إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة المجادلة
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قد سمعَ الله} بإظهار الدال، وَهُوَ الفصيح الراجح، وكان حمزة القارئ يدغمها في السين وكذا في غير هَذَا الموضع، ومعنى: «سمع الله» علم الله، وقيل: وأجاب.

 

{قول التي تجادلك في زوجها}: تراجعك الكلام في شأن زوجها وما صدر منه من الظهار منها، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك بن خزامة الخزرجيـَّة، ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، رآها تُصَلِّي وكانت حسنة الجسم ولمــَّا سلَّمت راودها فأبت وغضب، وكان به لمم وخفَّة ــ أي وسوسة دون الحنون([1]) ــ الذي لا يلزم معه العقد، أو المراد إلمام بالنساء وهو الحرص على الجماع فظاهر منها وندم على ما قال، فقال: «ما أظنـُّك إلاَّ قد حرمت عليَّ»، فشقَّ ذَلِكَ عليها، فأتت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقالت: «إنَّ أوسا تزوَّجني وأنا شابـَّة مرغوب فيَّ، ولمــَّا نثرت له بطني، وكثر ولدي، وخلا سنِّي جعلني كأمـِّه، وإِنَّ لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه جاعوا([2]).

 

 وإن ضممتهم اليَّ جاعوا»، فقال: حرمت عليه» ــ وقيل: قال: «ما أراك إلاَّ حرمت عليه» ــ فقالت: «يا رسول الله ما ذكر طلاقًا، وإنـَّما هو أبو ولدي وأحبُّ الناس إليَّ»، فقال: «حرمت عليه» ــ وفي الرواية: «ما أراك إلاَّ قد حرمت عليه» ــ فقالت: «أشكوا إلى الله فاقتي ووجدي» فقال: «حرمت عليه» ــ وفي الرواية الثانية: «ما أراك إلاَّ قد حرمت عليه» ــ فجعلت تراجعه وتشتكي إلى الله كُلَّ مرَّة تقول [و]ترفع رأسها إلى السماء وتقول: «أشكوا إلى الله» أو: «اللهمَّ» أي أشكوا إليك، وتقول كُلَّ مرَّة: «والله ما ذكر طلاقا» وهو يقول: «حرمت عليه» أو «ما أراك إلاَّ قد حرمت عليه» كلَّما راجعته. وفي رواية: لمــَّا شكت إليه قال لها: «ما عندي في أمرك شَيء» وكلَّما راجعته أجابها بمثل هَذَا.

 

 وَذَلِكَ أنَّ الآيـَة دلَّت على تكرُّر المراجعة والجواب؛ وعلى كُلِّ حال لم تخرج من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حـتَّى تربد [208] وجهه، فنزلت الآيـَة، فبعث إلى زوجها فقال لها: «ما حملكَ على ما فعلت؟» فقال: «الشيطان، فهل من رخصة؟» فقال: «نعم» فتلا عليه الآيات الأربع فقال له: «هل تستطيع العتق؟» فقال: «لا والله».

 

 فقال: «هل تستطيع الصوم؟» فقال: «لا والله، لولا أنـِّي آكل في اليوم مرَّة أو مرتين لَكَلَّ بصري ولظننت أنـِّي أموت» فقال له: «هل تستطيع أن تطعم سِتـِّينَ مسكينا؟» فقال: «لا والله يا رسول الله، إلاَّ أن تعينني منك بصدقة» فأعانه بخمسة عشر صاعا وأخرح أوس من عنده مثله فتصدَّق بِذَلِكَ على سِتـِّينَ مسكينا وَذَلِكَ مائة وعشرون مدًّا، لِكُلِّ مسكين مدَّان فهم سِتـُّونَ مسكينا. والظهار أَشَدُّ طلاق الجاهلـيَّة في التحريم وأوكده، وقرَّره الشرع كما قرَّر الطلاق الذي يوقعونه على نسائهم، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم لها: «ما أراك إلاَّ قد حرمت»، فجاءت الآيـَة ناسخة لتحريمه بتداركه بالكفارة وهي رجعة الظهار. وأمـَّا على رواية أَنـَّهُ قال: «ما عندي في أمرك شَيء» فلا نسخ.

 

 لأنَّ النسخ يأتي على الأمر المتقرِّر شرعا لا على العادة الجاهلـيَّة وإنـَّما هو إبطال للأمر الجاهليِّ، وَعَلَى هَذَا فإنـَّما أبطلت التحريم وأقرت كون الظهار طلاقًا وبَـيَّـنَت  أنـَّه تحلُّها الكفَّارة. و«قد» للتوقُّع، ومعناها التلويح إلى أنَّ مدخولها كان منتظرا وقوعه، وعدُّوا ذَلِكَ من معاني قد، فإنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وخولة كانا يتوقَّعان وينتظران الجواب من الله الرحمن الرحيم في ظهار أوس منها وتفريج كربها؛ وأقول: ليس من معانيها الموضوعة هي لها بل هو من أماكنها التي تستعمل فيها وإنـَّما يَدُلُّ على التوقع الحال التي الكلام في شأنها، كما علمنا من كلام المرأة الانتظار، فالتوقُّع لم تَدُلَّ عليه «قد» بل استعملت فيه، وإنـَّما علم من حال المرأة وأيضًا من حال النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم في رواية أَنـَّهُ قال: «ما عندي في أمرك شَيء». وأفادت هَذَه الواقعة أنَّ من انقطع رجاه([3]) عن الخلق ولم يبق له في مهمَّاته أحد سواء كفال([4]) الله مهمَّاته.

 

{وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما} تراجعكما في الكلام، كُلُّ واحد منكما يرجع الكلام إلى الآخر، يقال حار يحور بمعنى رجع يرجع، وأحاره يحيره بمعنى أرجعه يرجعه [209] والتحاور تفاعل من حاور يحاور، وَذَلِكَ هو أَنـَّهَا تقول له: «أشكوا إلى الله، والله ما ذكر طلاقا» ونحو ذَلِكَ ويقول صلَّى الله عليه وسلَّم: «حرمت عليه» تكرَّر ذَلِكَ منهما، وفي رواية أَنـَّهُ قال: «ما عندي في أمرك شَيء» يقول لها كُلَّ مرَّة: «ما عندي في أمرك شَيء»، وَإن قلت: هل يمكن الجمع بأن يقال قال لها أوَّلاً: «ما عندي شَيء» ثمَّ جاء به الوحي بالتحريم ثمَّ نسخ التحريم بالكفَّارة، قلت لا، إذ لو كان ذَلِكَ لم ترجع لزوجها بالكفارة بعد تحريمها، وإنـَّما تبيح الكفَّارة غيرها بعدها للزوج المظاهر منها أو إيـَّاها مع زوج آخر لو كان بعد الأوَّل، وقد علمت أنَّ «سمع» بمعنى قبل وأجاب.

 

 كقول المصلي: «سمع الله لمن حمده»، ويجوز أن يكون بمعنى علم لكن باعتبار ما تظمَّنه([5]) العلم من الحكم في قولها إذ الحكم فيه والإنزال في شأنه يـبـنيان على العلم به ومسبَّبان له. وأمـَّا «يسمع» هنا فمعناه يعلم، وهو دالٌّ على التجدُّد بمعنى تجدُّد متعلَّقه وهو تحاورهما، وإلاَّ فعلم الله واحد، وخاطبها الله تغليبا ومقتظى([6]) الظاهر: والله يعلم تحاورك معها أو تحاورك وإيـَّاها، ففي حصَّتها من الخطاب لفت الكلام من الغيبة إلى الخطاب، لأنَّ قوله: «التي تجادل» غيبة لا خطاب وَذَلِكَ تشريف لها من جهة جمعها معه صلَّى الله عليه وسلَّم في ضمير واحد ومن جهة الخطاب.

 

{إنَّ الله سميع بصير(1)}([7]) مبالغ في علم المسموعات وفي علم كُلِّ شَيء، فقولها ‏وشكواها ورفع رأسها إلى السماء في شكواها وسائر أحوالها في ذَلِكَ، وتحاوركما من جملة معلوماته. فهذه الجملة برهان وتقرير لقوله: {قد سمع الله}، وقوله: {والله يسمع تحاوركما}([8])، أو تقليل جمليٌّ كأنـَّه قيل: لأَنَّ الله سميع عليم[كذا]، وهذا التعليل أيضًا برهان وتقرير، وتعليل الحكم بوصف الألوهية، ومقتضى الظاهر: وهو يسمع تحاوركما إنـَّه سميع عليم، ووضع الظاهر موضع المضمر في الموضعين لتقوية الرجاء والطمع في جعل المخرج لها لا لتربية المهابة، لأَنَّ المقام منها ومنه صلَّى الله عليه وسلَّم مقام تضرُّع وطمع، فإنـَّما يناسب ذكر لفظ الجلالة من حيث أنَّ من معناه كمال القدرة والجود لا من حيث [210] أنـَّه عظيم شديد البطش، وقد قال الله عَزَّ وَعَلاَ في حقِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: {عزيز عليه ما عنتـُّم}، وقال: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}. وكلٌّ من قوله: {قد سمع الله} وقوله: {والله يسمع تحاوركما} كاف في المـُرَاد ومستقلٌّ، ومع ذَلِكَ أكَّدهما بقوله: {إنَّ الله سميع بصير}([9]).

 

{الذين يظَّـهَّرون منكم}([10]) حال من الواو. و«مِن» للتبعيض، وأمـَّا في قوله:

 

{من نسائهم} فهي للابتداء أو للمجاورة مُتَعلِّق بـ«يظَّـهَّرون»، والخطاب في «منكم» للعرب تهجين لعادتهم الجاهلـيَّة، لأَنَّ  الظهار مختصٌّ بجاهليـَّتهم، وسائر الأمم لا تنطق به، فهو مذموم بعد الإسلام. والنساء الأزواج، فالآية شاملة للأزواج الحرائر والأزواجِ الإماء، فمن ظاهر من زوجه الأمـة فحكمه حكم من ظاهر من زوجه الحرَّة عندنا وعند مالك والأوزاع([11])، وإنـَّما تخرج عن ذَلِكَ السريـَّة فلا ظهار منها. ومن ظاهر من سريـَّته فقيل: حرمت عليه لا يمسُّها، وقيل: تلزمه كَـفَّارَة يمين فقط، وله مسُّها قبل التكفير، وله التكفير متى شاء ولو بعد أربعة أشهر وَهُوَ الصحيح، وَعَلَى القولين لا تخرج عن ملكه فلو شاء باعها أو وهبها أو فعل ما شاء، واحتجَّ أبو حنيفة والشافعيُّ عَلَى أَنـَّهُ لا ظهار من الزوج الأمـة بقوله: {من نسائهم} لقوله تَعَالىَ: {أو نسائهنَّ} فإنـَّهنَّ الحرائر، بدليل عطف الإماء عليهنَّ بقوله تَعَالىَ: {أو ما ملكت أيمانهنَّ}، والأصل في العطف التغاير، وفيه أنَّ النساء في قوله: {أو نسائهنَّ}([12]) معناه النساء المسلمات احترا([13]) .

 

عن النساء المشركات فلا تبدى لهنَّ الزينة، لأنـَّهنَّ كالرجل، وكالواصفات النساء للرجال، وكالزواني، فذكر الإماء بعدهنَّ بأن تبدي لهنَّ مطلقا ولو مشركات، أو يخالطن الرجال؛ وأنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ أدخل الإماء في «نسائكم» من قوله: {وأمـَّهات نسائكم}، فإنَّ أمَّ الزوج الأمـة حرام عَلَى زوجها كما تحرم عليه أمُّ زوجه الحرَّة، وكذا أمُّ السريـَّة حرام عَلَى سَـيِّد السريـَّة. ثمَّ إنَّ الظهار مأخوذ من الظهر ضِدَّ البطن، وكانوا يقولون لأزواجهم: «أنت عليَّ كظهر أمـِّي» لمــَّا كانت الدَّابـَّة يركب ظهرها والمرأة تركب من بطنها سمِّي ركوب بطنها للجماع بركوب [211] الظهر، وأيضا توطأ من ظهرها في القبل؛ أو مأخوذ من الظهر بمعنى العلوِّ والملك، والرجل يعلو بطن المرأة ويملك فرجها وجسدها، قال الله جَلَّ جَلاَلُهُ: {فما استطاعوا أن يظهروه} أي يغلوه([14])؛ وَسمُـِّيَ المركوب ظهرًا لأَنَّ الراكب يعلوه، وتقول العرب: نزل عنها أي طلَّقها، ولو أمكن ردُّ ذَلِكَ إلى الظهر ضِدَّ البطن، وألحق العلماء بما لظهر([15]) سائر الأعضاء، وبالأمِّ سائر من يحرم أبدا، وَذَلِكَ مذهبنا كالأخوات والعمَّات ونساء النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، ومزنية المظاهر وأمـِّه من الرضاع وسائر محارمه من الرضاع، وزوج أبيه وابنه والرجال والدوابِّ وجميع ما يحرم وطؤه ولو جمادًا.

 

 فلا ظهار بالكتابيـَّات ولو محاربات، لإمكان إسلامهنَّ أو ذمـَّتهنَّ، ولا بفلانة مشركة لإمكان إسلامها، ولا بزوج فلان لإمكان طلاقها، ولا بمن لا تجامع زوجه، ولا بمطلَّقة ثلاثا، لأنـَّها تحِلُّ بنكاح زوج آخر، وَصَحَّ الظهار بالمشركات هكذا، وبذوات الأزواج هكذا. ومعنى «أنت كظهر أمـِّي عليَّ»: ركوبي عليك للجماع أو ملكي إيـَّاك، وعلوِّي عليك كركوب أمـِّي وملكيها وعلوِّها، وإن ذكَر الأمَّ أو المحرمة أو جزء إحداهما ولم يذكر الطهر([16]) فقيل: ظهار، وقيل: لا، وقال الشافعيُّ في الجديد: العضو الذي لا إكرام به كالرِّجل واليد والبطن أَنـَّهُ يكون الظهار به كما يكون بالعضو الذي يكرم به كالعين والوجه، والجزء الذي يكرم به كالروح؛ وفي القديم: لا ظهار بالتي لا إكرام بها، إِلاَّ أَنـَّهُ إن قال في عضو الكرامة أو جزئها: أردت الكرامة دين[كذا]، وإن قال: أردت الظهار فظهار، وإن يرد فتردَّدَ، قلت: يحكم عليه بالظهار، ومذهب أبي حنيفة أَنـَّهُ إذا ذكر عضوًا لا يحل له النظر إليه فظهار كفرج أمـِّه.

 

 وبطنها أسفل السرَّة وفخذها، أو عضوًا يحلُّ النظر إليه فلا ظهار، وظهر لي الآن أَنـَّهُ إن قال: زوجه عليه كدبرها فظهارٌ، وكذا إن قال هي عليه كفيها في قول من قال: إنَّ النكاح في الدبر محرِّم للزوجة وفي فمها كذلك، أو إن أطلق النطفة فيه [212]، والنكاح في الدبر حرام بالإجماع، وزعم الشافعيُّ في القديم أَنـَّهُ لا ظهار بغير الأمِّ، ولا بمحرمات الرضاع، وقال في الجديد بالظهار فيهنَّ وفي غير الأمِّ كالأمِّ، وَإن لم يقل: عليَّ ولا منـِّي، بل قال: أنت كأمـِّي أو كأختي أو نحو ذَلِكَ، فقيل ظهار يحكم به، وقيل: لا، إذ كان محتملا أن يكون كظهر أمـِّه مثلا في حقِّ غيره. والظهار في الآيـَة من الرجل فلو ظاهرت المرأة من زوجها فَذَلِكَ يمين حنث تلزم به كَـفَّارَة يمين، وإن علّق فحتـَّى يحنث، ولا مدَّة لها في ذَلِكَ، ويمسـُّها زوجها، ولو قبل التكفير، كذا أقول، وبه قال الأوزاعي، وَذَلِكَ أن تقول لزوجها: «أنت عليَّ كظهر أمـِّي»، قيل: وَذَلِكَ خطأ، لأَنَّ الأصل في الظهار الزوج، ولا كَـفَّارَة يمين عليه، قلت: بل ذَلِكَ عقد يمين عليها، وعدم تحريم الرجل، فَذَلِكَ منها لا يبطله، وإن جعل الظهار بيدها فظاهرت كان ظهارًا، كما لو جعل بيدها في وقت أو معلَّقا لأمر.

 

 وإن قال: «أنت عليَّ كظهر أمـِّي اليوم»، فكما لم يذكر اليوم عندنا وعند مالك وابن أبي ليلى؛ وقيل: يبطل الظهار بمضيِّ اليوم، وبه قال الشافعيُّ وأبو حنيفة، ووجهه أنَّ التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلاَّ لم ينحلَّ بالتكفير، ولمــَّا قبِل التوقيت وجب تقدره([17]) بحسب التوقيت قياسا عَلَى اليمين، وفيه أنَّ إيقاع الظهار موجب لحكمه، والخطاب في قوله: {منكم} للناس مطلقا، وإن قلنا: للمؤمنين فالكفَّار مثلهم لأنـَّهم مخاطبون بالشريعة كلِّها أصلها وفرعها، وَهُوَ صحيح، فظهار الذمـِّيِّ وسائر المشركين، {فإن جاؤوك فاحكم بينهم}، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وأيضًا عقد المشرك يصحُّ كبيعه وشرائه وسائر تصرُّفاته فصحَّ ظهاره، وأيضا هو عَقَد لنفسه النكاحَ فصحَّ حلُّه بالظهار، وأيضا طلاقه صحيح فليصحَّ ظهاره، ومن صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، وَذَلِكَ قولنا والشافعي، ومـمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ كَـفَّارَة الظهار زجر عنه إذ هو منكر وزور فليثبت عَلَى المشرك زجرًا أيضًا، وأيضا الخطاب ولو خصَّ بالمؤمنين لكن عمَّ غيرهم بقوله [213] تَعَالىَ: {والذين يظَّهَّرون منكم من نسائهم}، وفيه أَنـَّهُ قد يقال: هَذَا للعهد المتقدِّم بقوله: {الذين يظَّهَّرون منكم}؛ وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ ظهار المشرك، واحتجَّ بقوله: {منكم} وَهُوَ خطاب للمؤمنين، ومرَّ الجواب بأنـَّه خطاب للناس كلِّهم، وإن كان للمؤمنين فالكفرة مخاطبون بفروع الشريعة أيضا.

 

 وَاحتَجَّ أيضًا بأنَّ من لوازم الظهار الصحيح وجوب الصوم إن عجز عن الإعتاق والمشرك لا يصحُّ له صوم إذ لا تنعقد له عبادة مع الكفر، وإن أسلم بعد الظهار فالإسلام جبٌ لمـا قبله، فلا يلحقه الصوم بعد الإسلام، فليس ممـَّن ينعقد ظهاره، الجواب ــ قيل ــ أنَّ الصوم بدل العتق فهو أضعف منه، والعبد عاجز عن العتق مع أَنـَّهُ يصحُّ ظهاره، فإذا كان فوت الكفَّارة القويـَّة لا تمنع صحَّة الظهار وهي العتق ففوت الضعيفة وهي الصوم أولى بأن لا تمنع صحَّة الظهار. وفيه أنَّ ظهار العبد لا يصحُّ إِلاَّ إن أجازه سَـيِّده قبل وقوعه أو بعده، لكن إن أجازه لم تلزمه الكفَّارة فتفوته إن لم يكفِّر، والجواب أيضا أَنـَّهُ مأمور في حينه بالإسلام والصوم جميعًا وبتقديم الإسلام، وإن أسلم فالإسلام يجبُّ الذنوب لا العقود، فعقد الظهار باقٍ كسائر عقوده فليحلَّه بالكفَّارة، وأيضا عجز بكفره عن الصوم فليطعم، وأيضا نقول: إن أردت الخلاص فأسلم وصم، وأيضا التكليف بالتكفير خاصٌّ، وحديث: «الإسلام جبٌّ...» عامٌّ فيعمل بالخاصِّ، بل لا يكلَّف الصوم، وإنـَّما يقال: إن أردت الخلاص فصم، وإلاَّ فلا، واعترض عَلَى أبي حنيفة بأنَّ اختصاص المؤمنين بالخطاب في قوله: {منكم} عَلَى تسليمه لا يَدُلُّ عَلَى أنَّ حكم غيرهم غير حكمهم، وفي هَذَا الاعتراظ([18]) نظر.

 

 لأَنـَّهُ يقول: إنَّ قوله: {منكم} قيد بالقيد([19]) يخصُّ، وما قيل عَلَى تسليم أَنـَّهُ قيد من أنَّ دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق منظور فيه بأنَّ الخصم وَهُوَ أبو حنيفة لا يسلِّم [أنَّ] هنالك منطوقا وَهُوَ قوله: {الذين يظَّهَّرون} لأَنـَّهُ مقرون بقيد هو «منكم» فلا منطوق، وإنـَّما المنطوق أن يقال في آيـَة أخرى ظهار المشرك صحيح، وقد يقال: المنطوق هو قوله: {والذين يظَّهَّرون من نسائهم} إذ هو عامٌّ منطوق شامل لغير المؤمنين، وفيه أَنـَّهُ قد يقال: هو «الذين يظَّهَّرون منكم» [214] فهو للعهد جاء بلفظ الغيبة، نعم إذا رجع لِلأَوَّلِ كان فيه عموم الأوَّل بخطاب الناس كلِّهم، وبأنَّ المشرك مخاطب بالفرع، بل إذا سلَّمنا أنَّ الخطاب للمؤمنين، وأنَّ قوله: {والذين يظَّهَّرون من نسائهم} أعمُّ لزمت الحجَّة أبا حنيفة، لأَنَّ من مذهبه أنَّ العامَّ بعد الخاصِّ ناسخ له، وقوله: {والذين يظَّهَّرون} عامٌّ متأخِّرًا ذكرًا ونزولا، ومن ادَّعى تقدُّمه نزولا فعليه البـيـِّـنة و لا يجدها، بل «الذين يظَّهَّرون منكم...» إلخ لم يـبـيَّن فيه حكم الظهار فهو أولى بالتقديم عَمـَّا بيـِّن فيه حكمه.

 

 لأَنَّ مبيـَّن الحكم أولى بالتأخير من المجمل. و«يظَّهَّرون» بفتح الياء وشدِّ الظاء والهاء يتفعَّلون، والأصل: يتظهَّرون أبدلت التاء ظاء وأدغمت في الظاء، وَذَلِكَ قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ عاصم: «يظاهرون» ــ بِضَمِّ الياء وتخفيف الظاء بعدها ألف وكسر الهاء مخفَّفة ــ وَهُوَ الذي لفظ الظهارِ مصدرُه. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: «يَظَّاهرون» ــ بفتح الياء وشدِّ الظاء بعدها ألف وبعد الألف هاء مفتوحة مخفَّفة ــ وَهُوَ ينفاعل، وأصله يتظاهرون، أبدلت التاء ظاءً وأدغمت في الظاء، وماظي([20]) هَذَا اِظَّاهَرَ ــ بهمزة وصل مكسورة إذا بدئ بها ــ وأصله: تظاهر، أبدلت التاء طاءً([21]) وأدغمت فجيء بهمز الوصل لسكون أوَّل الكلمة كقوله تَعَالىَ: {بل ادَّارك}، {فادَّارأتم([22]) فيها}.

 

{ما هنَّ أمـَّهاتهم إن أمهاتهم إِلاَّ اللائي ولدنهم} احتَجَّ بهذا من خصَّ الظهار فاللام([23]) إذ دَلَّ أنَّ المـُرَاد الظهار بلفظ اللام([24]) حيث كان الردُّ عليهم بأنَّ أزواجهم لسن أمَّهاتهم، وَذَلِكَ أنَّ حرمة الأمِّ أشدُّ من سائر المحارم، والمقتضي لبقاء حلِّ الزوجة قائم، والفارق بين الأمِّ وسائر المحرمات موجود وَهُوَ كون الأمِّ أشدُّ حرمة، مع الردِّ عَلَى المظاهرين بأنَّ أزواجهم لسن أمـَّهاتهم، وَأَنـَّهُ لا أمَّ لإنسان إِلاَّ من ولدته، فوجب أن لا يقاس، وفيه أنَّ الجدَّة أمٌّ قطعًا، والظهار بها واقع، ويجاب بأنـَّها أمٌّ قد ولدته بالواسطة، فيعترض بأنَّ الولادة حقيقة فيما بلا واسطة، والظهار بالحدَّة([25]) واقع قطعًا، فإمـَّا أن يكون ذَلِكَ جمعًا بين الحقيقة والمجاز، وإمـَّا أن يكون من عموم المجاز، وكلاهما خلاف الحقيقة، فقد خرج لفظ [215] الآيـَة عن ظاهرها، وَذَلِكَ تسهيل للقياس، وأيضا لا فرق في الحرمة بالأشدِّ والشديد، ولا فرق في الحرمة بظهار الأمِّ وظهار غيرها من المحرمات، وأيضا لا خلاف في وقوع الظهار إن قال: «كظهر أزواج النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم»، مع أنـَّهنَّ لسن بالوالدات للمظاهر.

 

 وقد سمَّاهنَّ الله أمـَّهات إذ قال: {وأزواجه أمـَّهاتهم} وسمَّى المرضعات أُمـَّهَات إذ قال: {وأمـَّهاتكم من الرضاعة} فليكن بهنَّ الظهار، وقد اجتمعت تسمية الأمِّ وتحريم النكاح في المرضعات وأزواج النبيء، فالعلَّة مطلق التحريم، فليكن الظهار بِكُلِّ محرم، ثمَّ إنـَّه إن قلت: لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقة عدم الحرمة فلا يلزم من عدم كون الزوجة أمـًّا عدم الحرمة، وظاهر الآيـَة يوهم الاستدلال بعدم الأمومة عَلَى عدم الحرمة، قلت: بل معنى الآيـَة أنَّ الزوجة ليست أمـًّا فضلا عن حصول الحرمة بسبب الأمومة، ولم يجعل الشرع لفظكم في الظهار تحريما لها فوصفهم إيـَّاها بالحرمة كذب وزور، كما قال:

 

{وإنـَّهم ليقولون منكرًا من القول وزورا}: أي محرّفا عَلَى الحقِّ، فإنَّ الزوجات أبعد شيء من الأمومة، والمراد تأكيد كون قولهم منكرًا وزورا شرعًا وعقلا وطبعًا، فتنكير «منكرًا» و«زورًا» كقوله تَعَالىَ: {إنـَّكم لقولون قولا عظيمًا}، فمحطُّ التأكيد قوله: منكر[كذا] وزورًا، فالآية تفيد السامع أنَّ مقولهم منكر وزور، وأمـَّا كونهم قائلين فأمر محقَّق لا يستَحقُّ التأكيد إذ لا منكِر ولا شاكَّ في أَنـَّهُم يقولون، ولا فائدة في مجرَّد أَنـَّهُم يقولون: هي عليه كظهر أمـِّه. و«أمـَّهاتهم» بالكسر خبر «ما» الحجازيـَّة عملت كـ«ليس» لأنـَّها مثلها في نفي الحال والدخول عَلَى المبتدإ والخبر. وقرأ عاصم في رواية المفضل بالرفع عَلَى لغة تميم، ووجهه أنَّ النفي كالاستفهام، فكما لا يُـغَيـِّرُ الاستفهام الكلام لا يُـغَيـِّرُه ما قال سيبويه، وَهُوَ أقيس، وتقول([26]): النصب أقيس لأَنـَّه أخرجها عن حكم الاستفهام نفي الحال بها كـ«ليس» الخارجة عن حكمه. واللائي بمعنى اللاتي، ولم يمدَّ في كتبنا ــ معشر المغاربة ــ لأَنَّ الياء بين الكسرة والسكون لا مسكَّنة محضا.

 

{وإنَّ الله لعفوٌّ غفور(2)} مبالغ في العفو والمغفرة، فيغفر ما سلف من الظهار [216] لمن تاب فلا يعاقبه، لأَنَّ التوبة ماحية لمـا قبلها ولمن أسلم لأَنَّ الإسلام جبٌّ لما قبله، لأَنَّ الآيـَة وردت في ظهار مسلم صحابيٍّ لكن جاءت بلفظ الجمع فعمَّت ما فعلوا قبل الإسلام من الظهار إذا أسلموا سقط عنهم إثمه، وقد يجوز أن يغفره الله عزَّ وجلَّ لمن فعله من المسلمين قبل توبته منه إذ كان شيئا يفعلونه في تأكيد الطلاق، وأمـَّا مع الإصرار فليس من الحكمة غفرانه وقد ذكر في القرآن تقييد الغفران بالتوبة حـتَّى قوله أَنـَّهُ {لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذَلِكَ لمن يشاء} معناه أَنـَّهُ لا يغفر الإشراك لمن شاء أن يموت بلا توبة منه، ويغفر ما دون ذَلِكَ لمن شاء أن يموت تائبا، ثُمَّ إنَّ ظاهر الآيـَة أنَّ الظهار مطلقا كبيرة علِّق أو لم يعلَّق، لأَنـَّهُ سمَّاه منكرا وزورا.

 

 ودلَّت أَنـَّهُ ذنب لأَنَّ العفو والغفران للذنب لا كبيرة ولا صغيرة إِلاَّ ذنب؛ وقيل: الظهار كبيرة إن لم يعلَّق، كما أنَّ الآيـَة وردت في صحابيٍّ لم يعلِّق، وإن علَّق لم يكن ذنبا، وفيه أنَّ المعتبر عموم لفظ الآيـَة لا خصوص ما وردت فيه؛ وإن قلت إنـَّه من قال: «أنت عليَّ كظهر أمـِّي» لم يقل بأنـَّها أُمـِّي بل شبَّهها بها فما معنى الردِّ عليهم بقوله: {ما هنَّ أُمـَّهَاتهم} وما معنى أَنـَّهُ منكر وزور، قلت: أرادوا أَنـَّهَا شبيهات بالأمـَّهات في الحرمة فيحرمن والله عزَّ وجلَّ كذَّبهم بأنـَّه إنـَّما تحرم الأمُّ لا من يدَّعون شبههنَّ بالأمِّ، وبأنـَّهنَّ لا يشبهن الأمَّ في تحريم ما، فإنَّ الزوجة أحلُّ شيء، والأمُّ أحرم شيء فلا شبه في التحريم بينهما، وإن كان قولهم: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي» إنشاء كما هو المتبادر والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، فالكذب فيه من حيث يدَّعون أنَّ ذَلِكَ القول محرِّم لها عقلا أَو شرعا، أو في كليهما، وقيل: وصفه الله جَلَّ جَلاَلُهُ بأنـَّه منكر وزور لأَنَّ الأمَّ محرَّمة أبدًا والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبـَّدًا، وفيه أَنـَّهُ لا يعلم من كلامهم أَنـَّهُم أرادوا شبهها بالأمِّ في التحريم من كُلِّ وجه، إذ لا يلزم في التشبيه أن يكون من كُلِّ وجه ولا من متعدِّد.

 

 ولفظ الحرمة أعمُّ من الحرمة المؤبـَّدة والمؤقـَّتة، ولعلَّ مراد هَذَا القائل أنَّ التحريم شرعيٌّ، والتحريم الشرعيُّ [217] عند الإطلاق ينصرف إلى المؤكَّد، إِلاَّ أن يقيـَّد كما قيـِّد في قوله تعالى: {فلا تحلُّ له من بعد حـتَّى تنكح زوجًا غيره}.

 

{والذين يظَّهَّرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} شروع في بيان حكم الظهار بعد تقبيحه والنهي عنه، وَهُوَ بيان لِكُلِّ ظهار: ظهار أوس من خولة وظهار غيره، ولو كان هو سبب النزول؛ وَالآيـَة صريحة في العموم لأَنـَّهُ تَعَالىَ قال: {والذين يظَّهَّرون}. والقراءات في: «يظَّهَّرون» هنا هي القراءات في «يظَّهَّرون» هنالك. و«الذين» مبتدأ خبره «تحرير رقبة» مع مبتدئه المحذوف، أي فكفَّارته تحرير رقبة، أو مع خبره المحذوف أي: فعليه تحرير رقبة؛ والفاء في الخبر لشبه المبتدإ في العموم باسم الشرط، واللام في «لما قالوا» بمعنى: إلى، أي يعودون إلى ما قالوا، فإنَّ اللام تكون في موضع «إلى» كقوله عَزَّ وَعَلاَ: {إلى أجل مسمًّى} و{لأجل مسمًّى} و{فاهدوهم إلى صراط الجحيم} و{هدانا لهذا}، و{أوحي إلى نوح} و{بأنَّ ربـَّك أوحى لها}. ومعنى العود لما قالوا: العود إلى ما تلفَّظوا به من الظهار بإبطاله، فإنَّ إبطال الشيء عود إِلـَيهِ، كمن بنى بناء فيعود إليه بالهدم، وكمن حفر حفرة فيعود إليها بالدفن، فكما يعاد إلى الشيء بتقريره أو الزيادة فيه أو فعل مثله يعاد إليه بإبطاله.

 

 وهنا يعاد إلى الظهار بإبطاله لتحلَّ المرأة، فالإعتاق أو الصوم أو الإطعام مبطل للظهار محلِّل للمرأة، وَذَلِكَ معنى صحيح سواء أقلنا «ما» مصدريـَّة، أي يعودون لقولهم بإبطاله، أي إبطال أثره وحكمه، أو يقدَّر مضاف، أي يعودون لإبطال حكم قولهم، وأمـَّا نفس القول فقد مضى ولا وجه لإبطاله، أم قلنا: اسم أي للكلام الذي قالوه أي لإبطال أثره عَلَى حدِّ ما قلنا في المصدريـَّة  ويجوز في المصدريـَّة جعل المصدر بمعنى مفعول لكن هَذَا لا يغني عنه جعل «ما» اسما، فإنَّ المقول الذي قالوه بمعنى واحد، ومن المصدر بمعنى وزن مفعول، قوله تَعَالىَ: {ونرثه ما يقول} أي نرثه قوله، أي مقوله، وَهُوَ ما ذكره من مال وولد.

 

 فـ«ما يقول» عَلَى المصدريـَّة أَو على الاِسمِيـَّة بدل اشتمال، إِلاَّ أَنـَّكَ قد علمت أنَّ الاِسمِيـَّة مغنية عن جعل المصدر بمعنى مفعول، ومن ذَلِكَ قولنا: «اللهمَّ أنت رجاؤنا» أي مرجوُّنا [218] وقوله: {واعبد ربـَّك حـتَّى يأتيك اليقين} أي الموقن به وهو الموت وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه»، أي العائد في موهوبه؛ ثمَّ إنـَّه يجوز جعل «ما» مصدريـَّة والمصدر بمعنى المفعول وَهُوَ المـُرَاد المظاهر منها واسما بمعناها، أي إلى التي قالوها، أي ذكروها، وفي هذين الوجهين جعل القول عاملا في المفرد، لأَنـَّهُ قد يرد قليلا، أو لتظمن([27]) معنى الذكر، وإن جعلنا «ما» اسما ولم تقل: التقدير: «لمـا قالوه»، بل «لمـا قالوا فِيهِنَّ لفظ الظِّهَار» لزم حذف عائد إلى الموصول مجرور لم يَتَعلَّق بمثل ما تعلَّق به الموصول، ولم يُجرَّ بمثل ما جرَّ الموصول، والمأصدق في ذَلِكَ كلِّه واحد، وحاصله العود إلى المرأة المظاهر منها بالإمساك والنظر والجماع واللمس.

 

 بأن يعتق أو يصوم أو يطعم قبل مضيِّ أربعة أشهر، وأن يطأها بعد التكفير وقبل مضيِّ الأربعة. فإن مَسَّ قبل التكفير حرمت أبدا. وإن كفَّر ولم يمسَّ حـتَّى مضين خرجنت منه ولا يدركها إِلاَّ بنكاح جديد وصداق ووليٍّ وشهود ورضاها. وإن كفَّر ولم يمسَّ حـتَّى مضين خرجت عنه، ولا يدركها إِلاَّ بما ذكر، فهذه ثلاث صور لم يعد فِيهِنَّ إليها وإلى إبطال الظهار. وإن غاب أو مرض أشهد أَنـَّهُ لم يطق المسَّ وَأَنـَّهُ عليه وكفى، وإذا لم يعد ففيه([28]) الكفرارة([29]) قولان، وَذَلِكَ كما أَنـَّهُ إذا تَمَّت الأربعة ولم يطأها المولي فاتته، وإن شاء تزوَّجها برضاها. فما دام لم يكفِّر المظاهر لا يجوز له النظر إلى ما تحت السُّرَّة إلى الركبة ولا لمسها ولا المبيت معها في بيت واحد، ورُخِّص في ذَلِكَ كُلِّه وَذَلِكَ مذهبنا.

 

 وقال الشافعيُّ: معنى العود: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلِّقها فيه، فإنَّ في ظهاره قصدًا لتحريمها، فإن طلَّق بعد ذَلِكَ فقد تمَّم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كَـفَّارَة عليه، فَإِذَا سكت عَلَى الإطلاق فقد دَلَّ سكوته عَلَى أَنـَّهُ ندم عَلَى ما ابتدأ به من التحريم، فتجب عليه الكفَّارة ولا يجبر عليها حـتَّى تمضي أربعة أشهر، فإن كفَّر قبل مضيـِّها فذاك، وإلاَّ أجبر عليها بعد مضيـِّها، كما يجبر المولي عَلَى الطلاق [219] بعد الأربعة إن لم يف في الأربعة إليها بالوطء عندهم، ولا كَـفَّارَة يجبر عليها إِلاَّ كَـفَّارَة الظهار عنده وعند من معه، وأمـَّا عندنا فلا يجبر عليها قبل الأربعة ولا بعدها أو عنده لا تفوته بمضيِّ الأربعة بلا كَـفَّارَة ولا وطء، وعنده إن فصل بين الظهار والطلاق بكثير ثُمَّ طلَّق فالكفـَّارة لازمة له مضت الأربعة أو لم تمض، واعترض عليه أبو بكر الرازي من الحَـنَـفِيـَّة بوجهين: الأوَّل: أنَّ «ثمَّ» تفيد التراخي، والشافعي يقول: العود عقب الظهار فلا يصحُّ قوله.

 

 وأجيب بأنـَّه ما لم ينقض زمان يمكن أن يطلِّقها فيه لا يحكم عليه بكونه عائدًا فقد تأخَّر كونه عائدا عن كونه مظاهرا بِذَلِكَ القدر من الزمان فَذَلِكَ تراخ، وفيه أَنـَّهُ لا تراخي بِذَلِكَ، ولا يخفى أَنـَّهُ لا تراخي، ويجاب بأنَّ تراخي كُلِّ شيء بحسبه، فمقدار إيقاع الطلاق تراخ وما دونه اتـِّصال بحسب المقام. الثاني: أَنـَّهُ شبـَّهها بالأمِّ والأمُّ لا يحرم إمساكها فتشبيه الزوجة بالأمِّ لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لقوله: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي»، فوجب أن لا يفسَّر العود بهذا الإمساك، وأجيب بأنَّ الأمَّ يحرم إمساكها عَلَى سبيل الزوجيـَّة، ويحرم الاستمتاع بها، وقوله: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي»، ليس فيه بيان أنَّ التشبيه واقع في إمساكها عَلَى سبيل الزوجـيَّة، أو في الاستمتاع فليحمل عَلَى الكلِّ، فقوله: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي»، يقتضي تشبيهها بالأمِّ في حرمة إمساكها عَلَى سبيل الزوجيـَّة، فإذا لم يطلِّقها فقد أمسكها عَلَى سبيل الزوجيـَّة.

 

 فكان هَذَا الإمساك نقيضا لقوله: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي»، فوجب الحكم بكونه قد عاد. وقال أبو حنيفة: معنى العود إلى ما قالوا استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وهذا مذهبنا، ووجهه أنَّ التشبيه بالأمِّ في حرمة هذه الأشياء، فالعود الرجوع إلى حلِّ هذه الأشياء، ويعترض علينا وعليه بأنَّ «ثمَّ» تفيد أن لا يجوز العود إلى هذه الاستباحة إِلاَّ عَلَى التراخي، وقد اتـَّفق العلماء كلُّهم عَلَى جوازه عَلَى الاتـِّصال وَعَلَى التراخي فإنـَّه جائز عقب تمام لفظ الظهار وبعد ذَلِكَ، الجواب ــ من جانب مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ــ الغالب عَلَى الغضبان بعض التراخي، والغالب في المظاهر الغضب، [220] وأيضا كثيرًا ما يكون الظهار بالتعليق فيفصل بمدَّة عدم وقوع المعلَّق إليه ثمَّ بما بعد وقوعه بلا علم بوقوعه، وأنَّ الغالب أن لا يجد في الحال رقبة أو تملُّكها ولا ما يطعم إن كان يطعم، أو يجده فتمضي مدَّة في إحضاره وتهيئته أو شرائه مع ذَلِكَ، وإن كان يصوم فالأكثر الفصل بأن يظاهر قبل الفجر بكثير أو قليل، أو بعد طلوع الفجر، وَذَلِكَ كلُّه تراخ، فجاءت «ثمَّ» عَلَى التراخي بحسب الغالب، ولا بُعد أيضًا في كون «ثمَّ» للترتيب بلا تقييد بفصل وتراخ ولا بوصل، ألا ترى أَنـَّهُم أجمعوا عَلَى جوار([30]) العود بلا فصل، وجوزاه بفصل، ومذهب الشافعيِّ في ذَلِكَ ضعيف من أين له أنَّ الظهار لا يكفي في الفوت إذا لم يعد حـتَّى يطلِّق.

 

 وكأنـَّه حمله عَلَى الإيلاء فيستدلُّ بقوله تَعَالىَ في الإيلاء: {وإن عزموا الطلاق...} والمذهب أنَّ عزم الطلاق هو بقاؤه في الإيلاء بلا مسٍّ حـتَّى تمضي الأربعة، واعترض علينا وَعَلَى أبي حنيفة بأنـَّه شبـَّهها بالأمِّ ولم يـبـيِّن وجه الشبه بل شبـَّهها تشبيها مرسلا ــ وَهُوَ الذي لم يذكر فيه وجه الشبه ــ  فليس صرف هَذَا التشبيه إلى حرمة الاستماع([31])؛ وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها عَلَى سبيل الزوجيـَّة، فوجب أن يحمل هَذَا التشبيه عَلَى الكلِّ، فإمساكها عَلَى سبيل الزَّوجِيـَّة لحظة نقض لقوله: «أنت عليَّ كظهر أُمـِّي» فتحقَّق أَنـَّهُ عاد، ويجاب بأنـَّه لا وجه للإمساك عَلَى سبيل الزَّوجِيـَّة سوى إباحة الاستماع[كذا] والنظر، وهما محرَّمان بالأمِّ، فالتشبيه بها تحريم لهما. وقال مالك: معنى العود إلى ما قالوا العزم عَلَى جماعها وفيه أنَّ القصد إلى جماعها لا يناقض كونها محرَّمة كالأمِّ، إنـَّما يناقض تحريمها كالأمِّ القصد إلى استحلال جماعها.

 

 فيلزم أنَّ العود هو القصد إلى استحلال بعد الإعراض عن الحلِّ إلى التحريم كما هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، ويجاب بأنَّ تحريمها غير واقع بظهارهم، بل هو مجرَّد دعوى وإعراض عن الجماع إعراضا جازما غير مؤثـِّر للتحريم شرعا، ومقابل ذَلِكَ هو الإقبال عليه وقصد[كذا]. وقال طاوس والحسن [221] البصري: العود إلى ما قالوا هو الجماع، وفيه أَنـَّهُ مناف لقوله تَعَالىَ: {من قبل أن يتماسَّا} فإنـَّه يلزم عَلَى قولهما أَنـَّهُ يجامع ثمَّ يعتق أو يصوم أو يطعم، وأمـَّا الردُّ بترتيب الفاء فلا يتِمُّ لأنـَّها زائدة في المبتدإ لتأكيد الربط لا عاطفة.

 

 ويقال: من جانبهما أنَّ المـُرَاد يعودون إلى الجماع بالقصد لا بالإيقاع فلا ينافي تقديم التكفير، وبما أجبت به عنهما وعن مالك: يظهر أنَّ معنى قولنا وقول أبي حنيفة وقولهما وقول مالك واحد، ووجه قول الشافعيِّ أَنـَّهُ حمل اللفظ عَلَى أدنى ما يصدق عليه، ولا بدَّ منه الزيادة عليه محتملة تحتاج لدليل ولا لدَلـِيل [كذا] عليها، قولنا ــ معشر أصحاب المذاهب الثلاثة ــ أَنـَّهُ لا شكَّ أنَّ المـُرَاد تحريم الجماع والتلذُّذ بها فيمكن نقصه([32]) العود إلى استحلاله، فَهَذَا دَلـِيل واضح من غير أن يحتاج إلى دعوى الحمل عَلَى الفرد الكامل.

 

 وقال الثوريُّ: معنى العود إيقاع الظهار في الإسلام بعد إيقاعه في الجاهلـيَّة ــ أعاذنا الله منها ــ وليس المـُرَاد أنَّ الواحد يظاهر من الجاهلـيَّة ثُمَّ في إسلامه بل المـُرَاد الظهار في الإسلام بعد الظهار في الجاهلـيَّة سواء أكان من واحد في امرأة واحدة، أم في واحد ثُمَّ في أخرى، واعترض بأنـَّه ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة «ثمَّ» فيلزم أن يكون العود شيئا آخر غير الظهار، وفبه أَنـَّهُ لا يلزم هَذَا، وأيضا قد يقال: المضارع هنا للتجدُّد وكأنـَّه قيل: يظاهرون مرَّة بعد أخرى، والمضارع يجوز استعماله للتجدُّد ولو بدون لفظ «كان» فلا يحتاج إلى تقدير «كان»، فضلا عن أن يقال: التقدير خلاف الأصل.

 

 وإنـَّما يضعف قول الثوريِّ من حيث أنَّ الآيـَة لا تكون مبـيِّـنة لحكم من ظاهر في الإسلام ولم يظاهر في الجاهلـيَّة، وإنـَّما يعلم حكمه بالقياس عَلَى من ظاهر فيهما، وأمـَّا أوس فقد يحتمل أَنـَّهُ ظاهر أيضا في الجاهلـيَّة وَأَنـَّهُ لم يظاهر، وأوس هو سبب نزول هؤلاء الآيات. وقال أبو العالية والظاهريـَّة: العود الرجوع إلى الظهار بتكريره في الإسلام من امرأة واحدة قبل التكفير، وفيه أَنـَّهُ لو كان كذلك لقال: «ثمَّ يعيدون ما قالوا» ويجاب بأنـَّهما سواء، وإنـَّما [222] الردُّ عليهم بأنَّ أوسًا لم يكرِّر الظهار، أعني أَنـَّهُ لم يحكَ عنه أَنـَّهُ كرَّر الظهار، بل ذكروا أَنـَّهُ لم يكرِّر الظهار، وَأَنـَّهُ عزم عَلَى الجماع وقد ألزمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الكفَّارة، وكذلك حديث سلمة بن صخر البياضي: «كنت لا أصبر عَلَى الجماع فلـمَّا دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت منها شهر رمضان كلَّه ثُمَّ لم أصبر.

 

 فواقعتها فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرته بِذَلِكَ، وقلت: أمضي في حكم الله، فقال: اعتق رقبة»، فأوجب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الكفَّارة مع أَنـَّهُ لم يذكر تكرير الظهار، وهذا الحديث يَدُلُّ عَلَى أنَّ المسَّ قبل التكفير في الظهار لا يحرِّم المرأة، ومذهبنا تحريمها لقوله تَعَالىَ: {من قبل أن يتماسَّا}، فمعنى قوله: «واقعتها» أردت وقاعها بدليل الآية. وقال أبو مسلم الأصفهاني: «العود أن يرجع بالحلف، وَذَلِكَ أن يظاهر ثمَّ يحلف إن لم يحلف أوَّلاً، فَذَلِكَ أن يقول: هي عليه كظهر أمـِّه، ثُمَّ يقول: هي والله لَكَمَا قلت، أو يقول: هي والله كظهر أمـِّي عليَّ، فإن لم يحلف لم يلزمه الكفَّارة كما أَنـَّهُ لو قال في بعض الأطعمة إنـَّه عليه حرام كلحم الآدميِّ فإنـَّه لا تلزمه الكفَّارة.

 

 وفيه أنـَّا لا نسلِّم أَنـَّهُ لا كَـفَّارَة في تحريم الحلال إِلاَّ بحلف بن([33]) تحريمه كاف في إلزام الكفَّارة كما لزمت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتحريم العسل أو مارية بلا يمين، بل ذَلِكَ التحريم نفس اليمين، وقيل: إن علق، وأمـَّا قتل الخطإ أو المناسك فلو لزمت الكفَّارة فيهما بلا يمين فليسا من التحريم في شَيء، قال سلمة بن صخر: «كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلـمَّا دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حـتَّى حـتَّى [كذا] ينسلخ رمضان خوفا من أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذَلِكَ إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر على أن ننزع، فبينما هي تخدمني من الليل إذ انكشف لي منها شَيء فوثبت عليها فلـمَّا أصبحت غدوت عَلَى قدومي فأخبرتهم خبري وقلت لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره بأمري، فقالوا: والله لا نفعل، نتخوَّف أن ينزل فينا قرآن.

 

 أو يقول فينا [223] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت واصنع ما بدا لك، فجرجرت حـتَّى أتيت النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرته خبري، فقال لي: أنت بذلك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك، فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، أنا ذا، فأمض فيَّ حكم الله عزَّ وجلَّ فأنا له صابر.

 

 فقال: اعتق رقبة، فضربت صفحة رقبتي بيدي قلت: لا والذي بعثك بالحقِّ ما أصبحت أملك غيرها، فقال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا رسول الله، ما أصابني ما أصابني إِلاَّ من الصوم، قال: فتصدَّق، فقلت: والذي بعثك بالحقِّ، لقد بتنا ليلتنا ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقًا من تمرٍ ستـِّين مسكينا، كلُّ مسكين مدًّا، ثمَّ استعن بسائره عليك وَعَلَى عيالك، فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم السعة والبركة، وقد أمرني بصدقتكم فادفعوها إليَّ».

 

{فتحرير رقبة من قبل أن يتماسَّا} فالواجب عليه تحرير، أو فكفَّارته تحرير، أو فعليه تحرير، والمراد مطلق المملوك عبدًا أو أمـة مؤمنة أو مشركة عند الحَـنَـفِيـَّة، وقلنا ــ نحن والشافعيـَّة ــ بشرط الإيمان، وشذَّ بعضنا باشتراط الإيمان والولاية معا حملا للمطلق هنا عَلَى المقيـَّد في القتل عَلَى أنَّ المؤمنة بمعنى المقرَّة بالله ورسوله، وَعَلَى الشذوذ بمعنى المقرَّة المتولاَّة. وَذَلِكَ أن تشترَى الرقبة أو تملك بوجه ما وَهي مشركة ثمَّ تؤمن وتعتق، أو تلدها أمـة من أب موحِّد فتبلغ وتكون موحِّدة وتعتق، أو يعتقها قبل البلوغ، ويقوم بمُؤَنها حـتَّى تبلغ؛ وفي شرط الإيمان للحمل عَلَى القتل نظرٌ لأَنَّ القتل غير الظهار، وإنـَّما يحسن التعليل بحديث: «أعتقها» فإنـَّها جواب لمن قال: «لزمتني رقبة أفأعتق هذه الأمـة»؟، فإنـَّه يفيد أنَّ العتق اللازم لا بُدَّ فيه من إيمان الرقبة، قيل: وأيضا هو ليس من رتبة الرقبة المشركة أن يحلَّل بها فرج وهي نجسة بشركها وخبيثة، {ولا تيمَّموا الخبيث...} الآية.

 

 ولا أن يحنَّ عليها بالإعتاق وهي عدوَّة لله عزَّ وجلَّ، وتصرف نعمة العتق عن المؤمنة، وفيه أَنـَّهَا قد صارت بملكها [224] ذِمـِّـيـَّة، والذمـِّيُّ يرفق به، وَأَنـَّهُ يجوز الاقتصار في الصداق عَلَى الرقبات المشركات فقد حلَّ الفرج بالأمة المشركة أو العبد المشرك، والكلام في الإجزاء وهي تجزي ولو كانت المؤمنة أولى، وفي كُلِّ ذي كبد رطب أجر، وليس في ذَلِكَ ما يوجب اشتراط الإيمان وإعتاق الرقبة المشركة ماض في الجملة إجماعا، ولا يجزي عتق المكاتب عندنا لأَنـَّهُ حرٌّ عندنا بعقد الكِتَاب ولو لم يقض شيئا من دين الكتاب، وإمـَّا أن يكاتبه ليخرج حُـرًّا بعقد الكِتَاب عن ظهاره فلا يجزي أيضا، لأَنـَّهُ أخذ الثمن عَلَى هَذَا العتق أو تبعه به في الذمـَّة، وأمـَّا عند القائلين بأنَّ المكاتب عبد ما دام بعض ما كوتب به في ذِمـَّته، فقال الشافعي لا يجزي إعتاقه بعد الكتاب، وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يُـؤَدِّي شيئا أجزى في الكفَّارة، وإن أعتقه بعد أن أَدَّى شيئا لم يجز، وروي عنه أَنـَّهُ يجزي، وَاحتَجَّ أبو حنيفة عَلَى الإجزاء بأنـَّه رقبة لقوله تَعَالىَ: {في الرقاب}.

 

 وفيه أَنـَّهُ لا يجب تفسير الرقاب بالمكاتبين، ولعلَّها عبيد تشترى لتعتق بلا كتاب، وَاحتَجَّ الشافعيُّ بوجهين: الأوَّل: أنَّ المقتضي لبقاء التكليف بإعتاق الرقبة قائم بعد إعتاق المكاتب وما لأجله ترك العمل به في محلِّ الرقاب غَير موجود هنا، فوجب أن يبقى عَلَى الأصل بيان المقتضي أنَّ الأصل في الثابت البقاء عَلَى ما كان، وبيان الفارق أنَّ المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملك لَكِنـَّهُ يمكن نقصان في رقـِّه بدَلـِيل أَنـَّهُ صار أحقَّ بمكاسبه، ويمتنع عن المولى التصرُّفات فيه ولو أتلفه المولى لضمن قيمته، ولو وطئ مكاتبته لغرم المهر؛ ومن المعلوم أنَّ إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشقُّ عَلَى المالك من إزالة الملك الضعيف، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد الغق[كذا] خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب، وحاصل ذَلِكَ أنَّ المكاتب عند الشافعيِّ غير خالص العبوديـَّة بدَلـِيل أَنـَّهُ لا يملك سَـيِّده كسبه ولا خدمته، وَأَنـَّهُ يضمن قيمته وعقر المكاتبة إن وطئها، وَأَنـَّهُ لا تصرُّف له فيه ببيع أو رهن أو استئجار بل فيه بقـيَّة عُبـُودِيـَّة.

 

 الثاني: أَنـَّهُم أجمعوا أَنـَّهُ لو أعتقه [225] الوارث لم يجز عن الكفَّارة، فكذا لو أعتقه السـيِّد وَذَلِكَ لضعف الملك. ومشهور مذهبنا أنَّ الظهار يحرِّم الجماع وجميع التمتـُّع من النظر والمسِّ، وَهُوَ قول أبي حنيفة وراجح الشافعيِّ، ويجب عليه أن يتهب([34]) إلى الله، وله قول آخر هو أَنـَّهُ لا يحرم إِلاَّ الجماع، والصحيح الأوَّل، ولا ينظر ما بين السرَّة والركبة ولو بلا شهوة، وله مسُّ غير ذَلِكَ بلا شهوة ورخِّص في نظر ذَلِكَ كلِّه ولو بشهوة، وذكرت رخصا في شرح النيل. وَاسـتَـدَلَّ أبو حنيفة بِقَولِهِ تَعَالىَ: {من قبل أن يتماسَّا} قال إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جميع ضروب المسِّ من لمس بيد أو غيرها، وفيه أنَّ المسَّ ظاهر في الجماع، وإلاَّ فليعمَّ أَيضـًا في قَوله تَعَالىَ: {وإن طلَّقتموهنَّ من قبل أن تمسُّوهنَّ} وليس كَذَلِكَ، وَاحتَجَّ أَيضـًا بِأَنَّ الظِّهَار مُؤَثـِّر وَهُوَ واقع بظهر الأمِّ، ومسُّ الأمِّ ولو بيد تمتـُّعا حرام. وَبِأَنَّ رجلا ظاهر من امرأته ثمَّ واقعها قبل أن يكفِّر، فأتى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره بِذَلِكَ، فقال: «اعتزلها حـتَّى تكفِّر»، رواه عكرمة، والشاهد في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعتزلها حـتَّى تكفِّر» والحديث رواه قومنا عن عكرمة، وهو صريح في أنَّ جماعها قبل التكفير لا يحرِّمها والمذهب تحريمها، ولعلَّ الحديث لم يصحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ألا ترى إلى قوله: {من قبل يتماسَّا} فهو مُـحَـرَّم قبل التكفير، فإذا كان محرَّما قبله فهو كزنى تحرم به كما تحرم المرأة على من زنى بها، فيرجع البحث إلى حرمة المزنية على زانيها وعلى عدم تحريمها بمسِّها قبل التكفير، فما عليه إلاَّ كَـفَّارَة واحدة وهو قول جمهورهم وعليه مالك وأبو حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحاق، لأَنَّ وصف قبليـَّة التكفير زال وبقي التكفير عَلَى حاله من الوحدة، وليس في الآيـَة دلالة عَلَى أنَّ تقدُّم المسِّ موجب لكفـَّارة أخرى.

 

 وقال عبد الرحمن بن...([35]): عليه كفـَّارتان يردُّها بإحداهما كما كانت قبل المسِّ وهي الأولى ويُـؤَدِّي بالثانية الكفَّارة المذكورة في القرآن. ويجب عَلَى المرأة أن تمنعه من الجماع قبل أن يكفِّر. ومـمَّا حرِّم عليه منها وزعم قومنا أَنـَّهُ ينبغي أن تمنعه ولكن إن تهاون بالتكفير حَالَ الإمامُ بينه وبينها ويجبره عَلَى التكفير ولو بالضرب [226] ليوفي بحقِّها وتتخلَّص من أضراره. وإن طلَّق الرجل زوجه مرَّتين وظاهر منها مرَّة ولم يكفِّر حـتَّى مضت الأربعة أو ظاهر وفاتته ثُمَّ تزوَّجها وطلَّقها مرتين، أو ظاهر مرَّة ثانية ففاتته وتزوَّجها وطلَّقها أو ظاهر منها ثلاثا يتزوَّجها بعد فوتها من كُلِّ ظِهَار فَذَلِكَ ثلاث تطليقات، وسواء في الظِّهَار أن يستأنفه أو يلحقه من ظِهَار قبله بأن يظاهر وتفوته فيتزوَّجها فيبقى بلا تكفير بعد التزويج الثاني حـتَّى تفوت بمضيِّ الأربعة، وكذا في الثالث؛ وإن ظاهر منها ثالثا بجملة واحدة أو كرَّر الجملة ثلاثا أو اثنتين بجملة واحدة، والثالثة بتكرير أو بالعكس، فإذا فاتته فهنَّ ثلاث تطليقات لا يتزوَّجها حـتَّى تتزوَّج غيره ويمسَّها ويفارقها بطلاق أو غيره وتعتدَّ؛

 

 وقال قومنا لا تفوت بالظهار، وَأَنـَّهُ إن ظاهر مرارا فلكلِّ مرَّة كَـفَّارَة، وكذا عندنا لِكُلِّ مرَّة كَـفَّارَة، وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: إِلاَّ إن كان في مجلس واحدة فكفَّارة واحدة؛ وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرِّقة مائة مرَّة فليس عليه إِلاَّ كَـفَّارَة واحدٍ، لأَنَّ الآيـَة تتناول من ظاهره مرَّة ومن ظاهر مرارا، بل قد يجعل المضارع فيها، وَهُوَ قوله: {يظَّهَّرون} للتجدُّد، فيكون قد ظاهر مرارا ثُمَّ يعود، وفيه أَنـَّهُ يلزم عليه أن لا يجب عَلَى الأَيمان الكثيرة إِلاَّ كَـفَّارَة واحدة وليس كَذَلِكَ، ويحتجُّ من قال بتكرير الكفَّارة بتكرير الظِّهَار بأَنَّ الظِّهَار الثاني مثلا كالأوَّل سواء بلا فرق إذ الزوج باقية في عصمته فكيف تلزم بالأوَّل دون غيره، ولا وجه لإلغاء الثاني، إذ ليس من أيمان اللغو ولا وجه لإيجاب الكفَّارة الأولى بالثانية، لأَنَّ تأخير العلَّة عن الحكم محال، وقد وجبت بالأوَّل، وتحصيل الحاصل محال، فاتـَّضح أَنـَّهُ تجب كَـفَّارَة ثانية بظهار ثان. ومن ظاهر من امرأتين بمرَّة فكفَّارتان.

 

 أو من ثلاث فثلاث، أو من أربع فأربع، لأَنَّ ذَلِكَ اختصار عن الظِّهَار عن كُلِّ واحدة بمرَّة عَلَى حدة.

 

 وهنا لطيفة، وهي أَنـَّهُ من كرَّر الظِّهَار أو الطلاق وأراد التأكيد لاستئناف طلاق آخر أو ظِهَار آخر فَذَلِكَ منه واحد، كما تقول: قام زيد  قام زيد، ولا تريد أَنـَّهُ قام مرَّتين بل [227] تريد قياما واحدًا؛ إِلاَّ أَنـَّهُ إن نازعته زوجه ولم تصدِّقه في دعوى إرادة الراحد([36]) والتأكيد أو نازعه من تعلَّق له لِذَلِكَ حقٌّ حكم عليه بالتعدُّد، ومن اشترى ذا مُـحَـرَّم منه بالنسب بـنـيَّة أن يخرج حُـرًّا بشرائه كَـفَّارَة للظهار أجزاه عندنا وعند أبي حنيفة، وَهُوَ الصحيح، لأَنـَّهُ إعتاق بقصد التكفير عن الظِّهَار، وكذا سائر تملُّكه بوجه ما، مثل أن يوهب له، ويقصد بقبوله خروجه حُـرًّا على الظهار وكذا في سائر الكفَّارات، وقال الشافعيُّ: هو حرٌّ لا يجزيه؛ وَإن أعتق بعض رقبة خرجت حرَّة كلُّها، ولا تجزيه سواء أكانت كلُّه([37]) له أو بعضها لغيره فيضمن له قيمة حصَّته، وقيل: تجزيه إن قصد بعتق البعض أن تخرج عَلَى الظِّهَار.

 

{ذلكم توعظون به} أي ذَلِكم المذكور من إيجاب التحرير تزجرون به عن ارتكاب المنكر والزور اللذين هما الظِّهَار، فإنَّ التغريم زجر عن معاودة الجناية بعدُ، وعقاب على ما فعل منها، وليس إيجاب التحرير دعاء لكم إلى فعل الثواب، فلا ثواب لهذا التحرير، لأَنـَّهُ لإبقاء الزَّوجِيـَّة وتدارك فوتها، وإنـَّما يكون الثواب بمزيد النية كأن ينوي أن لا يبقى بلا زوج فتدعوه نفسه إلى الزنى، وأن يسارع إلى وفاء حقِّها، وأن ينوي أداء الواجب، وَذَلِكَ التفسير يصحُّ، ولو قدَّرنا: «فكفَّارته تحرير رقبة» لأَنَّ الكفَّارة واجبة، والإشارة إليها لتأويل ما ذكر، أو لأنـَّها بمعنى التحرير إذ أخبر به عنها، أو التحرير؛ ولا ضعف في قولك: تلك الكفَّارة تزجرون بها، وقيل: المعنى في ذَلِكَ مع ما بعده: هَذَا ما وعظناكم به من الكفَّارة، والله خبير أدَّيتموها أم لم تؤدُّوها.

 

{والله بما تعملون خبير(3)} عالم بظواهر أعمالكم وبواطنها، ومن جملتها الإعتاق عَلَى الظِّهَار قبل التماسِّ، فحافظوا عَلَى الحدود. وتقديمُ المعمول للفاصلة، أو لها وللحصر، ووجهه اعتبار الجزاء في قوله: {خبير} بمعنى أَنـَّهُ لا يجازيكم إِلاَّ بما تعملون، وكذا تقول في مثل هَذَا.

 

{فمن لم يجد} تحرير رقبة، بأن لا يجد رقبة يتملَّكها، أو لا يجد ما يتملَّكها به، أو وجدها في ملك، أو وجد ما يتملَّكها ولكن حجر عليه لسفهه، أو وجدت في ملكه [228] وهي مرهونة أو وجد له مال يملكها به، لَكِنـَّهُ مرهون، أو وجدت أو وجد له مال لكن إن ملكها أو أعتقها قتله جبـَّار، وما ذكرت أولى من تقدير: «فمن لم يجد رقبة» ولو كان عدم وجود رقبة صادقا عَلَى ذَلِكَ كلِّه، إذ التعطيل في معنى عدم وجودها. وذكر أصحاب الشافعيِّ أَنـَّهُ قال هنا: {فمن لم يجد}، وقال بعدُ: {فمن لم يستطع} لأَنَّ من له مال غائب لم ينتقل إلى الصوم لعجزه عن التحرير في الحال، ومن كان مريضا في الحال فإنـَّه ينتقل إلى الإطعام، وإن كان مرضه بحيث يرجى زواله، فقال في الانتقال إلى الإطعام: {فمن لم يستطع} وَهُوَ بسبب المرض الحاضر والعجز العاجل غير مستطيع، وقال في التحريم: {فمن لم يجد} والمراد من لم يجد مالا يشتري به، أو رقبة، ومن له مال غائب لا يسمَّى فاقدا للمال، أي فإنـَّه تدرك عليه النفقة، ولا يدركها، وأيضا إحضار المال يَتَعلَّقُ باختياره، وإزالة المرض لا تتعلَّق باختياره. واختلف فيمن وجد القرض إلى ماله هل يجب عليه العتق؟ وأمـَّا هبة الرقبة أو المال له فواجب عليه معها التحرير، فإن لم يقبلها لم ينتقل إلى الصوم.

 

{فصيام شهرين} غير رمضان،

 

{متتابعين}، أي فكفـَّارته، أو فالواجب عليه صيام شهرين متابعين أو فعلية([38]) صيام شهرين متتابعين، وكذا في قَوله: فإطعام. {من قبل أن يتماسَّا} فإن جامعها قبل الصوم ولو نسيانًا حرمت عليه عندنا ولزمته كَـفَّارَة الظِّهَار عَلَى حالها السابق الذي جامع عليه، وَهُوَ هنا الإطعام، وفيما بعد هو الإطعام، وفيما قبل: العتق إن جامع قبل العتق قادرا عليه حرمت عليه، والعتق باق عليه؛ وإن مضت أربعة أشهر فاتته وبقيت عليه الكفَّارة؛ وقيل: لا تجب الكفَّارة إن فاتته أو حرمت عليه بالوطء. وقال قومنا: لا تحرم بالوطء قبل التكفير، وإن أفطر أفطر [كذا] للقهر بقتل أو بضرب فرح [كذا] أو أخوف الموت([39])، أو زوال العضو بالجوع أو بالخطإ أو النسيان عَلَى القول بفساد الصوم به أو بمرض فليستأنف الصوم، ولا يضرُّ فصل العيدين أو فصل رمضان.

 

{فمن لم يستطع}([40]) صوم الشهرين البتـَّة أو لم بعض([41]) [229] واستطاع بعضا، أو لم يستطع التتابع لمرض أو شدَّة الجوع أو لقهر جبـَّار عَلَى أن لا صوم، أو لقلَّة ما يأكل، أو سبب ما من الأسباب التي يعذر بها؛ وذكر بعض الشافعيـَّة شدَّة حبِّ الجماع حـتَّى لا يصبر فينتقل إلى الإطعام لِذَلِكَ، واستدلُّوا بأنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر الأعرابيَّ بالصوم فقال: «هل أُتيت إِلاَّ من قِبل الصوم!» فقال صلَّى الله عليه وسلَّم له: «أطعم»، وأيضا الاستطاعة فوق الوسع، والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة أن يتمكَّن الإنسان من الفعل عَلَى سبيل السهولة، وهذا لا يتِمُّ مع شدَّة حبِّ الجماع كحال الأعرابيِّ كما وصف نفسه، فلشدَّته([42]) حبـِّه لِذَلِكَ حـتَّى لا يصبر نقله النبيء إلى الإطعام، فإذا صحَّ الحديث فلا إشكال؛ وكذلك إطلاق الاستطاعة أصله فيما يمكن فعله بسهولة لا إشكال فيه، ولو كان باعتبار كلام المتكلِّمين يصحُّ أن يقال: استطاع في كُلِّ ما فعل، ولو بأشدَّ تكلُّف إذ قال الفعل تقارنه الاستطاعة فإنَّ هَذَا يقال فيه استطاعة بتكلُّف، وليس استطاعة عند الإطلاق في العرف، وأمـَّا كون شدَّة حبـِّه منقلا إِلى الإطعام لولا الحديث فليس بشيء، لأَنـَّهُ يكلَّف أن يجهد نفسه عَلَى الصوم ويقلِّل الأكل واللذَّة فيطيق الصبر، وإن لم يجد فاته الأمر.

 

{فإطعام سِتـِّينَ مسكينا} من قبل أن يتماسـَّا، ولم يذكر قولنا: «من قبل أن يتماسَّا» لدلالة ما قبله عليه. أجمعوا عَلَى ذَلِكَ إجماعا، أعني أَنـَّهُم أجمعوا عَلَى أَنـَّهُ مأمور بتقديم الإطعام عَلَى التماسِّ لا عَلَى تحريمها بتقديم التماسِّ. والإطعام يصدق بالإيكال والكيل، وأيـًّا ما فعل أجزى، وَذَلِكَ مذهب أبي حنيفة ومذهبنا. يقال: أطعمَه إذا أحضر له طعاما، فقال: كُلْ؛ وإذا أعطاه ما يمضي به يقال أطعمه وسقى؛ ومن الإنكال([43]) قوله تَعَالىَ: {من أوسط ما تطعمون أهليكم}، وقال الشافعيُّ: لا يجزي إِلاَّ الكيل، كما أنَّ الزكاة وزكاة الفظر([44]) لاَ بُدَّ فيهما من أن يعطى ما يمظي([45]) به، ثُمَّ إنَّ مذهبنا ومذهب أبي حنيفة أن يكال لِكُلِّ مسكين مدَّان من برٍّ أو دقيقه، قلنا: أو من تمر جيـِّد، أو زبيب جيـِّد، أو ثلاثة من غير ذَلِكَ من [230] الحبوب الستِّ أو من التمر أو زبيب غير جيـِّد، قلت: أو من غير الستِّ مِمـَّا هو طعام أهل المحلِّ، لعموم قَوله تَعَالىَ في كَـفَّارَة الأيمان: {من أوسط ما تطعمون أهليكم}.

 

 وعدم القيد في آيـَة هذه السورة، وقال: هو مدَّان من برٍّ أو دقيق أو سويق، أو أربعة أمداد من تمر أو شعير؛ وقال الشافعيُّ: لِكُلِّ مسكين مدٌّ من طعام بلده الذي يقتات به حنطة أو شعيرا أو أرزا أو تمرا أو إقطا، والمدُّ مدُّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عند كُلِّ من يعتبر بالكيل أو به أو بالإيكال، وَاحتَجَّ الشافعيُّ بِأَنَّ مراتب الإطعام مختلفة كمًّا وكيفا، وليس حمله عَلَى بعضها أولى من الحمل عَلَى البعض، فليحمل عَلَى أدنى مَا يصدق عليه، وَهُوَ المدُّ، وفيه أَنـَّهُ إذا صرنا إلى ذَلِكَ لزم أن يصدق عَلَى قبضة وأقلَّ.

 

 وأنَّ ذَلِكَ خروج عَمـَّا جاء به الحديث إذ مَرَّ في حديث أوس أَنـَّهُ أمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يطعم كُلَّ مسكين نصف صاع من برٍّ وَذَلِكَ مدَّان، وخروج عَمـَّا قال عليٌّ وعائشة: لِكُلِّ مسكين مدَّان من برٍّ، ولأنَّ المعتبر حاجة اليوم لِكُلِّ مسكين فَذَلِكَ كصدقة الفطر، ولا بدَّ من صرف الإطعام إلى سِتـِّينَ مسكينا في صحيح المذهب عندنا وعند الشافعيِّ ولا يجزي أن يطعم ذَلِكَ لأقلَّ منهم، مثل أن يؤكل إنسانا واحدًا غداء وعشاء سِتـِّينَ يوما أو عشرة سِـتَّة أيـَّام، وهكذا، ولا أن يكال لواحد أو اثنين أو أكثر ما يكال لسِتـِّينَ؛ وأجاز أبو حنيفة وابن محبوب ذَلِكَ كلَّه، وفشا في المذهب عَلَى أنَّ المـُرَاد في الآيـَة: فإطعام طعام سِتـِّينَ مسكينا، وفيه إلغاء ظاهر الآيـَة.

 

 وعمل بمضمر لا دَلـِيل عليه، سوى دعوى دفع الحاجة، وفيه أَنـَّهُ قد لا تندفع ولو بالكيل له، وأنَّ في إطعام كُلِّ واحد من سِتـِّينَ دفع حاجة يوم وليلة، فوجب حمل الآيـَة عَلَى ظاهرها، وَأَيضـًا إدخال السرور في قلب سِتـِّينَ مسكينا أقرب إلى رضَى الله من إدخال السرور في قلب الواحد.

 

{ذلك} مبتدأ خبره

 

{لتؤمنوا بالله ورسوله} أو مفعول لمحذوف معلَّل بقوله: {لتؤمنوا} أي أوجبنا ذَلِكَ، أو قلنا ذَلِكَ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي لتعملوا بشرائعه، وترفضوا الجاهلـيَّة [231] من التحرير بالظهار، فسمَّى العملَ بها إيمانا بالله ورسوله، لأَنـَّهُ مسبـَّب عن الإيمان بهما، والإشارة إلى ما ذكر من البيان والتعليم، وكونها بصيغة البعد لعلوِّ مرتبة الحكم الشرعيِّن واستدلَّت المعتزلة بهذه اللام عَلَى أنَّ أفعال الله معلَّلة بالأغراض، فإن قالوا: أراد الله إيمانهم لزمهم وصف الله بالعجز في شأن من لم يؤمن وبنقصٍ يستكمل بعدمه.

 

 وإن قالوا: عرضهم إيـَّاهم دون إرادته فقد وصفوه بأنـَّه متـَّصف بالنقص حين احتاج إلى شيء يكمل به تَعَالىَ الله عن العجز والنقص والحاجة؛ ومذهبنا أنَّ الإيمان تارة يطلق عَلَى التصديق وتارة عَلَى العمل بعده، وتارة عليهما، فإمـَّا أن نفسِّر الإيمان بلازمه ومسبـَّبه وَهُوَ العمل كما فسَّرته آنفا، وإمـَّا أن نفسِّره بما ذكرت من التصديق عَلَى أنَّ المعنى: لتقرُّوا بالله ورسوله في إقراركم بهذه الأحكام، فإنـَّهم إذا أقرروا بها فقد قالوا: إنَّ الله حقٌّ وإنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم جاء بها منه.

 

{وتلك حدود الله} تلك الأحكام المذكورة في شأن الظِّهَار حدود الله يوقف عندها لا تتجاوز بالترك أو بالنقص منها، كالصوم بلا تتابع، وإشارة البعد تعظيم، وفي الكلام حصر لتعريف الطرفين، وَهُوَ إضافيٌّ لأَنَّ حدود الله لا تنحصر في أحكام الظِّهَار، فالمعنى أَنـَّهُ لا حدَّ لله في شأن الظهار ما ذكر، أي إنـَّما حدوده فيه ما ذكر لا ما خالف ما ذكر.

 

{وللكافرين} أي المنكرين لكون ذَلِكَ حدودا من الله جلَّ وعلا، أو لمن لا يعمل بها ولو أقرَّ بها.

 

{عذاب أليم(4)} شديد الإوجاع حـتَّى كأنـَّه نفسه متألـِّم، أو مؤلـِم ــ بكسر اللام ــ فعيل من الثلاثيِّ بمعنى مفعِل ــ بكسر العين ــ من الرباعيِّ، والله غنيٌّ عن إقامتهم الحدود والوعيد عَلَى الكفر بها أو عَلَى ترك العمل بها بأن يمسَّ قبل التكفير أو يصوم وقد استطاع العتق، أو يطعم وقد استطاع الإعتاق أو الصوم، أو يصوم أو يطعم دون ما يجزي ويمسُّ، وإمـَّا أن لا يكفِّر ولا يمسّ حـتَّى تمضي أربعة أشهر، فتبين بإيلاء الظِّهَار فلا كفر به إِلاَّ ما فعل من إيقاع الظِّهَار الذي هو منكر من القول وزور. [232] وقد مَرَّ أنَّ مذهب الأشاعرة أن لا تفوت بمضيِّ الأربعة ولا بمسـِّها قبل التكفير فالوعيد عندهم عَلَى الكفر بالأحكام، ويحكمون عليه بالإثم أو بالفسق لمضيِّ الأربعة، والبقاء بعدها بلا تكفير ولا جماع، لأَنَّ فيه إضرارًا بها، ومرَّ أَنـَّهُ يقهر عندهم بعدها عَلَى التكفير ليوفي بوطئها.

 

{إنَّ الذين يحادُّون الله ورسوله}: يجعلون أنفسهم في حدٍّ غير حدِّ الله ورسوله بمخالفة حكمهما كالعدوِّ يكون في حدٍّ غير حدِّ عدوِّه، فمن خاف الله ورسوله فقد عاداهما وحاربهما، فـ«يحادُّ» يُفاعل من الحدِّ، مشتقٌّ من المحادَّة بالمعنى المذكور من كونه في حدٍّ غير حدِّهما، وقال المبرِّد: «من المحادَّة بمعنى الممانعة كما يقال للبوَّاب: حدَّاد، وللممنوع من مال: محدود». وقال أبو مسلم الأصفهاني: «من المحادَّة التي هي مفاعلة من الحديد، والمراد: المقابلة بالحديد سواء أكان ذَلِكَ حقيقة أو مخالفة شديدة ومنازعة شبيهة بالخصومة بالحديد، ومأصدق ذَلِكَ كلـِّه واحد، وَهُوَ المشاقـَّة بالتكذيب، ومن أجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز أجاز أن يكون ذَلِكَ في الآيـَة لله بالتكذيب، ولرسوله وأصحابه بالقتال، والمراد بالذين يحادُّون الكافرين؛ ويجوز أن يراد المنافقون بإضمار الشرك، فإنـَّهم يظاهرون المشركين عَلَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه بما قدروا من الكلام وإفشاء السرِّ وبالمال. وذكر المحادَّة بعد ذكر لفظ «حدود» مطابقة وتلويح بأنـَّهم شرعوا حدودًا غير حدود الله.

 

{كُبِتوا} أي أخزوا أو أذِلُّوا، أو خذلوا، أو أهلكوا، أو لعنوا، أو غيظوا، أو كبـُّوا؛ أبدلت الباء تاء، وقد قيل: المعنى: سكبتون([46]) يوم بدر، أو كتب عليهم الكبت.

 

{كما كُبت الذين من قبلهم}: من كفار الأمم السالفة المعادين لرسلهم عَلَيهِم السَّلاَمُ.

 

{وقد أنزلنا آيات بَـيِّـنَات}: واضحات عَلَى ما فعلنا بهم من العقاب، كما يوجد أماراته في بلاد ثمود وغيرها. وإنزال الآيات إثباتها وإيقاعها، أو آيات تقرأ واضحات في صدق رسلهم، أو في الإخبار عن كتبهم. والجملة معطوفة عَلَى «كبت الذين من قبلهم»، أو حال من واو «كبتوا» أي كبتوا والحال أنـَّا قد أنزلنا [233] آيات بَـيِّـنَات في مَن حادَّ قبلهم.

 

{وللكافرين}: بما يجب الإيمان به كتلك الآيات، أو بتلك الآيات، ويلحق بها غيرها.

 

{عذاب مهين(5)} مذلٌّ ومحقر، مذهب لغرهم([47]) وكبرهم، وَذَلِكَ عذاب جهـنَّم كما قال:

 

{يوم يبعثهم الله جميعا}: فإنَّ يوم القيامة يبعثهم، مُتَعلِّق بما يَتَعلَّقُ به «للكافرين»، وَهُوَ ثابت، أو ثبت، أو نحوهما، أو بمجموع «للكافرين» لنيابته عَن ذَلِكَ المحذوف، أَو بـ«مهين»؛ ويجوز أن يكون المعنى: عذاب مهين عند الموت وفي القبر بعد البعث وفي النار، على أنَّ «يوم يبعثهم» مفعول به لمحذوف، أي يذكر يوم يبعثهم، وهذا تهويل لليوم، و«جميعا» حال ومعناهم([48]) لا يبقى أحد منهم غير مبعوث أو بمعنى معا، أي يبعثهم مرَّة دفعة واحدة بنفخ البعث لا واحدا بعد واحد،

 

{فينبـِّئهم بما عملوا}: من القبائح حـتَّى تَـتـَّضِح لهم، ولا يمكنهم الإنكار، وبعد ذَلِكَ يعاقبهم العقاب الدائم؛ أو التنبيه([49]) بما عملوا كناية عن العقاب عليه، أو ينبـِّئهم بما عملوا عَلَى رؤوس أهل الموقف فضيحة لهم وخزيا بتوبيخ، حـتَّى إنـَّهم ليتمنـَّون أن يسارع بهم إلى النار استحياء من الحاضرين والسامعين من الجنِّ والإنس والملائكة، فالفضيحة أشدُّ عليهم من العذاب؛ وأجاز بعض العلماء أن يكون المـُرَاد بالتنبيه[كذا] تصوير قبائهم بصور محسوسة هائلة تخييلا لهم ولم يثبت عندنا هَذَا،

 

{أحصاه الله} حال من ماء([50])، أو من رابطها المحذوف، أو مستأنف جواب سؤال، كأنـَّه قيل: كيف ينبـِّئهم بها؟ وهي أعراض غير باقية مع تطاول الدهور؟ فقال تَعَالىَ: إنـَّه عالم بها لم يفته منها شيء، أو لماذا ينبـِّئهم؟ فقال: لأَنـَّهُ أحصاه ونسوه فيعلمون أنَّ العذاب من أجله؛ ولا يجوز تقدير السؤال هكذا: ما كيفيـَّة التنـبيه؟ لأَنَّ قوله عزَّ وجلَّ: {أحصاه الله} لا يكون جوابا له، إذ ليس فيه بيان كيفيـَّة التنبيه.

 

{ونسوه}: عطف عَلَى «أحصاه الله»، أو حال من هاء «أحصاه»، عَلَى تقدير «قد» أو بدونه عَلَى الخلاف في الماضي المتصرِّف المثبت المجرَّد إذا وقع مع مرفوعه حالا هل يجب قرنه بـ«قد». وفي تذكيره إيـَّاهم ما نسوا مزيد توبيخ إذ كان عَلَى التفصيل بالكيفيـَّة و[234]الكَمِّيـَّة والزمان والمكان، وليس في الآيـَة التصريح بالزمان والمكان.

 

{والله على كل شيء شهيد(6)}: فلا يخفى عنه من أعمالهم شيء من كمٍّ وكيف وزمان ومكان، وهذا برهان للتنبيه والإحصاء.

 

{ألم تر أنَّ الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض}: برهان ثان عَلَى التنبيه والإحصاء. والاستفهام للإنكار، أي لنفي انتفاء الرؤية، فتثبت أو لتقرير الرؤية إن كان الخطاب للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أو غيره ممـَّن يصلح له، أو للتوبيخ إن كان لمن أنكر أن يعلم الله ما في السماوات وما في الأَرض. والرؤية بمعنى العلم اليقين الشبيه بحسِّ البصر في المشاهدة لقوَّة دلائله، لأَنَّ دلائلة مشاهدة بالبصر، فكأنـَّه ــ أعني علمه تَعَالىَ بهما ــ مشاهد بالبصر، فإنَّ أفعاله تَعَالىَ متقنة كما ترى في عجائب السماوات والأرض وتركيبهما، وكذا في الحيوانات، وكلُّ من كانت أفعاله كذلك فهو عالم كما يدرك بديهة، فَذَلِكَ كقوله تَعَالىَ: {ألم تر أَنـَّهُم في كُلِّ واد يهيمون}، أي ألم تعلم علما يقينا مقاربا للمشاهدة بالبصر فيما يدرك بالبصر، لأنـَّك تشاهد بسمعك ألفاظ الشعراء وتفهمها.

 

 وقوله تَعَالىَ: {ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربـِّه} فإنـَّه تَعَالىَ جعل في قلبه صلَّى الله عليه وسلَّم يقينا بالبرهان في قصَّة نمرود، وكذلك جعل االله في قلوب المؤمنين جزما بها تقليدا، والمراد بما السماوات وما في الأرض ما فيهما من غير أجزائهما وما فيهما من أجزائهما، وما بين سماء وأخرى وما بين سماء وغيرها. والدليل عَلَى أنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ عالم بِكُلِّ شيء أَنـَّهُ لو علم بعضا فقط لاحتاج علمه بالبعض إلى مخصِّص وَهُوَ محال عَلَى الله، مع أنَّ علمه قديم؛ والمعلومات مشتركة في صحَّة المعلوميـَّة. وقدَّم ما في السماوات على ما في الأَرض إيذانا بأنَّ [ما] في السماوات ليس بعيدا عن إدراك أنَّ الله عالم به كما لم يبعد إدراك أَنـَّهُ عالم بما في الأَرض وللترتيب، فإنَّ السماوات محلُّ الوحي وفوقهنَّ اللوح المحفوط، ومن جهتهنَّ كتب الله جلَّ وعزَّ ولا إله إِلاَّ الله.

 

{ما يكون من نجوى ثلاثة إِلاَّ هو رابعهم}: برهان ثالث عَلَى التنبيه والإحصاء [235] والمعنى أنَّ المحادثة لا تحصل في سرٍّ بين ثلاثة إِلاَّ علم الله بها، ولا بين اثنين، ولا بين أربعة فصاعدًا إِلاَّ علمها، فالنجوى محادثة السرِّ، و«مِن» صلة للتأكيد ونجوى فاعل، وألفه للتأنيث، و«هو رابعهم» حال من ثلاثة، والرابط الهاء، وكان الحال من المضاف إليه، لأَنَّ المضاف كجزء منه، فإنَّ كلام الإنسان كجزء منه، ولأنَّ المضاف إليه فاعل في المعنى، فإنَّ النجوى بمعنى التناجي فهو كالمصدر المضاف لفاعله، وكذا فيما بعدُ من المعطوفات، لأَنَّ العطف عَلَى المضاف إليه. وذِكر «يكون» مع تأنيث «نجوى» لأَنـَّه ظاهر مجازي التأنيث، وللفصل، ولكونه بمعنى المذكور وَهُوَ التناجي ولاكتساب التذكير من المضاف إليه إذ يغني، فلو قيل: ما يكون ثلاثة إِلاَّ الله رابعهم لكفى في المعنى المـُرَاد من انكشاف سرِّهم إليه.

 

 وقرئ: «ما تكون» بالتاء الفوقيـَّة عَلَى التأنيث، وقد علمت أنَّ النجوى اسم مصدر مضاف لثلاثة، والثلاثة رجال أو أناسي، ويجوز أن يكون النجوى بمعنى المتناجين، فالنجوى وصف بمعنى الرجال أو الأناسي المتناجين ولم ينوَّن ألف التأنيث. و«ثلاثة» نعت لـ«نجوى» تابع للفظه والمحلُّ الرفع؛ أو «نجوى» باق عَلَى المعنى المصدريِّ، و«ثلاثة» نعت «نجوى»، عَلَى حذف مضاف، أي ما يكون من أهل نجوى ثلاثة؛ أَو سمَّاهم نجوى عَلَى طريق المبالغة فلا يقدَّر مضاف. قال  الله جَلَّ جَلاَلُهُ: {وإذ هم نجوى} سمَّاهم نجوى مبالغة، أو عَلَى تقدير ذوو نجوى، وسمَّى تحادث السرِّ نجوى لأنـَّه في الامتناع عن سماع الغير كالشيء الممتنع عن اتـِّصال الغير لكونه في الأَرض نجوة مرتفعة أو مكان مرتفع.

 

 وقرأ ابن أبي عبلة بنصب «ثلاثة» و«خمسة» عَلَى الحالية لمحذوف، أي يتناجونها ثلاثة؛ وجملة «يتناجونها» نعت «نجوى» أو عَلَى الخبريـَّة لـ«يكون»، و«نجوى» اسمها مبالغة، أو بمعنى متناجين، أو بتقدير أهل نجوى، وَهُوَ عائد إلى الله، كما قرأ ابن مسعود: «إلى([51]) الله رابعهم، ولا أربعة إِلاَّ الله خامسهم، ولا خمسة إِلاَّ الله سادسهم، ولا أدنى من ذَلِكَ ولا أكثر إِلاَّ هو معهم إذا أخذوا في التناجي»، كذا في مصحفه.

 

 ومعنى «رابعهم»: جاعلهم أربعة بنفسه [236] لعلمه بما يتناجون كالحاضر معهم، ولأنـَّه الخالق لكلامهم الذي تناجوا به، والحافظ لهم عن الفناء تَعَالىَ عن المكان، ولم يصرِّح هنا بقوله: «ولا أربعة إِلاَّ هو خامسهم»، كما صرَّح به مصحف ابن مسعود واكتفى عنه بقوله: {ولا أدنى من ذَلِكَ ولا أكثر}، واكتفى أيضًا بقوله: {ولا أدنى} عن أن يقول: ما يكون من نجوى اثنين إِلاَّ هو ثالثهم ولا ثلاثة إِلاَّ هو رابعهم، لأَنَّ الله وتر يحِبُّ الوتر، فصرَّح بالأوثار([52]) المذكورة، وأحال باقيها والأشفاع عَلَى قوله: {ولا أدنى من ذَلِكَ ولا أكثر}، ففي الاقتصار عَلَى الأعداد الفرد تصريحا إشارةٌ إلى أَنـَّهُ يشرع مراعاة الأمور الإِلهِيـَّة في الأمور، فيختار الوتر لأَنَّ الله وتر يحِبُّ الوتر، ونحبُّ من أنفسنا العفو لأَنَّ الله عفوٌّ، والسخاء لأنـَّه جواد، والعلم لأنـَّه عالم، وهكذا فيما يَـتـَّصِفُ به سواه تَعَالىَ معه، ولا بُدَّ من اختلاف حقيقة الوصف بينه وبيننا؛ ولأنَّ الشفع كالمتنارعين([53]) والوتر كحاكم بينهما، يتجابد[كذا] الشفع إثباتا ونفيًا، يثبت واحد شيئا، وينفيه الآخر فيحكم الثالث.

 

 أو يثبته اثنان وينفيه اثنان فيحكم الخامس، وهكذا سائر الأوتار بعد الأشفاع المشار إليها بقوله: {ولا أكثر}، وبذلك تـتِمُّ المشاورة، فإنـَّه لا بُدَّ فيها من واحد مقبول القول، فالآية تشير لِذَلِكَ ولو أمكن خلافه في المشورة والحكم، وتلوِّح إلى أنَّ الخلق شفع والله وتر يحكم بينهما، ولأنَّ الاثنين إذا تناجيا عن الثالث ضاق قلبه، وإذا تناجى الأربعة اثنين اثنين نفي الخامس فيضيق قلبه وهكذا، فقال الله جلَّ وعلا: «أنا جليس الثالث، وأنا جليس الخامس»، وهكذا فمن انقطع عن الخلق وجد عندهم خلاف أو لم يضع[كذا] وأيّ خلف، وقيل: ذكر الله أَنـَّهُ رابع الثلاثة وسادس الخمسة لأَنـَّهُ اجتمع ثلاثة من المنافقين يتحدَّثون نجوى ليغيظوا المؤمنين، واجتمع خمسة كذلك، فجاءت الآية بلفظ ذَلِكَ، وأشارت إلى غيرهم بقوله: {ولا أدنى...} إلخ، وليس معنى الآيـَة خَاصًّا بهم، بل يَعُمُّ كُلَّ ثلاثة وكلَّ خمسة لمقام النكرة بعد النفي. وعن ابن عبـَّاس: «نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أميـَّة تحدَّثوا، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ وقال [237] الآخر: يعلم البعض، وقال الثالث: إن عَلِمَ البعضَ علم الكلَّ».

 

{ولا خمسة إِلاَّ هو سادسهم}: عطف عَلَى معمولي عامل واحد، وكذا في قوله:

 

{ولا أدنى من ذلك}: واحد ينافي نفسه، واثنان،

 

{ولا أكثر}: كأربعة وَسِـتَّة،

 

{إلاَّ هو معهم}: والعامل الواحد: نجوى، بمعنى التناجي، والمعمولان ثلاثة فإنـَّه فاعل لـ«نجوى» أضيف إليه «وهو معهم» فإنـَّه حال وعامله «نجوى»، و«خمسة» معطوف عَلَى «ثلاثة»، «وهو سادسهم» معطوف عَلَى «هو خامسهم»، و«لا» زائدة بمعنى إقحامها بين العاطف والمعطوف، ومعنى النفي باق، وفَتحُ «أكثر» جرٌّ كما علمت مِمـَّا ذكرت من الجرِّ، و«أدنى» و«أكثر» بمعنى الناس المتناجين، لا بمعنى التناجي، أي ولا ناس أقلُّ من ثلاثة وخمسة، ولا ناس أكثر من ثلاثة وخمسة، والتقدير: ولا نجوى أدنى... إلخ، أي: ولا ينافي أدنى...إلخ، ويجوز جعل «نجوى» بمعنى ناس متناجين ــ كما مَرَّ ــ فيكون عطف خمسة وأدنى وأكثر عليه تبعا للَّفظ، والمحلُّ رفع([54]) عَلَى كُلِّ حال، لأَنَّ نجوى مقدَّر الرفع بـ«كان»، وثلاثة مقدَّر الرفع لأَنـَّهُ فاعل لاسم المصدر، أضيف إليه، ويجوز أن يكون «أدنى» اسم «لا»، وكذا في «لا أكثر» ففتح أكثر عَلَى هَذَا بناء. وقرئ برفع «أكثر» عَلَى الابتداء، أو عَلَى عمل «لا» عمل «ليس»، أو عطفا عَلَى «أدنى» عَلَى تقدير رفع «أدنى» بـ«لا» كـ«ليس»، أو بالابتداء أو على بالموحَّدة.

 

{أين ما كانوا}: أي في أيِّ موضع كانوا. «أين» شرطيـَّة أغنى عن جوابها الذي تتعلَّق([55]) به قوله: {هو معهم} وإن خرجت عن الصدر تعلَّقت بمتعلَّق معهم، أو بـ«معهم» لنيابته عنهم، و«ما» زائدة لتأكيد العموم، كأنـَّه كأنـَّه[كذا] قيل: في أيِّ موضع ما من المواضع ولو تحت الأَرض السابعة، فإنَّ علمه تَعَالىَ ليس بإدراك ولا بقرب، بل علمه قديم لا أوَّل له، فلا يتفاوت بقرب وبُعد.

 

{ثمَّ ينبـِّئهم}: وقرئ بإسكان النون وتخفيف الباء، والمعنى واحد فإنَّ الإنباء والتنبئة سواء، وليس التشديد مبالغة بل تعدية، اللهمَّ إِلاَّ أن يقال: المـُرَاد أَنـَّهُ بصورة المبالغة، فيختار في مقام المبالغة.

 

{بما عملوا يوم القيامة}: يجازيهم يوم القيامة بما عملوا، ومرَّ الكلام عَلَى هَذَا، وفي [238] تنبئتهم تفضيح لهم، واظها([56]) لمـا أوجب عذابهم.

 

{إنَّ الله بِكُلِّ شيء عليم(7)}: لا يخفى عنه شيء، لأَنَّ نسبة ذاته إلى الأشياء كلِّها سواء.

{ألم تر}: يا محمَّد. والهمزة للتعجيب من أحوالهم العجيبة.

 

{إلى الذين نُهوا عن النجوى ثُمَّ يعودون لما نُهوا عنه}: هم اليهود يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، إهانة للمؤمنين، وقصدًا لإحزانهم، ونهاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعادوا إلى ذَلِكَ؛ والمضارع للتجدُّد، فهم يعودون لما نهو عنه من النجوى مرَّة بعد أخرى، فقد أفاد المضارع واستحضار([57]) عودهم حـتَّى كأنـَّه مشاهد في حال عدم وقوعه، وكأنـَّه أمر بالتعجُّب منه حال مشاهدته، واللام بمعنى إلى، وقيل: المـُرَاد المشركون، وفيه أنَّ السورة مَدَنِيـَّة، ولا عهد في المدينة للمشركين بالدخول عليه صلَّى الله عليه وسلَّم فيها، والتحيـَّة بالتكرُّر مع قول: عِم صباحا؛ وقيل: المـُرَاد المنافقون، وفيه أنـَّهم لا يقولون: عِم صباحًا، لأَنَّ ذَلِكَ مظهر لما يضمرونه من الشرك، ولا يقولون: السام عليكم، وإنـَّما يقوله اليهود، وقيل: المـُرَاد اليهود والمنافقون يتناجون، وتقول اليهود: السام عليك، فالتناجي كُلِّـيـَّة، والتحيـَّة كلٌّ.

 

{ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول}: عطف عَلَى «يعودون» فالتعجيب مسلَّط عليه أَيضـًا، والتكرير مـُرَاد، والتناجي المذكور قبل هَذَا في سائر أمورهم لا في إثم وعدوان ومعصية الرسول، ولكنـَّهم آثمون بنواهم إحزان المؤمنين وإهانتهم، والتناجي المذكور ثانيا هو نـتـاج([58]) بالإثم والعدوان ومعصية الرسول فهو تناجٍ بمكر وخدع، وما يسوم([59]) المؤمنين؛ ومن أجاز عطف التفسير بالواو أجاز أن يكون الأوَّل هو الثاني أجمل أوَّلاً، وفسـَّر ثانيا. ومعنى الآيـَة أَنـَّهُم يتناجون بما هو اتم([60]) في نفسه، وعدون([61]) للمؤمنين ومعصية للرسول إذ نهاهم ولم ينتهوا، فإنَّ المؤمنين شكوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نجوى اليهود، أو نجوى اليهود والمنافقين لمــَّا أكثروا ــ لعنهم الله ــ منها فنهاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [239] ولم ينتهوا فنزلت الآيـَة؛ وإن قلت: إذا كانت نجواهم في أمورهم المباحة أجملت أوَّلاً وبيـِّنت ثانيا، فكيف يسمَّى المباح إثما ومعصية وعدوانا؟

 

 قلت: اختلف العلماء في المباح المستعمل في معصية، فقيل: هو نفسه معصية وَهُوَ الصحيح، لأَنـَّهُ كسب أريد به محرَّم، ففاعله مذنب بنواه وبعمله، ولا تخفى صحَّته ورجحانه، ألا ترى سعي([62]) في محرَّم وكذا الطاعة المستعملة بالنية في معصية ــ قيل ــ هي نفسها معصية لأنـَّها عملٌ لغير الله وسعيٌ في سبيل الحرام؛ وإسرارهم إحزان وإهانة في قصدهم، فهو في نفسه ظلم للمؤمنين فهو كبيرة. وقيل: المباح باق عَلَى كونه مباحًا، والطاعة عَلَى كونها طاعة، والذنب إنـَّما هو النية وحدها والصحيح الأوَّل. ويجوز وجه آخر هو أن يكون الإثم والعدوان ومعصية الرسول هي نفس مخالفتهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في نهيه إيـَّاهم عن النجوى، ولا تستبعد([63]) تصحيح الأوَّل، فإنـَّه لو قيل: إذا أردت قتل فلان ممـَّن لا يحلُّ قتله فقل لا إله إِلاَّ الله فإنـِّي أقتله، فإذا قال لا إله إِلاَّ الله، فلا شكَّ أنَّ معناها...([64])

 

 ولكن استعمالها أمرا بقتل معصيةٌ، فنطقه بها معصية ومضمونها توحيد. وإنـَّما سكـِّن واو «يتناجون» سكونا حيـًّا لأَنـَّهُ دخل عَلَى ما ختم بالألف، وهي بدل من واو «نجوى»، فكان تاليـًا للفتحة بعد حذف الألف. وقرأ حمزة: «ينـتـجون»([65]) ــ بإسكان النون بعد تاء مفتوحة بدون ألف بعدها وبجيم مضمومة وواو ساكنة سكونا ميـِّتا ــ وَهُوَ يفتعل من النجوى بمعنى: يتناجون، فهو من الافتعال الذي بمعنى التفاعل كـ«اجتوروا» بمعنى تجاوروا وازدوجوا بمعنى تزاوجوا، واعتوروا بمعنى تعاوروا، وادَّرك بمعنى ادَّارك، أي تدارك؛ وَيَدُلُّ لقراءة الجمهور قَوله تَعَالىَ: {إذا ناجيتم الرسول} وقوله: {وتناجوا بالبرِّ والتقوى}، وليست قراءة حمزة مطاوعة ناجى يناجي. وقرئ: «ومعصيات الرسول» بالجمع وَذَلِكَ أَنـَّهَا وجدت في المصحف الإمام بالتاء المجرورة في السطر بدون ألف، فبعض يقرأها جمعا بالألف والتاء، وحذفت الألف من الخطِّ كما اعتيد في سائر جموع السلامة، وبعض يقرأها [240] مفردا بدون ألف فيقول: إنَّ كتب هذه التاء مجرورة في السطر لا بصورة الهاء من شذوذ خطِّ المصحف. وقرئ بكسر عين العدوان، وقيل: كسرها وجمع معصية قراءة حمزة. ولم يقل ومعصيتك بل لفت الكلام إلى الغيبة تشنيعا عليهم بأنـَّهم عصوا من هو رسول من الله جلَّ وعزَّ.

 

{وإذا جاءوك حيـَّوك بما لم يحيـِّك به الله}: وهو قولهم: «السام عليك» وهو الموت، يغلطون السامع في صوت اللفظ، والله تعالى يقول: {وسلام على عباده الذين اصطفى}، ويقول: {وسلام على المرسلين} ويقول له جبريل: «يقول لك الله: السلام عليك» وهو معنى قوله: «ربـُّك يقرئك السلام».

 

{ويقولون في أنفسهم لولا يعذِّبنا الله بما نقول}: معنى في أنفسهم فيما بينهم، أو في قلوبهم، ويعني كُلُّ واحد في نفسه نفسَه وأنفس أصحابه لعلمه بأنـَّهم يقولون كما يقول. و«لولا» بمعنى هلاًّ، وهي تحضيض على طريق الاستهزاء بالنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، أي عذِّبنا يا ربِّ إن كان محمَّد رسولا، أي لو كان رسولا لعذبنا الله بما نقول. وعلى تقدير أنَّ القول هو قول المشركين: «عِم صباحا» فالعذاب المفروض في استهزائهم على مخالفتهم لنهيه صلَّى الله عليه وسلَّم عن قول: «عم صباحا».

 

{حسبهم جهـنَّم} عذابا بدل العذاب الذي قالوا فيه: «لولا يعذِّبنا الله»، جعلهم الله كأنـَّهم طالبون للعذاب تحقيقا فقال: يكفيهم عذاب جهـنَّم، أو أَنـَّهُم لا يرتدعون عن قولهم إلاَّ بعذاب ولهم عذاب جهـنَّم الذي هو فوق كُلِّ عذاب إذا عاينوا الأمر عند الموت أو في القبر تـيـقَّـنوا بجهنَّم جزاء على قولهم، وأيقنوا ببطلان قولهم، فإنَّ اليقين بها أو مشاهدتها كما يشاهدونها في قبورهم ومن قبورها كدخولها في الارتداع ولات حين انتفاع به.

 

{يصلونها}: يدخلونها حال من هاء «حسبهم»، أو من «جهـنَّم» مقدَّرة لأنـَّهم حال الموت، وفي القبر يعلمون أَنـَّهُم من أهلها. والعذاب بحسب المشيئة فإذا شاء الله تأخيره إلى جهـنَّم تأخَّر، وليس متروكا عذابهم تركا، ولا أَنـَّهُم لا يستحقُّونه لقولهم. ويجوز أن يكون المعنى: حسبهم في الوعظ بترك القول ثبوت جهـنَّم على قولهم ذَلِكَ يصلونها إن لم يرتدعوا [241] عنه. {فبئس المصير(8)}: جهـنَّم أو فبئس المصير هو.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا}: بألسنتهم، وهم المنافقون المضمرون للشرك على أنَّ ما تقدَّم لليهود أو للمشركين، وأمـَّا على أنَّ ما تقدَّم للمنافقين أولهم ولليهود فهذا للمؤمنين بِأن نهاهم الله أن يسلكوا طريق المنافقين في التناجي بما يضرُّ الناس.

 

{إذا تناجيتم} فيما بينكم في مجامعكم.

 

{فلا تتناجوا بالإثم} بما هو ذنب بينكم وبين الله أو بينكم وبين الخلائق.

 

{والعدوان}: ما يكون عداوة فيما بينكم.

 

{ومعصية الرسول}: بمخالفته. وقرئ: «فلا تناجوا» بإسقاط إحدى التاءين، وقرئ فلا تنتجوا [كذا] ــ بإسكان النون وإسقاط الألف وبضمِّ الجيم وإسكان الواو ميـِّتا ــ.

 

{وتناجوا بالبرِّ والتقوى}: أي بالطاعة وترك معصية الله أي مروا في تناجيكم بالمعروف ونهوا([66]) عن المنكر أو تناجوا بما يتضمَّن الإحسان إلى المؤمنين وحذر معصية الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وَالآيـَة تتضمَّن قلَّة التناجي والأمر بقلَّتها كما قال: {لا خيرَ في كثير من نجواهم...} الآيـَة، فإنَّ الدعاء إلى الأمر الشرعيِّ جلُّه أن يظهر، وإذا عرفت طريقة الرجل بالمناجاة في ذَلِكَ لم يتاد([67]) أحد من مناجاته، لكن قد يخطر مع ذَلِكَ تأذِّي السامع بِأَن يتوهَّم أنَّ المناجاة فيما يضرُّ، وقد لا يعرف أَنـَّهُ يناجي بالحقِّ، وَلِذَلِكَ جاء الحديث بالنهي عن تناجي اثنين عن واحد مطلقا.

 

{واتـَّقوا الله الذي إليه} لا إلى غيره، ولا إليه وإلى غيره.

 

{تحشرون(9)} قَدَّمَ إليه للحصر والفاصلة والحشر لجزائهم بما يأتون وما يذرون بل القصد بلفظ الحشر إليه إحضارهم للحساب في الموقف لأَنَّ الله جلَّ وعلا منزَّه عن المكان.

 

{إنـَّما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}: أي ليحزن بها المؤمنين، و«ال» في النجوى للعهد بقوله: {نُهوا عن النجوى}، لأَنـَّهُ المذكور بهذا اللفظ، فهو أولى مِمـَّا ذكر بلفظ الفعل أو لحقيقة النجوى المعهودة السيـِّئة المذكورة بِذَلِكَ اللفظ والمعلومة من قوله: {فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول}، وخرجت نجوى الخير التي لا تضرُّ، والنجوى المباحة لعدم قصد السوء بها وعدم توهُّمه بقوله: {من الشيطان ليحزن الذين آمنوا} وكانوا [242] يتناجون ليحزن المؤمنون بنجواهم لأنـَّهم يظنـُّون أَنـَّهُم يتناجون في عيوبهم أو في خبر عن الغازين يسوء. ويقال: إنَّ المؤمنين إذا رأوهم متناجين قالوا ما نراهم إلاَّ وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا غزاة إنـَّهم قتلوا وهزموا وهزموا[كذا]. وفي حصر النجوى على الشيطان مزيد تقبيح لها بأنـَّه كُلُّ من فعلها فإنـَّما جاءته من الشيطان بالوسوسة بها والأمر بها والتزيين لها وقبلها. و«من الشيطان» خبر و«ليحزن» فضلة مُتَعلِّق بالاستقرار الذي تعلَّق به «من الشيطان»، أو بـ«من الشيطان» لنيابته عنه وهو تابع للمحصور عليه ولا حصر فيه كما يقول: ما أكرمت إلاَّ مكرم زيد لله ف«للهِ» مُتَعلِّق بمكرم ولا حصر فيه. وإن علقنا «من الشيطان» بـ«النجوى» لأَنَّ التناجي بأفواههم تناج من جهته إذ كانت بأمره؛ أو بمحذوف حال من المبتدإ على القول بجوازه؛ أو بمحذوف معرَّف نعت، أي: إنـَّما النجوى الثابتة من الشيطان فالخبر «ليحزن»، والحصر فيه، أي: ما النجوى منه إلاَّ الآخران. وقيل: «من الشيطان» خبر أوَّل، و«ليحزن» خبر ثان، ووجهه رجع الحصر إلى الخبرين معا بمرَّة، كأنـَّه قيل: ما النجوى إلاَّ محتويه على أَنـَّهَا من الشيطان، وعلى أَنـَّهَا للإحزان. وأمـَّا أن يعلَّق «ليحزن» بالإستقرار على أَنـَّهُ خبر ثان ويجعل الحصر على «من الشيطان» فلا، إذ المحصور عليه بعد إنـَّما لا يكون إلاَّ متاخرا.

 

{وليس}: أي ليس الشيطان.

 

{بضارِّهم}: بوسوسته، أو ليس النجوى، وذكرها مع الإضمار لمعنى التناجي.

 

{شيئا}: من الأضرار.

 

{إلاَّ بإذن الله}: بقضائه ومشيئته أو علمه، فإن شاء أثـَّر فيهم وإن شاء فسح عن قلوبهم بالإخبار بِأَنَّ تناجيهم ليس في شأن المؤمنين وبصرف قلوب المؤمنين عن المبالاة بنجواهم.

 

{وعلى الله}: وحده لا على غيره، ولا عليه وعلى غيره.

 

{فليتوكَّل المومنون(10)}‏‏: فإنَّ من توكَّل عليه لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه، فإذا توكَّلتم عليه لم تبالوا بنجواهم ولم تضرَّكم و«على» مُتَعَلِّقَة بـ«يتوكَّل»، والفاء مزيدة لتأكيد التوكُّل عليه، ويجوز أن يكون التقدير: وعلى الله التوكُّل فليتوكَّل المؤمنون عليه.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسَّحوا} [243] توسَّعوا ولا تضامُّوا ليبقى مجلس لمن جاء، يقال: أفسح عَنـِّي، أي تنحَّ، وأرض فسيحة: واسعة، ولك فسحة: أي سعة. وقرأ الحسن وداود وابن أَبِي هند تفاسحوا أي ليفسح كُلٌّ عن الآخر وليس المـُرَاد أن تفسح لرجل ويفسح لك هو في وقت واحد ويمكن في أوقات

 

{في المجلس}([68]): جنس المجالس، أو المـُرَاد مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يَدُلُّ للأوَّل قراءة من قرأ: {في المجالس} لأَنَّ في المجالس ــ بالجمع ــ مُتَعلِّق بـ«قيل» و«في المجلس» بالإفراد مُتَعلِّق بـ«تفسحوا» أو بـ«قيل»، والقائل الواحد في مكان واحد لا يقول: تفسحوا في المجالس، لأَنـَّهُ ما عنده إلاَّ مجلس واحد ولا يطلب إلاَّ أهل مجلس واحد، وفيه أَنـَّهُ يجوز تعدُّد القائل لتعدُّد المجالس لقبول لفظ «قيل» لِذَلِكَ، لأَنـَّهُ مبنيٌّ للمفعول، فإذا قال هَذَا في مجلس وقال ذَلِكَ في مجلس وهكذا فقد قيل في مجالس؛ وأيضًا لا يخفى أَنـَّهُ يجوز أن يقصد بالمجالس مجلس كُلِّ أحد من أهل المجلس الواحد، فإن المجالس جمع مجلس، والمجلس اسم مكان، كما أنَّ في المسجد الواحد مساجد أي مواضع سجود. ويجوز أن يراد زمان الجلوس، وعلى هَذَا الوجه يَتـَعَيـَّنُ تعليقه بـ«قيل»، إلاَّ أن يعتبر أَنـَّهُم يرشدون قبل زمان الجلوس بالتفسُّح، أو اعتبر زمان بقاء الجلوس زمانا للجلوس؛ ويجوز كونه بمعنى الجلوس كما يَدُلُّ له قراءة فتح اللام مع الإفراد إذ هو حين الفتح مصدر ميميٌّ على القياس بخلاف الكسر، فإنـَّه في إرادة المصدر الميميِّ شاذٌّ.

 

 وإذا كان بمعنى المصدر الميميِّ تعيـَّن تعليقه يتفسحوا([69]) إِلاَّ أن يقدَّر مضاف، أي في زمان جلوسكم، فيجوز تعليقه بـ«قيل». والأقرب أنَّ المجلس في الآيـَة هو مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذ هو المجلس المعهود للذين آمنوا الذي يعظم التنافس عليه ويعلم منه حكم غيره من المجالس، لأَنَّ أحكامه تتعدَّى إلى أمـَّته، ولأنَّ الأصل في «الـ» التعريف، وأصل التعريف العهد؛ وكذا قراءة الجمع تحمَل على مجلس كُلِّ جالس حين الاجتماع عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وللقرب منه صلَّى الله عليه وسلَّم مزية عظيمة لمِـَـا فيه [244] من سماع حديثه ومن شرف المنزلة، فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «ليلتي([70]) أولوا الأحلام والنهي([71]) منكم» وكان يقدِّم الأفاضل من أصحابه، وكانوا لكثرتهم يتضايقون، فأمروا بالتفسُّح، لأَنـَّهُ أدخل في التحبـُّب وفي الاشتراك في سماع ما لاَ بُدَّ منه في الدين. قال عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «ثلاثٌ يصفين لك ودَّ أخيك:

 

 بدؤُك بالسلام، والفسح له، ودعاؤه بأحبِّ أسمائه». وكان الرجل يكره أن يضيق عليه ويحبُّ القرب من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى آله وصحبه، فربما سأله أخوه أن يفسح له فيأبى، فأمرهم الله بالتعاطف وتحمُّل المكروه من التفسح والالتصاق بفقراء أهل الصفَّة لعرقهم واتـِّساخ ثيابهم. قال مقاتل بن حيان: «كان صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الجمعة في الصفَّة وفي المكان ضيق، وكانوا يتضامُّون في مجلسه صلَّى الله عليه وسلَّم تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامة([72]) صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان يكرِّم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم ينتظرون أن يوسَّع لهم، وعرف صلَّى الله عليه وسلَّم ما حملهم على القيام وشقَّ ذَلِكَ عليه فقال لمن حوله من غير أهل بدر: «قم يا فلان» بعدد الواقفين.

 

 فعرفت الكراهة في وجوه الذين أقام جار أقصى [كذا] من سبق وأحب القرب وأقعد مكانهم من تأخَّر وأبطأ، فنزلت الآيـَة، وكان نزولها يوم الجمعة». ‏وعن ابن عبـَّاس: «نزلت الآيـَة في ثابت بن قيس بن الشماس، دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالهم، وأراد القرب من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لوقر أذنيه، فوسعوا له حـتَّى قرب، ثُمَّ ضايقه بعض وجرى بينهما كلام، ووصف له صلَّى الله عليه وسلَّم حبَّ القرب ليسمع فإنَّ فلانا لم يفسح له، ولمــَّا نزلت الآيـَة أمر القوم أن يوسِّع بعض لبعض ولا يقوم له».

 

 وقال الحسن: {إذا قيل لكم تفسَّحوا}: في مواقف القتال وسمَّى الموقف مجلسا، كما قال: {مقاعد للقتال}، وكان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا فيأبون لحرصهم على الشهادة». وفيه أنَّ الأصل في المجلس [245] أن لا يطلق على الموقف فلا تحمل عليه الآيـَة بلا دليل بخلاف قوله تعالى: {مقاعد للقتال} فإنَّ قوله للقتال دليل. فالآية في مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتلحق به مقاعد القتال، فإنَّ حال القتال ينبغى أن يكون مثله بل قد يكون أولى لأَنَّ الشديد البأس قد يكون متأخرا عن الصفِّ الأوَّل، والحاجة إلى تقدُّمه ماسـَّة وهي فريضة حال، والوعظ ربما كان بما لا يلزم الإنسان في حينه وكذا بعض القرآن، أو كان قد سمع مثله من آية أخرى، وَأَيضـًا يبلِّغ الحاضر الغائب، وفضل العلم أفضل لكن تقدَّم تنجية المسلمين عَلَى سماعه.

 

{فافسحوا} إكرما لأخيكم وإفراحا له عكس ما تفعله اليهود من إهانة المؤمنين وإحزانه([73]) بالنجوى.

 

{يفسح الله لكم} في كُلِّ ما تريدون التفسُّح فيه من علم ومال وقبر وصدر والجـنَّـة وغير ذَلِكَ، كما دَلَّ عليه عدم تقييد الفسح، فمن وسَّع عَلَى عباد الله أبواب الخير وسَّع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يزال الله في عون العبد مَا دام العبد في عون أخيه المؤمن»، فحذف المعمول للعموم، لا كما قيل: يُقَيـِّضُ الله لكم من يفسح لكم في المجلس، بل هَذَا بعض من العموم.

 

{وإذا قيل انشزوا فانشزوا} انهظوا([74]) في التفسُّح، فما قبل هَذَا في مطلق التفسُّح، وهذا في الإسراع فيه، ويجوز أن يكون المـُرَاد: انهضوا في وجه ما من وجوه الخير كالجهاد وإغاثة الملهوف والغسل للصلاة، ونحو ذَلِكَ، أو انهضوا بقلوبكم إلى الصلاة وأنواع الخير، وامضوا ولا تثاقلوا. روي أنَّ قوما يتثاقلون في الصلاة وهم مؤمنون ولا منافقون فأمروا بالقيام لها([75]) إذا نودي لها، وَبِهِ قال الضحَّاك وابن زيد، والمراد الإمضاء بالعزم والبدن فيها لا تخفيف الخـُطى إلى المسجد أو حيث يصلَّى، فإنـَّه لا يسار إلى الصلاة بالسرعة. ويجوز أن يراد: اخرجوا من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا طال عليه الكلام ولحقه الملل، كما قال: {ولا مستأنسين لحديث إنَّ ذلكم كان يؤذي النبيَّ...} الآية، وقرئ بِضَمِّ الشين في الموضعين أمر «نشَز» بفتح الشين، وقرئ فيهما بكسرها أمر «نشر»([76]) بفتحها.

 

{يرفع الله الذين آمنوا} [246] وعندهم من العلم ما يصلح به عملهم.

 

{منكم}: ولم يؤتوا العلم بالنصر وحسن الثناء في الدنيا، وبغرف الجـنَّـة ومراتبها في الآخرة.

 

{والذين أوتوا العلم} خصوصًا، وقد آمنوا،

 

{درجات} عالية على درجات من آمنوا ولم يؤتوا العلم، لأنـَّهم جمعوا بين العلم والعمل، وَذَلِكَ لفضل العلم، لأَنـَّهُ به يحسن العمل، ويقضي العمل ويأمر به، والعمل العاري عنه باطل، ولأنَّ العالم يقتدى به ولا يقتدى بغيره، والعلم إذا كان لله كلَّما ازداد زاد العمل وزادت صحَّة العمل وحسنه. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فضل العالم عَلَى العابد كفضل القمر ليلة البدر عَلَى سائر الكواكب». وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فضل العالم عَلَى العابد كفضلي عَلَى أمـَّتي». وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فضل العالم عَلَى العابد كفضلي عَلَى أدناكم. إنَّ الله عزَّ وجلَّ وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حـتَّى النملة في جحرها، وحتـَّى الحوت، ليصلُّون عَلَى معلِّم الناس الخير». وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فضل العالم عَلَى العابد سبعون درجة، ما بين كُلِّ درجتين كما بين السماء والأرض». وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:

 

 «فضل العلم أحبُّ إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع». ثُمَّ لا يخفى أنَّ الذنب يعظم حيث يعظم الثواب من العامل والمكان والزمان، وقد جاء الحديث أنَّ الزبانية تبدأ بحملة القرآن الفسقة، فيقولون: أبِـنا يبدأ؟! فقال: ليس من يعلم كمن لا يعلم، وَذَلِكَ أَنـَّهُ يعلم الحلال والحرام والتحرُّز عنه ومحاسبة النفس والخشوع والتذلُّل في العبادة والتوبة، وكيفيـَّتها والتحفُّظ عَلَى الحقوق، فكيف لا يعظم عقابه وَهُوَ كالمعتدِّ، بل لا مانع أن تكون صغائر غيره كبائر في حقـِّه، كما يعدُّ ما ليس ذنبا من مرجوح حلال أو مكروه ذنبا في حقِّ الأنباء([77]). وليس المـُرَاد الرفع في مجلس الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كما قيل، بل هَذَا من جملة الرفع.

 

{والله بما تعملون خبير(11)} تهديد لمن لم يمتثل التفسُّح في المجلس، وَهُوَ دَلـِيل عَلَى أَنـَّهُ ليس المـُرَاد التفسُّح في صفِّ القتال، لأَنَّ ترك التفسُّح فيه حرصًا عَلَى القتال لا ذنب فيه، وليس التفسُّح فيه أفضل من تركه ولا مساويا لتركه، بل هو دون تركه [247] إِلاَّ إن كان طالب الفسح تلحقه مضرَّة بعدم دخوله في الصفِّ، أو بالغ من قلبه في التفسُّح واشتدَّ، فالتفسُّح له واجب إذا كان تلحقه مضرَّة بدونه، ومستحبّ أفضل من تركه إذا بالغ. ويقصد بالتفسُّح إدخال الفرح عليه، وقري يعملون بالتحية([78]).

 

{يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} في بعض مهمَّاتكم ليرشدكم إلى الصواب، ويـبـيِّن لكم السفه، أَو علمتم الصواب وأردتم الأصوب، سواء في أمر الدنيا أو الدين.

 

{فقدِّموا بين يدي نجواكم} أي قبلها، شبـَّهها بمن له يدان، وبيان ذَلِكَ أَنـَّهُ إذا قدِّمت الصدقة عليها كان كمن مضى إلى موضع وقد مضى قدَّامه شيء.

 

{صدقة} ما، من مال تعطونها الفقراء، ثُمَّ تمضون للتناجي قليلة أو كثيرة بحسب رغبة مريد النجوى وكثرة ماله وقلَّته، وكثرة ذهابه إلى النجوى وقلَّته، فذو المال القليل يقلِّل ما يتصدَّق به ليُبقَى [كذا] لنفسه، وليجد ما يقدِّم مرَّة أخرى، وذو المال الكثير قد يكثِّرها لوفور ماله، أو لقلَّة ذهابه إلى التناجي، وإن قلَّلها أجزته، والظاهر أن يعطيها لفقير بحضرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو يوصلها بيده صلَّى الله عليه وسلَّم فيعطيها. وروي عن عليِّ بن أبي طالب أَنـَّهُ قال: «لمـَّا نزلت الآية دعاني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: كم؟ فقلت: حبـَّة أو شعيره([79])، قال: إنـَّك لزهيد» يعني قليل المال فقدَّرت عَلَى حسب حالك؛ والمراد بالحبـَّة حبـَّة من ذهب، وَهُوَ مقدار مخصوص قد بيـَّنته في حاسية([80]) السؤالات، وبالشعيرة وزن حبـَّة شعير من ذهب. وقال عليُّ بن أبي طالب: «إنَّ في كتب([81]) الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد قبلي([82]): كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلَّما أردت نجوى قدفت([83]) بين يدي نجواي درهما، فنُسخت فلم يعمل بها أحد قبلي([84])»، قلت: وأمـَّا بعده فلو قدَّم صحابيٌّ صدقة قبل نجواه لكانت مطلق صدقة لا إنفاذا للاية إذا نسخت، وناسخها عند الجمهور: {أأشفقتم...}.

 

 وعند بعض: {فإذ لم تفعلوا...}، وعند بعض: آية الزكاة. قال ابن جريج والكلبيُّ وعطاء عن ابن عبـَّاس: «إنـَّهم نهوا [248] عن المناجاة حـتَّى يتصدَّقوا فلم يناجه أحد إلاَّ عليٌّ تصدَّق بدينار ثُمَّ نزلت، وَذَلِكَ مع اتساع الوقت حـتَّى فنيت دراهمه العشرة»؛ فقد قال مقاتل بن حـبَّان: «بقي التكليف بتقديم الصدقة بين يدي النجوى عشرة أيـَّام ثُمَّ نسخت»، وَذَلِكَ مقدار الدراهم إذ يبعد أن يناجيه في اليوم الواحد عشر مرَّات، ولا بُعد في أن يناجيه في اليوم مرتين، فإنـَّه يقلِّل النجوى لعلمه بثقلها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كثرت، ولكن في بقائها عشرة مع عدم مناجاة أحد وتقديمه سوى عليٍّ بعدُ، لأَنَّ في الصحابة ذوي مال، فلا أرى إلاَّ كما قال الكلبيُّ: ما بقي ذَلِكَ التكليف إلاَّ ساعة من نهار فنسخ، اللهمَّ إلاَّ أن يقال: إنَّ ذوي المال من الصحابة علموا أو فهموا فهموا [كذا] أنَّ الأمر بتقديم الصدقة إراحة له لا يـخلا([85]) بالمال، واتفق أَنـَّهُ لم يحدث عليهم أمر دينيٌّ لا يوجد علمه إلاَّ عنده صلَّى الله عليه وسلَّم، وَذَلِكَ لا يجرُّ إليهم طعنا، أو إن كان صر صوابه [كذا] ولم يشغلوا له وقتا ويطيلوا، والأكثر من العلماء على أنَّ الصحابة وجدوا سعة الوقت للمناجاة ولم يناجوا كما مَرَّ عن مقاتل.

 

 وأيضًا المناجاة لا يلزم أن تكون في أمر الدين، فلعلَّ التي هنا هي التي للمؤانسة والتحبـُّب فلم يفعلها الأغنياء لِـئَلاَّ يحزن الفقراء إذ لا يجدون ما يقدِّمون، فكان تركها إذ لم تجب أولى، لأَنَّ فيها ألفة، وإذا تأخر الغنيُّ فلم يفعل لم يفعل الفقير ويجهد نفسه، لِـئَلاَّ تصيب الأغنياء وحشة من ذَلِكَ، والألفة أولى وليست المناجاة هذه واجبة ولا مندوبا إليها. وروي عن ابن عبـَّاس أنَّ المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حـتَّى شقَّ عليه ذَلِكَ فنزلت الآيـَة تخفيفا عنه ــ وهذا هو الظاهر أنَّ التناجي في أمر الدين إذ كانوا يسألونه عن الدين، قال: ــ ولمــَّا نزلت شحَّ كثير من الناس فكفُّوا عن السؤال؛ ففي إيجاب تقديم الصدقة فوائد: منها التخفيف عنه، ومنها تعظيم مناجاته صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

 فإنَّ في طبع الإنسان تعظيم ما يجده بمشقَّة، واستحقار ما يجده بسهولة، ومنها نفع الفقراء، فإنَّ المناجي يعطي الفقراء هو، ثُمَّ يتقدَّم للنجوى ويصدقه النبيء [249] صلَّى الله عليه وسلَّم ولا يكذبه كما صدق عليـًّا، ولا يظهر وقوع التصدُّق الكثير على الجمِّ الغفير فإنـَّه ما تصدَّق إلاَّ عليٌّ، وما تصدَّق إلاَّ بعشرة دراهم، وربما كان قد أعطاها لأقلَّ من عشرة ولو واحد فإنَّ الفقراء لم يجدوا ما يتصدَّقون، به والأغنياء شحُّوا، على ما قال مقاتل بن حيَّان: إنَّ الأغنياء غلبوا على مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأكثروا مناجاته.

 

 فشقَّ عليه ذَلِكَ فنزلت، فشحُّوا واشتاق الفقراء إذ لم يجدوا فازدادت درجة الفقراء على الأغنياء إذ لم يجدوا فتمنـَّوا لو وجدوا فيقدِّمون، ووجد الأغنياء فشحُّوا؛ ومنها التفريغ له صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبليغ الرسالة وإلى العبادة فإنَّ عمره مقسوم إليهما، ولمــَّا أشغله عن ذَلِكَ أرباب الحاجات بإلحاح نهوا إلاَّ بتقديم الصدقة؛ ومنها أن يتميَّز محبُّ الآخرة عن محبِّ الدنيا بإنفاق المال في ذَلِكَ؛ ومنها دفع شغل قلب بعض المؤمنين إذا ظنَّ أنَّ فلانا إنـَّما ناجى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأمر يقتضي شغل القلب فيما يرجع إلى الدنيا كغلاء السعر وحباء [كذا] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو مع بعض المسلمين بعطاء.

 

{ذَلِكَ}: أي تقديم الصدقة بين يدي النجوى.

 

{خير لكم}: أفضل لكم.

 

{وأطهر}: لأنفسكم من الربية وحبِّ المال، فإنَّ الصدقة طهرة، وهذا ولو كان ظاهره أنَّ التقديم للصدقة مندوب لكن ليس مرادا، فإنَّ التقديم واجب وكثيرا ما يستعمل في القرآن أنَّ ‏كذا من الواجب خير وأفظل([86]) فكذا هنا، ووجه ذَلِكَ خروج اسم التفضيل عن بابه أو إبقاؤه مع اعتبار خير ما من الدنيا أو في طبع الناس في غيره أو في زعمهم، فالأمر بالتقديم للوجوب، وَيَدُلُّ للوجوب قَوله تَعَالىَ:

 

{فإن لم تجدوا}: ما تقدِّمون.

 

{فإنَّ الله غفور رحيم(12)}: فإنـَّه ترخيص لمن لم يجد في المناجاة بلا تصدُّق، وأمـَّا من وجد فلا غفران له ولا رجعة إن لم يقدِّم؛ وَاحتَجَّ من قال: إنَّ الأمر بالتقديم للندب بقوله: {خير لكم وأطهر} ومرَّ جوابه بِأَنَّ مثل هذا يستعمل في الواجب، وَاحتَجَّ أيضًا بقوله:

 

{أأشفقتم أن تقدِّموا بين يدي نجواكم صدقات}: ويجاب بأَنـَّهُ لا مانع من أن يقال [250]مثل هَذَا في الواجب مثل قولك أيعجز أحدكم خمس صلوات؟، أو أيعجز أحدكم خمسة دراهم عن مائتين؟، ونحو ذَلِكَ مِمـَّا هو حثٌّ على أداء الفرض؛ وَأَيضـًا لا مانع من أنَّ هذه الآيـَة متـَّصلة بما قبلها تلاوة فقط، وأمـَّا نزولا فمتأخِّرة عن الناسخ المذكور بعدها وهو قوله: {وإذ لم تفعلوا...} الآيـَة؛ كما أنَّ العدَّة بأربعة أشهر وعشر ناسخة للعدَّة بحول المذكورة بعدها تلاوة وقبلها نزولا؛ ولا يخفى أنَّ الأمر للوجوب على الصحيح فلا يخرج عن الوجوب بلا دليل وتقدَّم عن الجمهور أنَّ قوله: {أأشفقتم...} الآيـَة ناسخ لوجوب التقديم، وَأَنَّ بعضا قال ناسخها: {فإذ لم تفعلوا...} الآيـَة، وأنَّ بعضا قال ناسخها آية الزكاة؛ وعن أبي مسلم أنَّ الآيـَة لم تنسخ بل كان المنافقون يمتنعون من يدل([87]) .

 

الصدقات وَأَنَّ قوما منهم تابوا عن النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقا فأراد الله أن يميـِّزهم فأمر بتقديم الصدقة عن النجوى وأذعنوا وامتازوا عمـَّن بقي على النفاق، ويردُّ هَذَا القول أَنـَّهُ لم يعرف الناس أنَّ أحدا أعطا إلاَّ عليـًّا ولو أعطوا لعرفوا، وأمـَّا مجرَّد الإذعان الظاهريِّ فهو شأن المنافقين فلا يمتازوا به من ترك النفاق منهم، وعلى تقدير صحَّة هذا القول يكون قوله: {أأشفقتم} وقوله: {فاذ لم تفعلوا} لغير هؤلاء التائبين عن النفاق كما هو لغير عليٍّ، لأَنـَّهُ قَدَّمَ الصدقة وناجى؛ وأمـَّا ما قيل من أنَّ إيجاب التقديم ليتميـَّز هؤلاء التائبين([88]) لوقت ينتهي التكليف به فيه ولا نسخ، فلا يصحُّ، لأَنَّ شأن النسخ هو هَذَا عينه وهو أن يحكم حكما  هو بظاهره مستمرٌّ وعند الله مؤقَّت بوقت ينزل فيه النسخ؛ وإنـَّما يكون غير نسخ لو قال: افعلوا كذا إلى وقت كذا، أو لا تفعلوا إلى وقت كذا. ومعنى {أأشفقتم أن تقدِّموا...} الخ أخفتم مع اضطراب وقلق من أن تقدِّموا فحذف الجارَّ، أو ضمن أشفق معنى خاف المتعدِّي، أي أخفتم التقديم، أو يقدَّر مفعوله ومن التعليلية، أي أخفتم الفقر من أن تقدِّموا، أي لأجل التقديم. ويجوز أن يراد أأشفقتم من مداومة وجوب التقديم، ولا يخلونَّ على هَذَا أيضًا من عتاب. والجمع في صدقات باعتبار كُلِّ واحد [251] وصدقته، أي أشفق كُلُّ رجل ممـَّن لم يتصدَّق أن يقدِّم صدقة؛ ويظهر لي أن يراد أن يقدِّم كُلُّ واحد صدقات متعدِّدة للنجوى الواحدة، أي لا ينبغي أن يعجزكم هَذَا، فكيف تعجزكم الصدقة الواحدة للنجوى الواحدة.

 

{فإذ لم تفعلوا}: أي لم تقدِّموا الصدقة الواحدة للنجوى الواحدة وشقَّ عليكم ذَلِكم.

 

{وتاب الله عليكم}: بِأَن رخص لكم أن لا تقدِّموا. وإن قلت من أين يعلمون أنَّ الله تاب عليهم بالترخيص؟ قلت: من قوله: {أأشفقتم...} الخ على قول الجمهور أَنـَّهُ ناسخ، أو من فرض الزكاة مفصَّلة إن قال لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ الزكاة ناسخة للصدقات كلِّها، أو عيـَّن لهم هذه. وأقول: الناسخ: {وتاب الله عليكم} بِأَن ذكر الله جلَّ وعلا النسخ في أثناء الكلام فأفاد بكلام واحد أَنـَّهُ امتَنَّ عليهم، وَأَنـَّهُ نسخ وجوب التقديم، كما تقول لعبدك: إن كنت لا تطيع الله وقد أعتقك فاذهب عَنـِّي، لا أراك أخبرته بعتق ماض قبل وقت الخطاب لم يعلم به فامتـنت([89]) عليه بنعمة العتق وأخبرته به.

 

 ولم يستأنف كلاما للنسخ بل أقحمه. والواو للحال بلا تقدير «لقد»، أو بتقديرها على خلاف، وإذا قلنا: {أأشفقتم} ناسخ أو غير ناسخ، فقوله: {تاب الله عليكم}  دَلَّ على أنَّ إشفاقهم ذنب، ويجوز أن تكون الواو عاطفة فلا حاجة إلى تقدير «قد». و«اذ» ظرف بمعنى حين، وهو هنا حين مستمر شامل لِما مضى والحال وما يأتي فيصحُّ الأمر بإقامة الصلاة وبإيتاء الزكاة وبالطاعة فيه، وإلاَّ فالماضي لا يؤمر بفعل شيء فيه بعد مضيـِّه، إلاَّ أن يراد بالأمر التوبيخ بالمأمور به، كأنـَّه قيل فهلا أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأطعتم الله والرسول، وهذا الوجه لا يصحُّ هنا لأَنَّ المسلمين لم يتركوا الإقامة والإيتاء والطاعة.

 

نعم يصحُّ إن جعلنا الخطاب للمنافقين، وقد علمت أنَّ معنى {تاب الله عليكم} رخَّص لكم أن لا تقدِّموا، وهي مُتَعلِّق بـ«أقيموا»، ويقدَّر مثلها لـ«آتوا» و«أطيعوا». والفاء صلة لتأكيد ربط الكلام بما قبله. وقيل: «إذ» بمعنى إذا؛ وقيل: بمعنى «إن» الشرطيـَّة كما [252] هو وجه في قوله: {إن نفعت الذكرى} وعليهما فالفاء رابطة لجواب الشرط، فالمـُرَاد عليهما الاستقبال المحض وحده. والواو في: {وتاب الله عليكم} للحال عليهما، ويجوز كونها للعطف على أنَّ النسخ لمــَّا يمض بل يأتي بالوحي، أو بقوله: {أأشفقتم}، على أَنـَّهُ مُؤَخَّر نزولا عَمـَّا بعده. وقبل معنى {تاب الله عليكم} قبِل توبتكم بِأَن نزَّل إذعانهم للحكم منزلة التوبة ولو لم يقدِّموا للمناجاة إذ لم يناجوا لأنـَّها لا تجب.

 

{فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله}: بأنواع الطاعات في سائر الأوامر خبرا لمــا فرضتم([90]) فيه من تقديم الصدقة وقصد التناجي بالإقامة والإيتاء والطاعة والمداومة على ذَلِكَ؛ ولا يخفى مناسبة ذَلِكَ للمؤمنين، وإن كان الخطاب للمنافقين فلا مانع من أمرهم بالطاعة وإِنَّ منها التوحيد الذي أضمروا خلافه.

 

{والله خبير بما تعملون(13)}: عليم بنياتكم وظواهركم.

 

{ألم تر إلى الذين تولَّوا}: وهم المنافقون. والإستفهام تعجيب، أي انظر كيف تولَّوا.

 

{قوما غضب الله عليهم}: هم اليهود كما قال فيهم: {من لعنه الله وغضب عليه}.

 

{ما هم منكم}: أيـُّها المؤمنون في دينكم.

 

{ولا منهم}: أي من القوم المغضوب عليهم في دينهم وهم اليهود إذ هم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. كان المنافقون يتولَّون اليهود وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ويناصحونهم. و«غضب الله عليهم» نعت «قوما»؛ و«ما هم منكم» نعت ثان، أو حال من «قوما»، أو من واو «تولَّوا».

 

{ويحلفون}: اعتادوا الحلف، فالمضارع للتجدُّد بتجدُّد كذبهم كلَّما كذبوا وخافوا حلفوا إذا عوتبوا. والعطف على «تولَّوا» فالتعجيب مسلَّط عليه أيضًا، وكأنـَّه قيل: وانظر كيف يحلفون.

 

{على الكذب وهم يعلمون(14)} إنـَّه كذب؛ والكذب مصدر باق على معناه فـ«على الكذب» حال من الواو، أي يحلفون حال كونهم على الكذب، وهو قولهم: إِنـَّهُم مسلمون، وقولهم: إنـَّا ما شتمنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

 أو بمعنى مفعول، فيَتَعلَّقُ بـ«يحلفون»، أي يحلفون على المكذوب به وهو كونهم مسلمين وكونهم غير شاتمين له صلَّى الله عليه وسلَّم. كانوا يشتمون النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين ويكيدونهم سرًّا [253] ويدَّعون أَنـَّهُم مسلمون، وإذا قيل لهم: إنـَّكُم شتمتموهم وكدتموهم، حلفوا ما فعلنا ذَلِكَ وهم يعلمون أنـَّهم فعلوا.

 

 ومن ذَلِكَ ما روي عن عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثُمَّ يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حجرته إذ قال: «يدخل عليكم الآن رجل جبـَّار ينظر بعين شيطان» أو قال: «بعيني شيطان» فدخل رجل عيناه زرقاوان، وهو ابن نبتل، فقال: «لِم تسبـُّني أنت وأصحابك؟» فحلف بالله ما حلف فانطلق، فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبـُّوه، فنزلت الآيـَة.

 

 وكانوا يحلفون ما فعلنا وهم كاذبون مخافة القتل أو الفضيحة واللعنة. جملة «هم يعلمون» حال من الواو في «يحلفون» مؤسِّسة، لأَنَّ الكذب يكون على علم، وهو كذب عن عمد لمــا أخبر الله عنهم في الآيـَة وبلا علم وهو كذب على غير عمد، فالآيـَة تَدُلُّ على أَنـَّهُ ليس الأمر كما يقول الجاحظ: «إنَّ الكذب مخالفة الخبر للواقع عمدا، والصدق مطابقته له مع عمد»، إذ لو قلنا بهذا لزم أن لا تبقى فائدة لقوله: {وهم يعلمون}([91]) إلاَّ التأكيد والأصل في الحال أن تكون مؤسِّسة لا مؤكِّدة ويجاب بأنـَّه حال مؤكدة ونكتتها مزيد التشنيع عليهم بأنـَّهم يتعمَّدون الإخبار بخلاف الواقع مع الحلف بالله عزَّ وجلَّ.

 

{أعدَّ الله لهم}: لتولِّيهم اليهود والحلف على اليهود.

 

{عذابا شديدا}: في الاحتضار وفي القبر وجهنـَّم. وذكر بعض المحقِّـقِين عن بعض المحقِّـقِين أنَّ المـُرَاد عذاب القبر.

 

{إنـَّهم ساء ما كانوا يعملون(15)}: فيما مضى من الزمان المتطاول وتمرَّنوا على سوء العمل فهو فيهم كالسجية لمـا يعد([92])؛ وهذا المضارع للتجدُّد في الماضي على وجه يلزم منه المداومة في الحال والمستقبل على التجدُّد. و«يحلفون» للتجدُّد والاستمرار في حال([93]) والمستقبل والماضي، وأمـَّا قوله: {تولَّوا} فلم يجيء على صيغة التجدُّد لأَنَّ التولِّي لهم بالحبِّ لهم، والحبُّ سجيـَّة من شأنها الاستمرار، فأفاد التجدُّد بهذا الوجه.

 

{اتـَّخذوا أيمانهم جُـنَّـة}: سترة أي جعلوا أيمانهم الفاجرة سترة عن المؤاخذة؛ إذا أشرفوا على المؤاخذة بانكشاف مكرهم وشتمهم حلفوا: ما مكرنا وما شتمنا، فكان هَذَا الحلف مانعا عن [254] المؤاخذة في الدنيا بالقتال ووقاية عنها، أو عن ظهور النفاق، فقد اتـَّخذوا أيمانهم جـنَّـة عن المؤاخذة قبل وقوع المؤاخذة بل عند مشارفتها، أو عند ظهور النفاق قبل ظهوره؛ ويجوز أن يكون المـُرَاد أَنـَّهُم اتـَّخذوا أيمانهم الفاجرة آله([94]) يتـَّقون بها المؤاخذة، بمعنى أَنـَّهُم هيـَّؤوها لوقت الحاجة ليتخلَّصوا بها عن المؤاخذة.

 

 بمعنى أَنـَّهُم اعتقدوا أَنـَّهُ إذا خافوا العقاب على شيء حلفوا أَنـَّهُم ما فعلوه، فاتـِّخاذها جـنَّـة في هَذَا الوجه إعدادها وتهيئتها، وفي الوجه الأوَّل استعمالها، والوجه الأوَّل أولى، لأَنـَّهُ الأصل في الأيمان أن يكونوا حلفوا بها؛ وأمـَّا كونها ستكون أيمانا لهم كما هو الوجه الثاني فخلاف الأصل، فالمعنى اتـَّخذوا أيمانهم التي حلفوا بها في الماضى جـنَّـة، فيعلم من صفتهم هذه أَنـَّهُم يعملون هَذَا فيما بعد إذ هو فيهم كالعادة؛ فالآية مصرِّحة بما فعلوا ومشيرة إلى أَنـَّهُم سيفعلونه أيضًا؛ واختار بعض المحقِّـقِين الوجه الثاني، لأَنَّ اتـِّخاذ الجـنَّـة لا بُدَّ أن يكون قبل المؤاخذة، وَأَنَّ اتـِّخاذ الشيء غير العمل به.

 

وفيه أنَّ فعل الشيء اتـِّخاذ له أيضًا، وَأَنَّ الأيمان عند مشارقة([95]) المؤاخذة سابقة على المؤاخذة؛ ويقال: المؤاخذة هي مطلق العتاب على ما فعلوا، وهم إنـَّما يحلفون بعد هذه المؤاخذة التي هي العتاب فلا بدَّ أن تكون الأيمان قبله بِأَن يقال لهم: بلغنا عنكم كذا، فيحلفون فلا يعاتبون، فصحَّ أن تكون جـنَّـة قبل وقوع العتاب عن العتاب. وقرأ الحسن البصري: «إيمانهم» بكسر الهمزة وهو مصدر بمعنى التصديق. قال أبو الفتح: «على حذف مضاف، أي اتـَّخذوا إظهار إيمانهم جـنَّـة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين، أو جـنَّـة عن أن يقتلهم المسلمون».

 

{فصدُّوا عن سبيل الله}: أي صدُّوا الناس عن دين الإسلام، أي عطَّلوهم عنه بتظعيفهم([96]) أمر المسلمين وتقبيحهم الإسلام وإلقاء الشبهات، فالمفعول محذوف، أي أعرضوا عنه، ولا مفعول له، والأوَّل أولى لمــَّا لم يخافوا القتل ولا القتال تفرَّغوا لصدِّ الناس بسبب أمنهم باتـِّخاذ أيمانهم جـنَّـة، فالباء للسبـبـيـَّة؛ وهذا الصدُّ من أسباب المؤاخذة، وعلى الثاني يكون المعنى: تمكَّنوا من الإعراض عن الإسلام بسبب [255] اتـِّخاذهم الجـنَّـة.

 

{فلهم عذاب مهين(16)}: بسبب الصدِّ فالفاء سبـبـيـَّة، والعذاب المهين هو العذاب الشديد، بِأَيِّ تفسير فسِّر في قَوله: {أعدَّ الله لهم عذابا شديدا} فهو المعهود عهدا ذكريـًّا، لكن نكَّره للتعظيم، فهما عذاب واحد موصوف بالشدَّة وبالإهانة، ويجوز أن يكون العذاب الشديد عذاب الموت والقبر، والعذاب المهين عذاب النار، والعذابان في النار، الثاني فوق الأوَّل، كقوله تَعَالىَ: {زدناهم عذابا فوق العذاب}.

 

{لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} ضُمِّن «تغني» معنى تدفع، فنصب به «شيئا» عَلَى المـَفعُولِيـَّة، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا؛ و«من الله» حال من «شيئا» ولو نكَّره لتقدُّم الحال ولتقدُّم النفي، والشيء العذاب، لن تدفع عذابا ثابتا من الله، أو ثابتا من عذاب الله، فحذف المضاف؛ أو «شيئا» مفعول مطلق، أي لم تغن عنهم أمولهم([97]) ولا أولادهم إغناءً ما من الله، أي من عذابه. روي أنَّ رجلا من المنافقين قال: «لنـُنصرنَّ يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا»، فنزلت الآية ردًّا عليه، أشبه قولهم قول مشركي قريش، وكلٌّ عَلَى شرك وَعَلَى غير يقين من البعث، أي لئن كان البعث لنُنصرنَّ بهم، وإن أيقن المنافقون بالبعث من اليهود فقد خلطوا إليه ما ليس من شأنه وَهُوَ دعوى الانتصار بالنفس والمال والولد.

 

{أولئك} الموصوفون بتولِّي اليهود المذبذبون الحالفون عَلَى الكذب وهم يعلمون، المتـَّخذون أيمانهم جنـَّة.

 

{أصحاب النار} ملازموها،

 

{هم فيها خالدون(17)} أبدا، وهم المنافقون بإضمار الشرك وإظهار التوحيد، وهم الذين في الدرك الأسفل من النار تحت المشركين المظهرين لشركهم، وأمـَّا المنافقون بفسق الجارحة فخالدون أَيضـًا أبدا، إِلاَّ أَنـَّهُم في الطبقة الأولى لا في الطبقة السفلى، وعذابهم دون عذاب الشركين. وذكر الشيخ إسماعيل عن أبي خزر يغلى رَحِمَهُ اللهُ سؤالا له وجوابا منه هكذا: «وسألته عن المنافقين ــ أي سأل المتكلِّم أبا خزر رَحِمَهُ اللهُ ــ عن المنافقين ــ أي الفاسقين بالجارحة ــ هل يعذَّبون عذاب المشركين أم يزال عنهم عذاب ما قابَل ما فعلوا من الطاعة؟ قال وبالله التوفيق: أَمـَّا ما سألتني عنه من المنافقين [256] هل يعذَّبون عذاب المشركين أم لا؟ قلنا: إنَّ في هَذَا قولين، قال بعض أصحابنا: لا يعذَّبون عَلَى ترك التوحيد، ولا عَلَى ترك جميع ما فعلوا من الطاعة، إنـَّما يعذَّبون عَلَى ترك ما لم يفعلوا مِمـَّا أوجب الله عليهم فعله، وَعَلَى فعل ما أوجب الله عليهم تركه، ويحطُّ عنهم عذاب قدر ما فعلوا من الطاعة، ولا يبلغ عذابهم عذاب المشركين. وآخرون يقولون: إنـَّهم يعذَّبون عذاب المشركين؛ والقول الأوَّل أحسن إلينا وأقرب إلى الصواب». انتهى.

 

{يوم يبعثهم الله جميعا} فلا يشكَّنَّ أحد أن لا يبعث، ولا يطمع في أن ينسى أو يعجز عنه. و«يومَ» مُتَعلِّق بقوله: {لهم} النائب عن استقرار، أو مستقرٌّ، أو بـ«استقرَّ»، أو مستقرٌّ، أو بقوله: {لن تغني}، أو بـ«خالدون»، أو بـ«عذاب»، أو بـ«مهين»، إِلاَّ أنَّ الأصل تقديم المتعلَّق عَلَى النعت.

 

 {فيحلفون له} ما أشركنا ولا شتمنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا المسلمين، كما ذكر الله جلَّ وعلا عن المشركين أَنـَّهُم يقولون يوم القيامة: {والله ربـِّنا ما كنـَّا مشركين}.

 

{كما يحلفون لكم} في الدنيا أَنـَّهُم مسلمون، وما شتموكم وما خذلوكم وما أفشوا أسراركم، كما ذكر الله عنهم في قَوله جَلَّ جَلاَلُهُ: {ويحلفون بالله أَنـَّهُم لمنكم}، اشتدَّ جهلهم وتوغُّلهم في النفاق حـتَّى ظنـُّوا أنَّ أيمانهم تكون جـنَّـة يوم القيامة أَيضـًا عن النار، وَأَنَّ الله سُبحَانَهُ لا يعلم أَنـَّهُم كاذبون، وَأَنـَّهُ يغترُّ بأيمانهم، وظنـُّوا أَنـَّهُم إذا أظهروا يوم القيامة أَنـَّهُم مؤمنون ظنَّ أَنـَّهُم كَذَلِكَ في الدنيا، وَذَلِكَ جهل لا جهل أقبح منه، فإنَّ الله جلَّ وعلا علاَّم الغيوب لا تخفى عنهم([98]) خافية، عليم بذات الصدور، وقد شاهدوا أنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ أظهر أسرارهم في الدنيا لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وفضحهم، وَذَلِكَ خُبث لا يفارقهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في المشركين أهل النار: {ولو ردُّوا لعادوا لمـا نُهوا عنه وإنـَّهم لكاذبون}، وقال: إنـَّهم يحلفون: ما كنـَّا مشركين.

 

{ويحسبون أَنـَّهُم على شيء} من جلب نفع أو دفع ضرٍّ بحلفهم لله يوم البعث، كاذبين كما جلبوا النفع ودفعوا الضرَّ في الدنيا بحلفهم الفاجر، وقال الجبـَّائيُّ والقاضي أنَّ أهل الآخرة لا يكذبون، ولكن المعنى أَنـَّهُم يحلفون لله يوم القيامة [257] أَنـَّهُم محقُّون عند أنفسهم، وفيه أنَّ هَذَا حلف غير نافع لهم، وإن قيل: اعتذروا به فكيف يقال: {كما يحلفون لكم}، وهم لا يحلفون للمسلمين هَذَا الحلف في الدنيا، بل يحلفون: إنـَّا ما فعلنا ما أخبرتم به عنـَّا. وقوله: {ويحسبون أَنـَّهُم عَلَى شيء} عطف عَلَى «يحلفون له» كما علمت من تفسيريه، ويجوز عطفه عَلَى «يحلفون لكم»، أي وكما يحسبون أَنـَّهُم عَلَى شيء نافع في حلفهم لكم فإنـَّه نفع كلا نفع، لسوء عاقبته في الآخرة، فإنَّ نفعهم سلامتهم من قتل وسبيٍ وغنم، وَذَلِكَ في مقابلة العذاب الدائم كلا شيء، أو حسبهم أَنـَّهُم عَلَى شيء، حسبهم أنَّ الله لا يعلم ما أسرُّوا جلَّ الله وعلا، ولا بُدَّ من تقدير نعت لـ«شيء» لأَنـَّهُم يقينا عَلَى شيء، لكن غير نافع، فالمعنى: يحسبون أَنـَّهُم عَلَى شيء نافع.

 

{ألاَ إنـَّهم هم الكاذبون(18)} «الـ» للكمال، وبه صحَّ الحصر، أي لا كامل في الكذب إِلاَّ هم إذ نسبوا إلى الله أَنـَّهُ تزوج([99]) عنده اليمين الكاذبة في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، ولا يعلم أَنـَّهَا كاذبة، كما تزوج[كذا] وتنفق عند الخلق الغافلين؛ ويجوز أن يراد الكاذبون في الدنيا. والحصر مبالغة، كأنـَّه كُلُّ كذب غير كذب بالنسبة إلى كذبهم، والمراد الإخبار في شأن شيء موجود، فلا يرد أنَّ إنكار الدهرية الله أكذب من كذبهم؛ أكَّد الله كذبهم بالجملة الاِسمِيـَّة و«إنَّ» وضمير الفصل والحصر وإلاَّ.

 

{استحوذ عليهم الشيطان} أي استولى عليهم، ومن استولى على شيء بملك أو غصب أو غير ذَلِكَ فقد استحوذ عليه، يقال: حاذ الإبل، أي جمعها؛ وقالت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها في عمر أَنـَّهُ «كان أحوذيـًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ»، أي سائسا للأمور، ضابطا لها؛ والقاعدة التي خلقها الله في مثل هَذَا نقل فتح الواو للساكن قبلها، وقبلها الفاء، فيقال: استحاذ كـ«استقام» لكن خلق الله هذه الكلمة عَلَى الصحَّة مثل: استصوب واستنوق، من الشواذ وَهُوَ شاذٌّ من حيث قياسنا فصيح استعمالا.

 

{فأنساهم ذكر الله} فلا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم إِلاَّ قليلا، كلا ذكر لقلـَّته جِدًّا وعدم التأثير به، أو أنساهم الذكر النافع، وَهُوَ ما كان عن صميم القلب حـتَّى أنَّ الجوارح لتتأثـَّر به، ومعنى إنساء الشيطان إيـَّاهم ذكر الله وسوسته لهم بتركه [258] وتسبُّبه لهم في تركه وهذا التسبـُّب وهذه الوسوسة كلتاهما خلقٌ لله وفعل للشيطان، فلا دليل فيه للمعتزلة على أنَّ المخلوق خالق لفعله، ولا يلزم من كونها خلقا لله أن يكونوا كالمؤمنين حزبا لله، لأنـَّا نقول خلقه لهما ليس إباحة لهما، فيكونوا في مباح الله فلا يسخط عليهم بهما وكذا الشيطان، والإنساء من النسيان بمعنى الترك عمدا لا من النسيان بمعنى الزوال عن الحافظة.

 

{أولئك}: الموصوف بالصفات القبائح

 

{حزب الشيطان}: جنده وأتباعه المجتمعون له.

 

{ألا إنَّ حزب الشيطان هم الخاسرون(19)}: حيث استبدلوا الخير الدائم الذي لا خير فوقه ولا مثله بالعذاب الدائم الذي لا عذاب مثله ولا فوقه؛ ومقتضى الظاهر: أولئك حزبه ألا إنـَّه حزبه هم الخاسرون، ووضع الظاهر أوَّلاً موضع المضمر لقرب ذكر الله فلا يتوهَّم أنَّ الضمير له، ولا يكون على صورة الضمير الراجع إليه وللتأكيد ووضعه ثانيا موضع المضمر للتأكيد كما أكد بـ«ألاَ» و«إنَّ» وضميرِ الفصل والحصرِ، وأكَّد في الموضعين بالجملة الاِسمِيـَّة والحصرِ. وإن قلت: ما وجه الحصر في الأوَّل مع أنَّ المنافق بالجارحة والمشرك المظهر للشرك أيضًا من حزب الشيطان؟ قلت: وجهه حصر الكمال، أي لا تجد حزب الشيطان الكاملين إِلاَّ هؤلاء، وأمـَّا من كان مثلهم فلا يشكل استلحاقهم بهم، وأمـَّا الحزب الثاني فاعمُّ يَعُمُّ كلَّ مشرك وكلَّ منافق بإضمار شرك، وكلَّ منافق بإضمار  شرك، وكلَّ منافق بالجارحة، والحصر ظاهر فإنـَّه لا حسران([100]) إِلاَّ لحزب الشيطان، وبما ذكرت من العموم يظهر لك أنَّ ذكر لقظ «حزب» ليس من وضع الظاهر موضع المضمر، فإنَّ الحزب الثاني أعمُّ من الأوَّل لا عينه، فلو قال: ألا إنـَّهم هم الخاسرون، لـتُوهِّم أنَّ المـُرَاد بالهاء حزب الشيطان الذين هم هؤلاء المنافقون المذكورون، وعلَّل الخسران بتعليل جمليٍّ هو قوله:

 

{إنَّ الذين يحادُّون الله ورسوله}: يخالفونهما كمن يكون في حدٍّ وغيره في حدٍّ آخر، وَذَلِكَ بتولِّيهم اليهود وما ذكر.

 

{أولئك في الأذلِّين(20)} في جملة من هو أعظم خلق([101]) ذلاًّ. والمراد بالذين يحادُّون الله ورسوله المشركون الذين عَلَى عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [259] والمنافقون عَلَى عهده، والمراد بالأذلـِّين مطلق الأذلِّين بالمعصية من أوَّل الدنيا إلى آخرها من المشركين والمنافقين، ويجوز أن يراد بـ«الذين يحادُّون الله ورسوله» هؤلاء المنافقون المذكورون بالحلف عَلَى الكذب واتـِّخاذ الأيمان جـنَّـة وما تقدَّم، وبـ«الأذلِّين» ما ذكر من العموم، وخرج بصيغة التفضيل من أصابه ذلُّ الدنيا فقط أو ذلٌّ في البعث ثُمَّ زال، فليس المحادُّون في جملتهم بل في جملة من يكون ذلُّه أشدَّ ذل([102]) وهم أهل النار، ويجوز أن يراد بـ«الأذلِّين» من هم أعظم ذلاًّ في النار، فإنَّ أهل النار كلَّهم في الذلِّ لكن تفاوتوا ذلاًّ، ويجوز أن يراد بالأذلِّين الذليلين، فيكون خارجا عن التفضيل، أي أولئك في أهل الذلِّ بالمعصية وهم أهل النار، لا في أهل العزِّ وهم أهل الجـنَّـة بالطاعة؛ والأصل بقاء اسم التفضيل عَلَى بابه. وذلُّ الدليل([103]) يكون بحسب عزِّ العزيز القاهر له، لمــَّا كان الله عزيزا كان محادُّوه أذلاَّء، ولمــَّا كان عزُّ الله لا عزَّ فوقه كان ذلُّهم لا ذلَّ أَشَدَّ منهم، ومقتضى الظاهر: أَنـَّهُم يحادُّون الله ورسوله، إذا قلنا المـُرَاد المنافقون المذكورون في الآيـَة، لكن ذكر ذكرهم([104]) بالاسم الظاهر الذي هو موصول لا يشير بصلته إلى أنَّ علَّة كونهم في الأذلِّين هي محادَّتهم لله ورسوله، فإنَّ الموصول وصلته كالوصف؛ وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلِّـيـَّته، وليشير بذكر الله إلى أنَّ محادَّة الرسول محادَّة لله عزَّ وجلَّ.

 

{كتب الله} قضى الله، وهذا ــ قيل ــ تعليل لكونهم في الأذلِّين، وقضاؤه أزليٌّ لا أوَّل له؛ ويجوز أن يراد الكتب في اللوح المحفوظ، ولا شيء أوكد من قضائه تعا([105]) وكتبه، فهو كالقسم، فأجيب بما يجاب به القسم وَهُوَ قوله:

 

{لأغلبنَّ أنا ورسلي} فالجملة هذه جواب لقوله: {كتب اللهُ}، ويجوز أن يكون جوابا لقسم محذوف، والمراد: هَذَا اللفظ، فهو مفعول به لـ«كتب»، أي كتب الله في اللوح المحفوظ هَذَا اللفظ الذي هو قوله: {لأغلبنَّ أنا ورسلي}؛ وإنـَّما هو لفظ بالنظر للمخلوق، ولا يوصف الله باللفظ، أو قضى الله مضمون هَذَا الكلام. وقرأ غير ابن عامر ونافع بإسكان ياء «رسلي» و[260]المـُرَاد عَلَى كُلِّ حال أنَّ الرسل غالبون كلُّهم، إمـَّا بالحجَّة، لأَنَّ الحقَّ معهم، وذو الحقِّ هو الفائز والصادق، وأمـَّا الغالب بالظلم فمغلوب؛ وإمـَّا بالحجـَّة والسيف ونحوه، والظاهر التفسير بعموم الغلبة بِالحـُجـَّةِ سواء انضمَّ إليها الغلبة بالسيف ونحوه أم لا، وتفسير الآي به حيث يكون الإطلاق كقوله تَعَالىَ: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنـَّهم لهم المنصورون، وإنَّ جندنا لهم الغالبون}، ويحتمل أن يراد الغلبة بحسب ظاهرها، فإنَّ الرسل منهم من غلب الأعداء بنحو السيف، ومنهم من غلبهم بالريح أو الماء أو الصيحة أو الخسف ونحو ذَلِكَ؛ ومَن قتله الأعداء لم يمهَلوا بل ينتقم الله له بالإهلاك بما شاء من عنده، أو بغيره كـ«بخت نُصَّر».

 

{إنَّ الله قويٌّ عزيز(21)}: قويٌّ عَلَى نصر أنبائه([106])، عزيز لا يغلبه أحد عَمـَّا أراد؛ لأَنـَّهُ وواجب بالذات فلا يعجزه الممكن، وكلُّ ما سواه تَعَالىَ ممكن. قال مقاتل: «إنَّ المسلمين قالوا: إنـَّا لنرجو أن يظهرنا الله عَلَى فارس والروم، فقال عبد الله بن أُبيٍّ: أتظنُّون أنَّ فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم، كلاَّ والله، إنـَّهم أكثر جمعا وعدَّة، فنزلت الآية»:

 

{لا تجد} يا محمَّد، أو يا من يصلح لهذا الخطاب، وقال الجمهور: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وإخباره بمسير النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم لمــَّا أراد فتح مَكَّة.

 

{قوما} مفعول به أوَّل.

 

{يؤمنون بالله واليوم الآخر} نعت لـ«قوما»، قيل: أو حال لتقدُّم النفي.

 

{يوادُّون من حادَّ الله ورسوله} مفعول به ثان، أي لا تعلم قوما... إلخ، ولـ«تجد» مفعول واحد بمعنى تصادف وتلقى، قيل: أو حال من «قوما» لتقدُّم النفي، ونعته بـ«يؤمنون...» إلخ، عَلَى أَنـَّهُ نعت، وهكذا يقولون في مثل هَذَا المحلِّ من النكرات اللاني([107]) لهنَّ مسوِّغ، وأتى بعضهم إثباتا للقواعد والأوجه وبسطا[كذا]، ولكنَّ التحقيق أَنـَّهُ نعت، وكذا كُلُّ نكرة لها مسوِّغ لأَنَّ الأصل للنكرة المسوِّغة أن تنعت، لا أن يؤتى لها بحال، فإنَّ الحال فرع في ذَلِكَ، فلا يقال به إِلاَّ إذا قام دَلـِيله، كأن يؤتى بالوصف منصوبا وهي مرفوعة أو مجرورة، وهذه الموادَّة علاج حبِّ من حادَّ الله ورسوله واكتسابه، أو المبالغة [261] فيه أو عَلَى أصل المفاعلة بين التفاعل بين متعدِّد، أي يحبُّون من حادَّ الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ويحبُّهم، وغير هَذَا أولى لأَنـَّهُ لا يشرط في منع الحبِّ للمشرك أن يحبـَّهم المشرك، والمعنى: لا يجد[كذا] قوما يؤمنون بالله ورسوله إيمانا محقَّقا يوادُّون من حادَّهما بل من يوادُّ من حادَّهما غير مؤمن بهما إيمانا محقَّقا بل عدموا الإيمان البتـَّة ولو كَانَ في ألسنهم فهو منافق بإضمار الشرك، أو آمنوا إيمانا ضعيفا خاليا عن الحبِّ، فإنَّ من أحبَّ أحدا لامتنع أن يحِبَّ عدوَّه، ومن ادَّعَى حبَّ أحد وَهُوَ يوافق عدوَّه في خلافه فحبـُّه كاذب، وَهُوَ بهذا فاسق بالجارحة منافق بها، ولا يعصي يحِبُّ([108]).

 

 المشرك إذا أحبـَّه لنفعه إيـَّاه حبـًّا بالطبع، ومع ذَلِكَ يجبد [كذا] الحبَّ عنه وينزعه ما استطاع؛ ولكـنَّه يكفر نفاقا ويهلك إن أحبَّ له الجـنَّـة أو المغفرة، أو أحبـَّه لشركه، بل إن أحبـَّه لشركه أشرك، وكذا يهلك وينافق إن طاوعه في كبيرة أو دلَّه عَلَى عورة مسلم، والعورة ما يحبُّ الإنسان ستره من مال أو دار أو سرٍّ أو غير ذَلِكَ، ويجب عليه بغضه والدعاء عليه بالخذلان والنار، ومن أحبـَّهم كان معهم وفي عدادهم، وقد جاء الحديث: «المرء مع من أحبَّ»، وَذَلِكَ أنَّ حبـَّهم يؤدِّي إلى تصويبهم في الدين، والعمل بعملهم، فلا يليق بمسلم أن يملأ عينه من كافر جبـَّار ولو منافقا فكيف مشركًا، فحقُّ الأمرِ أن يمتنع ودُّهم ولا يوجد بحال.

 

 ولو وجدوا في نفعه وطالبوه وتودَّدوا إليه أقصى التوادد، ولو كان المشرك أبـًا له أو ابنا أو أمـًّا أو من قرابته كما قال:

 

{ولو كانوا} الضمير لمن حادَّ باعتبار معناه بعد مراعاة اللفظ.

 

{آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} فإنَّ هؤلاء أهل لأن يمال إليهم طبعا، ولا يجوز مع ذَلِكَ، فكيف بالأجانب المشركين. والهاءات لـ«قوما»، والواو عاطفة عَلَى محذوف، أي لو لم يكونوا قرابتهم أو عشيرتهم ولو كانوا آباءهم...إلخ، أو للحال، وعليه يفهم غيرهم بالأولى، وأمـَّا قولهم: لو كان كذا أو لو كان كذا إِلاَّ أَنـَّهُ كذا فلا ورود له في العربـيَّة ويحتاج إلى تأويل؛ وكذا ان الوصليـَّة حيث يكون ما قبل «إن» ولو يصلح ما بعد شرطهما استدراكا له واشتمالا [262] عَلَى مقتضى خلافه، نحو هَذَا الكِتَاب وإن صغر حجمه لكن كثر علمه، وهذا الكِتَاب وإن صغر حجمه لكن لا يقلُّ علمه، فما بعد «لكن» و«إلاَّ» قائم مقام الخبر، وإمـَّا بلا ذكر لـ«لو» أو لالان[كذا]  نحو هَذَا الكتب([109]) ولو صغر حجمه لا يقلُّ علمه، أو كثر علمه، أو أن يدلَّ «لو» فإنَّ ما بعد شرطهما خبر لما قبلهما، وحيث يقبل الكلام قدِّر النفي مثل: ان لا يكون صغيرا، فتقول: هَذَا الكِتَاب وإن صغر حجمه لا يقلُّ علمه، فتقدِّر هَذَا الكِتَاب ليس صغير الحجم وإن صغر حجمه لا يقلُّ علمه، وإن قيل: زيد وإن كان فقيرا فهو سخيٌّ، فالتقدير زيد ليس فقيرا، وإن كان فقيرا فهو سخيٌّ، وكذا يقدَّر: هَذَا الكِتَاب وإن صغر حجمه لا يقلُّ علمه، وإنـَّما يقلُّ علمه لو لم يكثر علمه لكن كثر علمه، يعتبرون طيَّ المقدَّم في معرض الخبر يعتبرون طيَّ الجزاء مع ما يتبعه، ويقيمون المقدِّمة المحتوية عَلَى الاستثناء أو الاستدراك مقامة([110])، ويعتمدون عَلَى وضوح المـُرَاد، ويقولون أَيضـًا: زيد إن كان جوادًا لَكِنـَّهُ فقير، أي إن كان جوادًا فلا عجب في ذَلِكَ وإنـَّما يكون أمره عجبا إذ هو فقير مع جوده.

 

{أولئك} الذين يؤمنون بالله واليوم...([111]) ولا يوادُّون من حادَّ الله ورسوله، ولو كان المحادُّون آباءهم أو قرابتهم، أو عشيرتهم؛ وإشارة البعد لعلوِّ درجتهم في الفضل، ولم يتقدَّم ذكر لهم بل تقدَّم ذكر ضدِّهم، والإشارة إلى ضِدِّ من ذكر، وسهَّلها الدلالة عَلَى ذَلِكَ بقوله:

 

{كتب في قلوبهم الإيمان وأيـَّدهم بروح منه} ومن أنعم الله عليه بِهَذِهِ النعم كيف يوادُّ من حادَّه.

 

{ويدخلهم جنـَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون(22)} فإنَّ ذَلِكَ مدح لا يليق بمن يوادُّ المحادَّ بن([112]) بل  بمن يهجر القربى والعشيرة في الله. ومعنى كتب الإيمان في قلوبهم إثباته فيها، والإيمان هنا بمعنى التصديق، لأَنـَّهُ أثبته في القلب، والقلب غير محلٍّ لأعمال الجوارح، ويستعمل في غير هَذَا الموضع بمعنى العمل، كقوله عَزَّ وَعَلاَ: [263] {ما كان الله ليضيع إيمانكم} والغالب استعماله بمعنى التصديق كقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} في جميع القرآن، ويجوز أن يكون معنى كتب الإيمان في قلوبهم شرح صدورهم للأعمال الصالحة بالتوفيق، وأن يكون معناه قضى في شأن قلوبهم الإيمان، قيل: وأن يكون بمعنى: جعل في قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص، وفيه إن كان المـُرَاد الإخلاص فليفسَّر بالتصديق وكفر([113])، وإن كان المـُرَاد عَلامة الأعمال الصالحة فهو تفسير تكليف.

 

 وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: «كتب بمعنى جمع، أي جمع الله في قلوبهم الإيمان بأن استكملوا الإيمان بالأنبياء والكتب كلِّهم، ولم يقولوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض»، ومَن شأنـُه ذَلِكَ لا يودُّ الكفَّار بل يقصهم([114]) في الله جلَّ وعلا. قال قومنا عن ابن عبـَّاس: «نزلت هذه الآيـَة في أبي عبيدة بن الجرَّاح قتل أبا عبد الله بن الجرَّاح يوم أحد، وعمر بن الخطَّاب قتل أخاه العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وأبي بكر دعا ابنه إلى البراز يوم بدر فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: "متـِّعنا بنفسك"، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير»، وفي قتل عليٍّ وحمزةَ وعبيدةَ عتبةَ وشيبةَ والوليدَ بن عتبة يوم بدر، وقد قلت في قصيدة يوم بدر:

فويل الوليــد من علــيٍّ فـــــإنـَّه     فريسته ما من مكر([115]) ولا فر
وحمزة لمَّا كان أحمز([116]) من حضر            
أذاق دعاف[كذا]الموت شبيه بالوفر
ومالا معا إلى عـبـيـدة مـــلصقا      بعتبة منجديه بالأصل الخضر
فما لبثا أن لحقاه بمـــن مـــضى    
إلى النار وَهُوَ أعظم القوم في العمر
وقيل: الذي أرداه حـمزة عـتـبـة       
ومالا لباق حسبما مَرَّ في السطر
وقـــيل: مـبارز الولـيد عـبـــيـدة  ولكن عليٌّ والوليد عَلَى صغر
فأحرّ إذًا بأن يكـــــون تــبــارزا وغيرهما من هــؤلاء عَـلَى       كبر

وفاعل كتب ضمير يعود إلى الله، والعبرة بعموم اللفظ. وروى المفضل عن عاصم ببناء «كتب» للمفعول ورفع «الإيمان». و«أيـَّدهم» قوَّاهم؛ والروح نور القلب، أو القرآن أو النصر عَلَى [264] العدوِّ وهو قول ابن عـبَّاس، سمِّي النصر روحا لأنـَّه بها يحيي أمرهم، وكذا نور القلب والقرآن هما للقلب كالحياة، والهاء في «منه» لله، ويجوز عودها للإيمان لأنَّ القلب يحيى به، على أنَّ «من» للتبعيض على الاستخدام، بأن يراد بالإيمان المضمر له الإيمان الذي هو أعمُّ من الإيمان المكتوب في قلوبهم، أو على أنـَّها للتجزيد [كذا]، بأن يراد بالإيمان المضمر له الإيمان المكتوب في قلوبهم عظمه،

 

 حتَّى كأنـَّه تولَّد منه إيمان آخر، والإيمان كالروح للقلب. ذكر جلَّ جلاله إدخالهم الجـنَّة الموصوفة والخلود المترتـِّبين على توفيقهم للإيمان وعلى تأييد ذكر للمسبـَّب بعد السبب: ومعنى {رضي الله عنهم}: أنْ لا يعذِّبهم وأن يزيد نعمهم، وهو تعليلها للإدخال، ومعنى رضاهم عنه المعطوف على رضاه عنهم قناعتهم بما أعطاهم وابتهاجهم به دنيا وأخرى، وهذا أولى من أن يكون المراد هنا برضاه قبوله عنهم أعمالهم، وبرضاهم عنهم([117]) قبول ما أمرهم به والانتهاء عمـَّا نهاهم، وشرَّفهم الله بأنـَّهم حزبه لا غيرهم، وبأنـَّه لا فلاح إِلاَّ لحزب الله والله أعلم، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم.

 

 


 


[1]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الجنون».

[2]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ضاعوا».

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الأنسب: «رجاؤه».

[4]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كَفَى اللهُ».

[5]

- كذا في الأصل، والصواب: «تضمـَّنه».

[6]

- كذا في الأصل، والصواب: «ومقتضى».

 

7 - في الأصل: «عليم»، وقد فسَّر الآية على خطأ، وَلِذَلِكَ فالتفسير غير مناسب للآية المفسَّرة، وهي غفلة من الشيخ رَحِمَهُ اللهُ وغفر له، وقد وقع في نفس الخطإ في تيسير التفسير.

[8]

- في الأصل: «يحاوركما». وَهُوَ خطأ.

 

9 - في الأصل: «عليم»، وَهُوَ خطأ.

[10]

  - اعتمد المصنـِّف في تفسيره رواية ورش عن نافع، ونحن اعتمدنا في كتابة الآيات رواية حفص، إِلاَّ في مثل هذه، فقد أوردناها كما أثبتها المؤلِّف، ليتناسب التفسير مع الآية المفسـَّرة. نسأل الله المغفرة لتصرُّفنا.

 

11  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الأوزاعي».

[12]

  - في الأصل: «ان نسائهنَّ». وَهُوَ خطأ.

 

13 - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «احترازا».

[14]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يعلوه».

 

14 - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالظهر».

[16]

  - كذا في الأصل، والصواب: «الظهر».

[17]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تقديره».

[18]

- كذا في الأصل، والصواب: «الاعتراض».

[19]

- الكلمة غير واضحة يمكن أن نقرأها: «والقيد»، «فالقيد»، «ما لقيد»...

[20]

  - كذا في الأصل، والصواب: «وماضي».

[21]

  - كذا في الأصل، والصواب: «ظاءً».

[22]

  - في الأصل: «فادارتم».

[23]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالأمِّ».

[24]

  - كذا في الأصل، والصواب: «الأمِّ».

[25]

  - كذا في الأصل، والصواب: «بالجدَّة».

[26]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ونقول».

[27]

  - كذا في الأصل، والصواب: «لتضمن».

[28]

  - يمكن أن نقرأ: «ففيم».

[29]

  - كذا في الأصل، والصواب: «الكفـَّارة».

[30]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جواز».

[31]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الاستمتاع».

[32]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نقضه».

[33]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بل».

[34]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أن يتوب».

[35]

  - كلمة غير مفهومة رسمها: «مهكية».

[36]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الواحد».

[37]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كلُّها».

[38]

  - كذا في الأصل، والصواب: «فَعَليهِ».

[39]

- كذا في الأصل، والعبارة غامضة ولعلَّ الصواب: «أو بضرب مبرِّح، أو خوف موتٍ».

[40]

  - في الأصل: «وإن لم يستطع». وَهُوَ خطأ.

[41]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو لم يستطع بعضا واستطاع بعضًا».

[42]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلشدَّة».

[43]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الإيكال».

[44]

  - كذا في الأصل، والصواب: «الفطر».

[45]

  - كذا في الأصل، والصواب: «يمضي».

[46]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سَـيُـكبَـتون».

[47]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لغرورهم».

[48]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومعناه».

[49]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التـنبـئة».

[50]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من "ما" ».

[51]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إلاَّ».

[52]

  - كذا في الأصل، والصواب: «الأوتار».

[53]

- كذا في الأصل، والصواب: «المتنازعين».

[54]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والمحلُّ محلُّ رفعٍ».

[55]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تعلَّق».

[56]

  - كذا في الأصل، والصواب: «وإظهار».

[57]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف واو العطف أي: «أفاد المضارعُ استحضارَ...».

[58]

  - كذا في الأصل، والصواب: «تـنـاجٍ».

[59]

  - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يسوء».

[60]

- كذا في الأصل، والصواب: «إثم».

[61]

- كذا في الأصل، والصواب: «وعدوان».

[62]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّ سعيًا».

[63]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نستبعد».

[64]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «توحيد»، أو «طاعة».

[65]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يَـتَـنْـجُونَ».

[66]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وانهوا».

[67]

- كذا في الأصل، والصواب: «يتأذَّ».

[68]

- كذا عَلَى رواية ورش التي اعتمدها المؤلِّف، وعند حفص: {في المجالس}.

[69]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بـ"تفسَّحوا"».

[70]

- كذا في الأصل، والصواب: «لِـيَلِنـِي».

[71]

- كذا في الأصل، والصواب: «والنـُّهى».

[72]

- كذا في الأصل، والصواب: «كلامهِ».

[73]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإحزانهم».

[74]

- كذا في الأصل، والصواب: «انهضوا».

[75]

- في الأصل توجد ألف تحت اللام، فيمكن أن نقرأ: «إليها».

[76]

- كذا في الأصل، والصواب: «نشَزَ».

[77]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الأنبياء».

[78]

- كذا في الأصل، والصواب: «وقرئ: "يعملون" بالتحتيـَّة».

[79]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «شعيرة».

[80]

- كذا في الأصل، والصواب: «حاشية».

[81]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كتاب».

[82]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعدي».

[83]

- كذا في الأصل، والصواب: «قذفت» بالذال المعجمة.

[84]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعدي».

[85]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بُخلاً».

[86]

- كذا في الأصل، والصواب: «وأفضل».

[87]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بَـذْلِ».

[88]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التائبون».

[89]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فامتَـنَـنْـتَ».

[90]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خيرا لما فرَّطتم»، والعبارة غامضة.

[91]

- في الأصل: «تعلمون»، وَهُوَ تحريف.

[92]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بَـعـدُ».

[93]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الحال».

[94]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «آلهة».

[95]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مشارفة».

[96]

- كذا في الأصل، والصواب: «بتضعيفهم».

[97]

- كذا في الأصل، والصواب: «أموالهم».

[98]

- كذا في الأصل، والصواب: «عنه».

[99]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تجوز»، أو «تروج».

[100]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خسران».

[101]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الخلقِ».

[102]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذلاًّ».

[103]

- كذا في الأصل، والصواب: «الذليل».

[104]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: حذف «ذكر» الأوَّل.

[105]

- كذا في الأصل، والصواب: «تعالى».

[106]

- كذا في الأصل، والصواب: «أنبيائه».

[107]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اللائي».

[108]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بِحُبِّ».

[109]

- كذا في الأصل، والصواب: «الكتاب».

[110]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مقامهُ».

[111]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «الآخِر».

[112]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المحادِّين بل».

[113]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والكفرِ».

[114]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يبغضهم»، أو «يقصيهم».

[115]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كرٍّ».

[116]

- يمكن أن نقرأ: «أحضر».

[117]

- كذا في الأصل، والصواب: «عنه».

تفسير الآية