إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الممتحنة
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أيـُّها الذين آمنوا لا تتـَّخذوا عدوي وعدوكم أولياء} العدوان واحد، والمعنى لا تتخذوا من هو عدوّ لي ولكم أولياء، فإنَّ عدوي دليل لا يملك لكم نصرة ولا حماية وأنا الذي أحميكم وأنصركم وأنا  {العزيز الحكيم} [308] كما قال في آخر السورة قبل هذه، فذلك وجه مناسبة بين آخر السورة قبل هذه وأول هذه، كأنـَّه قيل أنا الغالب فأنا أحميكم فاتخذوني وليـًّا ولا تتخذوا من هو ذليل مبغض لكم وليـًّا، ومن أوجه المناسبة في أواخر السورة في الصفات الحميدة وأول هذه في الصفات الخبيثة مِمـَّن لم يعترف بتلك الصفات الحميدة، وتناسب هذه السورة بأولها ما في السورة قبلها فإنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم خالط المنافقين في المدينة وخالط فيها حاطب([1]).

 

 وقصته تشبه قصص المنافقين في الخيانة، إِلاَّ أنـَّه لم يقصدها، وإلاَّ أنـَّه عذره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقيل: عذره، والله جلَّ جلاله سمــَّاه أنـَّه آمن وخاطبه ووعظه في الذين آمنوا، وسمَّى أعداءه أعداء له لا مطلقًا بل على رسم أنـَّك آمنت بي وبرسولي والمشركون أعدائي وأعداءك، وأمـَّا {فقد ضلَّ سواء السبيل}، فليس إخبارا بالشقاوة وإقناطا بل إخبار بأنـَّك قد ضللت عن السبيل فارجع إليه، وذلك أنـَّه لـمَّا تجهز رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لغزوة الفتح كتب حاطب وهو ابن أبي بلتعة إلى أهل مكَّة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يريدكم فخذوا حذركم، فانظر كيف سمــَّاه رسولا لله صلَّى الله عليه وسلَّم سرًّا إلى عدوه، كما يحضر به، فليس بشاك ولا مرتد سوى أنـَّه فرطت منه تلك الفرطة، وهي إنذار العدو، وهي عظيمة لولا أنَّ الله تداركه بإبطالها، وكان إرساله الكتاب مع سارة مولاة بني المطلب، ويقال مولاة بني هاشم، فهي لبني المطلب وهم من بني هاشم فليست مولاة لأحد من بني هاشم فوق بني المطلب.

 

 جاءت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المدينة من مكَّة فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمسلمة جئت؟» فقالت: «لا» قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمهاجرة جئت؟» فقالت: «لا» قال: «فما جاء بك؟» قالت: «قد ذهب الموالي يوم بدر» - أي قتلوا في ذلك اليوم - فاحتجت حاجة شديدة» فحثَّ عليها بني المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها بِرداء وحملها كتابا حاصله ما ذكر إلى [309] أهل مكَّة، فخرجت سائرة فأطلع الله رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك، فبعث عليا وعمر وعمارا وطلحة والزبير وأبا مرتد خلفها فرسانا فأدركوها وسألوها عن ذلك فأنكرت وحلفت، فقال علي: «والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» وسلَّ سيفه فقالت: «ولوا عنِّي وجوهكم فأخرجته من عقاص شعرها» وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «انطلقوا حتَّى تأتوا روضة خاخ فإنَّ بها ضعينة، معها كتاب حاطب إلى أهل مكَّة، فخذوه منها، وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها» وقد أدركوها في ذلك الموضع فجاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاستحضر حاطبـًا فاعترف وقال له: «ما حملك على هذا؟» فقال: «يارسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولكني ملصق بقريش وليس لي فيهم من يحمي أهلي فأردت أن أتَّخذ عندهم يدا أحمي بها أهلي ومالي وقد علمت أنَّ كتابي لا يغني عنهم شيـئًا وأنَّ الله ينزل بأسه عليهم» فصدَّقه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقبل عذره

 

 

فقال عمر: «دعني يارسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما يدريك يا عمر لعلَّ الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعلموا ماشئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر، وقال: «الله ورسوله: أعلم». فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة...} إلخ مفعول

 

{تلقون} محذوف، والباء سبـبـيَّة أي تلقون الأسرار

 

{إليهم} بسبب المودة، أو الباء صلة ومدخولها هو المفعول في تلقون المودة إليهم، والمراد بالأسرار أسرار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين، والمراد

 

{بالمودة} الحب بينكم وبين عدوّ الله وعدوكم، ورد ضمير الجمع إلى العدوّ لأنـَّه أريد الجماعة لا الواحد، أي تلقون إلى الأعداء في الدين بالمودَّة، والعدوّ في الأصل مصدر يصدق على الواحد، وإن أريد به واحد([2]) جمع على أعداء كرجل ورجال، وإن أريد جماعة جمع أيضًا على أعداء كقوم وأقوام، وكذا يجمعان على أعداء والعداوة [310] ضدَّ الصداقة ولا حبَّ مع العداوة، والمراد أعداء ديني فمن يحب الله لا يحب عدوه قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالّ»، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي در: «أي عرا الإسلام؟» فقال: «الله ورسوله أعلم» فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله».

 

 ووجه النهي عن اتخاذهم أعداءهم أولياء مع أنَّ الصداقة والعداوة ضدَّان لا يجتمعان أنْ يتصوَّر الاشتمال عليهما من جانبين، وعلى هذا ورد النهي فهم أعداء الحاطب وغيره في الدين، وتناولا طرفا من الحب من حيث أنْ يخبرهم بأسرار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيحموا أهله وماله، كما أنَّ ولد الإنسان محبوب للإنسان وكذا زوجه مع أنـَّهما عدوان له لأخطار دنيوية أو أخروية يوردانه عليه من المهالك، ولمنافاة المودَّة للكفار لعداوتهم في الدين؛ ذكر لفظ العدو مرتين ليذكر بأحدهما أنـَّه عدوّ للمؤمنين ويؤخَّر هذا اللفظ ويزداد به استبشاع الإلقاء بالمودة، فإنَّ قولك: كيف تتـَّخذ عدوك وليا تلقى إليه بالمودة، أظهر في التقبيح في بادئ الرأي، وعقد غفلة العامـَّة من قولك: كيف تتـَّخذ عدوّ الله وليك تلقي إليه بالمودة، ولذلك لم يقتصر على عدوي مع أنـَّه يلزم من كونهم عدوّا لله كونهم عدوا للمؤمنين، بخلاف ما لو اقتصر على ذكر كونهم أعداء للمؤمنين فإنـَّه لا يلزم من كون أحد عدوا للمؤمنين، إذ يكون عدوّ الله لجواز الخطأ وجواز أنْ يكون في باطن الأمر على غير ما يبرأ به.

 

 ولجواز أنْ يختم له بأمر السعادة، وأيضا من أسباب تأخير عدوكم أنَّ عداوة الله للكافرين لكفرهم فقط لا مناصرة لغيره ومتابعة له، وعداوة المؤمنين لهم لكفرهم مع المناصرة له عزَّ وعلا ولرسوله والمتابعة لهما، وما كان بلا متابعة للغير مقدَّم والله جلَّ وعلا وعلا غني، ومحبة الله العبد لا لعلة إذ هو غني على الإطلاق، وأيضا عداوة الله للكافرين أقوى وقديمة فهي أولى بالتقديم لفظا من عداوة المؤمنين لهم لحدوثها وضعفها بالنسبة، ولأنـَّها قد تختلف بخلاف عداوة الله فلا تتقلب وجملة {تلقون} مستأنفة تذييلاً لا تخاذ العدو أولياء، فإنَّ من شأن الولي أنَّ يلقي إليه بالمودة أو نعت أولياء والنعت متوجه إلى الولاية على أنـَّه لا يتصوَّر ولي لا يلقى إليه المودة، فإذا كانوا أولياء ألقوا إليه المودة لا متوجه إلى الولاية حتَّى يجوز اتخاذهم أولياء بلا إلقاء المودة إليهم فإنـَّه لا يجوز أيضًا ويجوز أنْ تكون الجملة حالاً من واو تتخذوا أو من أولياء ولو نكرة لتقدم السلب أو من عدوي وعدوكم.

 

 ثمَّ إنـَّه لا مانع من أن يكون التكرير مع تقديم عدوي تلويحا بأنـَّه إذا أقدمت إليكم بأنَّ قوما عدوي لزم أنْ يكون عدوكم ولا يجب الإبراز في صورة من تلك الصور لو كان شأن الأبرار وهو جريان الصفة مثلا على غير ما هي له لأنـَّه إِنـَّمَا يقال: هذا إذا كان الضمير عائد إلى غير ما هو له، وهنا ضمير ما تكون الصفة له مذكور وضمير ما لم تكن له مذكور أيضًا، فأحدهم هو واو تلقون والآخر هو هاء إليهم وكلاهما بارز مع أنـَّه لا يجب الإبراز في الفعل فيما قال بعض

 

{وقد كفروا بما جاءكم من الحقِّ} القرآن وغيره وجملة {قد كفروا} حال من الواو في لا تتخذوا أو من عدوي وعدوكم، وقرئ: لـمَّا جاءكم أي لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب الإيمان سببا للكفر، والباء للتعدية ويجوز أن تكون للتعليل.

 

{يخرجون} مضارع للاستمرار

 

{الرسول وإيـَّاكم} عطف على الرسول والضمير واجب الفصل لمجيئه بعد العاطف، فوصله لا يمكن بعده، لأنَّ العاطف غير عامل ولا يتـَّصل به الضمير ولا تتوهم أنَّ الوصل ممكن بقولك يخرجونكم والرسول، لأنَّ هذه عبارة أخرى غير الأولى مغايرة لها بالتقديم والتأخير، والخطاب للمؤمنين، والوقف على الرسول مع الابتداء بما بعده موهم للتحذير وهو صورة كفر إذا قيل: {وإياكم أن تؤمنوا} [312] أي احذروا الإيمان، وليس ذلك مرادا بل المراد يخجون الرسول ويخرجونكم، لأجل أنـَّكم والرسول تستمرّون على الإيمان، والمراد الإخراج من مكَّة، والإخراج ليس على الحقيقة بل بمعنى التسبب في الإخراج بالمضايقة على الرسول والمؤمنين وعدم تركهم مع إقامة، بل إقامة دين الله، بل هم كارهون لخروجهم.

 

 لـمَا رأوا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من التكلم بالحقِّ في فصاحة وبلاغة ولين كلام وأخذ كلامه بالقلوب، ومن المؤمنين من المعونة والجري على سننه، والجملة مستأنفة، وأجيز أن تكون حالاً من واو كفروا، فيراد بكفرهم كفرهم المؤدي بالتضييق إلى الإخراج،

 

{أن تومنوا بالله ربكم} معلوم أنَّ المضارع المنصوب مستقبل المعنى، فالمراد هنا الاستمرار على الإيمان في المستقبل، والمراد الإخراج من مكَّة إلى المدينة وإلى الحبشة وغير ذلك، ولا قصد لهم في ذلك، لأنـَّهم لا يباشرون الإخراج بل يضيقون عليهم فيخرجون بأنفسهم إلى أي موضع شاؤوا، أي يخرجون الرسول وإيـَّاكم لأجل أنـَّكم تستمرون على الإيمان فحذف حرف التعليل، أو يقرر مضاف أي خوف أنْ تؤمنوا أي خوف الإيمان المستمر بعد، أو يقدَّر لئلاَّ تؤمنوا، وربَّ بدل من لفظ الجلالة وقدم الرسول لأنـَّه الأصل المنظور إليه، وقدم لفظ الجلالة لأنـَّه أعظم في الترهيب، والخطاب في تؤمنوا للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين وفيه تغليب الخطاب في إيـَّاكم والغيبة في لفظ الرسول وفي {بالله ربكم} لفظ الكلام من التكلم في عدوي إلى الغيبة في الجلالة، فمقتضى الظاهر أنْ تؤمنوا، أي ووضع لفظ الجلالة ولفظ ربّ موضع الياء للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية والربوبية

 

{إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} جواب إن محذوف دلَّ عليه قوله: {لا تتخذوا} والخروج للجهاد في سبيل الله يتضمن اتخاذ الله وليا، فالمعنى لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، لا يكون خبر كان ماضيا مثبتا مجردًا من قد إِلاَّ إن كان الكون ماضيا وشرطا كما هنا، لأنَّ المعنى إنْ صحَّ كونكم، [313] وجهادا مفعول لأجله ولا داعي إلى جعله حالاً بتأويل مجاهدين أو ذوي جهاد وحكم ابتغاء حكمه لأنـَّه معطوف عليه، والمرضاة مصدر ميمي بمعنى رضاي، ولا يخفى أنَّ الجهاد وابتغاء مرضاة الله قد يوجدان مع الخروج، وقد يؤخذ الخروج بدونهما، لا كما قيل: إنَّ الفائدة في ابتغاء المرضاة فقط لأنـَّها قد يكون الخروج له وقد لا يكون له، لأنـَّا نقول: الجهاد كذلك كما رأيت.

 

{تسرُّون إليهم بالمودَّة} الباء صلة في المفعول به، أي تسرون إليهم المودة، أو للسببية، والمفعول محذوف أي تسرون إليهم الأخبار لأجل المودة، ومعنى إلقاء المودة إليهم وإسرارها إليهم ذكر ما يتضمنها لهم مثل النصيحة، ومثل أنْ يقال إنـِّي لكم نذير فاحذروا، أو إنـِّي أحبّكم، والجملة عتاب مستأنف لـمَا وقع من بعضهم، وذلك نهي عن المعاودة لمن فعل وزجر عن الفعل لمن لم يفعل.

 

{وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} ما بعد الواو الأولى حال من واو تسرون، وأعلم اسم تفضيل، أي أعلم منكم، أو مضارع، والباء صلة في مفعول المضارع، أي أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، وهو من علمي المتعدي لواحد ولو اختلفوا في وصف الله بالمعرفة، لأنَّ المختلف فيه مادَّة عارف، والباء  للإلصاق المجازي بعد اسم التفضيل ويجوز أنْ تكون كذلك بعد ذلك المضارع، يقال: علم بكذا ويعلم به وهو عالم به، وما: مصدريـَّة، أي أعلم بإخفائكم وإعلانكم أو اسم أي بما أخفيتموه وما أعلنتموه، وقال: بما أخفيتم، ولم يقل بما أسررتم مع قوله تسرون، لأنَّ الإخفاء أعمّ من الإسرار فشمل ما أظهروه لبعض وأخفوه عن غيره.

 

 وما لم يظهروه لأحد أصلاً، أو أراد هذا فقط هنا فهو أبلغ مما أظهروا لبعض، وقد قال الله جلَّ وعلا: {يعلم السرَّ وأخفى}، ذكر الإخفاء بعد السرّ لأنـَّه أبلغ منه أي وأخفى من السرّ، وقدم ما أخفيتم على ما أعلنتم مع أنَّ العلم بما أخفوا يستلزم العلم بما أعلنوا، بلا عكس، لأنَّ المقصود بالذات بيان ما هو أخفى وهو الكفر الذي [314] أضمروا، وإنـَّما ذكرها([3]) أعلنوا فتابعة لذكر ما أخفوا وتعميمًا في اللفظ، فما أخفوا هو الشرك وما أعلنوا هو التوحيد، أو المراد بالذي أعلنوا حقيقة ما أعلنوا، بأنَّ ما أعلنوا ليس بظاهره، واستلزام علم الخفي لعلم الجهر إِنـَّمَا هربا لنسبة إلى علمنا، وأمـَّا علم الله فهما فيه سواء، ويجوز أن يراد بما أخفيتم ما أخفيتم من مودة الكفَّار والكفر وغيره، وبما أعلنتم ما أعلنوا من التوحيد وسائر ما ظهر منهم نطق وغيره،

 

 {ومن يفعله} أي من يفعل اتخاذ عدوّ الله أولياء، أو من يفعل إلقاء المودة إليهم أو إسرارها، أو من يفعل ذلك كله أي بعضا منه أو كله، وأفرد الضمير لتناول ما ذكر،

 

{منكم} أو من غيركم لكن خصَّ المخاطبين الموجودين في الآية تقوية للتوبيخ على الفاعل، والخطاب للمؤمنين الموجودين زمان النزول وإن إريد المؤمنين مطلقـًا عمّ الكل فلا يبقى مخصوص

 

{فقد ضلَّ سواء السبيل(1)} وسط الطريق، ووسط الشيء فضله، فوسط السبيل دين الإسلام وسواه، فالسبيل شامل لسبيل الكفر، والفاضل منها دين الحقّ، وذلك وجه الضلال أي لم يصف وجه الرشد والصواب، ومن ذلك أنَّ إخفاؤه واتـِّخاذه الكفَّار سرًّا ضائع، لأنـَّه تعالى عالم به، فهو مطلع رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم به، لأنَّ الخفاء والجهر عنده سواء، فلا طائل في إسراركم، وسواء منصوب على تقدير عن أي ضلّ عن سواء السبيل، أو مفعول به على تضمين ضلّ معنى فقد أو عدم أو أخطأ.

 

{إنْ يثقفوكم} أي يحبسوكم بقدرتهم عليكم وظفرهم بكم، أو ذكر المسبب وهو الحسن وأراد السبب وهو القدرة والظفر والحاصل أن يقدروا عليهم

 

{يكونوا لكم أعداء} أي يظهروا لكم العداوة التي أضمروها، ويكونوا لكم أعداء في الظاهر كما كانوا في الباطن، وقال ابن عـبَّاس: «يكونون لكم في غاية العداوة»، فأمـَّا أنْ يريد بغايتها كونها ظاهرا وباطنا كما رأيت، وأمـَّا أنْ يريد أنَّ عدم قدرتهم أنقص [315] العداوة ولذا قدروا، أطلقوا أنفسهم إلى كلِّ ما تقدر عليه من السوء، وناقشوا، ولا سبيل إلى تحقق المودة ولا إلى إخلاصها، ويجوز أن يكون المعنى: يظهروا لكم مقتضى العداوة من إفساد أموالكم ومنعكم من كلِّ ما قدروا على المنع منه من الخير وقطع الصلة

 

{ويبسطوا إليكم أيديهم} بالضرب والهمز والقتل وغيره

 

 

 {وألسنتهم} بكلام السوء فقوله

 

 

{بالسوء} عام لذلك كله من القتل والأسر والشتم والإغراء عليكم وغيره

 

 {وودُّوا لو تكفرون(2)} لو مصدريـَّة لأحرف تمنٍّ، فإنَّ مفيد التمني هو قوله ودّوا أي أحبّوا وتمنوا كفركم، بأن ترتدوا، والجملة معطوفة على كفروا، أو على أداة الشرط، وشرطها وجوابها، وحاصل ذلك أنَّ صيغة الماضي تؤذن بتحقُّق ودِّهم لردَّتكم إلى الكفر قبل {إن يثقفوكم} ولو عطفت على جواب الشرط لزم أنَّ ودهم لكفرهم إِنـَّمَا هو بعد ثقفهم إيـَّاكم لو كان، وليس كذلك إِلاَّ أنْ يقال إنـَّهم بعد الثقف يشرعون في مقتضى الودِّ للكفر، فيكون معنى ودوا عملوا بمقتضى الودّ السابق عن الثقف، وهو أنْ يأمروكم بالكفر ويضيقوا عليكم لتكفروا، أو يخبروكم بين الكفر والقتل.

 

{لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} اعتذر حاطب بأنَّ  له في مكَّة أرحاماً وأولادًا، وأنـَّه لذلك أخبر أهل مكَّة بمسير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم، فقال الله جلَّ وعلا: إنَّ الأرحام والأولاد الذين توالون المشركين من أجلهم وتتقاربون إليهم محافظة عليهم لا ينفعونكم بجلب نفع ولا بدفع ضرّ،

 

{يوم القيامة} متعلِّق بتنفعكم أو بلا، فإنـَّك لو قلت نفعهم إيـَّاكم يوم القيامة منتف لصحّ، ولو قلت انتفاء نفعهم إيـَّاكم يوم القيامة صحيح بتعليق يوم بانتفاء لصحَّ أيضًا، فالوقف هنا ويستأنف بقوله:

 

{يفصل بينكم} ويجوز الوقف على أولادكم وتعليق يوم بيفصل فيكون المراد {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} نفعا معتبرًا في الدنيا ولا في الآخرة البـتـَّة، فحذف المتعلِّق للعموم، ونفع الدنيا على تقدير وقوعه كلا نفع مع أنَّ العقاب في الآخرة مترتب على السعي فيه بموالاة الكفرة أو يقدَّر يوم القيامة لقوله: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} ويدلُّ له يوم القيامة المذكور المتعلِّق بيفصل، كما في العكس، بأنْ يعلّق يوم بما قبله ويقدَّر مثله ليفصل أي لن تنفعكم أرحامكم {يوم القيامة يفصل بينكم} يوم القيامة، أو يفصل بينكم فيه.

 

 وهذا أولى لأنَّ الحذف من الآخر لدلالة الأوَّل أولى من العكس، ومعنى الفصل بينكم أنـَّه يفرّق بينكم وبين أرحامكم وأولادكم بأهوال شداد، وبإدخال المؤمن المخلص الجـنَّة، والكافر وغير المخلص النار {يوم يفر المرء من أخيه...}إلخ فإذا كان هذا هو العاقبة فمالكم ترفضون حقّ الله القادر النافع الضارّ الفاصل بذلك في شأن من لا ينفع في ذلك ولا يدوم معكم في نفع، والخطاب في بينكم للمؤمنين وأولادهم وأرحامهم تغليباً للخطاب على الغيبة، وبين ظرف مبني على الفتح لإضافته للمبني في محل رفع نائب فاعل يفصل في قراءة نافع وابن كثير، وقرأ بفتح الياء وكسر الصاد فيكون الفاعل ضميراً مستتراً عائدًا إلى الله، وقرئ بالنون مفتوحة وكسر الصاد وبالنون مضمومة وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة تأكيدًا

 

{والله بما تعملون بصير(3)} اختار بصير على خبير مع أنَّ الخبرة أبلغ من العلم لأنَّ المراد تصوير ما فعله حاطب وما أشبه ذلك بمزلة ما أخفي بحضرة من يراه بعينه ويشاهده، تعالى الله عن الحواس.

 

{قد كانت لكم إسوة} خصلة دقيقة بأنْ يتأسى بها ويقتدى بها وتتبع كقدوة لما يقتدى به،

 

{حسنة} دينا ودنيا وعقلاً وطبعاً

 

{في إبراهيم والذين معه} من الؤمنين، أي في أقوال إبراهيم أو في سيرة إبراهيم، ولكم خبر كانت، وفي إبراهيم نعت لأسوة ثان أو حال من أسوة أو من المستتر في حسنة، أو خبر لكانت، ولكم متعلِّق بكانت، وأجاز بعض أنْ يعلق في إبراهيم بحسنة أو بأسوة بناء على جواز تقديم النعت على المعمول المنعوت والأصل العكس كقوله: إن وجدي بك الشديد أراني، والمراد بالمعية المعية في الإيمان

 

{إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم وممـَّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتَّى تؤمنوا بالله} إذ متعلِّق [317] بكانت أو بما تعلق به خبرها قال الفراء: «المعنى: أفلا تأسيت يا حاطب ويا سائر المؤمنين بإبراهيم ومن معه في تبرئتهم من قومهم الكفرة فتبرأوا أنتم من كفَّار قومكم» وبرآء جمع بريئ كظريف وظرفاء، وقرئ بِراء بكسر الباء وبهمزة واحدة هي بعد ألف كظريف وظراف.

 

 وبضم الباء وبهمزة واحدة كذلك كرُخال، وبَراء بفتح الباء وبهمزة كذلك وصفا بالمصدر مبالغة أو ذو براءة أو بريئون، والهمزة في ذلك كلّه بعد الألف هي لام إِلاَّ الأوَّل فاللام فيه هو الهمزة قبل الألف، وأمـَّا التي بعدها فللتأنيث، وجملة كفرنا بكم تأكيد في المعنى لقوله: {إنا برآء منكم} فإنَّ معنى الكفر بكم الإهانة لكم وعدم الاعتداء بكم وعدم متابعتكم وعدم الوصل، وذلك نفس البراءة، وحاصل ذلك المخالفة في الدين، ومن لازم ذلك التعادي والتباغض، وصرح بهذا اللازم في قوله: {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} بلا غاية إِلاَّ إذا كان الإيمان بالله وحده أي بأنـَّه الإله لا غيره وأنـَّه لا أهل للعبادة سواء {وبدا} بمعنى ظهر وصرَّحوا بالظهور مبالغة في الإقناط والإياس من ضعفهم في البراءة والعداوة والبغضاء، فإنَّ الإنسان ما لم يظهر الشيء يجد الإيهام في انتفائه، فإذا أظهره لم يطمع غيره في انتفائه، فقوم إبراهيم لا يطمعون في أنْ يداهنهم أو يتابعهم بل جازمون بانتفاء ذلك لإظهاره لذلك، فهو أقوى في الإقناط، و{حتى} متعلِّق ببرآء أو بالعداوة أو بالبغضاء لا بكفرنا أو بدأ،  لأنَّ الماضي لا يصلح أنْ يغيار [كذا] بالمستقبل، ويجوز تعليقه بمحذوف.

 

 أي نستمر على البراءة منكم وممـَّا تعبدون من دون الله وعلى الكفر بكم وعلى العداوة والبغضاء ظاهرا وباطنا حتَّى تؤمنوا بالله وحده، فإذا آمنتم به وحده كانت منـَّا لك([4]) الولاية والصداقة والحب ظاهرا وقلبـًا والاتفاق، وكان بعض قوم الخليل عليه السلام كافرا بالله منكرا له وبعض مقرا به متخذا معه غيره إلها، فشرط أنْ يكون الإيمان الإيمان([5]) بالله دون الإنكار له ودون أنْ يتـَّخذ معه غيره [318] فإنَّ المنكر له يصحُّ خطابه بآمن بالله وحده، لا تبق على إنكاره ولا تؤمن به وتتـَّخذ معه غيره، وحقيقة الإيمان بالله وحده تتضمَّن العمل بما أمر والانتهاء عمـَّا نهى، ولذلك اكتفى بقوله حتَّى تؤمنوا بالله

 

{وحده} بل من آمن بالله واتبع هواه فقد جعل إلهه هواه مع الله عزَّ وجلَّ علا، ويحتمل أنْ يراد أنـَّهم إذا آمنوا بالله وحده وجب حبهم وصداقتهم في الحين لأنَّ «الإسلام جب لما قبله» وأمـَّا بعد ذلك فبحسب ما يصدر منهم، وعلى الوجه الأوَّل يكون الإطلاق في قوله: {تؤمنوا بالله وحده} حيث لم يذكر التقييد بالعمل كالاطلاق في قوله: {كفرنا بكم} إذ كان المعنى كفرنا بكم على كلِّ وجه ممكن شرعًا فشمل الكفر بدينهم وآلهتهم وشأنهم وبحبهم

 

{إلاَّ قول إبراهيم لأبيه لأستغفرنَّ لك} استثناء من المضاف المحذوف قبل إبراهيم متصل، أي لقد كانت لكم إسوة حسنة في أقوال إبراهيم أو في سيرته كلّها قولا أو فعلا أو اعتقادا، إِلاَّ قوله لأبيه المشرك: {لأستغفرنَّ لك} فلا تكون لكم فيه أسوة حسنة، فلا يجوز لكم اتباعه فيه، فلا تستغفروا لآبائكم المشركين، ولو حل له الاستغفار لأبيه المشرك حتَّى أمرته بالترك، فإنَّ الله جلَّ وعلا أباح له خاصـَّة أنْ يستغفر لأبيه مع علمه بأنـَّه مشرك قبل أنْ يعلم أنَّ الله يتوفاه شقيا غير تائب، ولـمَّا تبيـَّن له أنـَّه عدوّ لله بالشقاوة لا يختم له بالتوبة والسعادة ترك الاستغفار، وأمـَّا غير إبراهيم فلا يحلُّ له أنْ يستغفر لمشرك ولو لم يعلم أنـَّه يموت شقيـًّا على الشرك أباه أو غيره، وما ذكرته في تفسير الاستثناء و الصحيح وهو قول ابن الأنباري، وقد يقال تقدير الاستـثـناء في هجر إبراهيم ومن معه قومه في كلِّ شيء إِلاَّ قوله لاستغفرن لك، فوضع إبراهيم موضع الضمير في قوله إِلاَّ قوال إبراهيم، وحذف المضاف، وما يعمل فيه في قوله في إبراهيم والذين معه كما رأيت وهو ظاهر قول ابن قتيبة وقيل: الاستثناء منفصل أي اقتدوا به لكن الاستغفار للمشرك مختص به، ومعنى استغفار إبراهيم لأبيه المشرك أنْ يقول اللهمَّ اغفر له بأن توفقه إلى التوحيد.

 

 وليس المراد [319] أن يقول اللهمَّ اغفر له مع بقائه على الشرك، والآية كصريحة في أنـَّه لا يجوز الاقتداء بإبراهيم في الاستغفار للمشرك والوعد الذي وعده إبراهيم لأبيه بالاستغفار هو بإجازة من الله لذلك الوعد، ولم يبح الله له الاستغفار لمجرَّد وعده بأنْ يكون محرمـًا منها عنه، ولما وعده إبراهيم أجازه الله عزَّ وجلَّ، فإنَّ هذا كله ممتنع لأنَّ فيه ارتكاب إبراهيم النهي وأنـَّه لـمَّا ارتكبه أباح الله له البقاء على ارتكابه وذلك كله لا يجوز.

 

 وغير إبراهيم منهي عن الاستغفار للمشرك ولو لم ينه عنه إبراهيم، وقد نهى الله النبي والمؤمنين أنْ يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من  بعد ما تبيـَّن لهم أنَّ المشركين أصحاب الجحيم، أي من بعد ما تبيَّن أنَّ الإشراك حرام وأنَّ المشرك من أصحاب الجحيم، ولو لم يوح إليه أنَّ هذا المشرك يختم له بالشقاوة، وما تقدَّم في الاستـثـناء هو على جعل أسوة على المعنى المصدر أو بمعنى مفعول وقيل: الاستـثـناء هو من أسوة إذا كان بمعنى مفعول، وهو يقتدي به وليس كذلك، فإنـَّما يصحُّ الاستـثـناء منه لو قيل لكم: في إبراهيم أسوته إِلاَّ قوله منها لاستغفرن لك، ومعنى أسوته في هذه العبارة لو كانت ما يقتدي منه به

 

{وما أملك لك من الله من شيء} هذا من جملة مفعول إبراهيم عليه السلام ومعناه: إنـِّي لا أملك لك شيـئًا فوق الاستغفار أو مع الاستغفار، وحاصله التحبّب  إلى ذلك المشرك والميل إلى نفعه، فلا يجوز أيضًا لغير إبراهيم أنْ يقول لمشرك مثل هذا على جهة التحبب إليه والميل إلى نفعه، ولا لإبراهيم أنْ يقوله بعدما تبين له أنـَّه عدوّ لله ولو جاز له ولغيره على جهة الإنذار والزجر أنْ يقوله لمشرك، فيجوز أنْ يكون ذلك غير داخل في الاستثناء بأنْ يراد به مجرَّد ظاهره، من أنـَّه لا يملك أحد من الله شيـئًا دون التحبب والميل، وعلى كلِّ حال تكون الجملة حالاً من المستتر في أستغفرنَّ، أو من الكاف في لك الأوَّل، فإذا قلنا المراد االتحبب والميل فالمستثنى الاستغفار وقيده وهو هذه الحال، وإذا لم يرد ذلك فالمستثنى الاستغفار دون قيده إذ حاصل قيده مجرَّد إظهار العجز [320] وتفويض الأمر إلى الله عزَّ وعلا ومعناه: لا أملك لك نفعـًا من الله ولا دفع ضر.

 

 فشيء شامل للنفع والدفع، وأمـَّا الضر فليس مرادا لأنَّ المقام مقام تعاطي الخير لأبيه لا مقام إيهام حب الضرّ لأبيه أو سعيه فيه، ولأنَّ قوله لك أنسب بالخير، وقد يجوز أنْ يشمل النفع والدفع بالذات والضر على مطلق التوسع في إظهار العجز وذكرا للواقع مطلقًا، وهو العجز مطلقاً ومعنى الملك من الله أنْ يضمن له ما شاء من الله، أي الله أو كره وهذا محال باطل، أو أنْ يقول له الله لأبيك عندي ما تشاء له وهذا ممكن، وقد نفى الكل ومن صلة في المفعول به.

 

{ربـَّنا عليك} لا على غيرك، ولا عليك وعلى غيرك، لجواز أنْ يكون الحصر حصر قلب وحصر إفراد معًا والحصر هنا بالتقديم،

 

{توكَّلنا وإليك أنبنا} رجعنا عن ذنوبنا

 

 {وإليك المصير(4)} بالبعث بعد الموت والتقديم في الموضعين لحصر القلب وقصر الإفراد كالأول، والضمير مصدر ميمي بمعنى الصيرورة، وهذه الجمل الثلاث من جملة المحكي فقالوا كأنـَّه قيل: {إذ قالوا لقومهم، إنـّا برآء منكم([6]) وممـَّا تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء، أبدا حتَّى تؤمنوا بالله وحده .

 

 ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} إلى قوله: {الحكيم} ويجوز أن يكون محكيا بقول محذوف، أي: قالوا أو يقولون: {ربنا عليك توكلنا}، وضمائر الجمع في قالوا وما بعده عائد إلى إبراهيم والذين معه جاهروا بالحقِّ وناصحوا أجهدهم وبالغوا في قطع العلائق بينهم وبين الكفرة وفي الالتجاء إلى الله وقال الله جلَّ وعلا للمؤمنين قاسوا بهم في ذلك، وقدم التوكل لأنـَّه لا بدَّ منه في الإنابة وفي شأن البعث، وذكر الإنابة لأنـَّها كسب، وهو تقوى والكسب لا يستغني عن التوكل، وآخر المصير لأنـَّه آخر، والتوكل والإنابة تمهيدان له والإنابة والمصير من لوازم التوكل، ثمَّ إنـَّه لا مانع من أنْ يقدَّر الأمر لهذه الأمـَّة هكذا قالوا {ربنا عليك توكلنا...}إلخ، على حدّ قوله عزَّ وعلا {ربنا لا تؤاخذنا...} وقوله جلَّ وعلا: {إياك نعبد وإيـَّاك نستعين اهدنا الصراط المستقيم...}

 

{ربـَّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} أي لا تجعلنا [321] فتنة للذين كفروا في دينهم بأن تفعل شيـئًا يكون سببا لظنهم أنـَّهم على الحقّ وأنـَّا على الباطل، مثل أن يعذبونا فلا ينزل عليهم عذاب، فيقولوا: «لو كنتم على الحقّ لاتنقم الله لكم»، فيستمروا على الكفر ظنـًّا أنـَّه لا بأس به؛ ومثل أنْ تصيبنا بمصيبة فيقولوا: «لو كان الحقُّ ما كنتم عليه لم يصبكم ذلك»، ومثل أنْ تبصت عليهم الرزق دوننا فيقولوا: «ذلكم لبطلان دينكم» وأمـَّا ما قيل: إنَّ المعنى لا تسألهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نطيق، فلا يناسبه كونهم فتنة للكفرة بل يناسب كونهم مفتونين عن دينهم، بأنْ يرتدّوا من أجل العذاب والكفر قد فتنوا عن الحقّ ارتدَّ المسلمون أو لم يرتدُّوا، وقيل المعنى: لا تجعلنا عذابا أي سببا يعذب به الكفرة، فقيل: إنَّ الآية على هذا ليست من كلام إبراهيم، قلت: «لا مانع من أنْ تكون في هذا أيضًا من كلامه عليه السلام» فإنَّ المعنى: «لا تجعلهم يردون علينا قولنا، فيعذبوا بل اجعلهم يقبلونه»، ومشهور المذهب أنـَّه لا يجوز أنْ يدعى للكافر بالاستقامة، لأنـَّه بكفره مستحق للدعاء عليه بالسوء، وأحاديث «اهدي قومي» وحسن الرغبة في قيام الحقّ تدلُّ على جواز ذلك، وعلى المشهور إِنـَّمَا لك النهي والإنذار والدعاء إلى الحقّ

 

 {واغفر لنا} ذنوبنا

 

{ربـَّنا} أعاد النداء تأكـيدًا في المعنى للتضرع لا تأكيدًا اصطلاحياً لأنـَّه دخل على جملة آخرى غير ما دخل عليه الأوَّل وذلك كما يقال: «يا زيد أنت شجاع، يا زيد أنت جواد» ومرادي بدخوله: دخوله هنا من آخر الجملة، فإنَّ قوله: {ربنا} عائد لقوله: {اغفر لنا }

 

 

{إنـَّك أنت العزيز} الغالب على أمره فلا نخيب، ونحن نرجوك متوكلون علينا، ولا نذلُّ ونحن ملتجؤون إليك،

 

{الحكيم(5)} ذو حكمة وإتقان في فعله وتكليفه وقوله وصفاته، وهذا آخر كلام إبراهيم ومن معه، أو آخر ما قال لهذه الأمـَّة: قولوه، وقد مرَّ أنـَّه يجوز تقدير قولوا: {ربنا عليك توكلنا} ثمَّ رأيت بعض المحققين أجاز هذا التقدير، وبعضهم منع هذا التقدير، وقال: إنـَّه لا يناسب تأليف القرآن وبلاغته.

 

{لقد كان لكم} يا محمَّد والمؤمنون

 

{فيهم}  في إبراهيم ومن معه

 

{أسوة حسنة} كرَّر ذلك للمبالغة في الحث على الإساء [322] بإبراهيم ومن معه عليه السلام، ولذلك أكَّده بالقسم قال ابن عـبَّاس رضي الله عنهما: «كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحبّ الله»

 

{لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} بل مطابق من قوله: لكم، فإنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين كلّهم يرجون الله واليوم الآخر، أو بدل بعض على التمحيص والترهيب يخوف المقصر من المؤمنين بأنـَّه كمن لا يرجو الله واليوم الآخر أو على أنَّ الخطاب للناس مطلقـًا، المؤمنون والكافر، وعلى بدليَّة البعض يقدَّر محذوف رابط، أي لمن كان يرجو الله واليوم الآخر منكم، ومعنى رجاء الله واليوم الآخر رجاء ثواب الله واليوم الآخر أو خير الله واليوم الآخر، ومعنى ثواب الله وخيره أنـَّه من الله، ومعنى ثواب اليوم الآخر وخيره أنـَّه يقع فيه ثواب الله وأجره، ورجاء ذلك من لوازم الإيمان بالبعث، فجعل الله جلَّ وعلا رجاءه ورجاء اليوم الآخر مترتّبا على الاقتداء بإبراهيم عليه السلام ومن معه، فمن يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وترك الاقتداء بهم علامة لترك الإيمان بالله واليوم الآخر،

 

 {ومن يتولَّ} يعرض عن الإساء بإبراهيم ومن معه، ويميل إلى الكفرة، الجواب محذوف تقديره: فإنـَّما يهلك نفسه ولا يضرّ الله شيـئًا وناب عنه سببه في قوله:

 

{فإنَّ الله هو الغني الحميد(6)} أي من أعرض عن الاقتداء بهم أهلك نفسه وأضرَّها لا الله، لأنـَّه هو الغني الحميد، ومثل هذا ممـَّا يوعد به الكفرة على كفرهم كقوله عزَّ وعلا: {ومن كفر فإنَّ الله غني عن العالمين} حصر الله جلَّ وعلا الغنى المطلق لنفسه وأكَّده بالجملة الاسمـيَّة وإنَّ وضمير الفصل ولم يذكر المعمول للعموم أي فإنَّ الله هو الغني عن كلِّ شيءٍ من الخلق، ولا يقال غني عن نفسه ولا غير غني عن نفسه، أمـَّا الأوَّل فللتناقض، وأمـَّا الثاني فلأنـَّه لا يحتاج، ووصف نفسه بالحمد بعد الغنى، ليبيّن أنـَّه لا يحتاج إلى إيمان من آمن، فإنَّ توابه([7]) لنفسه لا لل،ه فإنـَّه لا يحتاج، وهو الذي يعطي الثواب، وليبين متـَّصف بالصفات المحمودة لا كغنيٍّ من خلقه فإنـَّه [323] قد يتـَّصف بالغني الناقص، مع أنـَّه متـَّصف أيضًا بالصفات المذمومة كالشحّ والبخل وظلم أجرة العامل له، فمن جملة كونه حميد أنـَّه يعطي الثواب هو ويزيد، بل الكل منه.

 

 وغني فعيل بمعنى فاعل وحميد فعيل بمعنى مفعول كما رأيت، ويجوز أنْ يكون بمعنى فاعل بمعنى حامد للمؤمنين، أي واصف لهم بخير، وذاكر لهم به، وشاكر لهم على إيمانهم، أو حامد لنفسه ولهم، وهو عزَّ وعلا غني عن أعدائه والخلق أجمعين، حامدًا أولياءه أو محمود عندهم، ولـمَّا أمر الله جلَّ وعلا المؤمنين بعداوة الكفَّار شدَّدوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وأقاربهم والبراءة منهم، فأنزل الله جلَّ وعلا جلاله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم}: أي من المشركين أي بعضهم الأقارب، وذلك أن أصل الكلام هنا في عداوة إبراهيم لأبيه وربـَّما صعب على المؤمنين عداوة أقاربهم، وربما رجوا تسهيلا في الود بعد تصلبهم في معاداتهم، حتَّى إنـَّهم يقتلونهم، فلهذا المعنى يفهم من الآية أنَّ المراد بالهاء في منهم المشركون الأقارب، طيب الله قلوبهم برجاء المودة أن تكون بوجه يبيحه الله فقال:

 

{عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودَّة} بأن يوافقوكم في الدين، ولقد أنجز الله وعده بإسلامهم يوم الفتح وقبله وبعده، فساغت لهم محبة تامـَّة مسترسل فيها كيدة([8]) واجبة لحق الإسلام والقرابة، وقد كانت قبل إسلامهم بالطبع فقط، وواجبا عليهم جدب أنفسهم عنها ومضادّتها وعدم العمل بمقتضاها، ومعنى {عاديتم منهم} اكتسبتم عداوتهم وعالجتموها من أنفسكم المائلة إلى حبهم للقرابة بخلاف سائر المشركين الأجانب فإنـَّهم يبغضونهم لكفرهم بلا علاج، فمن: للتبعيض والضمير للمشركين.

 

 

 فإنَّ الذين يعالجون أنفسهم في عداوتهم بعض من سائر المشركين وهم الأقارب المشركون، وأمـَّا  سائر المشركين فليست هذه الآية فيهم فإنـَّه ليس فيهم رجاء وقيل: إلى أنْ يودوهم هكذا تقرير [324] المسألة ويجوز ردّ الضمير إلى المشركين مطلقًا كذلك على أنَّ من: للبيان للتبعيض، أي {وبين الذين عاديتم} وهم المشركون، على أنـَّه كان في قلوب المؤمنين ميل إلى اتساع المعاملة والمخالطة والمناكحة كما قبل الإسلام، فأطمعهم الله في أنْ سيكون ذلك فكان بإسلام المشركين، ومن ذلك أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّج أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنـَّصر لعنه الله، وراودها على النصرانية وأبت إِلاَّ البقاء على الإسلام وصبرت حتَّى مات إلى النار، وبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى النجاشي رضي الله عنه فخطبها عليه وساق عنه لها أربعة مائة دينار، ولانت عليكة أبيها أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة، وقال: «ذلك العجل لا يقدع أنفه» قالت أم حبيبة رضي الله عنها: «كنت تحت عبيد الله بن جحش فهاجر بي إلى الحبشة الهجرة الثانية، فارتدَّ عن الإسلام وتنصَّر ومات هناك، فبقيت على ديني إلى أن أرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتابه يخطبني من النجاشي مع عمر بن أمية الضمري، وقد رأيت تلك الللية يقال لي: يا أمَّ المؤمنين، ففرحت بذلك المنام، فتأولت تلك الرؤيا أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتزوجني وما هو.

 

 إِلاَّ أنْ انقضت عدَّتي فإذا رسول النجاشي على بابي يستأذن، ففتحت فإذا هي جارية فقالت يقول لك الملك: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلي يخطبك منـِّي، فأعطيتها سوارين من فضَّة وخلخالين وخواتم كانت في يدي ورجلي سرورًا بما بشَّرتني، ولـمَّا كان العشيّ أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا وأرسل يقول: وكّلي من تزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن أبي العاصي فوكّلته فزوجني» وفي رواية قالت: «لما بعث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كتابه إلى النجاشي رضي الله عنه أنْ يزوجني له جاءني النجاشي حتَّى وقف على باب داري واستأذن فأذنت له.

 

 فأخبرني بذلك فقلت له: بشرك الله بخير، فقالت لي أبرهة - جارية النجاشي التي كانت تقوم على دهنه وطيبه - يقول لك الملك: وكلي من يزوجك فوكَّلت فقام النجاشي فخطب، فقال: الحمد لله {الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار}، أشهد أنْ لا إله إِلاَّ الله وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم {أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} أمـَّا بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد أصدقتها أربعة مائة دينار ثمَّ سكب الدنانير بين يدي القوم ثمَّ خطب الوكيل وقال: قد أجبت إلى ما دعى إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد زوجته أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقبض الدنانير، ولـمَّا وصل إليَّ المال أرسلت إلى أبرهة التي كانت بشرتني بكتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت لها: إنـِّي أعطيتك يومئذ ما أعطيتك ولا مال لي، فهذه خمسون مثقالاً فخذيها فأبت.

 

 فأخرجت لي حِقاًّ فيه كلّ ما كنت أعطيتها وردَّته عليَّ، وقالت: عزم عليَّ الملك أن لا آخذ منك شيـئًا، وقد تبعت دين محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وأسلمت لله رب العالمين، قالت أم حبيبة رضي الله عنها: ولـمَّا قبض خالد المال أراد القوم أنْ يقوموا فقال النجاشي: اجلسوا فإنَّ سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا تزوجوا أنْ يوكل الطعام على التزويج.

 

 فدعا بطعام فأكلوا، ثمَّ تفرَّقوا، ثمَّ أمر النجاشي رضي الله عنه نساءه أنْ يبعثن إلى كلِّ ما عندهنَّ من المطر([9]) وأنواعه فأرسلن إليَّ الورس والعود والعمبر والزباد مع جارية النجاشي فأعطتني ذلك ثمَّ بكت وقالت: اقرئي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منـِّي السلام إذا قدمت عليه، وما زالت تتردَّد إليَّ بأنواع الهدايا وتقول: لا تنسى حاجتي قالت أم حبيبة رضي الله عنها: فلـمَّا قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقرأته([10]) سلام الجارية وقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته» وقد قيل: المراد في الآية نفر من قريش آمنوا بعد فتح مكَّة أو عنده  كأبي سفيان هذا وأبي سفيان [326] بن الحارث، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكم بن حزام، وعسى من الله وعد.

 

{والله قدير} قوي القدرة على تقليب القلوب والأشياء وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، فلا تبالغوا في العداوة فقد يكون عدوكم حبيبًا بعد كما جاء الأثر:«أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أنْ يكون حبيبك يوما ما» والولاية والبراءة لا بدَّ منهما لمن ظهر منهم واستحقَّهما، ولا يجوز التفريط فيهما ولا الضعف لكن لا يكثر الشتم ويبالغ فيه ولا يبالغ في متولاه، كأنـَّه جاء فيه الوحي إنـَّه سعيد، ولا يعجبني ما في بعض الكتب من أنـَّه: «من لم يجد ما يتصدَّق به فليلعن النكار، يكن كمن تصدَّق بجراب ذهب» بل يلعنون إذا خفي أمرهم عن مسلم ليعلمه أو إذا أريد تقديمهم في أمر إسلام، ليتركوا عنه أو يكتفي ببراءة منهم السابقة، ويخبرهم من لم يعرفهم

 

{والله غفور} لمن يسلم

 

{رحيم (7)} له، أو غفور لما صدر منكم من موالاتهم من قبل، ولـمَّا بقي في قلوبكم من ميل الطبع إليهم لرحم أو لنفع أو لصحبة سابقة، ولفظ الآية محتمل لذلك، وكون الآية محتملة لمعان مقبولة من بلاغة كلام العرب، ولو قال: غفور رحيم لمن أسلم أو قال: غفور رحيم فيما صدر منكم، لم يفد الكلام إِلاَّ أحد الوجهين، وأفاد أنـَّه غفور رحيم لكلِّ مؤمن في كلِّ زمان كما أنـَّه قال: {ربنا لا تجعلنا فتنة} فاحتمل وجوها ولو قال لا تسلط علينا أعداءنا مثلاً، لم يفد إِلاَّ هذا، وكذلك لو اقتصر على قوله: {ربنا لا تجعلنا...}إلخ ولم يذكر {واغفر لنا ربَّنا} لم يفد الكلام أنَّ البراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة والمعذَّب مفتون ومقهور.

 

{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} في شأن دين الإسلام أو لأجله بل لم يقاتلوكم البـتـَّة أو قاتلوكم في الجاهليـَّة أو بعدها لا للدين

 

{ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم} في تأويل مصدر بدل اشتمال من الذين أي لا ينهاكم الله عن برّهم أي الإحسان إليهم بالمال، وإلانة القول وبالجسد وأن

 

{وتقسطوا إليهم} أي وبالإقساط إليهم أي العدل والإنصاف إليهم جلبا للإسلام وتقليلاً للعداوة [327] ولئلا يعينوا من يقاتلكم ولا سيما ذوو الأرحام منهم، فإنَّ لهم حقّ الرحم ما لم يحاربوا، كما روي: «أنَّ قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول» فنزلت الآية فأمرها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها، وعن عبد الله بن الزبير نزلت الآية في أسماء وأمها هاتين كما رأيت وهي تعمهما وغيرهما ولا سيما أنـَّها بصورة الجمع وليس في لفظ الآية التقييد بالقرابة، وقال ابن عـبَّاس: «نزلت في خزاعة عاهدوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه ولا يعينوا عليه عدوّه».

 

 والإخراج هو من أي موضع كان فيه المسلمون من المدينة، وقراها وغيرها، فأمر الله جلَّ وعلا رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يوفي لهم إلى مدَّة أجلهم وبذلك قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان والكلبي، ولفظ الآية يعمهم وغيرهم، فالعمل بعمومها، ونسب إلى هؤلاء أنَّ المراد خصوص خزاعة، وقال مجاهد المراد الذين آمنوا بمكة ولم يهاجر([11]) وقيل: «هم النساء والصبيان» وعن ابن عـبَّاس: «المراد قوم من بني هاشم أخرجهم المشركون قهرا إلى القتال قتال بدر، منهم: العبـَّاس رضي الله عنه» ولعلَّ ابن عـبَّاس أراد العموم عموم من لم يقاتل ولم يخرج المؤمنين فمثل تارة بخزاعة وتارة بمن أخرجه المشركون قهرا لقتال بدر وقال الحسن البصري: «الآية في المسلمين، استأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أقربائهم إلى المشركين أنْ يصلوهم» والواضح ما فسرتها به من العموم، فالمبرة بين المسلمين والمشركين ثابتة لا الموالاة، ولـمَّا نزلت آية القتال  قيل: نسخت البرّ إلى المشركين والإقساط إليهم، وليس كذلك كما ترى في قصَّة خزاعة، فإنـَّها بعد نزول القتال.

 

 وكما هو نص في قوله: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم...}الآية بل ذلك باق لكلِّ مشرك لا يقاتل ولا يخرج ما لم يحارب أو يرسل إليه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يؤمن أو يقاتل أو يعطي الجزية إن كان من أهلها، وعدى [328] الإقساط بإلى لتضمنه معنى إنهاء القسط إليهم وتوجيهه إليهم

 

{إنَّ الله يحِبُّ المقسطين} المنصفين في الحقوق الموفين بالعهد لمن عاهدوا على ما حلَّ والقسط أعمّ من البرّ، فهو يشمل الصلة لعمومه اكتفى به في هذا التعليل الجملي ولم يقل: إن الله يحب البارين والمقسطين، وفهم من الآية مفهوم مخالفة أنَّ الذين يقاتلون المؤمنين ويخرجونهم من ديارهم نهاهم الله عن برهم والإقساط إليهم، وهو معنى مراد ومؤكد لأنـَّه أفهمته الآية السابقة كما رأيت وصرَّح به قوله عزَّ وجلَّ:

 

{إِنـَّمَا ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} في شأن دين الإسلام ولأجله

 

{وأخرجوكم من دياركم} في مكَّة وهم عتاة أهل مكَّة،

 

{وظاهروا} أعانوا العتاة على إخراجكم وهم سائر أهلها، فالمراد هنا قوم بعضهم أخرجوا المسلمين وبعضهم أعانوا على الإخراج كما تقول: أكرم الذين من الحجاز وتميم، أي قوما بعضهم من الحجاز وبعضهم من تميم، فالحكم في أخرجوا وظاهروا للمجموع لا للجميع، لأنـَّه ليس كلّ من أخرج ظاهر وكل من أعان ظاهر، قيل: ويجوز أن يراد العتاة، والحكم للجميع، فإنَّ كلّ واحد من العتاة يعين الآخر في الإخراج، وكلهم مخرجون للمؤمنين، أو يقرَّر موصول لجواز حذفه لذكر مثله، أي والذين ظاهروا على إخراجكم وهذا والوجه الأوَّل راجحان لإفادتهما أنَّ المظاهر على الإخراج لا يتولى أو يراد مجاراة المعينين سرًّا على ظاهر حالهم تقليلاً لشوكتهم، ويراد بالمظاهرين المجاهرين بالإعانة كما جارى المنافقين بالمدينة على ظاهرهم،

 

{أنْ تولَّوهم} بدل اشتمال من الذين قاتلوكم والمراد توليهم بالبر والإقساط وهذا هو ما مرَّ من أنـَّه مفهوم من قوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم} ويجوز أنْ يراد بتوليتهم موالاتهم بما يدنس الإسلام كإفشاء سرّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين إليهم يبغي البرَّ والإقساط إليهم على الجواز تحبيبًا للإسلام إليهم وجلبا لهم إليهم ونقصا من شوكتهم فكأنـَّه قيل: لا ينهاكم الله عن برّ [329] الذين  لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم ولا عن الإقساط إليهم بل ينهاكم عن موالاة الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم {وظاهروا على إخراجكم} بنحو إفشاء  السر إليهم فيفهم من أنَّ النهي عن موالاتهم بنحو إفشاء السر جوازها بالبر والقسط فيكون معنى أشداء علىالكفار، أشداء في الحرب وفي ردّ أمر الكفر عليهم وعدم اللين لهم في أمر الإ سلام و«تولوهم» من التولي بمعنى الإقبال عليهم والأصل تتولوهم بتاءين فحذفت إحداهما وفي الآيتين الحذف لدليل تقديره {لا ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم} في الدين أو فيه {وظاهروا على إخراجكم} فيه وينهى في الموضعين للاستمرار،

 

{ومن يتولَّهم فأولئك} أي من يتولاهم، روعي لفظ من أوَّلاً فأفرد ومعناه ثانيا فجمع

 

{هم الظالمون(9)} أي فهؤلاء البعداء عن مقام الخير والحق هم الظالمون بدين الإسلام وأهلهوا([12]) إذ وضعوا التولي في موضع العداوة أو الظالمون من أنفسهم إذ غرضوها([13]) للهلاك وأكَّد ذلك بالجملة الاسمـيَّة وضمير الفصل وصيغة الحصر مبالغة كأنـَّه لا ظالم إِلاَّ هم أوَّلاً: كامل في الظلم إِلاَّ هم.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات} أي النساء اللاتي ظاهرهنَّ الإيمان لقولهنَّ: «لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله» مع عدم ما ينافي ذلك بحسب الظاهر، والمريدات بالإيمان، فاستعمل الإيمان في إرادته، لأنـَّها سبب له، والمشارفات بالإيمان، ووجه الوجهين أنهنَّ يجئن غير محقـّقات للإيمان ولكن أردنه فيعلّمهنَّ المسلمون أمر الإسلام أو يعلمهنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهنَّ في ذلك مقربات للإيمان بالتعليم وبتحققه للامتحان

 

{مهاجرات} لبلدهنَّ وأظلهنَّ([14]) دينهنَّ وأزواجهنَّ إن كان لهم أزواج

 

{فامتحنوهنَّ} الأمر للوجوب على أصله فيجب امتحانهنَّ لئلاَّ يدخلن في الإسلام شينا، وقيل: للاستحباب، ولعلَّ القائل به صحَّ عنده أنَّ بعضا لم يمتحنوهنَّ مع عدم العلم بصحَّة إيمانهنَّ، وأنَّ الأصل قبول من جاء [330] على ظاهره من الإيمان وسائر الأمور، وكما أنَّ الرجال لم يأت الشرع بامتحانهم ثمَّ إنـَّه يتصور الامتحان بما أمكن لا بشيء مخصوص، والامتحان الاختبار، والمراد اختبرُّوهنَّ بما يغلب على ظنكم أنهنَّ إنْ كان الإيمان في قلوبهنَّ فعلنه أو قلن به.

 

 وإنْ لم يكن ظهر لكم الأمر، ويختبروهنَّ الرجال أو النساء، والواحد أو الوحدة([15]) يكفي، وذلك أنَّ الخطاب بالواو وهو للذكور ودخلت النساء تغليباً، وروي أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول للتي يمتحن: «بالله الذي لا إله إِلاَّ هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إِلاَّ حبًّا لله ورسوله» فهذا بعض ما يجوز به الامتحان وهو أفضله، بوروده عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويجوز غيره وقيل: إنَّه بيان لإجمال الآية، وإنـَّه متعين لا يجوز سواه، وهو أنسب بأقوال الظاهريَّة، وقد قيل: الامتحان هنا الابتلاء بالتحليف، والظاهر الجواز بغيره، وأنَّ ذلك منه صلَّى الله عليه وسلَّم مثال لما يمتحن به لا تعيين، فلو شاء الممتحن امتحنهنَّ بلا يمين أو بيمين بالواو أو التاء واختار صلَّى الله عليه وسلَّم الباء القسمية لأنـَّها للاستعطاف

 

{الله أعلم بإيمانهنَّ} إيمانهنَّ الذي ادَّعينه أكان من قلوبهنَّ أو ألسنتهنَّ فقط، وإنْ صحَّ فكم هو مقدار([16])، أو ذلك غيب استأثر الله به، وأمـَّا أنتم فقد تختبروهنَّ ويظهر لكم إيمانهنَّ فقد يكون عند الله خلاف، أو يظهر لكم عدمه، فقد يصحُّ عنده إيمانهنَّ، وهذه فائدة الاعتراض بهذه الجملة الكريمة بين المعطوف عليه وهو جملة امتحنوهنَّ، والمعطوف والعاطف وهما قوله:

 

{فإن علمتموهنَّ مؤمنات فلا ترجعوهنَّ إلى الكفار} أي إنْ علمتموهنَّ بالامتحان مؤمنات أي ظننتموهنَّ مؤمنات، سمَّى ظنهم علما مع إمكان خلافه لأنـَّه أقصى ما حصلوا بالعلائم والدلائل والأمارات، وهذا الظن الغالب يسمَّى علما ويجري مجرى اليقين شرعًا، ألا ترى أنـَّه يشهد الشهود العدول أنَّ لفلان على [331] فلان كذا، أو باع له كذا بكذا، أو فلانة زوجه،  أو قتل فلان، أو رأى فلانا، أو أسلم فلانا، أو في الولاية أو في البراءة، أو فعل كذا ممـَّا يوجب براءة، أو سرق فيحكم الحاكم وغيره بذلك وجوبا، قد يكونون كاذبين أو غالطين أو غير عدول في الباطن، وظهرت عدالتهم علنا، وليس ذلك من باب {لا تقف ما ليس لك به علم}، بل من ترك العمل به هلك، وأمـَّا علم الله جلَّ وعلا فلا يختل لأنـَّه قديم ليس بكسب واستدلال، فليس يشمله مع علم المخلوق جنس واحد، ولو أيقن المخلوق فاسم التفضيل في قوله: {الله أعلم} خارجا عن التفضيل أي الله عليم دونكم فإنَّ علمكم ولو وافق لا تدرون أنـَّه وافق في هذه المسألة، وإذا بقي على التفضيل فمجاز مجاراة على اللفظ ثمَّ المراد على كلِّ حال {الله أعلم بإيمانهنَّ} ثبوتا أو عدما كما مرَّ، والمعنى إذا ظهر لكم بالامتحان إيمانهنَّ فاعملوا بما ظهر لكم والله يعلم السرَّ. ولا يرجعوهنَّ إلى الكفَّار بعد ذلك، فإنَّ ذلك رجوع عن العلم {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا} وما التحليف إِلاَّ لغلبة الظنّ بإيمانهنَّ وقد فسَّر بعضهم الامتحان بالتحليف والمراد بالكفار المنهي عن رجعهنَّ([17]) إليهم أزواجهنَّ الكفرة لقوله عزَّ وجلَّ

 

{لا هنَّ حل لهم} أي لأزواجهنَّ الكفرة،

 

{ولا هم} أي أزواجهنَّ الكفرة

 

{يحلُّون لهنَّ} فإنَّ الجملتين تعليل للنهي عن الرجع وكما يناسبه قوله بعد ذلك: {وآتوهم ما أنفقوا...}إلخ ويجوز أنْ يراد بالكفار الكفَّار مطلقًا ولو غير أزواجهنَّ، ولو كنَّ غير متزوجات، أنـَّه إذا ردَّت المؤمنات إلى الكفَّار ارتدت بنفسها أو بسعيهم في أنْ ترتدَّ، فإذا رجعت ولم يكن لها زوج فقد تـتـزوَّج كافرا باختيارها أو بسعيه، وإن كان لها زوج فقد تبقى معه باختيارها أو بسعيه {فلا هنَّ حل لهم} أن يتزوجوهنَّ أو يبقين مع أزواجهنَّ الكفرة وقد كان جائز تزوَّج المؤمنة بالكافرة([18]) كما تزوَّجن([19]) ابن أبي لهب بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وطلقها ثمَّ نسخ ذلك فيكون قوله: {وآتوهم ما أنفقوا...}إلخ [332] .

 

على فرض أنَّ لهنَّ أزواجاً وهو بعض ما تشمله الآية قبل لا عينه كأنـَّه قيل: {وآتوهم ما أنفقوا} إن كانوا أزواجا، وأنفقوا، بل يجوز أنْ يكون المعنى لاهنَّ حلٌّ لأزواجهنَّ الكفرة، ولا الكفرة حل لهم أنْ يتزوجوهنَّ تزوجا جديدًا إذا لم يكن لهنَّ أزواج، فلا هنَّ حل لهم فيمن لهنَّ أزواج، ولا هم يحلون لهنَّ فيمن لا أزواج لهنَّ، فلا تكرار في الآية، وإن جعلنا الجملتين فيمن لهنَّ أزواج أو على الإطلاق فالثانية للتأكيد لأنهنَّ إذا لم يحللن لهم لزم أن لا يحلوا لهنَّ، وهكذا أبدًا، ولو ذكرنا في الفروج بعض الصور على بعض الأقوال أنْ تحل المرأة لزوجها ولا يحلُّ لها، ويحل لها ولا تحلُّ له، مثل أنْ تراه يزني أو يراها تزني.

 

 والصحيح القول بتحريمها، لأنـَّه إذا لم يحلّ إحداهما فقد أعانه الآخر على المعصية، وهنا الإيمان شرط في الجانبين، فإنْ أسلم أحد الزوجين حرم عليه الآخر وحرم عن الآخر، وإن ارتدَّ أحدهما حرم على الآخر وحرم الآخر عنه، فالجملة الثانية تأكيد لارتفاع الحل من الجانبين تصريحا ولو قال: لا ترجعوهنَّ إلى الكفَّار لأنـَّه لا يحلُّ أحدهم للآخر، لم يكن فيه ذلك التأكيد، ولم يكن نصا في المراد لاحتمال أنْ يكون الأحد الذي لا يحلُّ للآخر الزوج فقط عن زوجه، أو الزوج فقط عن زوجها، ثمَّ إنَّ من النساء اللاتي جئن مهاجرات وامتحنَّ: سبيعة بنت الحرث الأسلمية، وأمّا([20]) كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وذلك أنَّ الصلح يوم الحديبيَّة كان على أنـَّه من أتاكم من أهل مكَّة يرد إليهم، ومن أتى مكَّة منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك العهد كتابا وختموه فجاءت، سبيعة الأسلمية بنت الحرث مسلمة والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالحديبية فأقبل زوجها مسافر المخزومي وقيل: صبيعي بن الراهب فقال: «يا محمَّد اردد عليَّ امرأتي، فإنـَّك قد شرطت لنا شرطا أنْ تردَّ علينا من أتاك منـَّا وهذه طية الكتاب لم تجف»، فنزل قوله تعالى: {يا أيـُّها الذين آمنوا إذا جاءكم...}إلخ بيانا لأنَّ الشرط في الرجال لا في النساء فنسي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وقد شرطوا في الرجال، ونسوا أنْ يكتبوا الشرط فيهم، أو شرطوا في النساء أيضًا، ولم يرض الله كبعض أشياء فعلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو مال إليها كقوله تعالى: {ما كان لنبيء أنْ يكون له أسرى...}لخ.

 

 وقوله: {عفى الله [عنك] لـم أذنت لهم...}إلخ وقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم...}إلخ؛ أو شرطوا في النساء أيضًا وصحَّ، ثمَّ نسخ، وفي حديث الزهري إنَّ الشرط في الرجال، إذ روي عنه أنـَّه قال: «جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي عاتق، فجاء أهلها يطلبون من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يرجعها إليهم وقد هربت من زوجها عمر بن العاصي ومعها أخوها عمارة والوليد فردَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخويها وحبسها» فقالوا: «أرددها علينا» فقال عليه الصلاة والسلام: «كان الشرط في الرجال دون النساء» وقال الضحاك إنَّ العهد كان إنْ يأتك منـَّا امرأة ليست على دينك رددتها إلينا، وإنْ دخلت في دينك ولها زوج رددت على زوجها الذي أنفق عليها وللنبي صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ذلك، ثمَّ نسخ هذا العهد في الرجال والنساء، واستحلفها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فحلفت وأعطى زوجها ما أنفق عليها، ثمَّ تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه

 

{وآتوهم ما أنفقوا} أي اعطوا هؤلاء الكفَّار الذين هم أزواج المهاجرات، وما أنفقوا عليهنَّ من المهور والإعطاء من بيت المال، أرادت التزوُّج في الإسلام أو لم ترد، تـتـزوَّج أو لا تـتـزوَّج

 

{ولا جناح عليكم أن تنكحوهنَّ إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ} أي مهورهنَّ، فمن أراد تزوّج إحداهنَّ فلا بدَّ عليه من مهر لها ولا يجزيه ما أعطى زوجها من بيت المال، ولعلَّ نفي الـجُناح دفع لـمَّا يتوهَّم  من عدم تزوجهنَّ لأنَّ لهنَّ أزواجاً، ومن مراقبتهم لعلهم يسلمون فيرجعون إليهم، فنفى الله ذلك لأنَّ إسلامهنَّ حال بينهنَّ وبين أزواجهنَّ الكفار، بل لو جاء زوجها وهي في العدَّة مسلما لم تجز مراجعتها، وإنْ رضيت تزوجها، وذلك بلا عدَّة له، وأمـَّا غيره فلا يتزوجها إِلاَّ بعد العدَّة، ولا تصحّ له الرجعة لأنـَّه لم يطلقها، ويجوز أنْ يكون نفي الـجُناح تحرزًا عن الجناح اللازم [334] على تزوجهنَّ، على أن لا مهر لهنَّ وتسمية المهر أجراً كالصريح في أنَّ الصداق كالثمن في البيع لا كالهبة ومكرمة الأخلاق، ومعنى النكاح التزوُّج، وفي مقدرة أي في أنْ تنكحوهنَّ

 

{ولا تمسكوا بعصم الكوافر} جمع عصمة كسدرة وسدر، وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، وللكوافر جمع كافرة، ووزن فواعل مطرد في غير العاقل وفي المؤنث، المعنى لا تعتدوا بعصم الكوافر، يقال: تمسك بكذا إذا اعتبروه واعتد به، وقد كان للكوافر عصمة بينهنَّ وبين أزواجهنَّ قبل إسلامهم اعتدوا بها فقال الله جلَّ جلاله: اتركوا الاعتداء.

 

 فإنَّ التخالف بالإسلام والشرك يقطع بينهم فكأنـَّه قيل: لا تعتدوا بالعصم السابقة إذ ليسوا مسلمين تزوجوا كما كتابيات بينكم وبين أزواجكم الكوافر، فتسمية ذلك عصما باعتبار ما كان قبل أو باعتبار توهم بقائه،  ويجوز أنْ يكون النهي عن الإمساك بعصم الكوافر نفي العصم والإخبار بعدمها، نحو لا أريتك في السوق أي لاتكن فيه، فضلاً عن أراك فيه، ووجود العصم موجب للتمسك بها، فنهى عن الإمساك بها في موضع النهي عن اعتقاد وجودها، والحاصل أنـَّه لا علقة نكاح بينكم وبين أزواجكم الباقية على الكفر بعد إسلامكم، قال ابن عـبَّاس رضي الله عنهما: «من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدها من نسائه فله أتمام أربع غيرها» ونكاح من لا يجامعها لأنَّ اختلاف الدارين دار إسلام ودار شرك غير شرك أهل الكتاب قطع عصمته منها، وإذا كان الأمر ذلك فمن باب أولى أن لا يتزوَّج مسلم مشركة غير كتابـيَّة، وشمل منطوق الآية أيضًا المؤمنة المرتدَّة اللاحقة بدار الحرب.

 

 فإنـَّه لا عصمة بينهما، فالشرك قاطع بين المسلم وزوجه المشركة بلا طلاق، لا كما قال مجاهد إنَّ الآية آمرة بطلاق الباقيات مع الكفَّار، وعليه فلو طلَّقها لكان له مراجعتها إنْ أسلمت رضيت أو أبت، وقرأ ولا تَمَسّكوا بفتح التاء والميم وتشديد السي،ن وقرأ ولا تَمَسَكوا بفتح التاء والميم والسين مع تشديدها على أنَّ الأصل لا تمسكوا بتاءين [335] فحذفت إحداهما

 

{واسألوا ما أنفقتم} من مهور نسائكم اللاحقات بدار الحرب ارتداداً منهنَّ إذا منعوهنَّ منكم وفائدة ذلك أنـَّهم لوردوهنَّ إلى المسلمين لشدَّودوا عليهنَّ في عزم الصداق، ثمَّ يقتلن، لأنَّ المرتدة على الصحيح تقتل كالمرتد، أو يتبن فيبقين أزواجا لهم، أو يـتـبـيَّن وقد تمت العدَّة فيغرمن الصداق، ولسن بأزواج لهم، إِلاَّ أنْ يجدّدوا النكاح ويحتمل أنْ ذلك قبل أنْ يؤمر بقتل المرتد،ّ وقد علمت أنَّ ذلك العهد منسوخ، ولولا نسخه لتبادر أنَّ المرتدَّة لا تقتل، ومفعول اسألوا محذوف أي اسألوا المشركين والمفعول الثاني مذكور وهو ما أنفقتم

 

{وليسألوا ما أنفقوا} أي وليسأل المشركون المؤمنين ما أنفقوا على أزواجهم اللائي أسلمن من المهور لحقن بدار الإسلام، فإنـَّه لا يحلُّ لهم ردّهنَّ إلى المشركين والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والمشركون لزمهم ردّ من ارتدَّ إليهم من النساء وغيرهنَّ؛ روي أنـَّه لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست ارتددن: أم الحكم بنت أبي سفيان، وفاطمة بنت أمية، ويروع بنت عقبة، وعبدة بنت عبد العربي، وهند بنت أبي جهل، وكلثوم بنت جروَل*

 

{ذلكم} أي ما ذكر من أنـَّه لا ترجع المهاجرة إلى الكفَّار، وحرمة الكوافر سؤال ما أنفق الفريقان

 

{حكم الله} أيـُّها المسلمون والكافرون

 

{يحكم بينكم} حال من حكم والرابط محذوف أو خبر ثان كذلك أي {يحكم بينكم} فالهاء المحذوفة رابطة للحال بصاحبه، أو للخبر بالمبتدإ، أو ضمير يحكم المستتر عائد إلى الله، ويجوز أنْ يجعل الضمير المستتر عائدا إلى الحكم أو إلى ذلكم، فيكون هو الرابط بين الحال وصاحبها، أو بين المبتدإ وخبره، وإسناد الحكم إلى الحكم مجاز للمبالغة، كقولك: صومك صائم، فذلك من المجاز العقلي، والحكم بمعنى المحكوم، أي ذلك ما حكم الله به كما فسرنا اسم الإشارة بنفس الشيء المحكوم به من المأمور به والمنهي عنه، وإنْ فسَّرت الإشارة بنفس الأمر والنهي بما ذكر وعما ذكر فحكم باق على المعنى المصدري وإسناد الحكم في {يحكم بينكم} على الوجهين مجاز عقلي كما مرَّ ويجوز أنْ تكون الجملة مستأنفة أي يحكم الله [336] بينكم ولا يترك الحكم بينكم أو حكمه حاكم بينكم أبدًا

 

{والله عليم} بكلِّ شيء

 

{حكيم(10)} في كلِّ صنع ولا يخفى لطف الله جلَّ جلاله في هؤلاء الآيات وتعليمه الناس مكارم الأخلاق والدعاء إليها إذ لم يأمر بالجزاء إِلاَّ بالتي هي أحسن، وبالكلام إِلاَّ بالذي هو أليق، إذ قال: {وآتوهم ما أنفقوا}، وقال:{واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} وقائل المعاندين المصرين بقوله: {إنا برآء منكم}  والموجود منهم عندهم ترك الإصرار بقوله: {عسى الله...}إلخ ومن تاب بقوله:{إذا جاءكم المؤمنات} وجاز ترك تاء التأنيث مع أنَّ الفاعل حقيقي التأنيث للفصل بالمفعول وكذا في قوله: {يا أيها النبيء إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} أي إذا جاءتكم وإذا جاءتك والمؤمنون وفوا بحكم الله عزَّ وجلَّ في ردّ مهر من لحق بهم، ولـمَّا أبا الكفَّار إِلاَّ السفه بعد السفه وأبوا أنْ يؤدوا شيـئًا من مهور الكوافر التي لحقن بهم ارتداداً إلى أزواجهنَّ المسلمين، نزل قوله تعالى:

 

{وإن فاتكم شيء من أزواجكم} أي أحد من أزواجكم وسمــَّاها شيـئًا تحقيرا لها وللإشباع في التعميم، وذلك أنّ الشائع في لفظ شيء استعماله في غير العالم ولو كان أيضًا للعالم كما شاع في إرادة العالم وغيره معًا كقوله تعالى: {كل شيء هالك إِلاَّ وجهه} ويدلُّ لكونه في الآية بمعنى أحد قراءة بعض: وإن فاتكم أحد من أزواجكم، ويجوز كونه في الآية بمعنى غير عالم، أي وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم فهو بمعنى حقيقة ما هو من المهور مهر أو بعضه، فيقدر مضاف ومن على كونه بمعنى أحد للتبعيض وعلى كونه بمعنى شيء من مهور أزواجكم للابتداء، إذ كان الفوت من جانبهنَّ بالردَّة واللحاق بدار الكفر، ولا يلزم تقدير المضاف لجواز أنْ يقال فاتكم شيء من جانب الأزواج فينظر ما هو فيعلم أنـَّه من المهور

 

{إلى الكفَّار فعاقبتم} أي جاءت عقبتكم أي نبوَّتكم من أداء المهر بأن لحقت بكم من المشركين امرأة أسلمت فهاجرت فيلزمكم ردّ مهرها إلى زوجها المشرك، كما أنـَّه لزمهم ردّ مهر من ارتدَّ إليهم إلى زوجها المؤمن شبه ردَّ مهر المرتدة إلى زوجها المؤمن ومهر من أسلمت وهاجرت إلى زوجها المشرك [337] بالتعاقب على أمر واحد إذ كلّ يرد المهر: المسلم إلى الكافر والكافر إلى المسلم، والآية نزلت في أمّ حكيم بنت أبي سفيان، ارتدَّت وتركت زوجها عـبَّاس بن تميم القرشي وهو مسلم، فأبى المشركون من أنْ يردوا إليه مهرها، ولكن بعد ذلك أسلمت ولم ترتدَّ امرأة من غير قريش غيرها

 

{فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} أي فأعطوا المسلمين الذين ذهبت أزواجهم مرتدَّات إلى الكفَّار

 

{مثل ما أنفقوا} مثل المهور التي اتـَّفق المسلمون الذين ذهبت أزواجهم مرتدَّات وهذا المثل الذي يعطونهم هو ما كان يلزمهم أنْ يعطوه الزوجَ الكافر الذي أسلمت زوجه وهاجرت، فلا تعطوه هذا الزوج الكافر لأنَّ هؤلاء الذين لا يردُّون مهر المرتدَّة إليهم إلى زوجها المسلم يعملون في ظل سيف هذا الكافر الذي أسلمت زوجه، ويعمل هو في ظلال سيوفهم، وحاصل ذلك أنـَّه إذا ارتدَّت مسلمة ولم يردها الكفرة ولا مهرها إلى زوجها المسلم فأعطوا زوجها المسلم مهر الذي هاجرت إليكم مسلمة ولا تعطوه زوج هذه التي هاجرت، لأنـَّهم يد واحدة في التعاون على نقض العهد وفي الباطل، فالآية في القوم الواحد المتعاونين في الباطل، وقال أبو عبيدة: «معنى عاقبتهم([21]) أصبتم عقبى وهي الغنيمة» لأنـَّها تعقب الغزو وتكون بعده وهذا معنى قول ابن عـبَّاس ومسروق ومقاتل بن سليمن وقال المبرد: «عاقبتم من العقاب بمعنى الجزاء وهو أنـَّهم فعلوا مثل ما فعل بهم بأن ظفروا بالمشركين» وحاصل هذه الأقوال أنَّ ذلك من قولك العقبى لفلان أي العاقبة، ومن العاقبة بمعنى الكرة الآخرة لـمَا قبلها، فإنَّ هذه الأقوال لا تخلوا من هذه المعاني حتَّى العقاب بمعنى الجزاء وكذا ما قيل من:

 

 {إن عاقبتم} بمعنى غزوتم غزوا بعد غزو وما قيل من أنَّ عاقبتم صارت لكم العاقبة بالغلبة، وحاصل هذه الأقوال أنَّ المسلمين يعطون من الغنيمة التي بعد لحوق المرتدَّة بالكفار ومنعهم إياها ومهرها زوجها المسلم مثل مهره، وقرئ فعقبتم بإسقاط الألف مع فتح القاف وكسرها، وقرئ فعقَّبتم بإسقاط الألف مع تشديد القاف، وقرئ: أعْقبتم بالهمزة وإسكان العين بعدها

 

{واتـَّقوا الله} أي احذروا [338] خلافه أو عقابه

 

{الذي أنتم به مؤمنون(11)} وصفه بالإيمان به لإنَّ الإيمان به يقتضي التقوى منه.

 

 

{يا أيـُّها النبيُّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} يبعن أنفسهنَّ لك لوجه الله وتبتاعهنَّ لله جلَّ وعلا، والجملة حال مقدَّرة أي مريدات للمبايعة

 

{على أن لا يشركن بالله} في الألوهية والصفات والأقوال والأفعال والتشريع والعبادة

 

{شيـئا} غير عاقل أو عاقلاً مفعول أو {شيـئًا} من الإشراك فهو مفعول مطلق

 

{ولا يسرقن} من مال ولو من مال أزواجهنَّ وأولادهنَّ أو بالتطفيف في الكيل والوزن والغش في الأموال بيعا أو شراءً، وفي معنى ذلك النقص من العبادة كالنقص من الصلاة

 

{ولا يزنين} بالفرج أو بجسدهنَّ أو بعود ونحوه، ومع البالغ وغيره، أو البهيمة أو مع النساء لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «سحاق النساء زنًى بينهنَّ» أو بالمقدمة كالقبلة والغمز، أو بالقلب، فإنَّ تمنّي الزنا أو تكييفه ذنب من جنس الزنا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «القلب يزني والعين تزني واليد تزني والرجل تزني واللسان يزني ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» والمراد تكذيبه أنـَّه لا يصل الزنى بذلك مرتبة الزنى بالفرج، ومعنى الزنا باللسان الدعاء إليه والتلويح والتكلم بما يجلبه ويشبه ذلك أنْ يستمع بأذنه إلى صوت فرجه في استخفاء أو غيره، وإلى كلام في الزنى عجبا به

 

{ولا يقتلن أولادهنَّ} كان بعضهنَّ إذا ولدت أنثى دفنتها من حينها في حفرة الولادة، وقرئ بضمّ الياء وفتح القاف وتشديد الياء مكسورة مبالغة راجعة إلى السلب، أي ولينتف عنهنَّ قتل أولادهنَّ انتفاءً بليغًا، ودخل في ذلك تركهنَّ أزواجهنَّ إلى دفن البنات في حفيرة يحفرونه أو غيره، وقد قدرن على منعهم ولو بالفداء، وإعانتهم كما إذ قالوا: «زينها تر ربـَّما [كذا] أخوالها» وقد علمت أنَّ المراد دفنها

 

{ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ} البهتان الشيء المكذوب سواء أكذب به على الغير أو أملى إذا كان لعظمه مِمَّا يتحيَّر به، والمراد هنا الولد سمِّي باسم الكذب مبالغة كأنـَّه نفس البهتان و{يفترينه} نعت بهتان أو مصدر بمعنى [339] مفعول أي بولد مبهوت، أي مكذوب، والجملة بعده نعت كذلك أي يقدرنه ويتصورن وجوده بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ، كان أوَّلاً على زعمهنَّ في بطنهنَّ بين أيديهنَّ ولـمَّا ولدنه في زعمهنَّ كان بين أرجلهنَّ، ومن فرجها الذي بين رجليها، ولو بعدتا عن الفرج، لأنـَّه على سمت ما بينهما، وأيضا مشت إلى التقاطه برجليها وأخذته بيدها وكما يقال: «بهت إنسان بفعل» أي كذب عليه بالبناء للمفعول، يقال: بهت فعل أي كذب أي أثبت وليس بثابت، وحاصل ذلك أنـَّه كانت المرأة تلتقط المولود أو يوهب لها أو تشتريه سرًّا، وتقول لزوجها: «هو ولدي منك».

 

 إذا جاء من الغيبة أو توهمه أنـَّها حامل فإذا وجدته كما ولد قالت: «أنا ولدته» ويجوز أنْ يكون المراد أنـَّه لـمَّا ولدته على زعمها كان بين يديها ورجليها، فإنـَّه بين يديها إذا أمسكته أو جعلته في حجرها، وبين رجليها أيضًا إذا فعلته بينهما، وأيضا إذا كان على فخذيها كان متوسطا بين اليدين والرجلين، اليدان من فوق والرجلين من تحت، أو ممتدَّتين، وحاصل ذلك كله ما ذكره ابن عـبَّاس والفراء أنـَّها تلحق بزوجها ولدًا ليس منه، وليس المراد النهي عن الزنا، لأنـَّه قد نهي عنه في قوله: {ولا يزنين} وقيل: المراد النهي عن النميمة من امرأة على أخرى أو على الرجل لأنـَّها ثورت القطيعة، ويجوز أنْ يراد مطلق البهتان كالبهت بالزنى أو بالسرقة أو غير ذلك ووجه كون {بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ} أنـَّه كلام يوقعنه من أفواههنَّ بين اليدين والرجلين فإنَّ الفم على سمت ما بينهما سواء نقطت([22]) بنميمة أو ببهت، وأيضا إذا كان بهتا فلا وجود له تحقيقًا، بل هو مجرَّد ما ذكرن من اللفظ فقط ووجد قدَّامهنَّ

 

{ولا يعصينك في معروف} فيما تأمرهنَّ به من معروف ولا فيما تنهاهنَّ به من منكر، فإنَّ الترك للمنكر معروف أمر به صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمعروف شامل لفعل ما يؤمر به ولترك ما ينهى عنه، فكلاهما معروف وذكر المعروف مع أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أبدا لا يأمر إِلاَّ به، إشارة أنـَّه: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فلو أمر صلَّى الله عليه وسلَّم أحدًا بمعصية وحاشاه عن ذلك لم تجز طاعته مع عظم شأنه فكيف غيره؟ وكل ما أمر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأمـَّة من فعل [340] أو ترك فهو معروف سواء أكان من أمور العبادة أو أمور مباحات وذلك أعم في الفائدة وقيل: المعروف ما فعله طاعة، فالتقدير {ولا يعصينك في معروف} تأمر به ولا في منكر تنهى عنه بحذف والأوَّل أولى، لأنَّ المباح معروف ورشد، ومن جملة ما نهى عنه أنْ ينحن ويمزقن ثيابهنَّ على مـيِّت أو ملمَّة أو يحززن شعورهنَّ أو ينتفنه أو يشُقن الجيوب على مـيِّت أو ملمَّة وهو من جملة تمزيق الثياب، أو أنْ يخمشن الوجوه، وأنْ يخلون بغير محرم، أو يتكلَّمن في ريبة.

 

 أو تسافر مع غير ذي محرم، وادعى بعض أنَّ المعروف في الآية الأمر بترك النواح، وتخصيص ما ذكر في الآية بالذكر في حقهنَّ لكثرة وقوعه منهنَّ، مع اختصاص بعضه بهنَّ، وهو إلحاق الولد إلى الزوج بادعاء أنـَّه منها وقدَّم من ذلك كلّ ما زاد قبحه على غيره وما هو أظهر فيما بينهم، فإنَّ الشرك أقبح وأظهر بينهم وكذا

 

{فبايعهنَّ} على ذلك، وعلى سائر الشريعة من صلاة وصوم وغيرها من الفرائض والمستحبات ومن ترك المحارم بل دخل ذلك في قوله في معروف، لم يقل فامتحنهنَّ كما قال في المهاجرات، لأنَّ المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهنَّ على الشرائع فلابدَّ من الامتحان وأمـَّا المؤمنات فهنَّ في دار الإسلام وعالمات بالشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان، وفيه أنَّ الآية شاملة لمبايعتهنَّ حين الفتح، والدار دار إسلام حينئذ.

 

 لكن ذلك قبل أن يعلمن الشرائع ولأنَّ الامتحان حاصل وهو في قوله: {على أن لا يشركن...}إلخ وقد قيل: إنـَّه كان يبايعهنَّ ويمتحنهنَّ إذا هاجرن أو جئن للمبايعة بقراءته صلَّى الله عليه وسلَّم قوله عزَّ وعلا {ياأيها النبيء إذا جاءك المؤمنات ...} إلى  {...فبايعهنَّ} فإذا أقررن بذلك من قولهنَّ قال لهنَّ: «انطلقن فقد بايعتكنَّ» قالت عائشة رضي الله عنه: «والله ما أخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قط إِلاَّ بما أمر الله تعالى.

 

 وما مسَّت كفّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كفَّ أمرأة قطّ»، وكان يقول إذا أخذ عليهنَّ: «قد بايعتكنَّ كلاماً»، يعني كفى في المبالغة ما تكلمت به لكنَّ وقيل: «دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثمَّ يغمسن أيديهنَّ فيه» فذلك مبايعته لهنَّ وما مسَّت يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يد امرأة قطُّ، وكان يقول: [341] «قولي لمائة امرأةٍ قولي لواحدةٍ، ونقول: لا أمس أبدان النساء أبايع بالقول»؛ وبايع جماعة هند زوج أبي سفيان بواسطتها متعلمة عنهنَّ حاضرات، وجاءته أميمة بنت رقيَّة في نسوة من الأنصار يبايعنه على الإسلام فقلن: «يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيـئًا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك يا رسول الله في معروف»، فبايعهنَّ على ذلك، وقيل يبايعهن وعلى يده ثوب وعلى أيديهنَّ ثوب، وروي أنـَّه بايعهنَّ وبين يديه وأيديهنَّ ثوب قطري، فهو ثوب واحد موضوع بحضرته، وقال الكلبي: «يبايعهنَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالكلام على الصفا وعمر يصافحهنَّ أسفل الصفا»، وقيل: وقفت امرأة على الصفا تبايعهن.

 

 وإنـَّما بايع صلَّى الله عليه وسلَّم النساء بعد الرجال، وامرأة أبي سفيان هند بنت عتبة متقنِّعة متنكرة خوفا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أبايعكنَّ على أن لا تشركن بالله شيـئًا» رفعت رأسها وقالت: «والله لقد عبدنا الأصنام، وإنـَّك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط» كأنـَّها ظنت أنَّه بايعهم على أن يسلموا أي يذعنوا لأحكامه، ولو بقوا على الإشراك.

 

 وروي أنـَّها قالت: «لا كفر بعد إيمان»، ولـمَّا قال: «ولا تسرقن» قالت: «لا نسرق وإن أبا سفيان رجل شحيح وإنـِّي أصبت من ماله هناة - أي أشياء حقيرة - فما أدري أتحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال» فضحك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعرفها فقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة» قالت: «نعم فاعف عمـَّا سلف يا نبيء الله عفا الله عنك» فقال: «ولا تزنين» فقالت: «أوتزني الحرَّة» وقيل قالت: «ما زنت منهنَّ امرأة قطّ» تعني من زنى منهنَّ فهي كامّة، وروي أنـَّها قالت: «الحلال من ذلك قبيح فكيف الحرام» فقال: «ولا تقتلن أولادكنّ» فقالت: «ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً فأنتم وهم أعلم» ويروى: «وقتلتهم صغاراً» وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم [342] بدر، فضحك عمر رضي الله عنه قيل: «حتَّى استلقى وتبسَّم­ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» فقيل: «قطع المبايعة هنا ولم يتمها» وقيل: زاد فقال: «ولا تأتين ببهتان تفترينه»، فقالت: «والله إنَّ البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إِلاَّ بالرشد ومكارم الأخلاق».

 

 فقال: «ولا تعصينني في معروف» فقالت: «والله ماجلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء» ولـمَّا رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول كاهنك في غرور.

 

{واستغفر لهنَّ الله} ليثبتن عَلَى الإيمان وخصهن لنقصان عقولهنَّ، ومزيد كثرة ذنوبهنَّ، والاستغفار زيادة عن ضمانه صلَّى الله عليه وسلَّم الثواب لهنَّ إن أوفين بما بايعهنَّ عليه

 

{إنَّ الله غفور رحيم(12)} عظيم الغفران والرحمة فيغفر لهنَّ ويرحمهنَّ إذا أوفين.

 

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا لا تتولَّوا قوما غضب الله عليهم} هم المشركون مطلقاً خطاب لـ«حاطب» ونحوه، بدأ السورة بخطابه وختمها به، لعظم ما أتى به وهو أنـَّه كشف للمشركين ما أكَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ستره، وقد مَـرَّ أوَّل السورة، ولكن غفر الله عنه، وقيل: القوم اليهود، والخطاب لقوم فقراء من المؤمنين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين ليصيبوا من ثمارهم، وروي يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم وجملة: {غضب الله عليهم} نعت لقوم أو حال منهم ولو نكرة لتقدم السلب

 

{قد يئسوا من الآخرة} لإنكارهم البعث والقوم مشركون، أي جزموا بأنَّه لا بعث، أو يأسوا من ثواب الآخرة عَلَى أنَّ القوم يهود لعلمهم بأنـَّهم خالفوا التوراة في مطلق أحكامها، وفيما فيها من وجوب الإيمان بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم واتباعه، وقد وصف لهم في التوراة بما عرفوه به وجملة {يئسوا} نعت لقوم ثان أو حال منه أو هُوَ نعت {وغضب الله عليهم} معترض متنزل منزلة الدعاء ولا دعاء لأنَّ الله جلَّ وعلا غير عاجز

 

{كما يئس الكفَّار من أصحاب القبور(13)} أن يبعثوا لأنـَّهم أنكروا الثواب والعقاب والحياة بعد الموت والجـنَّة والنار، أو كما يئس الكفَّار مطلق أن يرجع موتاهم الذين في القبور، أن يرجعوا إِلىَ الدنيا أحياء، أو يئسوا من الجـنَّة وخصَّهم تعظيما للإياس لمشاهدتهم الأمر يقيناً لموتهم وكون [343] أمرهم قطعياً، أوكما يئس الكفَّار الذين هم اليهود من رجوع موتاهم إِلىَ الدنيا، وعليه فمقتضى «كما يئسوا من أصحاب القبور» برد الضمير إِلىَ القوم، وهم يهود وعبر عنهم بوصف الكفر ليشعر أن علَّة يأسهم هي الكفر، ومن للابتداء في ذلك كله متعلِّقة بيأس، ويجوز أن يكون المعنى كما يئس الكفَّار الذين هم أصحاب القبور من الجـنَّة ليقينهم بعد موته أنـَّه لا حظَّ في الآخرة لهم، أو من الرجوع إِلىَ الدنيا، وعلى هذا فمن للتبعيض متعلِّق بمحذوف حال من الكفَّار وكذا إن جعلناها للبيان والله المستعان المرجو القبول.


 


[1]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حاطبا».

[2]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «واحدا».

[3]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذكر ما».

[4]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لكم».

[5]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «الإيمان».

[6]

-    في الأصل: «إنـِّي بريء».

[7]

-    كذا في الأصل، والصواب: «ثوابه».

[8]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أكيدة».

[9]

-    كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العطر».

[10]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أقرأته».

[11]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يهاجروا».

[12]

-  كذا في الأصل، والصواب: «أهله».

[13]

-  كذا في الأصل، والصواب: «عرَّضوها».

[14]

-  كذا في الأصل، والصواب: «وأضلهنَّ».

[15]

-  كذا في الأصل، والصواب: «الواحدة».

[16]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مقداره».

[17]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رجوعهنَّ إلى».

[18]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الكافر».

[19]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تزوَّج».

[20]

-  كذا في الأصل، والصواب: «أمَ».

[21]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عاقبتم».

[22]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نطقت».