إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الحديد
طباعـة

[155] {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبـَّح لله ما في السماوات والأرض} أي نزَّه الله جلَّ وعلا عمـَّا لا يليق به كلُّ من في السماوات والأرض من غيرهما ومن أجزائهما هكذا نطقًا وعملا واعتقادًا وحالا، بقطع النظر عن كونه بهنَّ معا أو بإحداهنَّ على حدة، فذلك من عموم المجاز فلا حاجة إلى أن يقال: جمع بين الحقيقة والمجاز، وإيضاح ذلك أنَّ «سبـَّح» وضع للتسبيح باللسان، ويستعمل مجازًا في مطلق التنزيه هكذا، كما يستعمل مجازًا في التنزيه بغير السان خصوصًا فيقال: أريد هنا ذلك الإطلاق ولم يرد أنـَّه للتنزيه باللسان على حدة وللتنزيه بغيره على حدة، واللسان واضح وغيره الاعتقاد والعمل والحال؛ ولو أريد هذا كان جمعًا بين الحقيقة والمجاز، فاللسان والاعتقاد والعمل خاصَّة بمن له ذلك، والحال بحسم [كذا] من له ذلك ولغيره، وكلُّ فرد من أفراد الخلق بل كلُّ جزء يدلُّ بإمكانه وحدوثه وانقياده للتصرُّف فيه بالنقص والزيادة والتغيير على الصانع القديم الواجب الوجود المتـَّصف بالكمال الذي ليس من جنس غيره، إذ لو كان من جنس لعجز كما عجز الجنس، أو لتسلسل.

 

 وأصل التسبيح الإبعاد، تقول: سبَح ــ بالتخفيف ــ إذا بعد في الماء أو في الأرض بأن قطع من وجههما كثيرًا؛ وسبَّحته بالشدَّة أبعدته، ومعنى تسبيح الله الدلالة على بعده عن صفات الخلق ذاتًا، فإنـَّه تعالى ليس حادثًا ولا سيعدم ولا ممكن العدم، فلا كثرة، فلا [كذا] جسميـَّة ولا عرضيـَّة ولا ضدِّيـَّة ولا ندِّيـَّه، بل الواحد المطلق [ذاتًا]([1]) وصفة، فإنـَّه منزَّه عن الجهل، فإنـَّه محيط بكلِّ شيء علما، وعن العجز فإنـَّه قادر على كلِّ شيء، ولا تتغيـَّر صفاته، وفعلاً: فإنَّ أفعاله ليست قياسًا على مثال، فإنَّ كلَّ ما عداه ممكن فهو فعله، فلو كانت قياسًا لتَسلسلَ أو دارت، ولا موقوفة على زمان أو مكان، وكلٌّ منهما مركَّب فلو افتقر فعله إليهما لكان فاعلين معه لتسلسلا أو دارا، ولا على جلب نفع أو دفع ضرٍّ، وإلاَّ كان مستكملا بغيره ناقصا في ذاته وذلك محال، واسمًا: فإنَّ تنزُّه أسمائه بتنزُّهه وتنزُّه معانيها، {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}، وحكما: [156] فإن كان إيجاب منه أو تحريم أو ندب أو كراهة أو إباحة مصلحة وإحسان بفضله لا على الوجوب، فهو حاكم على كلِّ ما عداه، ولا حكم لأحد عليه، ولا واجب، فكلُّ شيء من عاقل وغيره منقاد إليه ومسبـِّح له حـتَّى جسد المنكر له، {وإن من شيء إلاَّ يسبـِّح بحمده}.

 

 واللام في «لله» مثلها في نصحتُ له وشكرت له فإنـَّه يقال: سبـَّحته كقوله: {وتسبـِّحوه بكرة وأصيلاً}، وسبـَّحت له وشكرته وشكرت له، ونصحتك ونصحت لك ومعناها الميل إلى معنى التعدية أو للتعليل، أي أوقع التسبيح لأجل الله، وخالصًا لوجهه، وأصله التعدية، لأنـَّه بمعنى الإبعاد فالتشديد للتعدية كما رأيت آنفا، و«ما» هنا مستعملة للعاقل وهو الملائكة والثقلان وما جعل الله له عقلا، وفي غير العاقل كإجراء الحيوان والتراب والظلمة والنور والعرش والكرسيِّ والعرض، وقال الزجَّاج: المراد العاقل، أي وما لا عقل له جعل الله له عقلا إذا شاء فسبـَّح، وأنَّ التسبيح بالقول لقوله تعالى: {وإن من شيء إلاَّ يسبـِّح([2]) بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} فلكلِّ شيء كلام بتسبيح لا يفقهه الناس، فلو كان المراد دلالة الصنعة على الصانع وانقياد الخلق لكان ذلك تسبيحًا مفقوها، ولقوله تعالى: {وسخَّرنا مع داود...} إلخ.

 

 فلو كان تسبيح الجبال الدلالة والانقياد لم يختصَّ بداود بل في كلِّ وقت ومع كلِّ أحد، فما تسبيح الجبال إلاَّ بالقول؟ ويجاب بأنَّ المراد: لا تفقهون كلُّكم بل بعضكم لا يفقه دلالة الأشياء وانقيادها وهم المشركون المعرضون عن الفكر، والمسلمون المقلِّدون، فالحكم على المجموع في قوله: {لا تفقهون}، أو الخطاب لقوم لا يفقه تسبيحهم فهو حكم على الجميع، قيل: ويجاب بأنَّ الجبال يمكن خلق الكلام فيها، وأمـَّا في غيرها فلو جوَّرنا([3]) صدور الفعل أو القول من غيرها من الجماد لم يثبت الاستدلال بأفعال الله عزَّ وجلَّ على كونه عالمًا قادرًا حيـًّا، وذلك كفر وفيه أنَّ الجبال وغيرها سواء، فكما أقدر الجبالَ على النطق يقـدِر غيرها، فإنَّ الجبال نفسها [157] لم تقدر بالذات بل بتسخير الله، وكل الخلق مسخَّر، وأيضا حدوث الأشياء وتغيُّرها والتصرُّف فيها ونحو ذلك أذلة([4]) على عجزها ولو نطقت.

 

 وأمـَّا نطقها إلاَّ بإنطاق الله جلَّ وعلا. والمراد بـما في السماوات وما في الأرض ما يشمل بين أرضين أو سماءين، أو أرض وسماء، وما فوق السماوات كملائكة العرش وملائكة سدرة المنتهى قيل إنـَّما كان في بعض السور «سبـَّح» وفي بعضها «يسبـِّح» للإيذان بتحقُّق التسبيح في جميع الأوقات لوجود ما يقتضي التسبيح من جلاله ومن إيجاده المصنوعات وتصويرها والتصرُّف فيها، ففيها ما يوجب التسبيح ولا تنفكُّ عنه وهو فعله عزَّ وجلَّ، لأنـَّه عزَّ وجلَّ واجب وهي ممكنة، والواجب يتنزَّه عن السوء وفيه أنَّ الأوقات لم تدخل كلُّها في «سبـَّح» و«يسبِّح»، لأنَّ «يسبِّح» إن كان للاستقبال بقي الحال، وإن كان للحال بقي الاستقبال، والوجه أن نجعل «يسبِّح» للاستمرار فيشمل الماضي والحال والاستقبال، وحيث كان «سبـَّح» بلفظ الماضي فلزيادة بيان زمان التسبيح الماضي؛ أو أن نجعل «سبـَّح» بمعنى انطبع على التسبيح بالدلالة والانقياد فيكون الماضي للاستمرار بهذا التاويل كالمضارع. وفي الآية ونحوها تنبيه على أنَّ من شأن العاقل المداومة على التسبيح كما هو شأن الملائكة.

 

{وهو العزيز} الغالب القادر الذي لا يعجزه شيء عمـَّا أراد

 

{الحكيم(1)} الذي أفعاله كلُّها على وجه الصواب والصلاح لإحاطة علمه بكلِّ شيء فلا يختلُّ فعله لأنَّ من يختلُّ فعله إنـَّما يختلُّ لأمر مضى لم يعتبره لخفائه عنه أو خفاء صلاحه أو لأمر مستقبل لم يعلمه، والله منزَّه عن أن يخفى عنه شيء. وتعريف المسند والمسند إليه يفيد الحصر، أي ما العزيز الحكيم إلاَّ الله، أو ما الله إلاَّ عزيز حكيم، فمن ليس كذلك ليس إلها، فإنَّ هذه الجملة اعتراضيـَّة تذييليـَّة مقرِّرة لمضمون ما قبلها، مشعرة بعلَّة التسبيح، كأنـَّه قيل: «سبـَّح له ما في السماوات والأرض» لأنـَّه العزيز الحكيم، وكذا ما بعدها أي ولأنـَّه مالك السماوت والأرض كما قال:

 

{له ملك السماوات([5]) والأرض} وذلك أنَّ الاعتراض عند علماء المعاني أن يؤتى في أثناء الكلام أو في آخره أو بين كلامين متـَّصلين أو غير متـَّصلين بجملة أو أكثر [158] لا محلَّ لها من الإعراب لنكتة، سواء أكانت دفع الإيهام أم غيره، فشمل الاعتراض التذييل بجميع صوره، لأنَّ التذييل يجب أن يكون بجملة لا محلَّ لها من الإعراب، وشمل ما كان من صور التكميل بجملة لا محلَّ لها، والتكميل يكون بجملة لها محلٌّ أو لا محلَّ لها وبغير جملة. ومعنى ملكه السماوات والأرض ثبوت التصرُّف الكلِّيِّ فيهما وفيما فيهما بالإيجاد والإعدام والزيد [كذا] والنقص وغيرٍ مـمَّا نعلم وما لا نعلم، فإنـَّه الملك الحقُّ، وهو المستغني في ذاته وجميع صفاته عمـَّا عداه، ويحتاج إليه ما عداه في الذات والصفة فلو افتقر في ذاته لكان ممكنا فيكون حادثا فلا يكون واجب الوجود، وكلُّ ما يفترض صفةً له تعالى فإمـَّا أن تكون هويَّته كافية في تحقُّق تلك الصفة فيلزم من دوام الهويـَّة دوام الصفة، أو غير كافية فتمتنع الهوية عن الفكاك عن الصفة، وتلك الصفة متوقِّفة على أمر آخر، والموقوف على الموقوف على شيء موقوف على الشيء فهويته موقوفة التحقُّق على تحقُّق علَّة الصفة، والموقوف على الغير ممكن لذاته، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته، هذا تناقض؛ وكلُّ ما عداه ممكن لأنَّ واجب الوجود لا يكون إلاَّ واحدا، والممكن لا بدَّ له من مؤثـِّر فكلُّ ما عداه هو المؤثـَّر فيه؛ وزعم بعض الملحدين أنَّ تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات.

 

 فواجب الوجود يجعل السواد موجودا، ويستحيل أن يجعل السواد سواد([6])، إذ لو كان كون السواد سواد(6) فالفاعل للزم [كذا] من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سواد(6) وهذا محال، قلنا: هذا واجب لا محال، فإنَّ الله لو قطع حفظه عن موجود لكان عدما فكيف لو عدم تعالى عن العدم؛ وقلنا أيضا: يلزم على قولكم ألاَّ يكون الوجود بالفاعل وإِلاَّ لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود، فإن قالوا: تأثيرا([7]) الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود، قلنا: إنَّ كون الماهية موصوفة بالوجود ليس أمرا ثبوتيـًّا وإلاَّ كانت له ماهية ووجود فيتسلسل، وإن سلمنا أنـَّه أمر ثبوتيٌّ لم يصحَّ أن يكون أمرا [159] للفاعل، وإلاَّ لزم من عدم الفاعل ذلك أن لا يبقى كون الماهية موصوفة على كونها موصوفة، فيلزم نفي التأثير والمؤثـِّر، فالماهيات صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود كما صارت موجودات بتأثيره، فله ملك السماوات والأرض، وملكهما بالنسبة إلى كمال ملكه أقلُّ من الذرَّة بل لا نسبة له، لأنَّ كمال ملكه لا يتناهى، بخلاف ملك السماوات والأرض؛ وأمـَّا قول الطائر لموسى بن عمران وموسى الخضر [كذا]: «إنَّ علمكما بالنسبة إلى علم الله كنسبة النقطة إلى البحر» فتمثيل لسعة([8]) علمه، وإلاَّ فلو كان علم الله كالبحر فقط للزم الجهل، وكذا ذكر السماوات والأرض في توسيع الملك تمثيل بمـا يدرك الإنسان من المعقول، وملك الله أعمُّ منهما في المحسوس والمعقول.

 

{يحيي ويميت}: لا رادَّ له عن ذلك، وهو استئناف لبيان بعض أحكام التصرُّف في الملك المذكور، ويجوز أن يكون حالا من هاء «له»، والأوَّل الوجه؛ والمضارع على كلِّ حال للاستمرار، شامل للماضي والحال والاستقبال، بمعنى أيِّ حياة وأيِّ موت كان أو يكون فهو منه، فلا حياة ولا موت إلاَّ منه على الإطلاق، ولا مفعول مقدَّر؛ وفي معناه أن تقول: حذف المفعول للعموم، وهو يحيي النطفة والبيضة يجعلهما حيوانًا والميـِّت يبعثه، ويميت الحيَّ، وذلك أولى من تخصيص الإحياء بالبعث، والإماتة بالإماتة في الدنيا، ومن قول الزجَّاج: يحيي النطف ويميت الأحياء، وقد يفسَّر الإحياء والإماتة بما يشمل ذلك كلَّه، وإحياء النبات وإماتته جمعا بين الحقيقة والمجاز، أو من عموم المجاز.

 

{وهو على كلِّ شيء قدير (2)} مبالغ في القدرة، ومن جملتها الإحياء والإماتة.

 

{هو الأوَّل والآخر}: أي السابق على سائر الموجودات لأنـَّه الذي أبدعها بلا مثال سابق والباقي بعد فناءها كلِّها على أنـَّها تفنى كلُّها ثمَّ تعاد كلُّها أو بعضها أو بعد فناء ما يفنى منها يوم القيامة، أو بعد فناء كلِّ ما يفنى على حدة وزمان، أو بعد فنائها نظرا إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها، فإنَّ كلَّ الممكنات إذا قطع النظر عن علَّتها فهي فانية؛ والواجب وهو الله لا علَّة له فلا أوَّل له، وغيره ممكن فما وجوده إلاَّ بعلَّة يمكن أن لا يخلقها الله فلا يوجد وأن لا يختاره فلا يكون، ومعنى [160]

...............................................................([9])

تعالى: {غير ناظرين إناه}، أي غير منتظرين إدراكه بـأن تدخلوا قبل إدراكه فترتقبوا إدراكه، فذلك مِمـَّا تعاقب فيه فعل وافتعل: نظر وانتظر، وشوى واشتوى، وحضر واحتضر، وحفر واحتفر؛ ويجوز أن يكون المعنى في القراءة الأولى بوصل الهمزة وضمِّ الطاء [كذا] «انظُروا إلينا»، فإنَّ النظر بالعين يتعدَّى بنفسه كما هنا وبإلى، يقال نظرته ونظرت إليه؛ والنظر توجيه العين وحدقتها إلى شيء، والرؤية لازمة، فلذلك يطلق عليها، لأنـَّه ملزومها وسببها، ومن تعديته بنفسه بمعنى الرؤية قوله:

فلـمَّا بدا حـــــوران والال دونـه    نظرت فلم تنظر يعينك([10]) منظرا

أي لم تنظر في السراب منظرا تعرفه، أو لم تنظر نظرا مفيدا. ومن تعديته بنفسه بمعنى التوحيد المذكور قوله:

ظاهرات الجمال والحسن ينـظر           ن كما ينظر الاراك [كذا] الظباء

فمعنى الآية: وجِّهوا عيونكم إلينا ليترتـَّب على ذلك استقبالكم إلينا فنستضيء بالنور الذي بين أيديكم، وذلك أنَّ ذلك النور نور يكون قدَّام المؤمنين لا خلفهم، لأنـَّه نور الهداية والطريق إلى الجـنَّة لا نور في أبدانهم، لأنَّ نور أبدانهم يكون في الجـنَّة وهو عامٌّ للأبدان خلف وقدَّام وكلِّ جزء.

 

{نقتبس من نوركم} «من» للتبعيض، أي نورا من نوركم، أو نقتبس بعض نوركم، أو للابتداء؛ و«نقتبس» نستضيء، وأصله اتـِّخاذ القبس وهو السغلة([11]) من النار أو المصباح، ويحتمل أن يريدوا لجهلهم وتلهُّفهم أن يقتبسوا من المؤمنين كما يقتبسون النار في الدنيا، وعلى كلِّ حال أرادوا الاستضاءة أو حقيقة الاقتباس هم مخطئون لأنَّ تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحات في الدنيا، ولم توجد لهم الأعمال الصالحة في الدنيا فلم توجد لهم الأنوار في الآخرة، وإنـَّما يرونها مع المؤمنين رؤية ولو قاربوهم أو كانوا معهم لم تضئ لهم تلك الأنوار ما بين أيديهم ولا جهة من جهاتهم لأنـَّها أنوار وكِّلت بأصحابها فقط؛ وإنـَّما طلبوا الاقتباس جهلا منهم، وأنـَّه لا يمكن لهم اقتباس ولا استضاءة، ولو انتظروهم، بل لو أمكن لم يجدوا ما يشتعل لهم؛ قال الحسن: يعطى كلُّ أحد على قدر عمله نور، وتضيء [161] زمرة وجوههم كالبدر، وأخرى كأضواء كوكب، متغشى([12]) الظلمة نور المنافقين فتطفئه فيقولون: «انظرونا نقتبس من نوركم» وهو يفيد أنَّ للمنافق نورا، وربما كان نوره قويـًّا على حسب عمله في الظاهر ويطفأ لعدم إيمانه أو إخلاصه. وقيل: الناس كلُّهم في الظلمات ثمَّ يعطى المؤمنون أنوارا فيطلبونها([13]) المنافقون منهم ولا يجدونها؛ ويقال أيضا المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمة فيطلبونه منهم وقد مرُّوا سراعا، وذلك جائز؛ وأمـَّا ما قيل: إنـَّهم كلُّهم في النور فيمرُّ المؤمنون سراعا إلى الجـنَّة ويبقى المنافقون وراءهم فيطلبون الانتظار فلا يصحُّ، أمـَّا أن يكون للمنافقين نور لا لأنفسهم بل كانوا في نور المؤمنين فبعيدٌ، فإنَّ نور الآخرة لا يضيء لغير صاحبه؛ وأمـَّا أن يكون للمنافقين نور لأنفسهم فقد مرَّ كلام الحسن البصريِّ، إلاَّ أنـَّه إذا كان لهم باق فلا حاجة إلى أن يقولوا: انظرونا من أوَّل مرَّة قبل أن ينطفئ عنهم، إلاَّ أن يقال: مراد هذا أنـَّهم يقولون: انظرونا، بعد قيامهم من الموضع وبعد سير ما شاء فينطفئ.

 

{قيل ارجعوا وراءكم} مؤكِّد للرجوع لأنـَّه لا يكون حقيقة إلاَّ وراء، ولا يتعدَّى بـ«إلى» لأنَّ المعنى: أوقعوا الرجوع وراء،

 

{فالتمسوا نورا}: أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة: ارجعوا إلى الموقف الذي كنتم فيه ــ وهو المراد بالوراء ــ فاطلبوا منه نورًا فمن ثمَّ يقتبس النور، فيرجعون إلى الموقف فلا يجدون نورًا، فينصرفون إلى جهة المؤمنين فيجدون السور مضروبًا بينهم. قال أبو أمامة: يسرع المؤمنون ذهابا إلى الجـنَّة، وقد أعطوا نورًا بعد أن عمَّتهم الظلمة في الموقف مع المنافقين، فيقول المنافقون: «انظرونا نقتبس من نوركم» فيقول المؤمنون: «ارجعوا وراءكم»، فيرجعون فلا يجدون نورا خدعة خدع بها المنافقون كما قال: {يخادعون الله وهو خادعهم}، أي مجازيهم على خدعهم، وهذا من تلك المجازاة. وقيل:

 

 المراد بالوراء الدنيا، وعليه فالمراد بالتماس النور طلب هذا النور الذي رأوا بتحصيل الإيمان والعمل الصالح والتقى، أو المراد بالنور نفس الإيمان [162] والعمل والتقى، فيكون المراد مجرَّد ذكر أنَّ ذلك يحصل من الدنيا، والدنيا لا يمكن الرجوع إليها، أو أرادوا تخيـيـيـهم([14])، وعليه فالجملة عبارة عن قولهم: ارجعوا خائبين فالتمسوا نورًا آخر غير نورنا، وقد علموا أنـَّه لا نور سوى ذلك، ولا نصيب لكم في نورنا، وهذا كقولك لمن أراد القرب منك: «وراءك أوسع لك».

 

ويجوز أن يريدوا بالنور الظلمة الكتيفة [كذا] تهكُّما بهم: إنـَّها لكم بدل النور فاستغنوا بها لأنـَّكم أعرضتم عنه في الدنيا.

 

 {فضرب بينهم} بين المؤمنين والمنافقين والمنافقات

 

{بسور} حائط حائل بين المؤمنين ونورهم، وبين المنافقين والمنافقات فلا يرون المؤمنين ولا نورهم بعد رجوعهم إلى المحشر التماسًا للنور ولا يطلبونهم، وذلك السور حائط الجـنَّة. والهاء عائدة إلى فريق المؤمنين وفريق المنافقين والمنافقات، وفي سائر الأقوال المتقدِّمة يكون المعنى: هذا آخر ما بينهم في ذلك الوقت، أي قيل: «ارجعوا».

 

 {فضرب بينهم بسور}، أي لمــَّا قيل: ارجعوا إلى الدنيا، أو لا نور لكم، أو نوركم الظلمة ضرب بينهم بسور فانقطعت مخاطبة الوقت [كذا] وهذا المعنى يجوز أيضا مع تفسير التماس النور بالتماسه من المحشر وضعف ما قيل: وضرب بينهم وبين الدنيا بسور، أي حيل بينهم وبينها لأنـَّه لم يذكر الدنيا، إذ لم يقل: بينهم وبين الدنيا فلا يقدَّر: وبين الدنيا إذ لا دليل عليه، وتفسير الوراء بالدنيا غير دليل إذ لا يلزم تفسيره بها ولا يترجَّح فلا يكون دليلا، بل تفسيره بها ضعيف، لأنـَّه مجاز بلا قرينة واضحة بخلاف تفسيره بالموقف فإنـَّه حقيقة، وأنـَّه لا يليق به قوله تعالى: {له باب باطنه فيه الرحمة...} إلخ.

 

 وقيل: السور حائط بين الجـنَّة والنار غير حائط الجـنَّة، وبه قال قتادة؛ وقيل: حجاب الأعراف، وبه قال مجاهد؛ وقيل: لا حائط مراد بذلك، بل المراد الحيلولة بين الفريقين بالظلمة والغيبة حـتَّى لا يرون المؤمنين ولا نورهم، ولا يسمعون كلام المؤمنين ولا المؤمنون كلامهم، انقطع الحسُّ بينهم. والباء أصلية غير زائدة وهي ومجرورها، أو مجرورها نائب فاعل على الخلاف في نحو: مرَّ بزيد، ولو كان [163] «ضُرب» متعدِّيـًّا لكن استعمل كاللازم، كما تقول: أكلت بالتمر، بمعنى: أوقعت الأكل به، فكذا المعنى هنا استعمل الضرب بينهم بسور، أو ضمن معنى: حجز بينهم بسور، أو قطع بينهم بسور، وهذا أولى من دعوى زيادة الباء، لأنَّ هذا من محلِّ زيادتها كما قيل: إنـَّها زائدة؛ و«سور» نائب الفاعل. وقرئ: «ضَرب» ــ بفتح الضاد والراء ــ أي ضرب الله، والباء زائدة في المفعول أو غير زائدة على حدِّ ما مرَّ.

 

{له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب(13)} هاء «له باب» عائدة إلى السور، والجملة نعت «سور»، وهاء «باطنه» عائدة إليه أيضا، فجمله([15]) «باطنه فيه الرحمة...» إلخ نعت ثان لـ«سور» أو حال منه، أو من هاء «له» أو عائدة إلى «باب» فالجملة نعت لـ«باب»، وباطن الباب أو السور هو الجانب الذي يلي الجـنَّة. والرحمة هي الجـنَّة بمعنى ما يرحم به وينعم به وهو الجـنَّة، أو بمعنى الإنعام ــ بكسر الهمزة ــ وهو أولى لإبقاء المصدر على معناه ولمقابلته بالعذاب، فإنَّ العذاب هو التعذيب، وكونه بمعنى المعدب([16]) به وهو النار خلاف الأصل. وظاهر السور أو الباب هو ما يلي النار، أعنى دار الهوان، فالمؤمنون يدخلون الباب والسور ناجين، ويتنعَّمون، والمنافقون يبقون خارجًا في ظلمة يساقون إلى النار. ومعنى «قِبله»: جهته.

 

{ينادونهم} ينادي المنافقون والمنافقات المؤمنين والمؤمنات:

 

{ألم نكن معكم} الجملة مفعول ثان لـ«ينادون» محكية بالنداء، كما يحكى بالقول، لأنَّ «ينادون» بمعنى: يقولون، أو هي محكية خال([17]) محذوف، أي ينادونهم قائلين، أي يذكرون أسماءهم، أو جملتهم قائلين: ألم نكن معكم يا فلان يا فلان يا فلان، أو يا مؤمنون ألم نكن معكم في الدنيا تجمعنا المدن والقرى والمساكن مطلقا، وتَعَاشَرنا وانـتفع بعضنا من بعض، فإنَّ مقتضى هذا أن نتعاشر أيضا اليوم، ونكون حيث كنتم لا تختصُّون عنـَّا، وهذا وجه حسن في التفسير للآية إذ زينته بالإيضاح بالبيان لا كما قال بعض المحقِّـقين في بطلانه؛ والوجه الآخر: ألم نكن معكم في الدين نصلِّي ونصوم ونغزو ونعبد في المساجد وغيرها؛ قال بعض المحقِّـقين [164] هذا هو المتعيـِّن.

 

{قالوا بلى} لستم، لم تكونوا معنا بل كنتم معنا([18])، وكلٌّ يسمع الآخر، ولو كان فريق فوق السماوات السبع تحت العرش وفريق فوق الأرض قبل دخول النار، أو في النار، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قادر أن ينفذ كلام بعض إلى بعض فلا زيادة في أصواتهم، وقادر أن يقوى([19]) أصواتهم حـتَّى تصل، ولو كان أهل النار في أضعف حال، وقادر أن يحكي كلّ جسم أو جو [كذا؟] ما وصل إليه من صوت لـما بعده حـتَّى يصل من الفريق العليِّ إلى الفريق الأسفل الخبيث، وبالعكس؛ ومعنى قولهم: بل إنـَّكم كنتم معنا في الدنيا أو في العبادة بحسب الظاهر.

 

{ولكنكم فتنتم أنفسكم} صرفتموها، أو محنتموها باعتقاد الشرك، أو عدم نصح الخروج منه، وبالكفر والمعاصي.

 

{وتربَّصتم} أخَّرتم الإيمان والعمل الصالح بنصح، والتقوى والتوبة؛ أو تربَّصتم الدوائر بالمؤمنين تحبـُّون أن يكونوا مغلوبين ويقوى الشرك فتلتحقوا بأهله؛ أو تربـَّصتم بموت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يقولون: يوشك أن يموت فنستريح منه؛ وبه قال مقاتل؛ وبالأوَّل قال ابن عبـَّاس لأنـَّه المتبادر ولا دليل يعيـن غيره، ولأنـَّه أعمُّ من القولين بعد سما [كذا] بشملهما وزيادة، وغاية التخصُّص أنـَّه محتمل جائز، ولا دليل على تعـيـيـنه، والتخصيض([20]) يحتاج لدليل، وكلُّ دليل يذكر للقولين فإنـَّما هو دليل جواز لا دليل تعيين يجب التفسير به، مثل قوله تعالى: {أم يقولون شاعر نتربـَّص به ريب المنون}.

 

{وارتبتم} شككم([21]) في الدين عمومًا، أو في نبوءة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، أو في البعث، أو في قيام الساعة، أو في الوعيد، والأوَّل أولى لأنـَّه أعمُّ ولا دليل على التخصيص على حدِّ ما مرَّ آنفا.

 

{وغرَّتكم الأمانيُّ} جمع أمنيـَّة ــ بتشديد الياء ــ أصله: أُمْـنُوْيـَة ــ بضمِّ الهمزة وإسكان الميم وضمِّ النون وإسكان الواو ــ أبدلت ياء وأدغمت في الياء بعدها وقلبت الضمَّة كسرة، بوزن: «أفعولة»، وهذا الوزن للتعظيم، فلوجود الياءين في المفرد صحَّت الياء في الجمع وضهرت([22]) عليها الضمـَّة إذ كان قبلها ساكن [كذا] وهو الياء المدغمة [165] فصار كـ«رمي» و«ظبي» والمعنى: غرَّتكم الأماني العجيبة الباطلة التي منها تمنـِّي نزول الدوائر بالمؤمنين ــ كما قال ابن عبـَّاس ــ وضُعفِ الإسلام.

 

{حـتَّى جاء أمر الله} أي الموت بالقتال، وبلا قتال، ما زالوا في أسر الشيطان حـتَّى فاتهم التدارك.

 

{وغرَّكم بالله الغرور(14)} بفتح الغين، أي الشيطان العظيم الغُرور ــ بضمِّ الغين ــ. والباء بمعنى عن، لتضمُّن غرَّ معنى «صدَّ»، أي صدَّكم عن الله الغرور، أي عن دينه، فاعتقادكم أن لا قيامة ولا بعث، أو على أصلها بلا تضمُّن على تقدير مضاف، أي غرَّكم بعفو الله أن لا يعذِّبكم على تقدير صحَّة البعث، أي إن كانت [كذا] البعث سيقع فلن يعذِّبنا الله إذا بعثنا، ولن يحاسبنا فإنـَّه كريم. ولا يقال: يجوز أن يكون المنافقون والمنافقات من خالف عمله قوله من أهل القبلة، وأنَّ الآية فيهم وهم مقرُّون بالبعث آمنوا بالقلب واللسان لكنـَّهم أصحاب كبائر يقولون: إنَّ الله يغفر لنا ولو مع الإصرار، ولو لم تؤدَّ التباعات لسعة رحمته وكرمه، فالشيطان غرَّهم بسعة رحمة الله، لأنـَّا نقول: ينافي ذلك قطعًا قوله: {وارتبتم} كما هو ظاهر، وقوله: {وتربـَّصتم} على احتمالٍ، فالمنافقون والمنافقات في الآية من أضمروا الشرك وأظهروا التوحيد، فهم مشركون. وقرأ سماك بن حرب بضمِّ الغين على المبالغة كأنَّ الشيطان نفس الغرور ــ بضمِّ الغين ــ، أو على حذف مضاف، أي ذو الغرور، أو شيطان الغرور، أو من الإسناد إلى المعمول مبالغة، كصومه صائم، كأنـَّه قيل: غروره بضمِّ الغين غارٌّ.

 

{فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} ولا يؤخذ منكم أيـُّها المنافقون والمنافقات والكافرون باطنا، أي المشركون باطنًا لا ظاهرًا، ولا من الذين كفروا صراحًا، أي أشركوا صراحا وإضمارًا، وقرئ: «لا تؤخذ» بالتاء. والفدية ما يفدون به أنفسهم لو وجدوه من مال ونفس وتوحيد وتوبة وعمل وتوحيدهم يومئذ لا ينفعهم، بل لم ينفعهم من حين احتظروا([23]) وعاينوا، لأنَّ ذلك إلجاء ولا تكليف مع الإلجاء فقد زال التكليف من حين الاحتضار والمعاينة؛ وقيل: المراد بالفدية الإيمان والتوبة؛ وقيل: المال و[166]النفس. وقبول التوبة غير واجبة على الله عقلا، إذ لا واجب عليه، نَعم الحكمة اقتضت القبول في أوانها، وليس وقت الإلجاء وقتا للقبول؛ واستدلَّت المعنزلة بالآية على عدم وجوب القبول كما قلنا معشر الإباضيـَّة، ونقول: لا واجب على الله، وهم أثبتوا الواجب عليه سبحانه عن ذلك،

 

وعندهم من الجائز أن لا يقبلها من تائب في الدنيا دون معاينة ولو نصوحًا، ونحن نقول: غير جائز في الحكمة. ولا وجه لأخذ الفدية من حيث أنـَّها فدية سوى قبولها، فذكر انتفاء أخذها بدل ذكر انتفاء قبولها، فكأنـَّه قيل: فاليوم لا يقبل منكم فدية. وذكر الفعل للفصل، ولكون النائب ظاهرًا مجازيَّ التأنيث. و«لا يؤخذ...» إلخ معطوف بالفاء على «فتنتم» وهي سبـبـيـَّة و«اليوم» متعلِّق بـ«يؤخذ» وقدِّم للحصر، أي انتفاء قبول الفدية محصور على الآخرة، وأمـَّا في الدنيا فإنـَّها تقبل بالتوبة والعمل وبقضاء التباعات. والحصر إفراد ردًّا على من يقول توهُّما: لا تقبل فيهما على فرض أنَّ مشركًا يقول ذلك، وقصر تعيين على فرض أنَّ مشركًا يقول: لا ندري أين تقبل، أو قدِّم للاهتمام بذكر اليوم الذي لا تقبل فيه.

 

{مأواكم النار} أي مرجعكم النار لا تخرجون منها،

 

{هي مولاكم} اسم مكان، أي موضع ولايتكم، تليكم وتلونها، تتـَّصلون بها وتتـَّصل بكم ولا تنفصلون عنها ولا تنفصل عنكم، أو مصدر ميميٌّ بمعنى اسم الفاعل، أي تاليتكم تتولىَّ عذابكم كما تولَّيتم موجباتها من شرك ومعاص، أو ناصرتكم، أي إن كان لكم ناصر فهي، فالمراد: لا مولى لكم كما قال جلَّ وعلا: {وأنَّ الكافرين لا مولى لهم}، وكقوله تعالى: {يغاثوا بماء كالمهل} فإنَّ إحضار المهل غير إغاثة، وكقوله: «نقريكم لهذميات» [كذا] فإنَّ الضيافة لا تكون بالسيوف، وكقوله: «تحيـَّة بينهم ضرب وجيع» فإنَّ الضرب الوجيع غير تحية، أو اسم مكان من «ولِـيَ» بمعنى قرُب، أي مَقْربكم ــ بإسكان القاف وفتح الميم ــ أي موضع القرب، أي عن قريب تكونون فيها. وعن ابن عبـَّاس: هي مصيركم عن قريب، وقيل: مكانكم الذي يقال إنـَّه هو أولى بكم كما قال الكلبي [167] والزجَّاج والفرَّاء وأبو عبيدة والملقَّب بالشريف المرتضى الرافضي وليس اسم تفضيل ولكـنَّه اسم لما يقال فيه كذا قولهم: هو مثنـَّاة الكرم أي مكان لقول القائل: إنـَّه لكريم، إلاَّ أنَّ ذلك الرافضي نصَّ في قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعليٍّ: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» أنَّ من معاني مولى أنـَّه...([24]) إلاَّ إن أراد ما ذكرت من التأويل، وتمسَّك بالحديث هذا في أنَّ عليًّا أولى بالإمامة ممـَّن قبله، وهو خطأ بل هو في رتبته من الإمامة لم تتأخـَّر ولم تتقدَّم.

 

{وبئس المصير(15)} هي كأنـَّه قيل: هي مصيركم وبئس المصير، كما فسَّر ابن عبـَّاس مولاكم بمصيركم.

 

{ألم يأن} أي ألم يحضر، أو ألم يجـيء([25]) وقتهم للخشوع كما يقال: حان يحين، أي حضر الحين، أو جاء الحين، وهو الزمان، والماضي: أنـَى، أي حضر الإناء وجاء، أي الوقت، وعلامة الجزم حذف الياء، يقال: أنـَى الأمر يأنـي، أي جاء إناه، أي وقته، فالألف «يأن» هو همزة «أنـَى» والنون مذكورة، ولام الكلمة ياء محذوفة قلبت في الماضي ألفًا، وأنت خبير بأنَّ مذهبي في الأداء قلب الهمزة ألفا بعد فتحٍ، وواوا بعد ضمٍّ، وياءً بعد كسر إذا كانت فاء الكلمة، إلاَّ في أوى وتصرُّفاته، وذلك مذهب ورش عن نافع، وغيرُه يبقي الهمزة ساكنة؛ وقرئ: «ألم يئن» بوزن باع يبيع، فماضيه «آنَ» ــ بهمزة فألف فنون ــ هي لام الكلمة حذفت الياء من الوسط للساكن بعدها، فالأصل «يئين» بحرف المضارعة ــ فهمزة هي فاء الكلمة فياء هي عينها فنون هي لامها ــ ومعناه: «أنـَى يأني» الذي هو قراءة الجمهور، وقرأ الحسن: «ألـَـمَّا يأنِ» وفي هذه القراءة دلالة على أنَّ حضور الخشوع متوقَّع ولو لم يكن في الحال. وعن ابن عبـَّاس أنَّ الله استبئا [كذا] قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بقوله تعالى: {ألم يأن...} الخ. وعن ابن مسعود: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بقوله تعالى:

 

{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله...} الآية إلاَّ أربع سنين». يروى عن الأعمش: «وكان المؤمنون مجدين [كذا] بمكَّة فلـمَّا هاجروا أصابوا الرزق والنعمة واللين ففتروا [168] عمـَّا كانوا عليه من الاجتهاد فنزلت الآية إذ زالت عنهم شدَّة الخشوع». وروي أنَّ الآية قرئت بين يدي أبي بكر وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال: «هكذا كنـَّا حـتَّى قست القلوب». والآية مستأنفة في من هو مؤمن حقـًّا فإن المؤمن قد يخشع وقد لا يخشع، وقد يقلُّ خشوعه بعد كثرته.

 

 وزعم قوم أنَّ الآية فيمن آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه وهم المنافقون والمنافقات، ويردُّه قوله تعالى: {ولا يكونوا كالذين...} الخ، فإنَّ من لم يؤمن بقلبه لم يكن على خشوع ثمَّ قسا قلبه؛ نعَم يصحُّ أنَّ تكون الآية في المنافق بالجارحة وهو الموحِّد العامل للكبائر. والمراد بذكر الله القرآن، كما يقال: كتاب الله، كأنـَّه علَم مركَّب مقطوع النظر فيه عن المصدريـَّة، أو وعظ الله وتذكيره فهو باق على المعنى المصدريِّ، فيكون الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير، فالمفعول محذوف، أي لذكر الله إيـَّاهم، أي وعظه لهم بما في القرآن، أو ذكرهم الله فهو مصدر محذوف الفاعل، أي لذكرهم الله في قراءة القرآن، أي ألم يأن أن يؤثِّرهم ذكر الله الخشوع، فإنَّ من شأن ذكرهم الله أن يحضر خشوع قلوبهم ولا يكونوا كمن لا يقرأه وكمن لم ينزل عليه هذا الوعظ، بل يجب أن تطمئنَّ قلوبهم ويسارعوا إلى الطاعة بالامتثال والانتهاء عمـَّا نهوا عنه من غير فتور.

 

{وما نزل من الحقِّ}: عطف على ذكر الله، وهو إمـَّا نفس ذكر الله بالمعنى الآتي، وعطف عليه لتنزيل تغاير الوصفين مفهوما منزلة تغاير نفس الشيئين، فإنَّ الذكر بمعنى القرآن، أو تذكير الله إيـَّانا هو حقٌّ نزل، فعطف ليـبـيِّن، كما أنـَّه قرآن متضمِّن للذكر([26]) الله، أو تذكير الله إيانا كذلك هو حقٌّ نزل من الله جلَّ جلاله، وهذا كما تقول: أنزل الله القرآن الحكيم والمبين والنور، أي القرآن الجامع بين الحكمة والبيان والهداية، وأمـَّا غيره بأن يراد بذكر الله غير القرآن من سائر الأذكار التي يذكرون الله بها، ويكون ما نزل من الحقِّ هو القرآن، وأمـَّا أن يراد بـ«ذكر الله» ما يعمُّ القرآن وغيره وبـ«ما نزل من الحقِّ» خصوص القرآن خصَّه لمزيـَّته بالذكر، وأمـَّا تنظير الآية لقوله تعالى:  [169] {إنـَّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} فليس من جهة العطف والتغاير وعدمه بل من جهة أنَّ قوله: {أن تخشع قلوبهم لذكرالله} كقوله: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، وقوله: {وما نزل من الحقِّ} مع الخشوع المذكور قبل كقوله: {وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}؛ وقد فسَّر ابن عبـَّاس الحقَّ بالقرآن. وتخفيف زاي «نزل» لنافع وحفص والمفضل عن عاصم، ورابط الموصول مستتر، وقرأ الباقون بتشديدها فالرابط محذوف أي: وما نزَّله من الحقِّ، وهو أيضا قراءة عاصم في رواية أبي بكر عنه،

 

 وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنـَّه قرأ «نُزِّل» ــ بضمِّ النون وكسر الزاي مشدَّدة ــ فالرابط مستتر؛ وكذا في قراءة «أَنزَل» ــ بفتح الهمزة والزاي ــ. وقدَّم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن لأنَّ الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلاَّ عند ذكر الله، وأمـَّا عند سماع القرآن فلاشتماله على الذكر، فإنَّ الخشوع الانقياد التامُّ لأوامر الله ونواهيه، والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام التي من جملتها الإنفاق والجهاد قبل الفتح وبعده.

 

{ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمد}: أي الأجل.

 

{فقست قلوبهم}: «لا» نافية، و«يكونوا» منصوب بحذف عطف على «تخشع» أي: ألم يان لهم أيضًا أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب...الخ، والمعنى أنـَّهم بعد فترتهم عن الجهاد في حالهم حال نزول الآية مشبَّهون بأهل الكتاب في قسوة القلوب لطول الأمد، فقال الله جلَّ وعلا: ألم يأن لهم أن يتركوا مشابهتهم بأن يراجعوا الاجتهاد والخشوع.

 

 وقرئ: «ولا تكونوا» بالمثنـَّاة فوق، عطفا كذلك، و«لا» نافية لكن على لفت الكلام عن الغيبة إلى الخطاب لقصد التأكيد في التحذير، كما أنَّ النهي مواجهة أوكد، أي: ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم وأن لا تكونوا أيـُّها الذين آمنوا كالذين أوتوا الكتاب؛ ويجوز أن تكون «لا» ناهية في هذه القراءة فالفعل مجزوم بحذف النون؛ ويجوز أن تكون ناهية أيضا في قراءة التحية([27]) من نهي الغائب كقوله تعالى: {ولا تعدُ عيناك}، أجازه الفرَّاء وأيـَّده بقراءة الفوقيـَّة، وما تقدَّم أولى وهو كون «لا» نافية، والفوقية على كلِّ [170] وجه من اللفت وكان بنو إسرائيل يحول الحقُّ بينهم وبين شهواتهم ويخشعون وترقُّ قلوبهم إذا سمعوا التوراة والإنجيل ومضت مدَّة فطال الأمد عليهم بسبب مضي المدَّة بينهم وبين أنبيائهم وغلب عليهم الجفاء، وزلت([28]) روعة الكتابين عنهم لطولهم معهما، فقست قلوبهم بسبب طول الأمد كالحجارة أو أشدَّ، فتركوا الخشوع والاجتهاد. وعطف «طال» على محذوف،

 

 أي ومضت مدَّة فطال عليهم الأمد، لا على «أوتوا» لأنَّ طول الأمد لا يتـَّصل بإيتاء الكتاب، إلاَّ إذا كان الفاء كـثُمَّ. وقرئ بتشديد الدال أي الأجل الأمدُّ أو الوقت الأمدُّ أي الأطول، اسم تفضيل من «مدَّ» اللازم بمعنى إمتدَّ، وهو من المتعدِّي شذوذا، والجمهور على التخفيف بمعنى مطلق الأجل والطول أفاده طال، وقال مقاتل بن حيـَّان: الأمد الأمل البعيد؛ وقال مقاتل بن سليمان: الأمد أمد خروج النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، أي طالت الفترة، ولمــَّا جاءهم خشع من خشع منهم كوفد الحبشة وعبد الله بن مسعود، وعلى كلِّ حال لمــَّا طال الأمد مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله وغفلوا.

 

{وكثير منهم فاسقون(16)}: خارجون عن حدود التوراة والإنجيل والزبور وغيرها، رافضون لمــَا فيها بالكلِّيـَّة، كأنـَّهم لم يكلَّفوا بها؛ أو رافضون لجلِّ ما فيها، ويكفي في اسم الفسق الرفض لفرض واحد أو ارتكاب محرَّم واحد.

{اعلموا أنَّ الله يحيي الأرض بعد موتها}: أي ينبتها بالماء، فكذلك يحيي القلوب القاسية بالذكر والتلاوة فلا تتركوا أنفسكم أيـُّها الناس أو أيـُّها المؤمنون على غفلة وقسوة مع أنَّ لكم تخلُّصا عنهما بتدبر كتاب الله وقراءته، فكما تعود الأرض إلى النبات([29]) بالماء كذلك تعود القلوب بالقرآن إلى الخشوع، فالآية متـَّصلة بقوله عزَّ وعلا: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم} ويجوز أن تكون استحضارًا للبعث المؤدِّي إلى الخشوع الزاجر عن القسوة.

 

{قد بيـَّنـَّا لكم الآيات} آيات القرآن، ومنها هذه الآية أو الدلائل.

 

{لعلَّكم تعقلون(17)} كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بمضمونها فلا تخسروا  أنفسكم ودنياكم وآخرتكم بل تسعدون في [171] ذلك.

 

{إنَّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات} أي المتصدِّقين والمتصدِّقات بأموالهم، قلبت التاء صادًا وأدغمت في الصاد، وقد قرأ أُبيُّ بإثبات التاء وفتح الصاد بلا تشديد على الأصل، والأولى قراءة الجمهور، وبه قرأ عاصم في رواية حفص، وقرأ ابن كثير بلا تاء مع فتح الصاد غير مشدَّدة، وهو قراءة عاصم في رواية أبي بكر، ومعناه التصديق بالله ورسوله وما جاء به وهو الإيمان بذلك، قيل: يرجِّح هذه القراءة قولُه تعالى: {وأقرضو الله قرضًا حسنًا} فإنـَّه تكون الآية شاملة للإيمان والإقرار، وبهما يحصل الثواب بخلاف قراءة «المصَّدِّقين والمصَّدِّقات» بشدِّ الصاد، وقراءة «المتصدِّقين والمتصدِّقات» بالتاء فإنـَّها تفيد صدقة المال ولا تفيد الإيمان فتكرَّر مع ذكر الإقراض فإنـَّه في المال أيضا، ولا تفيد شرط الإيمان مع أنـَّه لا بدَّ منه، الجواب: أنَّ قراءة الجمهور يدلُّ لها قراءة أبيٍّ، وأنَّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات بتشديد الصاد للعهد بالمؤمنين، بدليل أنَّ المنافقين والمشركين في النار؛

 

 وأمـَّا التكرُّر فغير مسلَّم فإنَّ التصدُّق بالمال يشمل صدقة النفل والفرض والإقراض لله عزَّ وجلَّ معناه الإخلاص له في صدقة فكأنـَّه قيل: إنَّ الذين تصدَّقوا واللاتي تصدَّقن وأخلصوا في صدقاهم([30]) وأخلصن في صدقاتهنَّ إخلاصًا حسنًا، أو المراد بالتصدُّق التصدُّق الواجبة [كذا] بالإقراض التصدُّق غير الواجب، أو المراد بالتصدُّق غير الواجب بالإقراض الإخلاص في صدقة غير الواجب أو الواجب بالإقراض الإخلاص، ولفظ الإقراض ظاهر في التطوُّع؛ والواو في «أقرضوا» للمصَّدِّقين، ويقدَّر بعده: وأقرضن، أي:

 

{وأقرضوا الله قرضا حسنا} على اللفِّ والنشر كذا قيل، وفيه الفصل، وحاصل ذلك عطف «أقرضوا» عن [كذا] مصَّدِّقين وأقرضن على مصَّدِّقات؛ ويجوز عود الواو إلى المصَّدِّقين شاملا للرجال والنساء، ولا يقرض أقرضن بل المصَّدِّقات مفعول لمحذوف لا معطوف على المصَّدِّقين، والتقدير وأخصُّ المصَّدِّقات، وفيه أنـَّه لا مزيـَّة للنساء في تصدُّقهنَّ فضلا عن أن [172] يخصَّصن بل هنَّ دون الرجال إلاَّ أن يعتبر قلَّة ذات أيديهنَّ فيصعب عليهنَّ الإنفاق فتكون لهنَّ مزية، والمراد مزيد حظِّهنَّ على النفقة لأنـَّهنَّ والأغنياء أكثر أهل النار كما جاء الحديث، وفيه أنَّ المحطَّ مضاعفة الأجر وهي لا توجب المزيـَّة،

 

وإنـَّما ذلك لو كان الخبر محتاجون[كذا]. ويجوز جعل الواو لهم ولهنَّ والعطف على المعنى، كأنـَّه قيل: إنَّ الناس الذين تصدَّقوا، وهذا شامل للنساء أو لهم ولهنَّ، والعطف على «مصَّدِّقين» على أنـَّه شامل للمصَّدِّقات وذكر المصَّدِّقات بعدُ غير معتبر في عود الضمير إليه وحده على حدة، كقولك: إنَّ الناس وزيد أقاموا، تردُّ الواو إلى الناس الشامل لزيد، ولا تعتبر لزيد ضميرا وحده على حدة، وأمـَّا تقدير المعنى أنَّ الناس الذين تصدَّقوا وتصدَّقن وأقرضوا فلا يكفي تأويلا لأنـَّه قدِّر: «تصدَّقن»، ولم يذكر له أقرضن عطف عليه؛ وقيل: «أقرضوا» صفة لمحذوف، أي: والذين أقرضوا الله قرضا حسنا، والمراد الذكور والإناث، وإنـَّما صحَّ عطف «أقرضوا» على «مصَّدِّقين» لأنـَّه صلة بمنزلة الجملة الفعليـَّة، كأنـَّه قيل: الذين تصدَّقوا وأقرضوا كما رأيت، وقد جاء ذلك بدون «الـ» نحو صفت ويفرضن[كذا] فكيف معها، ولا ينافي العهدَ كون «الـ» موصولة، فإنَّ الموصول يستعمل في العهد نحو جاءني مسلم، وأكرمت المسلم، وأكرم الله المسلم في الغار مع نبيئه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وقيل: جملة «أقرضوا» معترضة فـ

 

{يضاعف لهم}: «لهم» نائب الفاعل، وتقدير المفعول به تضاعف([31]) تصدُّقهم وإقراضهم، أي ثواب تصدُّقهم وإقراضهم، أو النائب مستتر ولهم فضلة[كذا]، أي يضاعف هو أي عملهم، أو يضاعف هو أي ما ذكر من التصدُّق والإقراض، والمراد ثواب ذلك، أو نفسه، فيلزم منه مضاعفة الثواب. وقرئ: «يضاعف»([32]) بالبناء للمفعول كذلك وإسقاط الألف مع تشديد العين. وقرئ: «يضاعِف» بإثبات الألف وكسر العين، وعليه فالفاعل ضمير يعود إلى الله، والمفعول محذوف، أي يضاعف الله تصدُّقهم وإقراضهم [173] أو يضاعف عملهم وهو ذلك أو ثواب ذلك.

 

{ ولهم أجر كريم(18)}: حسن عظيم وقد مرَّ هذا مع القرض الحسن، وكلُّ حسن كريم، يقال قلم كريم والمراد كريم وسيف كريم، لا يختض بالعطاء والجود.

 

{والذين آمنوا بالله}: لم يشركوا معه أحد([33])، ولم يصفوه بصفة الخلق، فخرجت اليهود فإنـَّهم مجسِّمة، ويقولون أيضا: عزير ابن الله، والنصارى فإنـَّهم يقولون بألوهة[كذا] عيسى ومريم، وخرج أيضًا من يقرُّ به ويعبد غيره.

 

{ورسلِه}: كلِّهم ولم يفرِّق بين رسول ورسول، والمراد بالرسول الأنبياء كلُّهم لأنَّ غير الرسول كالرسول لأنـَّه يوحى إليه ولزمه الأمر والنهي كسائر الناس، فكأنـَّه أرسل بالأمر بما يأمر به وبالنهي عمـَّا ينهى عنه.

 

 { أولئك هم الصدِّيقون}: أخبر الله جلَّ وعلا أنَّ كلَّ من آمن بالله ورسوله هو صدِّيق وشهيد عند ربِّه، فالآية تشمل كلَّ موحِّد توحيد([34]) صادقا، وهو المتبوع بالعمل والتقوى، الخالص عن البدعة، وكلُّ من كان بهذه الصفة فهو كثير الصدق وعظيمه وشهيد عند ربـِّه ولو قلَّ عمله، فإنَّ الصدِّيق وصف وضع للمبالغة. قال مجاهد: كلُّ من آمن بالله ورسله فهو صدِّيق، أي الإيمان الحقيق المذكور كذلك. قال ابن عبـَّاس: الصدِّيقون الموحِّدون، أي التوحيد الحقيق وهو ما ذكر، و إلاَّ فصاحب الكبيرة المصرُّ هو عليها كيف([35]) بأنـَّه صدِّيق، والتائب صدِّيق، فقد يكون الإنسان غير صدِّيق ثمَّ يكون صديقًا بالتوبة ويتقلَّب ظاهره، وأمـَّا عند الله فلا تنقلب ولاية الله على أيِّ حال كان، والراجح عندي أنَّ الصدِّيقين هم السابقون بالخيرات لا المقتصد، والخالط عملا صالحا و آخر سيـِّئا، ولا الظالم لنفسه.

 

 وعن مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان: الصدِّيقون الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم أو الأمر أو الرسالة ولم يكذِّبوهم ساعة مثل آل ياسين، ومؤمن آل فرعون وأبي بكر. «أولئك»: مبتدأ ثان و«هم» مبتدأ ثالثا([36])، و«الصدِّيقون» خبر الثالث، وهما خبر الثاني والثاني وخبر الأوَّل[كذا] أو «هم» غير مبتدإٍ، بل اسما[كذا] لا محلَّ له و[174]الصدِّيقون خبر الثاني  كذلك، والإشارة بلفظ البعد لعلوِّ منزلتهم، أو لبعد المشار إليه بتمام ذكره.

 

{والشهداء عند ربـِّهم} يشهدون لأمثالهم ولمن دونهم، ويشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالكفر فهم عدول الآخرة الذين تقبل شهادتهم، والمفرد شهيد أو شاهد، فإنـَّه يقال لمن عنده شهادة شهيد وشاهد؛ و«عند» متعلِّق بـ«الشهداء»، و«الشهداء» معطوف على «الصدِّيقون». وقال مجاهد: كلُّ مؤمن صدِّيق وشهيد وتلا هذه الآيـَة، وكذا قال الحسن البصريُّ: كلُّ مؤمن صدِّيق وشاهد لكرامة ربـِّه، وقال الأصمُّ: كلُّ مؤمن صدِّيق وشاهد فيما تعبَّدهم الله به من وجوب الإيمان والعمل والتقوى.

 

{لهم أجرهم ونورهم} «لهم» خبر مقدَّم، و«أجرهم» مبتدأ مؤخَّر، والهاءات عائدة للذين آمنوا، والجملة خبر ثان للمبتدإ الأوَّل؛ أو «لهم» خبر، و«أجر» فاعل [كذا] لقوله: «لهم». وصفَ الله جلَّ وعلا الذين آمنوا بالله ورسله بأنـَّهم الصدِّيقون، وبأنـَّهم الشهداء، وبأنـَّهم لهم أجرهم ونورهم، لا يتخلَّف عنهم ولا ينقص؛ ويجوز أن يكون «الشهداء» مبتدأ، والجملة «لهم أجرهم» من المبتدإ والخبر هي خبره، أو الخبر «لهم» و«أجر» فاعل؛ وإذا جعل «الشهداء» ميتدأ بمعنى شهيد القتال كما قال ابن جرير ومقاتل فالهاءات عائدات إليهم، أي لهم الأجر والنور الموعودان لهم بلا تخلُّف ولا نقص، ويجوز عود الهاءين الأخرتين([37]).

 

 إلى الذين آمنوا على التشبيه البليغ، أي: والشهداء لهم أجر الذين آمنوا ونورهم، أي مثل أجرهم ونورهم المعروفين بغاية الكمال، وهذا الوجه إنـَّما يصحُّ على تفسير «الذين آمنوا» بالسابقين بالخيرات، أو الذين لم يكذِّبوا ساعة حين جاءهم الرسل أو الأمر بالإيمان أو الرسالة، وإلاَّ فشهيد القتال أعظم ممـَّن آمن وكان دون السابق ودون الذي لم يكذب قطُّ، ولا فائدة هنا في أن يشبَّه الأعلى بالأدنى إلاَّ أن يقال: المراد المقتولون في الجهاد ومن يلحق بهم إذا خلطوا عملا صالحًا وآخر سيـِّئا أو كانوا ظالمين لأنفسهم، ولا دَين [175].

 

 عليهم فإنـَّهم لو كانوا دون المقتصد ودون السابق قد يصلح لهم بالشهادة أجر مثل السابقين أو المقتصدين، أو من هم دونه؛ ومرادي بالملحق بهم من ذكر في حديث الربيع بن حبيب وغيره: «إن لم يكن الشهداء من أمـَّتي إلاَّ المقتول في سبيل الله فهم إذن قليل، لكن القتيل شهيد، والمبطون شهيد...» إلخ، ويجوز أن يكون الشهداء مبتدأ والمراد بهم الأنبياء، وبه قال الفرَّاء والزجَّاج، كما قال الله جلَّ وعلا: {فكيف إذا جئنا من كلِّ أمـَّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا}، والمعنى: لهم أجرهم المعدود لهم، ولا تشبيه في ذلك، وقد يكون على التشبيه إذا كان التشبيه للأعلى بالأدني في هذا الوجه وفي غيره مِمـَّا مرَّ فلك أن تقول: إنـَّه اعتبر فيه تشبيه أجر الأعلى قبل مضاعفته بأجر الأدنى مع مضاعفته؛ وقيل: الشهداء مبتدأ خبره: «عند ربـِّهم» و«لهم أجرهم» خبر ثان، أو مستأنف.

 

{والذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم(19)}: إشارة البعيد لبعدهم عن مقام الخبر، وأصحاب الجحيم ملازموها على الدوام لا يفارقونها أبدًا. وبعدما بيـَّن حال الفريقين شرح حال الحياة الدنيا التي اطمأنَّ إليها الفريق الثاني بالحقارة وسرعة الزوال، وتعقيبها الخسارة الدائمة في الآخرة، بحيث لا يميل إليها عاقل فضلا عن أن يطمئنَّ إليها فقال: {اعلموا أَنـَّمَا الحياة الدنيا} أي الحياة القصيرة، وهي الحياة في هذه الدار الأولى،

 

{لعبٌ} فعل لا نفع ولا لَـذَّة فيه،

 

{ولهوٌ} فعل يُلهى به تلذُّذًا به، والغالب أن يعقبه تحسُّر بفوت مال به أو عمر أو قوَّة كما يشاهد في الشابِّ.

 

{وزينةٌ} للأبدان والأعراض والمساكن والمراكب، فذلك تكميل للناقص كالمرأة بزينتها، وللبناء إذا شرف على الخراب، أو لم يشرف.

 

{وتفاخر بينكم} بالقوَّة والجمال والطول والسمن والعقل والدكاء([38]) والفهم والخصال والجاه والجند والأنساب.

 

{وتكاثر في الأموال والأولاد} وإسناد هذه الأشياء إلى الحياة الدنيا مجاز عقليٌّ من إسناد الشيء إلى زمانه المعبـَّر عنه بالمصدر، والمراد زمان الحياة الدنيا، كما تقول: جاء زيد طلوعَ الشمس، كقوله: شهره صائم، وحقيقته إنـَّما أفعالكم [176] وأقوالكم في الحياة الدنيا لعب ولهو... إلخ. ويجوز تقدير مضاف، أي مثل الحياة الدنيا لعب، أو أمور الحياة الدنيا، أو يقدَّر تشبيه للأوَّلين، أي الحياة الدنيا كلعب ولهو وزينة بجرِّ لعب ولهو، ورفع ما بعدهما، كقولك: زيد أسدٌ وجواد وعالم، تريد التشبيه في الأوَّل فقط، والحقيقة في الثاني والثالث، وأنت خبير بأنَّ هذه الأمور المحقرات مخبر بها عن أفعال الناس

 

 وأمورهم الرافعة في زمان حياتهم، وأمـَّا نفس الحياة فلا حقارة فيها، بل شيء كريم، نعمت المطئة([39]) الحياة يتوصَّل بها إلى الخير وينجى من الشرِّ إذا صرفت في طاعة الله، وإنـَّما المذموم صرفها في طاعة الشيطان والهوى كفعل الصبيان يُتعبون أنفسهم جِدًّا بما لا نفع فيه، وكلهو الشابِّ بما لا يعقب خيرًا بل شَرًّا ما ولو تحسر الانقطاع[كذا]، وكالتفاخر بناقص زائل، والتكاثر في الأموال والأولاد.

 

 قال ابن عبـَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «يجمع المال في سخط الله، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، ظلمات بعضها فوق بعض»، وقال: «إِنَّ الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة دون العمل للآخرة» فذلك هو الخطأ، لا الحياة التي هي خلق من الله ومنـَّة منه، وأوَّل النعم على الإنسان. قال الله جلَّ وعلا: {إنـِّي جاعل في الأرض خليفة...} إلى قوله: {إنـِّي أعلم ما لا تعلمون}، وقال: {خلق الموت والحياة}، وقال: {أفحسبتم أَنـَّمَا حلقناكم عبثا}، وقال: {وكيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم} فامتنَّ بالإحياء.

 

 والمراد بالتفاخر والتكاثر هنا ليس خصوص التفاعل بين متعدِّد، بل تعاطي أن يكون فوق غيره سواء كان غيره يريد أيضا أن يكون نفسه فوقه أم مساويـًّا له أم لا، و«في» على ظاهره بمعنى إيقاع الفخر والكثرة في جنس المال والولد، أو بمعنى في[كذا].

 

{كمثل غيث} أي مطر،

 

{أعجب الكفَّار نباته} خبر ثان للحياة الدنيا، وتقدَّمت أخبار كثيرة لكن بالعطف؛ أو خبر لمحذوف، أي هي كمثل غيث...إلخ، أو نعت لـ«لعب»، وما بعده كلِّه، على أنَّ الكاف اسم أو حرف يقدَّر الاستقرار قبله، أي ثوابت كغيث، أو ثبتن كغيث...إلخ. والكـفَّار الحرَّاث، لأنـَّهم يكفرون البذر أي يسترونه في الأرض بإدخاله، أو بقلبها عليه، [177] وخصَّهم لأنـَّهم أعرف بجودة النبات؛ أو الكفَّار: الكافرون بالله، وخصَّهم لأنـَّهم أشدُّ عجبًا بزينة الدنيا ونباتها، ولا يرون سعادة إلاَّ سعادة الدنيا، لإنكارهم البعث. ونباته نبات الغيث، وإنـَّما أضاف النبات لضمير الغيث لحصول النبات بالغيث.

 

{ثمَّ يهيج} يدبل([40]) بالجفوف، وتذهب خضرته ونضارته،

 

{فتراه مصفرًّا} بعد خضرة ونضرة؛ وقرئ: «مِصفارًا» بضمِّ الميم كما في الأولى، وبألف بعد الفاء وشدِّ الراء كما في الأولى، والأولى تدلُّ على الذهاب، والثانية أدلُّ أدلُّ [كذا] منها عليه كما تقول في ضوء الفجر: ابيضَّ، بالتشديد، وابياضَّ، كذلك؛ وفي حمرة الخجل: احمرَّ واحمارَّ، وذلك أنَّ صفرته لا تدوم بل تزول بسواد يعقبها أو بصفرة أخرى غيرها؛ وهما اسم فاعل، والأصل: مصفرِر والمصفارِر، بكسر رائهما الأولى سكِّنت وأدغمت تخفيفًا، ولم ثمَّ([41]) يهيج فيصفرُّ لأنَّ الذي يتعقَّب الهيج رؤية الاصفرار لا نفس الاصفرار لأنَّ الاصفرار مقارن لهيجه لا متعقِّب له.

 

{ثمَّ يكون حطاما} مهشومًا مكسورا، والحطم الكسر، كما قال الله في شأن النار: إنـَّها حُطَمَة، أي كسارة، والحجر الحطيم بفتح الحاء أي المكسور، ولم يبن مع الكعبة ولم يدخل فيها مع أنـَّه منها، أو بعضه منها.

 

{وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان} في الآخرة، عذاب شديد لمن جعل حياته لعبًا ولهوًا وإعراضًا عن الإيمان والطاعة والتقوى، ومغفرة من الله ورضوان لمن اشتغل بالإيمان والطاعة والتقوى. ونكَّر «مغفرة» و«رضوانًا» للتعظيم، بيـَّن الله جلَّ وعلا أنَّ محلَّ العذاب الشديد والمغفرة والرضوان هو الآخرة، ولم يـبـيِّن أهل ذلك للعلم به، فـ«في الآخرة» خبر، و«عذاب» مبتدأ مع ما عطف عليه، وقَدَّمَ ذكر العذاب الشديد لأنـَّه من نتائج اللهو واللعب والتفاخر والزينة والتكاثر، وهو متـَّصل به وبتمثيله بغيث؛ وذلك أنَّ الله جلَّ وعلا بيـَّن حقارة أمر الدنيا تزهيدًا وتنفيرًا عن العكوف عليها، وبعد ذلك فخَّم شأن الآخرة وعظَّم عذابها تحذيرًا عنه، ورحمتَها ترغيبًا فيها، ولدة([42]) الدنيا كالعدم، ومن المعلوم أنَّ العرضيَّ لا يقاوم الذاتيَّ، [178] فإذا كانت الدنيا منقضية لذَّاتها، فاسدة لذَّاتها، فكيف يطمع عاقل أن تدوم لذَّاتها أو تزول مفاسدها، وكيف يُعرَض بها عمـَّا تدوم لذَّاته، وعمَّا صلاحه ذاتيٌّ لا يشوبه فساد ما. وقدَّم «في الآخرة» دعاء لهم إلى الاهتمام بالآخرة وللحصر الإضافيِّ إذا قابلت عذاب الآخرة ورحمتها بعذاب الدنيا ورحمتها صار كأنـَّه لا عذاب ولا رحمة إلاَّ في الآخرة لضعف ما في الدنيا منهما، أعني بالإضافة هنا أنَّ ما في الدنيا بالنسبة للآخرة كالعدم. و«رضوان» صفة فعل هنا، ومعناه الإنعام؛ وإن قلنا: إنـَّه لا غضب يعقبه، فهو صفة ذات، فهو أعظم درجات الثواب.

 

{وما الحياة الدنيا} أي ما متاع الحياة الدنيا

 

{إلاَّ متاع الغرور(20)} أي تمتُّع الغرور لمن أكبَّ عليها وجعلها حظَّه وأعرض بها عن الدين، وأمـَّا من جعلها ذريعة إلى دين الله ورضوانه ولم تلهه عن الطاعة فهي له متاع حقٌّ ووسيلة وأيُّ وسيلة.

 

{سابقوا إلى مغفرة من ربـِّكم وجنـَّة عرضها كعرض السماء والأرض} أي ليجتهدْ كلٌّ منكم أن يسبق غيره. والمغفرة[كذا]  إلى الجـنَّة بمزيد الطاعة والتقوى عكس ما كان الكفَّار يفعلون من التسابق إلى ما به يفتخرون ويتكاثرون، وليس المراد حقيقة أن يقصد كلٌّ منهم أن يكون فوق غيره في المغفرة والجـنَّة، بل ملزوم ذلك وهو مطلق الاجتهاد، وإن قصد ذلك على وجه غير الاستحقار، أو قصد أن يزيد عليه في العبادة بدون قصد احتقار ولا رياء ولا سمعة ولا مفاخرة فلا بأس، والآية كقوله: {سارعوا إلى مغفرة من ربـِّكم} إلاَّ أنـَّه قد يقال بينهما كيفيـَّة المسارعة بأنـَّها كالمسابقة على الخيل في المضمار، شبَّههم بأصحاب الخيل، ورمز إلى ذلك بذكر الملائم وهو المسابقة في المضمار، إلاَّ أنـَّه لا دليل على ذلك، فإنَّ السبق كما يكون بالمشي يكون بغيره من كلام وغيره على الحقيقة، ثُمَّ إنـَّه من المعلوم أنـَّه لا تتصوَّر المسابقة إلى المغفرة والجـنَّة بمجرَّد تعاطي حوزهما، فالمراد المسارعة إلى موجباتها من الأعمال الواجبة، والنفل والتوبة والتقوى بعد التوحيد، فإمـَّا أن يجعل لفظ المغفرة والجـنَّة مجازًا بمعنى [179] ملزومهما وهو سببهما، فإنـَّهما لازمان لموجباتهما، وهما مسبـَّبان لموجباتهما، وموجباتهما ملزومة لهما وسببان لهما، وذلك مجاز لغويٌّ، وأمـَّا أن يبقى لفظ المغفرة والجـنَّة على ظاهرهما ويجعل التجوُّز في تسليط السبق عليهما بجعله إليهما مع أنـَّه حقيقة إلى موجباتهما فذلك مجاز عقليٌّ؛ وحكمة التجوُّز الترغيب وتحقيق أنَّ المسارعة إلى موجباتهما لا تتخلَّف عن الوصول إليهما.

 

 ونكَّر المغفرة للتعظيم، وقدَّمها لأنـَّه لا جـنَّة لمن لم يغفر له، وهي كإزالة الوسخ، والجـنَّة كالتزيين، ولا تزيين على الوسخ، فإنَّ التخلِّي قبل التحلِّي، ثمَّ إنـَّه كما أنَّ لكلِّ وليٍّ مغفرة على حدة كذلك أريد أنَّ لكلِّ وليٍّ جـنَّة على حدة، هي في عرضها كعرض السماء الواحدة والأرض الواحدة، فما ظنـُّكم بالطول إذا كان العرض كذلك!، وهذا لكلِّ وليٍّ لا ينقص عنه، كما أنَّ الحسنة بعشر لا ينقص عنها، ويزيد الله لمن يشاء في جنـَّته ما شاء، كما يزيد على العشر لمن شاء؛ هذا إيضاح منـِّي لقول ابن عبـَّاس في رؤية عطاء أنَّ لكلِّ واحد من المطيعين جـنَّة بهذه الصفة. وقال مقاتل: أراد بالسماء والأرض السماوات السبع والأرضين السبع، وأراد جـنَّة كلِّ السعداء بمرَّة بـأن تجعل كلُّهنَّ صفيحة رقيقة كورقة بأجرامهما وجبالهما والنجوم والشمس والقمر فتكون الجـنَّة عرضها كعرض هذه الصفيحة.

 

 فما ظنـُّكم بالطول؛ قال السدِّيُّ: السماوات السبع والأرضون السبع عرض الجـنَّة والطول، أضاف ذلك ولعلَّه يقول بـأن يزيد الله عزَّ وعلا لمن يشاء على حصـَّته من ذلك ما شاء. وقال  الزجَّاج: الآية تمثيل لوسع الجـنَّة المقسومة للناس بأكبر ما يقع في أنفسهم من الوسع، وهو مقدار وسع السماوات والأرضين، وهو حسن، واختار ابن عبـَّاس أنَّ المراد هنا تشبيه كلِّ جـنَّة من الجنـَّات الأربع للواحد في قوله جلَّ جلاله: {ولمن خاف مقام ربـِّه جنـَّتان}، {ومن دونهما جنـَّتان} بعرض السماوات السبع والأرضين السبع؛ وعلى كلِّ حال فذكر الأرض دلالة على مزيد الطول على ذلك، واسْـتَـدَلَّ بعض [180] بالآية على أنَّ الأمر للفور.

 

{أعدَّت للذين آمنوا بالله ورسله} هيـَّأها الله لهم بوعده وكتابتها لهم في اللوح المحفوظ سواء أقلنا بوجودها الآن وهو الصحيح، أم بأنـَّها ستوجد، وبه قالت المعتزلة، والدليل على وجودها الآن أحاديث تزيينها في كلِّ رمضان، وكلام الحور فيها لرضوان، وغرس المؤمنين فيها الأشجار بأعمالهم بـأن تكون الملائكة تغرس له إلى يوم القيامة، ورؤية النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إيـَّاها، ودخوله إيـَّاها ليلة الإسراء، وغير ذلك من الأحاديث، وَاسْـتَـدَلَّ بعض بالآية على وجودها، وفيه أنَّ إعدادها محتمل لا يكون بمعنى الوعد بها، يقال: أعدَّ له ألف دينار، إذا وعدها له ولو لم توجد، وأعطاه ألفًا إذا كتبه له، وأعدَّ له مكافأة إذا عزم عليها ولو لم يعزلها، ولا سيما أنـَّه تعالى كريم لا يبدَّل القول لديه.

 

 فإنـَّها كالشيء المعدِّ المهيـَّأ، ويجاب بأنَّ المتبادر من الإعداد الإيجاد الآن، وهو الحقيقة، وحمله على غير ذلك مجاز يحتاج لقرينة، ولا ينافي وجودها الآن قوله تعالى: {أكلها دائم} من حيث أنـَّها لو وجدت الآن لفنيت لقوله تعالى: {كلُّ شيء هالك إلاَّ وجهه} فتهلك، فينافي هلاكها دوام أكلها لجواز أن يكون هلاك كلِّ شيء بمعنى موت كلِّ شيء من الحيوانات، وقد قيل بهذا، وقيل: باستثناء الحور العين، وليس بجيـِّد لقوله تعالى: {إلاَّ وجهه} إذ لم يقل: «وإلاَّ الحور العين» ولا يخفى أنَّ الاكل[كذا] غير حيوان، ولا يوصف بالموت ولا باقي الجـنَّة فهو أكلها دائم، وأيضا أكلها دائم خاصٌّ، وكلُّ شيء هالك عامٌّ على تعميمه في معنى الإتلاف والعمل بالخاصِّ لا بالعامِّ، ودوام أكلها مثبت لدوامها.

 

ودعوى المعتزلة أنَّ المراد: إذا كانت الآخرة أعدَّها الله يحتاج إلى دليل، وكذا دعواهم أنـَّها لتحقُّق وقوعها صارت كأنـَّها موجودة، وإنـَّما هذا حيث قام الدليل كقوله تعالى: {ونادى أصحاب الجـنَّة أصحاب النار} {ونادى أصحاب النار أصحاب الجـنَّة} فإنَّ القرينة موجودة وهي أنَّ القيامة لم تقم. وأمـَّا كون الجـنَّة أكبر من السماء مع أنـَّها فوق السماء فلا يمنع وجودها لأنَّ الشيء [181] إذا([43]) من جهة الفوق على سمت شيء تحته صدق أنـَّه فوقه ولو كان أكبر مِمـَّا فوقه، كما أنَّ العرش فوق الجـنَّة إذ هو سقفها مع أنـَّه أعظم منها، وَاسْـتَـدَلَّ بعض بالآية على أنَّ الإيمان بالله ورسوله كاف في دخول الجـنَّة بلا عمل ولا تقوى، إمـَّا من أوَّل وإمـَّا بعد دخول النار، والتعذيب فيها بقدر ترك ما ترك من الفرائض ومقارفة ما اقترف من الكبائر فهي معدَّة لهم دخولها بعد الخروج من النار، قلنا: الآية مطلقة خصَّصتها آي كثيرة فيها ذكر العمل الصالح قيدا ثمَّ، إنَّ ذكر العمل الصالح إطلاق مقيَّد باجتناب الفجور في الآي الأخرى المقيـِّدة للتقوى، وقد تقرَّر عندكم كما عندنا أنَّ العمل بالخاصِّ لا بالعامِّ، وبالقيد لا بالإطلاق. قيل: لوهب بن منبـِّه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أليس مفتاح الجـنَّة لا إله إلاَّ الله؟ فقال: بلى، ولكن لا مفتاح إلاَّ ولة([44]) أسنان.

 

 فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلاَّ لم يفتح لك، يعني أداء الفرائض واجتناب المحرَّمات؛ وكان كعب الأحبار رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ أي فائق الأحبار ــ يقول في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجـنَّة» كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلـمَّا نزلت لم تنفع لا إله إلاَّ الله بأدائها»، وأيضا لا إله إلاَّ الله هو كلمة التقوى، فالتقوى مضمونها فإنـَّما تنفع من اتـَّقى ترْكَ الفرضِ، واتـَّقى فعل المحرَّمات؛ وإذا تقرَّر هذا فإذا لم يذكر إلاَّ الإيمان فلك أيضا حمله على التامِّ وهو المستتبع لعمل الفرض واجتناب المحرَّم، وإذا ذكر العمل الصالح فلك أيضا حمله على ترك المحرَّم، فإنَّ الترك عمل إذ جبد نفسه عن عمل المحـرَّم، وأيضا يعمل([45]) الله صدق القائل لا إله إلاَّ الله بإتباعها بالعمل وترك الحرام، والله عليم بلا أوَّل.

 

{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(21)} الإشارة إلى ما ذكر من المغفرة والجـنَّة، أو إلى الإعداد المفهوم من قوله: «أعدَّت»، و«فضل اللهِ» عطاؤه تفضُّلا، يؤتيه تفضُّلا منه من يشاء إيتاءه إيـَّاه، ولا واجب على الله، والله ذو الفضل العظيم، لا يعجزه ذنب يغفره للتائب ولا تنمية عمل، وقبوله وقبول التوبة [182] ولهذا يعطي المغفرة والجـنَّة المذكورتين اللتين لا غاية وراءهما، وفي الحقيقة نعيم الجـنَّة تفضُّل محض، لأنَّ الموفي بدين الله إنـَّما وفَّقه الله وأقدره وأعطاه الأسباب، وإذا عصى وفَّقه للتوبة وقبلها، وكلُّ ما فعل من خير فخلق من الله، واختياره أيضا خلق من الله، ومن فضله أَنـَّهُ جُعِل مقدارٌ من خير الآخرة أجرةً للعمل، ومقدارٌ فضلا زائدًا؛ ومن المعلوم أنَّ الأجرة إنـَّما يستحقُّها من لم يلزمه العمل ومن لم يكن عمله من مستأجره، والله جلَّ وعلا تجب عبادته وتلزم المكلَّفَ لعظم شأنه ولو لم يجعل له ثوابًا، فإنَّ المؤدِّي لمـا وجب عليه لأجرة([46]) له

 

فمن فضله أَنـَّهُ جعل أجرة لعبده على عمل واجب عليه، مع أنَّ ذلك العمل خلق منه تعالى وتوفيق، وذلك كمن جعل أجرة لولده فيما لزم ولده أن يعمله له، وكمن جعل أجرة لعيده على عمل لازم، فمن فضله جعل مقدارًا مقابلا لسعيه وثعبه [كذا] أجرًا، وما زاد فضلا فهو تفضُّل مشروط له ما يستحقُّ به الأجرة، كما تقول للأجير: أعطيك عشرة ثوابًا وأزيدك اثنين تفضُّلا، لا أعطيك الفضل إلاَّ إن عملت ما تستَحقُّ به الأجرة، فالمؤمن يستَحقُّ المغفرة والجـنَّـة بمسابقته، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يدخل الجـنَّـة أحد إلاَّ بفضل الله، ويجوز عود الإشارة إلى الإيمان بالله ورسوله، أي الإيمان بتوفيق من الله تفضَّل به. والله ذو الفضل العظيم في الدُّنـْيـَا وَالآخِرَة بِكُلِّ خير دينيٍّ أو دنيويٍّ أو أخرويٍّ.

 

{ما أصاب من مصيبة في الأرض} أي ما أصابتكم مصيبة في الأرض؛ فـ«من» زائدة لتأكيد العموم في الفاعل، والمفعول محذوف كما رأيته، والمصيبة في الأرض الجدب وَقِلَّة المطر والنبات، ونقص الثمار وغلاء الأسعار وتتابع الجوع. و«مصيبة» اسم فاعل أصاب يصيب في خير أو شرٍّ، تغلَّبت عليه الاِسمِيـَّة وصار بمعنى الأمر الشديد بلا اعتبار لمعنى الإصابة، وربما يستعمل في الخير على أصله من عموم الشرِّ والخير،

 

 وجمعه في الألسنة «مصايب» بالياء، وهمزه خطأ، وقيل: شاذٌّ، وكلٌّ يحتاج إلى سماع صحيح، فإنَّ القياس «مصاوب» لأنَّ الياء في مصيبة بدل عن أصل [183] هو واو فلا تقلب همزة ولا تبقى ياء، كما أنَّ ياء معيشة لمــَّا كانت أصلا أبقيت ياء خالصة في الجمع لا مسهَّلة ولا أبدلت همزة إلاَّ شَاذًّا؛ و«في الأَرْض» مُتَعَلِّق بـ«أصاب»، والإصابة ولو كانت في الأَرْض لكنَّ ضرَّها راجع إلى إلى [كذا] الناس، وَلِذَلِكَ كان التقدير: «ما أصابكم»، وذكر الفعل للفصل وظهور الفاعل مع كونه مجازي التأنيث.

 

{ولا في أنفسكم} كالمرض والحزن والضعف ونقصان الجارحة وضعفها، والاحتراق والشوكة والزلق والوقوع في حفرة ومصادمة حائط أو سارية وعثرة ومصادمة حجر ولدع وسع([47]) وإقامة الحدِّ أو الأدب وسائر الآفات، ومنها الجوع والعطش، وإنـَّما يذكران في الأَرْض باعتبار لازم القحط العامِّ للناس والأوقات، ودخل في ذَلِكَ كفرهم ومعاصيهم، وقد يقال: المراد بالمصيبة في الأَرْض والأنفس الخير والشرُّ مطلقا لقوله تعالى: {لكي لا تاسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} فإنَّ كلاًّ من الخير والشرِّ مكتوب في اللوح المحفوظ. و

 

{إلاَّ في كتاب}([48]) حال من مصيبة، وسوَّغ ذَلِكَ تقدُّم النفي كقولك: ما جاء رجل إلاَّ قائمًا، والاستثناء لا يبطل التسويغ بالنفي، ويجوز أن يكون «في الأَرْض» نعتا لمصيبة، كقولك: ما جاء رجل أسود ولا أحمر. والكتاب: اللوح المحفوظ، أو علم الله، وعلمه وما في اللوح لا يتخلَّف، فأعمال الخلق بتفاصيلها معلومة لله مكتوبة في اللوح، وكذا كلُّ شيء غير الأعمال، فتستدلُّ الملائكة عند وقوعها بِذَلِكَ عَلَى أَنـَّهُ تَعَالىَ عالم بها قبل وقوعها، ويعرفون أنَّ لله حكمة في خلقه ورزقه من يعصي مع أنـَّه عليم بأنـَّه يعصي،

 

 فيحذرون أن يعصوا، إذ ليس خلقه محصورا فيمن لا يعصي فيخافون أن يعصوا غاية الخوف، ويشكرون الله عزَّ وجلَّ على أن عصمهم من المعصية فالله عالم بالأشياء قبل وقوعها بلا أوَّل، فإنـَّه تصدر على وقف ما في اللوح ولا أوَّل لله ولا مادَّة؛ واللوح مخلوق كغيره مع أنـَّه لا مادَّة له يكسب بها العلم، فعلمنا أنـَّه عالم بالذات فلا أوَّل لعلمه، وقبَّح الله من زعم أنـَّه لا يعلم الأشياء حـتَّى تكون ولعنه، فإنـَّه [184] ناف للقدر عن الله، وناف لأن يكون خالقا، وزعم الحكماء الإسلاميـُّون أنَّ الملائكة الذين وصفهم الله بأنـَّهم مدبـِّرون أمر([49]) ومقسِّمون أمرًا إنـَّما هم المبادئ لحدوث الحوادث في هذا العالم السفليِّ بواسطة الحركات الفلكيـَّة والاتـِّصالات الكوكبيـَّة، فتصوُّراتها لانسياق تِلْكَ الأسباب إلى المسبـَّبات هو المراد من قوله تعالى: {إلاَّ في كتاب}، يعنون أنَّ ذَلِكَ بخلق الله عزَّ وجلَّ،

 

 وليس في اللوح المحفوظ حركات أهل الجـنَّـة وأهل النار ونعمهم وعذابهم وما يتجدَّد لهم من الأمور لأنـَّه لا آخر لِذَلِكَ، واللوح المحفوظ له حدٌّ منتهٍ، والذي في الآية ذكر ما أصاب في الأنفس والأرض لا ذكر أجزاء الأَرْض والسماوات وما في السماوات وأحوالها.

{من قبل أن نبرأها} أن نخلقها، وضمير النصب للمصيبة؛ وأجيز أن يكون للأرض أو للأنفس أو للِكُلِّ، والراجح الأوَّل، لأنَّ الكلام عليها، ثمَّ رأيت بعض المحقِّـقِين رجَّحه بأنَّ المصيبة هي المقصودة، وقيل: الضمير للمخلوقات ولو لم تذكر لظهور المعنى، كقوله تعالى: {إنـَّا أنزلناه} وعليه. ولا يقال: فيكون الأرضون والسماوات بأجزائهما وأحوالهما وما فيهما وحوادثهما مكتوبا في اللوح المحفوظ، وتكون الآيـَة في معنى ذَلِكَ، لأنـَّا نقول: الآيـَة جاءت في أنَّ المصيبة والأنفس والأرض تصاب، وتلك الإصابة كتبت في اللوح المحفوظ قبل وجود سائر الخلق الذي تأخَّر خلقه عن اللوح وإن كان الكلُّ مكتوبا في اللوح. [

 

{إنَّ ذلك على الله يسير(22)}]([50]): سهل على الله مع كثرة ما كتب فيه، ولا عسر على الخلق لأنـَّه مستغنٍ عن العدَّة والزمان والعلاج حاشاه، كقوله: {وما يُعمَّر من معمَّر...} إلى: {...يسير}، إِلاَّ أنَّ ما هنا أكثر.

 

{لكيلا تأسوا} مُتَعلِّق بمحذوف، أي أخبرناكم بذلك لكيلا تأسوا، أي لكي لا تحزنوا،

 

{على ما فاتكم} من نعم الدنيا، أي ليكون ذَلِكَ سببا لعدم الأسى، ومن لم يعمل بهذا السبب فإنـَّما ذَلِكَ من تضييعه بعدما بيـَّنـَّا له. «لا» مُتَعَلِّقَة بقوله: {في كتاب} أو في متعلَّقه، لأنَّ كون ذَلِكَ في كتاب من غير أن يعلموا أنـَّه فيه لا يكون سببا لعدم الأسى؛ وكذا الإخبار بكونه في كتاب هو السبب لعدم الفرح لا مجرَّد كونه في كتاب، كما قال بعد ما مرَّ:

 

{ولا تفرحوا بما آتاكم} من نعم [185] الدنيا، والضمير المستتر عائد إلى الله والرابط محذوف، أي بما آتاكموه، أي صيـَّره آتياً إيـَّاكم، كما يقال: أعطاكموه؛ وقرأ أبو عمرو: «أتاكم» بلا مدٍّ للهمزة ليكون النهي عن الفرح بالآتي كمادم([51]) الأسى على الفائب([52])، وعلى هذه القراءة يكون المستتر عائدا إلى «ما»، ووجه قراءة الجمهور إسناده الإعطاء إلى الله، وهو أجلب لهم وأذكر لسعة رحمة الله، بخلاف ما يحرن([53]) فإنـَّه من الله أيضا، لكن لم يسنده إليه تليـينا للكلام؛ ومصدر «تأسوا» يقدَّر مجرورًا مضافا إليه اسم السلب، أي لعدم أساكم، ولانتفاء أساكم ونحو ذَلِكَ من أسماء السلب، وإنـَّما يقدَّر اسم السلب لمكان حرف النفي، وكذا يقدَّر لعدم فرحكم، أو لانتفاء فرحكم أو نحو ذَلِكَ، كذلك قالوا بالعطف على «لا تأسوا»، وبأنَّ «لا» نافية، والذي عندي أنَّ «لا» الثانية ناهية، والعطف عطف إنشاء على خبر هو قوله: {إنَّ ذَلِكَ على الله يسير} أو عَلَى المحذوف، أي أخبرناكم لكيلا تأسوا، وَذَلِكَ لأَنَّ الإخبار بإثبات الخبر في اللوح المحفوظ لا يكون سببا لترك الفرح به هكذا، ولا لترك فرح البطر، بل المـُرَاد بالفرح فرح البطر وهو المنهيُّ عنه فـ«لا» ناهية، وَيَدُلُّ على أَنـَّهُ فرح بطر وَأَنـَّهُ منهيٌّ عنه قولُه تعالى([54]):

 

{والله لا يحِبُّ كلَّ مختال} في مشيه ببدنه ولباسه،

 

{فخور(23)} بماله أو نسبه أو حسبه أو خصاله، فإنَّ هذا دم([55]) للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فإنـَّه من فرح بالحظوظ الدُّنـْـيَوِيـَّة وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها لا محالة، وأمـَّا الفرح بنعمة الله مع شكر فغير مذموم، قال المبرِّد: «لا تفرحوا فرحًا شديدًا يطغيكم حـتَّى تأشروا[كذا] فيه وتبطروا». ثمَّ إنَّ الظاهر النهي عن الفرح مطلقا تزهيدًا في الدنيا ودعاء إلى الإعراض عنها ولو مع الشكر، كأنـَّه قيل: لا تميلوا إلى الدنيا حـتَّى تفرحوا بمتاعها بل افرحوا بدين الله والاستقامة فيه والكسب منه،

 

 وَيَدُلُّ لهذا الإطلاق الدعاء إلى الإعراض عن الأسى عن الدنيا، أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا لهوانها ولو حزنًا لا يؤدِّي إلى معصية، بل احزنوا على ما فاتكم من الدين والاستقامة فيه والسعي فيه، فَالآيَة في ترك [186] الأسى عَلَى الدنيا والفرح بها، وما جاء من فرح بها أو حزن عليها عَلَى طبع البشر فمعفوٌّ عنه إن لم يكن بحدِّ المعصية، كما إذا أدَّاه الحزن إلى سخط فعل الله، أو الفرح إلى البطر، قال المبرِّد: «لكي لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب فوت ما فات». قال عكرمة عن ابن عبـَّاس: «ليس أحد إلاَّ وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا وللخير شكرًا». فقد علمت «لا» الأولى نافية، والفعل بعدها منصوب والثانية ناهية والفعل بعدها مجزوم،

 

وإن قلت: إنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكلَّ مقدَّر: يفوت ما قدِّر فواته، ويأتي ما قدِّر إتيانه، ولا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت، فالثانية أيضا نافية، والفعل بعدها منصوب وما بعدها داخل في التعليل، والمراد الفرح العظيم والحزن العظيم، قلت: الإخبار بأنَّ المقدَّر مكتوب في اللوح أو سابق في علم الله لا يزيد أيضًا عظم الفرح بالخير إذا أتى، كما لا يزيل أصل الفرح، فالثانية ناهية قطعًا، وخصَّ التذييل بالنهي عن الفرح إيذانًا بأنـَّه أقبح من الأسى، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من عرف سرَّ الله في القدر هانت عليه المصايب»، ذكر أنَّ معرفة القدر يهوِّن عَلَى المصاب المصيبة، ولم يذكر أَنـَّهُ يذهب الفرح بالخير، ومذهبنا معشرَ الإِبـَاضِيـَّة والأَشعَريـَّة أنَّ كلَّ ما وقع واجب بقضاء الله لا بالذات، وكلُّ ما لم يقع واجب أن لا يقع بقضاء الله لا بالذات، ولو وقع ما علم الله أَنـَّهُ لا يقع، أو لم يقع ما علم الله أَنـَّهُ يقع لانقلب العلم جهلاً؛ ولو أراد الله وقوع الشيء ولم يقع، أو أراد عدم وقوعه ووقع لكانت إرادته تمنـِّيـًّا، والتمنـِّي عجز من ناقص، أراد اسكمالا([56]).

 

 تعالى الله عن ذَلِكَ، وقدرته تعلَّقت بالوقوع ما أراد وقوعه أو بعدم وقوع ما أراد عدم وقوعه، فلو تخلَّف ذَلِكَ بأن وقع ما أراد أن لا يقع أو بأن لم يقع ما أراد أن يقع لصارت قدرته عجزًا تعالى عنه؛ وما أخبر بوقوعه ولم يقع أو بانتهاء وقوعه ووقع صار الإخبار به كذبا، وانقلب فيه الصدق كذبًا، وفي ذَلِكَ كلِّه الجبر وانقلاب الصفات من [187] كمالها إلى النقص، ومن القدم إلى الحدوث حـتَّى في الأخير، فإنَّ الإخبار بوقوع أو أن لا وقوع عن علم قديم، ومن تحقَّق هذه المسائل هانت عليه المصائب([57])؛ والمعتزلة ينفون القدرة على أفعالهم عن الله، وكذا الإرادة، وضلُّوا بِذَلِكَ، وبطلان مذهبهم ظاهر لأَنَّ الله على كُلِّ شيء قدير، أي قدير عَلَى كُلِّ ما شاء، أي أراد، ولزمهم نسبة العجز إلى الله وأن يكون مقهورا ما لم يرد وقوعه، أو عدم وقوع ما لم يرد عدم وقوعه؛ ووافقوا في العلم والأخبار، ولزم عليهما أيضا الجبر على أن يكون مَا علم أو أخبر به بلا قدرة له ولا إرادة، والفلاسفة الجبر مذهبهم إذ ربطوا حدوث

 

الأفعال الإِنسَانِيـَّة بالتصوُّرات الدهنيـَّة([58]) والتخيـُّلات الحيوانيـَّة، وربطوا تِلكَ التصوُّرات والتخيُّلات بالأدوار الفلكيـَّة التي لها مناهج مقدَّرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وَهُوَ مذهب باطل وإلحاد، فإنَّ دور الفلك لا دَلـِيل على أَنـَّهُ يوجب شيئا ولو أوجب شيئا لزم أن يكون دوره وإيجابه شيئا قد أوجبهما شيء آخر فيتسلسل؛ والدهريـَّة لا يقولون بشيء مؤثـِّر، فحدوث الحوادث اتـِّفاقيٌّ عندهم فليس اختياريـًّا فهو جبر بلا مجبر وهذا خطأ، وَالآيـَة تَدُلُّ على أنَّ العبد متمكِّنا [كذا] مختار لا مجبر، لأَنَّ الله جلَّ وعلا أخبره بأنَّ المصائب[كذا] معلومة عنده مكتوبة ليعمل بترك الحزن، وإلاَّ لم يبق فائدة بقوله: {لكيلا تأسوا}، وكذا كلُّ ما أمر الله بفعله أو نهى عن فعله فللعبد فيه اختيار وتمكُّن، وإلاَّ لم يأمره به وهو لا يقدر، ولم ينهه وَهُوَ لا يقدر على تركه، ولم يمدحه على الامتثال، ولم يذمـَّه على العصيان،

 

 ولم يسمِّه عاصيًا، ولم يثبه ولم يعاقبه. والله جلَّ وعلا أراد أنَّ يقع الحزن والفرح ممـَّن وقعا منه وشاء ذَلِكَ وما أحبـَّه والزجر عن ذَلِكَ لتمكينه لهم مِمـَّا يمتثلون به أَو يزدجرون به ولم يجبرهم، والحبُّ غير الإرادة، فإنَّ الحبَّ يتخلَّف فيه المحبوب لأنَّ حبـَّه الشيء بمعنى أمره به وجعله صوابًا، وليس كلُّ ما أمر به مفعولا، ولا كلُّ مأمور به فاعلا، والإرادة لا يتخلَّف فيها المـُرَاد، وهي نفي للقهر فكلُّ ما أراد وقوعه وقع، أو عدم وقوعه لم يقع، [188] فالله جلَّ وعلا لا يحبُّ أن يقع منهم الحزن والفرح، وما وقع منهما فقد أراد([59]) ولم يحبـَّه، وما وقع من حزن على الدين أو فرح بالدين فقد أحبـَّه وأراده، وكلُّ واقع مراد معصيةٍ معصيةٌ أو طاعة، لكن عندنا بلا إجبار، وعند المجبرة بإجبار، وما كان من معصية فالله لا يحبـُّه، وما وقع منها فقد أراده، فمعنى قوله تعالى: {والله لا يحِبُّ كُلَّ مختال فخور} أَنـَّهُ تَعَالىَ لا يأمر بالاختيال والفخر بل نهى عنه،

 

 لا كما قال من قال: إنَّ الحبَّ والإرادة سواء؛ والقدريـَّة ــ بمعنى نافين القدرة عن أنفسهم، وجاعلين أنفسهم كالميـِّت بين يدي المتصرِّف فيه بالنقل والتطهير والغسل والتكفين ونحو ذَلِكَ ــ يزعمون أَنـَّهُم مجبرون، فَكُلُّ ما وقع من معصية فهو محبوب لله مراد وهم من المجبرة، وهذا خطأ. واللام في «لكيلا تأسوا» للتعليل، وكلُّ لام تعليل مُتَعَلِّقَة بفعل الله أو أمره أو نهيه تَدُلُّ عَلَى أنَّ أفعال الله معلَّلة بالإعراض بحسب الظاهر، ولا نعتقد ذَلِكَ في مذهبنا بل نقول: أفعاله معلَّلة بالحكم لا بالأغراض، لأَنَّ جعلها للأغراض على الحقيقة يوجب أن يكون الله محتاجًا إلى شيء يستكمل به، وهذا لا يجوز لأنـَّه كامل لا ناقص ولا عجز يلحقانه، وزعم بعض أنَّ الله لا يريد أفعال العباد، وهذا مذهب المعتزلة، ونُسب للباقلاَّني،

 

 ولا أظنـُّه صحيحًا عنه إذ هو من الأشاعرة، وهم يقولون كما قلنا: إنـَّه مريد لها؛ وإنـَّما يقول: لا يريدها الله من يقول: إنَّ فاعل الشيء هو الخالق لفعله وسلب عن الله القدرة على فعل العبد، وهم نوع من القَدَرِيـَّة وهم المعتزلة، وقال بعض الأَشعَريـَّة المحبـَّة إرادة مخصوصة، وهي إرادة الثواب، ولا يلزم من نفي الإرادة بهذا المعنى نفي الإرادة بالمعنى المطلق، فمعنى: {والله لا يحِبُّ كلَّ مختال فخور} لا يريد الاختيال والفخر بالثواب بل بالعقاب، وما ذكرت من تفسير الحبِّ بالأمر والإرادة بالقضاء ونفي القهر أظهر،

 

 ثمَّ إنَّ قوله: {والله لا يحِبُّ كلَّ مختال فخور} كُلِّـيـَّة لا كلٌّ، وعموم سلب لا سلب عموم، لأَنَّ ما شهر من أنَّ لفظ العموم إذا تأخَّر عن السلب لفظًا أو تقديرًا يكون كلا سلب وعموم، إنـَّما هو إذا لم يكن دليل صارف، وهنا قام دَلـِيل على أَنـَّهُ لا واحد من المختالين [189] الفاخرين محبوب لله، وقد يبقى على المشهور بإخراج المختال الفخور في حرب الكفرة.

 

{الذين يبخلون} بالمال أو البدن أو الجاه،

 

{ويأمرون الناس بالبخل} بدل من «كُلَّ مختال فخور»، أي لا يحِبُّ الذين يبخلون فإنَّ المختال بماله الفخور به يبخل به غالبا، لأنـَّه يحمل به ما يحِبُّ من اختيال وفجر، ويأمر بالبخل كما أنَّ من عرف شيئا وأحبـَّه ينصح به أحبابه ومن ليس عدوًّا له، وَذَلِكَ نتيجة فرحهم بالمال فَذَلِكَ عائد إلى ما قبله، أو خبر لمحذوف عائد إلى ما بعد، أي الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل الله غنيٌّ عنهم، أو لا ينقص الله بخلهم ولا أمرهم به فإنـَّه محمود بالذات، يَدُلُّ لِذَلِكَ قوله: {

 

ومن يتولَّ} يعرض عن الدين بالبخل والأمر به،

 

{فإنَّ الله هو الغنيُّ الحميد(24)}([60]) أي غنيٌّ عن إنفاق المنفق، فمن أعرض عن الإنفاق وأمر به لم يضرَّ الله منه، ذَلِكَ لأنـَّه غنيٌّ بالذات محمود بالذات، وإنـَّما الإنفاق مصلحة للمنفق، والمراد البخل بالزكاة، فإنَّ السورة مدنيـَّة، وقيل: مَكِّيـَّة، وقد قيل: الزكاة فرضت بمكَّة في بعضٍ، وعملوا به، وفصِّلت في المدينة زيادة فلا تأخير عن وقت الحاجة، وإن قيل: المـُرَاد نفقة النفل فالهلاك بالأمر بالبخل،

 

 وقيل: ذَلِكَ في اليهود عرفوا صفات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبخلوا بـبـيانها وأمروا بكتمانها. وقرأ غير نافع وابن عامر: «فإنَّ الله هو الغنيُّ الحميد» بإثبات ضمير الفصل وحذفاه ــ قيل ــ لأنـَّه لا موضع له من الإعراب فهو سهل للحذف فحذفه لا يخلُّ بالمعنى، والمراد أَنـَّهُمَا رَوَيـَا الحذف، ووجه الحذف ذَلِكَ، وفيه أنَّ ضمير الفصل مؤكِّد للحصر، وحيث يوهم حذفه النعت تأكيد إثباته ولا إيهام هنا لأَنـَّهُ لو كان ما بعده نعت([61]) لنُصب. وفي وصفه نفسه تَعَالىَ بأنـَّه حميد تلويح بأنـَّه يعطي لسعة رحمته المال ولو لمن لا يشكر نعمته بل يبخل ويأمر بالبخل وقصَّر في الطاعة.

 

{لقد أرسلنا رسلنا بِالبَـيِّـنَاتِ} قيل: لقد أرسلنا الأنبياء بالآيات البَـيِّـنَات التي تتلى كآيات التوراة والإنجيل والزبور إلى أممهم، ومن لم يكن له من الرسل كتاب فإنـَّما أرسل بما قبله من الكتب أو بعضها، ويجوز أن يراد بـ«البَـيِّـنَاتِ»: المعجزات غير ما تتلى؛ ويجوز أن يراد بالرسل الملائكة [190] إلى الأنبياء، ويرجِّحه قوله: {معهم} من قوله: {وأنزلنا معهم} وقد يقال: والأوَّل أولى لأَنَّ الأصل في الإرسال بِالبَـيِّـنَاتِ اعتبار الإرسال إلى المنكرين، إِلاَّ أنَّ الواضح تفسير البَـيِّـنَات بالحجج والمعجزات لا يالآيات التي تتلى لِـئَلاَّ يتكرَّر مع قوله: {وأنزلنا معهم الكتاب}، ولعلَّ وجه تفسيره بالآيات المتلوَّة بيان أَنـَّهَا بَـيِّـنَة شيء فشيء[كذا]؛ ووجه ذكر الكتاب بعد بيان أَنـَّهَا مجموعة وأنـَّها تمَّت وليس بالوجه، والوجه تفسير البَـيِّـنَات بالمعجزات والحجج وعليه المفسِّرون؛ وقال مقاتل بن حيـَّان: البيات([62]) الأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، وفيه أنَّ نبوءتهم إنـَّما تثبت

بالمعجزات لا بالأعمال.

 

 {وأنزلنا معهم الكتاب} جنس الكتب الشامل لكتب الله كلِّها إِلاَّ أفضلها وَهُوَ القرآن، كما أنَّ المـُرَاد بالرسل الرسل كلُّهم إِلاَّ أفضلهم وَهُوَ سَـيِّدنَا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ ذكر إرساله صلَّى الله عليه وسلَّم وإنزال القرآن إنـَّما هما في غير هذه الآيـَة، وأمـَّا هذه الآيـَة ففي معنى: إنـَّا كما أرسلناهم بِالبَـيِّـنَاتِ وأنزلنا عليهم الكتب أرسلناك بِالبَـيِّـنَاتِ وأنزلنا عليك القرآن. وقَدَّمَ ذكر الكتب على الميزان والحديد لأَنَّ الميزان والحديث([63]) إنـَّما هما ليتوصَّل إلى العمل بالكتاب، وإنـَّما خلق الله الجنَّ والإنس للعبادة، وإنـَّما هي بكتب الله، وفيها مراعاة المصالح الروحانيـَّة، وبها السعادة الأبديـَّة، وغير ذَلِكَ إنـَّما هو معبر إليه، ولأنَّ الكتاب طريق إلى معاملة الخالق فقدَّم ما لله،

 

 والميزان طريق إلى معاملة الأحباب ومن يعاشر فجاء ذكره بعده، والحديد طريق إلى الأعداء فأخِّر مع أنَّ فيه منافع ترجع إلى معاملة الناس مطلقا وإلى الله وإلى النفس، ففي تأخيره ما هو كفذلكة لمـا قبله، إذ جُمع طرف من الكتاب والميزان، فإنَّ جهاد الأعداء وإقامة الكِتَاب بالحديد كالسيف والرمح ونفع الأحباب ونحوهم ممـَّن يعاشر لا يخلو عن الحديد، ولأنَّ السابقين يعاملون الخلق بِالكِتَاب عَلَى الوجه الذي هو عبادة ينصفون من [191] أنفسهم لغيرهم ولا ينتصفون لأنفسهم من غيرهم، كما قال الله جلَّ جلاله: {يستمعون القول فيتـَّبعون أحسنه}، {فمن([64]) عفا وأصلح...} إلخ،  وَذَلِكَ من محافظتهم عن الشبهات؛ وهذا أقوى فقدِّم، والمقتصدين ينصفون لغيرهم من أنفسهم، وينتصفون لأنفسهم من غيرهم، قال الله جلَّ وعلا: {وجزاء سيـِّئة سيـِّئة مثلها}، {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}، {لا يحِبُّ الله الجهر بالسوء من القول إِلاَّ من ظُلم}، فهذا كالوزن بالميزان فهو عمل بمباح الكِتَاب وَهُوَ بعد الوجه الأوَّل، والظالمين لأنفسهم ينتصفون لأنفسهم من غيرهم

 

 ولا ينصفون من أنفسهم لغيرهم، وهم أبعد فأخَّر ما يعامَلون به وَهُوَ الزجر بالحديد النافع في ذَلِكَ وفي غيره، ولأنَّ مقام المقرَّبين السكون إلى الله وحده والإعراض عن غيره، ولا يرى إِلاَّ الله وكتابه، {ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب}، وهذا الوجه أولى بالتقدير، ومقام أصحاب اليمين مراعاة حقوق الله وحظوظ النفس المباحة، وهم محتاجون أبدا إلى الميزان ليزيحوا به عن أنفسهم الوقوع في حظوظ النفس المحرَّمة والإفراط بملاومة ما لا يطيقونه فينقطعون، فهذا الوجه بعد الأوَّل، فذِكر ميزان العمود والكفـَّة بعد ذَلِكَ دلالة على هذا،

 

 ومقام النفس الأمـَّارة بالسوء بعد ذَلِكَ إذ قويت فكانت تغالبه فليحاربها بالرياضة، وهذا آخر فأخَّر ذكر الحديد المعدنيِّ تلويحًا إليه، ولأنَّ العارف الواصل أنسه بِالكِتَاب فقدَّم ذَلِكَ الكِتَاب السالك طالبًا مستدلاَّ محتاج إلى ميزان الدليل والحجَّة، وَهُوَ بعد الأوَّل فجيء بعد الأوَّل بميزان الكفـَّة والعمود دلالة على ذَلِكَ، وبقي آخر المعادن فإنـَّما يناسبه السيف ونحوه يقتل به فأخَّر ذكر الحديد، ولأنَّ الأصول والتوحيد من الكِتَاب وهي أولى بالتقديم فقدَّم الكِتَاب، ولشموله أيضا الفروع والأعمال، وأمـَّا الفروع والأعمال فمنها عدلهم ومصلحتهم فذكر ميزان الكفَّة والعمود تلويحًا لِذَلِكَ العدل وَهُوَ بعد الوجه الأوَّل، وأمـَّا من خرج عن الوجهين فما له إِلاَّ الحديد فذكر الحديد آخرًا [192] تلويحًا، ولأنَّ الكِتَاب عدل وإنصاف،

 

 وَهُوَ من  الله جلَّ وعلا.

 

{والميزان}: حمل للناس عَلَى العدل والإنصاف، وَذَلِكَ عَلَى يد الأنبياء والملوك، والحديد لمن تمرَّد عن ذَلِكَ فمرتبة العلماء الكِتَاب فهم مقدَّمون، والعالـِم الذي هو مَلِكٌ جَمَعَ الرتبتين، والميزان آلة الوزن. روي أنَّ جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عَلَيهِ السَّلاَمُ، وقال: مُرْ قومَك يزِنوا به. وقيل: المـُرَاد بالوزن العدل يساس به ويدفع العداوان به.

 

{ليقوم الناس بالقسط} بالعدل في معاملتهم لِـئَلاَّ يأكل بعضهم مال بعض؛ ويجوز عود قوله: {ليقوم الناس بالقسط} إلى قوله: {وأنزلنا معهم الكتاب}، وقوله: {والميزان}. أنزل الكتب ليقوم الناس بالعدل بها، وأنزل الميزان ليقوم الناس بالعدل به.

 

{وأنزلنا الحديد} قال ابن عبـَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «نزل آدم من الجـنَّـة ومعه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والمقمعة والمطرقة والإبرة»؛ والمقمعة: ما يحدَّد به. وروي: «نزل ومعه المر[كذا] والمسحاة». وعن ابن عمر عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الله تَعَالىَ أنزل أربع بركات من السماء إلى الأَرْض: أنزل الحديد والتار([65]) والماء والملح. وقيل: معنى إنزال الميزان والحديد خلقهما، وعن الحسن: {أنزلنا الحديد} خلقناه كقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، وَذَلِكَ أنَّ أحكام الله وقضاياه تنزل من السماء. وقال قطرب: «{أنزلنا} بمعنى هيـَّأنا»، يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنًا أي أنعم عليه به وهيـَّأه له، وَذَلِكَ موجود للكتاب والميزان والحديد؛ ويجوز أن يكون قوله: {والميزان...}إلخ مع ما قبله كقوله: علفتها تبنا، على تقدير: وخلقنا لكم الميزان والحديد، أو وضعنا الميزان وخلقنا الحديد.

 

{فيه بأس شديد ومنافع للناس} الجملة حال من الحديد، و«للناس» نعت لـ«منافع»، وإن علِّق بـ«فيه» أو بمعلَّقه كان أوسع معنى، وكذا إن جعل نعتا لـ«بأس» و«منافع»، إذ المعنى: فيه للناس بأس شديد ومنافع، فعاد قوله: {للناس} إلى قوله: {بأس شديد ومنافع}؛ أو المعنى: بأس شديد ومنافع ثابتتان للناس فعاد كذَلِكَ، إِلاَّ أنَّ في الوجه الثاني، وهو تعليقه بـ«فيه» أو بمتعلَّقه [193] فصل بين العامل ومعموله بأجنبيٍّ، وبين العامل المعنويِّ إذا علَّقنا «للناس» بـ«فيه». أَمـَّا البأس الشديد فالمضرَّة الشديدة، لأَنَّ من الحديد آلات الحروب، وأمـَّا المنافع فلا صنعة إِلاَّ بالحديد مباشرة أَو بتوسُّط قليل أو كثير كالفخَّار يعجن طينه بالمسحاة أَو يقطع شجر إحراقه بالقادوم، وآلة تسويته خشب مقطوعة بالحديد مسوَّاة به، وكالجير يقطع حجره بالحديد، وكذا شجر إحراقه ويخلط به ويعمل في البناء، وإنـَّما تحفر الآبار بالحديد وتشقُّ الأَرض للحرث به، ويقطع به ما يغرس ويحفر به له، ويجد([66])

 

 الثمر ويحصد الزرع به ويطحن به، وإن طحن بالحجر فلا بدَّ للرحى من قطب حديد وحلقة حديد يكون فيها القطب؛ والرحا تقطع من الجبل بالحديد، ويصلح بالحديد، وتنقش به إذا ضعف عملها، والخبز والطبخ والشيُّ في آنية حديد، والنار تقدح بحديد، ولا يضرُّ الكلام وقوع تلك الأشياء بغير الحديد أيضا، فإنَّ المـُرَاد وقوع النفع بالحديد لا حصره فيه وكذا فيما يأتي؛ وَذَلِكَ أنَّ الفواكه تنقَّى وتقشَّر وتنضَّف([67]) وتقطَّع به،

 

 وأنَّ الحياكة وقطع الثياب وخشبها وخياطتها بالحديد، ولا بدَّ في البناء من حديد لقطع الخُشُب وتسويتها، وقطع الحجر، فأنت خبير بأنَّ الحياكة التي لا بدَّ منها في ستر البدن، والطعام الذي لا بدَّ منه لبنية الحيوان، والبناء الذي لا بدَّ منه للسكى([68])

 

محتاجات إلى الحديد، والإِنسَان مطبوع على التمدُّن لا عَلَى البدو، وبعد خلق آدم كان في الجـنَّـة وهي بناء، فَإِذَا كان مدنيـًّا بالطبع فلا بدَّ له من الاجتماع بغيره من أبناء جنسه ممـَّن يشتغل منهم بمهمٍّ خاصٍّ، فمصالح الكلِّ من الكلِّ، فلا بدَّ من المزاحمة، فلا يخلونَّ من بغي بعض على بعض، فلا بدَّ من قائم عليهم يسوسهم، فانتظام المصالح بالحياكة والحرث والبناء، والسايس والبنـَّاء يحتاج لباب، والباب ينحث([69]) بالحديد ويركَّب بمسامره، ولقفل من حديد أو يعمل بحديد، فلكثرة منافع الحديد والاحتياج إليه كان كثيرًا،

 

 ومن سنـَّة الله عَزَّ وَعَلاَ إكثار ما كثرت الحاجة إِلـَيهِ، فانظر كيف كثر الماء والحمد لله لكثرة الحاجة إليه، والطعام لمــَّا كان دون الماء [194] في الاحتياج، ولو كان لا بدَّ منه، ويقاربه كان دونه في الكثرة، فالمشقَّة في تحصيله أعظم منها في تحصيل الماء، وكلَّما كانت الحاجة إلى الشيء أشدَّ كان وجوده أسهل؛ وأعظم الأشياء احتياجًا إليه الهواء، فلو انقطع عن القلب لحظة لمات في الحال، فالهواء أسهل الأشياء وجودًا غير مطلق رحمة الله، وهيـَّأ الله جلَّ وعلا أسباب التنفُّس وآلاته، حـتَّى إنَّ الحيوان ــ غير حيوان البحر ــ يتنفَّس دائما بمقتضى طبعه بلا تكلُّف؛ ويلي الماء الهواء؛ والجواهر لمــَّا قلَّت الحاجة إليها كانت عزيزة جدًّا؛ ويروى أَنـَّهُ لمــَّا أخرج آدم من الجـنَّـة بكت عليه الأشياء إِلاَّ الذهب والفضَّة لم يبكيا عليه، وقالا: لا نبكي على عاصٍ، فجعلهما الله أعزَّ الأشياء مع أَنـَّهُمَا لو فقدا لحصلت منافع الحديد بدونهما، ولو فقد لم يقوما مقامه فيها، ورحمة الله أعظم الأشياء احتياجًا إليها، ومنها الهواء والماء والطعام وغير ذَلِكَ، ومنها وجود المخلوق، فأنت ترى نعم الله لا تحصى، ونرجو أن يكون لنا منها السعادة.

 

{وليعلم الله من ينصره ورسله} مُتَعَلِّقَة بمحذوف مُؤَخَّر، أي: وليعلم الله من ينصره ورسله، أنزل الحديذ([70]) للحصر، وَعَلَى طريق الاهتمام تَعَالىَ الله، أي ليعلم الله...إلخ، لا ليستعمل في المعصية، لا بمحذوف مُقَدَّم، أي: وأنزل الحديد ليعلم الله من...إلخ، لأَنَّ فيه الإضمار لله، وذكر بعد، وإن قدِّر: «وأنزله الله ليعلم الله من...» إلخ،

 

 كان فِيهِ الإظهار في محلِّ الذكر بلا داع في ذَلِكَ إلى ما ذكر؛ ويجوز عطفه على محذوف، أي ليستعملوه وليعلم الله؛ ويجوز عطفه عَلَى «ليقوم الناس بالقسط»، والمراد في جميع الأوجه بالعلم الجزاء، لأَنَّ الجزاء مسبـَّب عن العلم، بمعنى: لو لم يعلم الله بالجهاد لمن جاهد لم يجاز عليه، أو لأَنَّ الجزاء سبب صوريٌّ للعلم، بمعنى أَنـَّهُ إذا جاهد فلا بدَّ أنَّ الله عالم بجهاده؛ ويقال: المـُرَاد علم يَتَعلَّقُ به الجزاء، والمعنى: ليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال الحديد من سيوف ورماح ونبل ونحو ذَلِكَ في أعداء الله عَزَّ وَعَلاَ بقتالهم، وَاسْـتَـدَلَّ من قال من الملحدين بحدوث علم الله بالشيء إذا وقع، ومن قال: علمه بالحادث عند [195] حدوثه غير علمه به في الأزل، والجواب: أنَّ المـُرَاد بالعلم ما مَرَّ من الجزاء، أو معلومه الأزليُّ فإنـَّه لازم لعلمه الأزليِّ، أو الإيقاع، أي وليوقع الله نصرة من ينصره، ولا بُدَّ من تقدير مُتَعلَّق لقوله: {ينصره} أي ينصره بالحديد،

 

 والله سُبحَانَهُ علم في الأزل أَنـَّهُ ينصره ورسله بعض الناس لا كلُّهم، فلا يقع إِلاَّ ما سبق به العلم الأزليُّ، ولا يريد أَنـَّهُ ينصره ورسله الناس كلُّهم لأَنَّ هَذَا خلاف الواقع فيؤدِّي إلى الجهل تَعَالىَ الله، وإذا علم الله نصر الكلِّ فنصر البعض فقط محال، ولا يريد المحال، فصحَّ أَنـَّهُ تَعَالىَ أراد من بعضهم عدم النصرة، بمعنى قضى عليه بِذَلِكَ، فإذا قضى عليه بِذَلِكَ لم يجتمع الضدَّان في الشخص الواحد من كُلِّ جهة.

 

{بالغيب} حال من المضمر المستتر في «ينصر»، أي: وليعلم الله من ينصره ورسله ثابتين بالغيب عن مشاهدتهم الله سُبحَانَهُ، أو حال من الهاء في «ينصره» أي ينصره ثابتًا بالغيب عنهم، والحاصل غائب عنهم، أو غائيبن عنه، أي لا يشاهدونه وهم لا يخفون عنه، ويحتمل الوجهين قول ابن عبـَّاس: «ينصرونه ولا يبصرونه»؛ ويجوز تعليق «بالغيب» بـ«ينصر» على المعنيين، أي ينصرونه في غيبه عنهم، أو في غيبهم عنه، بمعنى أَنـَّهُم لا يشاهدونه، وإذا كان الحال من الهاء كان كقولك: جاء زيد والعمرون قائمًا، بنصب «قائم» عَلَى الحال من زيد، وأكرمت زيدًا والعمرين قائمًا، ويجوز أن يكون حالا من «أسلم» [كذا] أي غائبين، أي الرسل عن الناصر، أو من المستتر، أي غائبًا ذَلِكَ الناصر عن الرسل، وملخَّص التقييد بالغيب إخراج جهاد من يجاهد رياءً أو لأجرة أَو منفعة دُنـْـيَوِيـَّة لا بإخلاص عن قلب.

 

{إنَّ الله قويٌّ عزيز(25)} فهو غنيٌّ عن نصرة من ينصره لا حاجة له إلى ناصر في إعلاء دينه، فلو شاء لم ينصره، ولكنَّ الحكمة اقتضت نصره، ولا عيب عليه ولا سفه لو لم ينصره، ولو شاء لنصره بدون ناصر بـأن يطبعهم عَلَى الإيمان، أو يميت الكفرة أو يذلَّهم، فإنَّ نصرة دينه ليست لنقص فيه تَعَالىَ يكمِّل نفسه بها، فإنـَّه غنيٌّ بقدرته وعزَّته بل كلَّفهم نصره ونصر رسله لمصلحتهم وهي الثواب.

 

{ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} بعض تفصيل لقوله: {لقد أرسلنا رسلنا} [196] بل كعطف خاصٍّ على عامٍّ، وكرَّر القسم مع أنَّ ذَلِكَ من التفصيل، ولم يقتصر عَلَى الأوَّل لإظهار مزيد التعنية بالأمر ولذكره أشياء من النعم وغيرها كالاهتداء وفسق الكثير والكتابة، وجعل الرأفة والرحمة والرهبانية وما بعد ذَلِكَ.

 

{وجعلنا في ذرِّيـَّتهما النبوَّة والكتاب} قَدَّمَ النبوءة على الكتاب لأنـَّها أصل، والكتاب تمامها، وتمام الشيء بعده، وكمال حال الشيء أن يصير صاحب كِتَاب، والكِتَاب الكِتَابة مصدر كتب يكتب، أو المـُرَاد جنس الكتب كالتوراة والإنجيل والزبر والصحف؛ والأنبياء كلُّهم يكتبون ويقرأون الكِتَابة إِلاَّ سَـيِّدنَا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فإنـَّه لا يكتب ولا يقرأ الكِتَابة، وذكرت بحثًا من ذَلِكَ في هميان الزاد إلى دار المعاد.

 

{فمنهم مهتد} من الذرِّيــَّة، فَهَذَا شامل لنوح وإبراهيم ومن بينهما ومن بعد إبراهيم إلى آخر الدهر وذرِّيـَّة إبراهيم من ذرِّيـَّة نوح، وذرِّيـَّة نوح قبل إبراهيم غير ذرِّيـَّة إبراهيم، وذرِّيـَّة نوح أعمُّ وهم كلُّ أهل الدنيا من صلب أولاده، فإنَّ الذين معه في السفينة غير أولاده لم يولد لهم، وكذلك لم يولد للمؤمنين الذين بعدوا عن السفينة فلم يدخلوها، وليس كلُّ من بعد إبراهيم من ذرِّيـَّة إبراهيم، بل قليل من ذرِّيـَّته كنبيِّ إسرائيل والعرب، والجمهور هم غير ذرِّيـَّته. ويجوز عود الهاء إلى المرسل إليهم فيشمل من قبل نوح ومن بعده، وَيَدُلُّ لهذا ذكر الإرسال والمرسلين، وعود الهاء إلى الذرِّيـَّة أولى. والاهتداء: التوحيد واتـِّباع الحقِّ واجتناب الباطل.

 

{وكثير منهم فاسقون(26)} خارجون عن الحقِّ بالإشراك أو بارتكاب الكبائر، فإنَّ الموحِّد المرتكب للكبيرة غير مهتد إلى الحقِّ ولو اهتدى إلى التوحيد، فليس كما قيل: إنَّ المـُرَاد بالفاسق المشرك، وَأَنـَّهُ مقابل للمهتدي إلى التوحيد، وأنَّ المـُرَاد منهم من اهتدى بقبول التوحيد والدين، سواء أعمل أم لم يعمل، ومنهم من فسق بعدم القبول وَهُوَ المشرك، وفيه أنَّ الفاسق بالجارحة لا يستَحقُّ المدح بالاهتداء هكذا بإطلاق، ولا سيما أنَّ مهتديًا اسم فاعل لا فعل، ثمَّ أنت [197] خبير بأنَّ لفظ كثير لا يَدُلُّ على أنَّ الفسَّاق أكثر بمجرَّده لأَنـَّهُ ليس اسم تفضيل، والكثير يطلق عَلَى النصف والثلث وأقلَّ وأكثر من ذَلِكَ، وإنـَّما يفيد لفظ كثير الأكثريـَّة بضميمة [كذا] مقابلته لـ«مهتد» الذي نُكِّر للتقليل، فإذا كان  المهتدي قليلا فالمـُرَاد بالكثرة أنَّ الفسَّاق هم الأكثرون، لأَنـَّهُ قائل بهم القلَّة، ومقتضى الظاهر أن يقال: ومنهم فاسقون، كما قال: {فمنهم مهتد} لكن عدل عن ذَلِكَ إلى قوله: {وكثير منهم...} إلخ للمبالغة في الدم([71])، والدلالة على أكثريـَّة الضلال بواسطة مقابلة القلَّة في قوله: {فمنهم مهتد} كما مَرَّ.

 

{ثم قفَّينا على آثارهم} أي آثار إبراهيم ونوح ومن بعد نوح كهود وصالح ومن مع إبراهيم ولو لوط[كذا!]، وَذَلِكَ أنَّ التقفية والآثار يدلاَّن عَلَى تقدُّم من يتقدَّم، والتقفية بالرسل تناسب أن يكون المقفَّى رسل آخرون متقدِّمون، {ثمَّ أرسلنا رسلنا تترى}. وذكر نوح وإبراهيم يَدُلُّ عَلَى أنَّ المقفَّى من بينهما أو مع إبراهيم معهما فسهل ردُّ الضمير إلى مذكور وغيره، وأيضا قوله: {وجعلنا في ذرِّيـَّتهما النبوَّة} يَدُلُّ عَلَى الرسل؛ ويجوز عود الضمير لنوح وإبراهيم وقومهما وإرسالهما يَدُلُّ عَلَى الرسل، وعوده إلى الذرِّيـَّة ولو كانت الرسل المقفَّى بهم من الذرِّيـَّة، لأَنَّ المعنى: قفَّينا عَلَى آثار الذرِّيـَّة الذين هم غير رسل برسلنا الذين هم من الذرِّيـَّة، ولو كان فيه صعوبة حـتَّى منعه بعض. ومعنى «قفَّينا» أتبَعنا، ففي قوله: {على آثارهم} توكيد له لأَنَّ المقفوَّ أبدا هو عَلَى الأثر، أي بعد الشيء، ولا يكون المـُرَاد بالآثار الوصل بلا فصل، كمن أتي بعد سابقه قبل أن تمحى آثاره في الأَرض، لأَنَّ هَذَا خلاف الواقع لطول الفصل بين بعض الرسل، بل هو الغالب إذا رجعنا([72]) الهاء إلى الرسل وَهُوَ الأقوى لـما مَرَّ، ولأنَّ الذرِّيـَّة لم تنقطع فكيف يقال: على آثارها، إِلاَّ على تأويل: آثار بعضها، والبعض الآخر هم الاثون([73])، ويجوز أن يكون معنى «آثارهم» على طرقهم في التوحيد ومكارم الأخلاق وما لم ينسخ من الواجبات والمحرَّمات والمكروهات والمستحبـَّات والمباحات، والضمير للرسل، فلا تأكيد في قوله: {على آثارهم}؛ وقد يقال: المـُرَاد الوصل بين الرسل، ووصل كُلِّ شيء بحسبه، وإذا انقضى أجل الرسالة [198] إلى أُمـَّة رسول جاء رسول آخر، فكأنـَّه وصل رسول بآخر، ففيه التوكيد.

 

{برسلنا} الياء([74]) صلة في المفعول به، عَلَى أنَّ التشديد في «قفـَّينا» للتعدية، وإن قلنا: هو عَلَى طريق المبالغة فالباء معاقبة لهمزة التعدية، أي أقفينا رسلنا، كـ«ذهبت بالشيء، وأذهبته»، وكذا في قوله:

 

{وقفينا بعيسى ابن مريم} تخصيص بعد تعميم، ليذكره بالإنجيل، وبجعل الرأفة في قلوب متَّبعيه وما بعد ذَلِكَ، لا لكونه أفضل ممـَّن قبله فإنـَّه لا شكَّ أنَّ إبراهيم وموسى أفضل منه، وَذَلِكَ عَلَى أَنـَّهُ من جملة من قفَّى به على آثارهم، وكذا عَلَى أنَّ المـُرَاد: وقفَّينا عَلَى آثار الرسل بعيسى، وأنَّ المـُرَاد بالرسل في قوله: {برسلنا} غير عيسى، إذ لو ترك ذكره لسمله([75]) لفظ الرسل.

 

{وآتيناه الإنجيل} إفعيل بكسر الهمزة، وَهُوَ لفظ ووزن عربيـَّان، من قولك: نجلت الشيء واستخرجته، والإنجيل تستخرج منه الأحكام، أو من النجل بمعنى الوسع فإنـَّه واسع، والتوراة مِن «وري الزند» إذا أخرج ناره، وقد تكلَّمت عليهما في حاشية السؤالات حيث تكلَّم صاحب السؤالات. وقرأ الحسن البصريُّ بفتح الهمزة بوزن «أفعيل» بفتحها ولا نظير له في العربـيَّة، فهو إمـَّا شاذٌّ في العربـيَّة، كما قال في البرطيل ــ بكسر الباء ــ بَرطيل ــ بفتحها ــ وإمـَّا أَنـَّهُ ظنـَّه عجميـًّا فحرَّف وزنه تنبيهًا عَلَى أَنـَّهُ أعجميٌّ، وصرَّح بعض بأنـَّه أعجميٌّ لا يلزم فيه مراعاة أوزان العرب.

 

{وجعلنا في قلوب الذين اتـَّبعوه رأفة([76]) ورحمة ورهبانيـَّة ابتدعوها} الرأفة أشدُّ [من] الرحمة، فعطفُ الرحمة عليه عطف عامٍّ على خاصٍّ، وقيل: مترادفان، فالعطف للتوكيد على جوازه بالواو في التوكيد كما قبل في قوله عَزَّ وَعَلاَ: {إنـَّما أشكو بثـِّي}([77])، والرهبة الخوف، والرَّهبان ــ بفتح الراء ــ الخائف، وبالضمِّ جمع، والرَّهبانيـَّة بالفتح نسب إلى الرُّهبان بالضمِّ بأن نسب إلى المفرد، لأَنَّ النسبة إلى الجمع تعمل بالنسب إلى المفرد، أو هو من أوَّل الأمر نسب إلى المفرد المـُرَاد به الجنس، فيرجع بالنسب إلى الكون بالمعنى المصدريِّ، أي وكونهم راهبين، أو كونهم رهبانًا بالضمِّ،

 

 أو بمعنى المصدر، أي ورهبة عظيمة، لأَنَّ الرهبان ــ بالفتح ــ مبالغة، كقولك أعجبتني ضاربيـَّة زيد، أي: كونه ضاربًا، أو ضربه. و«ابتدعوها» نعت «رهبانيـَّة»؛ و«رهبانيـَّة» [199] معطوف على «رأفة»، فالرهبانيـَّة مِمـَّا جعله الله وخلقه، وليس وصفها بأنـَّهم ابتدعوها منافيا لأن تكون مخلوقة لله ومجعولة له، فإنَّ ذَلِكَ الابتداع مِمـَّا جعله الله وخلقه، فإنـَّه لا شيء من الحوادث إِلاَّ مخلوق لله، بل ابتداع الرهبانيـَّة هو نفس إيقاع الرهبانيـَّة، فهو نفسها، إِلاَّ أَنـَّهُ زاد بأنـَّه أوَّل، فالرهبانيـَّة وابتداعها فِعلان للمخلوق وكسبان له، ومخلوقان لله، ولا يكون فعل من فاعلين، وَذَلِكَ هو قولنا: الفعل كسب للعبد خلق لله عزَّ وجلَّ، ثُمَّ إنـَّه ليست الأشياء كلُّها سواء، فقد يكون الشيء أو مبدأه اضطراريـًّا كالرأفة والخوف يطبع الله العبد عَلَى رقـَّة العبد والخوف، كما هو المتبادر من الآيـَة

 

 وأمـَّا الرهبانيـَّة فلا طبع فيها لأَنَّ الآيـَة نصَّت بأنـَّها مبتدعة، وهي تحمُّل الكلفة الزائدة من الخلوة واللباس والخشن والطعام الرديء ونحو ذَلِكَ عَلَى ما وجب من العبادة؛ وزعم بعض المعتزلة أَنـَّهُ تَعَالىَ لطف بهم حـتَّى قويت دواعيهم إلى الرهبانيـَّة، فهم الخالقون لأفعالهم، وفبه أَنـَّهُ لا رجحان حال الاستواء، ولا حال المرجوحيـَّة من باب أولى، وإلاَّ اجتمع النقيضان، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح إذ لا خروج عن طرفي النقيض، وأبو عليٍّ لمــَّا رأى جعل الله الشيء منافيا لابتداع غير الله إيـَّاه لم يعطف «رهبانيـَّة» بل نصبه بمحذوف عَلَى الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانيـَّة ابتدعوها، وقد مَرَّ الجواب، فإنـَّه لا مانع من كون الشيء مخلوقا لله مكتسبا للمخلوق، ومن الكسب الابتداع. وقرئ: «رءَافة» بهمزة بعدها ألف، وقرئ: «رُهبانيـَّة» بضمِّ الراء نسبا إلى الجمع بلفظه، وهو قليل.

 

 {ما كتبناها عليهم} نعت ثانٍ لـ«رهبانيـَّة»، أو حال منه، أو من هاء في «ابتدعوها»، والنفي متوجِّه إلى القيد، وَهُوَ ابتغاء، والاستثناء متـَّصل مفرغ، أي ما كتبناها عليهم بأن وقفناهم([78]) لابتداعها لشيء من الأشياء.

 

{إِلاَّ ابتغاء رضوان الله}: ولم يقصدوا دفع العقاب لأنـَّها غير واجبة، وقد جاز أن يبقوا مع الفسَّاق عَلَى كتم إيمانهم ما داموا يصلون إليه، أي إِلاَّ دعاء رضوان الله، أي إِلاَّ طلب رضوان الله، فالابتغاء من الله، أي ابتغى منهم تحصيل رضوانه، فيقدَّر مضاف كما رأيت، أي: إِلاَّ ابتغاء الله تحصيل رضوانه، [200] والتحصيل فعل لهم، أو يقدَّر مضاف قبلُ، أي إِلاَّ تحصيل ابتغاء رضوان الله، فالتحصيل من الله عَلَى هَذَا والابتغاء منهم، وإنـَّما قلت بِذَلِكَ ليتـَّحد فاعل عامل المفعول من أجله وفاعل المفعول من أجله، والتحصيل الذي من الله مشروط فيه أن يسعوا فيه، أي إِلاَّ تحصيل ابتغاء رضوان الله إن سعوا فيه بنصح، وَذَلِكَ أنَّ «ابتغاء» مفعول من أجله، ومن لم يشترط اتـِّحاد الفاعل جعله مفعولا من أجله بلا تقدير، فإنَّ فاعل الكتابة الله، لَكِنـَّهَا منفية، وفاعل الابتغاء على هَذَا هم الرهبان، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة، والنفي متوجِّه إلى أصل الفعل، وهو «كتبنا» لا إلى قيده، والإستثناء منقطعا،

 

 أي ما فرضناها عليهم لكن ابتغاءهم رضوان الله دعاهم إلى ابتداعها. وعن ابن عبـَّاس أنَّ الملوك غيـَّروا التوراة والإنجيل في أيـَّام الفترة بين عيسى ومحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عليهما([79])، وفساح قوم في الأَرض، ولبسوا الصوف. وروى ابن مسعود أَنـَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «يا ابن مسعود أَمَا علمت أنَّ بني إسرائيل تفرَّقوا سبعين فرقة كلُّها في النار إلاَّ ثلاث فرق: فرقة آمنت بعيسى عَلَيهِ السَّلاَمُ، وقاتلوا أعداء الله في نصرته حـتَّى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفرقة  لم يكن لها طاقة بالأمر فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وَذَلِكَ قوله تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتـَّبعوه...} الآيـَة». فليس قوله «ابتدعوها» ذمـًّا بل مدح بأن أحدثوا عبادة لاتلزمهم، ألا ترى إلى قوله : {ما كتبناها عليهم}، وقوله: {إلاَّ ابتغاء رضوان الله}، وإلى قوله:

 

{فما رعوها حقَّ رعايتها}: فإنـَّه مدح على تقدير رعايتها لو رعوها، ولو كان ذمـًّا من حيث أَنـَّهَا عهد مع الله، والعهد لا يحلُّ نكثة، ولا سيما إذا قصد به رضوان الله ومن حقِّ ما هو كذلك أن يحسنوا عمله ويوفوا به كلُّهم، وما أوفوا به كلُّهم بل بعضهم فقط، كما قال:

 

{فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون(27)}: المعنى الذين آمنوا إيمانًا حقيقًا بالبقاء عَلَى عهد عيسى عَلَيهِ السَّلاَمُ إلى أن ماتوا قبل بعث محمَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو إلى أن بعثه وآمن به واتـَّبعه، أو إلى أن بعث ولم يعلم ببعثه إِلاَّ أَنـَّهُ من بقي عَلَى العهد وأدركه بعث رسول الله [201] صلَّى الله عليه وسلَّم له أجران وأكثرهم فاسقون، خارجون عن الوفاء بعهد عيسى بالزنى أو بالسرقة أو الربا أو الرشوة أو الرياء والسمعة أو الأكل بالدين، أو بقول عيسى إله ومريم إله، ونحو ذَلِكَ من كبائر النفاق وكبائر الشرك، أو بإدراك بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والعلم بدعواه الرساله وعدم الإيمان بأنـَّه بعث إليه وإلى غيره فإنَّ البقاء عَلَى تحريم الأحد أو تحريم السبت وتحريم الشحوم ونحو  ذَلِكَ مِمـَّا نسخ من التوراة والإنجيل بالقرآن إشراك، فكيف يستتبع الأجر.

 

 وتنكير «كثير» للتكثير، فهو كثرة من التنكير عَلَى كثرة من المادَّة فالفسَّاق أكثر، والتعريف في «الذين آمنوا» للعهد من قوله: {فمنهم مهتدٍ}، وقد مَرَّ أنَّ التنكير والإفراد فيه للتقليل، أو التعريف للتقليل، لأَنَّ المعروفين بأعيانهم من قوم ما لا بُدَّ أن يكونوا قليلا بالنسبة، فإنَّ التعريف واسطة للتقليل، وما فسَّرت به الآية أعمُّ وأنسب للمقام، وقيل: الذين آمنوا هم من أدرك بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واتـَّبعوه، والذين لم يرعوها حقَّ رعايتها هم الذين لم يؤمنوا به وهم الفاسقون، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من آمن بي وصدَّقني واتـَّبعني فقد رعاها حقَّ رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون»، وليس الحديث حصرًا فإنَّ من مات وافيـًّا عَلَى عهد عيسى قبل بعث رسول الله صلَّى الله عليهما وسلَّم،

 

 أو بعد بعثه ولم يبلغه دعوى الرسالة ناجون أيضا؛ وقيل: الذين آمنوا هم من مات عَلَى عهد عيسى من صحبه، والذين لم يرعوها حقَّ رعايتها هم الفاسقون، هم الذين جاؤوا بعدهم واقتدوا بهم في اللسان لا في العمل، وقال عطاء: «الذين آمنوا هم الراعون لها، والفاسقون هم الذين لم يرعوها وأظهروا الفسق وتركوا رعيها ظاهرًا وباطنا»، وفيه أَنـَّهُ بقي عليه من يدَّعيها، وفسق بالجارحة أو أظهرها وأضمر خلافها، وقيل: المعنى اتـَّبعوها ففرضناها عليهم ليبتغوا بها رضوان الله ، ففعلوها لغير رضوانه، بل للرياء والسمعة ولجلب المال المحرَّمة، فإنـَّهم [202] لمــَّا انفردوا في الصوامع ــ بعد عيسى عَلَيهِ السَّلاَمُ ــ والجبال والكهوف احترمهم الناس فكانوا يعطونهم الأموال والهدايا ويتبرَّكون بهم فقبلوا أو لم يقبلوا وهم عَلَى الهدى فجاء في زمانهم وبعدهم من يقصد بها ما ذكر من المال والجاه والرياء والسمعة فهم عَلَى باطل.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا} بالرسل المتقدِّمين، وهم مؤمنوا أهل الكِتَاب،

 

{اتـَّقوا الله} في ما نهاكم عنه،

 

{وآمنوا برسوله} محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي انصراف لفظ الرسول إليه صلَّى الله عليه وسلَّم عند الإطلاق إيذان بأنـَّه العلَم الفرد في فنِّ الرسالة، وأنَّ غيره من الرسل دونه، وهذا ولو كان بقرينة أَنـَّهُ الباقي من الرسل، وَأَنـَّهُ الذي لم يؤمنوا به فأمرهم بالإيمان به، وأنَّ القرآن والزمان الحاضر في شأنه، لكن لو قال: آمنوا بمحمَّد لكفى، فاختار له لفظ الرسول تنويها له، وإشعارًا بأنـَّه رسول الله عزَّ وجلَّ، آمنتم برسالته أو أنكرتموها.

 

{يؤتكم كفلين} نصيبين، وَذَلِكَ لغة هذيل من العرب، لا كما قيل: لغة الحبشة؛ وقيل: أصل الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حـتَّى يتمكَّن من القعود عَلَى البعير.

 

{من رحمته} في الآخرة نصيب بالإيمان بعيسى، ونصيب بالإيمان بمحمد صلَّى الله عليهما وسلَّم، وبسائر الأنبياء عَلَيهِم السَّلاَمُ، فيكون من آمن بسيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وبغيره من الأنبياء من أهل الكِتَاب، وعملا بالإنجيل والتوراة ثمَّ بالقرآن واعتقد نسخ ما نسخ به أفضل ممـَّن لم يكن من أهل الكِتَاب فآمن بسيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد يقال: الأمر كذلك، لأَنَّ زيادة الأجر لزيادة عمله لا لفضل الأنبياء السابقين وكتبهم عَلَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكتابه، ولا مانع من ذَلِكَ لأَنَّ هَذَا الكِتَابيَّ العامل بالتوراة والإنجيل ثمَّ بالقرآن قد صار من هذه الأمـَّة إيمانًا وعملا وزمانا، وإنـَّما الذين تفضل عليهم هذه الأمـَّة هم المؤمنون من سائر الأمم العاملون المتوفُّون قبل البعثة أو توفُّوا بعدها ولم تبلغهم الحجَّة، فإنَّ إيمان هؤلاء بمن تقدَّم من الرسل وعملهم لا ينقص ثواب إيمانهم برسول الله [203] وعملهم بكتابه، بل يزيدهم، ولهم خصائص هذه الأمـَّة كلِّها

 

وإنـَّما الذي يجوز أن يقال هو أنَّ أجر إيمانه برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والعمل بكتابه ولو قلَّ أعظم بأضعاف كثيرة من أجر إيمانه بسائر الرسل والعمل بكتبهم، وعن ابن عبـَّاس: «نزلت الآيـَة في قوم من أهل اليمن جاءا([80]) فأسلموا فجعل الله لهم أجرين». وري أنَّ أهل الكِتَاب افتخروا بهذه الآيـَة، وبقوله تَعَالىَ: {أولئك يؤتون أجرهم مرَّتين} على المسلمين، وأجيب بأنَّ الأمر بالتقوى والإيمان لغير أهل الكِتَاب، أي...([81])

 

عَلَى الإيمان برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يؤتكم كفلين مثل ما وعد أهل الكِتَاب الذين آمنوا به من الكفلين في قوله: {يؤتون أجرهم مرَّتين} أقولكم[كذا]: لا بفرق بين أحد من رسله، وأجيب أيضا بأنَّ نصيب المسلم ولو كان واحدًا أكثر من نصيبين لمن آمن من أهل الكِتَاب برسوله واتـَّبعه، وقد عمله قبل ذَلِكَ بالتوراة والإنجيل، فالمال الواحد إذا قسم نصفين كان الكفل واحد نصف، وإذا قسم بالمائة كان الكفل جزءًا من مائة، و النصف من المائة أكثر من جزء منها، وفيه نظر لأَنَّ [كذا] نقص بلا موجب بل الجواب ما مَرَّ من أنَّ أجر الإيمان والعمل برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكتابه أضعاف الإيمان والعمل بسائر الرسل وكتبهم، وتسليم فضل الكتابيِّ لأَنـَّهُ من هذه الأمـَّة إذ أسلم وأتبع زيادة عَلَى ما تقدَّم له ففضله لكونه من هذه الأمـَّة، ولعلَّه لا لفضل غيره صلَّى الله عليه وسلَّم عليه أو كتابه غيره [كذا] عَلَى كتابه

 

بل الأمر بالعكس فمن عبد الله عشر سنين بالقرآن والسنـَّة أعظم ممـَّن عبده عشرًا: خمسًا بالتوراة والإنجيل حيث يقدَّر: وخمسًا بالقرآن والسنـَّة، لأَنَّ الثواب عليهنَّ أضعاف الثواب على  غيرهما.

 

{ويجعل لكم نورا تمشون به} يوم القيامة، وتكونون ممـَّن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم فلا تهلكون فيمن هلك.

 

{ويغفر لكم}([82]) ذنوبكم كلَّها: الشرك وما دونه.

{والله غفور} لذنوب التائبين لا يعجزه ذنب،

 

{رحيم(28)} [204] لهم بالجنـَّة؛ والجملة تقرير كالحجـَّة للوعد بإيتاء الكفلين، وجعل النور والغفران، كيف يعجزه ذَلِكَ وَهُوَ ذو المبالغة في الغفران والرحمة لِكُلِّ أحد إِلاَّ من هرب، واي [كذا]، ومعنى المبالغة إذا أسندناها إلى الله الإكثار من شيء أو تأكيده أو تعظيمه.

 

{لئلاَّ يعلم أهل الكتاب ألاَّ يقْدِرون على شيء من فضل الله} مُتَعلِّق بمحذوف، أي أخبرناكم بِذَلِكَ ليعلم أهل الكتب [كذا] أَنـَّهُم...؛ أو الشأن لا يقدرون عَلَى شيء من فضل الله الدينيِّ والأخرويِّ بمنعه عن غيرهم، إذ كانوا يحصرون النبوَّة والرسالة فيهم، ويخصُّون الجـنَّـة بأنفسهم، وقالوا: {لن يدخل الجـنَّـة إِلاَّ من كان هودًا أو نصارى}، أو لا يقدرون عَلَى شَيء من فضل الله ينالونه مع بقائهم عَلَى الكفر بمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، فأنت خبير بأنَّ «لا» الثانية نافية، وأنَّ الواو لأهل الكتاب، وأنَّ «أن» مخفَّفة اسمها ضمير الشأن عَلَى ما هو المشهور، أو يقدَّر بحسب ما يصلِّي في كُلِّ موضع، وقرئ: «ألاَّ يقدروا»

 

بحذف النون عَلَى أنَّ «أنْ» خفيفة ناصبة لا مخفَّفة، ولو تقدَّم العلم، أو هي مخفَّفة لتقدُّمه فحذف النون تخفيف نصب، وَأَنَّ «لا» الأولى صلة للتأكيد ولا بدع في تأكيد الإثبات بما أصله السلب فإنـَّها تلويح إلى نفي شَيء غير مذكور ولا محذوف مقدَّر، كأنـَّه قيل: ليس الأمر إِلاَّ ما أقول، وَيَدُلُّ لكونها صلة للتأكيد قراءة بعضهم: «ليعلم»، وبعضهم: «لكي يعلم»، وبعضهم:

 

«لأن يعلم» بإدغام النون في الياء، وبإسقاط «لا» في القراءات الثلاث، والمشهورة إثبات «لا» كما قرأ بعض: «لكيلا» بإثباتها، والإتيان بـ«كي» بدل «أن» والياء بين اللام، ولا بُدَّ من همزة أن الناصبة المدغم نونها في لام «لا» لفتحها بعد كسر، وبعضهم يسهِّل الهمزة هذه بين بين، وبه أودي [كذا]، ويناسب هَذَا شكلها بنقطة حمراء. وذكر أبو الفتح عن قطرب أَنـَّهُ روي عن الحسن: «لِـيلاَ» بكسر اللام وإسكان الياء الصريحة سكونا ميـِّتا،

 

 وعدم تشديد لام «لا»، ووجه إبدال همزة «أن» ياء مسكنة تخفيفًا، وحذف نون «أن» تخفيفًا أيضا، وقال أبو الفتح: «حذفت الهمزة وقد أدغمت [205] نون «أن» في لام «لا» فتجتمع ثلاث لامات: لام الجرِّ ولام عن نون «أن»، ولام «لا» النافية، فأبدلت الثانية التي عن نون «أن» ياء لسكونها بعد كسر، وفيه أنَّ اللام لا تستَحقُّ الإبدال ياء إذا سكنت بعد كسر، وما ذكرته أولى لأَنَّ إبدال نون «أن» ياء، أو تسهيلها ياء مشهور، فإبقاء هذه الياء الصريحة أو تصريحها من تسهيل أولى من دعوى أَنـَّهَا عن لام، واللام عن نون،

 

 وروى ابن مجاهد عن الحسن: «لَـيْلاَ» بفتح لام الجرِّ وإسكان الياء وعدم تشديد لام «لا»، وفيه الوجهان، والراجح ما ذكرته، ووجه فتح اللام أنَّ بعض العرب يفتحون لام الجرِّ مع الظاهر المؤوَّل كما هنا، والظاهر الصريح، كما يفتحونها مع الضمير غير الياء، كما أنَّ بعضا يكسرونها مع الضمائر كلِّها كما مع الياء والظاهر، ومِن فتحِها مع المؤوَّل قراءة بعض: «وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال» بفتح اللام ونصب «تزول»؛

 

 وإن قلت: هلاَّ علَّقت اللام بمضمون الجملة الطلبيـَّة المتضمِّنة لمعنى الشرط إذ التقدير: إن تتـَّقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لِـئَلاَّ يعلم الذين لم يسلموا من أهل الكِتَاب، أي ليعلموا، قلت: هَذَا لم يزد شيئا على مجرَّد تعليقه بـ«يؤتكم» المذكور في الآيـَة بلا حاجة إلى اعتبار التضمين المذكور فإنـَّه لم يزد شيئا عَلَى قولنا: مجزوم في جواب الأمر، وإن أراد قائل ذَلِكَ أَنـَّهُ يصير بهذا التضمين التعليق بشيء واحد بلا تقدير آخر صحَّ وكان وجها صحيحًا معتبرًا، وما أراه إِلاَّ مريدًا لهذا، لأَنـَّهُ من المحقِّـقِين، أي يؤتكم كفلين ونورًا وغفرانا، لكن لا مانع من تعليقها بـ«يؤتِ» بدون هَذَا التأويل، ويقدَّر مثلها لـ«يجعل» و«يغفر»، والحذف بدليلٍ أولى من التأويل، ويجوز أن تكون «لا» الأولى نافية كالثانية.

 والضمير في «لا يقدرون» لأهل الكِتَاب أيضًا، أي لينتفى علم أهل الكِتَاب بعدم قدرتهم عَلَى شَيء من فضل الله، فيثبتوا علمهم بالقدرة عَلَى فضل الله، فإنـَّهم قادرون عَلَى فضله بأن يؤمنوا برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو عائد إلى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة على فضل الله فيثبـِّت علمهم بقدرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة على فضل الله بأن ينالوه بإيمانهم [206] وعملهم، لا كما يقول أهل الكِتَاب: إنَّ الحقَّ والجـنَّـة لهم لا لمحمَّد وأصحابه، وهذا معنى غير صحيح مع عطف قوله:

 

 {وأنَّ الفضل بيد الله} عَلَى قوله: {أن لا يقدرون...} إلخ، وإنـَّما يصحُّ تقدير قولك: وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله، وذكر بعض المحقِّـقِين أنَّ تقدير المحذوف أولى من دعوى زيادة المذكور، لأَنَّ الحذف لا يوهم خلاف المقصود، والزيادة توهمه، وليس كذلك، فإنَّ الحذف يوهم أيضا معه ظاهر اللفظ خلاف المقصود، والدليل يمنع الإيهام كقوله تعالى: {وجاء ربـُّك}، ومعلوم أنَّ عدم الحذف وعدم الزيادة أولى من الحذف والزيادة، {وأنَّ الفضل...} إلخ معطوف عَلَى قوله: {أن لا يقدرون} لا عَلَى «يقدرون» فلا يتسلَّط نفي «لا» الثانية عليه، وإنـَّما يصحُّ هَذَا العطف عَلَى جعل «لا» الأولى زائدة فقط، والمصدر سلبيٌّ مفعول لـ«يعلم» كافٍ عن اثنين، أي لِـئَلاَّ يعلم أهل الكِتَاب انتفاء القدرة ويعلموا أنَّ الفضل بيد الله، ومعنى «بيد الله» في ملك الله وقدرته.

 

{يؤتيه من يشاء} وهو من آمن برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واتـَّبعه، ومن عمل بما وجب عليه ولم تدركه البعثة أو أدركته ولم تقم عليه الحجَّة بسماع دعواه، وليس بيد أهل الكتاب يعطونه من يشاءون ويمنعون من يشاءون، وجملة «يؤتيه من يشاء» خبر ثان لـ«أنَّ»، والأولى «بيد الله»، وقد يقال إنـَّهَا امخبر([83])، و«بيد الله» حال لازمة من هاء «يؤتيه»، أو من الفضل بناء عَلَى جواز الحال من المبتدإ مطلقا.

 

{والله ذو الفضل العظيم(29)} تقرير لقوله: {يؤتيه من يشاء} واحتجاج عَلَى أنَّ له المشيئة، وَأَنـَّهُ المختار ولا أحد ينكر فضل الله وعظمه ممـَّن يقرأ. ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم.


 


[1]

- ما بين معقوفين من إضافتنا.

[2]

- في الأصل: «يسبـِّحه». وهو تحريف!.

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جوَّزنا».

[4]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أدلَّة».

[5]

- في الأصل: «السموت». وهي كثيرة الورود، لذلك فنصحِّحها دون أن نشير إلى ذلك.

[6]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سوادًا».

[7]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تأثيرُ».

[8]

- كذا في الأصل، والصواب: «لسعةِ».

[9]

- في المخطوط خرم عند تفسير الآيات: {والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم(3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير(4) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور(5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور(6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما

جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير(7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين(8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم(9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير(10) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم(11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم(12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا...} (الآيات: 3 - 13). ولا ندري عدد الصفحات المفقودة.

[10]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعينك».

[11]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الشعلة».

[12]

- كذا في الأصل، والصواب: «فتغشى».

[13]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الأنسب: «فيطلبها».

[14]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تخيـيــبهم».

[15]

- كذا في الأصل، والصواب: «فجملة».

[16]

- كذا في الأصل، والصواب: «المعذَّب».

[17]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حال».

[18]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بل كنتم مع غيرنا». أو نحو ذلك.

[19]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يقوِّي».

[20]

- كذا في الأصل، والصواب: «والتخصيص».

[21]

- كذا في الأصل، والصواب: «شَكَكْـتم».

[22]

- كذا في الأصل، والصواب: «ظهرت».

[23]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «احتضروا».

[24]

- كلمة غير واضحة، رسمها: «لولي».

[25]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يجئْ».

[26]

- كذا في الأصل، والصواب: «لذكر».

[27]

- كذا في الأصل، والصواب: «التحتـيـَّة».

[28]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وزالت».

[29]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الإنبات».

[30]

- كذا في الأصل، والصواب: «صدقاتهم».

[31]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يضاعِف».

[32]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يُـضَـعِّـف». بدليل ما سيأتي.

[33]

- كذا في الأصل، والصواب: «أحدًا».

[34]

- كذا في الأصل، والصواب: «توحيدًا».

[35]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «يوصف».

[36]

- كذا في الأصل، والصواب: «ثالثٌ».

[37]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الأخيرتين».

[38]

- كذا في الأصل، والصواب: «والذكاء».

[39]

- كذا في الأصل، والصواب: «المطـيـَّة».

[40]

- كذا في الأصل، والصواب: «يذبل».

[41]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولم يقل: ثمَّ يهيج...».

[42]

- كذا في الأصل، والصواب: «ولذَّة».

[43]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «كان».

[44]

- كذا في الأصل، والصواب: «إلاَّ وَلَــهُ».

[45]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يعلم».

[46]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا أجرة».

[47]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولَدْغٍ ولَسْعٍ».

[48]

- في الأصل: «كـتـبا». وَهُوَ تحريف.

[49]

- كذا في الأصل، والصواب: «أمرًا».

[50]

- ما بين معقوفين من إضافتنا، فالمؤلِّف ــ أو الناسخ ــ لم يذكر هذه الآية، وسياق الكلام يدلُّ على أنـَّها هي المقصودة بما يليها من التفسير.

[51]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كَمَا ذَمَّ».

[52]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الفائت»، أو: «الغائب».

[53]

- كذا في الأصل، والصواب: «يحزن».

[54]

- في الأصل: «قوله تعا».

[55]

- كذا في الأصل، والصواب: «ذَمٌّ».

[56]

- كذا في الأصل، والصواب: «استكمالاً».

[57]

- كذا في الأصل، والصواب: «المصايب». بالياء كما ذكر المصنـِّف قبل قليل أَنـَّهُ بالهمز خطأ شائع.

[58]

- كذا في الأصل، والصواب: «الذهنيـَّة».

[59]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أراده».

[60]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف هو على قراءة ورش، وَيَدُلُّ له ما سيأتي من التفسير.

[61]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نعتًا».

[62]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «البَـيِّـنَات».

[63]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والحديد».

[64]

- في الأصل: «ومن». وهو خطأ.

[65]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والنار».

[66]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يجذُّ».

[67]

- كذا في الأصل، والصواب: «تنظَّف».

[68]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للسكنى».

[69]

- كذا في الأصل، والصواب: «ينحتُ».

[70]

- كذا في الأصل، والصواب: «الحديد».

[71]

- كذا في الأصل، والصواب: «الذمِّ».

[72]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أرجعنا».

[73]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الآتون».

[74]

- كذا في الأصل، والصواب: «الباء».

[75]

- كذا في الأصل، والصواب: «لَشَمله».

[76]

- في الأصل: «رفة».

[77]

- في الأصل: «أشكوا بتي» وهو تحريف!!.

[78]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وفَّقناهم».

[79]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «صلَّى الله وسلَّم عليهما».

[80]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جاءوا».

[81]

- كلمة غير مفهومة، لعلَّها: «اثبتوا».

[82]

- في الأصل إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها أيُّ شيء.

[83]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خبر».