إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الحشر
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سبَّح للهِ} أثبت التنزيه لله عن صفات الخلق وتقدَّم كلام في مثل هذا،

 

{ما في السماوات} من أجزائها وما عليها،

 

{وما في الأَرْض} كذلك، وتقدَّم كلام في ذلك، وأعاد «ما» لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كلٍّ من الفريقين بالتسبيح، اـمَّا قدِم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة صالح بني النظير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارًا لبعثة النبي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، لعلمهم بأنَّ المدينة مهاجرة أو نفاهم موسى عليه السلام لـمَّا خانوا، وعاهدهم النبي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ لاَ يكونوا له ولا عليه، ولـمَّا ظهر صلَّى الله عليه وسلَّم يوم بدر قالوا: «هو النبيء الذي نعته  في التوراة المبعوث بالنظر في التوراة لا تردُّ له راية»، ولمـَّا كان يوم أحد ارتابوا ونكثوا العهد وأظهروا العداوة [265] فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكَّة.

 

 وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة على قتاله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمر صلَّى الله عليه وسلَّم محمَّد بن مسلمة الأنصاري، فقتل كعب غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثمَّ صحبهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: «اخرجوا من المدينة» فقالوا: «الموت أحبّ إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب» وقيل: «استمهلوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرة أيـَّام  ليتجهَّزوا للخروج فدسَّ إليهم عبد الله بن أبيِّ المنافق وأصحابه: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجنَّ معكم» فزربوا [كذا] على الأزقة وحصونها، فحاصرهم النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إحدى وعشرين ليلةً، فلـمَّا قذف في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى عليهم، إِلاَّ الجلاء على أن يحمل كلّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاء، وأمن متاعهم، فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات إِلاَّ أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة؛ فنزل قوله تعالى: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض}.

 

{وهو العزيز الحكيم(1)}، الغالب الذي لا يفعل ولا يقول إِلاَّ الحكمة، ومن ذلك تغليبه المسلمين على بني النظير وإجلائهم وذلك من حكمته. روي أنَّ أربعين من بني النظير وأربعين من قريش فيهم: أبو سفيان، أخذ بعضهم الميثاق بين الكعبة وأستارها، فأخبر جبريل عليه السلام سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك، فأمر بقتل كعب وما ذكر هو الراجح، وقال الزهري: «كانت هذه الغزوة بعد بدر بستة أشهر قبل أحد.

 

{هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم} من الأولى للبيان متعلِّقة بمحذوف حال من الذين، أو من الواو الثانية للابتداء متعلِّقة بأخرج، وإخراجهم من ديارهم بيان لبعض عزَّته وحكمته العامتين لأقواله وأفعاله، وقوله هو عائد إلى الله إذ [266] قال {سبح لله} باعتبار العزة والحكمة لكمال ظهور اتصافه بهما، أو عائد إلى العزيز الحكيم، قائم مقام الإشارة، أي ذلك الموصوف بالعزَّة والحكمة على الإطلاق، الذي {أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم} وقد قيل: إنـَّه مستعار لاسم الإشارة.

 

{لأول الحشر} هذه اللام للتوقيت كقولك: «كتبته لليلة مضت من رمضان» وإن شئت فقل بمعنى في، ثمَّ إمـَّا أنْ يعتبر الحسر([118]) كله شيـئًا واحدًا له أوَّلٌ وآخر، فالإضافة إضافة الجزء إلى كله، وإمـَّا أنْ يعتبر كلّ حشر على حدة فيكون من أضافة الصفة إلى الموصوف، أي للحشر الأوَّل، وعلى الوجهين الأوَّل حشرهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاً قطّ، وهم أوَّل من أخرج من جزيرة العرب إلى الشام فإنـَّه يجوز أنْ يقال: «أول ولو لم يكن له ثانٍ، إذا أمكن أن يكون نحو: هو حي، إذا ولد أو ولا ولد؛ وتقول: هذه أوَّل ولادة هذا الشاب، وذلك مذهب الجمهور، والمعتبر الجلاء من جزيرة العرب.

 

 فلا يشكل كونه أوَّلاً على القول بأنَّ موسى جلاهم من الشام وقيل: «هذا الحشر المذكور في الآية هو حشرهم إلى الشام، والثاني إجلاء رضي الله عنه إيـَّاهم من خيبر إلى الشام» وقيل: «آخر حشرهم يوم القيامة والمحشر بالشام فهم يحشروم من عالم الآخرة والموت إلى ظاهر أرض الشام»، وقال قتادة: «المذكور في الآية حشرهم إلى الشام على عهده صلَّى الله عليه وسلَّم»، والثاني حشر النار الناس أحياء قبل القيامة من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل حيث قالوا، وهذا حشر لغيرهم، لكن إلى الشام، كما أنَّ حشرهم إلى الشام فصار أوَّلاً، وذكروا أنـَّها نار ترى ليلاً ولا ترى نهاراً.

 

{ما ظننتم أن يخرجوا} من ديارهم لأنـَّهم كانوا أهل منعة وعزٍّ وقوَّة؛ فلذلك لم تظنوا أيـُّها المؤمنون أنْ يخرجوا بأنْ كان المؤمنون يظنون أن لا يغلبهم غالب، حتَّى يكونوا خارجين من أجله أو لا يحتاجون مالهم إلى الخروج لمعيشة، مع أنَّ الخروج لا تنحصر علته في المعيشة، فذكر الله أنـَّهم خرجوا لأمر آخر قد علمتموه وهو أنـَّهم مغلوبون لكن ما كان يخطر [267] في قلوبكم إِلاَّ الخروج بالمعيشة فنفيتموه، والوجه الأوَّل أولى لتبادره، وعلى كلِّ حال فقوله: {ما ظننتم} امتنان وتذكير للنعمة، فإنْ كان المؤمنون يحبون خروج بني النظير ليتخلصوا من مكائدهم ولا يطمعون فيه، بل استعبدوه لأنـَّهم لم يظهر لهم أن يخرجوا من جوع، لأنـَّهم ذو مال ولا مِمـَّن ذل وقهر، لأنـَّهم ذو عزَّة وقوَّة، والنعمة إذا وردت من حيث لا ترتجي تكون أعظم، وخروجهم نعمة لم يرجوها

 

{وظنوا} أنَّ أهل الكتاب الذين أخرجهم الله

 

{أنهم مانعتُهم} خبر مقدَّم،

 

{حصونُهم من الله} حصونهم مبتدأ مؤخَّر، والجملة خبر أن، جعل خبر أن جملة تقوية للحكم بتكرير الإسناد إلى مسند إليه واحد وهو اسم أن الذي هو ضمير لهم، وقدم الخبر لاهتمامهم بالمنع، وقصر حصونهم على المنع بحيث لا تكون عندهم إِلاَّ مانعة، فقد توثَّقوا بأنفسهم، إذ قال: إنـَّهم، وبحصانة حصونهم وعزَّتهم، حتَّى لا يبالون بمتعرض أو طامع فيهم، فذلك أولى من أنْ نجعل الخبر مانعتهم وحصونهم فاعلاً لمانعتهم فيكون الخبر لأن مفرد سببيا، والمراد أنـَّهم، أنَّ حصونهم تمنعهم من بأس الله ورسوله والمؤمنين، وفي الآية تشريف لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ محاربه محارب لله عزَّ وجلَّ، حيث أثبت أنَّ بأسه نازل عليهم لا تمنعه حصونهم إذ خالفوا رسوله، وأنَّ معاملته معهم هي بأمر الله

 

{فأتاهم الله} أي أتاهم أمر الله وعذاب الله أو قدره

 

{من حيث لم يحتسبوا} لم يخطر ببالهم، وذلك أنـَّهم ركنوا إلى حصانة حصونهم وقوتهم، وغفلوا عن أنْ يقتل رئيسهم كعب بن الأشرف، بل ركنوا إلى أنـَّهم باقون في عزهم ومعهم كعب، ولما قتل ضعفت قوتهم وقلت شركتهم وزال أمنهم وطمأنينتهم بالموضع الذي لم يحتسبوه هو قتل كعب الموجب لضعفهم، أو هو ذلهم لقتله والهاء والواو لأهل الكتاب الكفرة المذكورين، وإن رجع الضمير أن للمؤمنين كان في ذلك لفت الكلام من خطابهم إلى الغيبة، وكأنَّ المعنى فأتاهم نصر الله والوجه الأوَّل أولى لأنَّ ضمائر الغيبة قبل [268] وبعد للكفرة، وقرأ بعض فأتاهم بهمزة فألف، وهذه القراءة تقوي رجوع الضمير للمؤمنين، لأنَّ الإيتاء بالخير أنسب منه بالسوء، أي أتاهم الله نصره، ولا ترى الإيتاء في القرآن إِلاَّ في الخير، وإنـَّما يستعمل في الشر الإتيان كما في سورة النحل وغيرهما ولو كان من الجائز أن يقال: أتاهم العذاب تهكّما بهم كأنَّ  العذاب خير يعطونه أو باعتبار أصل اللفظ، وأنَّ الحاصل أنـَّه جعل العذاب آتيـًا لهم، وعلى رجوعهما للمؤمنين يكون موضع عدم الاحتساب هو قتل كعب، ما ظنَّ المؤمنين أن يقتل فتذل اليهودية،

 

{وقذف في قلوبهم} ألقى فيها

 

{الرعب} الخوف الذي يملأها، والأشياء كلّها من الله بالخلق كالسماوات والأرض والجبال، وبخلق داعية الفعل الصادر من المخلوق، كما خلق في قلوبهم الرعب ففعلوا به أفعالاً في أحزاب بيوتهم وبخلق أفعال المخلوق، ففعل المخلوق مسند إلى الله من حيث أنـَّه خلق الفعل ومن حيث أنـَّه خلق داعية إن كانت له داعية .

 

{يخربون بيوتهم} بيوتهم المنفردة المتحيزة، والبيوت المشتملة عليها ديارهم، فإنَّ الدار تشتمل على بيوت، والآية تعم ذلك والحجرة داخلة في ذلك

 

{بأيديهم} ليسدوا بها أعني بنقضها من حجارة وخشب وباب أفواه الأزقة للحرب أو لتلافيها بعد جلائهم مسكن صالح للمؤمنين، أو لينقلوا ما يصلح للنقل معهم مِمَّا استحسنوه أو لاعتبار ذلك كله بحسب ما يؤول إليه حالهم، بأنْ يخربوها لسد الأزقة، فإن ظفروا ردوها وإلاَّ حملوا ما استحسنوا وتركوا المنزل غير صالح للسكنى،

 

{وأيدي المؤمنين} قال مقاتل بن سليمان: «إنَّ المنافقين دسّوا إليهم أنْ لا يخرجوا وأن يدربوا على الأزقة وأن يحصنوها فنفضوها وجعلوها كالحصون على أفواه الأزقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب، وأيضا يخرب المؤمنون ما يظهرون عليه من دروبهم، واليهود تتأخر إلى أدرابها وتثقب الديار، وأيضا المؤمنون يخربون ظواهر البلد للقتال والظفر وتوسيعاً لمجال [269] القتال، وإزالة للتحصن بها، واليهود أيقن بالجلاء، فيهدمون منها ما استحسنوه من باب وخشب ليحملوه على الإبل، أو هدموا البيوت حسدا أنْ يسكنها المؤمنون، إِلاَّ أنـَّه لا يتصوَّر أنْ يحملوا على الإبل، إِلاَّ بعد أن يأذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك، بأن يكونوا مغلوبين ويقبلوا، وحينئذ لا يقاتلهم المسلمون.

 

 والجواب أنـَّه يجوز أنْ يخربها المؤمنون بعد أنْ كان غالبين وسكون القتال بغضا لمساكن اليهود وحسما لها، ولئلاَّ يسكنها عدو آخرون وأن يرجعوا إليها إذا تقووا، ومعنى إخرابهم إياها بأيدي المؤمنين تعرضهم وتسببهم لأنْ يخربها المؤمنون، فكأنهم قبضوا أيدي المؤمنين، فإذ ربوا بها بيوتهم، هذا حقيقة مجاز الآية، أو كأنـَّهم كلفوا المؤمنين بإخرابها وأمورهم([119])، وهذا مجاز مبني على مجاز، وهذا المجاز حقيقة للمجاز المبني عليه، وقرأ أبو عمرو بن العلاء بفتح الخاء وشدّ الراء، والإخراب والتخريب سواء لأنَّ التعدية تكون بالهمزة وبالشدِّ، كافر حقه وفر حقه، وأحسنه الله وحسَّنه، وهكذا يتعاقب الهمز والشد، في بعض الكلمات كما قال سيبوية وكلاهما مقيس وقيل: المقيس الهمز، وقال أبو عمرو والفراء: «الإخراب، ترك الشيء خرابـًا، غير معمور والتخريب: الهدم».

 

 وبنو النظير هدموا هدمـًا كما هو المراد في الآية، قال: المبرد، لا أعلم لهذا وجها، قلت: وأيضا تركوا العمران في حين الهدم أيضًا، ولعلَّ الشد بيان لكثرة البيوت وإيضاح لكثرتها وتنصيص عليها، ولو كان لفظ البيوت جمع كثرة

 

{فاعتبروا يا أولي الأبصار(2)}، اتعضوا بمن يخرب بيته بيده وأيدي المؤمنين بسبب كفره ومعصيته، فاحذروا اقتراف معصية الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والغدر والطعن في النبوَّة والوحي، لئلاَّ تقعوا في مثل ذلك، وأصل العبرة الانتقال، فكأنـَّه قيل: انتقلوا من حال من يخرب بيته ويدعوا([120]) إلى إخرابه إلى حال أنفسكم، سميت الدمعة عبرة لأنـَّها تنتقل من العين إلى الخد وعبر الوادي يعبره [270] جاوزه بالتنقل فيه، وعبر الجسر يعبره حرَّر عليه، وعبَّر الرؤيا تنقل من متخيلها إلى معقولها، واللفظ عبارة لأنـَّه ينتقل منه السامع إلى معناه، وينقل اللفظ المعنى من لسان القائل إلى عقل السامع، وينقل ما في ضمير المتكلِّم إلى لسانه وإلى السامع، والعاقل من اعتبر بغيره لأنـَّه ينقل عقله من حال غيره إلى حال نفسه، فالاعتبار النظر في حقائق الأشياء لينتقل منها إلى شيء آخر، والعاقل يلغي تعاضد الأسباب ولا يركن إليها لتلاشيها، إذا لم يكن التوفيق بل قد تكون على الراكن لا له.

 

 والواجب: الكسب والتوكل معًا، والمخاطبون بالاعتبار المؤمنون المخربون لبيوت بني النظير، والمؤمنون الحاضرون لذلك، وسائر المؤمنين مِمـَّن في المدينة ونواحيها وغيرها، ومن يأتي بعد ذلك ويُخلق، وهذا قول ابن عـبَّاس أو المؤمنون المخربون والحاضرون وهو قول الفراء، أو أصحاب الأبصار المؤمنون والكافرون في الزمان ذلك([121]) والأزمنة بعده، فالمؤمن يثبت بالاعتبار ويزداد يقينا، والكافر يدخل في الايمان لذلك إذا رأوا أنـَّهم اعتمدوا على قوتهم وحصونهم فكسر الله شوكتهم، فلا يعتمد القوي على قوته ولا الزاهد على زهده، فانظر إلى زهد بلعام كيف انقلب رغبة حتَّى باع دينه في متابعة امرأته، وإلى ابن الرواندي كيف صار إلى إلحاد إنْ صحَّ ذلك مع ممارسته، ولا يحلُّ لأحد أن يعتمد على شيء إِلاَّ على فضل الله مع وجوب الكسب، وبنو النظير كفروا وغدروا فعوقبوا بالإخراب والجلاء لكفرهم وغدرهم، وذلك عذاب دنيوي بعده عذاب أخروي، فيعلم بالقياس أنَّ مخالفة الله توجب العقاب هكذا، فإمـَّا أن يقع في الدنيا والآخرة، وإمـَّا في الآخرة، وإمـَّا في الدنيا فقط، بأنْ يتوب المخالف فيكون العقاب فيها كفـَّارة له، وقد يصاب المؤمن إعلاء الدرجة لا عقابـًا.

 

 وإمـَّا أن لا يقع بأن يتوب ولا يعاقبه ولو في الدنيا، وقد استحقه بمخالفته [271] فالحاصل أنَّ الآية آمرة باستشعار أنَّ المخالفة موجبة للعقاب في الجملة كما عوقب بنو النضير لمخالفتهم، فذلك أمر بالقياس حجَّة بدليل هذه الآية، كما ذكره الفخر في المحصولـ فإنـَّه ذكر فيه أنَّ القياس حجَّة عند مالك وجماهير العلماء خلافـًا لأهل الظاهر لقوله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار}، ولقول معاذ بن جبل رضي الله عنه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين بعثه إلى اليمن: «أجتهد رأيي فيما لم أجده في الكتاب ولا في السنَّة».

 

 وإيضاح ذلك أنَّ قوله تعالى:{فاعتبروا} مشتق من العبور، وهو المجاوزة، ومنه سمِّي المعبر للمكان الذي يعبر منه من شاطئ الوادي أو يعبر فيه وهو السفينة، والقائس عابر من حكم الأصل إلى حكم الفرع، وقد يقال: الآية إطلاق لا عموم ولا تتناول عموم القياس، ويجاب بأنَّ الإطلاق فتح لباب القياس ويدلُّ على القياس إجماع الصحابة عليه في أحوالهم ومعاملاتهم، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى: «أعرف الأشباه والنظائر وما اختلج في صدري فألحقه بما هو أشبه بالحقِّ»، وهذا هو عين القياس وسأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن قبلة الصائم فقال صلَّى الله عليه وسلَّم له: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثمَّ مججته أكنت شاربه؟» يعني أنـَّه لأنفض للصوم بالقبلة إن لم يعقبها إنزال كما لا يعدُّ شاربا من مج الماء من فيه بجامع انتفاء الثمرة المقصودة وقال صلَّى الله عليه وسلَّم للختعمية: «ارأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟».

 

 قالت: «نعم»، قال: «فدين الله أحقّ بالقضاء». وأمـَّا قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} ففي خلاف القياس أو القياس المخالف الله لأنَّ القياس مِمَّا أنزل الله لأنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قاس، وقال الله: {ما أتاكم الرسول فخذوه} وقد جاءنا بالقياس، وكذا قول أبي بكر: «أي سماء تظلني وأي [272] أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأيي»، إِنـَّمَا هو في القياس الفاسد أو فيما لا يدرك إِلاَّ بالوحي، وكذا قول عمر: «إيـَّاكم وأصحاب الرأي فإنـَّهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا».

 

{ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} بدل القتل، كتب في تأويل المصدر المبتدأ والخبر محذوف وجوبا، أي ولولا كتاب الله عليكم الجلاء موجود، وكتب قضى والجلاء الخروج عن الديار وهو المعهود من قوله: {يخربون بيوتهم}

 

{لعذبهم في الدنيا} بالقتل كما عذب بني قريظة إخوانهم به، فتعذيبهم بالقتل منتف لثبوت كتب الجلاء عليهم، الذي ينجون به من القتل، فعذبوا بالجلاء بالقتل وأمـَّا في الآخرة فيعذبون بعد الجلا كما قال:

 

{ولهم في الآخرة عذاب النار(3)} فإنـَّه كلام على حدته معطوف على لولا، وجميع ما بعدها من شرط وجواب وقد يكون معطوفا على شرطها أي ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء وأنَّ لهم عذاب النار فقط لعذبهم في الدنيا، ولا يضرُّ الخبر بعد لولا إذ كان كونا خاصا إذ قيد بالآخرة أو حال من هاء عذبهم أو هاء عليهم غير معطوف على جواب لولاَ فلا ينتفي بلولا كما انتفى بها جرًّا بهاء، فليس المعنى لعذبهم في الدنيا ولعذبهم في الآخرة عذاب النار، ولما أن كان الجلاء لم يكن لهم عذاب في الدنيا ولا عذاب في الآخرة بالنار، ليس المعنى يدلُّ على هذا أنَّ الكافر غير التائب لا بدَّ له من النار كما في القرآن والسنَّة والإجماع، وأيضا جواب لولا لا يكون جملة اسمـيَّة وليس التوسع في الثواني كالعطف هنا بما لا يتوسع به في الأوَّل كالمعطوف عليه مقيسا.

 

{ذلك} أي ما ذكر من الجلاء الواقع وعذاب الآخرة المستقبل

 

{بأنـَّهم} بسبب أنـَّهم

 

{شاقـُّوا الله ورسوله} خالفوهما وكانوا في شق أي حدّ غير حدهما، ومعلوم أنَّ العلَّة لا توجب المعلول بتخصيص العلَّة المنصوصة لا يقدح في صحته بل يقال: هذه علَّة في الجملة لا في كلِّ صورة، وكم كافر لم يعذب في الدنيا بالقتل ولا بالجلاء، فماله إِلاَّ عذاب الآخرة مع عذاب الموت والقبر

 

{ومن يشاقِّ الله} بمشاقة رسوله [273] فإنَّ كلّ من شاق الله فقد شاق رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن شاق رسوله فقد شاقه عزَّ وجلَّ، فمشاقته تعالى متضمنة لمشاقة رسوله فلم يذكر رسوله لذلك مع موافقة قوله عزَّ وجلَّ

 

{فإنَّ الله شديد العقاب(4)} فإنَّ شدَّة العقاب لله لا لرسوله لكن قد يقال لو قال: «ومن يشاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب» لصحَّ بالحجَّة ما ذكر من مشاقة الرسول، أو أنَّ من شاق رسولاً ولو قبل رسوله سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فقد شاق شاق([122]) الله ولو كان هذا أيضًا مشاقا لرسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ولا يدري، وقرأ يشاقق بالفك والكسر في كلتيهما للساكن بعد، والرابط محذوف من الجواب، أي شديد العقاب له، أو الجواب محذوف، وهذا تعليل له نائب عنه، أي ومن يشاق الله عاقبه الله عقابا شديدا لأنـَّه شديد العقاب والشرطية برهان لقوله: {ذلك بأنـَّهم شاقوا الله ورسوله} وتقرير له كأنـَّه قيل: كلّ من شاق الله فإنـَّه يعاقبه عقابا شديدًا فلبني النظير عقاب شديد.

 

{ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} اللينة: النخلة مطلقًا والعجوة والبرني وسائر النخل قاله مجاهد وعطية، مشتق من اللون لأنَّ في تمرها ألوانا، والأصل لِونه بكسر اللام قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة والجمع: ليان وألوان، وكنخلة ونخل: لينة ولين، وقد قيل: من لان يلين، فالياء أصل، قال أبو حاتم: الألوان الدقل والنخلة لِينة، قيل: اللون جنس من التمر، قال بعضهم: «أهل المدينة يسمون النخل كله الأوان ما خلا البرني والعجوة»، وكذا قال أبو عبيدة، وقال العوفي وقال عكرمة وقتادة: «النخل ما خلا العجوة»، وقال العوفي: «اللينة النخلة الكريمة».

 

 وقال مقاتل وقال: «ضرب من النخل، يقال لتمرها لون شديد الصفرة يرى نواها من خارج تغيب فيها الأضراس، النخلة منه أحب إليهم من وصيف»، و«من» للبيان أي ما ماقطعتم وهو لينة بدليل قوله:{أو تركتموها قائمة} فهي نخلة مقطوعة أو قائمة غير مقطوعة ولوكانت [274] للتبعيض لم يناسبه مقابلتها بالمتروكة قائمة على أصولها، وذلك أنَّ اللينة اسم للواحدة إِلاَّ إن كان القطع لبعض الواحدة من أصلها، وكان المعنى أو تركتموها قائمة على أصولها كلّها لم تقطعوا من أصولها شيـئًا، وهذا تكلف غير متبادر، فالمتبادر قطع أعلاها أو قطع أسفلها كله، ثمَّ إن كانت اللينة النخلة مطلقًا أو كرام النخل، فالقطع لإغاظة اليهود.

 

 وإن كانت ماعدا العجوة والبرني فلذلك واستبقائهما للمؤمنين، قيل: جميع ما قطعوا وأحرقوا ست نخلات، والضمير في أصولها عائد إلى ما باعتبار معناها لوقوعها على لينة كما بينت بها، كما أنَّ التأنيث في {قائمة} لذلك، وكما قُرئ قُوَّما على أصلها بضمِّ القاف وشد الواو جمعا باعتبار أن المراد بها جماعة، وكذا اللينة، ولو وضع لفرد وأصل جمع أصل كرهن ورهن بضمِّ الراء والهاء، أو حذفت الواو تخفيفا وقرئ  قائما على مراعاة لفظ ما بعد مراعاة معناها، وهو خلاف الأصل، والأصل مراعاة اللفظ، وبعده مراعاة اللفظ أوَّلاً ثمَّ المعنى ثانيـًا، وهذه القراءة ضعيفة، ألا ترى كيف ذكر بين تأنيثين.

 

{فيأذن الله} خبر لمحذوف، أي فقطعهما بأذن الله أي بأمره أتى به جبريل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأباحه بقضاء الله فعلوا القطع من رأيهم وجاءت الآية بيانا لكونهم لا عقاب عليهم في القطع و{ليخزي الفاسقين} متعلِّق بما تعلق به بإذن الله من الاستقرار بواسطة العطف الجار والمجرور على مثلهما من اختلاف معنى الجارين أو متعلِّق بمحذوف مؤخرا أي

 

{وليخزي الفاسقين(5)} أذن للمؤمنين في قطعها، والفاسقون هم اليهود والمنافقون، وإخزاؤهم انجلالهم وغيظهم، ومظاعفة([123]) حسرتهم بنفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم، وكان ابن سلام يقطع اللينة وأبو ليلى العجوة، فقال لهما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يا هذا لم قطعت اللينة وتركت العجوة» فقال: «تركتها لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وللمسلمين إني[275] أعلم أنَّ الله سيجعلها لهم»، وقال: «يا هذا لم قطعت العجوة دون اللينة»، فقال: «لأغيظ الكفَّار» فهذا دليل على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه ولو في حضرة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وفيه أنَّ ذلك اختيار بعد الإجازة من الله.

 

 وإنـَّما يكون حجَّة في الجواز إذا قلنا إنـَّهم قطعوا بلا إباحة من الله، كما هو أحد الوجهين، والآية دليل على جواز قطع نخل الكفَّار المشركين وشجرهم فيها تمر أو لم يكن، وإحراقها وهدم ديارهم وإغراقها وإتلاف أموالهم بما وجد عند حصارهم ليذعنوا كما روي أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم حين أمر أنْ يقطع نخلهم ويحرق قالوا: «يا محمَّد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض هذا فيما تزعم أنـَّه أنزل إليك فما بال قطع النخل وتحريقها» فكان في نفوس المؤمنين في كلامهم شيء كأنـَّهم مالوا إلى تصويب كلامهم وقد قالوا لهم: «إنـَّكم تكرهون الفساد» ادعوا([124]) النخل إِنـَّمَا هي لمن غلب، فنزلت الآية:

 

{وما أفاء الله} ما صير الله، والفاء بالهمزة قبل الفاء متعد بها من اللام الذي هو فاء بلا همزة قبلها، ففاء بمعنى رجع وأفاءه أرجعه، وهنا استعمل الإفاءة بمعنى مطلق الإصارة والتصيير ولو لم يكن الشيء في موضع، ثمَّ نزع ثمَّ ردَّ إليه استعمالاً للمطلق في المفيد فإنَّ أموال اليهود لم تكن في يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ كانت في أيديهم ثمَّ ردَّت إليهم اللهمَّ إِلاَّ أن ينزل استحقاقه لها لعبادته وطاعته صلَّى الله عليه وسلَّم دونهم إذ عصوا ونعم الدنيا خلقت ليتوصل بها للعبادة منزلة كونها في يده قبل أو كأنـَّه قيل: «هي في أيديهم عواري لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» كما قال:

 

{على رسوله منهم} من بني النضير، فإنَّ الآية نزلت في بني النضير([125]) وقراهم وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنـَّما كانوا على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا ولم يركب إِلاَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكان راكب جمل وقيل: راكب حمار، وحمل اللواء علي بن أبي طالب، ولـمَّا كانت المماتلة([126]) قليلة والخيل والركاب غير حاصلة نزلها منزلة ما لم يكن، فخصَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتلك الأموال كما [276] قال: {وما أفاء الله على رسوله منهم

 

فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} أي ما أجريتم عليه أي في شأنه أو لأجله أو علوا عليه بتلك أجراء إسراع، فإنَّ الوجيف إسراع السير والركاب والإبل التي تركب خاصـَّة، والرَّاكب راكبها خاصـَّة لا يطلق راكب على راكب غيرها إِلاَّ بقيد كراكب فرس، بل يقال لراكب الفرس فارس، أو إن كان ماهرا أو لصائب، والفرس الواحد من الركاب راحلة من غير لفظة، والمعنى ما مشيتم إليه ولا خيل بركاب[كذا] ولعدم الخيل والركاب في المشي معكم، ولو وجدت ثمَّ إنَّ ما أخذ منهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الأموال قسمة بين المهاجرين، وأعطى من الأنصار ثلاثة فقط لفقرهم: أبا دجانة، وسهل بن حنيف.

 

 والحرث بن الصمة. فمعنى كون الفيء لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنـَّه يضعه حيث شاء من مصالح الإسلام برأيه، فإنـَّه ليس من شأنه قصد التمول وإكثار الأموال لنفسه، ولا الحرص عليها، إِلاَّ نفقته ونفقة من يعوله سَنة، والمفيد من الآية لكون المال له صلَّى الله عليه وسلَّم قوله: بـما أوجفتم عليه بخيل ولا ركاب، فلو أوجفوها عليه لاستحقوه قسما ما يجافهم كما تقسم الغنائم بعد الخمس على العسكر، بل في قوله أفاء الله على رسوله دلالة على أنـَّه له صلَّى الله عليه وسلَّم إذ كان الله هو الذي ردَّه عليه بلا سعي منهم، والمراد أنـَّكم لم تلقوا شُقة بعيدة ولا مشقة شديدا [كذا] ولا قتالا شديداً، ولو كان قد وقع قتال قليل، قيل: «حاصرهم رسو ل الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمسة عشر يوما» وقيل: «سـتَّة أيـَّام وهم قائمون على صور حصنهم الحجارة ونبل»، وقيل: «الآية في فدك لا في بني النظير لأنـَّهم أوجفوا على بني النظير الخيل والركاب وحاصروهم بخلاف فدك فإنـَّهم انجلوا.

 

 فصارت أموالهم وقراهم في يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير حرب، فكان صلَّى الله عليه وسلَّم يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي في الإسلام والكراع، ولـمَّا مات ادعت فاطمة رضي الله عنها أنـَّه كان ينحلها فدكا، فقال أبو بكر: «أنت أعز الناس عليَّ فقرا وأحبهم إليَّ غنى لكني لا أعرف صحَّة قولك ولا يجوز أن أحكم بذلك» فشهدت لها أم[277] أيمن ومولى لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز، فلم يكن فأجرى ذلك على ما كان يجري رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما بقي في السلاح والكراع وكذلك عمّ جعله في يد علي ليجريه هذا المجرى، ورد ذلك في آخر عهد عمر على عمر وقال: «إنَّ بي غنى وبالمسلمين حاجة»، وكان عثمان يجريه كذلك.

 

 وبين فدك والمدينة مرحلتان وقيل: ثلاث، وهي قرية من أعمال خيبر، قال شارح المواقف: «وكذا حكا في تاريخ الخميس أنـَّها كانت للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم» قال أهل السير: لـمَّا أتى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حوالي خيبر بعث محيصة بن مسعود الحارثي يدعو أهلها إلى الإسلام، فدعاهم إليه فخوفهم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جاء حربهم كما أتى حرب أهل خيبر، قالوا: إنَّ عامراً أو ياسراً أو حارثاً وسيد اليهود مرحبا في حصن نظاة ومعهم ألف مقاتل، وما نظن أن يقاومهم محمَّد، فمكث محيصة فيهم يومين، ولـمَّا رأى أن لا ميل لهم في الصلح أراد أن يرجع فقالوا له: اصبر حتَّى نستشير أكابر قومنا’، ونبعث ونبعث معك من يصالح محمَّدا وبينما هم في ذلك الرأي إذ أتاهم خبر حصن الناعم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتحه فوقع في قلوبهم خوف عظيم.

 

 فأرسلوا جماعة من يهود فدك إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى يصالحوه، فبعد القيل والقال الكثير استقر الأمر على أن يعطوا النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم نصف أرض فدك ولهم نصفها فرضي النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، فصالحهم على ذلك، وكانوا يعملون على ذلك، حتَّى أخرجهم عمر وأهل خيبر إلى الشام، واشترى منهم حصتهم النصف بمال بيت المال، وفي رواية لـمَّا سمعوا أن المسلمين صنعوا ما صنعوا بأهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسألونه أن يسيرهم أيضًا ويتركوا له الأموال ففعل

 

{ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} من أعدائهم تسليطا خاصا وقد سلط النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم على بني النظير أو على أهل فدك تسليطا غير معتاد، فما حصل منهم ليس بكد اليمين وعرق الجبين [278] ولم يقتحموا فيه مضائق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حقّ لكم فيه، أمـَّا أهل فدك فواضح، وأمـَّا بنوا النظير فالقتال معهم كلا قتال لضعفه ألا ترى أنَّ كلّ من صالح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنـَّما صالحه لشوكة حزب الله الذين معه ولم يكن منهم إلا توجه إلى من صالح أو لم يكن أيضًا توجه فهل يقال إنَّ لهم حقًّا فيما به الصلح لأنَّ الصلح لخوف منهم؟ كلا، لا يقال ذلك وإلاَّ لم يتصوَّر له صلَّى الله عليه وسلَّم فيء يختصُّ به ولا هدية تهدى إليه إذا كانت من خائف أو ضعيف الإيمان

 

{والله على كل شيء قدير(6)} فهو يفعل ما يشاء كما يشاء على ما اعتاده الناس أو على ما لم يعتاده([127]).

 

{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} قرى المشركين لم يقل:

 

{فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} يردّ الضمير إلى ما أفاء الله في الآية قبل هذه، لأنَّ هذه في عموم المشركين وقراهم، والآية قيل في خصوص بني النظير أو أهل فدك، ألا ترى أنـَّه ذكر هنا من أهل القرى ولم يذكره هناك، وقد يقال المراد بما أفاء الله من أهل القرى هنا هو ما أفاء الله في الآية قبل هذه، لكن أعاده بلفظه وذكر أهل القرى موضع ضميرهم لزيادة التقرير، وليشمل الأصول كالديار والنخل بذكر أهل القرى بمقتضى الظاهر {هو لله وللرسول ولذي القربى}...الآية بردّ لفظ هو إلى ما أفاء الله المذكور في الآية قبل، ولكن تحتاج في هذا الوجه أن نعلم يقينا أنَّ بني النظير في قرى متعدِّدة أو أهل فدك كذلك، ولا يخلو الوجه الأوَّل أيضًا من التقرير لأنَّ العام يشمل الخاص، ولكون التقرير مرادا لم تعطف هذه الآية على الأولى لـمَا كان العطف يقتضي التغاير، روي أنَّ الصحابة طلبوا من الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقسم في أهل فدك أو في أهل بني النظير كما يقسم الغنائم فنزلت الآيتان {ما أفاء الله على رسوله منهم...} إلى {شديد العقاب} فرقا بين الأمرين بأنَّ الغنيمة ما أتعبتم عليه أنفسكم في تحصيله وأوجفتم عليه الخيل والركاب.

 

 والفيء ما لم تتعبوا فيه، فكان مفوضا إلى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يضعه حيث يشاء، قال الأزهري: «الفيء: ما ردَّ الله على أهل دينه من أموال من خالف دينه بلا قتال، أمـَّا بأنْ يجلوا عن أوطانهم ويخلوها [279] للمسلمين أو يصالحوا على جزية يودونها عن رؤوسهم أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم كما فعله بنو النظير حين صالحوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أنَّ لكلّ ثلاث أبيات منهم، وقيل لكلِّ ثلاث رجال، حمل بعير مِمَّا شاء، وأسوى السلاح ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيء لمن ذكر الله عزَّ وجلَّ في قوله: {فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} سهم الله للكعبة وعمارتها وسائر المساجد وأنواع الأجر كإصلاح السبيل ومنافع الجهاد، فالأقسام ستَّة وتبقى خمسة أقسام بعد قِسم الله، ودخل في هذا القسم سد الثغور وحفر الأنهار.

 

 وبناء القناطر وقيل: الأقسام خمسة، ولا يجعل الله سهم، وإنـَّما ذكر الله للتعظيم، ولأنَّ الأقسام الخمسة أيضًا ملك له وعلى القولين الأقسام الخمسة أربعة منها لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خاصـَّة، والخمس الخامس يقسم على خمسة، أربعة منها له أيضًا صلَّى الله عليه وسلَّم، والأربعة لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ولذي القربى جنس القرابة وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وكذا المراد بابن السبيل الجنس وبعد وفاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصرف سهمه إلى اللمام، وقال الشافعي: «للعساكر والثغور، لأنـَّهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور» وقال أيضًا: «لمصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر»، هذا في أربعة الأخماس التي له صلَّى الله عليه وسلَّم وأمـَّا أسهم الذي له من خمس الفيء فلمصالح المسلمين بلا خلاف، وقيل: بخمس خمسه صلَّى الله عليه وسلَّم كالغنيمة، فإنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء، والآن على الخلاف السابق.

 

{كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم} أي لكيلا يكون ما أفاء الله به دولة، أي ما لا متداولا بين الأغنياء منكم يكون تارة في يد هذا وتارة في يد ذاك يتكاثرون به، أو لكيلا يكون بين أغنيائكم كدول الجاهلـيَّة إذ كانت رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم، ويقولون: من عزيز، فدولة فعلة بمعنى مفعول كضحكة بضمّ [280] فإسكان بمعنى مضحوك منه، وسخرة بمعنى مسخور منه، وغرفة من ماء بضمّ فإسكان بمعنى مغروف، ولقطة بمعنى ملقوط، فيكون مالا يتداوله الأغنياء فلا يصيبه الفقراء؛ نفى الله عزَّ وعلا ذلك وقرئ بفتح الدال على المعنى المصدري بمعنى التداول على حذف مضاف أي ذا تداول، أو لا يكون إمساكه تداولا أو مصدر بمعنى مفعول، كالنسج بمعنى المنسوج، وقيل: هو اسم بمعنى المضموم، لا مصدر.

 

 وكلاهما بمعنى ما يدول أي يدور من الغنى والجد والغلبة، وقيل: «المضموم المال والمفتوح في النصر» وقرأ أبو جعفر دولة بالرفع وضم الدالَّة فالكون تام أي لكي لا تحصل الدولة، ونقع وإنا نأمر بعدم إيقاعها بل بتفريق الفيء على أصحابه، فإنَّ إيقاعها أمر الجاهلـيَّة، وبين متعلِّق بدولة، أو متعلِّق بمحذوف نعت لدولة، والآية دليل لإجازة الفارسي الحال من المضاف إليه بلا شرط، فإنَّ منكم حال من الأغنياء وهو مضاف إليه بدون وجود الشرط، ودعوى تأويل بين بتوسط، فيكون المضاف إليه مفعولا به في المعنى، والمضاف صالحا للعمل تكلفا وكذا تقدير موصول نعت أي بين الأغنياء الذين معكم، إذ لا يوجد هنا شرط حذف الموصول وبناء الصلة

 

{وما آتاكم الرسول فخذوه} أي ما أعطاكم من مال أو أمر من الأمور فاقبلوه شاكرين فهو الحلال لكم والحق لكم يجب قبوله

 

{وما نهاكم عنه} عن أخذه أو عن طلبه

 

{فانتهوا} عنه لا تقربوه بقلوبكم ولا بجوار حكم

 

{واتـَّقوا الله} في مخالفته في الفيء وغيره بل اتبعوا الرسول فيما أمركم به في الفيء

 

{إنَّ الله شديد العقاب(7)} على مخالفته الله ورسوله بارتكاب النهي.

 

{للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} للفقراء بدل من قوله لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كذا يقال وفيه أنَّ المهاجرين ليس فيهم ابن السبيل ولا يتامى الجواب: أنـَّهم أبناء السبيل من مكَّة إلى المدينة، فيبقى أنَّ اليتيم لم يهاجر وإن هاجر أبوه ومات وخلفه، فالمهاجر أبوه لا هو، وليس في [281] اليتيم أيضًا الاتصاف بابتغاء الفضل من الله والرضوان ونصر الله ورسوله والصدق المذكورات في قوله عزَّ وعلا:

 

{يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون([128])(8)} ومن أعطى الأغنياء من بني هاشم وبني المطلب جعل للفقراء بدلا من اليتامى والمساكين وابن السبيل وفيه أنَّ اللام الجارة في قوله: {للفقراء} مانعة من ذلك، فلو كان بدلا من اليتامى لأسقطت اللام، أو يقرن اليتامى بلام الجرّ فيكون للفقراء بدلا من لليتامى، والحق أنـَّه يجعل للفقراء بدلا من لذي القربى فقط، لا منه، وممـَّا بعده من اليتامى والمساكين وابن السبيل، إِلاَّ أنَّ فيه تقديم العطف على الإبدال ولعلَّ للفقراء بدل من مجموع ذلك لكنـَّه بدل إضراب، وأمـَّا أنْ يكون للفقراء بدلا من للرسول وما بعده فلا يجوز لأنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لا يسمَّى فقيرًا، وقيل: إنـَّه اختصَّ الفقر بفيء بني النظير وهو تعسف ظاهر.

 

 وإن جعل الإبدال انتقاليا صحَّ الإبدال من قوله للرسول وما بعده، ومن قوله لله وما بعده، ثمَّ إنَّ الله جلَّ جلاله وصف المسلمين المهاجرين بأنـَّهم فقراء وأنـَّهُم هاجروا المعاصي والشرك وأهله ولذات الدنيا و{بأنـَّهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم} بمعنى أنَّ كفَّار مكَّة ضيقوا عليهم في دينهم، فكأنهم أخرجوهم ولم يخرجوهم، ولكن التضييق سبب للخروج فسماه إخراجا، وبأنهم يبتغون فضلا من الله وهو الجـنَّة ورضوانا وهو أن لا يعذِّبهم ولا يخرجهم من الجـنَّة، ولا يموتوا ويزيدهم أبدًا خيرا أفضل من خير قبله، أو الفضل رزق الدنيا والرضوان ثواب الآخرة، وبأنهم ينصرون الله ورسوله بأنفسهم وأموالهم كانوا مائة رجل فقراء مهاجرين، وبأنهم الصادقون أي الراسخون في الصدق كما دلَّ عليه فعلهم حين هجروا اللذات وتحملوا شدائد الدنيا وتمسكوا بدينهم، فالحصر إضافي بالنسبة إلى من هاجر لدنيا يصيبها ولامرأة يتزوجها، أو إلى من لم يرسخ؛

 

 وجملة يبتغون حال مقارنة وصاحبها الواو في قوله: {أخرجوا} أو من "ال" في المهاجرين أو من المستـتـر في [282] في مهاجرين، وإن قلت: لم أجزتَ أن يكون الفضل رزق الدنيا فلا تخلص هجرتهم؟ قلت: هي خالصة وطلبهم الرزق ليس تمولا ولا تكاثرا بل ليتقوتوا وينفقوا عيالهم ويتوصلون إلى القيام بدين الله، وقوله: {ينصرون} عطف على يببتغون فهو حال بتوسط العطف مقارنة، لأنَّ خروجهم وهجرتهم نصرا، إنَّ ذلك يغيظ الكفرة ويزيد في فرح النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وحزبه، ويجوز أن تكون مقدرة أي ناوين نصر الله ورسوله بالقتال، لجواز عطف الحال المقدرة أو المقارنة أو الماضية على الأخرى.

 

 نحو قام زيد فرحا حال من قيامه، ومقاتلا للكفرة غدًا، وصفهم الله أوَّلاً بما يدلُّ على استحقاقهم الفيء وهو الإخراج من ديارهم وأموالهم، وثانيا بما يوجب تفخيم شأنهم، وهو أنـَّهم معتمدون في كسبهم على الله أن يتفضَّل عليهم، أو أنـَّهم طالبون للجنة، أو أنـَّهم طالبون للرضوان، والابتغاء الطلب، وختم ذلك كله بأنـَّهم صادقون في دينهم وأقوالهم وأفعالهم، ومن قولهم إنـَّهم يقولون لأبي بكر الصديق: «ياخليفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» بعد وفاته صلَّى الله عليه وسلَّم وبعد استخلافه، فتحقق أنَّ خلافته حقّ، وأنـَّها مرضية من الله موافقة للحق عند الله كما عند الناس، فهو الإمام لا علي كما زعمت الشيعة، بل قال صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة: «أبوك خليفة بعدي» وصحَّت أدلَّة أخرى كصلاته صلَّى الله عليه وسلَّم وراءه وإجماع الأمـَّة.

 

 {والذين} مبتدأ خبره يحبون أو عطف على أولئك، ويحبون حال من واو {تبوؤا} أو مستأنف، أي أولئك الذين تبوءوا... إلخ، هم الصادقون،

 

{تبوؤا الدار} هيؤوا الدار واستعدوها، وتمكنوا فيها، وهي المدينة، وجعلوها منزلا،

 

{والإيمان} أي وأخلصوا الإيمان فالواو عاطفة لجملة محذوفة على مذكورة لا لمفرد كقوله: «علَفْتُها تبنا وماءً باردًا» أي وسقيتها ماء، وقوله:

ولـقـــد رأيــتـــك فـي    الــوغــــى مـتـقـلــــدا سـيـــــفـا  ورمـحــــــا

أي وحاملا رمحا، ويجوز أنْ يكون تبوؤوا مطمنا، معنى لزموا، فالايمان معطوف على الدار، فالواو عاطفة للمفرد، أي لزموا الدار والايمان، ومن أجاز استعمال اللفظ في [283] حقيقته ومجازه أجاز عطف الإيمان على الدار، كذلك بمعنى جعل المدينة والإيمان منزلا تنزيل الإيمان منزلة المكان، كما سئل سلمان عن نسبه: فقال «أنا ابن الإسلام»، وقيل: الإيمان معطوف على الدار كذلك على حذف مضاف، أي تبوؤا دار الهجرة ودار الإيمان، فحذف لفظ الهجرة وناب عنه "ال"، وحذف لفظ دار، والداران معًا هما المدينة، فإنـَّها دار هجرة يهاجر إليها، ودار إيمان يستقر بها وينموا منها، وذلك أنَّ المهاجرة تقتضي موضعا يهاجر إليه فدل لفظ المهاجرين على أنَّ المراد تبوَّؤأ  دار الهجرة معلوم أنـَّهم مؤمنون، فما كان مهاجَرا لهم [كذا] يكون دار إيمان، فالتقدير ودار الإيمان، وما قيل من أنـَّه سمِّيت المدينة إيمانا لكونها مظهرة([129]) ومنشأه لا يظهر له وجه، لأنـَّه يكون المعنى تبوؤا الدار والدار، اللهمَّ إِلاَّ أنْ يراد أنَّ الإيمان بمعنى الدار المستعار لها لفظ الإيمان، وهو أحد أوجه الاستعارة المكنية.

 

{من قبلهم} أي من قبل المهاجرين أي من قبل هجرتهم، أو من قبل تبوء المهاجرين المدينة، وذلك أنَّ المهاجرين تبوؤا المدينة، لكن بعد تبوء الأنصار لها، فالأنصار تبوؤوها قبلهم، وأمـَّا تبوء الإيمان فالمتقدمون فيه هم المهاجرون، فالقَبلية لتبوء المدينة فقط، لأنَّ المهاجرين سابقون في الإيمان فكأنـَّه قيل: تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، ثمَّ واتيه لبعض المحققين، ويجوز أنْ يعتبر في تبوء الإيمان معنى الإقامة به وبحقوقه وشعائره جهرا، فالأنصار قاموا بذلك قبل المهاجرين لعجز المؤمنين عن ذلك قبل الهجرة، فالأنصار تبوؤوا الإيمان أيضًا قبل المهاجرين كما تبوؤوا الدار قبلهم

 

{يحبون من هاجر إليهم} من أهل الايمان لحبهم الإيمان

 

{ولا يجدون في صدورهم} نفوسهم

 

{حاجة} أي شيئا يحتاج إليه

 

{ممـَّا أوتوا} أي مِمَّا أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، وخصوا به، ومن للبيان متعلِّقة بمحذوف نعت لحاجة، أو للتبعية أي لا يجدون أنفسهم مائلة إلى أنْ يكون ما أوتي المهاجرون أو بعضه لهم، ويجوز أن يكون المعنى لا يجدون في أنفسهم أثر حاجة كطلب [284] وحرارة وحسد وغيظ فتكون من للتعليل، ويجوز أنْ يكون حاجة بمعنى ذلك الطلب والحرارة الحسد والغيظ، فسمَّى اللازم وهو هذه المعاني باسم الملزوم وهو المحتاج إليه، والاسم الحاجة، وإيضاح ذلك أنـَّك إذا وجدت في أحد شيـئًا محتاجا إليه علمت أنَّ على ذلك طلب أو حرارة أو حسدا أو غيظا، أو سمَّى الملزوم باسم اللازم بمعنى إذا وجدت طلبا أو حسدا أو غيظا على شيء لزم أنـَّك محتاج إليه

 

{ويؤثرون على أنفسهم} أي من شأنهم اختيارهم غيرهم على أنفسهم بالمنافع فمن ذلك تقديمهم المهاجرين على أنفسهم بالمنافع من مال وغيره، حتَّى إنـَّه من كان منهم له امرأتان يطلق أيهما شاء المهاجر ليتزوجها، ولإرادة التعميم لم يجعل ليؤثر مفعولا أو حذفه، فالآية ولو كان سببها إيثارهم المهاجرين لكنها عامـَّة مدحا لهم بأنـَّهم وقوا شح أنفسهم، ومن جملة ذلك أنَّ بعضا منهم أضاف ضيفا وبات هو وأهله جياعـًا، وأطفأ المصباح ليوهمه أنـَّه يأكل معه

 

{ولو كان بهم خصاصة} احتياج وأصله خصاص البيت وهي خلله وفرجه، وكل خرق في منجل أو باب أو سحاب أو حائط أو ثوب أو نحو ذلك فهو خصاصة، والجملة حال أو عطفت على محذوف أي لو لم تكن بهم خصاصة، ولو كانت بهم خصاصة، قسم صلَّى الله عليه وسلَّم أموال بني النظير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إِلاَّ أبا دجاتة وسهلا والحرث، كما مرَّ. وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم وإن شئتم كانت لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم» فقالوا: «لا بل نقسهم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة»، فنزلت الآية، والمراد ما كان من المشركين مِمَّا اختص صلَّى الله عليه وسلَّم بقسمه كما يشاء أو لم يختصّ به، وقد مرَّ كلام في مال بني النظير أهو بقتال أم بدونه، ويختصُّ به أو لا

 

{ومن يوق} يحفظ ويمنع [285] وقرئ يوق بالتشديد للمبالغة

 

{شحَّ نفسه} بضمِّ الشين، وقرئ بكسرها وهما بمعنى اللوم، وأضيف للنفس لأنـَّه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع الذي هو البخل، أي ومن يقه الله شحَّ نفسه بتوفيقه إلى مخالفتها بالانفاق في وجوه الأجر فإنـَّها مكبة على حب المال وإمساكه ومبغضة لإنفاقه، والفرق بين الشح والبخل أنَّ الشحَّ هو كراهة النفس الإنفاق، والبخل توقف اليد واللسان عن الإعطاء وهو متفرع عن الشح

 

{فأولئك هم المفلحون(9)} الإشارة إلى من باعتبار معناها العام الشامل للأنصار شمولاً أوليـًّا، وكانت بالكاف تلويحا إلىعلو مراتبهم، والمفلحون هم الظافرون بالمطلوب الناجون عن المكروه، والحصر مبالغة، كأنـَّه لا مفلح إِلاَّ هم أو على الكمال، أي هم الكاملون في الفلاح وذلك يعمُّ الأنصار وغيرهم مِمـَّن على إيمانهم وإيثارهم، أو حصر بالإضافة إلى من كفر، فلم يؤمن بالجـنَّة فضلا عن أن يرغب في الإيثار طمعا فيها، وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيـئًا مِمَّا نهاه الله عنه ولم يمنع شيـئًا مِمَّا أمره الله بإعطائه فقد وقع([130]) شح بنفسه.

 

{والذين جاءوا من بعدهم} الذين مبتدأ خبره

 

{يقولون} والهاء للفقراء المهاجرين أي والمهاجرون الذي جاؤوا من بعد المهاجرين الأولين، بعد ما قوي الإسلام، ويجوز عود الهاء إلى الفقراء المهاجرين والذين تبوؤوا، فيكون الذين جاؤوا هم المهاجرون الآخرون، أو هم والتابعون بإحسان وكل من أسلم بلا هجرة لسقوط وجوب الهجرة أو التابعون، والتابع من لم ير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولو كان في زمانه مِمـَّن آمن به كأويس القرني، أو رآه ولم يؤمن به ثمَّ آمن به ولم يره بعد إيمانه، فالتابعون موجودون في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم وبعده فصح إطلاق مضي المجيء عليهم وهذا اصطلاح للعلماء، وإلاَّ فالصحابي تابع له صلَّى الله عليه وسلَّم وبعض الصحابة يتبع الآخر، كابن عـبَّاس جلَّ علمه المروي مرسل يرويه عن الصحابة، والآية تشمل المؤمنين  [286] إلى يوم القيامة، إذا أريد بال\ين جاء من جاء بعد المهاجرين الأولين والأنصار، ومعنى المجيء بعد الأنصار المجيء بعد استقرار أمرهم مع المهاجرين في المدينة، ومدح الله هؤلاء الجائين من بعدهم بصحبتهم لمن قبلهم من المؤمنين، ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين وحقوق السبق بالإيمان كما قال:

 

{يقولون ربنا} يا ربنا

 

{اغفر لنا ولإخواننا} في الدين الذي هو أعزّ وأشرف من النسب

 

{الذين سبقونا([131]) بالإيمان} لتقدم زمانهم ومجيئنا بعدهم، أو لتقدم من يتقدَّم بالإيمان دون الزمان، وهذا على كلِّ حال اعتراف بفضلهم لأنَّ للسابق الفضل إذ مهد الخير للاَّحق

 

{ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا}، حقـدا أو غشاَّ أو بغضاً أو حسداً وقرئ غمرا أي غلا للذين آمنوا على الإطلاق من حيث إيمانهم وأمـَّا بغض من آمن وفسق لأجل فسقه فمطلوب واجب

 

{ربـَّنا إنـَّك رءوف رحيم(10)} أعادوا النداء طلبا للرأفة والرحمة أي ربَّنا ارأف بنا وبهم وارحمنا وإياهم فلفظ: {إنـَّك...} إلخ إخبار ومعناه الطف، كقول السائل بتعريض ما لو لدي كف من دقيق، كقولهم {ربنا} توكيد لقولهم قبل هذا {ربنا} وقوله {إنك رؤوف رحيم}، بمعنى إنَّ شأنك الرأفة والرحمة فحقيق أن أن تجيب دعاءنا وهذا غير مانع أن يعود قولهم ربنا لقولهم {إنـَّك رؤوف رحيم} واللفظان للمبالغة في الرأفة والرحمة.

 

{ألم تر} يا محمَّد أو يا كل من يصلح للتعجب، فإن هذا تعجيب من أحوال المنافقين مع اليهود، والمراسلة بينهم،

 

{إلى الذين نافقوا} أضمروا الشرك وأظهروا التوحيد، وهم: عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد من قبيلة الأنصار. لكنـَّهُم بقوا على الإشراك سرًّا،

 

{يقولون} جواب سؤال مقدر كأنَّه قيل: ما شأنهم؟ فقال: يقولون...إلخ، فالجلة مستأنفة استئنافا بيانيـًّا، أو في تأويل مصدر بدل اشتمال، من الذين على حذف أنْ المصدريَّة، وارتفاع المضارع بعد حذفها أي {ألم تر إلى الذين نافقوا} قولهم، بجرِّ قولهم كأنـَّه قيل: ألم تر إلى قولهم؟ ويجوز أن تكون الجملة حالا [287] من الذين ولم يقل: قالوا بل {يقولون} ليدلَّ على التجدد إذ قالوا مراراً على التأكيد: {لئن أخرجتم...} إلخ أو تنزيلا لقولهم الماضي منزلة الحاضر المشاهد لاستحضار صورته العجيبة،

 

{لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} المراد أنـَّهم إخوانهم في الكفر برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي المصادقة وفي الموالاة والمعاونة، وفي معاداتهم له صلَّى الله عليه وسلَّم، واللام للتبليغ وهي التي يخاطب مدخولها بعد القول بمقول القول ومقابلها اللام بعد القول، التي لم يخاطب مدخولها بالمقول نحو: قلت لزيد إنـَّه كريم، أي قلت في شأن زيد إنـَّه كريم، ومنه قوله تعالى {قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا}.

 

{لئن أخرجتم} قهرا من محمَّد وأصحابه واللام موطئة لجواب القسم المحذوف، أي والله لئن أخرجتم محمَّدا وأصحابه

 

{لنخرجن معكم} من المدينة، لتأنسوا بنا، وننفعكم ونذهب أين ذهبتم، وننزل حيث نزلتم، فكأنكم وإيانا لم نخرج،

 

{ولا نطيع فيكم} في خذلانكم وقتالكم وإخراجكم وهذا عطف على إن وما بعدها، فليس من حيز الشرط والواو عاطفة السابق على اللاحق كأنـَّه قيل: لا نطيع في خذلانكم وقتالكم وإخراجكم

 

{أحدا} ولئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم، ويجوز العطف على الجواب، فتكون من حيز الشرط فنقدر لا نطيع في خذلانكم وقتالكم ولا نقدر وإخراجكم؛ لأنـَّه بعد فرض وقوع الإخراج لا فائدة لكونهم لا يطيعون أحدا في الإخراج، لأنـَّه قد وقع ومضى، وقد يجوز تقديره أيضا باعتباره أنـَّه بعد الإخراج تمكن الطاعة فيه بإبقائه وتقريره والإعانة في توابعه فقالوا: لا نفعل ذلك

 

{أبدا} يسعى في إخراجكم على ما مر، وخذلانكم وقتالكم أبدًا ولو طال الزمن، ثمَّ رأيتُ بعض المحقيقين قال: لا يقدَّر لا نطيع في قتالكم أو خذلانكم، بل يقدَّر لا نطيع في شأنكم أحدا يمنعنا من الخروج معكم، على أنَّ العطف على أن لا تخرجن، لأنَّ القتال مترقب تقديره بعد ولئن وعدهم لهم على تقدير وقوع القتال بعد ليس مجرَّد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرهم في القتال [288] والحاصل أنـَّه ليس المراد أنـَّهم لا يطيعون مريد قتال بني النظير مثلاً فقط بل لا يطيعون في قتالهم ولا يكفون أنفسهم عن الدخول مع بني النظير بل يقاتلون من جانبهم كما قال:

 

{وإن قوتلتم لننصرنـَّكم} وفيه أنـَّه لا مانع من أن يكون المعنى لا نطيع أحدا في أنْ نقاتلكم معه، بل إنْ قوتلتم لنقاتلنَّ معكم من جانبكم، ولا جواب لإنْ في الموضعين لأنَّ جواب القسم مغن عند، والقسم مقدَّر قبلها في الموضعين، أي والله إن قوتلتم لننصرنكم، ولم تكن هنا لام التوطئة استغناء بالأولى، ويجوز أنْ لا يقرَّر هنا قسم اكتفاء بالعطف على جواب الأوَّل فيكون الشرط في نية التأخير، كأنـَّه قيل: والله لنخرجنَّ معكم إن أخرجتم ولننصرنكم إن قوتلتم، وقولهم: {لا نطيع فيكم أحد أبداً} تمويه وزخرف منهم إلى اليهود، لأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يطلبهم أن يخذلوا اليهود فضلاً عن أن يقولوا لا نطيعه في خذلانكم لعلمه بنفاقهم، وبأنهم حزب لليهود، وإياسه منهم ولا سيما أنـَّه قيل: إنـَّهم أظهروا الاستعداد لنصر اليهود والكفر حينئذ، فكيف يطلب منهم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يخذلوا اليهود أو يقتلوهم أو يخرجوهم، بل لو يفعل بهم شيـئًا لقتلهم أو أخرجهم، وأمـَّا الخروج معهم فقد يدعون لأنـَّهم يخرجون معهم للصداقة الدنيويـَّة لا الموافقة في الدين.

 

{والله يشهد} يعلم أو يخبركم

 

{أنـَّهم لكاذبون} في الجملة فيدخل في ذلك دخولا أوليا كذبهم في قولهم: {لنخرجنَّ معكم} وفي قولهم: {لننصرنكم}، ويجوز أنْ يكون المراد أنـَّهم لكاذبون في قولتيهم هتين كما فصل بعد الإجمال كذبهم فيهما بقوله:

 

{لئن أخرجوا} أي اليهود

 

{لا يخرجون} أي الذين نافقوا

 

{معهم} هذا تكذيب لقولهم: لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم

 

{ولئن قوتلوا} أي اليهود

 

{لا ينصرونهم} أي لا ينصرهم المنافقون أي لا يقاتلون معهم وهذا تكذيب لقولهم: {وإن قوتلتم لننصرنكم}، ولقد أخرج الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم اليهود ولم يخرج معهم المنافقون: ابن أبي وأصحابه، ومن قبل الإخراج قاتلهم صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، ولم يقاتل المنافقون معهم وعلى قول إنـَّه لم يقع قتال فلو قاتلهم صلَّى الله عليه وسلَّم [289] لم يقاتل معهم المنافقون

 

{ولئن نصروهم} أي قاتلوا معهم من جانبهم

 

{ليولُّن الأدبار} ليرجعن وراء هاربين ويتركونهم بأيدي من يقتلهم، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين عائدة إلى المنافقين أو إلى اليهود، وعلى كلِّ حال فالآية تدلُّ أنَّ النصر هو علاج غلبة المنصور سواء ثأثر فكانوا غالبا أو لم يتأثر فلم يكن غالبا كما في الآية على فرض أنـَّهم نصروهم، أو كان غالبا بغير ذلك العلاج؛ والأدبار ظرف أي ليهربن وراءهم أو مفعول به بمعنى يجعلون أدبارهم تالية لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فالمفعول الثاني محذوف فلو تأثر نصرهم لم يولوا الأدبار فالنصر بمعنى المعاونة ضدَّ الخذلان، بمعنى تركها سواء تأثر الترك فكانوا مغلوبين

 

{ثم لا ينصرون(12)} أي لا ينصر المنافقون أو لا ينصر اليهود بعد ذلك أو لا ينصر المنافقون واليهود، فإنَّ الله جلَّ وعلا يهلك المنافقين بعد هزيمتهم لو قاتلوا ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم ويهزم اليهود ولا تنفعهم نصرة المنافقين والآية حجَّة بـيِّـنة لأصحاب النبوَّة وإعجاز القرآن.

 

{لأنتم أشدُّ رهبة في صدورهم من الله} اللام لام الابتداء ومعناها التأكيد مثل أنّ، ورهبة مصدر للفعل المبني للمفعول، فإن المخاطبين وهم المؤمنون غير راهبين لهؤلاء بل مرهوبون لهؤلاء أي خاف منهم هؤلاء كما تقول: عمر أشد ضربا من بكر، تريد أنَّ الضرب الموقع عليه أشد من الضرب الموقع على بكر، وصورة ذكر فاعل المصدر فيكون مصدرا للفعل المبني للفاعل أنْ تقول رهبتهم معكم في السر أشدّ من رهبتهم الله، وذلك أنـَّه كان لهم بعض رهبة من الله شديدة إذ يخافون عقاب الدنيا منه في بعض الأمور لأنـَّهم يقرون بالله وشاهدوا بعض الانتقام وسمعوا بعضا من أهل الكتاب وغيرهم فيمن مضى، وصدقوا به لكن لم تبلغ رهبتهم أنَّ يتأثروا بها، ويجوز أن يراد أشد مِمَّا يظهرونه لكم من رهبة الله وكانوا يدعون أنَّ لهم رهبة من الله عظيمة،

 

{ذلك} أي ما ذكر من كونكم أعظم في قلوبهم من الله

 

{بأنـَّهم} بسبب أنـَّهم

 

{قوم لا يفقهون(13)} لا يعلمون الحقّ، فلم يعلموا عظمة الله تعالى فيخشوه حقّ خشيته.

 

{لا يقاتلونكم} لا يقاتلونكم: اليهود [290] والمنافقون جميعا مجتمعين حال من الواو فكيف يقاتلونكم بدون اجتماع منهم، أو في غير قرى محصنة أو في فضاء من الأرض

 

{إِلاَّ في قرى محصَّنة} محفوظة بالدروب والخنادق

 

{أو من وراء جدر} لا يبارزونكم في الفضاء لفرط رهبتهم، وقرئ بإسكان الدال تخفيفا وهو جمع جدار، والمراد الحائط، وقرئ جدار بالإمالة وبإخلاص الفتح، وجدر بكسر الجيم وإسكان الجيم وبفتحها وإسكان الدال على الإفراد

 

{بأسهم} مضرتهم بينهم ببغض بعض بعضا وتحاسدهم وتنافسهم فيما

 

{بينهم شديد} قوي فهم متعادون بعضهم عدوّ لبعض، لأنـَّهم متبعون لأهوائهم، فتفرقت بهم سبل الشيطان ولم يجمعهم الدين الواحد وهو الله كما قال ابن عـبَّاس رضي الله عنهما ويدلُّ له قوله تعالى:

 

{تحسبهم جميعا} تظنهم مجتمعين على الألفة فيما بينهم بحسب ظاهرهم

 

{وقلوبهم شتـَّى} متفـرِّقة لا ألفة بينهم، وقيل: معنى البأس الشديد بينهم، أنَّ لهم شجاعة إذا قاتل بعض بعضا، وأمـَّا عند قتالهم فلا شجاعة لهم، بل يذلون لأنَّ الشجاع إذا حارب الله ورسوله ذل وجبن، وقيل: إنَّ ما ذكر من رهبتهم ليس بجبنهم، فإنـَّهم شجعان عند أقرانهم منهم أو من غيرهم مِمـَّن جمعه وإياهم كفر، ولكن ذلهم وجبنهم لكم لما قذف الله في قلوبهم من الذل لكم إعزازا لدينه وقيل: معنى كون البأس بينهم شديدًا دعواهم وتقاولهم في القرى المحصنة أو من وراء جدر بمقتضاه من أنا نفعل كذا وكذا بالمؤمنين، ولا عبرة لهم عندنا، وأمـَّا أنْ يحقـِّقوا ذلك بالبروز إلى المسلمين فلا قوَّة لهم على ذلك، وفي كلِّ من ذلك تشجيع للمؤمنين عليهم وتجرئه على قتالهم

 

{ذلك}: أي ما ذكر من تشتت قلوبهم وإشارة البعد هنا، وفي الذي قبل هذا العلو مرتبة كونهم يخافون المؤمنين أكثر مِمَّا يخافون، إذ كان هذا نفعا للمؤمنين، ولو كان قبيحا عند الله وعند المؤمنين لكنـَّه لـمَّا كان خزيا لأعدائهم كان نفعا لهم كما قيل: كفاك أن ترى عدوك في معصية الله ولا سيما معصية يترتـَّب عليها الظفر على العاصي، ولعلو منفعة المسلمين في تشتت قلوب هؤلاء فإنَّ تشتتها أمر غال في نفع المسلمين أو البعد لانقطاع الكلام فبانقطاع تلفظك [291] بما إليه الإشارة بأن فرغت منه يصير بعيدا

 

{بأنـَّهم قوم لا يعقلون(14)}  أي بسبب انتفاء عقلهم، أي {لا يعقلون} الحقّ مطلقًا فدخل فيه أنـَّهم لا يعقلون أنَّ ما جاء به محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حقّ إذ لو عقلوه حـقًّا لاتفقت قلوبهم وكلمتهم عليه فيؤمنون به أو لا يعقلون ما هو حظٌّ لهم، أو لا يعقلون أنَّ تشتّت قلوبهم مِمَّا يوهن قواهم، وفيه إِنـَّمَا يقال بهذا التفسير لو كانوا مأمورين بأن تجتمع قلوبهم فيما بينهم لتقوى شوكتهم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين، والمراد عكس ذلك، وفيه أيضًا أن تشتت قلوبهم ليس مقصودا بينهم على اختياره بالذات بل يلزم من حب الحظ للنفس والتنافس، والباء هنا وهنالك للسببية، وجرت العادة أن يقال في تفسيرها بسبب كذا فتذكر أيضًا مع لفظ السبب، ووجه ذلك أنَّ لفظ السبب تفسير لها والباء الداخلة على لفظ سبب ليست سبـبـيَّة بل هي للآلة.

 

{كمثل الذين من قبلهم} خبر لمحذوف أي مثل هؤلاء اليهود أي صفتهم {كمثل الذين من قبلهم} أي كصفة المشركين الذين مضى شأنهم يوم بدر قبلهم أو بني قينقاع على ما قيل إنـَّهم: «أخرجوا قبل بني النظير، أو قبل أهل فدك» وقيل كما يأتي إن شاء الله: «إنَّ غزوة بني قينقاع والنظير واحدة» والهاء على كلِّ حال لليهود كما في الآية قبل هذه لا لهم وللمنافقين كما قيل: لتفكيك الضمائر.

 

{قريبا}: ظرف متعلِّق بما تعلق من قبلهم وهو كون خاص أي {كمثل الذين قتلوا من قبلهم} أو مضى شأنهم من قبلهم، أو قهر وأمن من قبلهم بالقتل زمانا قريبا، ووجه الشبه مطلق الذل والعذاب ولو تخالف قتلا وغيره، وذلك الكون الخاص صلة الموصول وبين وجه الشبه بقوله:

 

{ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم(15)} ويجوز أن تكون الصلة ذاقوا فيتعلق به من قبلهم وقريبا لا كما قيل: إنَّ قريبا متعلق بمثل، وإنَّ التقدير كوجود مثل إلخ قريبا، أو كوجود مثل إلخ قريبا([132])، وإنـَّه على هذا متعلِّق بوقوع أو بوجود لا بمثل إِلاَّ حذف المضاف، وناب عنه على هذه الدعوى، لأنَّ لفظ مثل ليس مِمَّا يتعلَّق [292] به إِلاَّ على قصد معنى مماثل ومشابه، وقائل ذلك لم يرد هذا، وإلاَّ لم يحتج إلى تقدير مضاف، وأيضًا المعنى هنا يأبى التعليق بمثل، لأنَّ مثل ليس بمعنى مشابه بل بمعنى الصفة، وليس المراد أنـَّهم وصفوا فريقا فلو قيل: علق بالمضاف المقدر، لكان ظاهرًا؛ وأمرهم هو عداوة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين والكفر به وقتالهم يوم بدر، والوبال سوء العاقبة أي سوء عاقبة أمرهم يقال: «كلاء وبيل» أي وخيم سيِّء العاقبة وذلك هو قتلهم يوم بدر وأمـَّا عذاب الآخرة فهو قوله: {ولهم عذاب أليم} فلليهود عذاب الدنيا بالجلاء وإخراب البيوت ولهم عذاب الآخرة.

 

{كمثل الشيطان} خبر لمحذوف أي القائلين: {لئن خرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنَّكم} مع اليهود كمثل الشيطان مع الإنسان

 

{إذ قال للإنسان اكفر} «إذ» متعلِّق بما قدر قبل الكاف أي مثل هؤلاء القائلين ثابت {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر}، ولا يمنع التشابه اختلاف الزمان فإنـَّه لا مانع من أن يقال: فعلك اليوم يشبه ما فعل عمرو أمس أو ما يفعله غدا، أو بمحذوف حال من الشيطان المضاف إليه لأنـَّه يغني عن المضاف، إذ لو قيل: «هم كالشيطان أو صفتهم كالشيطان» لفهم المراد والإنس والجنَّ، فيكون قوله: {إنـِّي بريء منك إنـِّي أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالديْن فيها وذلك جزاء الظالمين(17)} يوم القيامة، كذا قيل: «يعني هذا القائل» لهذا المثل إنَّ هذا مثل قوله: {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} وفيه أنَّ هذا لا يناسبه قوله: {فلما كفر} فـَإنَّ لها الوجودية يتـَّصل مضمون جوابها بمضمون شرطها تحقيقًا أو تقريبا، وأمـَّا أن يكون الكفر في الدنيا وقول: {إني بريء منك} في الآخرة يوم القيامة مبنيًّا عليه في نظم الكلام، فلا تحقيق فيه ولا تقريب بخلاف ما إذا كفر واستمرَّ على الكفر إلى أنْ مات فإنـَّه يظهر فيه الاتـِّصال تقريبًا حسنا ولم يتـَّصل بالمبدإ إذ كأنـَّه قيل: «لما تمَّ كفره للموت عليه» قال: {إني بريء منك} فالمراد بالإنسان الجنس والقول: {إني بريء منك...}إلخ أيضًا كما قال إبليس لأبي جهل بعد أمره بقتال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبعد قوله: لا غالب لكم اليوم، {إنـِّي بريء منكم، إنـِّي أرى ما لا ترون، إنـِّي أخاف الله رب العالمين} وكما قال لبرصيص: «اسجد لي أخلصك من القتال»، وسجد له فقال له: «إني بريء منك» كما ذكرته في هميان الزاد، والمراد بقول إبليس: اكفر، أنـَّه يقول للإنسان: افعل كذا، وذلك الذي يأمره به كفره، فذلك من ذكر ما يحكى بالمعنى، وذلك شامل للنهي.

 

 فإنّ النهي عن الحقّ أمر بتركه، فقوله: لا تعبد الله، أمر بعصيانه، وحاصل ذلك أنَّ إبليس والعياذ بالله يغري الإنسان على ما هو كفر، كإغراء أمر المأمور على المأمور به،

 

{[فلمّا كفر قال:] إنـِّي بريء منك}: لا أتحمَّل عنك شيـئًا من الضر الدنيوي أو الأخروي،

 

{ إنـِّي أخاف الله رب العالمين} وقرأ: أنا بريء منك، كذلك عبد الله بن أبيٍّ، قال لبني النضير: دوموا على مشاقة محمَّد، وقاتلوه أنصركم، وإن أخرجتم أخرج معكم، ففعلوا ولم ينصرهم ولم يخرج معهم، فهذا منه كقول إبليس: إنـِّي بريء منك، يقوله لمن أمره بالكفر، فكفر

 

{فكان عاقبتهما} أي عاقبة الإنسان والشيطان، بالنصب خبرا لكان،

 

{أنهما في النار} في تأويل مصدر اسم لكان، وذلك أنَّ المصدر غير الصريح المعبَّر عنه بأنَّ وما بعدها لمنزلة العلَم، والعلَم أشدُّ تعريفا من المضاف، ولو إلى الضمير، فكان أولى بالابتداء، وقرأ ابن مسعود برفع عاقبته، فهو اسم كان وما بعد ذلك خبر، واختاره بعض. {خالدين} حال من ضمير الاستقرار في قوله: في النار، وقرئ خالدان بالألف على أنـَّه خبر ثان، وفي النار فضلة بخالدين و

 

{فيها وذلك} أي الخلود فيها،

 

{ جزاء الظالمين(17)}  كلّهم: المشركين والفاسقين، وكل من الشرك ولاالفسق ظلم، كما قال: {إنّ الشرك لظلم عظيم}، وحمل الآية على ظلم الشرك تحكُّم بلا دليل، وذكر الله أنَّ الشيطان قال للإنسان: اكفر، وكفر الإنسان، والكفر يشمل الشرك والفسق، وعاقبة المشرك والفاسق النار، والخلود فيها، ذكر ذلك في التمثيل ثمَّ ذكره بلا تمثيل عموما، لقوله: {وذلك جزاء الظالمين}، والتمثيل بكفر الشرك وقوله: {وذلك جزاء الظالمين} في كفر الفسق والشرك، أو في كفر الفسق، وأمـَّا كفر الشرك عموما، فمما قبل هذا أو من باب الأولى، وذكر الله مثالين الأوَّل لليهود في حلول العذاب بهم، {كمثل الذين من قبلهم} من كفَّار بدر أو بني قينقاع، والثاني للمنافقين مع اليهود، إذ لم ينفعوهم بعد [294] الإغراء على القتال ولم يعين لأنَّ السامع يفهم ما هو مثال لهم وما هو مثال للمنافقين ولو عيّن لقال: مثل اليهود {كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب عظيم}، مثل الذين قالوا لهم: {لئن اخرجتم لتخرجن معكم...}، {كمثل الشيطان...}إلخ وأمـَّا بنو قَيْنقاع بفتح القاف وإسكان الياء إسكانا حيـًّا وضمِّ النون وفتحها وكسرها والضم أشهر وهم حي من اليهود كانوا بالمدينة عند جسر بطحان مِمَّا يلي العالية، وهم رهط عبد الله بن سلام من ذمرية يوسف الصديق عليه السلام، كانت غزوتهم في نصف شوال يوم السبت على رأس عشرين شهرا من الهجرة.

 

 وكان صلَّى الله عليه وسلَّم لـمَّا قدم المدينة وادع اليهود على أن لا يعينوا عليه أحداً، وإن دهمه بها عدوّ نصروه، ولـمَّا انصرف من بدر أظهروا له الحسد والبغي وقالوا: «لم يلق محمَّد من يحسن القتال، ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبه قتال أحد» وأظهروا له نقض العهد، واليهود ثلاث طوائف بنو قَيْنقاع والنظير وقريضة، ونقظوا العهد كلّهم طائفة بعد طائفة، وأول من نقض بنو قَيْنقاع قتلوا رجلا من المسلمين وحاربوا فيما بين بدر وأُحدٍ، وقال الحاكم كما حكاه حسين بن محمَّد: «غزوة بني قَيْنقاع وبني النظير واحدة» فربـَّما اشتبهت على من لا يتأمـَّل والصحيح أنـَّه غزاهم بين أُحُد وبدر ثمَّ بني النظير وقال الحاكم: «إجلاء بني قينقاع وبني النظير في زمان واحد» ولم يوافق على ذلك لأنَّ إجلاء بني النظير بعد بدر سـتَّة أشهر على قول عروة وبعد ذلك بمدَّة طويلة على قول ابن إسحاق، وقال الواقدي غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر، ألقى الله الرعب في قلوب بني قينقاع عند القتال فنزلوا على حكمه صلَّى الله عليه وسلَّم فأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي، وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى اذراعات ومنشأ نقضهم العهد أن المرأة من العرب قدمت بحليب فباعته بسوقهم، وجلست إلى صانع، لهم فجعلوا يراودونها على كشف وجهها فأبت.

 

 فعمد الصانع إلى طرف ثوبها من خلفها فعقده إلى ظهرها [295] ولـمَّا قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله لأنَّ ذلك نقض منه للعقد، فقتله اليهود، ولا يحلُّ لهم قتله، فنقضوا العهد بقتله، فوقع الشر بين المسلمين واليهود وبلغ الخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجمع أشرافهم، فقال: «يا معشر اليهود احذروا من الله أن يوقع بكم ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنـَّكم قد عرفتم أنـِّي نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم»، قالوا: «يا محمَّد إنـَّك تزى أنا  قومك أي كقريش في القتال لا يغرنك أنـَّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنـَّا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنـَّا نحن الناس أو لعرفت أنـَّا الرجال» فنزل {قل للذين كفروا ستغبلون...} الآية.

 

 وخرج إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بلواء أبيض يحمله حمزة رضي الله عنه واستخلف على المدينة بشر بن عبد المنذر، وحاصرهم خمس عشرة ليلةً إلى هلال ذي القعدة، فنزلوا على حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأمر  منذر بن قدامة السلمي أن يكتفهم فكتفهم، يريد قتلهم، فمر بهم عبد الله بن أبي، فأراد أن يطلقهم وهم حلفاؤه، قال له المنذر: «أتطلق قوما أمر النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم بربطهم؟، والله لا يفعله أحد إِلاَّ أضرب عنقه» فقال عبد الله بن أبي: «يا محمَّد أحسن في موالي» فأعرض عنه النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، فأعاد، فسكت صلَّى الله عليه وسلَّم فأدخل يده في جيب درعه صلَّى الله عليه وسلَّم ويقال لها ذات الفضول ، وقال: «يا رسول الله أحسن في موالي»، وألح فغضب صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال: «ويحك ارسلني»، قال: «لا والله لا أرسلك حتَّى تحسن في موالي.

 

 أربع مائة حاسر وثلاث مائة ذراع قد كانوا منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني امرؤ والله أخشى الدوائر» فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هم لك»، فأمر أنَّ يحلُّوا، و قال: «لعنهم الله ولعن من معهم»، وأمر بإجلائهم وقال عبادة بن الصامت وكان أحد بني عوف: «يا رسول الله تبرأت إلى الله ورسوله من حلفي معهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين» وكان[296] قد حالفهم كما حالفهم عبد الله بن أبي، وفيهما نزل: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى} إلى {نادمين}، ولـمَّا سمعوا خبر الإجلاء اغتموا، وأتى عبد الله ابن أبي برؤسائهم ليشفع لهم عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الإجلاء وكان عويمر بن مساعدة العمري واقفا على الباب فأراد عبد الله بن أبي أن يدخل، فمنعه عويمر، فدفعه عبد الله بن أبي وأراد أن يدخل بالعنف، فغضب عويمر فدفعه دفعا أصابت منه جبهته الجدار فدميت، فلـمَّا رأيت([133]) اليهود ذلك قال لعبد الله بن أبي: «يا أبا الخياب، نحن لا نسكن في بلد يفعل فيها مثل هذا ولا نقدر على دفعه».

 

 فرجعوا خائبين، فأمر صلَّى الله عليه وسلَّم عبادة بن الصامت بإخراجهم، فاستمهلوه ثلاثة أيـَّام ففعل ثمَّ أخرجهم وبلغهم إلى  ذي ناب، فذهبوا إلى أذرعات من الشام فهلكوا عن زمان قليل وصارت أموالهم وأسلحتهم غنيمة للمسلمين، واصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاث قسي: الكتوم انكسرت يوم أحد، والروحاء والبيضاء ودرعين فضَّة، والسغدية. قيل:«وهي درع داود عليه السلام حين قتل جالوت» وثلاثة أسياف: قلعي والبتار والخنف، وثلاثة أرماح، ثمَّ أمر بعزل الخمس وهو أوَّل خمس في الإسلاح بعد بدر، ووهب من ذلك ذرعا لمحمـَّد بن مسلمة وذرعا لسعد بن معاذ يسمَّى بسحك، وقسم الباقي على أصحابه، ثمَّ انصرف إلى المدينة، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا اتـَّقوا الله} فيما تفعلون، لا يكن إِلاَّ طاعة أو مباحا، وما تتركون لا يكون فرضا أو أكيدًا ولا كفر بترك غير الواجب

 

{ولتنظر نفس} نكرة للتعظيم، وأريد به الجنس، فإنَّ النفس التي تنظر للعواقب هي النفس وأي نفس، أو نكره للتقليل، فإنَّ النفس التي تنظر للعواقب قليلة، لأنـَّه قيل: «نفس قليلة أو واحدة» ويراد الجنس لا حقيقة الواحدة

 

{ما قدَّمت} من الأعمال، أعمل يسوؤها أم عمل ينفعها ويسرها، فلا تقدَّم إِلاَّ ما ينفعها، وإن قدمت غيره مِمَّا يهلكها فلتقلع عنه

 

{لغد} يوم عظيم هائل لا تعرف [297] غاية عظمته وهو يوم القيامة، نكره للتعظيم، وسماه: غد لقربه كما يقرب غد من أمسه، أو لأنَّ الدنيا كلَّها زمان واحد، غده يوم القيامة، واللام بمعنى إلى، ويقدَّر متعلِّق آخر أي ما وجهت إلى غد لها

 

{واتـَّقوا الله}كرره للتأكيد المعنوي لا الاصطلاحي، لأنـَّه لا يعطف التوكيد اللفظي بالواو ولا تقول: قاع زيد وزيد، بل زيد زيد، وإنـَّما ذلك كذكر  الشيء حينا ثمَّ حينا، كأن تقول لعبدك: اعمل كذا، ثمَّ تقول له: اعمل ما أمرتك به، أو اعمل كذا، وتذكر له ما ذكرت. والواو  كذكرك الشيء مع شيء ومع شيء آخر، نحو: أكرم الضيف، إنَّ في إكرامه ثوابا، وأكرمه إنـَّه جائع؛ ويجوز أنْ يكون الأوَّل في أداء الواجبات والفضائل كما يدلُّ له {ما قدمت لغد}، فإنـَّه يتبادر منه العمل الصالح وإلاَّ فالعموم  كما مرَّ والثاني في ترك الكبائر والمعاصي كما يدلُّ له الوعيد بقوله:

 

{إنَّ الله خبير بما تعملون(18)} من المعاصي أو المراد العموم وبقوله:

 

{ولا تكونوا كالذين نسوا [الله]} إلخ أي نسوا حقوق الله أي تركوها عمـدًا، ومن العمد الجهل، وإنـَّه من ترك حقّ الله ومنه حقّ العباد، لأنَّ الله  عزَّ وعلا أمر به فليس بقادر على الله حقَّ قدره ولا مراع أوامره ونواهيه

 

{فأنساهم أنفسهم} فجعلهم الله ناسين منافع أنفسهم الأخروية، بتركهم حقَّ الله، أي تاركين منافعهم، أي حكم عليهم بذلك لشرعه، إن من لم يعمل العمل الصالح ويترك الكبائر لا يجد في الآخرة إِلاَّ ما يسوؤه أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما ينسون به أنفسهم، ففي هذا الوجه الإنساء  بمعنى الإذهال أو الإزالة عن الحافظة، لا بمعنى الإتراك فيكون تفسيره: لا يرتدُّ إليهم طرفهم وأفئدتهم وقوله: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى}

 

{أولئك هم الفاسقون(19)} الخارجون عن الطاعة وهذا بيان لنسيانهم الله وتفسير له، كأنـَّه قيل: ما نسيانهم الله حتَّى تجتنبه، فقال هو: خروجهم عن طاعته أو المراد الخارجون عن حظوظ أنفسهم إذ خسروا حضهم من الآخرة ثمَّ رين التقوى ورغب فيها وقبح العصيان [298]  ورعب عنه بقوله:

 

{لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجـنَّة} قدم أصحاب النار لأنَّ الأصل أنْ يقال: لا يستوي الناقص بالكامل، كأنـَّه قيل: لا يستوي أصحاب النار مع أصحاب الجـنَّة، ومن ذلك {هل يستوي الأعمى والبصير}، {أم هل تستوي الظلمات والنور}  وأمـَّا {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إِنـَّمَا يتذكر أولوا الألباب} فلعله في جواب من قال من الكفَّار: إن كانت النار حـقًّا كان فيها المؤمنون معنا أو لأنَّ العلم ملكة، أعني أمر وجودي يسبق ذكره ذكر سلبه عمَّن لم يتـَّصف به كما قالوا الاعدام مسبوقة بملكاتها،

 

 {أصحاب الجـنَّة هم الفائزون(20)} تصريح بالفريق الفائز مع علمه مِمَّا قبل، وإشارة إلى عين الفارق الهالك إشارة كالتصريح لأنَّ ذلك حصر أي {أصحاب الجنة هم الفائزون} بالخلود في الجـنَّة، لتقواهم، وبكل مطلوب، الناجون من كلِّ مكروه دون أصحاب النار، فإنـَّهم الهالكون المستحقون الخلود في النار بنسيانهم الله، والحصر هنا ظاهر، لأنـَّه لا فائز في الآخرة إِلاَّ أصحاب الجـنَّة، إذ ليس لأصحاب النار إِلاَّ الهلاك، ولا للحيوانات إِلاَّ الموت والنجاة من النار، ويجوز أنْ يكون الحصر في الكمال أي: الكاملون في الفوز بخلاف الفوز في الدنيا بمالها وجاهها وخيرها، فإنـَّه ناقص، وكذا {أولئك هم الفاسقون} إمـَّا أنْ يراد الكمال في الفسق لليهود والمنافقين ويرادون بالذين نسوا الله، وإمـَّا أنْ يراد هم الفاسقون لا المؤمنون قال بعضهم: الآية دليل على أنَّ ما غنم الكفَّار من أموال المسلمين لا يدخل ملكهم ولا يحلُّ أنْ يعاملهم فيه أحد، ولا أنْ يقبله لنفسه بهبة منهم، ولا أنْ يغنمه لنفسه منهم.

 

 بل إذا اتـَّصل بيده بوجه ردَّه إلى صاحبه، وإنَّ الكافر لا يرث المسلم والمسلم يرثه، ولا يقتل بالكافر، ولا يقتص منه الكافر ولو كتابيًّا، واعترض بأنَّ الآية في عدم الاستواء في الأحوال الأخروية كما دلَّ له ذكر صحبة النار وصحبة الجـنَّة، فدليل أنْ لا يقتص الكافر من المؤمن وأنْ لا يرث المؤمن وأنْ لا يملك ما غنم منه من غير الآية على خلاف ما غنم منه وفي إرث المسلم الكافر [299] وفي الاعتراض نظر فإنَّ المستدل بها قد علم أنـَّها في أحوال الآخرة لكن استنبط منها تلك الأحوال الدنيويـَّة، ودلت الآية على أنَّ صاحب الكبيرة لا يدخل الجـنَّة إِلاَّ إن تاب، قالته المعتزلة قالوا لو دخلها لكان صاحب النار وصاحب الجـنَّة مستويين وإلاَّ كما قالوا لكن من غير الآية، وقولهم: لو دخلوها لاستوى بصاحب الجـنَّة لو صحَّ أنـَّه صاحب نار تحقيقا، ودخل الجـنَّة وكونه صاحب نار بحسب الظاهر.

 

 وفي الجملة هو نفس الدعوى، ويجاب من جانبهم أنـَّه قد صحَّ من الآيات والحديث أنَّ صاحب الكبيرة يدخل النار، فهذه الآية أتت على ذلك وقالت: لو دخلها لاستوى به، وأمـَّا فِرق الأشاعرة بأنـَّه يخرج فلا استواء فلا يتمُّ لأنـَّه يرد عليه أنْ يقال: إنَّ كلّ من دخلها صحَّ أنـَّه من أصحابها، فهل يقال: هذا الفاسق من أصحاب النار، وهل يقال: إنـَّه من أصحاب الجـنَّة، وهل يقال: إنـَّه من الفريقين، فإنَّ صاحب الجـنَّة هم الفائزون، فهل هو من الفائز بدخول الجـنَّة بعد فإنَّ الآية تأبى ذلك، ولو كان يمكنهم أنْ يقولوا أصحاب النار لا يستوون بأصحاب الجـنَّة لأنَّ المشرك لا يخرج منها، فلا استواء، وصاحب الكبيرة يخرج منها فلا يستوي بمن لم يدخلها.

 

{لو أنزلنا هذا القرآن} إشارة القرب لكونه عزيزا محبوبـًا مقربا يرغب فيه كلّ من استعمل عقله، فكأنـَّه قيل: هذا القرآن العظيم الشأن، ويجوز أنْ يكون هذا القرآن هو الآية التي قبل هذا، أو هو مع الآي قبلها من قوله: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون} وقد يقال إشارة القرب لا إهانة باعتبار الكفرة كأنـَّه قيل: هذا القرآن الذي تتهاونون به عكس: {يا أيـُّها الذي نزل عليك الذكر} وقوله: {إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}.

 

{على جبل} نكرة للتعظيم أي جبل عظيم في نفسه وقوته، ويحتمل جبل قاف أو على جبلٍ كائنـًا مـَّا كانَ، فالتنكير للعموم البدلي على هذا. ومعنى إنزاله على الجبل: تسليط قوته عليه، ولو لم يجعل للجبل عقلاً كما يثقل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالوحي حين يوحى إليه؛ حتَّى يلصق البعير به للأرض، وحتى يكاد فخد من كان رأسه صلَّى الله عليه وسلَّم يرض» فيكون معنى قوله: {خاشعا متصدعا من خشية الله} استعارة [300] أو تشبيها كقولك: رأيت زيدًا أسدًا، على الخلاف في قولك: زيدًا أسدا، هو استعارة أم تشبيه، أي كخاشع متصدع من خشية الله فيكون من المبالغة المقبولة. فإنَّ الإنسان يقبل العقل أن يتصدع من خشية الله فذلك جار مجرى التمثيل والتخييل، فيخيل السامع تصدع الإنسان كما يخيل أظفار المنية، أو يشبه إنسانا تصدع دموعا، ويجوز أن يكون معنى إنزاله على الجبل أن يجعل للجبل تمييزا وعقلاً، فينزله عليه فيفهمه، فحينئذ يخشع حتَّى يتصدَّع من خشية الله.

 

{لرأيته} يا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أو يا إنساناً من الناس بالعموم البدلي،

 

{خاشعاً} مع كونه في غاية القسوة وعدم تأثره  مِمَّا  يصادمه، والخشوع الخضوع والذل.

 

{متصدِّعا} متشققا

 

{من خشية الله} لأجل خشية الله، وقرئ مصَّدعا بتشديد الصاد كالدال لإبدال التاء صادا، وإدغام الصاد في الصاد

 

{وتلك الأمثال} هذا المثل والمثل في قوله: {كمثل الذين من قبلهم} والمثل في قوله: {كمثل الشيطان} أوهن إنزال الفرقان على جبل وخشوعه وتصدعه

 

{نضربها للناس} فقوله: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعـًا متصدعـًا من خشية الله} تمثيلا لعلو شأن القرآن وقوَّة تأثير مواعظه وقوارعه وتوبيخ للإنسان على قسوة قلبه وعدم تأثره بما يتلى منه عليه وعدم خشوعه لعدم تدبره فيه فالآية تقول له: قلبك أقسى من الحجر كما قال جلَّ وعلا {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}،

 

{لعلهم يتفكرون(21)} يتدبَّرون ما فيه

 

{ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} كلّ ما غاب وكل ما حضر فمن الغيب، ما وراء الجدار وما وراء ثوب لابسه وما في الصرة ونحوها من الأستار، وما دفن، ومن عرف ذلك فقد شاهده مع أنـَّه لا يدري لعلَّ الله أبدله جسما آخر وأبدل لونه وأزاده أو نقصه أو أفناه، ومن الغيب ما فني ومضى، وما يتولَّد من الحيوان والنبات شيء في ضمن شيء مرَّة، أو بوسائط، وكالنار في الحجر [301] والشجر وما في البحر، ومنه ما في الجـنَّة والنار والسماوات مِمَّا لا يشاهد، وما يأتي الدنيا بعدكم في هذا من نبات وثمار بتوسط التراب، وكم فيه، وفي الشجر وغيره من المأكول والمشروب من دم ولحم وشعر وعظم وغيرهنَّ، بتوسط الحيوان، وما في القلوب؛ والشهادة تقابل الغيب وهما مصدران بمعنى الوصف أي الغائب والشاهد، ويقدَّر ذي الغيب وذي الشهادة، وقدم الغيب لأنَّه الأصل لأنَّ المخلوق غابت عنه الأشياء، ثمَّ تحضر له شيـئًا فشيئا ولاختصاص علم الله به قيل: وجود العالم من الخلق، ولأنَّ كلّ ما غاب عن مخلوق فقد علّمه الله مخلوقا آخر أم لم يعلمه، ولأنـَّه أنسب بقوله:{لو أنزلنا ...} إلخ فإنـَّه العالِم بما غاب من خشوع الجبل وتصدعه لو أنزل القرآن عليه ولفظ

 

{هو}: ضمير للخالق والمخلوق لا من تقدَّم ذكر من يرجع إليه أو علمه من حال أو إشارة أو من لاحق كما تقول: بلا تقدّم كلام، هو القديم بلا أوَّل وهذا في كلام اللغة والظواهر، وأمـَّا عند المبالغ في التصوف والاستغراق في الذكر فهو يستعمله بمعنى الله ولو لم يتقدَّم شيء ولم يتأخر، وينسون أنفسهم ولا يصرفون هذا اللفظ إِلاَّ له تعالى قال بعض: «رأيت بعض الوالهين، فقلت: «ما اسمك؟»، فقال:«هو»، فقلت: «من أنت؟»، قال:«هو»، فقلت: «من أين؟»، قال: «هو»، فقلت: «من تعني بقولك: هو؟»، فقال:«هو»، «فما سألته من عن شيء إِلاَّ قال: «هو» لعلـَّك تريد الله عزَّ وجلَّ وخرجت روحه قال أهل الإشارة إنَّ تعالى وجل: «كاشف الأسرار بقوله: هو، وكاشف اليمين بلفظ الجلالة: الله، وكاشف العلماء بقوله: واحد، وكاشف العقلاء بقوله: الصمد، وكاشف العوام بقوله: {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد} وقيل: كاشف الخواص بالإلهية، وكاشف خاصـَّة الخواص بهويته، وكاشف العلام بأفعاله الحاطة بقدرته، قال ابن فورك: «هو حر فإنَّ هاءٌ وواوٌ والهاء من أقصى الحلق والواو من الشفت([134]) ففيه إشارة إلى أنَّ أوَّل بلا ابتداء وكل ابتداء حادث منه، وإلى أنـَّه آخر بلا انقضاء، وأنَّ كل حادث منته إليه، وورد وصف الله بعالم [302] وعليم وعلام ومعنى علمه تعالى: أنـَّه لم يخف عنه شيء ولا يخفى ولا أوَّل لذلك ولا آخر([135]) وهو علم بذاته وعلم بنفسه وهو

 

{الرحمن الرحيم(22)} هو المعطي أعظم النعم وعظيمها ولا حقيرة في نعمه

 

{هو الله الذي لا إله إلا هو} كرره لتأكيد التوحيد وسئل بعض عن التوحيد فقال: «إثبات ذات غير مشبـّهة بالذوات»، ولا معطلة عن الصفات،

 

{الملك} بدل من هو أو خبر لمحذوف أي هو {الملك} وكذا كلّ صفة له بعد {لا إله إِلاَّ هو عالم الغيب والشهادة} وقوله جلَّ وعلا: {لا إله إِلاَّ هو الحي القيوم}، وَ{لا إله إِلاَّ هو العزيز الحكيم} ومعنى الملك أنَّ كلّ ما عداه هو له ومن كان في يده شيء فهو عارية فلم يذكر ما ملك للعموم وهو صفة مبالغة وأشدّ مبالغة منه لفظ مليك كقوله تعالى: {عند مليك مقتدر} ومالك: اسم فاعل، كقوله عزَّ وعلا: {قل اللهمَّ مالك الملك} وهو مشتق من الملك بكسر فإسكان وأصله الشد والربط أو القدرة.

 

 قال الشاعر:

ملكت بها كفي فانهرت فـتـقــــها          يرى قائم من دونها ما   ورائـــــها

يقال: ملكت كفي بالطعن إذا بولغ فيه ويقال لعقد المصاهرة: الأملاك، لأنَّه يرتبط بعقد التزويج وبصلة بين الزوجين، وقيل: حقيقة الملك عند أهل التحقيق هو القدرة على الإبداع والإنشاء ووصف العبد به حقيقة عرفا ولغة، وقيل: الملك القدرة على الإطلاق، واعترض بالغاصب فإنـَّه قادر لا مالك، وفيه أنَّ المراد لا قدرة له على جعل الحرام حلالاً له، والعرب واللغة مثبتان المغصوب لغاصبه وقيل: حقيقة المِلك جواز التصرُّف في الشيء على الإطلاق، فخرج الوصي والوكيل فإنـَّهما بالإذن لا بالاطلاق، وفيه أنَّ الصبي والمجنون والمحجور عليه ما لكون ولا تصرف بهم.

 

{القُدوس} بضمِّ القَاف وقرأ بفتحها والضمّ أبلغ، والمعنى البليغ في البعد عن النقائص النقائض في الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء ويقال: الذي كثرت بركاته.

 

{السلام} مصدر بمعنى السلامة في الأصل كالرضاع بمعنى الرضاعة، واللذاذ بمعنى اللذاذة وهو اسم لله أي السالم من النقص ومن النقص الآفات [303] فهو سالم منها أو يقدَّر مضاف أي ذو السلامة أو ذلك مبالغة كما تقول: «رجل عدل»، ويعدل: للمصدريَّة قوله تعالى لهم: {دار السلام} وقوله: {سلام عليكم}، وهو دعاء بالسلامة وهو أولى من يقال: «المراد الله عليكم رقيب، هذا في الدنيا ولا سيما في الآخرة وفيه تكرير مع القدوس في المعنى إذ معناهما السالم من النقص والتكرير في مقام التنزيه عن صفات الخلق حسن جدًّا كما كرَّر {هو الله الذي لا إله هو}، وفرق بأنَّ السلام بمعنى أنـَّه يسلم في المستقبل من الآفات والقدوس في الماضي والحاضر وفيه أنَّ المتبادر من لفظ القدوس أنـَّه قدوس في الماضي والحاضر والمستقبل فإنـَّه صفة مشبـّهة لا تدلُّ على الحدوث ومن لفظ السلام سالم في الماضي والحاضر والمستقبل، وقيل: السلام بمعنى أنـَّه لا يجوز على خلقه سلم المؤمنون من عذابه وقيل: ذو السلام على عباده وأمـَّا الجور فداخل في الناقص.

 

{المؤمن} الذي يجعل أولياءه يوم القيامة آمنين أيوفقهم في الدنيا إلى موجب الأمن في الآخرة أو واهب الأمن فكلُّ من آمن في الدنيا فيجعل الله إيـَّاه آمناً وذلك أن يزيح الأعداء عن الإنسان والمضار فيطمئن وقيل: المعنى أنـَّه يصدق إنشاءه بالمعجزات أو يصدق هذه الأمـَّة إذا شهدت على الأمـم يوم القيامة وفيه أنَّ مثل ذلك في القرآن بالباء آمن به ويؤمن به والمؤمنون بالله لا بدونها وكذا في قول من قال المعنى أنـَّه يصدّق نفسه ويشهد لنفسه وفي قول من قال المعنى يصدق وعده بإنجاز الفعل، قد أمن صفات الفعل وكذا يكون من صفات الفعل إذا فسر بإعطاء الأمان على ما مرَّ أو بإعطاء الأمان لمن إستعاده وقرئ بفتح الميم الثانية بمعنى المؤمن به

 

{المهيمن} الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء لأنَّ أصل معناه من معنى المرافقة. قال الخليل وأبو عبيدة: «هيمن عليه يهيمن فهو مهيمن» إذا كان قريبا، وقيل: معناه القائم بالرزق لعباده وبه قال ابن الأنباري، وقال الكسائي إنـَّه بمعنى الشاهد وقيل الرقيب الحافظ، وقيل: الأمين وقال المبرد: أصله المؤيمن [304] بهمزة مفتوحة بمعنى المؤمن قلبت همزته هاء فثبتت ولو لا قلبها هاء لحذفت حذفا لأنـَّها همزة أفعل تحذف في المضارع والوصف إِلاَّ شاذا كقوله: فإنه أهل لأن ياكرم([136]) وقولهم كساء هو رقب والأصل مرنب ومن قلبها هاء فتثبت قولهم في أراقِ  يريق هراق يهريق مهريق بفتح الهاءات وقلوهم، في أراحه يريحه هراحه يهريحه.

 

{العزيز} الذي يوجد له نظير في بربريتنا ننطق من مادَّة عزّ في العربـيَّة بمعنى القلّة، تقول يعزّ كذا، أي يقل أو المعنى  الغالب القاهر، ولعلَّ أصل ذلك من هذا فإن القاهر قليل وقيل: القادر والقوي يقال عزه يعزه بضمِّ العين في المضارع بالمعنى غلبه وعز يعز بكسرها فيه بمعنى  قل: وعز يعز من بفتحها إذا قدر وقوي قيل: العزيزالمنيع الذي لا يوصل إليه يقال حض عزيز إذا تعذر الوصول إليه وقيل: فعيل من الثلاثي بمعنى مفعل من الرباعي كأليم بمعنى مؤلم وسميع إذا كان بمعنى مسمع ووجيع بمعنى موجع.

 

{الجبـَّار} الذي يعجز عنه غيره ولا يناله بمنعه عمـَّا أراد قال ابن الأنباري: «ذلك من قولهم نخلة جبارة أي فاتت الأيدي فلا ينال ثمارها إِلاَّ بالصعود» وقيل: الذي أجبر خلقه على ما أراد والمشهور في جبر الثلاثي ومنه الجبار أن يكون بمعنى إصلاح الكسر أو الفساد، وأجبر الرباعي بمعنى قهر ولكن تميم وبعض الحجازيين يقول: جبره بلا همزة بمعنى أجبره بالهمزة أي قهره، فعلى هذه اللغة جاءت الآية في هذا القول، وبهذا يستغنى عن قول الفراء: «لم أسمع فعالاً من أفعل إِلاَّ لفظين جبـَّارا من اجبر ودراك من أدرك» فجبار عنده من أجبر بالهمزة شذوذًا، ولا حاجة إلى هذا مع وجود جبر بلا همزة بمعنى أجبر بالهمزة، وأيضا يستغنى عن ذلك بجعله من جبر بلا همزة بمعنى إصلاح الكسر والفساد، فإنَّ الله جلَّ وعلا والله جابر الكسير ومغني الفطير وجابر الدين كما قال الشاعر:

قد جبـر الديــن الإلـــه فـجـبــــر وجـبـــــــر الله       الأحـــــــــــوال

وقال ابن عـبَّاس: «الجبار الملك العظيم» وهو صالح لما مرَّ [305] كله وتسمية القتال جبارا مأخوذ من العظمة، وعجز غيره عنه، وكذا المتمرد عن عبادة الله وكذا المتسلط قال جلَّ جلاله: {ولم يجعلني جبـَّارا} أي عن الطاعة وإذا بطشتم بطشتم جبارين.

 

 أي قتالين، {إن تريد إِلاَّ أنْ تكون جبارا} أي قتالاً، كذا قيل: ولا يلزم ذلك فيهما لجواز أنْ يكون المراد التسلط والقهر كما قال تعالى:{وما أنت عليهم بجبار} أي متسلط وأمـَّا قوله تعالى: {إنَّ فيها قوما جبارين} فمن معنى القوَّة والتسلط. وفسَّر بعظم الجسم الواضح أنَّ المراد ما يلزم من عظمه من القوَّة والتسلط

 

{المتكبـِّر} المترفع عن الحاجة والنقص وبه قال قتادة، والعظيم الكبرياء والعظمة وعن ابن عـبَّاس الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وعن الزجاج الذي تعظم عن ظلم العباد، ولعلَّه أراد التمثيل لتعظمه عن كلِّ نقص وقال ابن الأنباري: «المتكبر ذو الكبرياء والكبرياء الملك»، قال جلَّ جلاله: {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} أي الملك، ولا يلزم لجواز أنْ يكون المعنى ليكون لكم علو الشيء في الأرض والتكبر في صفة الخلق مذموم لأنـَّه يتضمن كذبا، لأنـَّه ما له إِلاَّ  ذلة ومسكنة وقصورا، وأمـَّا الله جلَّ جلاله فله أنواع العلو كلّها فهو يظهرها للخلق ويصف نفسه به، فذلك إرشاد إلى الحقّ ومعرفته فيعرفون قدر أنفسهم. روي أنَّ أميرًا عرضت جارية بمائة ألف فأحضر الثمن فاستغلاها فقال([137]): «اشترني يا أمير المؤمنين فإنَّ فيَّ مائة خصلة، كلّ واحدة تساوي أكثر من مائة ألف درهم، أدناها أنـَّك إن اشتريتني وقدمتني على جميع عبيدك لم أغلط في نفسي وعلمت أنـِّي مملوكة»، فاشتراها ورجع إلى عمر بن عبد العزيز. إنَّ ابنك اتـَّخذ خاتما اشترى له فص بألف درهم، فكتب إليه: «أمـَّا بعد فقد بلغني أنـَّك اشتريت فصا بألف درهم» فباعه واشبع به ألف جائع، «واتخذ خاتما من حديد صيني واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه»

 

{سبحان الله عمـَّا يشركون(23)} ما: مصدريـَّة أي عن إشراكهم به الأوثان، أو أنـَّهم أي عمـَّا يشركونه به تعالى من الأوثان في العبادة أو المراد عن إشراكهم [306] أنفسهم بالله عزَّ وجلَّ في ادعاء الكبرياء ونحوها من الصفات المختصة بالله لأنفسهم، وهي مختصة بالله عزَّ وجلَّ.

 

{هو الله الخالق} المقرر الأشياء على ما تقضيه الحكمة وكل من قدر شيـئًا فهو خالق له أي مقدر له كما قال جلَّ وعلا: {تبارك الله أحسن الخالقين} ولكن يحتاط في التلفظ، ويتأدب فلا يقال فلان خالق أو خالق لكذا، كما لا يقال: فلان رازق أي منفق مع قوله تعالى: {فارزقوهم تأدبا} وفي ذلك إزالة للوهم ولظن السوء، إذ العامـَّة تعرف أنَّ الرزاق الله، والخالق الله، وذلك هو المشهور بينهم، فقد يكفِّرون قائل ذلك فيكون تسبُّبـًا في تكفيرهم إيـَّاه، وظنهم السوء، كما لا يقال فلان: المسلم كافر، أي ساتر أو كافر بالطاغوت أو بالنجم ونحو ذلك مِمَّا يجوز النطق به في الكفران به.

 

 ومعنى الكفر بالنجم اعتقاد أنَّ الله هو الآتي بالمطر لا غيوب نجم، وطلوع نظيره من النجوم المعتاد المطر عندها، وإن قلنا يمطرنا الله عندها جاز وكما لا يقال: «فلان المسلم» مصر لما شهر الإصرار على المعاني منع من ذلك دفعا للإيهام مع صدق قولك أنـَّه مصر على الطاعة أي ملازم لها، وعلى ترك السوء، والحاصل أنـَّه لـمَّا شاع اختصاص لفظ بالله أو لفظ في معنى سوء تحومي عنه وقيل: الخالق الموجد للأشياء على غير نظر مثال فهو بمعنى المبدع وهو أيضًا بمعنى المصدر كما قال تعالى: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} وليس المراد في الآية لذكر «المصوِّر» بعد إِلاَّ إنْ كرَّر للتأكيد والأصل التأسيس وقال الجبائي من المعتزلة: «إنَّ الخالق في الخلق حقيقة ولله مجاز في معناها التقدير بقياس شيء إلى شيء والتفكر فيه والله منزه عن القياس والتفكر لأنهما من صفات من جهل فاستعماله لله بمعنى الموجد بلا قياس ولا تفكر مجاز ولا يخفى إنَّ هذا أولى من ردِّ الخالقين في {تبارك الله أحسن الخالقين} إلى معنى الموجودين للأشياء من العدم إلى الوجود، تجوز لصناعتهم بإيجاد الشيء من العدم» نعم قوله: مجاز لله عزَّ وجلَّ إنـَّما هو باعتبار الأصل على مدعاه، وأمـَّا باعتبار العرف الشرعي فحقيقة شرعية

 

{البارئ} [307] الموجد للخلائق بريئة من التفاوت فترى كلِّ نوع من الحيوان وغيره جاريا على صفات مستمرَّة وأشكال متفقة، فالناس مستمرون على وصف للإنسان وشكله والبعير كذلك، والنخل ذلك، وهكذا ألا ترى إنسانا برجل جمل، ولا جملا برجل إنسان، وهكذا، أو المعنى الموجد للخلائق متفاوتة مختصا بعضها من صفات البعض أشكاله متميزا بعضها من بعض فشكل الجمل مثلا متميز من شكل الإنسان وبرئ منه، وفسَّر بعضهم الباري بالصانع على غير مثال، فيفسر للخالق بغير هذا لئلا يتكرَّر ولا يجوز أنْ يكون الباري من البراء وهو التراب بمعنى أنـَّه خالق الإنسان ونحوه من التراب، لأنَّ البراء بمعنى التراب غير مهموز والهمزة فيه بمعنى الألف عن ياء كالبناء وهذا اللفظ في قراءتنا بالهمزة وأمـَّا على قراءة غير نافع فهو بالياء محتمل لذلك، لكن لا يشمل اللفظ ما ليس من التراب كالملائكة والجن، ونحن نقول الله: بارء للأجسام والأعراض كاللون والطعم لا كما قيل: إنَّ لفظ البارئ مختص بالأجسام المخلوقة.

 

{المصوِّر}: الموجد لهم على ما شاء من الصور.

 

{له الأسماء الحسنى} البالغة غاية الحسن، فإنَّ للكمال أي الأسماء الكاملة في الحسنى لفظاً ومعنى وصدقـًا واتصافا، وذكر بعض أنـَّه قدم الخالق على البارئ لأنَّ ترجيح الإرادة مقدَّم على تأخير القدرة بناء على أنَّ في لفظ الخالق معنى الإرادة لأنـَّه بمعنى المقدر وقدِّم البارئ على المصوّر لأنَّ إيجاد الذّات مقدَّم علّى إيجاد الصفات، على أنَّ المصور بمعنى خالق الأوصاف ثمَّ عمَّ الأسماء بقوله: {له الأسماء الحسنى}.

{يسبـِّح له} يقر بالنزاهة عن النقص أو ينزهه

 

{ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم(24)} الذي لا وصف له ولا فعل إِلاَّ على الحكمة.

 


 


[118]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «الحشر».

[119]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأمروهم».

[120]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يدعو».

[121]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذلك الزمان».

[122]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «شاق».

[123]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «مضاعفة».

[124]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «دعوا».

[125]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «النظير».

[126]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «المماثلة».

[127]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يعتادوه».

[128]

-                      في الأصل: «الصديقون». وَهُوَ تحريف.

[129]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مظهره».

[130]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «وقى».

[131]

-                      في الأصل: «سابقونا»

[132]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «أو كوجود...».

[133]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رأت».

[134]

-                      كذا في الأصل، والصواب: «الشفقة».

[135]

-                      كتب في الحاشية: «لا بعلم زائد».

[136]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يكرم».

[137]

-                      كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فقالت».