدلٌ من «إذا» الأولى، فالجواب واحد، ومرَّ الكلام عليه وعلى جواز خروج «إذا» عن الشرط، والصدرُ تعلَّق بـ«رافعة» أو بـ«خافظة» يقدَّر «إذا رجت...» الخ للآخر، أو يقدَّر عامل شامل أي تفعل ذلك إذا رجَّت، ولا يجوز أن يتعلَّق على التنازع، لأنَّ الظرف لا يكون ضميرا.

 

{وبسَّت الجبال بسًّا} أطيرت إطارة عظيمة من أماكنها، أو سيِّرت تسيِيرا عظيما وسيقت، كقوله تعالى: {وسيِّرت الجبال}؛ يقال: بسَّ الغنم، أي ساقها. أو فـتـِّتت كالسويق، وبسُّ السويق فتـُّه. وقرئ بالبناء للفاعل، أي ارتجـَّت وذهبت.

 

{فكانت} بسبب الرجِّ والبسِّ، كما دلَّت عليه فاء السببيـَّة، فإنَّ الجبال لا تكون هباء منبثـًّا ما لم ترجَّ الأرض وتبسَّ هي، أعني الجبال.

 

{هباءً} أجزاء دقيقة مثل ما يرى في شمس الكوَّة، والدنيا كلُّها كذلك، إلاَّ أنـَّه يظهر ذلك في الشمس الممتدَّة من الكوَّة، فلينظر المشتغلون بالتأنـُّق في البنيان وإجراء المياه وغسل المساكين [كذا] هل يوجد عندهم هذا الهباء الآن هو لا يفارقهم كما لا يفارق غيرهم، وهم فيه مغمورون، فإنَّ الريح مع قوَّتها لا تقطعه.

 

{منـبـثـًّا} متفرِّقا منتشرا.

 

{وكنتم أزواجا ثلاثة} أضاف ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، وأغنى عن ذكرهم هكذا بذكرهم مع أحوالهم المجملة في قوله:

 

{فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} بفاء تفصيل المجمل مع ذكرهم بأموالهم([8]) المفصَّلة في قوله 

 

{أولئك [85] المقرَّبون} ويجوز أن يكون هذا تعديدا على أن تقدَّر مبتدآت، أي فأحدها «أصحاب الميمنة»، والآخر: «أصحاب المشأمة»، والثالث: «السابقون»؛ أو مبتدأ واحد أي: «فهم أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون». والخطاب في «كنتم» للأمم السالفة والأمـَّة الحاضرة تغليبا للحاضرة؛ أو هو لها، ويعلم حكم السالفة بالمقايسة عليها. وسمَّى الأصناف أزواجا لاقترانهم في الذكر وفي مطلق الوجود.

 

 أمـَّا أصحاب الميمنة فعوامُّ أهل الجـنَّة، والسابقون مقابلوهم وهو الخواصُّ، وأصحاب المسأمة([9]) أهل الناركلُّهم، ولم يذكر فيهم السابقين في الشرِّ خصوصًا وهو داخل فيهم، فذلك كقوله: {فمنهم ظالم لنفسه...} إلخ. وسمَّى الفريق الأوَّل «أصحاب الميمنة» لأنـَّهم يعطَون كتبهم بأيمانهم، أو لكون أيمانهم تستنير بنور من الله {بسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم}([10])؛ أو لأنـَّه يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجـنَّة؛ أو لأنَّ لهم يمنا وبركة على أنفسهم بطاعتهم؛ أو لأنَّ لهم المنزلة السنـيَّة؛ أو لأنَّ اليمين يراد به الدليل على الخير، واليمين مقدَّم في الخير ولفعل الخير من مباح وطاعة، والجنَّة عن يمين العرش، والعرب تتفائل في الخير بما مرَّ من طائر أو وحش إلى الجانب الأيمن، وخلق الله القوَّة في الجهة اليمنى من الحيوانات، حـتَّى إنَّ أعضاء الجهة اليمنى من الشاة مثلا يظهر له متاد [كذا] قسمة لحمها أنـَّها أكبر من أعضاء اليسرى، والأيدي اليمنى حـتَّى من الهرِّ أقوى في العمل، وذلك حكمة الله عزَّ وعلا؛ فإن قيل إنَّ الكبد في الجهة اليمنى وبها قوَّة التغذية، والطحال في الجانب الأيسر وليس فيه قوَّة ظاهرة النفع، فصار الجانب الأيمن أقوى، قلنا: الله هو الذي خلق الكبد هناك، والطحال في محلِّه، وهو الذي أثـر [كذا] الكبد في ذلك، فذلك حكمته. ومن الناس من قوَّة العمل في يساره فإن شاء الله كانت كبده في يساره، وإن شاء كانت يمينه، وهو على كلِّ شيء قدير.

 

 أو سمُّوا أصحاب الميمنة لكذلك كلِّه. وسمَّى الفريق الثاني أصحاب المشأمة لأنـَّهم يعطون كتبهم بشمائلهم؛ أو لأنـَّه يؤخذ بهم ذات الشمال [86] إلى النار؛ أو لأنَّ لهم شؤما على أنفسهم بالمعاصي، ولأنَّ لهم المنزلة السيِّئة؛ أو لأنَّ العرب تشأم باليسار عند مرور الطائر أو الوحش إلى جهته؛ أو لضعف الجهة اليسرى؛ أو لأنَّ النار عن يسار العرش، ولمــَّا كان اليسار في الكراهة من ذلك وضعوا في موضعه المشأمة من الشؤم ضدَّ اليمن والسعادة، والميمنة مَفْعَلة من اليمن، أي الخير والبركة، والمشأمة مفعلة من الشؤم، وكلاهما اسم مكان فذلك جوانب يمن، وجوانب شؤم. وأمـَّا السابقون فهم سابقون بالمرتبة في الطاعة، ويسبعون([11]) غيرهم من غير حساب يمين وشمال؛ أو الذين يكون([12])

 

 من المنزلة العليا من جانب الأيمن وهم المقرَّبون الذين يشفعون لغيرهم، ويقضون أشغال غيرهم بإذن الله. و قدَّم أصحاب اليمين، وبعدهم أصحاب الشمال، وبعدهم السابقين، لأنَّ ذكر الواقعة والخفظ [كذا] والرفع مرغب ومرهب، وأكثر الناس محتاجون إلى ترغيب وترهيب بالثواب و العقاب، وذلك مبدأ الأمر مطلقا، وأمـَّا السابقون فهم مشغولون بالله عن الثواب والعقاب، وذكرهم تشويقا لأهل الدرجة الأولى أن يجتهدوا فيكونوا منهم بجدبة [كذا] من الله، كما قيل بجذبة من جدبات [كذا] الرحمن خير من عبادة سبعين سنة.

 

 والفاء في قوله: {فأصحاب الميمنة} عاطفة للاسميَّة على الفعليَّة، وهي لترتيب الذكر، و«ما» خبر مقدَّم؛ «وأصحاب الميمنة» مبتدأ، أو بالعكس، والأوَّل أولى لأنَّ السياق على معنى قولك: إنَّ أصحاب الميمنة هم غاية في عظم الشأن، وأصحاب الشأمة غاية في الهوان لا على معنى أنَّ الغاية أصحاب الميمنة، والغاية في السوء أصحاب المشأمة، والجملة خبر «أصحابُ» الأوَّل، والرابط إعادة المبتدإ بلفظه ومعناه تفخما وزيادة تعجيب، ومقتضى الظاهر: فأصحاب الميمنة ما هم، وكذا قوله: {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} كأنـَّه قيل: أصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال،

 

 وذلك كما تقول: من يعرف فلانا؟ تريد تعظيم شأنه، فهذا أشدُّ مبالغة من وصفه، وكما تقول: هل أخبرك بما جرى؟ لا إنـِّي أخاف إحزانك [87] وأصل «ما» السؤال عن حقيقة الشيء، تقول: ما عمر؟ وتريد: أإنسان هو أم جمل؟ أو نحو ذلك، وهو هنا سؤال عن الصفة والحال، كما تقول: ما زيد؟، فيقال: عالم أو طبيب، ولكن هذا راجع([13]) عندي السؤال عن الحقيقة حقيقة الصفة. وإذا قدَّرنا: فهم أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، فجملة: «ما أصحاب اليمين» وجملة: «ما أصحاب الشمال» معترضان؛ وقد علمت أنَّ الاستفهام تعجيب وتعجيم وحصل أيضا بإعادة الظاهر

 

كما يحصلان بعدم ذكر الخبر البتـَّة، بل الآية بمنزلة عدم ذكره، لأنَّ الخبر فيها نفس المبتدإ الأوَّل، فكأنـَّه قيل: أصحاب اليمين، ثمَّ ترك الكلام على الخبر، وأصحاب الشمال، ثمَّ ترك [الكلام]([14]) على الخبر، فقد يكون السكوت عن الخبر إشارة إلى طول القصَّة، وقد يكون إشارة إلى أنَّ ذكر المبتدإ كافٍ، أو إلى أنَّ السامع لا يقدر على سماعه. والسابقون مبتدأ، والسابقون خبر، أي السابقون بالطاعة السابقون في أعلى الدرجات، أو إلى رحمته، أو إلى الجـنَّة؛ أو السابقون هم المعروفون بأنـَّهم السابقون،

 

كقول أبي النجم: «أنا أبو النجم، وشعري شعري»، أخبر عن المبتدإ بشهرة أمره، حـتَّى لا حاجة إلى إخبار بغيره، أو لا يعرفهم السامع بإحاطة علمه بهم، إذ لا يسع ذلك فهمه فإنـَّما يعرفهم باسمهم، كقولك لمن سألك عن الملك: «ما حاله؟»: الملك هو ملك؛ أو السابقون تأكيد لفظيٌّ لا أوَّل، والخبر جملة «أولئك المقرَّبون»؛

 

 أو «السابقون» معطوف على «أصحاب اليمين»، كذا قيل، وكأنـَّه أريد: والسابقون ما السابقون، كما قال: {فأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين}، إذ لو عطف تحقيقًا على أصحاب اليمين لم يشملهم خبره، وهو: «ما أصحاب اليمين»، إلاَّ أن يقال: أراد أنَّ السابقين أيضا هم أصحاب يمين، فدخلوا في قوله: {ما أصحاب اليمين} وذلك تكلُّف، وعلى ذلك يكون «السابقون» الثاني أيضا تأكيدًا له، أو مبتدأ خبره «أولئك المقرَّبون»،

 

 وإذا لم نقدِّر: «السابقون ما السابقون» فما الفرق بينهم، إذ قيل: {ما أصحاب اليمين} ولم يقل: ما السابقون؟ الجواب: رفع درجتهم، كأنـَّه: و[88]السابقون هم السابقون، هم أعلى من أن يذكروا بقولك: ما هم؟ والأنسب السكوت عن ذكر ذلك فيهم، والسابقون على كلِّ حال هم أعظم من أصحاب اليمين، كما قيل: السابقون إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحقِّ من غير توانٍ، وكما قيل: السابقون إلى حيازة الكمالات؛ وقيل: الذين صلُّوا إلى القبلتين، كما قال: {والسابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار}؛ وقيل: إلى الصلوات الخمس، وتكرير «السابقون» مع قوله: {المقرَّبون...} إلخ، قام مقام أن يقال: والسابقون ما السابقون، أخَّرهم ليتـَّصل ذكرهم بوصفهم فلم يقل فيهم مثل قوله: {ما أصحاب الميمنة}، وقوله: {ما أصحاب المشأمة} فلبعدهم عن ذكر أوصافهم ذكر فيهم «ما أصحاب» إشعار بأنَّ لهم تفصيلا سيأتي.

 

{أولئـك المقرَّبون} مبتدأ وخبران، جعل خبرا لما قبله كأنَّ الرابط الإشارة، أي السابقون هم المقربون؛ أو مبتدأ وتابع، أو بدل وتابع والخبر هو قوله:

 

{في جنـَّات النعيم}. وفي تأخير السابقون([15]) مع أنـَّهم أفضل منـاسبة للاتـِّصال ببيان أحوالهم في قوله: {أولئك المقربون...} الخ، فيكون قدَّم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال لمكان الرغيب([16]) والتَّرهيب، وأخَّر المقربين ليـبـتدئ في التفضيل بأحوالهم، ففي التفصيل ابتدأ بالأفضل وهم السابقون ثمَّ أتـبعهم الفاضل وهم أصحاب اليمين، وأخَّر أصحاب المشأمة، وأشار بإشارة البعد إلى السابقين مع قرب ذكرهم تفخيما لشأنهم، وإيذانا ببعد منزلتهم في الفضل وأيضًا القرب في الذكر، والشيء المذكور إذا فرغ من ذكره كان بعيد([17]) لأنـَّه لم يحضر بنفسه، وذكْرُه قد غاب حين تمَّ، ومعنى قوله: {المقرَّبون}([18]) أنـَّه قرِّبت درجاتهم إلى العرش، وأعليت مراتبهم من حيث زكاة النفس، وأهل الجـنَّة كلُّهم مقرَّبون إلاَّ أنَّ السابقين أقرب؛ وأجيز أن يكون المعنى قرِّبوا من الجـنَّة، والحال أنَّ أصحاب اليمين متوجِّهون إليها أو إلى طريقها من غير قرب إليها، وذلك بعد الفراغ من الحساب، وأن يكون المعنى وصلوا أعلى علِّيـِّين، وأصحاب اليمين إلى الحور، وأن يكون المعنى أنـَّهم أقرب إلى رضى الله [89] بـمبالغـتهم في العبادة، فالتقريب في الدنيا ويترتـَّب عليه الأخرويُّ؛

 

 وإذا جعلنا «أولئك المقربون» مبتدأً وخبر([19]) حصل الحصر بتعريف الطرفين فيشكل بأنَّ أصحاب اليمين مقرَّبون والملائكة أيضًا مقرَّبون، الجواب أنَّ المراد المقرَّبون من الأصناف الثلاثة، وأنَّ المراد المقرَّب الكمال كما تقول: إنَّ «الـ» في «المقرَّبون» للكمال فلا يرد قرب دون قربهم ولا قرب الملائكة، وقد علمت أنَّ «في جنـَّات([20]) النعيم» خبرٌ؛ ويجوز تعليقه بالمقربون أو بمحذوف حال من المستتر في «المقربون»؛ وقيل: خبر ثان لـ«أولئك» على أنَّ «المقرَّبون» وصف بقربهم من الله قرب رضى أو بالعبادة لا بالكون في الجـنَّة، أو أنـَّهم من أهلها، فلا يقال: الإخبار بكونهم فيها بعد الإخبار بكونهم مقرَّبين ليس فيه مزيد مزيـَّة، ولذلك صحَّ أن نقول: «أولئك المقربون» مبتدأ وتابع، و«في جنـَّات النعيم» خبر أو خبر ثان، و«المقرَّبون» أوَّل وتضمَّن مزية أنـَّهم مقرَّبون وأنـَّهم في تلذُّذ وراحة لا كالقرب من ملوك الدنيا يوجب التعب والهمَّ والخوف وشدَّة الحذر من انقلابهم وبطشهم؛ زاد إيضاح ذلك بذكر النعيم ولم يقتصر على ذكر الجـنَّة، وفيه إشارة إلى أنَّ المقرَّب للتلذُّذ في الجـنَّة غير الملائكة، وأمـَّا الملائكة فلا يزالون خدمة للمؤمنين في الجـنَّة مكلَّفين، يرد عليهم الأمر من الله عزَّ وعلا.

 

 وذكرُ النعيم تلويح بأنـَّها جنـَّات تنعيم وتلذُّذ، لا كجنَّة الدنيا تكون للاكتساب منها بالاشتغال في القيام بها وبيع ثمارها؛ وإذا قلنا: «نعيم» بمعنى التنعيم فإضافة «جنـَّات» إليه من إضافة المكان إلى ما يعمل في ذلك المكان، أو بمعنى ما يتنعَّم به فمن إضافة المكان إلى ما حواه هو. وعرَّف «النعيم» هنا لأنَّ الجنـَّات المضافات إليه للمعرَّفين وهو المقرَّبون جمعا؛ ونكَّره آخر السورة لأنَّ الجـنَّة المضافة إليه لفرد نكرة؛ والمراد الإخبار عن حقيقة المـتَّـقين، فكان التعريف في جنـَّاتهم وأمـَّا {إنَّ المـتَّـقين في جـنَّات وعيون} و{إنَّ المـتَّـقين في جـنَّات ونهر} فالمراد كلُّ فرد من أفراد حقيقة المـتَّـقين له فرد من أفراد الجنـَّات، ولأن جنـَّات المقرَّبين [90] أعلى الجـنَّة على حدٍّ واحد كأنـَّها واحدة، كما قرئ:

 

 «جـنَّة النعيم» بالإفراد، يعرفها كلُّ أحد لعلوِّها وامتيازهم، بخلاف سائر الجنـَّات لسائر المؤمنين فمختلفات المنازل بعضها فوق بعض ومتداخلة، وذلك مناسب للتنكير؛ أو التعريف هنا لذلك وللكمال، والتنكير هنالك للتعظيم.

 

{ثلَّة}([21]) جماعة عظيمة وهو من الثلِّ بمعنى الكسر، لأنـَّه بمعنى جماعة قطعت من الكلِّ.

 

{من الأوَّلين وقليل من الآخرين} «ثلة» و«قليل» في الموضعين مبتدأ خبره ما بعده، والمسوغ التقسيم والنعت المحذوف والتعظيم والتقدير النعت [كذا] ثلَّة من السابقين وقليل منهم؛ أو خبر لمحذوف فلا نعت مقدَّر، أي «هم ثلة...» الخ، وعليه فـ«من الأوَّلين» نعت وهذا من الآخرين، وقليل على هذا معطوف على ثلَّة، والمراد بـ«الأوَّلين» من كان قبل نبيـِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم من لدن آدم عليه السلام؛

 

 والمراد بـ«الآخرين» من كان من هذه الأمـَّة إلى آخر الأمر؛ ذكر ذلك الثلَّة وتلك القلَّة لأنـَّها لا تعلمان كما يحال في ذكر شيء على ظهوره، كما قال: {السابقون السابقون}، ثمَّ يذكر ما هو غريب من حاله لا يعرف. ولا ينافي كون الأكثر من الأمم الماضية والأقلَّ من هذه الأمـَّة ما ذكر عنه صلَّى الله عليه وسلم أنَّ أهل الجـنَّة مائة وأربعة وعشرون صفًّا، وأنَّ هذه الأمـَّة ثمانون صفًّا، وأنَّ هذه الأمـَّة ثلثا أهل الجـنَّة، وأنَّ أمـَّتي يكثرون أهل الجـنَّة أي يغلبونهم عددا، و«إنـِّي أكاثر بكم الأمم» وما أشبه ذلك،

 

 فإنَّ سابقي الأمم السابقة أكثر من سابقي هذه الأمـَّة؛ وأمـَّا مطلق أصحاب اليمين فإنَّ أهل الجـنَّة من هذه الأمـَّة أكثر من أهل الجـنَّة من الأمم، وقد روي أنـَّه لمــَّا نزلت الآية صعب على الصحابة قلَّة هذه الأمـَّة فنزل: {ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين} أي ثلَّة من الأمم السابقة وثلَّة من هذه الأمَّة أي في مطلق أهل الجـنَّة،

 

 وبيَّنت السنَّة أن ثلَّة هذه الأمَّة ثلُثان، وثلَّة الأمم ثلث واحد، وكثرة الجماعتين جميعا لا ينافي كون إحداهما أكثر من الأخرى فقد تفضَّل الله على هذه الأمـَّة بكونهم أكثر في الجـنَّة من سائر الأمم، وليس قوله: {ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين} نسخا للأخبار لكون الأوَّلين أكثر، والنسخ لا يدخل الأخبار لأنـَّه يوجب الكذب بل [91] أخبار بأنَّ أهل الجـنَّة قسمان: قسم من الأمم، وقسم من هذه الأمـَّة، وبيـَّن الحديث أنَّ قسم الأمَّة أكثر،

 

 فالصحابة يفرحون بزول([22]) {ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين} ويزول حزنهم وقال: «أيسرُّكم أن تكونوا ثلثي أهل الجـنَّة؟ فقالوا: نعم» فهذه الأمَّة كثروا لعفو الله عنهم ما لم يعف عن غيرهم، وتسهيل الأمر لهم، فكثر عدد ناجيهم، وأمـَّا عدم المعصيَّة البتَّة وتحمُّل المشاقِّ العظام كقوله تعالى: {اقتلوا أنفسكم} ونحو ذلك من العزائم التي هي كالأصر، والقل([23]) فقليلة في هذه الأمَّة، وبها يكون السبق، فأهلها في الأمم أكثر. ومن السابقين أبو بكر وعمر ونحوهم والعلماء من الأمَّة، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل».

 

 وهذا أيضًا مِمـَّا يفرح به الصحابة إذ شبَّه علماء الأمَّة بأنبياء بني إسرائيل عليه السلام. وقيل: الأوَّلون والآخرون في الآية في هذه الأمَّة، وكذا في قوله: {ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين} وقد رويَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الأوَّلين والآخرين في هذه الأمَّة متقدِّموا هذه الأمَّة ومتأخَّرهم، فالثلَّة الصحابة، والتابعون وتابعوا التابعين وهكذا... والقليل من أهل آخر الزمان. وقد مرَّ اأنَّ الخطاب في «كنتم أزواجا» للغائبين والحاضرين على التغليب أو الأوَّلون السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار،

 

 والآخرون من بعدهم من الصحابة فالخطاب للحاضرين فقط، وتقدَّم أن غير الحاضرين يقاس في التقسيم على الحاضرين. ويجوز أن يكون الأوَّلون أهل الجـنَّة بأنفسهم، وبالآخرين أهلها بالتبع، وذلك في الأمم والأمـَّة كأولاد المؤمنين الصغار ومجانينهم من الطفوليـَّة إلى البلوغ وبعده إلى أن ماتوا، وقد قيل: إنَّ كلَّ ولد مات وأحد أبويه مؤمن فإنـَّه يلحق به،

 

 فإن كان أبوه شقيًّا والغياذ([24]) بالله وأمـُّه سعيدة التحق بها، وكم ولد أحسن حالا من أبيه وأمـِّه لعدم المعصية، والأبوان سابقان بالعبادة وصغارهما يلحقان بهما في درجتهما في الجـنَّة فضلا منه عزَّ وعلا؛ وولد الزنى لا يدخل الجـنَّة بمن هو من مائه ولو تاب بل بفضل الله أوتبعا لأمـِّه إن تابت هي، أو لم يكن الأمر في حقِّها زنى كالمقهورة مع امتناعها وتعاصيها إلى أن قام عنها، وفي هذا الوجه بحث فإنَّ أولاد المؤمنين [92] الصغار كثرون([25]) الجواب أنَّ من يبلغ منهم أكثر ممـَّن يموت. {على سرر موضونة}([26]) حال من المقرَّبين أو غيرهم أو من ضميرهم على حدِّ ما مرَّ؛ و«موضونة» نعت «سرر» أو «على سرر» حال من ضمير الاستقرار في قوله: {في جنـَّات النعيم} أو خبر ثانٍ، والأوَّل ثلَّة أي: «هم ثلَّة...» الخ «كائنون على سرر».

 

 والسرر جمع سرير؛ والموضونة المنسوجة، فإنَّ سرر أهل الجـنَّة منسوجة بالذَّهب مشبَّكة بالدُّرِّ والياقوت.

 

 أو الموضونة الموصولة، فإنَّ النسج وصل. أو الموضونة المنسوجة القويَّة اللحمة والسدير [كذا]. والوضين الحبل العريض القويُّ الذي يحتزم به، وسرر أهل الجـنَّة من الذهب الممذود([27])، وقوائمها من الجواهر النفيسة.

 

{متـَّكئين عليها متقابلين} حالان من ضمير الاستقرار في «على سرر»، استقرار الحال أو الخبر. ومعنى تقابلهم أنـَّه لا يستدبر أحدهم آخر لحسن العشرة وتهديب([28]) الأخلاق طبعا في الجـنَّة ولا تكلُّف عليهم في ذلك، وكلَّما تلاقوا أو اجتمعوا استقبلوا [كذا] بعض بعضا، وليسوا يجتمعون كلُّهم بمرَّة، بل جماعات ولا إشكال؛ وأمـَّا ما قيل: إنَّ هذا في السابقين الذين أجسامهم أرواح نورانيـَّة ليس لهم أدبار وظهور بل جيع جهاتهم وجه كالنور الذي يستضيء به كلُّ من في جهة من الجهة [كذا] فأقول: إنَّ هذا لا يحسن، وإنـَّه يشبه المثلة والمسخ، نزَّه الله أهل الجـنَّة عنهما؛ وإنـَّه يشبه قول النصارى أنَّ المبعوث الروح لا الجسد.

 

 ويجوز أن يكون «متقابلين» بمعنى متقدِّمين المساواة لا يرى أحدهم غيره أفضل منه، وكذا سائر أهل الجـنَّة، وفيه أنَّ الوارد كلٌّ من أهل الجـنَّة يرى أنـَّه أحسن، وعلى كلِّ حال لا يتكدَّر قلب أحد في الجـنَّة بكون أحد أفضل منه بل يلقي في قلبه القباعة([29]) بما هو فيه، ولا يتعلَّق قلبه بغيره، وفيه أيضا أنـَّه ليس [كلُّ]([30]) ممكن يجوز التفسير به، وكم وجه جائز لا يفسَّر به، لأنـَّه مجاز لا يظهر له دليل فلا يقبل مجاز بلا دليل؛ والتقابل بالوجوه هو الحقيقة،

 

وعليها تحمل الآية؛ وإنـَّما قال: {عليها} نفيا لأن تكون كراسيهم ضيـِّقة يتـَّكئون على غيرها فيها، أو من جانب أو قدام أو خلف، بل هي واسعة طويلة فيها كلُّ ما يحتاج إليه من وسادة أو غيرها، وقد مرَّ أن الإتـِّكاء: التمكُّن، أو الميل على جانب.

 

{يطوف عليهم ولدان مخلَّدون} حال متعدِّدة، [93] أو حال من ضمير الحال أو  المستأنف، والمراد بطوافهم عليهم الدخول إليهم في مصالحهم. والولدان الصغار ذكورا وإناثا، وجمع النعت جمع سلامة لمذكَّر تغليبا للذكور، فالطائفون عليهم صبيان وصبيـَّات، والمفرد: وليد ووليدة بعنى مولود ومولودة، لكن تغلَّبت في ذلك الاسميَّة فصار اسما للولد الصغير بدون اعتبار الولادة، ولذلك يقال: وليدة ــ بالتاء ــ ولو قام دليل التأنيث كتاء «قامت» في «قامت وليدة» وإلاَّ ففعلٌ بمعنى مفعول لا يقرن بالتاء إذا وجد دليل التأنيث وهؤلاء الولدان هم أولاد المشركين والفسَّاق وولد من أسلمت وبقي زوجها على الشرك أو لا أب [له]([31]) لأنـَّه من زنى، ذكورا وإناثا وصبيان [كذا] وصبيات يخلقهم الله في الجـنَّة كلُّهم خدم أهل الجـنَّة، وذلك أنَّ المشركين والفسَّاق غير التائبين لا يكونون في الجـنَّة فضلا عن أن يكون أولادهم معهم فيها في مرتبتهم وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «سألت ربـِّي في اللاَّهين أولاد المشركين والمنافقين فأعطانيهم خدما في الجـنَّة للمؤمنين» وفي رواية عنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أولاد الكبار خدَّام أهل الجـنَّة»، وإنـَّما توقَّف فيهم قبل أن يخبرهم الله جلَّ وعلا؛ وقيل: هم أولاد المؤمنين إذ ليس لهم حسنات يتابون([32]) عليها ولا سيـِّئات يعاقبون عليها،

 

روي ذلك عن علي بن أبي طالب والحسن البصريِّ، ولا أرى ذلك صحيحا عنهما، لأنَّ الله جلَّ وعلا قال: {والذين آمنوا واتـَّبعتهم ذرِّيـَّاتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} فنقول: اتـَّبعتهم ذريـَّتهم بإيمان الفطرة والموتِ قبل البلوغ وهم ملحقون بآباءهم في مرتبتهم لتقرَّ أعينهم، ولا نقول: المراد الإلحاق بهم في مطلق دخول الجـنَّة لأنـَّه خلاف المتبادر من قوله: {ألحقنا بهم} إذ يجب الحمل على الظاهر، ولأنَّ في جعلهم خدما لغير آباءهم نقصا لهم ولآباءهم، وجه نقصهم تفريقهم عن آبائهم وهم معهم في الجـنَّة، ووجه نقص آباءهم جعل أولادهما كالعبيد لغيرهم إلاَّ أن يقال يجعلون خدما لآبائهم، فيبحث بأنـَّه ليس من شأن أولاد الأكابر في الدنيا أن يكونوا خدما لآباءهم، فكيف وأهل الجـنَّة ملوكا! كيف وقد قال الله: {غلمان لهم}، إلاَّ أنَّ الغلام كما يطلق [على] العبد الصغير مثلا [94] يطلق على الحرِّ الصغير، وبأنـَّه يبقى من لا ولد له صغير من المسلمين بلا ولد يطوف عليه. وإن قلت: يلزم على تفسيرك الولدان بولدان الجـنَّة وولدانٍ لا أب لهم في الجـنَّة الجمع بين المجاز والحقيقة، لأنَّ الولد حقيقة فيمن ولد من البطن لا فيمن خلق كولد، قلت: قد أعلمتك أن الوليد أو الوليد([33]) يعرض فيه عن معنى الولادة إلى معنى الإنسان الصغير السين([34])،

 

 فهو حقيقة في الكلِّ عرفية، وأيضا قد أجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وأيضا قد يقال بعموم المجاز، وأيضا لمــَّا فنوا وبعثهم الله صار بعثهم كخلق ولدان في الجـنَّة بلا ولادة، فهم كلُّهم كشكل الوليد؛ ومعنى عموم المجاز: الحمل على المعنى المشترك بين الحقيقة والمجاز كهيئة المولود مع قطع النظر عن كونه مولودا كأطفال الدنيا أو غير مولود كالأطفال المخلوقين في الجـنَّة، فإن تسمية من لم يولد وليدا مجاز على الاستعارة تشبيها، أو مجاز مرسل صوريٌّ. ومعنى «مخلَّدون» مبقون على صورة الوليد، لا يتغيـَّرون ولا تنبت لهم لحى ولا شوارب، ولا تزول عنهم وضاءة الصغير، وهم مع ذلك في حلم الكبار وظرافة الأدباء؛ وقيل: معنى «مخلَّدون» مبقون دائما لا يموتون؛ وقيل: معناه مقروطون أي تغلق أقراط الذهب والفضَّة والجواهر النفيسة في آذانهم، وفيه أنَّ لفظ التخليد لم يوضع لذلك، ولعلَّ المراد أنـَّه إنـَّما يقرط في الدنيا عبد يراد للكسب لا للتجربة وإخراجه من الملك، فكذلك هؤلاء الولدان لا يخرجون عن ملكهم وخدمتهم، فقد يراد بتخليدهم التقريطر([35])

 

 المكنـيُّ به عن حقيقة التخليد سواء كان في آذانهم أقراط أم لا، كما هو شأن الكناية لا يلزم فيها وجود المعنى المكنـَّى بلفظه، ولكن قد أخبرتك أنـَّه لا يجوز الحمل على المجاز إذا لم تتـَّضح قرينته، فالتخليد الإبقاء لكن الإبقاء الكامل وهو الإحياء دائما وإبقاء صفاتهم الحسنى، يطوفون على الذكور وعلى الإناث.

 

{بأكواب} آنية لاعرالها([36]) نافذة ولا غير نافذة، والواحد كوب، وهو القدح الكبير؛ وقيل: من جنس الكيزان لكن بلا عروة.

 

{وأباريق} جمع إبريق وهو إناء له عروة نافذة أو غير نافذة.

 

{وكأس من معين} نعت لأكواب وأباريق وكأس، كلُّهن [95] من معين أي من خمر جارية على وجه الأرض، ويدلُّ على أنَّ المراد الخمر قوله: {لا يصدَّعون عنها ولا يُنزفون} على الظاهر؛ أو الأكواب والأباريق من ماء ولبن وعسل والكأس من الخمر، فيكون «من معين» نعت([37]) لكأس، وإنـَّما جمع الكوب والإبريق ولم يجمع الكأس إذ لم يقل: الكؤوس، لأنـَّها لا تسمَّى كأسًا إلاَّ إن كانت مملوءة، ومنها يشرب الواحد في الزمان الواحد، وأمـَّا أواني الخمر المملوءة منها في زمان واحد فكثيرة في عادتهم في الدنيا، ولأنـَّه لا تسمَّى كأسًا إلاَّ وفيها الخمر فالمعتبر الخمر، والخمر جنس واحد لا حاجة إلى جمعه في لغة العرب إلاَّ إذا أريد أنواع الخمر، وليس المراد في الآية ذكر أنواعها، فلو أريد لقيل

 

: كؤوس أي خمور، كما أنـَّه يقال: لحوم إذا أريد لحم كذا ولحم كذا، كطير وشاة وبقر. والإبريق والكوب أسماء بلا قيد خمر فجمعت باعتبار أنواعها إذ كان المعتبر الظروف، وترجيح ذكرها ولو كان فيها ما يشرب، وإنـَّما يطاف بالأكواب والأباريق مع ثقلها، لأنـَّه لا ثقل فيها على الوليد يخلق الله فيها خفَّة حـتَّى لا كلفة في حملها؛ أو لأنـَّها تدور وحدها والوليد معها، وذلك إكرام من الله، ووجه ترتيب الثلاثة أنـَّه يصبُّ من الكوب في الإبريق، ومن الإبريق في الكأس، وتقدَّم أنَّ قوله: {من معين} نعت للثَّلاثة أو للكأس،

 

 وهو بيانا لمـا في الإناء ووجه الأوَّل تعميم الفائدة، وأنَّ الكوب والإبريق ليس من وضعها الخمر، فناسب أن تبـيَّن بقوله: {من معين} مع الكأس. ووجه الثاني أنـَّه ذكر بعد ذلك: {لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون} وهو أنسب بالكأس، وأنَّ الكأس إنـَّما تملأ مِمـَّا في الأكواب والأباريق، فبيان الكأس بيان لهنَّ، ولا سيَّما أنـَّه لا يطاف بهنَّ فارغة، وأنَّ الله سبحانه قال: {بآنية من فضَّة وأكواب} لم يذكر ما فيها، وقال في الكأس: {بكأس من معين} ثمَّ إنـَّه لا مانع من الطواف بالأكواب والأباريق فارغة للزينة والتجمُّل والإكرم والتنعُّم، وهو خلاف المتبادر فلا يعتمد عليه. و«معين» فعيل بمعنى فاعل، يقال:

 

 معن الماء، أي جرى، والجريان صفة مدح في الماء، وفي الخمر واللبن والعسل أشدُّ مدحا وأعجب كما قال: {وأنهار من خمر}، والميم أصل والياء زائدة، أو مفيل([38]) أو مفعل على الخلاف في مبيع أهو [96] مفيل أو مفعل بمعنى مفعول بالميم زائدة ميم مفعول والياء أصل من عانه إذا أبصره بالعين ومسيره [كذا]، وفيه أنـَّه لا فائدة في وصفه بكونه مرئيـًّا بل يوهم العيب فيه، لأنَّ المعتاد في قولهم عانه أنـَّه أصابه بعينه وضرَّه، بخلاف فائدة الجريان فإنـَّها ظاهرة، ويجاب بأنَّ فائدة كونه مرئيـًّا بالعين الإخبار بأنـَّه جار على وجه الأرض تشاهده العيون، لا كما عين أسفل البئر، وماء العيون المستورة بالأرض.

 

{لا يصدَّعون عنها} لا يوقع الله عليهم صداعا عن الكأس، و«عنها» للمجاوزة، والضمير للكأس بمعنى الخمر، لا يجعل الله الصداع واقعا عليهم، وصادعا عنها؛ ويجوز أن تكون للسببيَّة، فإنَّ ما يصدر عنه الشيء هو سبب فيه. والصداع وجع الرأس، يقال: صدعني فلان، أي أورثني صداعا، ويجوز أن يكون «لا يصدَّعون» بمعنى لايفرَّقون عن الخمر، فهم أبدا شاربون لها؛ أو لا يفرَّقون عن الجـنَّة بأن يعود الضمير للجنَّة، وهو معنى مرجوح لقرب الكأس، وقولِه بعدُ: {ولا ينزفون}، فكما يقال: فرَّقت بين شيـئـين، يقال: فرقت أحدهما عن الآخر، إلاَّ أنَّ الأفصح هو الأوَّل وفرقتهما، وأمـَّا فرَّقته عن الآخر،

 

 فعلى معنى عزلته عنه، وقرأ بعضهم: «لا يَصدعون» بالبناء للفاعل، أي لا يفرِّق بعض بعضًا عن الكأس أو الجـنَّة؛ وقرئ: «لا يَصَّدَّعون» بالبناء للفاعل وتشديد الصاد كالدال فتفتح الياء، الأصل: «لا يتصدَّعون»، أي لا يتفرَّقون عن الجـنَّة أو عن الكأس، أو لايتأثـَّرون بصداع الرأس بالخمر، فأبدلت التاء صادا وأدغمت في الصاد كقوله تعالى: {يومئذ يصدَّعون}. وذلك كلُّه مدح للخمر بأنـَّها لا صفة ذمٍّ فيها تجتنب بها.

 

{ولا ينزفون}: لا يجعلهم الله سكارى بها، أو لا يجعلهم الخمر سكارى. وقرئ: «ولا يُنزِفون» ــ بضمِّ الياء وكسر الزاي ــ أي لايسكرون بالبناء للفاعل، من قوله: أنزف الشارب، بالهمزة إذا نفذ([39]) عقله. ووجه حسن الترتيب، أعني ذكر: «لا ينزفون» بعد «لا يصدَّعون» أنـَّه لا يصيبهم ضرر كبير وهو الصداع، ولا قليل وهو السكر؛ والعقل ولو كان أعظم شرعا وعقلا لكن ذهابه حال السكر لا صعوبة فيه ولا وجع، ويرجع بعدُ. أو أنـَّهم لا يفرَّقون عن الخمر بل يدومون معها، ومع ذلك لا يلحقهم سكر بها. ويجوز تفسير «لا يُنزِفون» [97] رباعيَّا مكسور الزاي بـ«لا ينفذ([40]) شرابهم» يقال: أنزف، أي نفذ [كذا] شرابه، فوجهُ حسنِ الترتيب أنَّ المعنى: لا يصيبهم صداع مع أنَّ الخمر لا تنفذ [كذا] عنها بل هي دائمة، ووجه حسن الترتيب إذا فسَّرنا «لا يصدَّعون» بـ«لا يفرَّقون عنها» أنَّ المعنى لا يعزلون عنها، وإذا شربوا أعطوا أخرى.

 

{وفاكهة مِمـَّا يتخيَّرون} أي يختارون، يقال: تخيـَّره واختاره وتخيـَّر أبلغ في التأكيد، فإنَّ الافتعال والتفعُّل ولو كان قد يكونان جميعا للعلاج لكنَّ العلاج في التفعُّل أكثر وآصل وأعظم، فكأنـَّه قيل: يأخذون ما يكون في نهاية الكمال؛ وحاصل اللفظين من معنى قولك: أخذت خياره، أي مِمـَّا يأخذون أفضله، والعطف على أكواب، فالفاكهة مِمـَّا يطاف به، كما يطاف بالأكواب والأباريق والكأس، يطوف عليهم الولدان بالفاكهة للأكل والتنعُّم؛ ولا حاجة إلى أن يقال: يطوفون عليهم بها للإكرام لا للأكل، لأنـَّهم لو كانوا تحت شجرة الثمار وفواكها([41]) تميل إليهم بأعلاها، ويصلون ما شاءوا منها ولو مضطجعين، لكن أيُّ مانع من أن ينالوها تارة بقطف أيديهم منها وتارة بمناولة الولدان، كما يقرب منك شيء وتصله بلا كلفة، ومع ذلك يناولك حبيـبك إيَّاه، ولا مانع من أنَّ ثمار الشجر يجنيها أهل الجـنَّة بأيديهم، والفواكه المنبسطة تجيء بها الوالدان، وإذا أراد الله أيضا سعت إليهم بنفسها، وإذا أرادوها حظرت([42]) بنفسها بإذن الله، ويبعد عطفه على «جـنَّة النعيم»، بمعنى أنـَّهم متقلِّبين في جنَّات النعيم والفواكه، والتنكير للتعظيم وهو شامل للكثير والقليل كماء وزيت ولأنواعها، ولو أراد التنصيص على الأنواع لقال: وفواكه ما يتخيَّرن.

 

 ويجوز كون التنكير للتنويع، أي ونوع غريب من الفواكه زائد على عامَّة الفواكه.

 

{ولحم طير} وقرئ ولحوم طير؛ والطير اسم للكثير، وأمـَّا الواحد فطائر، هذا هو الأفصح.

 

{مِمـَّا يشتهون} أي يتمنَّون، وقدِّم ذكر الفاكهة لأنـَّها في الدنيا تقدَّم على الأكل عند من يراعي الطبَّ في أكله، لأنـَّها أسرع للهظم([43])، فيستتبع هضمها عظم([44]) الطعام فوقها. والجـنَّة توصف بما في الدنيا، ولأنَّ الفاكهة تحرِّك شهوة الطعام، وأكل [98] الجـنَّة  تلذُّذ وتنعُّم لا عن جوع ولا عن اقتصاد في معيشة لكثرة طعامها ودوامه، ولا لتصحيح من مرض أو تقويَّة من ضعف، ولا لسدِّ الفراغ عن ألم الجوع إذ لا جوع فيها، والشبعان يرغب في الفاكهة واللحم بحسب خطور الاشتهاء، والقلب إلى الفاكهة أشدُّ منه شوقا إلى اللحم، وإنـَّما يكون أشدَّ باللحم من جوع أو قرم،

 

 ولا واحد منهما في الجـنَّة. وقال في الفاكهة: {يتخيَّرون}، وفي اللحم: {يشتهون} لأنَّ تخيُّر الفاكهة أكثر عندهم من اشتهاء اللحم، ولأنَّ الفاكهة تحضر عندهم فيتخيَّرون منها، واللحم يطلبه المؤمن، وتميل إليه نفسه، والعين تلذُّ بحضور الفاكهة لا بحضور اللحم فأكثرت الفواكه كما قال: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة}، وأمـَّا سائر الطعام كالخبز والحبِّ المعمول ونحو ذلك فلا يذكر لأنـَّه ليس تفكُّها بل هوكاللحم؛ والفواكه تكون أوَّلاً عندهم من غير سبق ميل إليها وتحضر ويـتـفكَّهون على حسب تخيـُّرهم، والتفكُّه يكون عند عدم الحاجة، فلا يشتهون فاكهةً بل لحما، فإنـَّه يروى أنـَّه يجيء الطائر فيقول: يا وليَّ الله رعيت في موضع كذا، وشربت في عين كذا، فتميل نفسه إليه فينزل كما شاء مشويًّا أو مقليًّا أو مطبوخا بلا ريش ولا عظم ولا أذى في بطنه أو غيره.

 

{وحور} جمع حوراء كحمراء وأحمر، من الحوار وهو البياض، أو شدَّة بياض العين في شدَّة سوادها، فهنَّ بيضاوات الأبدان، وكذا بيضاوات العيون سوداوتها.

 

{عينٌ}: جمع عيناء، أي واسعات العيون، والأصل عون بوزن حور، أبدلت الضمَّة كسرة لتبقى الياء، وهو نعت حور لقيام «حور» مقام الموصوف المحذوف، أي وأزواج حور، أو ونساء حور، أو نعت ثان للموصوف المحذوف. والعطف على «ولدان» فكما تطوف عليهم الولدان بأكواب وأباريق وكأس وفاكهة تطوف عليهم بذلك كلِّه  حور عين، وهنَّ حور أُخر غير الحور المقصورات فلا الخيام([45])، فليس طوافهنَّ بنافي([46]) القصر في الخيام. أو مبتدأ محذوف الخبر، أي ولهم حور عين. أو وفيها ــ أي في الجـنَّة ــ حور عين، وقرئ بالجرِّ عطف([47]) على جـنَّة النعيم أي في جنـَّات النعيم [99] وفي حورٍ عين، وأخَّره ليكون مع ما قبله، كقولك: في جنـَّات وشراب وفاكهة ولحم وحور عين، أي هم في صحبتهنَّ أو مغمورون بهنَّ، لأنَّ لكلِّ رجل حورا من جملة الحور؛ أو عطف على أكواب بمعنى أنَّ الولدان يجيؤن إليهم بحور عين في خيامهنَّ تجري بهنَّ الخيام، أوبحورٍ أُخر هنَّ أزواج لهم غير أزواجهم المقصورات في الخيام؛ أو بمعنى العطف على المعنى المسمَّى في غير القرآن عطف توهُّم، فإنَّ معنى {يطوف عليهم ولدان مخلَّدون بأكواب...} إلخ، ينعمون بأكواب، فهم منعمون بأكواب وأباريق وكأس وفاكهة ولحم وحور عين، وقرئ: «وحورا عينا» بالنصب، أي ويؤتون مع ذلك حورا عينا.

 

{كأمثال اللؤلؤ المكنون}: نعت ثان لحور، أو ثالث لموصوفه، أو حال([48]) من «حورٌ» أو من موصوفه. و«أمثال» مُقحمٌ للتأكيد، كأنـَّه قيل: كاللؤلؤ، أو للزائد [كذا] للتأكيد هو الكاف، و«أمثال» نعت أو حال مجرور بزائد أو لا زائد، ولكن «أمثال» بمعنى أوصاف، ويقدَّر المبتدأ؛ والجملة حال أو نعت أو مستأنفة هكذا: أمثالهنَّ كأمثال اللؤلؤ المكنون، أي صفاتهنَّ كصفات اللؤلؤ المكنون؛ وأمـَّا لو أبقينا الكلام على ظاهره فإنـَّه يلزم النقص في التشبيه، إذ يكون المعنى أنَّهنَّ يشبهن ما أشبه اللؤلؤ ولا شكَّ أنَّ قولك: «زيد كالأسد»، أبلغ من قولك: «زيد يشبه من هو كالأسد»؛ ولا يصحُّ جعله كناية هنا لأنـَّه يؤدِّي إلى مشابهنَّ([49]) أنفسهنَّ. و«المكنون» المستور لم يغيـِّره الهواء أو الشمس أو الأيدي أو غير ذلك.

 

{جزاء بما كانوا يعملون}: «جزاءً» مصدر للثلاثيِّ، وهو مفعول لأجله، عامله محذوف، أي يعطيهم ذلك للجزاء، أي للمكافأة؛ أو مفعول مطلقا، أي يجزون بما كانوا يعملون جزاءً، والآية تدلُّ أنَّ الزيادة على عملهم غير والصحيح([50]) ذلك، وهي ما لا يعلم كنهه إلاَّ الله عزَّ وجلَّ، والصحيح جواز حذف عامل المصدر المؤكّد خلافًا لابن مالك، وعلى المنع فليس هذا مؤكِّدا لأنـَّه قد تعلَّق به «بما كانوايعملون»، وإنـَّما قال: {بما كانوا يعملون} لأنَّ الباء للبدل فيبقى التفضُّل كما علمت، ولك جعلها سبـبـيَّة فلا تشمل الآية العوض والزيادة، كما لم تشملهما في الوجه الأوَّل لذكر لفظ الجزاء، فليس كما قيل: أنـَّها إذا كانت للسبـبـيَّة [100] شملت العوض والزيادة إلاَّ أن يضمن جزاء معنى عطاء، فإنَّ العطاء يشمل الأجرة والزيادة، ولا دليل على ذلك، ووجه ذلك أنَّ عمل العامل سبب للأجره([51]) والزيادة، كأنـَّه قيل: يعطيهم الزيادة لوفائهم بالواجب. وجاء الباء في حقِّ الكافرين أيضًا،

 

 ولولم تجئ  في قوله: {إنـَّما تجزون ما كنتم تعملون}([52]) ووجهه التلويح بأنـَّه جزوا نفس ما عملوا لا بزيادة كما قال: {ومن جاء بالسيـِّئة فلا يجزى إلاَّ مثلها}. واستدلَّت المعتزلة على وجوب الخير على الله سبحانه للمطيع بآياتِ لفظِ «الجزاء»، لأنَّ الجزاء أجرة متعيِّنة لازمة لمن عمل على المعمول له، والجواب أنَّ تسمية ذلك جزاءً فضلٌ من الله، ومحض وعد لا يخلف، لأنـَّه الخالق للطاعة الموفِّق له، ولصحَّة أحاديث أنـَّه لا يدخل أحد الجـنَّة إلاَّ بفضل الله، ولوسيِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ولو نوقش أعظم الملائكة عبادة لعذِّب، وإنـَّما ذلك كما تقول لعبدك: اِعمل كذا أعطك كذا، مِمـَّا لك عليه أن يعمله شرعا بلا أجرة.

 

{لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما}: «اللغو»: الباطل الذي هو حرام أو ظلم أو مكروه أو لا فائدة فيه، و«التأثيم» النسبة إلى الإثم، مثل أن يقال: يا فاسق، أو يا مجنون، أو كفرت، أو عصيت، أو سرقت، أو كذبت، فعلت ذلك في الجـنَّة أو في الدنيا، كلُّ ذلك لا يكون التكلُّم به في الجـنَّة فضلا عن أن يكون مسموعا في الجـنَّة، فالمراد بنفي سماع ذلك في الجـنَّة عدم التكلُّم به فيها، فإنَّ من لازم التكلُّم السماع في الجملة، فنفي التكلُّم بذلك بنفي السماع ذكر اللازم في موضع ذكر الملزوم، أو بالعكس، فإنـَّه إذا قيل: وقع السماع، علم أنـَّه وقع الكلام. قال الشاعر:

........................... .....            ولا ترى الضـبَّ بها ينــــجحر

أي لا ضبَّ فيها فضلا عن أن تراه ذا جحر، ولا بدَّ في الآية من ذلك، وإلاَّ لم تكن مدحا لهم ولا للجنَّة، فإنـَّك لو قلت: فلان لا يكون مضروبا ولا مشتوما، احتمل أنـَّه خمول، وأنـَّه كما لا يضرب ولا يشتم لا يكون مكرَّما، فالجنَّة مدحت بأنـَّها ليست أهلا لذلك، وفرق ظاهر بين قولك: فلانا([53]) ليس أهلا لأن يشتم، وقولك: غير مشتوم

 

الأوَّل مدح لا الثاني؛ وإن قلت: فهذا من النعم العظام مع قوله: {إلاَّ قيلا سلاما سلاما} فلم أخِّر عن قوله: {جزاءً بما كانوا يعملون} ولم يتقدَّم، فيكون الجزاء تعميما بعد [101] تخصيص، ولم يترك اكتفاء بذكر الجزاء؟ قلت: أخَّر ليدلَّ أنـَّه من الزيادة، كما قال جابر بن زيد رَحِمَهُ اللهُ في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}: إنـَّها عرفة([54]) من للؤلؤة([55])، وليختمَ بنعمة الخطاب والسماع بعد ذكر نعمة الأكل والشرب والأزواج وغير ذلك، وليكون قوله: {جزاء بما كانوا يعملون} مقابلة للأعمال بالنعم الفعليَّة، وما بعد ذلك مقابلة للأذكار القوليَّة، فيبقى لمـَا في قلوبهم مِمـَّا لا يظهر ما لا يظهر من النعم، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». وقدَّم اللغو لأنـَّه أعمُّ من التأثيم.

 

{إلاَّ قيلا سلاما سلاما}: الاستـثـناء منقطع، أي لكن يسمعون قيلا، فإنَّ قول سلام ليس لغوا ولا تأثيما، ويجوز أن يكون متَّصلا من باب تأكيد المدح بما صورته صورة ذمٍّ، ولا ذمَّ في قول سلام، لكن استـثـناه من اللغو والتأثيم بصورة أنـَّه منهما، على جعل اللفظ يوهِم دخول قول سلام في اللغو والتأثيم، كأنـَّه قيل: إن كان شيء من اللغو والتأثيم، أو ما يقرب منهما في الجـنَّة فهو قول: سلاما سلاما؛ ووجه المبالغة بذلك أنـَّه نفي للغو والتأثيم بطريق البرهان، ومن ذلك قولك: مالي ذنب إلاَّ أنـِّي أحبُّك، إن كان ذنب أو ما يقرب منه فهو الحبُّ، ومعلوم أن الحبَّ لا يعدُّه المحبوب ذنبا بحسب الطبع على أيِّ حال ولا قريبا منه، ولزم من ذلك تعظيم قول سلام حـتَّى كان برهانا، وتعظيم نفي اللغو والتأثيم ــ أعني المبالغة فيه ــ وهكذا كلُّ استثناء منقطع إذا أمكن تأويله بلا تكلُّف يؤوَّل إلى المتَّصل، وقد قيل: كلُّ استثناء هو متَّصل، وفي ذلك التأويل مجازا([56])،

 

 وكذا جعل «إلاَّ» استـثـناءً منقطعا مجاز لكن «إلاَّ» جوِّز في الفعل أو الاسم أولى منه في الحرف فإنَّ الحرف لا يصير مجازا إلاَّ بفعل أو اسم، والفعل والاسم يكونان مجازا ولو بلا حرف، والأصل في الاستـثـناء الاتـِّصال، والعدول عن الأصل للمبالغة أو البلاغة جائز. و«قيلاً»  مصدر قال يقول، وأصله الواو إلاَّ أنـَّها أبدلت ياء لانكسار القاف قبلها وهو مصدر شاذٌّ قيـَاسا، وقليل مثله في «يفعل» بالضمِّ من الواويِّ العين فصيح استعمالا؛ ويجوز أن يكون اسما للهيئة الحاصلة من المعنى المصدريِّ، كالرزق والستر بالكسر لمــَا [102] يـنـتـفع به ويستتر به، فهما اسمان، ولو فتحا كانا بمعنى إحضار ما ينتفع به والإخفاء([57])،

 

 فهما مصدران وما قبل([58]) أنـَّه «قيلا» مصدر للمبنيِّ للمفعول لا يصحُّ لأنَّ المصدر لا يختلف لفظه لكونه مبنيا لفاعل أو لمفعول، بل يختلف معناه بالقصد والعمل فيما بعدُ نحو: أعجبني ضربٌ زيدًا، ــ بنصب زيد وتنوين ضرب ــ فهذا من المبنيِّ للفاعل، وكذا: «أعجبني ضرب زيد وعمرًا» بإضافة ضربُ لزيدٍ ونصبِ عمرًا، ونحو: «أعجبني ضربٌ زيد» بتنوين ضرب ورفع زيد، و«أعجبني ضربُ زيدٍ وعمروٌ» بإضافة ضرب، وجرِّ زيد ورفع عمروٌ، فهذان من المبنيِّ للمفعول.

 

 وأيضا قال الله جلَّ وعلا: {وقيله ياربِّ} فإنَّ مرجع الهاء هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو قائل لا مقول، وكذا إن رجعت لغيره؛ وقد يقال: المراد مقوله: يا ربِّ، وإن أدُّعي أنـَّه يستعمل القليل من المبنيِّ للمفعول ومن المبنيِّ للفاعل، فقد رجع إلى ما ذكرت من أنَّ لفظ المصدر لا يتغيَّر، لكونه من المبنيِّ للفاعل أو للمفعول كما قلت أوَّلاً، وهوالحجَّة إلاَّ أنَّ عود الهاء للقائل مطلقا أولى، لأنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ذُكر قبلُ وبعد بالخطاب؛ نعم قد يقال: إنَّ «قيلا» هو قيل الماضي المبنيُّ للمفعول حكي وجعل اسما،

 

 ولم يمنع من الصرف، لأنـَّه ليس بوزن الفعل الخاصِّ بالفعل، لأنَّ وسطه مسكَّن لا مكسور بعد ضمٍّ ولوكان هذا أصله، وأيضًا ليس علَما بل نكرة، وفيه أنـَّه لو حكي لكان علَما إلاَّ أنـَّه يصرَّف لعدم الوزن الخاصِّ بالفعل، وأيضًا لو كان حكاية لفظ لم ينصب المفعول، وأيضًا لم كان([59]) حكاية لم يستثن، ويجاب عن هاذين بتقدير ناصب هكذا: يقول القائل سلاما سلاما، وأنَّ المعنى إلاَّ لفظ قيل، فإنـَّه مسموع وبيـَّن المقول بقوله: {سلاما} على تقدير «سلاما» [كذا]، وفيه أنَّ الملائكة مثلا أو أولياء الله لا يقولون: «قيل» بل يقولون: قال الله: «سلام عليكم» أو يقول فلان: «سلام عليكم» ويجاب، بأنَّ المرد هنا اختصار قولهم بـ«قيل»، كأنَّهم يقولوا [كذا] قيل، وفي ذلك تكلُّف. و«سلاما» مفعول به لـ«قيلاً» بمعنى: قولا، وهو من أعمال المصدر المنوَّن، كقوله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما...} الآية، ونصب القول المفرد هنا لأنـَّه مضمَّن معنى الذكر أو لأنَّ السلام هنا [103] بمعنى الجملة، على أنـَّه بمعنى التسليم، والتسليم يحصل بالجملة مذكورة أو محذوفة، مثل قولك: السلام عليكم،

 

 ويدلُّ لهذا قراءة بعضهم: «سلامٌ سلامٌ» بالرفع، فإنـَّه من الجملة، أي: إلاَّ قيلا: «سلام عليكم»، ففي هذه القراءة نصبه للجملة، أو مفعول مطلق لمحذوف، أي إلاَّ قيلا: سلام الله عليكم سلامًا، أو يسلِّم الله عليكم سلامًا، أو الله سلامًا، أي: يسلِّم سلامًا، أو سَلِمتم سلامة سلامة، بالفعل الثلاثيِّ، ولمــَّا حذف اللفظ كرَّر سلام، وفي ذلك نصبه للجملة «قيل»، أو بدل من «قيلا»، بدل مطابق وهذا على أنَّ «قيلا» بمعنى: مقول قيل، أو نعت لـ«قيلا»، من باب النعت بالمصدر، أي: قيلا سلامة أو باسمه [كذا]، أي قيلا تسليما، والوصف بالمصدر مبالغة؛

 

 وكرَّر «سلاما» إخبار بإفشاء السلام في الجـنَّة، فإنـَّهم يسلِّمون بعض على بعض، والملائكة عليهم، ومن الله مرَّة بعد أخرى بلا نهاية. أو لا يسمع بعض من بعض إلاَّ سلاما بدءًا وردًّا أوَّل الملاقاة، وإنـَّما يردُّ السلام مخلوق على آخر، ولا يردُّون على الله على سلم عليهم [كذا]، لأنـَّه تعالى هو الذي يؤمِّن عبده ولا يؤمِّنه أحد، إذ لا يحتاج ولا يخاف ولا يعجز؛ وسوَّى بين اللفظين بالنصب لأنَّ أهل الجـنَّة سواء في استقلال بعض عن بعض، لا كإبراهيم لمــَّا قال الملائكة له «سلاما» بالنصب أي: سلَّمنا عليك  سلاما، وهذا إنشاء، أو: سلم الله عليك سلاما، تفضَّل بالردِّ عليهم بقوله «سلامٌ» بالرفع، أي عليكم سلام. وليس قراءة الجمهور بالنصب مغائرة([60]) البتـَّة لقراءة الرفع، لأنَّ لفظ «سلامٌ»([61]) المنصوب لا يتعيـَّن أن يكون كذلك في الجـنَّة، بل أمـَّا [كذا] كذلك كما قلنا التقدير: سلَّم الله عليكم سلاما؛ وأمـَّا بالرفع فإنـَّك إذا [قلنا:] فلانا يقرئ السلام، لا يتعيـَّن أن يكون قد قرأه بالنصب،

 

 فكأنـَّه قيل إلاَّ قريهم [كذا] سلاما سلاما، إلاَّ ذكرهم إيـَّاه، والتحيَّة به بأيِّ إعراب نصبا كان أو رفعا. وثَمَّ بيان حال السابقين وشرع في بيان «أصحاب اليمين» بقوله:

 

 

{وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين}، هو مثل قوله عزَّ وجلَّ: {وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} معنى وإعرابا، وزاد هنا يجوز أن يكون «ما أصحاب اليمين» معترضا والخبر «في سدر»، إلاَّ أنـَّه ذكرهم عند تقسيم الأزواج الثلاثة فلفطة([62]) «الميمنة» وهنا عند [104] ذكر الإنعام بلفظ اليمين ليكونوا قد ميـَّزهم أوَّلاً باليمين والبركة وضدِّ الشؤم، على أنَّ الميمنة مصدر، وثانيا بالموضع. وإن قلنا: الميمنة اسم المكان، أي موضع اليمين، أو بمعنى اليمين كانا معا اسما لجهة، وزاد البيان هنا بذكر أنـَّهم في السدر والطلح الخ...، وسمُّوا «أصحاب اليمين» لأخذهم كتبهم بأيمانهم، أو لقوَّتهم أو للنور عن أيمانهم ونحو ذلك مِمـَّا مرَّ.

 

{في سدر مخضود}: خبر ثان لـ«أصحاب» أو لمحذوف، والجملة مستأنفة، و«السدر» هو خبر ثان: شجر النبق. و«المخضود» المنزوع الشوك، شبـَّه بلا شوك بنزع الشوك بعد وجوده، فذلك استعارة لجامع مطلق عدم الشوك، أو أطلق لفظ المعنى المفيد على المعنى المطلق، فهو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقبيد أو أحدهما، إذ المخضود لمـَا لا شوك فيه، بعد كونه فيه، فاستعمل في مطلق ما ليس فيه ولولم يكن فيه البـتَّة؛ وقيل: المخضود المعطوف إلى أسفل، فإنَّ أغصان الثمار تتدلىَّ إلى أسفل لثقلها بها، فالمراد أنـَّه يخالف يخالف [كذا] سدر الدنيا إذ كان له ثمار كثيرة كبار تتدلىَّ بها الأغصان، وليس ذلك في سدر الدنيا، فلنبقِ الجـنَّةِ حلاوة وطراوة وعسل وعظم جثـَّة،

 

 كقلل هجر بلا  نوى، ولذلك ذكرها من نعم الجـنَّة، فيشير إلى أنَّ أدنى نعم الدنيا يوجد في الجـنَّة على حالة عظيمة لا تليق به آلاف أعظم نعم الدنيا فالجنـَّة تشتمل على نعم الدنيا كلِّها، جيـِّدها ودنـيئها، ولا يبقى شيء منها على دناءته أو على مضرَّته التي هو عليها في الدنيا مِمـَّا يدرك بالحاسـَّة أو بالطبِّ والتجربة من المضارِّ، كما إذا فسَّرنا المخضود بالمخلوق بلا شوك، فقد خلا سدر الجـنَّة عن شوك سدر الدنيا، فالآية تدلُّ على أنَّ الجـنَّة مشتملة على طرفي النعم العليا والسفلى فتدخل الوسطى بذكر الطرفين، وأنَّ كلَّ ما فيها خال عن الأذى الذي هو عليه في الدنيا، وأنَّ كلَّ ما فيها لا يبقى على لذَّته في الدنيا فقط كائنًا ما كان، بل يزيد من اللذَّة ما لا يحصيه إلاَّ الله عزَّ وجلَّ. وأشار أيضا بذكر السدر إلى أنَّ في الجـنَّة ما صغر ورقه كالسدر، وما عظم ورقه كالطلح. والتنعُّم يكون بالنظر كما يكون بالأكل فيتنعَّمون بالنظر إلى صغر الورق وكبره؛ وأيضا [105] لمــَّا كان السدر مِمـَّا تـتـنَّعم العرب به وتعدُّه وتعرف شأنه أكلا لثماره لهم ولورقه لدوابـِّهم واستظلالاً ذكر أنـَّه لا تخلو منه الجـنَّة، إلاَّ أنـَّه على الحالة العظمى.

 

{وطلح منضود}: الطلح شجر الموز، و«المنضود» المركَّب بالثمار من أسفله لأعلاه، لا تبدو منه ساق؛ أو مركَّب بالورق لا كطلح الدنيا في تفاسح الورق؛ واختار بعضهم هذا الوجه؛ أو أمُّ غيلان، ولها أنوار كثيرة منتطقة [كذا] طيـِّـبة الرائحة، وقد علمت أنَّ التنعُّم بالأكل والنظر والشمِّ وغير ذلك. وعن السدِّيِّ أنـَّه شجر يشبه طلح الدنيا الذي بالشوك بلا ثمر هو في الجـنَّة بلا شوك، وبثمار أحلى من العسل. وقرأها عليٌّ: «وطلع منضود» بالعين المهملة بدل الحاء فقال: ما شأن الطلح بالحاء، وقرئ: «وطلح نضيد» فقيل: هي في المصاحف بالحاء أفتغيـَّر ذلك اللفظ؟ فقال: لا، إنَّ آيَ القرآن لا تهيج ولا تحول، فرجع إلى الطلح بالحاء. وروي ذلك كلُّه أيضًا عن ابن عبـَّاس، كما روي عن عليٍّ، وإنـَّما قرأ: «وطلع نضيد» استدلالاً بالآية الأخرى، على أنَّ هذه أيضًا بالعين،

 

 وقد رجعا عن ذلك. وفي قوله: {وطلح منضود} مبالغة حيث أسند النضد إلى الطلح، وإنـَّما هو لأوراقه أو لثماره أو لهما فقط، وذلك جائز حيث لا لبس كما هنا، تقول: زيد منظَّف، وتريد منظَّف الوجه، فالمراد طلح منضود الورقِ أو الثمار أو كلاهما لاحيث اللبس فلا تقول: زيد منظَّف، وتريد منظَّف الغلام. وقيل: «منضود»: مخلوق بثمار متتابعة من أسفله لأعلاه.

 

{وظلٍّ} أي يشبه ظل([63]) فهو استعارة، لأنَّ الظلَّ حقيقة ما عن الشمس مثلا، ولا شمس في الجـنَّة، ولا هي يومئذ خارج الجـنَّة، ملقية الظلَّ عليها، بل ذلك كظلِّ ما بين قرب طلوع الشمس في الأفق وطلوعها، وكضلّ([64]) حيث عمَّ السحاب السماء، وكظلٍّ في موضع لا ترى منه الشمس وقت الضحى، وذلك تمثيل، فإنَّ الجـنَّة أظوا([65]) من ذلك، ولولا أنَّ الله جلَّ وعلا قوَّى أبصارهم لخطف الأنوار أبصارهم، لكن لا خطف ولا مشقَّة ولا مكروه، بل أعظم اللذَّة في ذلك.

 

{ممدود}: أي ممدود زمانا، فهو دائم لا يأتي عليه زمان يزول فيه أو ينقص أو يتكدَّر. {أُكلُها دائم وظلُّها}، أي كذلك [106] دواما؛ أو «ممدود» بمعنى موصول إلى أعلى كلِّ شيء عال في الجـنَّة؛ أو «ممدود» بمعنى مبسوط، كقوله تعالى: {والأرض مددناها}؛ أو «ممدود» بمعنى عامٍّ زمانا ومكنا([66])، وذلك ظلٌّ يخلقه الله بلا شمس، كما خلق النور حيث شاء، والظلمة حيث شاء، ومن شأن النور الحرُّ، وخلق الله الجـنَّة منوَّرة بلا حرارة.

 

{وماءٍ مسكوب}: مصبوب لهم أينما شاءوا، وكيفما أرادوا، ومتى أحبـُّوا، من سفل إلى علو، ومن علو إلى سفل، وعلى سمت بإجرائه في الهواء وبإيقاعه في الآنية، والصبُّ كما يكون لأسفل يكون لأعلى، إلاَّ أنَّ المعتاد في الدنيا للأسفل؛ أو معنى «مسكوب» مصبوب على حاله هكذا بلا حفر ساقية، ولا بناء ساقية، بل يقع على الأرض هكذا ويجري حيث أراد وليُّ الله بإذن الله جلَّ جلاله، أو معناه مصبوب يجري في الهواء، فإنَّ المسكوب جار في الهواء ولو في الدنيا، ألا ترى أنـَّه جرى من السماء إلى الأرض لكن قطرات، بل ألا ترى كيف يجري من الميزاب، ومن قربة إلى إناء، ومن إناء لآخر إذا صبَّ، أو مسكوب مكـثَر ــ بفتح التاء([67]) ــ يصبُّ صبـًّا لا يقطر قطرًا،

 

ولا يوزن أو يكال، أو يعبر بقادوس ونحوه؛ وعلى كلِّ حال الآية تشويق للعرب فإنَّ جلَّهم ماؤهم من الأبيار والبرك، وهو عندهم محفوظ لقلَّته عزيز، يذكرون كثرته في النعم، ويعبِّرون عن كثرته بإراقته، والله جلَّ وعلا ذكر المقرَّبين بأقصى ما يكون لأهل المدن من السرر الموضونة وطواف الولدان، والخدم بأنواع الآنيـَة والأشربة والفواكه واللحم على وجه أحبُّوه، والظرافة بالتسليم. وذكر أصحاب اليمين بأقصى ما يكون لأهل البدو من السدر والطلح والظلِّ الممدود، إذ كانوا يسيرون ليلا ويقيمون نهارا للحرِّ، ويشتهون الظلَّ، وحيث يسيرون نهارا فهم أشدُّ شوقا إلى الظلِّ والماء المصبوب من السماء أو من عين إذا اتـَّفقت لهم أو قصدوها، وذلك إشعار بالتفاوت بين حال السابقين وحال أصحاب اليمين وكفى ذلك فرقا، ولو ذكر بعد ذلك ما ظاهره المساواة أو تفضيل أصحاب اليمين فإنـَّه ليس المراد تفضيلهم ولا مساواتهم بل المقرَّبون مفضَّلون في الثواب قطعا بلا شكٍّ، فكلُّ ما كان لأصحاب [107] اليمين فللمقرَّبين أفضل منه.

 

 

{وفاكهة كثيرة}: نوعًا وجنسًا وأفرادا، قدَّم ذكر الشجر على ذكر الفاكهة لأنَّ الشجر يشمل الورق والثمار والتنعُّم بالنظر إليها وبالثمار منها، والفاكهة أتمُّ نعمة فخصَّها بالذكر آخرا ونبات الفاكهة المراد به ثماره، والتنعُّم بها لا بأوراقه وأغصانه، والفواكه مرغوب فيها كانت في منبتها أو قطعت، والشجر لذلك تعرف بثمارها بإضافتها إلى ثمارها، كما تقول: شجر التين وشجر الزيتون وشجر الرمَّان، وذكر الفاكهة بالكثرة لا بالطيب، لأنَّ الطـيِّب يعرف من لفظ الفاكهة، لأنَّ التفكُّه: التلذُّذ، ولا تلذُّذ إلاَّ بما هو طيـِّـب. ووصفها بالكثرة لأنَّ من شأن الفاكهة في الدنيا القلَّة ــ بالقاف ــ والعزَّة، وما في الجـنَّة من الفواكه ليس لدفع الحاجة بل للتلذُّذ والتَّرفُّهِ، فهي أكثر من قدر الحاجة. ونعم الجـنَّة مبنية على طريق ما يقال له إسراف وليس بإسراف، فإنَّ الإسراف ما سمَّاه الله إسرافا، بأن خرج فيه المكلَّف عن الحدِّ، ونعم الجـنَّة مخلوقة على التوسُّع أقصى ما يكون، مع أنـَّه لا يقع فيها فساد ولا إفساد.

 

{لا مقطوعة}: في وقت كما تقطع فواكه الدنيا في غير أوانها وتقطع في بعض الأحيان ولو في أوانها، فإنَّ لكلِّ فصل فواكه لا توجد في غيره وقد تعدم أو تقلُّ في فصلها، وكما تقطع فواكه الدنيا عن أرض لا تنبت فيها أو لا تصلح فيها وتصلح في أرض أخرى وتصلح [كذا].

 

 

{ولا ممنوعة}:كما تصنع([68]) فواكه الدنيا إلاَّ بالثمنِ أو عوضِ ماءٍ ولو عناء أو جاها([69]) أو هبة ثواب أو نحو ذلك، وكما تمنع في الدنيا ولا توجد بشيء لأنَّ صاحبها أحبَّ إدخارها لوقت لنفسه أو لحاجة فتمنع من بعض وتعطى بعضا، وإنـَّما تمنع في الدنيا لاحتياج صاحبها إليها أو إلى ثمنها، وفواكه الجـنَّة لله وهو لا يحتاج، فلا يمنعها، وأزمنة الجـنَّة مستوية فلا يقطعها الله لزمان يخلقه مخالفا للآخر لا تصلح فيه، بخلاف الدنيا فخلقها أزمنة متفاوتة الهواء، فهو يقطع وجودها فلا يوجدها في وقت ويوجدها في آخر، ففي الجـنَّة يوجدها دائما ولا يمنعها عمـَّن أرادها بعد وجود، بل وكَّل إليهم أيضا أن يحبـُّوا شيئا فيوجده لهم في الحين. وأخَّر المنع عن القطع لأنَّ المنع للشيء إنـَّما هو بعد انـتـفاء عدمه، [108] فإذا لم يقطع بل وجد صحَّ أن يمنع عن متناوله، أو أن لا يمنع. وقرئ: برفع فاكهةٌ وكثيرةٌ ومقطوعةٌ وممنوعةٌ على أنـَّه مبتدأ محذوف الخبر، أي: وهناك فاكهة إلخ...، أو ولهم فاكهة الخ...

 

{وفرش مرفوعة}: أي أزواج مرفوعات القدر، أو على الأسرَّة والزوح([70]) تسمَّى فراشا لزوجها، يقال فلانة فراش لفلان أي زوج له، قال الله عزَّ وجلَّ: {هنَّ لباس لكم}. وقوله: {مرفوعة}كالترشيح، لأنـَّه إنـَّما يظهر منه ما يفرش كالزرابي، ويدلُّ لتفسير الفرش قوله بعد ذلك: {إنـَّا أنشأنهنَّ إنشأ فجعلناهنَّ أبكارا...} الخ؛ وقيل الفرش ما يفرش كالزرابي. و«مرفوعة» معلاة في الهواء، أو مرفوعة على الأسرَّة، أو مرفوعة بعضها على بعض، أو مرفوعة القدر.

 

 

{إنـَّا أنشأناهنَّ إنشاءً}: إن فسَّرنا الفرش بالأزواج فالهاء عائدة إلى الفرش وإلاَّ عاد للأزواج المدلول عليهنَّ بالفرش المبسوطة للاضطجاع والاتـِّكاء والتمتـُّع. وقوله: {أبكارا عُرُبا أترابا} دلالة بـيِّـنة، لأنـَّه معلوم أنَّ في الفرش الدنيويـَّة حظايا؛ وقيل: هو عائد إلى الحور العين المذكورات قبل ذلك وفيه بُعدٌ ووقوعٌ في قصَّة أخرى؛ والعود إلى الأزواج أعمُّ فائدة، لأنـَّه يشمل نساء الجـنَّة في الدنيا والحور العين، وكلٌّ منهنَّ ينشئها الله كذلك، أمـَّا الحور العين فواضح، وأمـَّا نساء الجـنَّة من الدنيا فقد متن وفنين وردَّهن الله أبكارا عربا أترابا، سواء أكنَّ كذلك في الدنيا أم لا، وما كان من الدنيا قد زال وأنشاه الله؛ وقيل: المراد الحور العين؛ وقيل: نساء الدنيا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «هنَّ اللواتي فنظن([71]) في دار الدنيا عجائز شمطا رمسا [كذا] جعلهنَّ الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواءكلَّما أتاهنَّ أزواجهنَّ وجدوهنَّ أبكارا، أي: ولا ألم عليهنَّ في ذلك ولا امتناع ولا تكلُّف على أزواجهنَّ.

 

والشمطاء المختلط شعرها أبيض وأسود والرمصاء [كذا] المجتمع الوسخ الأصفر من عينيها جوانبهما، ورجِّح أنَّ المراد نساء الجـنَّة من الدنيا بقوله: {أبكارا}، لأنـَّه لو أريد الحور العين لم يذكر أنـَّهنَّ أبكار، لأنـَّه معلوم أنـَّهنَّ أبكار، لأنـَّه لم بتزوجهنُّ قطُّ، وإن أريد نساء الجـنَّة من الدنيا والحور فأيُّ فائدة في ذكر الحور بأنـَّهنَّ أبكار كذلك أيضا،

 

 ويجاب بأنَّ المراد في جانبهنَّ بالذات [109] ذكر أنـَّهنَّ عرب أتراب، كذلك زيد رجل عاقل المراد بالذات ذكر العقل، وأيضا قد لا يعلم الإنسان أنـَّهنَّ خلقن أبكارا ولا سيما أنـَّه قد يتوهَّم أنَّ في إزالة الرجل بكارتهنَّ الماء([72]) عليها ودمًا ووسخًا وتكلُّف عليه ومشقَّة وتكدُّرا وتعاصيًّا فبتوهَّم أنـَّهنَّ خلقن غير عدارى([73]) ليتخلَّصوا من ذلك، وأيضا وصفهنَّ بالبكارة ليجمعها مع عُرُبا، أي هنَّ مع كونهنَّ أبكارا متحبـِّبات إلى الزوج لا كبكر الدنيا في الدنيا تنفر لألم إزالة العدرة [كذا] عنه؛ وأيضا أنشأهنَّ أبكارا، والمراد أنـَّهنَّ بقين كذلك لم يمسَّهن إنس قبلهم ولا جانٌّ، ومعنى أنشأ الحور خلقهنَّ بلا ولادة، وكذا نساء الدنيا يبعثهنَّ الله بعد الفناء لا بولادة بعد التي في الدنيا؛ وأيضا لعلَّ المراد بكارة لا كبكارة الدنيا، أو بكارة كلَّما زالت عادت.

 

 

{فجعلناهنَّ أبكارا}: متغلِّقات الفروج، وهذا أعظم فائدة وهو ما مرَّ فلا حاجة إلى جعله بمعنى أنـَّهنَّ لم يدخل عليهنَّ زوج، قوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانٌّ} وذلك أنَّ البكرة([74]) تكون بمعنى أنـَّها لم تتزوَّج ولو زالت بكارتها، والثيـِّب تكون بمعنى من تزوَّجت ولو لم تزل بكارتها، وهكذا يستعمل اللفظان في الفقه؛ ولمــَّا كان من شأن من تزوَّجت أن تزول صاروا يستعملون الثيـِّب بمعنى من زالت بكارتها، ومن شأن من لم تتزوَّج أن تبقى بكارتها، فصاروا يستعملون البكر بمعنى من لم تزل بكارتها ولو كانت قد تزول بزنى أو بيدها مثلا أو خلقت كذلك. ويأتي الكلام على الفاء.

 

 

{عُرُبًا}: جمع عروب، كغفور وغُفُرٌ، وهي المتحبـِّبة إلى زوجها الحسنة العشرة لزوجها؛ أو الحسنة الجميلة. وقرئ: «عرْبا» بإسكان الراء.

 

 

{أترابا}: جمع تِـَرب ــ بكسر فإسكان أو بفتح فكسر ــ وهو من ولد وقت ولدت تحقيقا أو تقريبا ووقعتما معا في التراب ،هذا أصله ثمَّ استعمل هنا في متساويات العمر من حين خلقن في الجـنَّة ومن حين غيِّرت خلقت([75]) نساء الدنيا إلى صورتهنَّ في الجوقف([76]) ليدخلن الجـنَّة، وفي هذا تقريب لأنـَّهنَّ يدخلن الجـنَّة بتفاوت لا بمرَّة، ولكن الحور قبل ذلك، فالحور بعضهنَّ ترب لبعض، ونساء الدنيا بعض ترب لبعض تقريبا في بعضهنَّ، وفي ذلك كلِّه تكلُّف، مع أن الحور متفاوتات الخلقة زمانا لمــا في الآثار من أنـَّه من فعل كذا [110] خلق الله له حوراء أو حوراوين أو حوراء([77])،

 

وإنـَّما الجامع لذلك كلِّه أن نقول: معنى كونهنَّ أنـَّهنَّ في رأي العين أتراب كما جاء الخبر أنـَّهنَّ يصوِّرهنَّ الله على صور بنات ثلاث وثلاثين سنة على غاية الطراوة ولا يتعـيَّرن([78]) أبدًا فهنَّ متفاوتات في زمان التصوير على ذلك، لكن لا يرى أثر التقدُّم أو التأخُّر عليهنَّ، وعلى هذا فـ«أترابا» استعارة أو مجاز مرسل صوريٌّ، وذلك كما يقال لمن ولد معك في زمان واحد تحقيقًا أو تقريبا: إنـَّه لِدَتك ــ بكسر اللاَّم وتخفيف الدال المهملة ــ من الولادة، ثمَّ يستعمل لمن يساويك في عقلك. ثمَّ أنـَّهنَّ أتراب بعضهنَّ لبعضهنَّ كما علمت. فقوله:

 

{لأصحاب اليمين}: متعلِّق بـ«أنشأنهنَّ» أو بـ«جعلناهنَّ»([79]) على التنازع؛ وقيل: مساويات لأزواجهنَّ في رأي العين، فاللاَّم متعلِّق بأتراب لتضمُّن معنى مساويات، أو بمحذوف نعت لـ«أترابا» أو لـ«أبكارا»، أو حال منه، أو خبر لمحذوف، أي: هنَّ لأصحاب اليمين، وهو الراجح؛ ووَرَد الخبر بأنـَّهنَّ متساويات فيما بينهنَّ و فيما بينهنَّ وبين أزواجهنَّ أي أترابا بعض لبعض ولأزواجهنَّ. وتعلُّق اللاَّم على الأوجه المذكورة وبيان التترُّب بين من يفيده خبر خارج كما أخبرتك، ويبعد أن يعلَّق بمحذوف خبر لقوله: {ثلَّة}. وفائدة المساواة كمال المناسبة واللذَّة، ففي الدنيا يعـير الصغير من الزوجين الكبير منهما والفاء في «فجعلناهنَّ» لتفصيل المجمل، وهو أنشأناهنَّ، فلا مانع من أن لا يتعلَّق «أبكارا» ولا اللام في «أنشأناهنَّ» إذ ذكر ذكر مجملا ثمَّ فصِّل، بل له فائدة بلا تفصيل، بأنْ يراد أنشأناهنَّ بلا ولادة، وأمـَّا [إذا] علَّقنا اللام بـ«أنشأناهنَّ» فقد قيـِّد الإنشاء بقوله: {لأصحاب اليمين}،

 

 وكذا إن علَّقنا «أبكارا» بـ«أنشأناهنَّ» بأن جعلناه حالا من الهاء في «أنشأناهنَّ» قد قيـِّد بالحال، وحينئذ يكون المفعول الثاني لـ«جعلناهنَّ» هو «لأصحاب اليمين»، وهذا الوجه لم أذكره إلاَّ الآن في اللام؛ والفاء على كلِّ حال لتفصيل المجمل، فإنَّ «أنشأناهنَّ» ولو قيـِّد بما ذكر قد بقي له إجمال بالنسبة إلى ما لم يقيـَّد به، لكن في جعل «أبكارا» حالا من هاء «أنشأناهنَّ» مخالفة للظاهر للفصل، ودون ذلك تعليق اللام به لكنـَّه [111] لا بأس به، إذ حاصله التعليق به بعد كمال معمولات ما بعده، وأنَّ المعنى أنشأنهنَّ لأصحاب اليمين فضلا ومنـَّة عليهم يناسب إتمامه بجعلهنَّ أبكارا.

 

{ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين}: مبتدأ وخبر فيهما؛ وقيل: خبر لمحذوف أي هم «ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين» بعطف «ثلَّة» على «ثلَّة» والجار بعد «ثلَّة» على هذا متعلِّق بمحذوف نعت لـ«ثلَّة» والضميرِ المقدَّر «لأصحاب اليمين» كأنـَّه قيل: أصحاب اليمين ثلَّة من الأوَّلين وثلَّة من الآخرين، وتقدَّم جواز كونهما مبتدأ وخبرا، فيقدَّر نعت لاتـِّصال الكلام بعض ببعض لا للتسويغ لوجوده بالتقسيم أي: ثلَّة منهم من الأوَّلين، وثلث منهم من الآخرين، وتقدَّم أنَّ الثلَّة من التلِّ([80]) بمعنى الكسر، فإنَّ الجماعة مقطوعة من الجملة، وكان الثُّـلَّة فعلت([81]) ـ بإسكان العين ـ بمعنى مفعولة، كضحكة بمعنى مضحوكة منه، ولقطة بمعنى ملقوطة ــ بإسكان الوسط ـ. وهذه الجماعة المذكورة في الموضعين هنا من هذه الأمـَّة على ما تقدَّم من الكلام على ذلك.

 

 قال أبو العالية ومجاهد وعطاء والضَّـحَّاك: {ثلَّة من الأوَّلين} من سابقي هذه الأمَّة {وثلَّة من الآخرين} من هذه الأمَّة في آخر الزمان. وعن سعيد بن جبير عن ابن عبـَّاس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هم جميعا من أمَّتي». وإنـَّما ذكر الثلَّة من السابقين قبل ذكر السرر والفاكهة والحور، و{من أصحاب اليمين} بعد ذكر النعم لأنَّ السابقين استغرفوا في أمر الله ولا يلتفتون إلى تلك النعم، والنعم تـتشرَّف بهم، وأصحاب اليمين يلتفتون إليها، كذا قيل، وقد مرَّ أنـَّه لا يصحُّ أن لا يلتفتوا، لأنَّ أهل الجـنَّة كلَّهم في التلذُّذ بنعمها، وإنـَّما وضعت الجـنَّة لذلك لا ليعرض عن نعمها، نعَم يتلذَّذون بذكر الله تعالى.

 

 

{وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} تقدَّم إعراب مثله، ومن أوجهه جعل «أصحاب» الأوَّل مبتدأً خبره «في سمموم» وما بينهما معترض، وهم المشركون والفسَّاق، وأمـَّا قوله: {وقالوا: أئذا متنا...}([82]) إلخ ففي المشركين، لكن حكم على المجموع ادرجع([83]) ضميره إلى أصحاب الشمال، كأنـَّه قيل: ومنهم من يقول: أئذا متنا.

 

 {في سموم} حرِّ نار [112] ينفذ في المسامِّ، وهي ثقب البدن، فيقال: سمُّ البدنِ، وسمُّ الإبرةِ وهو منفذهما، سمِّي حرُّ النار سمومًا لأنـَّه يدخل في مسام البدن الشبيهة بسمِّ الإبرة في مطلق النفوذ ولو كان خرق الإبرة أوسع، أو لأنـَّه يشبه سُمَّ الأفعى، إلاَّ أنـَّه هو أيضًا سمِّي سمـًّا لأنـَّه ينفذ المسامَّ، وذلك كقولك: رأَسه ــ بفتح الهمزة ــ أي أصاب رأسه بضرب، وركبه يفتح الكاف أصاب ركبته بضربها. وقيل: السموم في الدنيا ريح حارَّة تهبُّ فتمرض أو تقتل غالبا، يرسل مثلها في النار من جنسها لكنَّها أعظم ولا تقتل إذ لا موت في الآخرة لأهل الجـنَّة والنار؛ وقيل: هو هواء متعفِّن يتحرَّك من جانب إلى جانب يفسد القلب بعفونـته ويقتل، ومثله في النار إلاَّ أنـَّه لا موت فيها؛ وقيل: يختصُّ هذا الاسم بهواء الليل على الوصف المذكور، يرسل مثل ذلك الهواء على أهل النار، وهي كتيفة([84]) حـتَّى رأى بعض أنـَّها في الدنيا قد ترى لكتافتها(71) ففيها إشارة إلى ظلمة ما هم فيه، كذا قيل، وفيه بُعدٌ وتكلُّف، وسبب تسميتها سموما في هذين القولين ما تقدَّم أيضًا.

 

{وحميمٍ}: الحارِّ جدًّا، من حمَّ اللاَّزم، يقال: حمَّ الماءُ ــ يفتح الحاء ورفع الماء ــ أي صار حارًّا، فهو فعيل بمعنى فاعل، أو من حمَّ المتعدِّي، يقال: حمَّ فلانٌ الماء بنصب الماء بمعنى أحرَّه بالنار، فهو فعيل بمعنى مفعول، إلاَّ أنَّ الاسميـَّة تغلَّبت على سموم وحميم، وذكر الأوَّل بوزن فعول، والثاني بوزن فعيل، لأنَّ تلك الريح أو حرَّ النار يهبُّ مرَّة بعد أخرى، فناسبه ما لا يكون إلاَّ صفة مبالغة، وهو فعول، بخلاف الماء الحارِّ فإنـَّه ليس يسخن مرَّة، ثمَّ يسخن أخرى، فناسبه ما يكون صفة مبالغة، ويكون صفة هكذا، إلاَّ أنـَّه لا يخلو عن مبالغة ما، وهو فعيل، ولو لم يكن صفة مبالغة نحو: كريم. وذكر الله جلَّ وعلا السموم والحميم تهويلا بأنَّ ما يتوقَّع منه الخير والراحة في الدنيا يأتيهم منه شرٌّ، وأشدُّ الشرِّ كراهة ما يأتي من حيث يرجى الخير، فإنَّ الريح ترجى لمطر ولبردها وروحها ومنافعها [113] فتأتيهم في النار حارَّةً تنفد([85])

 

المسامَّ، أو يأتي بحرِّ النار، والماء يرجى للشرب والبرد ومنافعه فيأتيهم في النار بل يأتونه بالغًا في الحرارة محرقًا مذيبًا، فإذا كان هواؤهم وماؤهم هكذا وهم في دار عذاب فما ظنـُّك بالنار التي يعذَّبون بها، فإنـَّه معلوم أنـَّه ليس يعذَّبون بهما فقط، وإنـَّما هي دار عذاب، التعذيب بهما فرع عذابها.

 

{وظلٍّ من يحموم} يحموم جهـنَّم سمِّيت يحمومًا لسوادها وظلمتها؛ أو دخان أسود بهيم كأنـَّه جسم كتيف([86])، أو ظلمة؛ وأصل ذلك كلِّه من الحمم وهو الفحم، كأنَّ ذلك لسواده فحمٌ، إلاَّ أنَّ تشبيه جهـنَّم بالفحم تشبيه القويِّ بالضعيف، وهو جائز للتمثيل بما يدرك الخلق، كقوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض، مثَل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح...} إلخ، ويقال: ذلك ليس تشبيهًا، بل الحمم أصله لكلِّ أسود؛ أو تغلَّبت الاسميـَّة وأصلها من ذلك، وزيدت الياء أوَّلَه والواو وسطه للمبالغة في السواد، قيل: وفي الحرارة معًا، ولا يصحُّ ذلك، لأنَّ مدلوله السواد فقط، فالمبالغة في السواد إنـَّما يؤتى بوجه آخر بأن يقال: يحموم مِن «حمَّ» بمعنى حرَّ، أو أحرَّ على ما مرَّ آنفا في «حميم»، فإنَّ جهـنَّم حارَّة، ودخانها حارٌّ، بل دخان الدنيا فيه بعض حرارة أيضا، ولا حرارة بالظلمة فزيد الحرفان للمبالغة في حرارة جهـنَّم أو الدخان، فهم دائمًا في عذاب إن تعرَّضوا للريح تبريدًا أصابتهم السموم، وإن استتروا عن حرٍّ ففي ظلٍّ من يحموم، وإن أرادوا التبريد بالماء أصابوا الحميم، وتلتهب أحساؤهم بالسموم فيشربون الحميم فتقطع أمعاءهم، ويلتجئوا إلى ظلٍّ من يحموم، وإذا قلنا: يحموم جهـنَّم فـ«مِن» للابتداء، أو دخان أو ظلمة فللتبعيض؛ وإذا كان بمعنى جهـنَّم، فإنـَّما صرف مع أنـَّه علَم مؤنَّث لتأويل المكان، أو لأنـَّه لم تعتبر علميـَّته بل يعتبر اسمًا لمواقع ثلاثة وهي مجموع الظلِّ ذي ثلاث الشعب؛ وإذا استعمل يحموم غير علَم فهو نكرة لا إشكال في صرفه فيُـنَوَّن، أو تدخله «الـ»، كما تقول: الجحيم بـ«الـ»، أو جحيمٌ [114] بالتنوين.

 

{لا بارد}: كسائر الظلام.

 

 {ولا كريم}: لا خير فيه، وكلُّ خير يسمَّى كرما، حـتَّى إنـَّه يقال: سيف كريم، إذا كان جيـِّدَّا. وكرم الظلِّ بعد البرودة أن يكون موضعه نضيفا([87]) للقاعد والمضطجع، والكائن فيه خالـيًّا عن وسخ ونجس ونتن ولو من جوانبه، وخاليًّا عن الأذى كشوك وباعوض([88]) وبقٍّ وذوات السموم وسائر المضارِّ لكنَّ البرد منه، وهؤلاء الخيور ليست منه، ومع ذلك ليس البرد ذاتيًّا للظلِّ فإنَّ الظلَّ انتفاء الشمس، وإنـَّما البرد يحصل بالهواء الذي لم يسخن بالشمس، وقد يكون ظلٌّ لا برد فيه، والفرق بينه وبين الكرم في حقِّ الظلِّ أنَّ البرد لازم للظلِّ إذا لم يسخَّن الهواء بالشمس، وهذا معنى قولي: إنَّ البرد منه وأمـَّا الكرم فليس ذاتـيًّا بالظلِّ، ولا لازم له، وقد يكون المكان كريما بلا ظلِّ كالموضع التي فيه تلك الخيور إذا كانت فيه الشمس تطلب لدفءٍ من برد الشتاء كما يكون الظلُّ بلا كرم، وأيضًا العرب تنفي الوصف المحسوس بلفظه والمعقول بنفي الكرم، تقول: تلك الدار ليست بواسعة ولا كريمة، فكذا الآية فكأنـَّه قيل: ظلُّ لا مدح فيه أصلاً، لا حسًا ولا عقلاً، والله عزَّ وجلَّ ذكر الظلَّ ونفى عنه وصفيه([89])

 

البرد والكرم لتحقيق أنـَّه ليس ظلاًّ فإنَّ الظلَّ ما عن [كذا] شمس، وكذا نفي تحقيق الظلِّ بكونه من يحموم، أي من نار، فلفظ الظلِّ استعارة. و«لا باردٍ» عطف على محذوف، والمحذوف نعتا للظلِّ، أي ظلٍّ شرِّير لا بارد ولا كريم، وقيل: لا، ومدخولها بمنزلة اسم ظهر لإعراب في مدخولها، والمعنى غير بارد كما تجعل إلاَّ ومدخولها نعتا في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله لفسدتا}، وكما قيل: إنَّ «لا» اسم مضاف لمـا بعدها، بمعنى غير؛ وقرئ برفعهما على الإخبار لمحذوف، أي: لا هو بارد ولا كريم.

 

{إنـَّهم كانوا قبل ذلك}: متعلِّق بقوله: «كانوا» في قوله: {مترفين} تعليل جمليٌّ لقوله: {في سموم وحميم([90]) وظلٍّ من يحموم لا بارد ولا كريم}. و

 

 

{مترفين}: منعَّمين بأنواع النعم من المآكل والمشارب والمساكن الطيـِّـبة والمقامات الكريمة وسائر النعم [115] لم يشكروها فعوقبرا([91]) بنقائضها، فهي جـنَّة لهم في الدنيا كما قال الله جلَّ وعلا: «لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، فمن خاف الله في الدنيا أمـِّن في الآخرة، ومن أمن فيها خاف في الآخرة». وكما قال الله جلَّ وعلا: {إنـَّه كان في أهله مسرورًا إنـَّه ظنَّ أن لن يحور}، والإشارة لذلك إلى ما ذكر من كونهم {في سموم وحميم وظلٍّ من يحموم لا بارد ولا كريم}، فكلُّ من تنعَّم في الدنيا بلا شكر عذِّب في الآخرة؛ ونعم الدنيا لم يخل بها مكلَّف ولو تفاوتت، فالمراد بالمترفين في الآية مطلق النعم لا خصوص معظمها، والتنعُّم في الدنيا لا يوجب عذابًا، لكن يوجب عدم الشكر للنعم، وقد بيـَّن عدم شكرها بقوله: {وكانوا يصرُّون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أيذا متنا...}([92]) الخ.

 

 وإذا فسَّرنا المترفين بالمنعَّمين مطلق التنعيم لا بخصوص إعظام النعم وإكثارها لم يشكل علينا أنـَّه ليس كلُّ أصحاب الشمال ذوي نعم عظام كثيرة، فذلك من استعمال لفظ [كذا] المفيد في المطلق؛ ولنا تأويل آخر أن نجعلهم كلَّهم ذوي نعم كثيرة عظيمة ألا ترى أنَّ الفقير كثير المساكن بيته مسكن له، فان شاء بدَّل بيتا آخر ولا حجر عليه في ذلك أيُّ بيت أراد مِمـَّا يقدر عليه، ولو شاء لسكن بيوتا خالية متروكة ولو على العارية، وكذا من لا بيت له يمكنه سكونها، ويمكنه اتـِّخاذ بيوت كثيرة من شعر ونحوه ومن خشب، ويمكنه السكنى في جنب المساجد؛ وطعام الفقير خبز، ولو شاء لجعله الحبَّ المقطوع بالأيدي وبالعكس أو كليهما، وتمرًا ولحما ولبنا من أيِّ دابـَّة أراد، وثمارا وبقولا قد يقدر على ذلك أو يقدر على بعضه، فإن شاء بدَّله بآخر وقدر ولا حجر عليه، وله أيُّ ماء أراد، عذبا أو مالحا، أو غاية في الجودة، ولا حجر عليه، وله لباس من صوف مثلا ومن غيره أو من نوع فقط، وله أن يبدِّله من غيره وله لباس يتخرَّق ويبدا([93]) آخر،

 

 ولو شاء لرقَّعه وكفاه، وله من المراكب الحمار ولا حجر عليه في حمار من الحمر، وقد يقدر على بغل وفرس، وإذا عجز عن حمار فله أخذ محلٍّ لا يحتاج إلى دابـَّة كترك البدو إلى الحضر... وهكذا مِمـَّا تراه متردّدا [116] فيه من النعم ومغمورا فيها، وإن اعتبرت ما منع منه وجدت أصحاب النعم العظام الكثيرة قد منعوا أيضًا من نعم ولم يقدروا عليها كبيت من ذهب، وأيُّ نعمة قدر عليها فمعها كثير لا يقدر عليها، فالمعتبر ما وجد من النعم لفقير أو غنيٍّ، لا ما فقد، ولا فقير يمنع من الاصطلاء بحطب يجلبه من الصحاري أو أكل بقل منها ولا من الاضطلاء([94]) بالشمس ولا من الاستظلال بالظلال المباحة، وإنـَّما السفه من الطالب فوق ما يكفيه فيصير بسوق [كذا] قلبه إليه فقيرا ولو غنيا أو يرجع بمعاملته في تحصيله. وتأويل آخر أن نجعل الإشارة إلى حال البرزخ فإنَّ من في القبر من الأشقياء يعدُّ الحال التي كان عليها في الدنيا ترفُّها عظيما ولو كان أفقر الفقراء، ثمَّ إنَّ الله جلَّ وعلا إذا ذكر الثواب ذكر معه الأعمال الصالحة إجمالا غالبا كقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} و{بما أسلفتم في الأيـَّام الخالية}،

 

وتفصيلا تارة ومعا تارة، وإذا ذكر العقاب ذكر معه الأعمال السيـِّئة كذلك إجمالا أو تفصيلا أو معا كما هنا، فأمـَّا ذكر الثواب فترغيب وبيان لتفضُّل الله، فإن الثواب فضل؛ وأمـَّا ذكر العقاب فبيان لوجه الاستحقاق وأنـَّه عدل ونفيٌ لأن يُنسب إليه الظلم؛ ومـمَّا ذكر فيه الثواب والعمل إجمالا وتفصيلا قوله تعالى: {إنَّ المـتَّـقين في جنـَّات...} إلى قوله: {...إنـَّهم كانوا قبل ذلك محسنين...» إلخ.

 

{وكانوا يصرُّون}: يدومون، لا يكفُّون ولا يتوبون.

 

{على الحنث العظيم}: الذنب العظيم يقال بلغ الغلام الحنث، أي الذنب، أي بلغ وقت المؤاخذة بالذنب لبلوغه الحلم، ويقال تحنَّث فلان أي فعل ما يكون مجانبة للذنب، أو فعل العبادة؛ وحنث في يمينه: كذب وخالف، وذلك في اللغة وعادة العرب بالطبع كذنبٌ([95]) إذ خالف ما أكَّد فيه، وهذا أصله وقد يكون مخالفة اليمين واجبة بأن تكون على معصية، أو مندوبا إليها إذا كانت اليمين على مكروه أو على ترك ما هو أفضل، وجاء الحديث بأنَّ بِرَّ اليمين المباحة أفضل من الكفَّارة، وهذا مِمـَّا يؤكِّد ما ذكرت عن العرب، وذلك أنَّ نفس الكذب عند العقلاء قبيح لأنَّ [117] مصلحة العالم في الصدق، وإلاَّ لم يصلح كلام ولا ثقة بأحد، ولمــَّا كانت الخيانة تأكَّد الكلام باليمين، ويكون اليمين أيضا تعظيما للحالف وغيره وللمحلوف عليه، كقوله عزَّ وعلا: «وعزَّتي وجلالي لأنصرن،َّك ولو بعد حين».

 

 وقيل: أصله الكبيرة، لأنـَّهم يقولون: بلغ الغلام الحنث، أي بلغ مبلغا بعد([96]) عليه الفعل كبيرة، فما قيل([97]) بلوغه مِمـَّا يودِّبه عليه معلِّمه أو أبوه أو وليـُّه أو قائمه يعدُّ عليه صغيرة، قلت: الواضح ما ذكرت من أنَّ الحنث الذنب مطلقا صغيرا أو كبيرا، وإنَّ الصغير لا ذنب له صغير ولا كبير، وإنـَّما يؤدَّب لحقِّ غيره، ولينشأ على ما ليس ذنبا في حقِّ البالغ ولا سوء أدب، كما تضرب الدابـَّة إذا لم تستقم في عملها، وإذا كانت تعضُّ أخرى. ووصف الحنث في الآية بالتعظيم دليل على أنـَّه قد يكون ذنبا دون ذلك، وذمَّهم على الإصرار على الذنب العظيم إيذانا بمزيد قبحهم، ولا ترى أحدا من أصحاب الشمال إلاَّ مصرًّا على الذنب العظيم ولو كانوا يصرُّون أيضًا على الصغير فيكون الصغير كبيرا، أو إصرارهم يكون كبيرا وهو باق على حاله، ثمَّ إنـَّهم إذا أصرُّوا الإصرار الأوَّل على الصغير كان كبيرا عظيما، وإذا استمرُّوا على ذلك الإصراركانوا قد أصرُّوا على الذنب العظيم فدخل في الآية ذلك،

 

فالحنث العظيم في الآية جنس الكبائر، والكبائر قد تجتمع في المشرك وفي غيره، إلاَّ الموحَّد فلا شرك فيه، وقد لا تجتمع في المشرك ولا في غيره. وليس المراد بالحنث العظيم الشرك فقط لأنَّ الشرك في قولهم: {أئذا متنا وكنـَّا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون...} إلخ فإنَّ إنكار البعث إنكار للرسالة والقرآن، وقد علمت أنَّ أصحاب اشمال([98]) المشركون والفسَّاق، وأنَّ الواو في قوله: {وقالوا أئذا متنا...} الخ لأصحاب الشمال باعتبار المشركين، فذلك حكم على المجموع. وذكر «كان» مع المضارع للاستمرار والمظارع([99]) يجوز استعماله للاستمرار بلا ذكر لـ«كان»، لكنـَّه مع كان أوضح في الاستمرار، لأنَّ كان للماضي والمضارع للحال أو الاستقبال فتجابذا، فيجمع بينهما بالاستمرار، فلذا ذكر «كان» مع المضارع هنا وفي قوله:

 

 

{وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنـَّا لمبعوثون أوَ[118]آبائنا الأوَّلون}: يقولون ذلك لمزيد جهلهم وعنادهم، والهمزة للإنكار إنكار البعث لمــَّا صار ترابا لحمهم وعصبهم وشعرهم، وصارت عظامهم عظاما عارية متفرِّقة نخرة، وهم ينكرون البعث مطلقا ولو لمن يبقى على حاله بلا تناتر([100]) للحمه وأجزائه، فقولهم: «وكنـَّا ترابا وعظاما» ليس قيدا لإنكارالبعث بل تقوية للإنكار بما يوافق استبعاد البعث وهو كونهم ترابا وعظاما كما قال: {أئذا ما متُّ لسوف أخرج...}، وهي محقَّقة، وأمـَّا همزة «إذا» بعدها فمسهَّلة بين النطق بالهمزة والنطق يالياء، و«متنا» بكسر الميم ماضي مات يمات أصله مَوِت، بكسر الواو وقلبت ألفا، وكسر الميم للدلالة على كسرة الواو وذلك لغة يمنية؛ وأصل المضارع: يَمْوَت، بإسكان الميم وفتح الواو نفل للميم وقلبت الواو ألفا ومن قال: مات يموت يقول: مُتُّ بضمِّ الميم للدلالة على أنَّ عين الكلمة واو، وهذا كقال ويقول وقلت، فالمضارع في جميع القرآن من باب قال يقول، والأمر مثله كقوله تعالى: {فقال لهم الله موتوا} {قل موتوا} {ويوم أموت}،

 

والماضي  على غيره([101]) هذه اللغة الحجازيَّة بل على لغة اليمن، بدليل كسر الميم عند اتـِّصال ضمير الرفع المتحرِّك فذلك من تركيب اللغتين، فالمضارع مضموم الوسط من لغة من قال مات، وعنى بالألف إبدالا من واو مفتوحة والماضي مكسور الوسط واوا أبدل ألفا من لغة من قال يمات بفتحها، ويحتمل أنَّ الماضي مفتوح إلاَّ إذا وصل به الضمير الرفعيُّ المتحرِّك، فيكسر وينقل الكسر للأوَّل، أو يبقى على الفتح إلاَّ أنـَّه يكسر عند وصل الضمير به شذوذا قياسيًّا مع الفصاحة استعمالا. و«إذا» ظرف شرطيٌّ يقدَّر جوابه بعدُ «عظاما» أي نبعث، أو ظرف خارج عن الصدر فيعلَّق بمقدَّر قبله، أي: أنـُـبعَثُ إذا كنـَّا ترابا، فالاستفهام الإنكاريُّ داخل على نُبعث، وإنـَّما لم نجعل الجواب «إنـَّا لمبعوثون» لعدم قرنه بالفاء، وهو جملة اسميَّة؛ ولم نعلَّق «إذا» حين قلنا بخروجها عن الصدر بـ«مبعوثون» لأنَّ معمول خبر إنَّ لا يتقدَّم عليها.

 

 وقرئ: أينـَّا لمبعوثون، بهمزة الاستفهام [109] الإنكاريِّ تأكيدا للإنكار الأوَّل محقَّقة بعدها همزة إنَّ مسهَّلة بين الهمزة والياء. و«إنَّ» لتأكيد الإنكار، ولا قائل بأنـَّها لإنكار التأكيد، فإنَّ أن لم توضع للإنكار بل للتأكيد، بل ليست الهمزة لإنكار التأكيد، كما قد يتوهَّم من دخولها على «إنَّ»، فإنـَّها مدخول إنَّ فيتسلَّط معنى إنَّ عليها، وهو التأكيد فالإنكار الذي هو معنى الهمزة مؤكّد بأنَّ فاصل هذه الهمزة أن تدخل على المبتدإ الذي تدخل عليه إنَّ، ولكن لكمال تصدُّرها تقدَّمت على إنَّ، كما تكون من جملة المعطوف وتتقدَّم على العاطف لكمال تصدُّرها نحو: {أفلا تعقلون} فالفاء لترتيب الإنكار وليست الهمزة لإنكار الترتيب، ونحو: {أثـُمَّ إذا ما وقع آمنتم} فثمَّ لترتيب الإنكار وليست الهمزة لإنكار الترتيب،

 

 ومن لم يجعلها من المعطوف بل من معطوف عليه محذوف جعلها لإنكار الترتيب كيف يكون كذا فيثبت كذا وينتفي كذا هكذا تحقيق إيضاح ما يقال ويأتي ما أقول إن شاء الله. ثمَّ إنـَّه ليس معنى الآية إنكار بعثهم فقط وهم وغيرهم سواء، بل معنى الآية إنكار أن يكون البعث صحيحا البتَّة وإنكار أن يكون ممكنا وأن يكون من الجائز، وإثبات أنـَّه من المستحيل وأنـَّه لانتفاء إمكانه مِمـَّا لا يؤمن به ولا يستعدُّ له ولا مزيد على هذا الغلوِّ في الكفر. والهمزة التي قلت إنـَّها مِمـَّا بعد «إنَّ» هي التي قبل «إذا» والمؤكِّدة لها التي قبل إنَّ في القراءة بها، وإذا قدَّرنا: أنبعث إذا متنا، فليست التي قبل «إذا» مِمـَّا بعد «إنَّ»،

 

 وفي الكلام ثلاث تأكيدات بالوضع وهنَّ: إنَّ، والجملة الاسميَّة المخبر فيها بالاسم لا بالفعل إذ لم يقل: لَنبعث، واللام في خبر إنَّ وتأكيد إنَّ بالاستعمال وتوهُّم الطبع وهما قوله: {وكنـَّا ترابا وعظاما} فإنَّ مجرَّد الموت عندهم مانع من البعث، وأكَّدوا المنع بطول العهد حتَّى صاروا ترابا وصاروا عظاما رميمة رفاتا نخرة، فالذي عندي أنَّ الهمزة لإنكار التأكيد وليست مِمـَّا بعد إنَّ، وليست مثلها مع العاطف المدّعى أنـَّها مِمـَّا عطفه العاطف، فإنَّ الشرع جاء بإثبات البعث وبتأكيده فأنكروا بالهمزة ثبوته وتأكيده، كأنـَّهم قالوا: كيف نبعث [120] وكيف يصحُّ! وكيف يتحقَّق! وكيف بتقوَّى! وزادوا إنكارا آخر بالاستعمال وتوهُّم الطبع بقولهم: {أوآباؤنا الأوَّلون}! فإنَّ آباءهم الأوَّلين أشدُّ امتناعا في زعمهم عن البعث لمزيد طول عهدهم، وزادوا إنكارا آخر بالوضع وهو الهمزة في قوله: {أوآباؤنا} فإنَّ الهمزة فيه للإنكار، والواو بعدها عاطفة مفتوحة أصالة لا بالنقل فالهمزة قبلها مِمـَّا عطف بها؛ أو يقدَّر: أو نقول: أوَآبائنا مبعوثون؟ فليست مِمـَّا بعد الواو. وقرئ: أوْ آباؤنا ــ بإسكان الواو ــ فلا استفهام هنا إلاَّ بالعطف، والهمزة والواو الساكنة حرف عطف، والعطف في قراءة «أو» على المستتر في «مبعوثون» بلا فاصل، لأنـَّه قد صحَّ العطف على المتـَّصل المرفوع بلا فاصل،

 

 وفي قراءة الواو بفاصل وهو الهمزة الاستفهاميَّة التي هي من جملة المعطوف، فإنَّ الفصل بما هو من جملة المعطوف كاف كـ«لا» من قوله تعالى: {ولا آباؤنا}.

 

 {قل إنَّ الأوَّلين والآخرين لمجموعون}: ردًّا لإنكارهم، وإثبات([102]) للبعث بلا ذكر للحجَّة العقلـيَّة هنا لظهورها، وذكرها في غير هذا الموضع مرارًا، وهكذا شأن ما هو ظاهر يذكر بلا حجَّة لمعانده بعد احتجاج، ويذكر فيه «قل» إشارةً إلى أنَّ الأمر ظاهر، وأنـَّه يقتصر فيه على مجرَّد القول، وأمـَّا قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربِّي} فك زلك([103]) أيضًا لكنَّ الخفيَّ الروح بحقيقتها، وأمـَّا كونها من أمر الله فظاهر؛ والله جلَّ وعلا قدَّم ذكر الأوَّلين وهم آخروهم استفاد [كذا] لتقدُّمهم وجودًا وليخبرهم أنَّ الأوَّلين الذين استبعدتم بعثهم والآخرين سواء في  البعث، لا كلفة في الأوَّلين ولا صعوبة ولا استحاله([104])، بل هم والآخرون سواء في أنَّ بعثهم هيـِّن، ولا دلالة في الآية على أنَّ الأوَّلين مبعوثون قبل الآخرين، لأنَّ الواو لا ترتِّب، بل جاء الخبر بأنَّ هذه الأمـَّة تبعث قبل غيرها، والجواب يكون طبق المقابل وزائدًا عليه، وهما جائزان وأقلّ، ولا يكون جائزا إلاَّ لعارض مثل أن يقتصر على جواب بعض السؤال، لأنَّ غير ذلك البعض لا يحسن السؤال عنه أو مِمـَّا يترك جوابه لحكمة والآية من الزائد كقوله تعالى: [121] {وما تلك بيمينك يا موسى؟

 

 قال: هي عصايَ([105]) أتوكَّأ عليها وأهشُّ...} إلخ فهم أنكروا البعث والله أثبته وأثبت أمرا زائدًا عليه وهو جمعهم في موضع واحد، وأمرا آخر زائدا هو أنـَّهم مع طول المدَّة في القبور وضعفهم يجمعهم فيجتمعون بالمشي وبعض راكبا في ذلك الموضع، قيل: وأمرا آخرا([106]) زائدا هو أنـَّهم مع كثرتهم يجمعهم في يوم واحد فإن أريد مدَّة قصيرة بالنسبة إلى كثرتهم وبعد مصارعهم وإلاَّ فقد قيل: إنـَّهم يبيتون وتبيت معهم نار تسوقهم، كما رويَّ أنـَّها تسوق قوما قبل قيام الساعة إلى المحشر فيموتون فيه ثمَّ يحشرون وفي سرعة وصول المحشر قال الله عزَّ وجلَّ: {فإنَّما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة}.

 

 وقال: {ثمَّ إنـَّكم أيـُّها الضالُّون المكذِّبون لآكلون...} إلخ زيادة أخرى، وقال:

 

 {إلى ميقات} ولم يقل لميقات كما قال: {يوم يجمعكم ليوم الجمع}، لأنَّ من جملة ما أنكروا تحرُّك من مات وطالت مدَّته، فكيف يصل كلُّ ميـِّت من مصرعه أو قبره إلى الموقف، فأخبرهم الله بأنَّه ينتقل حيًّا ويصله، فذلك بـ«إلى» أنسب، ولم يذكر «إلى» في قوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} لأنـَّه في غير جواب الإنكار، وقال: {ولمــَّا جاء موسى لميقاتنا} لأنَّ المطلوب، الحضور لا المكان. وياء «ميقات» بدل من الواو لسكونها بعد كسرة، وهو مفعال من الوقب([107])، والوقتُ الحدُّ بمكان أو زمان، والمراد هنا الزمان، وإضافته لـ«يوم» إضافة تبعيض، فإنَّ الميقات بعض

 

{يوم معلوم}. {ثمَّ إنكم أيـُّها الضالُّون}: الخطاب لأهل مكَّة وهو من جملة المحكيِّ بـ«قل»، أمر الله أن يقول لأهل مكَّة هذا وما بعده خصوصًا في الذكر مع دخولهم في عموم الآخرين، والجملة معطوفة على «إنَّ الأوَّلين...» إلخ. و«ثمَّ» للترتيب والتراخي زمانا، فإنـَّهم بعد جمعهم مع الأوَّلين والآخرين بزمان طويل، يأكلون الزقُّون([108]) ويشربون الحميم؛ أو للتراخي رتبةً، بمعنى أنَّ بعد البعث أمرا عظيما يفوق نفس البعث وهوأكل الزقُّوم وشرب الحميم؛ ويجوز أن تكون لمطلق الترتيب الذكريِّ، أي: أذكر لكم بعد إثبات البعث [122] أنـَّكم تأكلون الزقُّوم وتشربون الحميم؛ ويجوز أن يكون الخطاب لكلِّ ضالٍّ مكذِّب [من] أهل مكَّة وغيرهم، بل الكفَّار كلِّهم الموتى والأحياء تغليبا للأحياء، والأوَّل أظهر، وهو أنـَّه لأهل مكَّة أو لهم ولأضرابهم الأحياء، وأمـَّا غيرهم فكذلك بالقياس لمن لم يطَّلع على غيرها وبالآي الأُخر لمن اطَّلع عليها. والمراد بالضلال الضلال عن الحقِّ وهو التوحيد وإثبات البعث والدين كلُّه

 

 {المكذِّبون}: بالبعث. قدَّم الضلال هنا على التكذيب، وأخَّره آخر السورة لأنَّ الكلام هنا على أنـَّهم ضلُّوا بالإصرار على الحنث العظيم ولم يوحِّدوا الله ولم يؤمنوا برسوله صلَّى الله عليه وسلَّم فأنكروا الحشر، وفي آخر السورة على أنـَّهم كذبوا فضلُّوا عن طريق الوصول إلى نعيم الآخرة، لأنَّ الكلام قبله على النعيم، وأيضًا الكلام آخر السورة خطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقدَّم ذكر عقابهم بتكذيبه رفعا لشأنه على ضلالهم، ألا ترى إلى قوله جلَّ جلاله: {فسلام لك من أصحاب اليمين}.

 

{لآكلون}: بعد البعث والموقف ودخول النار.

 

{من شجرٍ}: وقرئ: «من شجرة» بالتاء. «مِن» للابتداء، فإنَّ الابتداء يكون من المنتهى إليه كما يكون من المبدإ، تقول: رأيته من هنالك، تريد أنـَّه تراءى لك من ذلك الموضع، فكذلك المأكول يتحصَّل لهم من شجر من زقُّوم؛ «مِن» للبيان أي: من شجر هو زقُّوم وهذا هو نفس قولك: إنـَّه نعث([109]) لـ«زقُّوم»، أي شجر كائن من زقُّوم، فإنـَّه إذا كان من زقُّوم فهو زقُّوم من زقاقيم فذلك أيضا تبعيض اللهمَّ إلاَّ أن تقصد المغايرة بين قولك: من شجر هو زقُّوم وشجر بعض زقُّوم ولو اتـَّفق مأصدق([110]) وحقيقةً وإعرابًا. والزقوم جسم مرٌّ حارٌّ منتن أسود يقص لا يؤكل ولا يطاق أكله يكره الشقيُّ على أكله، أو يضطرُّ إلى أكله بالطبع إذ لم يجد إلاَّ إيـَّاه؛ واللفظ عربيٌّ لا عجميٌّ يصحبه السمع كما أنَّ مدلوله مكروه،

 

 ومادَّته على ترتيبه وغيره تدور مع السوء، كمزق وهو ضدُّ الوصل والرتق وزمق شعره نتفه، والقزم الدناءة وكلَّما أخذت أحد الأحرف الثلاثة مع الآخر المشدَّد لم يأت بخير في الغالب، تقول: قمامة لوسخ البيت، وزقَّ الطائر رمى ذرقه والزقزقة الخفَّة [123] فدلَّ اللفظ على سوء الطعام؛ وقد يأتي بخير كزقِّ السمن والعسل والزيت، وزَقَّ الطايرُ ولده أطعمه؛ وأمـَّا قول بعض الكفرة: زقِّميني يا جارية، ويريد التمر والزبد، فإنـَّها هو مجانة، كقولك: ارجمني بكيس من ذهب

 

    وأطعمني بثوب حسن. لمــَّا سمعوا أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر الزقُّوم وعيدًا بدَّلوه إلى خير عنادا [و]تهكُّما، كقوله: نقريهم لهذ ميات[كذا] وقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم}([111]).

 

         {فمالئون منها البطون}: بطونهم من شدَّة الجوع وهذا وعيد آخر، فإنَّ أكل قليل منـها سوء وعذاب وملء البطون منها أسوأ وأشدُّ عذابا، ولا يتركون وأكْلَ القليل بل يقهر كلُّ واحد على ملء بطنه لكن لا دلالة في الآية على القهر، وكأنـَّهم يملاؤنها باختيار، فإمـَّا أن يكونوا يقهرون على الملء فيملأون، وسوء الأمر ربما دلَّ على أنـَّه لا اختيار لهم فيه، وأمـَّا أن يكونوا في شدَّة من خلوِّ بطونهم حـتَّى إنـَّهم يختارون الأكل منها ليزول الألم بعمارة ذلك الخلوِّ فيملأونه([112]) فينقلب عليهم سوءا، وقد قيل: إنـَّهم يأكلون قصدًا لزوال الألم بتلذُّذ الأكل فلا يجدون إلاَّ مزيد([113])؛

 

 وقيل: هم أبعد من ذلك ولكن يحبـُّون عمارة ذلك الخلوِّ لمــا يجدونه منه ولو بصخرة أو ترابا، لكن لفظ الكل تدلُّ على الأوَّل، وقد علمت أنَّ البطون موزَّعة عليهم من مقابلة الجمع بالجمع كقولك: ركب القوم دوابـَّهم، وذلك هو الظاهر؛ ويجوز أن يراد بطون الأمعاء ولكلٍّ معنى بطون، فلكلِّ شقيٍّ معًى فيها بطون، فلكلِّ واحد بطون معى كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. والفاء إمـَّا لتفصيل الجمل وهو الأكل منها بأنـَّه أكل كامل تامٌّ وإمـَّا للترتيب والاتـِّصال بمعنى أنـَّهم يستمرُّون على الأكل فيملؤونها.

 

{فشاربون عليه من الحميم}: الفاء للترتيب والاتـِّصال، أي يشربون عقب الأكل منها مقدارا من الحميم بلا بطي([114]). والحميم الماء الحارُّ جدًّا؛ و«مِن» للتبعيض متعلِّق بمحذوف نعت لمفعول محذوف كما رأيت، أو للابتداء متعلِّق بـ«شاربون» على حدِّ ما [124] مرَّ في قوله: {لآكلون من شجر}. والهاء في عليه للزقُّوم أو للشجر لجواز تذكير مثله، كقوله تعالى: {إليه يصعد  الكلِم الطـيِّب}؛ أو للمأكول المدلول عليه بـ«آكلون». وما كان من شجر فهو شجر، أعني أنـَّه جزءه؛ وإعادته للمأكول أولى ولم يلفظ به لتبادره إذ المعتاد الشرب على ما أكل، والذي أكلوا ثمر الشجر لا بعض الشجر مطلقا هكذا، ولا الزقُّوم كلَّه لأنَّ الزقُّوم المذكور هو كلُّه، والمأكول بعضه لا كلُّه، وليس الزقُّوم كلُّه مأكولا، ويجاب بأنـَّهم يأكلون من نفس الشجر، والزقُّوم هو نفس الشجر لا خصوص تمره([115])

 

 كما هو لفظ الآية، ويدلُّ على عدم عوده للشجر قراءة بعض: «من شجرة» والشجرة بالتاء لا يرجع إليها ضمير المذكَّر، ففي هذه القراءة يعود الضمير للمأكول أو للزقُّوم؛ وقيل: للأكل. ومعنى الشرب على الأكل ردفه به، وفي ردِّ الضمير إليه البعض وهو المأكول من جملته.

 

{فشاربون شرب الهيم}: الفاء لتفصيل المجمل، بمعنى أنَّ شربهم المذكور يكون كشرب الهيم، أي يشربون قهرا أو باختيارهم على ما مرَّ شربا غير معتاد، بل كشرب الهيم والهيم الإبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها، فتشرب ولا تروى، والواحد أهيم، والواحدة هيماء؛ وقيل: الهيم الشديدة العطش مطلقًا، والواحد أهيم، والواحدة هيماءكذلك؛ والهيم ولو كانت تلتذُّ بالشرب ولو كان يضرُّها بعد لكنَّ أصحاب النار لا لذَّة لهم لكنَّ شربهم في صورة شرب الهيم في الإكثار من الشرب يقهرون عليه قهرا وهو شاقٌّ أو يختارونه، يزداد ما في بطونهم منه اهتياجا به، ويظنُّون أنَّ ذلك من حرارة الزقُّوم فيرغبون في الشرب؛ والأصل «الهِوْم» بضمِّ الهاء وإسكان الواو، كسرت الهاء لتبقى الياء على حالها وهو الأصل وللتخفيف،

 

 ولا تقلب ياء كما تقول في عين وبيض؛ وقيل: «الهيم» ليس جمعا لوصف بل جمع للهَيام ــ بفتح الهاء ــ وهو الرمل الذي لا يتماسك بل اجتمع وهو هائل، كسحاب وسحب، أصله هوم كذلك كسرت [125] الهاء لتبقى الياء وللتخفيف، والرمل بذلك الوصف يبلغ الماء الكثير. وكون شربهم كشرب الرمل المذكور أو الإبل المذكورة زيادة عذاب يسلَّط عليهم من الجوع، ومضرَّة خلوِّ الباطن ما يضطرُّهم إلى أكل الزقُّوم أو يقهرون عليه فيسلَّط عليهم من العطش ما يضطرُّهم إلى شرب الحميم شرب الهيم، أو يقهرون عليه.

 

 وقرئ: «شَرب الهيم» بفتح الشين، وهو مصدر قياسيٌّ، وبكسرها على أنـَّه بمعنى مفعول‏ أي مشروب الهيم، كالذِّبح بكسر الذال والطِّحن بكسر الطاء بمعنى المذبوح والمطحون، وهو في هذه القرآن([116]) مفعول به على التشبيه، كما أنـَّه في غيرها مفعول مطلق على التشبيه، ويدلُّ على التشبيه أنَّ فعل أحد أو مفعوله لا يكون لغيره بل يكون لغيره مثله، وعلى أنَّ الهيم الرمال فلفظ شرب استعارة للبلع بل للرشف والإغارة.

 

{هذا}: أي ما ذكر من الأكل من الزقُّوم وملء البطون منه وشرب الحميم عليه وكونه شرب الهيم. 

 

{نُزُلُهم يوم الدين}: أي ما يقدَّم لهم على عجل كما يقدَّم للضيف نزله على عجل مِمـَّا وجد ثمَّ يحتفل له، فكل ذلك كنزل الضيف في القلَّة وما يلقونه بعد ذلك أفضع([117]) وأشدُّ يزاد لهم في شدَّة ذلك، ومن أنواع عذاب آخر إذا استقرَّ لهم القرار واطمأنـَّت بهم الدار. والنزل مفرد وهو ما ينزل عليه الضيف في حينه من الموجود وهو بمعنى اسم المفعول أي المنزول عليه، لكن تغلَّبت فيه الاسميـَّة على الوصفيـَّة، وذلك استعارة تهكُّميـَّة إذ سمَّى العذاب باسم الإكرام لجامع أنَّ كلاًّ مبدأ لمـا هو أكبر منه أو مجاز مرسل لعلاقة التضادِّ وقرئ بإسكان الزاي تخفيفا والجملة فذلكة محقِّقة مقرِّرة لمــا تقدَّم غير محكية بـ«قُلْ» المذكور في قوله: {قل إنَّ الأوَّلين...} الخ خارجة عنه وإلاَّ قال: هذا نزلكم، بالخطاب. والدين الجزاء.

 

 

{نحن خلقناكم فلولا تصدِّقون}: فخلقنا إيـَّاكم لولا تحضيض على التصديق بأنَّ الله خلقهم فإنـَّهم ولو أقرُّوا بأنَّ الله خلقهم لكنَّ أفعالهم وإنكارهم للبعث مبطل لذلك الإقرار فإنَّ الإقرار يتحقَّق بالفعل، فما لا يساعده عمل ليس من [126] حقيقة التصديق في شيء، ومن ذلك أنـَّه لو تحقَّق تصديقهم بالخلق من الله لم ينكروا البعث وهم أنكروه، وإنكار البعث إنكار للخلق الأوَّل لأنـَّهم بالقدرة سواء وبالنظر لبادي الراي البعث أسهل فإنَّ من خلقهم أوَّلاً لا يعجزه أن يخلقهم ثانيا على ما كانوا، فإن قال كافر: تولدنا من النُّطف بالطَّبع ولا منيَّ بعد الموت قيل له: فمن خلق النُّطف ومن اختار أحد الجوائز الممكنة

 

كالذُّكوريـَّة والأنوثة والبياض‏‏‏‏ والسَّواد والغلظ والرقَّة ومقادير المكث في الأرحام، وأنت تصف الله بالقدرة وخلق السماوات والأرض فهلاَّ تصدِّق بخلق الله؟ وقيل: لولا تصدِّقون بالبعث وقد أقررتم بأنـَّا خلقناكم، والآية استدلال بالخلق على البعث، أمـَّا على الوجه الأوَّل فلأنَّ المعنى تصديقكم بخلقنا إيـَّاكم كلا تصديق حيث أنكرتم البعث فلا بدَّ أن تصدِّقوا به تصديقا حقيقا موجبا لإذعانكم إلى الإقرار بالبعث، وأمـَّا على الثاني فلأنَّ المعنى: كما خلقناكم نبعثكم فصدِّقوا بالبعث، ويدلُّ على الأوَّل قوله: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم...} {أفرأيتم الماء الذي تشربون...} {أفرأيتم النار التي تورون...} فهؤلاء كلُّها تقريرات للإنشاء الأوَّل وتصديقات لقوله: {نحن خلقناكم}

 

فهلاَّ تصدِّقون بها تصديقا موجب([118]) للتصديق بالبعث؛ وصاحب القول الثاني يقول: المعنى لولا تصدِّقون بالبعث وقد رأيتم ما نفعل، ومعلوم أنَّ التحضيض إغراء على فعل مستهلٍّ مستقبل فكان ما بعد لولا هنا مستقبلا، وأمـَّا فلولا فتوبيخ على ما مضى من ترك النفر، فلولا فيه توبيخ إلاَّ أنَّ التوبيخ على فائت يستلزم التحضيض على التيقُّض([119]) لجنسه استقبالا.

 

{أفرأيتم ما تمنون}: تقذفون في الأرحام وتصبُّون فيها من النظف. وقرئ يفتح التاء من «منى» النطفة بمعنى أمناها.

 

{أأنتم تخلقونه}: توجدونه. 

 

{أم نحن الخالقون}: الموجودون له إذ لا بدَّ لذلك المنيِّ من موجد، إذ لا يوجد نفسه؛ فإمـَّا أن يكون موجَد عن موجِد بدون انتهاء فذلك تسلسل تأباه قلوبكم وتنفونه، وإمـَّا أن يكون موجود من موجود ينتهي إلى الله، فقالوا: ذلك من [127] الله بلا واسطة إذ لا حاجة إليها وهي باطلة لعجزها، ولا بدَّ من خالق غير مخلوق، ويجوز أن يكون الخلق بمعنى تصوير النطفة إلى ذكر أو أنثى بشرًا سويـًّا بجميع أحوالهما،

 

 والنطفة عاجزة عن ذلك التصوير، ضعيفة ميـِّتة لا تتحوَّل بذاتها، وتخلق الروح في نفسها، فلا بدَّ من مصوِّر مختار لم يتقدَّمه العدم، وما هو إلاَّ الله جلَّ وعزَّ. والهمزة للتقرير داخلة على محذوف معطوف عليه بالفاء هكذا: أتحقَّقتم فرأيتم، أو: أعَقلتم فرأيتم، أو هي مِمـَّا بعد الفاء، والفاء عاطفة لهذا التقرير على التخصيص. و«رأيتم» بمعنى علمتم أو عرفتم، لأنـَّه ليس المراد أبصرتم بعيونكم ما تمنون. و«رأيتم» إخبار لفظًا، أمر معنىً بالعلم أو العرفان المستعمل في لازمه ومسبـَّبه وهو الإخبار، فإنَّ من شأن ما علم أن يخبر به. و«أأنتم تخلقونه» مستأنف في تقرير العرفان، أو مفعول ثان للعلم مقرِّر له،

 

 والهمزة فيه للتقرير، أي: اذكروا من الخالق أأنتم أم نحن. و«أم» متـَّصلة، لأنَّ الصحيح جواز عطف الجملة بها، ولاسيما جملة الخبر فيها، أو الفعل فيها نفس ما في الأولى، فإنَّ الخبر في الأولى والثانية معا بلفظ الخلق، فالأصل: أأنتم تخلقونه أم نحن، بعطف «نحن» على الواو، فجيء بلفظ «نحن» مبتدأ مخبرًا عنه بـ«الخالقون» بطريق التأكيد. وقيل: «أم» منقطعة، والاستفهام في «أنتم» للإنكار، أي بل: نحن الخالقون، أو بل: أنحن الخالقون، بهمزة التقرير، بعد بل.

 

{نحن قدَّرنا بينكم الموت}: خلقناه بينكم متفاوتًا بأوقات ومتقارنا بموت هذا قبل هذا، فيرثه هذا أو يخلفه، ويموت هذا مع هذا، كلٌّ له وقت معيـَّن لا يتخطَّاه ولا يتقدَّمه بحسب ما اقتضته الحكمة البالغة، والتشديد لموافقة المحرد([120]) كما قرئ «قدَرنا» بتخفيف الدال لأنـَّا نراه في كلام العرب مستعملا بالتشديد في غير محلِّ المبالغة، وهذه الجملة مقابلة في معنى([121]) لقوله: {نحن خلقناكم}، كقوله تعالى: {خلق الموت والحياة} وهما ضدَّان، فمن قدر عليهما معًا فهو المختار لا قهر عليه ولا عجز، فيمكن الإحياء منه بعد الإماتة، ولو كان الإحياء منه لا الإماتة لظُنَّ أنـَّه موجب، والموجب [128] لا يقدِر على كلِّ مكن، والآية ردٌّ على المشركين القائلين بأنَّ الحياة والموت بالطبع، إن توفَّرت الحرارة والرطوبة كانت الحياة، وإذا نقصت وفنيت ماتت، لأنَّ الله قادر مقدِّر للحرارة والبرودة خالق لهما وهو المؤثِّر لهما، وردَّ عليهم إذ قالوا: كيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئا ويتقنه ويحسن صورته ثمَّ يعدمه ويعيده، لأنَّ ذلك لحكمة الثواب والعقاب مع التكليف ولمحظ([122])

 

الفضل، وليس الله كغيره، فإنـَّه لا كلفة عليه في ذلك ولا يصرف عليه الزمانَ ولا علاجا ولا حركة سكونا. وفي الآية بيان القدرة كما قال لموسى: {وما تلك بيمينك يا موسى} إلى أن قال: {القها...} إلخ، فإنَّ حاصل ذلك أنـَّه قال لهم: انظروا بعقولكم إلى هذه النطفة الخسيسة الصغيرة الميـِّتة كيف صيـَّرتها حيـًّا بلا خسَّة له حواسٌ خمسٌ وإدراك تامٌّ وعلم وقدرة وإرادة ونحو ذلك بحسب ما أعطيته فلا تنكروا الإعادة. وقدِّم الخلق على الموت للترتيب الأصليِّ، وفي سورة الملك قدِّم الموت والمراد به موت النطفة بعد أن كان أصلها حيـًّا في الذكر والأنثى وبعده حياة الدنيا ويرجع لذلك ما هنا فإنَّ الخلق حيـًّا من نطفة ماتت والخلق والحياة هنا في محلٍّ واحد استدلال على البعث وفي تبارك الملك مطلقا تقرير لملكه، كذا قيل، وفيه أنَّ قوله: {ليبلوَكم...} إلخ صارف لهما إلى الناس ومثلهم الجنُّ وإلى أنـَّهما في محلٍّ واحد؛ ولو قال: «قدرَّنا فيكم الموت» لأوهم أنَّ الموت فينا ونحن أحياء وليس كذلك، ولو قال: قدرَّنا لكم الموت لأوهم أنـَّه الآن لغيركم وبعدُ يكون لكم لكن ليس هذه العبارة مختَّصة بهذا. {وما نحن بمسبوقين على أن نبدِّل أمثالكم}

 

 لا يسبقنا أحد فيفيت عنَّا ما أردنا من إذهابكم والإتيان بغيركم مكانكم ممـَّن يشبهكم في الدنيا بلا ولادة ولا نطفة تمنى ولا تربية، وهذا تهديد واستدلال على أنَّ القادر على ما يشاء ومنه ذلك [كذا] قادر على أن يبعثكم، أو لا يسبقنا أحد فيفيت ما أردنا من إذهابكم بمرَّة وأنتم متوفِّرون حرارة ورطوبة بلا موجب موت كقتل وإغراق وإحراق [129] وسمٍّ ونحو ذلك، بل بمجرَّد قطع الحفظ عنكم تفنون، وذلك أنَّ الوجهين في الدنيا وأمثالهم غيرهم ممـَّن يخلقه على صور الآدميـِّين مشبهًا لهم؛ أو لا يسبقنا أحد فيُفيت عنـَّا أن نخلقكم بعد موتكم وتفرُّق أعضائكم وأجزائكم على صوركم التي كنتم عليها في الدنيا، وهذا في الآخرة، والأمثال عليه [كذا] الأوصاف وتبديلها الإيتان([123]) بمثلها؛ وقيل: المعنى: لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغيـِّر وقته حـتَّى لا يفنى، ويأتي مثله في الدنيا، أو يرجع على وصفه في الآخرة؛ يقال: سبقه فلان إلى كذا، أي غلبه عليه ومنعه منه وأعجزه؛

 

 ويجوز أن يكون المعنى: وما سبقنا شيء في الوجود، ولا سبقنا عدم، فمن أيِّ وجه سلكتم طريق النظر تنتهون إلينا، فكلُّ النطف واحدة بعد أخرى، وكلُّ الآباء والأمـَّهات وغيرهم ينتهون إلى خالق غير مخلوق، ليس من جنسهم، متنزِّه عن الجنسيـَّة، وإلاَّ عجز عجْزَهم، واحتاج إلى موجد فيتسلسل؛ ويجوز أن يكون المعنى: لا يعجزنا شيء عن أن نردَّكم كما كنتم، فإنَّ ردَّ ما كان موجودا أسهل في عقولكم من بدء ما لم يكن. و«على» متعلِّق بمحذوف، حال من «نا» في قوله: {قدَّرنا}؛ والاستعلاء معنويٌّ، أو متعلِّق بـ«قدَّرنا»، و«على» ليس للاستعلاء بل للتعليل، أو له بمعنى: قدَّرنا بينكم الموت على وجه التبديل، لا على وجه قطع النسل، أو يتعلَّق بـ«مسبوقين» على الاستعلاء المعنويِّ، إذ من سبق إلى شيء فهو غالب على الشيء، وعلى من يريد الشيء لنفسه، أو يريد مجرَّد تفويته، أو المجاورة مثل «عن»، فإنَّ المراد: ما نحن مغلوبين عن التبديل، معجزَين عنه، بفتح الزاي.

 

 ويجوز أن يكون المعنى: ما يعجزنا شيء عن أن نبدِّل صفاتكم في الدنيا أو بعد الموت، بأن نمسخكم قردة وخنازير مثلا، أو نردَّكم إناثا، أو إناثكم ذكورا، أو شيوخكم أطفالا، أو أطفالكم شيوخ([124]) ونحو ذلك في الدنيا أو بعد الموت، وأن يكون المعنى: ما يمنعنا شيء أن نجعلكم على أمثال تـتـبدَّل كنطفة وعلقة ومضغة وعضام([125]) وحياة وطفوليـَّة وشباب وكهوليـَّة وشيخوخة وموت، أردنا ذلك لا خلْقَكم مرَّة أو موتكم مرَّة فما يمنعنا عن مرادنا مانع، فتبديل [130] الأمثال تبديل الأوصاف، فالأمثال والأشكال أو الأوصاف أو الأشباه على جملة ما سبق من التفاسير.

 

{وننشئكم في ما لا تعلمون} بالبعث قردة وخنازير ونحو ذلك، فإنـَّه لا بدَّ من البعث ولو أذهبناكم وجئنا بأمثالكم، أو بدَّلنا وصفكم، أو في الدنيا بالمسخ، ومن هذه قدَّرته: لا يعجزه عن البعث لكم على صورتكم في الدنيا، فإنَّ هذا أصعب على رأيكم، أو في الدنيا بأن يخلقكم من نطف آبائكم قردة أو حمُرا أو بغالا، أو نحو ذلك، وكلُّ تلك الأوجه لا يعلمونها واقعة متكرِّرة فيهم ولا في غيرهم إلاَّ ما سمعوا به شاذًّا في بني إسرائيل مثلا؛ ويجوز أن يكون ما لا يعلمون زمان الموت وزمان البعث، فإنـَّهم لا يعلمون متى الموت ومتى الساعة ومتى يبعثون إذا ماتوا لم يعلموا بوقت البعث حـتَّى يبعثوا، فالله منصرف([126])

 

 فيهم حياةً وموتا بما لا يعلمون إلاَّ إذا وقع، فليجتهدوا في العبادة بدارًا أن يموتوا، وأن يكون «ما لا يعلمون» هو أطوارهم في البطون، فإنـَّهم فيها لا يعلمون بأنـَّهم نطف، ثمَّ أنـَّهم علق، ثمَّ بأنـَّهم مضغ... وهكذا أفرأيتم([127]).

 

{ولقد علمتم النشأة الأولى} خِلقةَ كلِّ واحد منكم من نطفة وما بعدها من أطوار أو خلقة أبيكم آدم من تراب.

 

 {فلولا تذَّكَّرون}: هلا تذَّكرون أنَّ من قَدِرَ([128]) على النشأة الأولى يقدر على الثانية وهي البعث من باب أولى لتقدُّم المثال في بادئ الرأي، وسواء عند الله، وأمـَّا الموادُّ فقد لا نوجد([129])، ولا يلزم بقاء العصعص عندنا، وفي الخبر عجبا كلَّ العجب لمن يكذِّب بالمشأة([130]) الأخرى وهو يرى الأولى، وعجبًا لمن صدَّق بالنشأة الأخرى وهو يسعى لدار الغرور. و«لولا» تحضيض. أبدلت تاء تتذكَّرون، دالا، وأدغمت في الدال، وقرئ تذْكُرون بإسكان الذال وضمِّ الكاف مخفَّفة.

 

{أفرأيتم ما تحرثون} من الحبِّ، أي ما تشقُّون له الأرض، وتقلبون عليه التراب، أو تغمسونه في التراب وتسقونه، أو تنتظرون أن يسقيه الله بالمطر.

 

{أأنتم تزرعونه} تنبتونه وتغلِّظونه، وتنقلونه من حال إلى حال، وتثمِّرونه، وتجعلونه على حال نفع. [131]

 

{أم نحن الزارعون} المنبتون له، المتمُّون أحواله. الله الزارع والإنسان الحارث. وأمـَّا قوله تعالى: {يعجب الزرَّاع} فالزرَّاع بمعنى أصحاب الزرع المعتادين له، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الزرع للزارع»، أو بمعنى الزرع للذي يتعاطاه ويأمل فيه ويعالج له، فالزارع فيهما للنسب كـ«لاَبِنٌ»، لا بمعنى المنبت، أو لمــَّا كان الحارث سببا للزرع سمَّاه زارعًا فجمعه في الآية على زرَّاع، والحديث في أنَّ الزرع للغاصب، وبه قال أبو حنيفة لأنَّ البدر له، فلصاحب الأرض أجرة أرضه إذا غصبت عنه غصبًا ولم يمنحها أخاه منحة ولا عامله بجزء أو مال؛ والإعراب في ذلك كإعراب ما مرَّ، وذلك دليل للرزق بعد دليل الخلق. وقدَّم الطعام لأنـَّه أعظم في غداء([131]) الجسم ثمَّ الماء لأنـَّه لاستمراء الطعام؛ وذكر النار بعد لأنَّ بها إصلاح الطعام.

 

{لو نشاء لجعلناه حطاما} محطومًا، أي مكسورًا مفتـَّتـًا بحرٍّ أو ريح أو فقدِ ماءٍ، فهو فِعال بمعنى مفعول، والحطم: الكسر. لو نشاء ليبـَّسناه وجعلناه متكسِّرًا غير نافع لأكلكم بعد ما نبت وطمعتم في منافعه فإن كنتم المنبتين له فهلاَّ دفعتم عنه الآفات حـتَّى يثمر، وعن ثماره الآفات حـتَّى تجنى أو يحصد، وإن كان ذلك فعلا للحبِّ فهلاَّ دفع عن نفسه، وإن كان بالطبع ــ وليس كذلك ــ فمن خلق الطبع، ومن قطعه؟. وقرن جواب «لو» هنا لا فيما بعد اللام باللام لمزيد التأكيد والربط والوعيد حيث أنَّ الطعام أعظم في إقامة البـنية من الماء، أي لو نشاء حطَّمناه تحطيمًا عظيمًا بحيث لا يبقى لكم نفع مؤولا، يردُّ على هذا قرنه باللام في {ولو نشاء لمسخناهم} لأنـَّه أريد فيه التأكيد،

 

 فقرن كما قرن الأوَّل كما أريد هنا التأكيد فقرن، ولم يرد في الثاني هنا فلم يقرن. واللام في جواب «لو». و«لولا» حرف معنى، ومعناها التأكيد وتقرير الملازمة بين المقدَّم والتالي كما عبـّرت عنه بالربط وأداة الشرط والموصول يصير أنَّ الكلام المفيد التامَّ جملة غير مفيدة وجزء كلام، وكما يكون الربط باللام يكون بالجزم في الجواب إذا كان مضارعًا، وأداة الشرط جازمة، والماظي([132]) في جواب الجازم في محلِّ جزم، فالرابط في ذلك الكلام الشرطيِّ كلّه يـبـيِّن أنَّ المقدَّم والتالي [132] كلام واحد ويخرجه عن أن يتوهَّم أنَّ التالي مستقلٌّ فيظهر لك جواب آخر هو أنـَّه لم يقرن جواب «لو» باللام فيما بعد، لأنَّ جعل الماء المنزَّل من السماء أجاجا حين نزل غير معتاد ولا واقع،

 

 فيعلم بذلك أنَّ جعله أجاجا حين ليس إخبارا مستقلاًّ بل أمر يفرض ويعلَّق لمشيئة الله فعلم بلا لام أنـَّه غير مستقلٍّ بل مجعول هو والمشيئة كلاما واحدا مقدَّما وتاليا، بخلاف جعل النبات حطاما فهو واقع معتاد، فربما توهَّم السامع على عدم نظر أنـَّه كلام مستقلٌّ مخبر به، فقرن باللام لتجعله جزءً لجزء وآخر معلَّقا عليه وهو المشيئة، وتصرِّح بأنـَّه تال لمقدَّم مبنيٍّ عليه معلَّق به، ولك جواب آخر هو أنـَّه قرن هنا باللام لا بعده استغناء بالأوَّل عن الثاني لقرب الثاني من الأوَّل لفظا لقلَّة الفصل ومعنى ومناسبة، فإنَّ المشروب أبدا مقارن للمطعوم. وأمـَّا قوله: {ولو نشاء لمسخناهم} فإنـَّه ولو كان أقرب إلى قوله: {لو نشاء لطمسنا} من قرب {لو نشاء جعلناه أجاجًا...} إلى قوله: {لو نشاء لجعلناه حطامًا}

 

 لكن لفظا فقط لا معنى وجوارا، لأنَّ الطمس لا يلزمه المسخ كما تلازم الماء والطعام، واختار حطاما على محطوم وعلى حطيم لأنَّ فعالا يدلُّ على المكروه في المصادر وغيرها، كالفواق والسبات والزكام والدوار والصداع والأجاج أي الملوحة أو الحرارة والسبات زوال العقل بالنوم وفي المفاعيل كالحطام والجذاذ والفتات وكذا مع التاء كقلامة وقمامة وسحالة وبرادة، وأصل أوائل الكلم الفتح لخفَّته ولمــَّا جعل الضمُّ وهو أثقل علم أنـَّه لعارض. {فظلتم تفكَّهون} صرتم تطلبون الفاكهة ولا تجدونها وأصل ظلَّ فعل الشيء نهارا، ويستعمل في مطلق صيرورة الفعل في أيِّ وقت. وأصل «تفكَّهون» «تـتـفكَّهون» حذفت إحدى التائين، وهو من التفعُّل الموضوع للعلاج والطلب، فإنَّ المراد كما رأيت أنـَّكم تفقدون ما زرعه الله وتشتاقون إلى الفاكهة وتطلبونها ولا تجدونها لأنَّ النبات صار حطاما فإن الفاء سبـبـيـَّة جعله حطاما سبب لظلِّهم يتفكهون وجملة: «إنـَّا لمغرمون...» الخ

 

 مقول لحال محذوف أي قائلين «إنا لمغرمون». والحرث المجعول حطاما يشمل الفاكهة وغيرها لكن بين ما يشتدُّ التأسُّف [133] على فقده يعقد ما هو منه فاكهة إذ كان لا يغني عنها غيرها فيما يقصد منها بخلاف أنواع الطعام فقد يغني بعض عن بعض كالتمر والماء عن البرِّ والشعير وكالدرة([133]) والسلت عن البرِّ والشعير والله أعلم. ويجوز أن يكون «تفكَّهون» بمعنى تتلذَّذون كما يتلذَّذ بالفاكهة بذكر حال الزرع من كونه حطاما بعد ما كان على حال حسنة ترجى. وأصل التفكُّه التنقُّل بصنوف الفاكهة، وهذا مستعار من ذلك، كأنـَّه قيل: تنتقَّلون بالفاكهة؛ ويجوز أن يكون بمعنى تندمون على ما تعبتم في حرثه وعلى الإنفاق فيه كما قرئ: «تفكنون» أي تندمون، وهذه الأوجه أرجح من الأوَّل لعمومها الزرع كلَّه لا خصوص ما هو منه فاكهة، فيكون «إنـَّا لمغرمون» أو محكيـًّا بـ«تفكَّهون» إذ كان بمعنى التحدُّث الذي هو قول، وإمـَّا أنَّ يقال «تفكَّهون» بمعنى تندمون على ما اقترفتم فيه من المعاصي فتتحدَّثون فيه،

 

 فلا يصحُّ، لأنَّ الخطاب مع منكري البعث ومنكره لا يندم على المعصية إذ لا يثبت دار الجزاء، اللهم إلاَّ إن أريد المعاصي التي يخافون العقاب عليها في الدنيا، أو المعاصي التي هي جفاء لغيرهم فيندمون لإيقادهم الفتنة مع عدم الفائدة عمـَّن غصب بدرا([134]) أو أرضا أو ماء، أو استخدم حُرًّا لا يرضى في حرث وكان الزرع حطاما وأصل «ظَلْتم»([135]) ظَلَلتم، كما قرئ به حذفت اللام المكسورة مع كسرتها. وقرئ بكسر الظاء نقلا من اللام المكسورة.

 

{إنـَّا  لمغرمون}: ملزمون خسارة مال وعناء لأنـَّا تعبنا وأنفقنا ولم نستفد، أو مهلكون بهلاك زرعنا من الغرام وهو الهلاك؛ أو معذَّبون بالجوع فإنَّ كلِّ مكروه تطلق عليه الغرامة. وقرئ: «أينـَّنا لمغرمون؟» بالاستفهام التعجُّبيِّ والجملة كذلك مفعول لحال محذوف، أو محكية بـ«تفكَّهون». 

 

{بل نحن محرومون} منعنا مِمـَّا كنـَّا نرجو أن يكون رزقا لنا ولاحظ لنا ولا ‏بخت.

 

 

{أفرأيتم الماء الذي تشربون} عذبا فراتا سائغا، وخصَّ الشرب من أوصاف الماء بالذكر مع أنَّ الماء أيضًا للغسل من الأوساخ والتبريد والطعام وسقي الأنعام والدوابِّ والحرث والشجر والبناء وغير ذلك لأنَّ الشرب أهمُّ المقاصد المنوطة به ولا شيء منها يغني [134] عن الشرب ولا يستغنى عن الشرب، وفي ذكر الشرب تذكير بالنعمة العظمى.  

 

{أأنتم أنزلتموه من المزن} اسم جمع أو اسم جنس جمعيٍّ؛ والواحد مزنة، ويقال: هو السحاب البيض وماؤها أعذب، ويقال المزن السحاب الثقال بالماء وهو مقلوب النزم وهو الثقل ومدافعة الأمر. 

 

{أم نحن المنزلون}: له بقدرتنا إذ سخَّرناه للإتزال([136]) أو أمرنا الملائكة بإنزاله، والأمر يطلق عليه الفعل إذا لم يمنع مانع. 

 

{لو نشاء جعلناه أجاجا} مرًّا من شدَّة الملوحة لا يمكن شربه، والمقام للشرب من حين نزل، أو لا يبقى إلاَّ قليلا فيملح، أو كلَّما دخل في الأرض كان ملحا، فإن الأمر غير ذلك، بل بعض الأرض يملح الماء النازل إذا شربته فيخرج ملحا، وبعضها لا يملح لكن تنقص بعض عذوبته، وكلَّما ملح الماء نقصت منافعه، فإنَّ العذب أنفع منه في الثمار وإزالة الأوساخ والأنجاس وفي الفهم [كذا] وهظم الطعام وغير ذلك، وذكر بعض الناس أن الماء الذي هو دون العذب أصلح للطبيخ الأصفر، وكلَّما كان الماء أشدَّ ملوحة كان أكثر زبدا عند تحركه، فهذا من صفاته التي يعلم بها نظرا. والله سبحانه وتعالى يذكر الماء بصفتين البرودة وتعرف بالمسِّ مطلقا، والعذوبة وتعرف بالفم؛ وبصفتين الحرارة وتعرف بالمسِّ مطلقا، والملوحة بالفم، وهذا أنسب مقابلة للماء النازل من المزن المشروب هنا،

 

 والصفة الأولى يقابل بها ماء أهل الجـنَّة، ويجوز تفسيره هنا بالحارِّ من قولك أجيج النار واستظهره بعض المحقِّـقين، فيكون المعنى: جعلناه حارًّا لا يبرد، والقضيـَّتان الشرطيَّتان أفأدتا أنَّ فائدة الإنبات الحفظ إلى تحصيل الثمار، وأنَّ فائدة إنزال الماء العظمى جعله بحيث يشرف، وإلاَّ فمطلق الإنبات والإنزال لا تظهر للخلق فائدته فضلا عن أن يقال دلَّت القضيـَّتان على أنَّ عصمة الزرع والماء عمـَّا يخلُّ بالتمتُّع بهما نعمة أخرى بعد نعمة الإنبات، إلاَّ أن يقال: إنَّ في الإنبات ولو جعل النبات حطاما فائدة الحطب من الطبخ والتسخين، وفي الإنزال فائدة الغسل والتنضيف([137]).

 

{فلولا تشكرون}: تخصيص([138]) على شكر نعم الزرع، والماء المشروب إذا كان بـنـبـت([139]) النبات ويحفظه ويحفظ [135] ثماره وينزل الماء حلوا ويبقيه حلوا حـتَّى إذ شربته الأرض وكان تحت الجبال السفليَّة أو فوقها أو فيها يبقى حلوا إلاَّ أنـَّه تنقص حلاوته بالأرض وبعض الأرص [كذا] ملحة ويملح فيها شربته فلو شاء الله عزَّ وجلَّ لجعله كلَّه أجاجا تحت الجبال السفليَّة أعني الصخرة التي يخزن تحتها أو فيها أو فوقها؛ وقيل: الشكر هنا على الماء إذ ذكر عقبه ولم يقل في المأكول بعد قوله: {محرومون}: {فلولا تشكرون}، لأنـَّه لم يقل: «تأكلون» ولمــَّا قال: في المشروب: {تشربون} قال: {فلولا تشكرون}،

 

وأيضًا قال هناك: {تحرثون} فأثبت لهم عملا، ولم يقل: «فلولا تشكرون» ولا عمل لهم في إنزال الماء فهو نعمة محضة لا عمل لهم فيها فقال: {فلولا تشكرون}، وذلك كلُّه كلام ظاهريٌّ في المناسبة، وإلاَّ فالحرث نعمة من الله إذ مكَّنهم من الأرض وجعلها قابلة وأعطاهم قوَّة على الحرث وآلات وبذر، أو الأكل معلوم من الزرع ومن المقام إذ هو مقام امتنان، فكأنـَّه قد قال: «تأكلون»، فالأولى ما ذكرته أوَّلاً من أنَّ قوله: {فلولا تشكرون}([140]) عائد إلى المأكول والمشروب فإنـَّه أخَّره ليعود عليها معا بلا تكرير، ولأنَّ النعمة تتمُّ عند الأكل والشرب وكم ماء لا يشرب لوجود الجوع، وكم طعام لا يؤكل مخافة العطش حيث لا ماء.

 

 

{أفرأيتم النارالتي تورون} تخرجون من الشجر الأحضر([141]) أو منه ومن الحجر. 

 

{أأنتم أنشأتم} خلقتم

 

{ شجرتها} وهي شجرة مخصوصة يخرج نارها بالمرخ [كذا] وهي في ذلك قبل غيرها وفي مغربنا هذا شجر يقال: له «الفرنان» شاهدوا أنـَّه يضطرم نارا عند شدَّة الحرِّ بل في كلِّ شجرة نار، قيل: إلاَّ شجرة العنب!، وقد شاهدت خروج النار من العرجون اليابس بالدلك بعود أو حديد، وقيل: المراد بإيراء النار إخراجها مطلقا من شجر أو حجر،

 

 وبشجرتها مطلق الشجر الذي يوقد به ويصلح للشعل والأولى غير هذا لقوله تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا}. وأضاف الشجرة إلى النار لتعلُّق النار بها إذ لا تـتعلَّق بكلِّ شيء، ليس كلُّ ما تتعلَّق به مثل الحطب، وعلى هذا فالشجرة أنواع الشجر [كذا] وأفرد لإرادة الحقيقة، والإفراد عندي يتبادر منه أنَّ المراد نوع من الشجر هو أقوى نارا وأسرع خروجا للنار كما فسَّرت به أوَّلاً وتقوَّى [136] ذلك بإضافة الشجر للنار فإنَّ إضافة الشجر للنار من أجل خروجها منها أظهر من إظافتها([142]) لها من أجل تعلُّقها بها لعموم هذا التعليق وفي قصد نوع دلالة على كمال القدرة إذ فرَّق بين شجر وشجر في خروج النار وتضمُّن النار مع أنـَّها تسقى من ماء واحد، وفي التعبير بالإنشاء بمعنى الإبداع والإغراب تلويح لذلك. 

 

{أم نحن المنشئون} لها بقدرتنا.

 

{نحن جعلناها} أي جعلنا حالها

 

{تذكرة} وعظا وزجرا بنار الآخرة، فعلى العاقل أن يخشى عذاب الله إذا رأى النار التي توقد. علَّق الله بها أسباب المعاش حـتَّى إنـَّها لا تزول عنهم فيذكُروا بها كلَّما رأوها نارَ جهـنَّم الموعود بها العاصي؛ أو جعلها تذكرة لنار جهـنَّم إذ كانت بقـيَّة منها بعد غسلها في سبعين بحرا وضمَّنها في الحجارة والشجر، وجاء عنه صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وأنَّ حرَّها جزء من سبعين جزءا من حرِّ جهـنَّم؛ أو جعلها تذكرة للبعث، فإنَّ من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر بالماء المنافي للنار وفي الحجر الصلب الذي لا تتقدَّمه ولا تطفئها المياه فيها قادر على إيداع الحرارة الغرزيَّة [كذا] والحياة في بدن الميِّت. وضمير النصب في «جعلناها» للنار مطلقا الشاملة لنار الحجر، ولو كان المذكورة نار الشجرة، وهذا شبيه بالاستخدام البديعيِّ، بل يجوز أن يراد العموم في قوله: {تورون} أي تورونها من الحجر والشجر ثمَّ خصَّ ذكر الشجرة ونارها لكونها أغرب إذ جامعت الماء، ولأنَّ ذلك أنسب بذكر الماء قبل.

 

{ومتاعا}: منفعة وهو شيء يتمتَّع به، أي: ينتفع به.

 

{للمقوين}([143]): الذين أقوت بطونهم، أي خلت، وذلك أنـَّهم جاعوا ولا طعام في بطونهم، أو خلت مزاودهم، قال:

لمــن الديــار بقنة [كذا] الحجر      وأقــويــن مذ حجــج ومذ دهـر

أو الذين نزلوا في القواء وهي الأرض الفقراء [كذا] وقوله: «ألاَ تسأل الربع القواء فينطق» محتمل لهما، والثاني أولى في الآية، لأنَّ من خلا بطنه أو مزوِّده من الطعام يشتاق الطعام مطلقا لا خصوص ما يطبخ حـتَّى يذكر في مقام الامتنان عليه النار في شأن الطبخ، بخلاف من نزلوا في الفقراء ولم يقرب [كذا] من العمران فإنـَّهم [137] أحوج ما يكون إلى اقتداح النار للاصطلاء والطبخ وغير ذلك، ويجوز أن يكون «المقوين» بمعنى الذين يقوُّونها بعد القدح بالحطب والإيقاد. وأخَّر منفعة النار في الذكر على هذه الأوجه كلِّها للتبنيه على أنَّ الأهمَّ هو النفع الأخروي إذ ذكر النار وجعلها تذكرة لنار جهـنَّم لمن أراد التذكُّر.

 

{فسبِّح باسم ربِّك العظيم} عطف على «أفرأيتم» عطف إنشاء على إنشاء، ولو اختلف المخاطب فيهما كقولك: أقعد يا عمر، وقم يا زيد. قال الله جلَّ وعلا: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك}؛ أو جواب لمحذوف، أي إذا لم يفدهم التذكير بالنعم والاستدلال على البعث فاشتغل في تكميل نفسك بتسبيح ربِّك ولا تهتمَّ بهم واشتغل عنهم بالتبليغ؛ أو عطف على محذوف أي: استحضر في قلبك تلك النعم والدلائل، أو اذكرها في «فسبِّح باسم ربِّك العظيم» وتسبيحه تنزيله عمـَّا يقول: جاحدون لوحدانيَّته،

 

 الكافرون لنعمه مع عظمها وكثرتها، التاركون للاستدلال بها على البعث. أو تسبيحه تعجُّبه صلَّى الله عليه وسلَّم من استحقارهم بالنعم الجليلة القدر، الظاهرة الأمر؛ أو تسبيحه شكر النعم المذكورة أو العبادة مطلقا. و«الباء» صلة في المفعول، أي: «سبِّح اسمَ ربِّك»، واسم مقحم، أي: سبِّح ربَّك، أو المفعول محذوف، أي: سبِّح ربَّك باسم ربِّك، أي سبِّح ربِّك بذكر اسمه، وعليه فالباء واسم كلاهما غير زائد، وكذا لا زائد إن قلنا سبِّح ربَّك متبرِّكا باسم ربِّك، أو مبتدأ([144]) باسم ربِّك؛ أو يجوز زيادة الباء وحدها، فإنَّ اسماء الله يجب تعظيمها فمن تعظيمه أن لا يسمَّى به غيره، فإنـَّه لا يسمَّى غير الله إلها ولا الله، والخطاب له لفظًا صلَّى الله عليه وسلَّم والمراد غيره، أو لمن يصلح له، كقولك: يا مسكين أفنيتَ عمرك وما أصلحت عمرك بضمِّ مسكينُ، كأنـَّه نكرة مقصودة، ولا قصد أو بالنصب على التنكير ولا تريد واحدا مبهما بل آحادا مبهمة على سبيل البدليَّة. واسم ربِّك هو الأعظم،

 

 وهو لفظ الجلالة، أو كلُّ اسمائه على إضافة الاستغراق، وأمـَّا أن نجعل الباء غير زائد و«اسم» زائدًا فلا، إلاَّ أن يجعل التسبيح مِمـَّا يتعدَّى بنفسه [138] تارة وبالحرف أخرى كنصحتُه ونصحتُ له وشكرته وشكرت له... ونحو ذلك مِمـَّا فيه التعليق بالمفعول واضحا من وجه، خفيًّا من وجه، وأمـَّا ما ليس إلاَّ واضحا فلا يزاد فيه نحو: اضرب زيدا، وما ليس إلاَّ خفيـًّا لا يكون إلاَّ بالحرف نحو: ذهبت ببكر، وفائدة زيادة اسم التلويح بأنَّ العظيم يعظم اسمه ولا يذكره إلاَّ بتعظيم اسمه، لا يذكر اسمه في موضع أو مقام وضيع ولا كيفما تيسَّر بل يتأنـَّق له؛ والتلويح إلى الذكر اللفظيِّ بأن لا يقتصر على ذكر القلب فإنَّ الاسم من اللفظ كما يفيد ذلك جعل اسم غير زائد. و«العظيم» نعت لـ«ربِّك» أو لـ«اسم» ولو أريد به أسماؤه كلُّها مراعاة للَّفظة. وتسبيح الله تنزيهه عن صفات الخلق من الشركة والعجز والحلول في موضع وجرى([145]) الزمان عليه تعالى وغير ذلك مِمـَّا تتَّصف الأجسام أو الأعراض؛

 

 ولا يختصُّ التسبيح بمادَّة «سـ بـ ح» كما لا يختصُّ الحمد بمادَّة «حـ مـ د»  فنحو «تعالى» و«تقدَّس» و«لا إله إلاَّ الله» و«ليس كمثله شيء» تسبيحٌ وحمدٌ، ومفهوم العظيم القرب ومفهوم الأعلى: البعد، وذلك أنَّ عظيم الجسم تعالى الله عن ذلك يقرب مِمـَّا يليه بشغل حيـِّزه وكلَّما كلَّما [كذا] إزداد عظما إزداد شغلا للحيـِّز حـتَّى يتَّصل بما تلاه أو يكاد، والشيء العليُّ بعيد عن أن ينال، ومعلوم أنَّ الله جلَّ جلاله لا يكون عِظمه ولا علوُّه بالحسِّ لأنـَّه ليس جسما ولا عرضا فوصف نفسه بالعظم هنا لتقدُّم ذكر دلائله وحضور دليل الشيء كحضور الشيء، وقربه فقد قرب من كلِّ قلب، وملء الصدور وقربت أجسام أدلَّته وبالعلو في سورة الأعلى لعدم تقدُّم ذكر الدلائل بل تأخَّرت وحين ذكر نفسه لم يذكر الدلائل ولم يصرِّح اللفظ باتِّصافه بها، ثمَّ إنَّ الشيء الثبوتيَّ يذكر فيه العظمة كالعلم والقدرة وتتضمَّن السلب، أي لا يحيط به علمنا السلبيُّ يذكر فيه العلوَّ كالشركة والولد ينفيهما عن نفسه بأنـَّه عليٌّ ويتضمَّن سلب آخر أي لا نحيط بغاية ذلك النفي.

{فلا أقسم}: كلام من الله أو من الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم على تقدير القول، أي قل لهم يا محمَّد: إذا كابرتم الأدلَّة فلا أقسم، أو فعل([146]) لهم يا محمَّد إذ كابروا: لا أقسم بتقدير القول بعد [139] الفاء وإذا لم تجعل الفاء في جواب الشرط فهي عاطفة على «سبِّح» عطف قصَّة إنشائيـَّة على أُخر، وحاصل الكلِّ أنَّ الحجج قامت واتـَّضحت والمنكر مصرٌّ على العتاد([147]) قائل: ليس ما ذكرت حقـًّا من الله لكنـَّه باطل زخرفته بفصاحتك وبلاغتك وقوَّة ذهنك فلا يبقى للمحقِّ إلاَّ أن يقول: والله إنَّ الأمر كما قلت، إذ كلُّ دليل جاء به يقول المعاند فيه ما قاله سابـقا. و«لا» زائدة للتأكيد، مثلها في قوله تعالى: {لئلاَّ يعلم أهل الكتاب}، وقوله تعالى: {ما منعك ألاَّ تسجد} في بعض الأوجه؛ أو اللام لام الابتداء، والألف ألف أنـَا إذا حذفت همزته ونونه، أمـَّا على مذهبنا في الأداء عن ورش عن نافع معشر المغاربة فلا إشكال في ثبوت ألف أنـَا نطقا كما ثبتت في الخطِّ لأنَّ الهمزة بعدها غير مكسورة، وعلى مذهب من يثبتها مطلقا كذلك، وأمـَّا على مذهب حذفها مطلقا فأثبتت هنا دلالة على ما حذف؛ وقيل: اللام للابتداء والألف إشباع له زائدة، وفيه

 

 أنَّ لام الابتداء لا تدخل على فعل غير خبر إنَّ، ولا سيما أنـَّه مثبت متصرِّف مجرَّد من «قد» والسبب السين وسوف، ويناسبه قراءة من قرأ: «فلأقسم» بلام فهمزة دون ألف فإنـَّه لام قسم أخت لام الابتداء في التأكيد والوضع على حرف واحد مفتوح، واجتمعتا في أنـَّه ليس هنا «لا» زائدة الفا ولاما، وقد قيل: اللام للقسم في قراءة من قرأ: «لا أقسم» بلام ألف وهمزة بعدها، لكن اشبعت لام القسم، ثمَّ إنـَّه لا يلزم من دخول لام القسم على المضارع تأكيد بالنون فقد لا يؤكَّد بها ولا من كون اللام للابتداء اتـِّصالها بالمبتدأ بعدها فإنـَّه قد يحذف بعدها كما رأيت، وكقوله أمُّ الحليس لَعجوز شهر به، أي لهي عجوز، إلاَّ أنَّ في تقدير «لأنـَا أقسم» التصرُّف في الضمير بحذف حرفين منه فالأولى أنَّ «لا» زائدة أو لام قسم مشبعة؛ وقيل: «لا» نافية لمحذوف مخالف لمـَا عليه القسم، أي لا يثبت قولكم: إنَّ القرآن من عند غير الله؛ أو ناهية، أي: لا تقولوا في القرآن إلاَّ الحقَّ، أو لا تشتغلوا بالقدح فيه، وذلك خطاب للكفرة، أو لا يسأل سائل عن القرآن مؤمنا أو كافرا لأنـَّه فوق ما يسأل، وأردف ذلك كلَّه بقوله: أقسم إنـَّه لقرآن كريم في كتاب مكنون. [140] ويجوز تكون «لا» نافية لـ«أقسم»، أي لا أقسم لظهور الأمر وإصراركم على الإنكار وأنَّ الإقسام بمواقع النجوم إقسام عظيم لو أقسمت به، وجملة «إنـَّه لقرآن كريم» مستأنفة ليست جوابا للقسم،

 

لأنـَّه نفي الإقسام، فذلك كقولك: لا أحلف لك بالله على قيام زيد فإنـَّه قائم حلفت أو لم أحلف، صدقت أو كذبت، وبهذا التقرير يندفع ما قيل: إنَّ هذا القول مردود بتفخيم شأن القسم بقوله: {وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم} ومردود بتعيين جواب القسم بقوله: {إنَّه لقرآن كريم} أو {لا أقسم بمواقع النجوم} وهو قسم عظيم {إنَّه لقرآن كريم} بل أقسم بأعظم منها وهو الذات الواجب الوجود. و

 

{بمواقع النجوم} أي بمساقطها وهي مغربها، يقال: وقع شيء على الأرض ووقع من يده أي سقط، أو مسقطها ومطالعها فهي المغارب والمشارق التي تغرب فيها وتطلع، أو مواقعها مواضعها من حين تطلع إلى حين تغرب وذلك مجاريها فإنَّ في ذلك من الدلائل على عظم قدرته ما لا يفي به خطاب، والأُولى أَولى وهو أنَّ المراد مغاربها لمــا في غروبها من إذهابها، والدلالة على وجود مؤثِّر دائم، ولأنَّ ذلك وقت قيام المتهجِّدين والمبتهلين إليه تعالى، ووقت نزول الرحمة والرضوان عليهم وذلك أنـَّهم يقومون إذا غابت النجوم المتوسِّطة في السماء وقت المغرب أو المائلة عن وسطها؛ أو النجوم نجوم القرآن وهي كلُّ ما ينزل على حدة حـتَّى تمَّ القرآن، ومواقعها أوقات نزولها، أو قلوب العباد والملائكة ورسله وصالحي المؤمنين، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها؛ أو النجوم نجوم السماء ومواقعها يوم القيَامة حـتَّى تنشر النجوم؛ أو النجوم ما ترمى به الشياطين ومواقعها المحالُّ التي تسلكها إلى الشيطان. والمواقع جمع موقع وهو في ذلك اسم مكان ميميٌّ، إلاَّ إذا فسَّرناه بحين انتشار النجوم أو أوقات نزول القرآن باسم الزمان.

 

 ذكر الله دلائل قدرته في نفس الآدميِّ إذ جعله من نطفة، وفي الأرض بالزرع والشجر والنار، وفي الأفاق بالماء، فذكر من أدلَّة السماء على طريق العرض لا بالذَّات مواقع النجوم إذ كان كلٌّ بمكانه من السماء، أو كلُّ آية بوقتها [141] وغير ذلك مِمـَّا ذكر فذلك كقوله: {وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون}.

 

{وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم}: الهاء عائدة إلى القسم أو الإقسام المعلوم من قوله: {فلا أقسم}، كقوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى}، أي العدل أقرب، فإنَّ الفعل والوصف يدلاَّن على المصدر أو اسمه فصار ذكرهما كافيًا في ردِّ الضمير إلى المصدر أو اسمه وفي نعت المفعول المطلق مع حذفه كأنـَّه مذكور بذكرهما، نحو: ضربته قويًّا، وأنَا ضاربه قويًّا، أي ضربا قويًّا، وقوله: {وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم} معترض بين القسم وهو: {أقسم} وجوابه وهو: {إنَّه لقرآن كريم} وقوله: {لو تعلمون}

 

معترض بين النعت وهو قوله: {عظيم} والمنعوت وهو قوله: {قَسَمٌ} فذلك اعتراض في اعتراض قصدا للمبالغة في تحقيق مضمون الجملة القسميَّة وإن قلنا: «إنَّه لقرآن» غير جواب للقسم فاعتراض واحد، وقيل: جواب القسم لا إله إلاَّ الله مجزم وجواب «لو» محذوف من جملة ما اعترض به بين النعت والمنعوت تقديره: «لعظَّتموه» أو «لاستعددتم للآخرة» أو «لوحَّدتم وأقررتم بالبعث» أو «لأطعتم الله» أو «لعملتم بموجب القسم» أي: ولمــَّا تعلموا لم تعظِّموه ولم تستعدُّوا بالطاعة والعمل؛ ولا يصحُّ أن يكون جواب «لو» هو قوله: {إنـَّه لقسم}، لأنَّ الجواب لا يتقدَّم على الشرط أو أداته وأجاز الكوفيـُّون تقدُّمه في الأداة، ولأنَّ المعنى: لا يقبل أن يكون «إنـَّه لقسم» جوابا ولا دليلا له، لأنَّ القسم عظيم علموا أو لم يعلموا؛

 

ولو جعلناه جوابا أو دليله كان القسم غير عظيم لأنـَّهم لم يعلموا، وقد شرط لعظمه علمهم. وقيل: لا جواب لـ«لو» في مثل هذا المقام، وإنها لمحض الامتناع بلا تعلُّق بامتناع آخر، فهي كسائر الحروف الدالَّة على النفي بلا تعلُّق، كأنـَّه قيل: لا تعلمون، كما يقصر الفعل عن مفعوله فلا يذكر ولا يقدَّر نحو: فلان يعطي، تريد نفي البخل والشحِّ لا من يعطيه ولا ما يعطيه وعليه، فإنـَّما لم يأت بـ«لا» بدل «لو» لأنَّ «لو» نفي مع تلويح لدليل النفي وتسليمه، فإنـَّما تقول: لو كان كذا لمن تعلم أنـَّه لم يكن، [142] أو تنزل منزلة من علم حـتَّى إذا قيل: لم قلت إنـَّا لا نعلم؟ قلت: لو علمتم لفعلتم كذا. ولا مفعول لـ«تعلمون» والمعنى لو كنتم من ذوي العلم هكذا، إذ لو علموا شيئا لكان أولى ما علموا هذه الأشياء التي برهن الله عزَّ وعلا بها فانتم صمٌّ بكم عميٌ وأضلُّ سبيلا من الأنعام؛ أو يقدَّر مفعول واحد، أي: لو عرفتم عظم القسم المذكور أي لو تعلمونه عظيما، وعدم معمول له أولى وأبلغ، وهو الوجه الأوَّل؛

 

وكانوا يجهلون الحقَّ ويدَّعون علم التنجيم، فردَّ الله بالاعتراض دعوى العلم.

 

{إنـَّه لقرآن كريم}: أي إنَّ القرآن لقرآن كريم؛ أو إنَّ ما تنزَّل على محمَّد لقرآن كريم، فالضمير عائد إلى غير مذكور للعلم به، ولدلالة الخبر عليه، وأنَّ ما ذكر في هذه السورة من أوَّلها إلى هنا قرآن كريم، لا سحر أو كهانة أو كذب أو أساطير الأوَّلين كما تقولون، وصحَّ أن يقال لبعض القرآن قرآن، لأنَّ لفظ قرآن اسم جنس يطلق على الكلِّ وعلى البعض كماء وزيت [كذا]. وعود الهاء إلى القرآن كلِّه أولى لأنَّ ما يذكر بعدُ من الصفات ولو كان صادقا على بعض السورة حمله على القرآن كلِّه أبين، وأفاد ودعوى إرادة التخصيص فرع ولا وجه لتخصيص الإرادة بالذكر بما تقدَّم من هذه السورة إلاَّ أنَّ الكلام فيه وليس ذلك متعيـِّنا، فإنَّ الحكم على الكلِّ حكم على البعض وزيادة. والقرآن إمـَّا مصدر بمعنى اسم مفعول،

 

كالنسج بمعنى المنسوج، وقوله تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي هذا مخلوقه، وكقولك في الجسم العظيم كالجبل: انظر إلى خلق الله، أي مخلوقه أو إلى قدرة الله أي مقدوره؛ وإمـَّا مصدر سمِّي به للمبالغة لكثرة قراءته، فإنـَّه يقرأ في الدنيا والآخرة بلا انقطاع؛ وإمـَّا اسم لهذه الألفاظ، لا بمعنى أنـَّها مقروءة، كما تقول: هذا قربان ويحضر في قلبك جسم يخرج لله ولو لم يستحضر أنـَّه يتقرَّب به، وكما تقول: حلوان الكاهن، ويحضر في قلبك أنـَّه شيء يعطاه هكذا ولو لم يحضر أنـَّه يحلى به ويجعل له سهلا بلا تعب؛ وإن قلت لا ينكر المشركون أنـَّه ألفاظ [143] ولا أنـَّه مقروء فما فائدة «إنـَّه لقرآن»؟

 

قلت: الفائدة في قوله: كريم وقرآن تمهيد كقولك: زيد رجل كريم. أو معنى قرآن أنـَّه مقروء من الله بلسان جبريل عليه السلام على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليبلِّغه، والمشركون لا يقولون بهذا. ومعنى كرم القرآن أنـَّه يستفاد منه علوم الدنيا والدين، يستفاد منه الفقه والطب والحكم والأدب، وأنـَّه فصيح بليغ مرضيٌّ، أذعنت الكفرة لبلاغته وفصاحته، ولمــا فيه من مكارم الأخلاق ولو أنكروا الإيمان به؛ وأنـَّه كريم عند الله ولا يملُّ بكثرة قراءته، والملائكة يستلذُّونه إذا سمعوه منـَّا التذاذ السامع بكلام غريب لم يسمعه وهم قد سمعوه قبل؛ ومن كرمه: سهولة حفظه ولو على من لا يعرف من العلوم شيئا وهو ظاهر الأصل، ضاهر([148]) الفضل، صحيح المعنى، عزيز حكيم، فمن عزته أن يتفلَّت عمَّن لا يتعاهده بالدرس؛ ومن حكمته أنَّ من اشتغل به أغناه.

 

{في كتاب مكنون}: خبر ثان لـ«إنَّ»، و«كريمٌ» نعت لـ«قرآن»، وإن جعلنا «كريمٌ» خبرًا ثانيـًا كان هذا ثالثا؛ أو هو نعت لـ«قرآن» ثان، وذلك أنَّ الخبر تارة يفيد بنفسه، وتارة بنعته أو بما يتعلَّق به من حال أو ظرف أو غيره، أو بالخبر الثاني، أو بكونه مع ما بعده كواحد، كحلو حامض أي مزٌّ [كذا] وأقول: إنَّ كلاًّ أفاد معنى على حدة ولو جمعهما، فالكلام أفاد أنَّ هذا الرمَّان حلو وأنـَّه أيضًا حامض. والكتاب المكنون: اللوح المحفوظ والمظروف فيه هو القرآن كما أخبرتك أنـَّه خبر ثان، أي إنَّه لقرآن كريم ثابت في كتاب مكنون؛ أو نعت؛ ويجوز أن يكون متعلِّقا بنعت خاصٍّ أو خبر خاصٍّ، أي: موصوف في كتاب مكنون بأنـَّه قرآن كريم، وما تقدَّم أولى، وأمـَّا قلت: الكتاب المكنون اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}. وقيل: الكتاب([149])

 

 جنس ما كتب فيه من أوراق عند الملائكة‏ حين نقل من اللوح المحفوظ. وقيل: المصحف بين أيدي الناس فإنـَّه مكنون أيضًا، إلاَّ عند من لم يهده الله. وقيل: الكتاب المكنون جنس كتب الله، فإنَّ القرآن هو في كتب الله بالمعنى، فإنَّ معاني القرآن فيها وذكره فيها. أو هو في كتاب مكنون بمعنى أنـَّه في جملتها. واجتمع [144] العلماء أنَّ أفضل الكتب القرآن ثمَّ التوراة ثمَّ الإنجيل ثمَّ الزبور. والمكنون: المستور تعظيما له، وكتاب الله معظَّم عند الله، ولو تهاون به فاسق أو جاحد. وإذا قلنا: الكتاب هو اللوح المحفوظ فستره ظاهر، فإنـَّه لا يطَّلع عليه إلاَّ الملائكة المقرَّبون.

 

 أو المكنون كناية عزَّته فإنَّ من شأن العزيز أن يستر عن الأعين كما يستر عن الأيدي؛ أو الكناية عن الحفظ فإنَّ الكنَّ حفظ، ومِن لازم المحفوظ أن يستر، فالقرآن محفوظ عن تبديل المبدِّلين، وتحريف المحرِّفين. دخل رجل يهوديٌّ على هارون الرشيد يوم عيد، ومن قابل دخل عليه مسلمًا، فسأله فقال: بدَّلتُ وحرَّفت نسخة توراة ونسخة إنجيل فعرضتهما على البيع فاشتُريت، وزدتُ في القرآن وبدَّلت ونقَّصت فعرضت النسخة، فكلَّما من تصفَّح ردَّها عليَّ، فعلمت أنـَّه الحقُّ. قال بعض العلماء: هذا قوله تعالى: {وإنـَّا له لحافظون}، وقال في التوراة والإنجيل: {بما استُحفِظوا من كتاب الله} ردَّ حفظه إليهم فضيَّعوه. وفائدة الإخبار بأنـَّه {في كتاب مكنون} أنـَّه في اللوح المحفوظ، أو في كتب الله أو من جملتها ولا أساطير الأوَّلين ولا كلام بشر يعلِّمه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا كلام ملك أو جنـِّيٍّ ينزل به على الكهانة، بل كلام من الله في كتاب لا يطالعه إلاَّ الملائكة المقرَّبون.

 

 {لا يمسُّه إلاَّ المطهَّرون} «لا» نافية، و«المطهَّرون» بتخفيف الطاء: الذين خلقهم الله طاهرين، وهم الملائكة، وليسوا غير طاهرين ثمَّ طهَّرهم بل خلقهم من أوَّلهم على الطهارة من المعاصي، وإلاَّ سواء فإنـَّهم طبعوا طبع ما لا يعصي؛ وأصل التطهير إزالة الأوساخ بعد وجودها فاستعمل في نفيها من أوَّل فهو مجاز لعلاقة الإطلاق والتقييد، ولو شدِّدت الطاء والهاء لكان المعنى: مَن اكتسبَ الطهارة من أوساخ قد كانت، وهذا غير الملائكة. والجملة نعت للكتاب، أو للقرآن، أو خبر آخر له. ومن شدَّد الطاء والهاء وكسرها جعل لا ناهية، وجعل المطهّرين هم الناس المتطهِّرين من الجنابة والحيض والنفاس والشرك أو من الشرك فقط، وجعل علامة الجزم السكون المقدَّر على السين المانع من ظهوره التقاء الساكنين، وكانت الحركة ضمـَّة لأنـَّها كحركة كانت حال الرفع، وهو وجه صحيح لا ضعف فيه؛ وعلى النهي [145] فالجملة معترضة بين الإخبار أن جعل «تنزيلٌ» خبر([150])

 

 آخر لـ«إنَّ»، أو نعت أو خبر آخر على تقدير القول، أي مقول فيه: {لا يمسُّه إلاَّ المطهَّرون}. نهى غير المتطهِّرين عن مسـِّه، أو هي نافية بمعنى النهي، فهو مرفوع نعت أو خبر بحسب اللفظ، أي لا ينبغي أن يمسـَّه إلاَّ من كان عاريًا عن الشرك والحيض والنفاس والجنابة كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه»، فاللفظ على الرفع إخبار، أي لا ينبغي ظلمه ولا إسلامه، والمعنى نهيه عن الظلم له وتركه لمن يظلمه، أو السعي به إلى ظالم. ويجوز تفسير المسِّ بالتناول ملامسة أو قراءة. وقرأ بعض: «المتطهِّرون» بكسر الهاء وهو أصل المطَّـهِّرين ــ بشدِّ الطاء والهاء ــ أبدلت التاء طاء، أو أدغمت. وقرأ بعض: «الـمُطْهَرون» ــ بإسكان الطاء وفتح الهاء ــ من أطهَره، متعدِّيـًا بالهمزة كطهَّره ــ بتشديد الهاء وحدها ــ متعدَّيـًا بالتشديد. و«المطْهرون» بإسكان الطاء، و«المطهَّرون» بشدِّ الهاء وحدها: الملائكة، وسائر القراءات: الناس، ويمكن العكس على بُعدٍ، لأنَّ الإنسان أطهر نفسًا إذا أسلم أو اغتسل. والملائكة لا يزالون يطلبون مزيد الطهارة من التقصير في العبارة([151]). وقرأ([152]): «المطْهِرون» ــ بتخفيف الطاء وكسر الهاء مشدَّدة ــ وهم الملائكة يطهِّرون غيرهم بالاستغفار وأنفسَهم بزيادة العبادة. ثمَّ إذا كان الكتاب بمعنى المصحف فقد علمت أنـَّه نهي عن مسـِّه إلاَّ بطهر من شرك ونفاس وحيض وجنابة، أو من شأنه أن لا يمسَّ إلاَّ بطهر كما فعلت أخت عمر مع عمر.

 

 وإذا كان بمعنى اللوح المحفوظ فكيف نقول ــ نحن معشر الإباضـيَّة والشافعي وغيره ــ: لا يمسُّ المصحف مشرك ولا جنب ولا حائض ولا نفساء؟ الجواب: أنـَّا نقول ذلك في شأن المشرك من خبر أخت عمر، وفي شأنه وشأن الجنب والحائض والنفساء من كتابته صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عمر بن حزم: «لا يمسُّ القرآن من هو على غير طهر»، ومن قراءة: المتطهِّرين ــ بالتاء ــ والمطَّهَّرين ــ بشدِّ الطاء والهاء ــ فإنـَّهما للناس، وهم لا طاقة لهم على مسِّ اللوح المحفوظ فالكتاب المصحف لا اللوح المحفوظ، ومن حيث أنـَّه إذا كان لا يمسُّ اللوح إلاَّ الملائكة وهم مطهَّرون [146] كذلك ما نزل منه وهو القرآن لا يمسُّ مصحفه إلاَّ الناس المطهَّرون، وأمـَّا سائر الحدث فلا بأس بالمسِّ معه قبل الوضوء، فإنَّ الذي تردُّ روحه من السماء عن أن تسجد تحت العرش روح الجنب وأمـَّا الحايظ([153]) والنفساء فمثله، لا روح المحدث والممنوع من الدخول المسجد وقراءة القرآن الجنب والحائض والنفساء لا المحدث.

{تنزيل من ربِّ العالمين} خبر آخر، أو نعت آخر، أو خبر لمحذوف، أي: هو تنزيل، والجملة مستأنفة، وعلى كلِّ حال هو مصدر بمعنى اسم مفعول، أي: منزَّل ــ بفتح الزاي المشدَّدة ــ سمَّى به القرآن مبالغة في كونه من اللوح المحفوظ من عند الله لا من أهل الأرض ولا من عند غير الله، وذلك أنَّ تعلُّق الفعل بالفاعل في الجملة أقوى من تعلُّق المفعول بالفاعل، لأنَّ الفعل فعل للفاعل، والمفعول ليس من فعله، نحو: أكرمت زيدا، فإنَّ الإكرام فعل لفاعله، وزيد ليس فعلا له، وقد يكون المفعول بمعنى المصدر كما قيل في المفتون بمعنى الفتنة، وأمـَّا ممزَّق ومُدخل صدق ــ بضمِّ ميمه ــ فليسا اسمي مفعول بل مصدران بوزن اسم مفعول،

 

 أو اسما مكان بوزنه، ولعلَّ مراد بعض المحقِّـقين بقوله: إنـَّهما اسم مفعول بمعنى المصدر أنـَّهما بوزن اسم مفعول، كأنـَّه يرى أنَّ هذا الوزن موضوع للمفعول، وأنَّ استعماله مصدرا توسُّع، وليس كذلك عندي، بل هو موضوع لهما على الاشتراك حقيقة في كلٍّ منهما، وكذا في اسم المكان والزمان الميميِّ، ثمَّ إنـَّه إن قلنا يتغلَّب([154]) الاسميـَّة فـ«من ربِّ العالمين» نعت لـ«تنزيل»؛ وإن قلنا ببقاء الحدث فمتعلِّق بـ«تنزيل»؛ وعلى كلِّ حال هو قيد؛ فالمعنى أنـَّه منزَّل من الله إلى محمَّد لا من الله عزَّ وجلَّ إلى عليٍّ فغلط جبريل أو تعمَّد قولان باطلان، فجاء به إلى محمَّد كما زعمت طائفة من الروافظ([155]) فهذه الطائفة يليق بحالهم أن يكون جبريل عدوًّا لهم كما أنـَّه تعدُّه اليهود عدوًّا لهم.

 

{أفبهذا الحديث أنتم مدهنون}([156]): الفاء عاطفة على «أفرأيتم النار...» إلخ، والهمزة من جملة المعطوف، أو داخلة على محذوف، فالفاء عاطفة على هذا المحذوف، أي: أتكذِّبون فأنتم مدهنون بهذا الحديث، والباء على كلِّ حال متعلِّق بمدهنون والتقدير للفاصلة [147] وعلىطريق الاهتمام أو للحصر مع ذلك كلِّه أيضًا، ومعنىالحصر أنـَّكم مدهنون في أمر الدين خاصَّة لا في أمر دنياكم والإشارة للقرآن وهو مخلوق حادث لا كلام نفسيٌّ قديم، فإنَّ القديم لا يتصوَّر إنزاله وحلوله في الألسنة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى إثبات البعث، فالكلام متـَّصل في المعنى بقوله: {أئذا متنا} فإنـَّما فصل لفظ [كذا] بالاستدلال عليه والردِّ عليهم. والمدهن الملين في الأمر غير متـَّصل فيه تهاونًا به، أي: أأنتم متهاونون بالقرآن أو بالبعث؛ ولذلك فسَّره الزجَّاج بمكذِّبين ووجه أنـَّهم يواجهون بالتكذيب لأنـَّهم ليسوا منافقين، لأنَّ السورة مكِّيـَّة، الجواب أنـَّهم تارة يلينون، وتارة يجاهرون بالتكذيب، وإذا ألانوا فليستميلوا الناس، ويستدرجوهم إلى التكذيب، وليجانبوا الحجَّة عجزًا منهم عن مقاومتها ووجه آخرون([157]) أنـَّهم يلينون الكلام لمن فوقهم من الكفرة، أو ساواهم مداراة ولمن تحتهم من الكفرة الأتباع، فهم يكذِّبون ويتهاونون بالقرآن لتبقى صحبتهم مع من فوقهم، أو ساواهم وتبقى رئاستهم على من دونهم فإن ظهر لهم الحقُّ لم يصرِّحوا به بل ينكرونه، وإلاَّ لم يستعملوا النظر بل ينكرون. وقرئ بنصب «تنزيلَ» على الحال.

 

{وتجعلون رزقكم أنـَّكم تكذِّبون} أي تكبون [كذا] على التكذيب وتحرصون عليه كأنـَّه رزق لكم تموتون بانقطاعه، وفي الآية عكس التشبيه، أي تجعلون التكذيب للرسول في التوحيد والبعث كرزقكم في أنـَّه لا بدَّ منه إذ لا يموت، وإذ لا غنى عنه فقلب ذلك بـأن جعل الرزق لهم هو التكذيب، والرزق مفعول أوَّل، و«أنـَّكم تكذِّبون» ثانٍ، ولو عكس هذا الإعراب لم يكن ذلك عكس التشبيه، ويجوز أن يكون المعنى: تجعلون رزقكم ما يحصل لكم من تكذيب الرسول فيما يقول، فإنـَّه تحصل لهم مقاصد الدنيويـَّة، أي: تجعلون رزقكم نتيجة التكذيب، أو تجعلون نتيجة التكذيب رزقكم، وقال الجمهور: تجعلون رزقكم التكذيب بكون الرزق من الله إذ نسبتموه إلى النوء وقلتم: «مطرنا بنوء كذا» ولم تستحضروا أنَّ النجم وما يـتـَّـفق معه من الله وبخلقه، بل وتعتقدون استقلال النوء والرزق باق على عموم كسائر الوجوه فإنَّ بالمطر جميع الأرزاق؛ وقيل: الرزق المطر. ولا بدَّ [148] من تقدير مضاف،

 

 أي وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، لكون الرزق من الله بنسبته إلى النوء كما تقول: جعل طاعته معصية، أي جعل بدلها المعصية ممـَّن قال بالأنواء مكذِّب لقوله عزَّ وجلَّ: {وما من دابـَّة في الأرض إلاَّ على الله رزقها}، أعني بمنزلته لأنـَّهم يقرُّون بالله وبأنـَّه رازق. أو تجعلون شكر رزقكم مطلقا التكذيب للرسول؛ ويدلُّ لتقدير الشكر قراءة بعض: «وتجعلون شكركم أنـَّكم تكذبون»، أي تجعلون شكر النعم مطلقا، أو نعمة القرآن التكذيب للرسول أو للقرآن؛ ويجوز تقدير: «وتجعلون رزقكم في أنـَّكم تكذبون» فحذف «في». والتعميم في التكذيب والرزق أولى، لأنَّ ما تقدَّم كلام في تعميم الرزق، وأنـَّه تحت حكمه وإرادته وما بعد هذا كلام في أنَّ الإنسان نفسه تحت حكم الله.

 

{فلولا إذا بلغت الحلقوم}: الفاء عاطفة على حدِّ ما مرَّ و«لولا» تحضيض على محذوف، أي هلاَّ ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم، فجواب «إذا» أغنى عنه ما يقدَّر قبلها كما رأيت، دلَّ على هذا المحدوف([158]) قوله: {ترجعونها}؛ أو يقدَّر: لولا تكذِّبون كما كنتم تكذِّبون، دلَّ على هذا ما قبله؛ أو خارجة عن الشرط والصدر متعلِّقة به. وضمير «بلغت» عائد إلى الروح فإن الروح يؤنث، أو إلى النفس بمعنى الروح،

 

 أو إلى الحياة، والمراد الجنس؛ أو حياة أحدكم أو روح أحدكم، أو نفس أحدكم؛ وليس المراد بالتحضيض حقيقته من طلب وقوع الفعل بل التبكيت والإعجاز. والحلقوم أعلى الحلق، ومعنى بلوغ الروح إليه اجتماعها إليه من سائر البدن مشرفة على الخروج؛ وقرئ بفتح التاء وإسكان الكاف كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «كذب المنجِّمون وربِّ الكعبة ولم يكذبوا».

 

{وأنتم حينئذ تنظرون} «تنظرون» خبر «أنتم»، و«حينئذ» متعلِّق بـ«تنظرون»، قدِّم للفاصلة وعلى طريق الاهتمام في كلام العرب أو للحصر مع ذلك، ووجه الحصر المبالغة في نظرهم حـتَّى إنَّ كلَّ نظر منهم في غير ذلك الحين كلا نظر بالتسمية إلى ذلك. أي: وأنتم ما تنظرون إلاَّ حينئذ، وتنظر للحال لا حالة نظر لكم إلاَّ هذه. وتنوين «إذٍ» عوَّض عن فعل وفاعل مستتر ومفعول أي حين إذ بلغته ضمير بلغت للروح، والهاء للحلقوم، وإنـَّما لم أقدِّر بلغت الروح الحلقوم [149] فعرض [كذا] تقدير إظهارهما قبل إذا كما رأيت إلاَّ رأيت أنـَّه أظهر للروح في «بلغت» وأظهر الحلقوم فلا يظهر ما ظهر ولا ما ظهر في التقدير بل يحمل التقدير على الأصل، والخطاب للحاضرين حول صاحب الروح والمشرفة على الخروج. والمراد بالنظر النظر إلى ما هو فيه من الغمرات وجملة المبتد([159]) والخبر حال من ضمير «بلغت»، والربط بواو الحال، واحترز عن ردِّها وهم غير ناظرين لبلوغ الحلقوم لأنـَّه أبعد من ردِّهم لها ناظرين، وأصل الحال أن تكون قيدًا وتحرُّزًا، ولذلك لم أقل: صاحب الحال هو الواو في هلاَّ تردُّون الروح، نعم يجوز على معنى أنـَّكم عاجزون عن أن ترجعوها وأنتم ناظرون فكيف وأنتم غائبون؛ وقيل: يجوز أن يكون المعنى: هلاَّ يردُّ أحدكم روحه إذا اجتمعت إلى جسده فلا يموت وهو ينظر حال نفسه ويردُّه قوله: {ونحن أقرب إليه منكم}، والآية تفيد أنـَّكم كذَّبتم بالبعث فهل تكذِّبون بالموت وما تشاهدونه حال النزع من دلائل البعث لا بل تدعنون([160]) إلى إثباته، وتصدِّقون الرسل حين لا ينفعكم الإذعان والتصديق

 

، فهي نصره للرسل وتبشير لهم بأنـَّه سيعترف بصدقكم أعداؤكم حيث لا ينفعهم الاعتراف، فهم يفرحون بالتصديق وتعذيب العدوِّ.

 

{ونحن أقرب إليه}: أي إلى من بلغت روحه حلقومه منكم علما بحاله وتصرُّفا فيه، وقدرة بالخلق فيه وبملائكة الموت، ولا علم لكم بكنه ما هو فيه من الشدَّة وأسبابها، ولا علم لكم إلاَّ بما شاهدتم من أثر الشدَّة، ولا قدرة لكم على دفع شيء عنه، والجملة حال لازمة من واو «تنظرون»، أو ترجعون المقدَّر وبقولي: لازمة زال أن يقال: كيف تكون هذه الحال للنظر أو للردِّ. أو معطوفة على جملة التحضيض عطف إخبار على إنشاء، وهذا أولى للاستدراك في قوله:

 

{ولكن لا تبصرون}: لا تدركون كوننا أقرب إليه منكم بجهلكم بشؤوننا وصفاتنا، وهذا الاستدراك يكون لتلك الحال اللازمة كالترشيح، أعني تبعا إذا قلنا: إنَّ تلك الجملة حال لازمة كما رأيت، والأولى عندهم أن تكون الجملة مستأنفة والواو للاستئناف، والذي لي أنـَّه لا تكون الواو للاستئناف، لأنَّ واو الاستئناف إن كانت حرف معنىً فما [150] هذا المعنى، ولا يكون الاستئناف معناها لأنَّ قولك للاستئناف بيان محلِّها إلاَّ لمعناها، وقد ذكر ابن هشام أنَّ قولهم الاحرف استفتاح بيان لموضعها وإهمال لمعناها، وإنـَّما معناها التوكيد والتشبيه، وأيضا كيف تكون الواو للاستئناف والأصل في الواو الوصل وهو العطف فكيف تكون علامة لضدِّ أصلها؟ ولو كانت واوَ الاستئنافِ لجاز أن تكون أوَّل الكلام الذي لم يتقدَّمه شيء، وذلك لا يوجد؛ وإن كانت حرف هجاء لم يجز قطعًا وإجماعا لأنَّ ذلك لغو لا معنىً، لأنَّ حرف الهجاء يكون جزء كلمة أو حرف معنى كباء الجرِّ هي حرف هجاء حرف معنى وغير ذلك لا معنى له، فلا يخرج عليه كلام صحيح فضلا عن كلام الله سبحانه وتعالى، وما واو الاستئناف إلاَّ واو عطف إذا استعمل الوصل في مقام الفصل وذلك لحكمة، ولولا قولهم في الأعاريب: الواو في جملة كذا للاستئناف، والجملة لا محلَّ لها لتأوَّلت كلامهم بأنـَّهم أرادوا بالاستئناف الوصل في مقام الفصل لكنـَّهم يقولون ذلك ولو كان الحملة([161]) السابقة لها محلٌّ.

 

 {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها}: لولا للتحضيض داخلة على قوله: {ترجعونها} فهو في نية التقديم، أي: فلولا ترجعونها إن كنتم غير مدينين، وقد قدَّرت لـ«لولا» الأولى مثل هذا، فهذا دليل عليه، أي لولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم... إلخ، فلولا ترجعونها إن كنتم غير مدينين، وهذا ما أقوله، وهم يقولون: «لولا» الثانية تأكيد للأولى، و«ترجعونها» متـَّصل بالأولى متأخِّر إلى هذا المحلِّ، وإنـَّما عدلت عن هذا لطول الفصل مع التقديم والتأخير، ولدخول «لولا» الثانية لفظًا على غير ما دخلت عليه الأولى لفظًا؛ وقد يقال: الفاء ليست تأكيدًا للأولى بل عاطفة على مدخول «لولا» الأولى على جواز عطف التأكيد اللفظيِّ بالفاء، ووجه التأكيد تكرير «لولا»، كأنـَّه قيل: لولا إذا بلغت الحلقوم فإن كنتم غير مدينين، بفاء عطف «إن» ومدخولها على «إذا» ومدخولها،

 

 كقولك: أكرم زيدًا إن جاء، وإن جاء رسوله؛ وقيل: يجوز أن يكون «فلولا إن كنتم...» إلخ جواب «إذا» باعتبار «ترجعونها»، والأولى ما ذكرته من أنَّ «ترجعونها» لـ«لولا» الثانية، ويقدَّر: لولا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم، أو يقدَّر للأولى فعل دلَّ عليه ما قبلها، أي [151] فلولا تكذِّبون إذا بلغت الحلقوم كما تكذِّبون من قبل هذا، وهذا أولى، لأنَّ الحذف لدلالة المتقدِّم أولى من الحذف لدلالة المتأخِّر، وهذا كقوله:

تعدُّون عقر النيب أفضل مجدكم             بني ضوطري لولا الكمي المقنَّعا

أي لولا تعدُّون الكمي. وجواب «إن» محذوف يدلُّ عليه «ترجعونها» مع قوله: {فلولا([162]) إن كنتم غير مدينين}. ومعنى مدينين أي مجزيـُّون، أي أنتم مأمورون منهيـُّون مجازون على أعمالكم مقدور عليكم لا مهمَلون إن كنتم غير ذلك فهلاَّ ترجعونها، وهو اسم مفعول من دانه يدينه جازاه؛ أو معناه مسوسون من دان السلطانُ الرعيةَ أي ساسها، أي استعبدها واستقام بها فيما يصلح، وهذا راجع إلى الأوَّل،

 

 فإنـَّه إنـَّما يجازى القادر الآمر الناهي، وكذا يرجع إليه قول من قال: معناه: مملوكين، لأنَّ المملوك هو الذي يجازى ويساس؛ والميم في ذلك كلـِّه زائد؛ والياء عين الكلمة وواو مفعول محذوف، أو هي واو مفعول، والعين المحذوفة والوزن: مفعول فعل التصرُّف فيه؛ وحاصل ذلك كلِّه أنـَّهم مربوبون؛ ويجوز أن يكون المعنى مقيمين، أي إن كنتم غير مقيمين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دار الدنيا، مِن مَدَنَ بالمكان: أقام فيه، فالميم أصل، والياء زائد، والوزن فعيل، فالمعنى: إن كنتم غير مقيمين في العذاب دائمًا لا كما يزعم منكر العذاب ولا كما يزعم منكر دوامه، وقال: {لن تمسَّنا النار إلاَّ أيـَّاما معدودة}؛

 

 وحاصل ذلك كلِّه أنـَّهم لو لم يكونوا تحت قدرة الله مملوكين لفوَّتوا أنفسهم عن دار العقاب الدائمة وعن العقاب فيها إلى الدنيا برجع الروح إلى الجسد كما كانت قبل، ولا سيما أنـَّهم يقولون بالطبع وزوال الأمراض بالدواء بدون الله، وردُّ الروح بالطبع والدواء ممكن عندهم فهلاَّ ردُّوها، فبطل قولهم عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

 

{إن كنتم صادقين} في اعتقادكم، جواب «إن» محذوف أغنى عنه «إن» قبلها وشرطها وجوابها هكذا، إن كنتم صادقين في أنَّ الله غير باعثكم فإن كنتم غير مدينين فهلاَّ [152] ترجعونها؛ وقيل في: إنَّ الله غير خالقكم، فإنـَّهم ولو اعترفوا بأنـَّه خالقهم لكن لم يتقنوا القول به، ألا ترى إلى قوله: {نحن خلقناكم فلولا تصدِّقون} بالبعث مع اعتقادكم أنـَّا خلقناكم.

 

{فأمـَّا إن كان من المقرَّبين فرَوح وريحان وجنـَّة نعيم} شروع في بيان حال الميـِّت بعد موته عقب بيان حاله عند الموت، أي فإمـَّا إن كان المتوفَّى من المقرَّبين فله روح، فـ«روح» مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، أي: فله روح، أو فجزاؤه روح، والرَّوح الاستراحة والراحة، أو الفرح والرحمة، كما قرئ بضمِّ الراء بمعنى الرحمة، لأنـَّها سبب لحياة المرحوم؛ وفسِّر بالحياة الدائمة تفسير معنى، وأصل الرَّوح بفتح الراء السعة، كما يقال لسعة ما بين الرجلين روح، وهو سعة دون السعة المسمَّاة بالفحج [كذا]. والريحان: الرزق، لأنـَّه يرتاح إليه إذا حصل للإنسان سكن واطمأنَّ ولم يتعب قلبه،

 

 وذلك رزق الجـنَّة ولا تعب فيها ولا كسب؛ وقيل: الورق؛ وقيل: الزهر؛ وقيل: النبات المسمَّى بالريحان، وقد قيل: إنـَّه لا يخرج روح المؤمن من الدنيا إلاَّ يؤتى بريحان من الجـنَّة يشمُّه؛ وقيل: الريحان هنا شيء يرتاح إليه غاية، وهو الخلود أو رضى الله. {وجنة نعيم}: جـنَّة تنعُّم أو ذات نعيم، أو ذات الأشياء المتنعَّم بها، وإنـَّما يعلم حقيقة الأمر الله؛ وكم إنسان يظهر لك أنـَّه مطيع لله ورع وليس كذلك، أو سيختم له بالسوء، وبالعكس، وكم إنسان مات ودفن في مقابر المسلمين نبش عليه ولم يوجد، أو وجد بدله مشرك أسلم سرًّا وأطاع وتورَّع؛ أو عند قرب موته قبل أن يعاين؛ اللهمَّ إنـَّا نعوذ بك من عذاب جهـنَّم، ونعوذ بك من عذاب القبر، ونعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات.

 

{وأمـَّا إن كان} المتوفَّى {من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} فسلام لك أيـُّها المتوفَّى الذي هو من أصحاب اليمين من الآخرين الذين هم من أصحاب اليمين، أخبر الله أنَّ لأصحاب اليمين سلام بعض على بعض، فمقتض([163]) الظاهر: «فسلام له من أصحاب اليمين»، لكن لفت الكلام عن الغيبة إلى الخطاب [153] تشريعا لجنس المتوفـَّى الذي هو من أصحاب اليمين، ولو كان الكلام ذكرالانـشاهم([164]) السلام، لقال: فسلام عليك. والخطاب لأصحاب اليمين عمومًا على جهة البدل، وهو كقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلاَّ قيلا سلاما سلاما}. ويجوز أن يكون الخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيكون في هذا «سلام» بمعنى سلامة، أي فسلامة لك من أن ينالهم مكروه،

 

 أي لا تخف من جانبهم، وطب نفسا، فإنـَّهم كما تحبُّ ولا يهمُّك أمرهم؛ يقال: لا تخف من ولدك، بمعنى أنـَّه على خير من عمله واعتقاده أو تَجْرِه، تخاطب بهذا وولده غير غائب عنه، لكنـَّه خاف أن يكون أمر خفيـًّا عنه يسوءه، أو تخاطبه بذلك وهو غائب إذا خاف أن يكون في سوء من ذلك، أو قد أهين؛ أو الخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أو لأصحاب اليمين على البدليـَّة، على أنَّ المراد تعظيم حالهم والتهنئة، كما تقول: ناهيك بفلان، تريد أنـَّه في الغاية؛ أو الخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التسليم بأن يوجِّهوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا تعظيم لهم إذ لا يسلِّم على العظيم إلاَّ العظيم في متعارف سلاطين الدنيا وتأنيس لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتطيب([165]) له ولهم،

 

 لأنـَّه ولو كان في أعلى علِّـيـِّـين فوق أهل الجـنَّة كلِّهم لا ينقطع التواصل بينهم، وإذا كان الخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فوجهه مزيد الحبِّ في الله فقد أهمَّه أمر المسلمين كلِّهم من لدن آدم، فقال الله الرحمن الرحيم: لا يهمُّك حالهم، ولا تزالوا في اتـِّصال، أو المراد أصحاب اليمين من أمـَّته لشدَّة مزيد حبـِّه لهم. و«لك» خبر، و«من أصحاب» خبر ثانٍ، أو حال من المستتر في «لك»، أو نعت لـ«سلام» مفصول بالخبر، وإذا أريد بالسلام السلامة من أن ينالهم ما تكره فالإعراب كذلك، ويزيد أن يتعلَّق بـ«تسلُّم» محذوف لا أن يتعلَّق بـ«سلام»، لأنـَّه لا يخبر عن المصدر قبل ذكر متعلَّقه، واسم المصدر كذلك إذ هو كالإخبار عن الموصول قبل ذكر صلته، وقيل: بالجواز، لأنَّ المتعلِّق ظرف.

 

 {وأمـَّا إن كان من المكذِّبين الضالِّين} وهم أصحاب الشمال إذ كذَّبوا بالحقِّ وضلُّوا عنه، أو كذَّبوا بالبعث وضلُّوا عن الحقِّ، أو كذَّبوا بالرسل وضلُّوا عن الحقِّ [154] سمَّاهم بما وصفهم به إذ قال: {ثمَّ إنـَّكم أيـُّها الضالُّون المكذِّبون} ذمـًّا لهم وإشارة بأنَّ سبب نزولهم من حميم، وتصلية جحيم وهو تكذيبهم وظلالهم([166]).

 

{فنُزُل من حميم} أي فله نزل من حميم، أو فجزاؤه نزل من حميم، و«من حميم» نعت «نزل» والنزل ما يعجل للضيف، وذلك النزل صائع([167]) حارٌّ من جملة المائع الحميم، أي الحارُّ يشربه عقب الأكل من الزقُّوم، أو ما يأكلون ويشربون بعد عذاب أوَّل الزقُّوم والحميم، فذلك نزل عذاب.

 

{وتصلية جحيم} إدخال النار؛ وقيل: إقامة فيها ومقاساة لأنواع عذابها، وفيه أنَّ التصلية متعدِّية، والإقامة لازمة، إلاَّ أن يراد: إقامة الله إيـَّاهم فيها، أو يراد بالتصلية الصلي مبالغة، والمقاساة ليس فعلا من الله بهم فكيف تفسَّر به التصلية، إلاَّ أن تفسَّر بالصلي مبالغة، ثُمَّ إنـَّه التصلية لا دلالة على الإقامة والمكث والطويل؛ وقيل: ذلك ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها.

 

{إنَّ هذا} أي ما ذكر من جزاء الأزواج الثلاثة، أو ما ذكر في السورة، أو القرآن،

 

{لهو حقُّ اليقين} أي: حقُّ الخبر اليقين، أو الأصل اليقين، الحقُّ، فقدِّم النعت، وأضيف، أو الإضافة للبيان، أي: حقٌّ هو اليقين، أو حقَّ الحقُّ اليقين من إضافة التأكيد، كقولك: صواب الصواب، أي غايته، كما يؤكَّد في النعت بالتكرير، كيوم أيوم، وليل أليل، وظلٌّ ظليل، وكأنَّ الحقَّ الذي هو غير القرآن من الأمور الثابتة غير حقٍّ بالنسبة إلى قوَّة الحقِّ الذي هو القرآن، ويجوز ردُّ الإشارة إلى التكلُّم بما ذكر في حقِّ الأزواج، أو في السورة، أو بالقرآن، أي أنَّ التكلُّم بذلك هو حقُّ التيمُّن، فإنَّ شأن من تيقَّن به أن يقوله.

 

{فسبـِّح باسم ربـِّك العظيم} عطف إنشاء على إخبار، أو فعليـَّة على اسميـَّة، أو على محذوفة مثلها، أي: قل ذلك، فسبـِّح على أثره، ولا تشتغل بإنكار المنكر، ولا تترك إنذارهم، ومعنى: «سبـِّح باسم ربـِّك» نزِّه اسم ربـِّك عمـَّا [لا]([168]) يليق، أو نزِّه ربـَّك، واذكر ما هو تسبيح لاسم ربـِّك، مثل أن تقول: «سبحان ربـِّي العظيم» أي نزِّهه عمـَّا ذكر من الإشراك والإنكار المنهيِّ عنه في أثناء السورة، أو اشتغلْ بالتسبيح، ولا تشتغل بالشردمة([169]) القليلة غير المسبـِّحة وهم كفرة الإنس والجنِّ فإنَّ جمهور الخلق بل أجسام الخلق كلِّهم مِمـَّا في السماوات والأرض يسبِّحون كما قال الله عزَّ وجلَّ:

 


 


[1]

- في الأصل: «البقر». وهو خطأ.

[2]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «يعتـبر تأنـيـثـه».

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «راوية».

[4]

- في الأصل والصواب: «خافظة». وهو خطأ.

[5]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «لمـبـتـدإٍ».

[6]

- كذا في الأصل والصواب: «يخفض».

[7]

- كذا في الأصل والصواب: «منخفض».

[8]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «بأحوالهم».

[9]

- كذا في الأصل والصواب: «المشأمة».

[10]

- في الأصل : «وأيمانهم».

[11]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ويسبقون».

[12]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «يكونون».

[13]

- يمكن أن نقرأ: «راجح».

[14]

- ما بين معقوفتين من إضافتنا.

[15]

- يمكن أن نقرأ: «السابقين».

[16]

- كذا في الأصل والصواب: «الترغيب».

[17]

- كذا في الأصل والصواب: «بعيدًا».

[18]

- في الأصل: «والمقرَّبون». والصواب حذف واو العطف.

[19]

- كذا في الأصل والصواب: «خبرًا».

[20]

- في الأصل: «في جنان». وهو تحريف للآية!.

[21]

- في الأصل: «ثلت».

[22]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «بنزول».

[23]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «والقتل».

[24]

- كذا في الأصل والصواب: «والعياذ».

[25]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «كثيرون».

[26]

- في الأصل: «موضوعة». وهو تحريف للآية!.

[27]

- كذا في الأصل، والصواب: «الممدود».

[28]

- كذا في الأصل، والصواب: «تهذيب».

[29]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «القناعة».

[30]

- ما بين معقوفين من إضافتنا.

[31]

- ما بين معقوفين من إضافتنا.

[32]

- كذا في الأصل، والصواب: «يثابون».

[33]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الوليدة».

[34]

- كذا في الأصل، والصواب: «السنِّ».

[35]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التقريط».

[36]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا  عُرَى  لها».

[37]

- كذا في الأصل، والصواب: «نعتًا».

[38]

- كلمة غير واضحة يمكن أن نقرأها: «فعيل».

[39]

- كذا في الأصل، والصواب: «نفد». بالدال المهملة.

[40]

- كذا في الأصل، والصواب: «ينفد» بالدال المهملة.

[41]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وفواكهُهَا».

[42]

- كذا في الأصل، والصواب: «حضرت».

[43]

- كذا في الأصل، والصواب: «للهضم».

[44]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هضم».

[45]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في الخيام».

[46]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ينافي» أو «بـنـافٍ».

[47]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عطفًا».

[48]

- يمكن أن نقرأ: «أو حول».

[49]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مشابهتهنَّ».

[50]

- كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في  العبارة سقطًا.

[51]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للأجرة»، أو «لأجرِهِ».

[52]

- في الأصل: «يجزون». وهو خطأ.

[53]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلانٌ».

[54]

- كذا في الأصل، والصواب: «غرفة». انظر مسند الإمام الربيع بن حبيب.

[55]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لؤلؤة».

[56]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مجازٌ».

[57]

- كذا في الأصل، والعبارة غامضة، لعلَّ فيها سقطًا.

[58]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «قيل».

[59]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لمـَّا كان».

[60]

- كذا في الأصل، والصواب: «مغايرة».

[61]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سلامًا».

[62]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلفظه».

[63]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ظلاًّ».

[64]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وكظلِّ».

[65]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أضْوَءُ».

[66]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومكانا».

[67]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «الثاء».

[68]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تُمنع».

[69]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو جاهٍ».

[70]

- كذا في الأصل، والصواب: «الزوج».

[71]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَـنَـيْـنَ».

[72]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أَلـَـمًا».

[73]

- كذا في الأصل، والصواب: «عذارى».

[74]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «البِكرَ».

[75]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خِلقةُ».

[76]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الموقف».

[77]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حورًا».

[78]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يتغيـَّرن».

[79]

- في الأصل: «بـجفلناهنَّ». وهو خطأ فليس في القرآن هذه الكلمة!.

[80]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من الثل». بثاء مثلَّثة.

[81]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فعْلة».

[82]

- في الأصل: «أيذ متنا». وهو خطأ.

[83]

- كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «إذْ أرجَعَ».

[84]

- كذا في الأصل، والصواب: «كثيفة». «لكثافتها».

[85]

- كذا في الأصل والصواب: «تنفذ». بذال معجمة.

[86]

- كذا في الأصل والصواب: «كثيف».

[87]

- كذا في الأصل، والصواب: «نظيفًا».

[88]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعوض».

[89]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وصفيـَّ».

[90]

- في الأصل: «وحموم». وهو تحريف.

[91]

- كذا في الأصل، والصواب: «فعوقبوا».

[92]

- في الأصل: «أيذ متنا». وهو تحريف.

[93]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ويبدِّل».

[94]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الاصطلاء».

[95]

- كذا في الأصل مع الشكل.

[96]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يُـعَـدُّ».

[97]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «قبل».

[98]

- كذا في الأصل، والصواب: «الشمال».

[99]

- كذا في الأصل، والصواب: «المضارع».

[100]

- كذا في الأصل، والصواب: «تناثر».

[101]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «غير». بـحذف الهاء.

[102]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإثباتًا».

[103]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فكذلك».

[104]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «استحالة».

[105]

- في الأصل: «عصايا». وهو تحريف.

[106]

- كذا في الأصل، والصواب: «آخَرَ».

[107]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الوقت».

[108]

- كذا في الأصل، والصواب: «الزقُّوم».

[109]

- كذا في الأصل، والصواب: «نعت». بتاء مثنَّاة.

[110]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مأصدقًا».

[111]

- في الأصل: «بشرهم». ولا توجد آية كذلك.

[112]

- في الأصل: «فيملونه».

[113]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مزيدًا».

[114]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بُـطءٍ».

[115]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ثمره». بالثاء المثلَّثة.

[116]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «القراءة».

[117]

- كذا في الأصل، والصواب: «أفظع».

[118]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «موجبًا».

[119]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التيقُّظ».

[120]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المجرَّد».

[121]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المعنى».

[122]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لمحض».

[123]

- كذا في الأصل، والصواب: «الإتيان».

[124]

- كذا في الأصل، والصواب: «شيوخًا».

[125]

- كذا في الأصل، والصواب: «وعظام».

[126]

- كذا في الأصل، والصواب: «متصرِّف».

[127]

- كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطًا.

[128]

- في الأصل: «قذر». وهو خطأ فادح في حقِّ الله تعالى.

[129]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «توجَد».

[130]

- كذا في الأصل، والصواب: «بالنشأة».

[131]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «غذاء».

[132]

- كذا في الأصل، والصواب: «الماضي».

[133]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الذُّرَة».

[134]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بذرًا». بالذال المعجمة.

[135]

- في الأصل: «ضلتم». وهو تحريف يغيـِّر معنى الآية كلِّيـَّة!.

[136]

- كذا في الأصل، والصواب: «للإنزال».

[137]

- كذا في الأصل، والصواب: «التنظيف».

[138]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تحضيض».

[139]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يـنـبـت».

[140]

- في الأصل: «أفلا تشكرون». وهو تحريف!!.

[141]

- كذا في الأصل، والصواب: «الأخضر».

[142]

- كذا في الأصل، والصواب: «إضافتها».

[143]

- في الأصل: «للموقين». وهو تحريف!.

[144]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مبتدئًا».

[145]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وجريُ».

[146]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فـقل».

[147]

- كذا في الأصل، والصواب: «العناد».

[148]

- كذا في الأصل، والصواب: «ظاهر».

[149]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الكتاب».

[150]

- كذا في الأصل، والصواب: «خبرًا».

[151]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العبادة».

[152]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وقرئ».

[153]

- كذا في الأصل، والصواب: «الحائض».

[154]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بتغلُّبِ».

[155]

- كذا في الأصل، والصواب: «الروافض».

[156]

- في الأصل: «مدهبون». وهو تحريف. نعوذ بالله من النسَّاخ المسَّاخ!.

[157]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «آخرُ».

[158]

- كذا في الأصل، والصواب: «المحذوف».

[159]

- كذا في الأصل، والصواب: «المبتدإ».

[160]

- كذا في الأصل، والصواب: «تذعنون».

[161]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولو كانت الجملة».

[162]

- في الأصل: «لولا». وهو خطأ.

[163]

- كذا في الأصل، والصواب: «فمقتضى».

[164]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذكرًا لإنشائهم».

[165]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تطيـيـبٌ».

[166]

- كذا في الأصل، والصواب: «وضلالهم».

[167]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مائع».

[168]

- ما بين معقوفين من إضافتنا لئلاَّ يعكس المعنى تمامًا.

[169]

- كذا في الأصل، والصواب: «بالشرذمة».