إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الصف
طباعـة

{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم(1)} تقدَّم الكلام في ذلك، ذكر في السورة قبل هذه الخروج لأجل الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وذكر في هذه ما يحث عَلَى الجهاد وَهُوَ حبُّ الله {الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنـَّهم بنيان مرصوص}، فَهَذَا وجه اتصال السورتين، وأمـَّا وجه اتصال أوَّل هذه بآخر تلك فهو مقابلة كفر الكافرين بالبعث بتسبيح الملائكة وغيرهم {لله ما في السماوات والأرض} وَهُوَ تنزيهه عَن الكفر به، وصفات النقص كالعجز والشركة ووصف نفسه بأنـَّه غالب غير مغلوب، وأنـَّه الذي يجري فعله وقوله وشرعه عَلَى الصواب والحكمة، أو أنـَّه الحاكم عَلَى غيره، ولا يحكم عليه غيره، ولا يخفى أنَّ اجتماع ما في السماوات والأرض عَلَى التسبيح له دليل عَلَى أنـَّه الربّ والواحد وفي بعض السور {سبَّح} بلفظ الأمر وفي بعضٍ يسبـِّح، فَهُوَ مسبِّح له في الماضي والحال والاستقبال وأعني بالحال مدلول الأمر فوري وَهُوَ ما يَتـَّصِل بزمان التكلم إِلىَ الحال الذي ذكر في النحو وَهُوَ ما في وقت التكلم، سواء أكان قبل أَيضـًا وبعد أم كان قبل أو بعد أم لا أو اعتبر الحال يسبِّح، والاستقبال بالأمر، وَهُوَ الأنسب بالحال هذه، وهذا أولى إِنـَّمَا كرَّر التسبيح في السور لـمناسبة أوَّل السورة لـمَا قبلها، وللتأكيد، وليجده قارئ هذه وقارئ هذه، وفي التكرير مزيد الإفهام، وإزالة الغفلة عمَّن غفل أوَّلاً، وذلك فيما اتّفق لفظه، وأمـَّا ما اختلف فلحكمة الاختلاف السابقة آنفا أَيضـًا مع ذلك، وَأَيضـًا سبح ما سبح فقال: {سبح} ثمَّ زاد تسبيحاً [344] فأخبر عنه وهكذا، أو سبح بعض فأخبر به، ثمَّ بعضه فأخبر به، ولو كان بين الآيتين ما لا يعدّه من التسبيح إِلاَّ الله جلَّ وعلا، ولم يقل سبح لله السماوات والأرض وما فيهما برفع السماوات والأرض مع أنـَّه أزيد، لأنَّ المراد التسبيح المخصوص بالبعض، بل قد نقول إنّ ما ذكره أزيد عَلَى أنَّ المراد {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} من أجزائهما ومن غيرهما

 

{ يا أيـُّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون(2)} قال جماعة من المسلمين لو علمنا  الأعمال إِلىَ الله لبدلنا فيه أموالنا وأنفسنا، ولـمَّا نزل الجهاد كرهوا، فنزلت اللآية والتي بعدها توبيخا لهم، وقيل: «لـمَّا قالوا ذلك نزل {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }» وعليه فلا يكون قوله {ياأيها الذين آمنوا لم...}إلخ توبيخا على قولهم هذا بل المراد مجرَّد طلبهم معرفة أحبّ الأعمال ليعملوه فأخبرهم بأنـَّه {يحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفا...}إلخ فيكون قوله {ياأيها ...}إلخ توبيخا لهم عَلَى قصَّة أخرى وإلاَّ كان التفسير مختلاًّ إِلاَّ أن يقال لـمَّا قالوا «أحبّ الأعمال إِلىَ الله ...»إلخ عاتبهم الله إنـَّكم تطلبون ما لا تفعلون، فأنا أخبركم بأحبّ الأعمال، وَهُوَ الجهاد في سبيله صفا، فيكون أخبرهم بالأحبّ إليه وأخبرهم قبله في ضمن الاستفهام العتابي أنـَّهم لا يفعلون كما يقال لك: «لو علمت أحبّ الطعام لك لطبخته لك» فتقول: «لا تقل ما لا تفعل إنـِّي أحبّ العصيدة فهل تحضرها لي؟» وروي أنـَّهم قالوا «لو علمنا أحبّ الأعمال إِلىَ الله لسارعنا إِليه فنزل {هل أدلكم على تجارة ...} إِلىَ قوله {وأنفسكم} فولوا يوم أحد فنزل {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ...}إلخ وَعَلَى هذا فقوله {ياأيها الذين آمنوا ...} إِلىَ قوله {أن تقولوا ما لا تفعلون} نزل بعد قوله {هل أدلكم ...}إلخ، ولو تقدَّم في التلاوة، أو قالوا: لو علمنا أحبّ الأعمال؟ فنزل الإخبار بأنـَّهم لا يوفون بذلك، ونزل بعده بيان أحبّ الأعمال وقيل: لـمَّا أخبر الله بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: «اللهمَّ اشهد لئن لقينا قتالاً لنفزعنَّ فيه وسعنا» ففروا يوم أحد فنزل {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ...}إلخ وقيل: نزلت في مطلق من يقول فعلت ولم يفعل مثل أن يقول: [345] قتلت علجا من صفته كذا أو شجاعا من صفته أو فعلت كذا وفعل كذا فعليته ونحو ذلك مِمَّا مرجعه إِلىَ القتال أو غيره.

 

 وكان رجل من المشركين قد آذى المسلمين يوم بد([138]) ونكَّى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فنزلت الآية في المنتحل وقيل: نزلت في المؤمنين مطلقا، لأنَّ المؤمن لا يخلوا من تقصير، وقد اعتقدوا الوفاء في ما وعدهم، فيخاف الدخول في هذه الآية، حتَّى إنـَّه من دخل الصلاة وقرأ الفاتحة وفيها {إياك نعبد} فإذا عصى بعد ذلك فقد قال ما لا يفعل، وكذا إذا قرأها في غير الصلاة، وقيل: نزلت في المنافقين تمنوا القتال فلـمَّا أمر الله به قالوا لـمَ  كتبت علينا القتال، وناداهم بقوله: {ياأيها الذين آمنوا} يهكها([139]) بهم وبإيمانهم، وفيه أن المنافقين لا يتمنون القتال، ويجاب بأنـَّهم يتمنونه بألسنتهم فقط رياء، ففضهم الله وعابهم وأشار إِلىَ أنـَّه لا يحبهم ، إِنـَّمَا يحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفا، وبهذا تبين جواب ما قيل في هذا القول، من أنَّ قوله عزَّ وعلا: {إن الله يحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً}، صريح في أنَّ ما قالوه وأخبر الله عنه بقوله {ما لا تفعلون} عبارة عن الوعد بالقتال لا عمـَّا يقوله المتمدح من أنـَّه فعل كذا أو دعاه المنتحل أو المنافق، وانَّ مناط التعبير والتوبيخ هو إخلافهم لا وعدهم.

 

 وحاصل الجواب أنَّ المنافق تمنى بلسانه ووعد القتال واختلف الوعد، والاستفهام للتوبيخ عَلَى مضاعفة إثمهم عَلَى إثم على ترك المعروف وإثم عَلَى خلف الوعد به، وإن المراد: لم تقولون ما لا تفعلون من المعروف، وتعرضون عن الوفاء بِهِ، واللفظ يدلُّ على إثم واحد، وَهُوَ عَلَى القول بما لا يفعلون، والإثم الآخر يعلم من خارج، وَهُوَ أنَّ ما يعدون معروف لا يترك، وَلَو قال لم لا تفعلون ما تقولون، لكان فيه إثم واحد لفظا وَهُوَ عَلَى ترك الموعود، وأفاد بالتلويح إثما، من خلف الوعد، والمضارع أمـَّا الماضي نزل منزلة الحاضر لتشاهد بشاعته وقبحه، فإنَّ المعاين ليس كالمخبر عنه، أو للاستمرار الشامل للماضي وما بعده وإنـَّما نصب القول المفرد وهو «ما» لأنَّ معنى «ما» جملة وهي قولهم نقاتل أو قتلنا أو نحو ذلك وهنا يتبين ضعف تفسير [346] الآية بقولهم: إنـَّا فعلنا كذا كانتحال قتل مقتول صهيب فإنـَّه بمرَّة لا يتكرَّر، إِلاَّ أن يقال صيغة التكرير وهو تفعلون معتبر فيها دعوى استمرار مثل ذلك.

 

{كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون(3)} كبر  بمعنى عظم مضموم الوسط دال على الرسوخ بمادَّته، وضمَّ عينه مطلقا بلا حاجة إلى جعله من باب نعم، إذ هو مضموم الوسط وضعا كظرف وشرف وصلح للتمييز كما، تميَّز سائر الأفعاول، كطاب محمَّد نفسا، وشرف زيدا بأفاد كان مضموم الوسط مطلقا قابلا للتمييز كذلك، فأي دليل ينص على أنـَّه من باب نعم وبئس، إِلاَّ أنـَّه من الجائز، لأنَّ المقام تعظيم الأمر، فكلَّما أدخل في التعظيم كان أنسب بجعله من باب نعم وبئس، والمقت أشدُّ البغض ، وفاعل كبر على أنـَّه ليس من باب نعم وبئس، هو أن تقولوا وإن جعل من بابهما كان الفاعل مستترا مفسرا بمقتا، وأن تقولوا مخصوص بالتعظيم وهو تعظيم الذنب والمعنى أن قولهم: ما لايفعلون، بلغ الغاية في القبح من جنسه عند من يحقر عندهم كلّ عظيم وهو الله جلَّ وعلا،  ومن أجاز الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر أجاز أن تجعل أن تقولوا فاعلا لكبر، ولو جعلته من باب نعم؛ وعلى كلِّ حال مقتا تمييز محوَّل عن الفاعل والآية تفيد العذاب لأنَّ من استوجب مقت الله لزمه العذاب.

 

 

{إنَّ الله يحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفـًّا} لا يحب من يعدُّ القتال ولا يقاتل ولا من يقاتل ويفر غير مستحرف ولا متحيز و«صفا» مصدر بمعنى الفاعل أي صافين، أو المفعول أي مصفوفين، فإنهم يصفون أنفسهم أو يصف بعض بعضا، أو يصفهم الإمام أو نائبه أو  غيره، والمراد مدح المقاتلين في الصف ولا يخرجون عنه إذا زحف العدو إليه بقي موضعهم صفرا لهروبهم، وكان خللا في الصف وهو ذنب في نفسه، وسبب لانهزام غيره، ولا عذر لمن يخرج من الصف  إذا زحف العدو، وصف حال من الواو، وحب الله لعبده مدحه له أو الوعد بالخير ونفي العذاب عنه، وكانت العرب تقاتل راجلين مصطفين متراصين، فمن فعل ذلك في سبيل الله أحبَّه الله، وقرئ يقاتلون بفتح التاء وبه قرأ زيد بن علي، وقرئ يقتلون بفتح الياء وإسكان القاف وضمِّ التاء، ويجوز أن يكون صفا مفعول مطلقا ليقتلون على تضمينه زيادة لمعنى [347] يصفون أو على تقدير  الحال أي يقاتلون في سبيله صافين صفا أو مصفوفين صفا.

 

{كأنـَّهم بنيان مرصوص(4)} الجملة حال من الضمير في صفا بمعنى صافين أو مصفوفين أو في صافين أو مصفوفين المقدر أو حال ثانية من الواو، والبنيان المرصوص  الملصق بعض إلى بعض، فلا خلل فيه، وذلك مثل ما يسدُّ بين الحجارة بالجير والحصباء، ومثل ما تقحم الحجارة الصغار لسد الخلل بين الحجارة الكبار، وأهل مكَّة  يضعون الحجر على الحجر ثمَّ يرصُّ بأحجار صغار، ثمَّ يوضع اللبن، وتسمية أهل مكَّة المرصوص أحبَّ الله المتراصين في القتال حتى كأنـَّهم بنيان مرصوص، لأنَّ هذا التراص منهم رغبة في الجهاد حتَّى ازدحموا عليه ازدحاما، وإن مات واحد منهم أو أثقله الجرح  دخل واحد من وراء الصفِّ مكانه، أو تحوَّل إليه من يليه، وهكذا حتَّى يصل التحول آخر الصف،  أو ذلك التراص لثبوتهم وعدم تحولهم فرارا كما يثبت البناء المرصوص، أو لاستواء شأنهم في حرب عدوهم حتَّى كأنـَّهم جسم واحد.

 

{وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أنـِّي رسول الله إليكم}  أي واذكر يا محمَّد وقت قول موسى لقومه إذا آذوه فصبر، فاصبر على أذى قومك كما صبر على أذى قومه، ولاطفهم كما لاطفهم، ووجه اتصال هذا بما قبله أنَّ قول المنافقين أو غيرهم ما لا يفعلون مؤذ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنَّ المعصية مؤذية له صلَّى الله عليه وسلَّم مطلقا، ولا سيما الوعد بالجهاد والخلف فيه، وإنّ عدم الوفاء بالقتال شبيه بقول قوم موسى: {اذهب أنت وربك...} إلخ، وذلك مؤذ فأمر بالصبر لهم كما صبر موسى لقومه، وقيل المعنى اذكر لهم هذه القصَّة، اللهمَّ إِلاَّ أن يقال يريد التلويح بذكر القصَّة إلى أنـَّه رسول إليهِم كما أرسل موسى إلى قومه، وأنـَّهُم يؤذونه، وقد علموا أنـَّه رسول الله حـقًّا كما آذى موسى قومُه، وقد علموا أنـَّه رسول الله، وأمـَّا أنْ يقال يذكر قصَّة موسى لقومه ليبني لهم عليها ذكر قوله {ولـمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم} فلا يتجه على أنَّ القائلين ما لا يفعلون منافقون معلومون لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [348] فإنـَّه لا يكرهون زيغ القلوب عن الإسلام ولا يوعظون به، ويتجه على أنَّ القائلين المؤمنون والمراد بذكر الوقت؛ ذكر ما قيل فيه، وقد علمت أنَّ «إذ» مفعول به لا ذكر المحذوف، ويجوز أنْ يكون ظرفا لمفعول محذوف، أي واذكر الحادث {وإذ قال موسى واذكر} أو اذكر المقول إذ قال موسى، فتعلَّق إذ بالحادث أو بالمقول، فيكون المأمور بذكره هو نفس ما قيل وهو الحادث لا زمانه من إيذاء قوم موسى إيـَّاه قولهم حين أمرهم بقتال الجبارين وقال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي...}إلخ {إنَّ فيها قوما جبارين}، {وإنـَّا لم ندخلها...} إلى {داخلون...} إلى {فاذهب أنت وربُّك...} إلى {قاعدون}. ومن إيذائهم إيـَّاه قولهم: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة}، وقولهم: {أرنا الله جهرة}. {واتخاذهم العجل}، ومخالفتهم له فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، وقولهم: {لن نصبر على طعام واحد}، وقولهم: {أنـَّه آدروا}[كذا] والواو للحال وقد بعدها للتحقيق، أي لأيّ شيء تضرُّونني والحال أنـَّه تحقَّق عندكم {أنـِّي رسول الله إليكم} وتيقنتم بذلك. وقال:  «تؤذونني» بالمضارع ليدل على التكرير ولذلك لم يقل: لم آذيتموني، وإنـَّما أيقنوا بأنـَّه رسول الله لـمَا شاهدوا من المعجزات كفلق البحر، وإنجائهم وإغراق عدوهم والعصى وغيرهما، وشأن من هو رسول الله إليهم؛ لـيـبـيِّن لهم خير الدنيا والآخرة أنْ يعظموه ولا يؤذوه ولا يخالفوه.

 

{فلـمَّا زاغوا} مالوا عن الحقّ إلى الباطل بمخالفة موسى وإيذائه، {أزاغ الله قلوبهم} زادهم زيغاً عن الهدى، وهكذا العاصي يعاقب بعصيان آخر حتَّى يسودَّ قلبه، أو لـمَّا زاغوا أصرُّوا على الزيغ، أو زادوا الزيغ: زادهم زيغاً، أو لـمَّا زاغوا بأبدانهم: أزاغ الله قلوبهم؛ وبه قال مقاتل: «وفيه أنَّ ميل البدن عن الدين بلا قصد من قلب لا يؤخذ به إِنـَّمَا هو غلط أو نسيان»، الجواب: إنَّ المبدأ من القلب فتبعه([140]) الجوارح، لكن كان الزيغ من قلوبهم أوَّلاً جزئيـًّا، وتسبـَّبـُوا به لأنْ جعل فيها قاعدة كلية من الزيغ فرسخ فيها؛ فيفشوا على الجوارح، الغي والضلال، {والله لا يهدي} لا يوفق [349] {القوم الفاسقين(5)} أي سبقت لهم الشقاوة وأنـَّهُم لا يقلعون عن الفسق، وهكذا في مثل ذلك، ومثل: {والله لا يهدي القوم الظالمين}، وما أشبه ذلك، كلّ ذلك بمعنى لا يهدي من سبق في علمه أنـَّه يموت على الفسق والظلم والكفر، فلا يشكل أنـَّه هدى ما لا يحصى من الفاسقين الظالمين والمشركي،ن ويجوز أنْ يراد بذلك في السعداء والأشقياء بمعنى أنـَّهم ما داموا على الفسق والظلم والشرك، لا يتـَّصف الله بأنـَّه هداهم بمعنى أنـَّه لا يجمع لهم الإيمان والكفر في حال واحد كما قال أبو نصر:

 

أيجمع إيـمـان وكفر وطاعـــة          ومعصية هذا خلاف الـتكـوّنِ

واعلم أنـَّه لا محيد لنا عنْ أنْ نقول صرف الله اختيار الشقي إلى الظلال([141])، إذ لا يكون شيء بدون خلق من الله فلا منتهى وراء قوله عزَّ وعلا {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، وقد علمت أنَّ الهداية المنفية في جميع القرآن بمعنى التوفيق والاتـِّصال وأمـَّا الهداية بمعنى الإرشاد فلا تنفى عن مكلَّف أصلاً، سعيدًا كان أو شقيًّا، وإلاَّ لم يعدّ مكلَّفاً، والفرض أنـَّه مكلَّف، فقد هدى الله جميع المشركين والمنافقين بمعنى أرشدهم إلى الحقّ، وبيـَّن لهم؛ والجملة معترضة في آخر الكلام لا بين متلازمين كما تذكره في فنّ المعاني، وهي تذييل مقرَّر لمضمون ما قبلها، ومعنى كونها معترضة وهي في الآخر أنـَّه جيء بها عارضة لنكتة التقرير لما قبلها، والمراد بالفاسقين كلّ من سبقت له الشقاوة أو كلّ من التبس بالفسق  على ما مرَّ، أو خصوص فاسقي أمـَّة موسى وعليه فذكرهم بالاسم الظاهر وهو لفظ الفاسقين لا بالضمير مع جريان ذكرهم ليذمّهم بوصف الفسق، ويعلل به عدم هدايتهم، ثمَّ إنـَّه لا يخفى أنَّ المراد بالفاسقين قومه المؤذون فقط، لا مع غير المؤذين، كما أنـَّه أراد بقوله: {يا قوم لـم تؤذونني} قومه المؤذين لا مع المطيعين أو من باب حكم على المجموع لا على الجميع، وإن أريد عموم الفاسقين لا خصوص فاسقي قوم موسى دخل فاسقوا قومه دخولاً؛ أولياء: لأنَّ الكلام قيل فيهم، فتكون الجملة كالبرهان والحجَّة لـما قبله هكذا {لا يهدي الله القوم الفاسقين} [350] وبعض قوم موسى فاسقون بإيذائهم وزيغهم فلا يهديهم وقيل «أل» في «الفاسقين» للعهد الذكري في قوله عزَّ وجلَّ: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} وقوله جلَّ وعلا: {فلا تأس على القوم الفاسقين} وفيه أنَّ هذه السورة مكية والسورتين مدنيـَّتان، إِلاَّ إذا اعتبر ترتب هذه بعدهما في التلاوة بعد وفيه بعد، وما قبل: من أنـَّه لا تعلق لتفسير الفسق بإيذائهم موسى بهذا المقام فلا يظهر له وجهه بل من جملة الفسق بل في الآيتين من السورتين عصيانهم بالقعود عن القتال فهو من جملة الإيذاء في هذه السورة فيدخل في الفسق المذكور في السورة.

 

{وإذ} عطف على «إذ» السابقة فهذا مغن عن جعلهم الواو للاستئناف وتقدير اذكر إذا، واذكر الحادث إذ معنى هذا المقدر لا يخلو عن العطف مع عدم التقدير إذ الأصل عدمه وواو الاستئناف لا تثبت عند التحقيق. {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنـِّي رسول الله إليكم مصدِّقا لما بين يديَّ من التوراة ومبشِّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} تقديم النداء هنا وفي كلام موسى وفي سائر القرآن ليقبل المنادى على استماع الخطاب ولا يفوته شيء من أوَّله بالغفلة عنه وهكذا ينبغي لواعظ أفرد يقول له: «يا فلان» أو للجماعة: «يا بني فلان» {ومصدقا} حال من المستكنّ في رسول لأنـَّه بمعنى مرسل كركوب بمعنى مركوب إِلاَّ أنَّ «رسولا» من الثلاثي و«مرسلاً» من الرباعي وفي ذكره أنـَّه مصدقا لـمَّا بين يديه من التوراة تمهيد ودعاء إلى تصديقهم إيـَّاه، إذ صدقها وتصديقها تصديق لكتب الله كلّها وأنبيائه كلّهم {ومبشرا} عطف على مصدقا أي إنـِّي أرسلني الله إليكم حال كوني مصدقا بالتوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي ولم يذكر لم يبشر بالرسول للتعميم، أي أبشر به كلّ من مال إلى الحقّ كالحواريين، ومن يريد قوَّة دين الله، والتبشير به واقع في التوراة، فعيسى عليه السلام يحكي البشارة عن التوراة وعمـَّا أتاه به جبريل وجملة {يأتي من بعدي} نعت لرسول {واسمه أحمد} نعت ثاني أو حال من ضمير يأتي أو مستأنفة جواب سؤال محذوف كأنـَّه [351] قيل: لعيسى ما اسم ذلك الرسول الآتي من بعدك فقال: «اسمه أحمد» وهو محمَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدين عيسى عليه السلام التصديق بمن مضى من الأنبياء ومن يأتي بعده، وفتح ياء المتكلِّم، والخليل قبل الساكن أفضل من إسكانها، إذ في إسكانها حذفها للساكن بعدها وفي فتحها إثبات.

 

 وقرئ بإسكانها وحذفها للساكن بعدها وهو السين، وأحمد منقول من مضارع حمدًا، ومن اسم التفضيل فأصله أنـَّه أحمد لله من غيره وأمـَّا ما قيل: من أنـَّه من اسم تفضيل من المبني للمفعول أي يحمده الخلق والخالق أكثر مِمَّا يحمده الخالق والخلق غيره، فخلاف الأصل لأنَّ اسم التفضيل الأصل أنْ يكون من المبني للفاعل إِلاَّ أنْ يستأنس له هنا باسمه للآخر وهو محمَّد فإنـَّه من المبني للمفعول للمبالغة، واذكر الآن بعض ما جاء به عيسى في شأن رسالة سيـِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم ففي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا «لا تضطرب قلوبكم تؤمنون بالله فأمنوا بي...» إلى أن قال: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فرقليطا ليثبت معكم إلى الأبد روح الحقّ الذي لن يطيق العالم أن يقتله لأنـَّه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه بأنـَّه مقيم عندكم، وَهُوَ ثابت فيكم لست أدعكم يتامى إنـِّي سوف أجيئكم عن قليل والعالم ليس يرونني وأنتم ترونني...» إلى أن قال: «من كانت عنده وصاياي وحفضها([142]) ذلك هو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له نفسي قال له يهود: وليس ذلك إِلاَّ سخر يوطي يا سيـِّدي، أي شيء كان أنـَّك تظهر لنا نفسك، وليس للعالم، أجاب يسوع وقال له: من يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً، ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي وكلمتي التي سمعتموها ليست لي بل للأب الذي أرسلني كلـَّمتكم بهذا مقيما عندكم والفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي وهو يعلمكم كلّ شيء وهو يذكركم قل [كذا] ما قلته لكم» والمراد بالأب: الله بمعنى أنـَّه مالكه وسيده كما يطلق الإنسان لفظ الأب على من يعضمه([143]) ومن قال: «إنَّ الله ولده» فقد أشرك وقال في هذا [352] الإصحاح «إذ الأب في وأنا في الأب» ومعناه أنَّ كلام الله في و وحيه وحبه والاعتناء به والاتباع «وأنا في الله» بمعنى أنَّ الله جلَّ وعلا عالم بي وخالقي وأنا ذو قدر عظيم عنده ومنزلة عظيمة ويدلُّ لهذا أنـَّه قال بعد ذلك في ذلك الإصحاح «بقريب أنتم فيَّ وأنا فيكم فهل ترى أنَّ عيسى حال فيهم وهم حالون فيه، وهذا خلاف المشاهد المحسوس، وإنـَّما المعنى اعتنائي بكم واعتناءكم بي فبطل قول من يقول بالحلول من النصارى وقد حكم الله بكفر من يقول: «إنَّ الله والد عيسى» ومن يقول: «إنه إله» وأظن لفظ الأب مع أنـِّي قد فسَّرت بما رأيت تحريفٌ من بعض النصارى قديم وكذلك من قال: إنـَّه في الله وإنَّ الله فيه مع التأويل السابق، السلام يستودعكم سلامي، وأعطيكم لست أعطيكم كما أمنح العالم، لا تقلق قلوبكم ولاتجزع، قد سمعتم أنـِّي قلت لكم: إنـِّي ماض وآت إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون بمضيي إلى الأب، لأنَّ الأب أعظم منـِّي ولأنَّ قد قلت لكم وأخبرتكم به قبل أنْ يكون حتَّى إذا كان تؤمنون».

 

 وفي الإصحاح السادس عشر «والآن فإنـِّي منطلق إلى من أرسلني وليس أحدًا منكم يسألني: إلى أين تذهب بل لأنـِّي قلت لكم هذه فالكآبة ملأت قلوبكم لكني أقول لكم الحقّ إنـَّه خير لكم أن انطلق لأنـِّي إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فإمـَّا إن انطلقتم أرسلته إليكم فإذا جاء ذلك فهو يونج العالم على الخطبة وعلي برّ وعلي حكم أمـَّا على الخطبة فلأنهم لم يؤمنوا بي وأمـَّا على البرّ فلأني منطلق إلى الأب فلستم ترونني بعد وأمـَّا على الحكم فإن أر كون هذا العالم قد دين وأنا لي كلاما كثيرا أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن وإذا جاء روح الحقّ ذاك فهو يعلمكم جميع الحقّ لأنـَّه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بِكُلِّ ما يسمع ويخبركم بما سيأتي وهو يمجدني لأنـَّه يأخذ مِمَّا هو لي ويخبركم جميع ما هو للأب فهو لي فمن أجل هذا قلت إنـَّه مِمَّا هو لي يأخذ ويخبركم» وإن قلت: «إنَّ الفارقليط هو عيسى يجيء بعد الموت أو بعد الرفع بلا موت» قلت: قد قال أرسل إليكم الفارقليط فهل يرسل نفسه، ويبقى وأيضًا ما تكلم نزوله إليهم إِلاَّ قليلاً مثل أنْ قال إنـِّي: لم أصلب أنا ناح([144]) عند الله وما أوحي إليَّ بعد ذلك لكم وما [353] علمهم شرعًا ولا شيـئًا كما ذكر الحواريون آخر الإنجيل».

 

 {فلـمَّا جاءهم بالبـيِّـنات} جاءهم عيسى {قالوا} أي بنو إسرائيل، أخبر الله عزَّ وجلَّ أنَّ قوم موسى آذوا موسى وقوم عيسى آذوا عيسى، وصبرا فاصبر يا محمَّد على أذى قومك، وهذا أولى من قول بعض أنَّ المـُرَاد فما جاءهم أحمد إذ لم يتقدَّم ذكر من يقول: {هذا سحر مبين(6)} ولو أريد بالذين آمنوا المنافقون([145]) إذ لم يجر لهم ذكر عَلَى هذا الرسم، ولأنَّ الأنسب ذكر «مَا» تكون: تصبيرًا له والذي جاءهم بالمعجزات جاءهم بالبـيِّـنات وذلك من عند الله، {هذا} أي هذا الذي جئت به من المعجزات، أو من آيات القرآن أو الإنجيل {سحر مبين} أو هذا الذي جاء وَهُوَ عيسى أو محمَّد عليهما الصلاة والسلام سحر مبين، فيكونون سموه سحرًا مبالغة أي بالغ غاية السحر كأنـَّه نفس السحر أو هو مصدر بمعنى اسم فاعل أي ساحر كما قرأ بعضهم هذا سحر([146]) مبين بوزن فاعل، وهذه تدل عَلَى ذلك ومن ذلك المعنى تقدير مضاف أي ذو سحر مبين.

 

{ومن أظلم مِمـَّن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام} الاستفهام للإنكار أي لا أظلم مِمـَّن يكذب عَلَى الله بإضافة الولد إليه أو بإضافة الشركة أو تسمية كلام الله سحرًا والحال أنـَّه يدعى إلى الحقّ الواضح كالشمس بأكملته [كذا] وَهُوَ الإسلام، ويعرض عنه إلى الغيِّ فذلك منه إعراض عمـَّا يورث سعادة الدارين إلى ما يوجب شقاءهما، فهو أظلم لنفسه وللخلق ولدين الله من كلِّ ظالم، ولفظ الآيـَة لا أظلم منه وهو بحسب الظاهر قابل لأن يكون له مساو في الظلم فأمـَّا أن يراد وَهُوَ من يفعل نوعا آخر من غير ذلك النوع أو يراد إفراد مخصوصة في الآيـَة يساويهم من فعل مثلهم، وإمـَّا أن تكون هذه العبارة شائعة في كلام العرب. في نفي المساواة والمفاوقة، وقرئ يدَّعي بفتح الدال مشدَّدة بمعنى المسكن كقوله تعالى: {ولهم ما يدَّعون}، وكقولهم: لمسه والتمسه {والله لا يهدي القوم الظالمين(7)} لا يوفقهم إلى ما فيه الصلاح لهم والفلاح لعدم توجههم إليه وقد دلهم على ما فيه رشدهم فأبوا عاقبهم بالخذلان على اختيارهم إيـَّاه.

 

 {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} مفعول «يريد» محذوف واللام لام التعليل متعلِّق بـ«يريد» أي يريدون [354] الكفر ليطفئوا نور الله بأفواههم أو يريدون الافتراء ليطفئوا أو اللام صلة والمصدر مِمَّا بعدها هو المفعول به أي يريدون إطفاء نور الله فهي تأكيد للإرادة ومعنى إطفاء نور الله بأفواههم إبطال دين الله أو كتابه أو حجَّته المنير ذلك كإنارة الشمس أو مصباح في زجاجة ككوب ذري بما يخرج من أفواههم من قولهم إِنـَّمَا جاء به سحرا ونحو ذلك من أكاذيبهم وذلك تهكُّم بهم وسخرية إذ توهَّموا أنـَّه يمكنهم إبطال دين الله وكتابه وحجـَّته بكلامهم الباطل كما يمكنهم إطفاء المصبح بنفخ أفواههم، أو شبه حالهم مجال من ينفخ إلى جرم الشمس ليزيل نورها بحماقته.

 

 {والله متمّ نوره} مبلغ دينه أو كتابه أو حجَّته إلى غايته بنشره في الآفاق وإظهاره وجعله مقبولاً في القلوب ونصب «متم» المفعول به لأنـَّه للاستقبال وقرئ بالإضافة ويجوز أن يراد بالنور في الموضعين الحقّ أو الرسول أو الحضرة القدسيَّة أو العلم فإنَّ الجهل كظلمة أو الإيمان فإنـَّه الكفر كظلمة يخرجهم من الظلمات إلى النور أو الإذعان إلى الدين والعمل به وعدم الخروج عنه ولا يخفى كونه صلَّى الله عليه وسلَّم أو الدين أو الكتاب أو ما ذكر نور لأنَّ الأسرار تبيَّنت بذلك والخلق يهتدون به ويتبين لهم ما يدرون وما يفعلون كما يـتـبـيَّن بالنور الحسِّـيّ كالشمس ما خفي، ولا يخفى أنَّ نور الله يشرق على العالم كله فيكون صلَّى الله عليه وسلَّم مبعوثا إلى الخلق كلّهم فالموحدون أمـَّة الإجابة واليهود والنصارى وسائر المشركين أمـَّة الدعوة وتكفَّل الله جلَّ وعلا  لِرَسُولِه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بإظهار دينه وغلبته والحمد لله.

 

{ولو كره الكافرون(8)} إتمامه إرغاما لهم وبيان الإتمام أنَّ إظهاره وغلبته بالتدريج بما دام يزداد لم يتمّ فإذا كمل تمَّ، وعن أبي هريرة أنَّ ذلك عند نزول عيسى ينقص الدين آخر الزمن فيتمه عيسى والنور هنا هو في المعنى من النور في قوله : {الله نور السموات والأرض} أي هادي من فيهما أو خالق نورهما، فهدايته نور وهي بكتابه ورسوله وحجَّته وقال هنا الكافرون وفيما بعد ذلك المشركون لأنَّ الرسول والدين والحق نعم من الله، والمريدون إبطالها الكافرون للنعم وكفر النعم [355] ستر لها، وهو مناسب للإطفاء مضاد للنور، وأيضا الكفر أَعَمُّ من الشرك لأنـَّه يعمُّ الشرك وما دونه من الكبائر فالمعتبر هنا الإنعام، فذكر أنـَّهم كفروا بها وفيما بعد ذلك أنـَّه أنعم على رسوله بالإرسال العام والكتاب التام فحسده المشركون، والحسد تعرض لله عزَّ وجلَّ فيما فعل، والتعرض له شرك.

ألا قـل لمـن كان لـي حاسدًا     أتدري علَى من أسأت الأدب
أسأت عَلَى الله في فعــــله    كأنَّك لم ترض لـي ما وهب

وايضا أكثر الحاسدين قريش وهم أظهر باسم الشرك، لأنَّ  اليهود ولو كانوا مشركين بالإنكار للرسول والقرآن ودعوى بنوة عزير وعيسى ونحو ذلك، لكن تستروا عن ذلك باسم التوراة والانجيل، وأيضاً النور أعمّ من الدين والرسول فقابله بالأعم وهو الكافرون، والرسول والدين أخص من النور فقابلهما بالأخص وهم المشركون {هو الذي أرسل رسوله} محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الخلق كلّهم وقريء نبيه {بالهدى} بالقرآن والمعجزات {ودين الحقِّ} الملَّة الحنيفية ولا تكرير في ذلك لأنّ القرآن اسم للألفاظ المعّبر عنها بالهدى، لأنّ لها معاني مدلولات لها وتلك المعاني هي الملّة الحنيفيـَّة وأمّا المعجزات فلا يخفى أنـّها غير الحنيفيّة، ويجوز أن تفسر دين الحقّ  بما أوحي إليه غير القرآن {ليظهره على الدين كلِّه} المـُرَاد بالدين أديان الكفر كلّها، وكل دين مقهور بدين الإسلام كمَا هو مشاهد {ولو كره المشركون(9)} إظهاره.

 

{ يا أيـُّها الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم(10)} هل للاستفهام التحضيض وهو في معنى الأمر، وليس أمرا لنفسه بالدلالة، بل أمر بالمدلول، أي يا أيها الذين آمنوا: اتجروا تجارة تنجيكم من عذاب أليم، والمـُرَاد بالتجارة تعاطي الربح والهروب من الخسارة، وذلك مع الله كقوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم} الآية وفسرها بعد بقوله عزَّ وجلَّ: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون ...} إلخ ولا يتصوَّر تجر بلا معاوضة شيء لشيء والتجر ينجي من الفقر ومقاساة الصبر فذلك «التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان» كما قيل في تعريف الإيمان فإنـَّه عوض للجنة والنجاة من النار ومن باع الفوز بالجـنَّة والنجاة من النار بالشرك [356] أو بالكبيرة فتجارته خاسرة وقرئ تنجيكم بفتح النون وتشديد الجحيم .

 

{تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} جواب سؤال محذوف كأنـَّه قيل: ما هذه التجارة المنجية أو ماذا نصنع فقال {تومنون بالله ...} إلخ وَهُوَ خبر في معنى الأمر بدليل جزم المضارع في جوابه وَهُوَ قوله: يغفر، كما يجزم في جواب الأمر، وبدليل قراءة بعض: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا، وقراءة بعض: تومنوا وتجاهدوا، عَلَى إضمار لام الأمر أي لتؤمنوا وتجاهدوا، وفيه أمر المخاطب باللام لأنـَّه قليل، والأولى أنـَّه حذفت نونهما تحقيقا وهما مرفوعان ووجه جعل الأمر بصورة الإخبار مزيد الترغيب في الإيمان والجهاد المأمور بهما حتَّى كأنهما وعدوا بهما وعدا عَلَى ثقة أنـَّهم لا يخلفونهما فهو يخبر به عنهم أنـَّه سيكونان فذلك إيذان بوجوب الامتثال. والجهاد خمسة: جهاد القتال بالمال، وجهاد القتال بالنفس، والجمع بينهما أفضل، وجهاد النفس بمعناها([147]) عن اللذات، وجهادها بترك الطمع في الخلق ويشفق عليهم، وجهاد الدنيا يجعلها زادا لمعاده.

 

 {ذلكم خير لكم} ذلكم البعيد بعلو المرتبة وَهُوَ ما ذكر من الإيمان والجهاد بالمال والنفس أفضل لكم من كلِّ ما ترغبون فيه من المنافع؛ فخير اسم تفضيل باق عَلَى معناه أو هو بمعنى منفعة لكم أو بمعنى حسن لكم وغيره قبيح أو بمعنى خير لكم من أموالكم وأنفسكم فإنـَّهما إلى التلف والهلاك والخسران إذا لم يكن الإيمان.

 

 {إن كنتم تعلمون(11)} هو خير لكم علموا أو لم يعلموا فليس جواب إن من قوله: {ذلك خير لكم} إذ لا تتقيدوا خيرته بعلمهم أنـَّه خير، فالجواب إن كنتم تعلمون أنَّ ذلك خير تصديتم له وعملتم به، فلتعلم مفعول كما رأيت أو إن كنتم من أهل العلم علمتم أنَّ ذلك خيرا وإن علمتم حـقًّا أنـَّه خير كان خيرا لكم لأنـَّه إن لم يتحققوا لم يرغبوا فلم يكن لهم فيه مفعول لأنـَّهم لا يعلمون به وإن علموا بلا تحقيق لم ينفعهم فلم يكن لهم خيرا، والواجب أن يتحققوا ويعملوا فيكون خيرا لهم والجاهل لا يعتد بعمله لأنـَّه لا يحسنه ولا يخلص فلا يفلح والمؤمنون حققوا ذلك، قال ابن عبـَّاس: «لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا» فنزل: {هل أدلكم [357] عَلَى تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فمكثوا ما شاء الله يقولون: «يا ليتنا نعلم ما هي» فدلهم بقوله: {تومنون بالله...}إلخ وإن قلت ما وجه قوله: {تؤمنون بالله ورسوله} مع قوله: {يا أيـُّها الذين ءامنوا} وهل هذا إِلاَّ تحصيل الحاصل.

 

 قلت: وجهه أنَّ المـُرَاد تدومون على الإيمان بالله ورسوله أو تزيدون فيه، قال الله جلَّ وعلا: {فزادتهم إيمانا}، {ليزدادوا  إيمانا} أو تجدودن الإيمان بهما كوضوء على وضوء، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من جدَّد وضوءه فكانما جدَّد إيمانه» أو ذكر الإيمان بهما تمهيدا لذكر الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس كما قال في قوله تعالى: {فإن لله خمسه} إنَّ ذكر الله تمهيد لذكر ما بعد، كما تقول: زيد رجل شجاع، وقد علم أنـَّه رجل، وذلك كله لأنَّ الذين آمنوا هم المؤمنون القائلون: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله، وأمـَّا لو قلنا المراد المراد([148]) بالذين ءامنوا المنافقون المؤمنون بألسنتهم فقط فلا إشكال، فالمراد: يا أيـُّها الذين ءامنوا بالله ورسوله بألسنتهم، تؤمنون بالله ورسوله من قلوبكم وتجاهدون...إلخ وكذا لو قلنا المراد اليهود والنصارى المؤمنون بالتوراة والإنجيل لا إشكال فالمراد: يا أيـُّها الذين ءامنوا بالتوراة والإنجيل تؤمنون بالله ورسوله إيمانا حقيقا مستتبعا للإيمان بالقرآن بل الإيمان برسوله إيمان بالقرآن، لأنـَّه أرسل به.

 

 {يغفر لكم ذنوبكم} تقدَّم أنـَّه جزم في جواب تؤمنون وتجاهدون بمعنى آمنوا وجاهدوا، أي إن آمنتم وجاهدتم يغفر لكم ذنوبكم، وقيل: الجزم في جواب الأمر مثلا بالجملة، وفيه أنَّ الجملة لا تعمل الجزم وَلو كان كذلك لكان عاملان، وهما تؤمنون وتجاهدون على معمول واحد، وذلك لا يجوز ولا يخلص من ذلك جعله لتؤمنون أو لتجاهدون ويقرر الآخر لأنَّ غفر الذنوب لا يجزي فيه الإيمان وحده أو الجهاد وحده، ويجوز أن يكون في جواب استفهام محذوف أي: هل تقبلون أنَّ أدلكم يغفر لكم، ولايجوز  أن يكون في جواب هل أدلكم لأنَّ غفران الذنوب لا يلزم من الدلالة بل من العمل بالمدلول عليه، وتقدير إن دللتكم وعملتم بدلالتي يغفر لكم ذنوبكم، محوج لتقدير قولنا وعملتم بدلالتي إِلاَّ أنـَّه يسهل الجزم [358] في الجواب هل أدلكم أن المعنى كما مَـرَّ: اتجروا تجارة تنجيكم ويجوز أن يكون «يغفر» جواب «إن كنتم تعلمون»، أي إن كنتم تعلمون علما حقيقا مستتبعا للعمل.

 

 {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} من تحت أنهارها، {ومساكن طـيِّبة في جنات عدن} نعت ثان لمساكن أو حال، والعدن الإقامة وطيب المساكن بطيب هوائها، لا حر ولا قرَّ، وبكونها من ذهب وفضة ومفرشة بالزعفران والمسك تحت فرش الحرير وعدم أذى فيها. {ذلك} أي ما ذكر من غفران الذنوب وإدخال الجنات والمساكن الموصوفة بما ذكر. {الفوز العظيم(12)} الفلاح والظفر العظيم، والصيغة صيغة حصر أي لا فوز عظيم غير ذلك وعظمه بكونه في غاية الحسن مع الدوام.

 

 {وأخرى} أي ونعمة أخرى مع النعمة المذكورة التي هي غفران الذنوب وإدخال الجنات والمساكن المذكورات، وقال الفراء: «خصلة أخرى»، وقيل: وتجارة  أخرى،  وأساغ هذه الأوجه أنَّ غفران الذنوب وإدخال الجنات والمساكن خصال ونعم وتجارات، والنصر والفتح خصلة أخرى ونعمة أخرى وتجارة أخرى، وأنَّ ذلك واضح ولم يذكر بلفظه من ذلك الألفاظ تجارة فإنـَّه  ذكر قبل ذلك إِلاَّ أنـَّه لا يقوى إِلاَّ أنـَّه لا يقوى([149]) أن يسمي النصر تجارة ولا إدخال الجنات والمساكن والغفران، لأنـَّهنَّ لسن من أفعال الإنسان بل من فعل الله، بخلاف الإيمان والجهاد بهما فعل للإنسان، فالواضح أن يقدر، ونعمة أخرى وبعده خصلة أخرى، وأمـَّا تسميتهن تجارة فمن تسمية المسبب باسم السبب فالسبب الإيمان والجهاد والمسبب الإيمان والجهاد ولفظ «أخرى» مبتدأ.

 

{تحبُّونها} خبر أو نعت.

 {نصرٌ} خبر لمحذوف أي هي نصر أو خبر لأخرى، وتحبونها نعت {من الله} نعت نصر {وفتح قريب} والمراد النصر على الكفَّار وفتح مكَّة، ومعنى قريب عاجل ويجوز أن يكون أخر([150]) مبتدأ محذوف الخبر أي ولكم نعمة أخرى عاجلة في الدنيا مع الغفران وإدخال الجنات والمساكن الطـيِّبة فيكون النصر بدلا منه أو عطف بيان على جوازه في النكرات ويجوز أن يكون أخرى مفعولا لمحذوف مجزوم معطوف على يغفر، أي: ويعطكم أخرى ونصر خبر لمحذوف أي هي نصر، وقرئ نصرا من الله وفتحا قريبا، أي أعني نصرا من الله وفتحا قريبا، أو على الإبدال أو البيان من أخرى على تقدير ويعطكم [359] أخرى أو بالنصب على الاشتغال أي وتحبون أخرى تحبونها نصرا من الله وفتحا قريبا أو مفعول مطلق أي تنصرون نصرا من الله ويفتح عليكم فتحا قريبا وعلى كلِّ حال ففي ذكر تحبونها تعريض بأنَّهم يؤثرون العاجل على الآجل.

 

 {وبشـِّر المؤمنين(13)} عطف على تؤمنون فيما قيل لأنـَّه بمعنى آمنوا، أي آمنوا وجاهدوا أيـُّها المؤمنون وبشر المؤمنين أيـُّها الرسول كقوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك} أي يازليخاء، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم} من كلام الله، وإن قلنا من كلام رسوله على تقدير القول جاز عطف «بشِّر» على هذا القول المقدر، أي قل: يا محمَّد {هل أدلكم...}إلخ وبشر يا محمَّد المؤمنين والتبشير على كل حال بالأخرى وهي النصر والفتح القريب على ما يظهر بقرب الذكر، ولأنـَّه الأمر الذي يغلب حضوره في النفس، ويجوز أن يكون التقدير بشر المؤمنين بالغفران وإدخال الجنات والمساكن الطـيِّبة والنصر من الله والفتح القريب .

 

{يا أيـُّها الذين ءامنوا كونوا أنصارا لله} إمـَّا على تغلب الاسمـيَّة فلله  نعت لـ«أنصارا» كما يقال: حزب الله أو جند الله، وإمـَّا على بقاء الوصفية فاللام للتقوية دخلت على مفعول «أنصارا» أي كونوا ناصرين لله وقرأ ابن مسعود: «أنصار الله» بإضافة أنصار لله، والمراد في جميع ذلك أنصار دين الله وقراءة  الإظافة([151]) ظاهرها الحصر وليس مراد بل المراد بعض أنصار الله، وقرئ كونوا أنتم أنصار الله بالإضافة، أي لا من لم يؤمن  بي وكذا يأوّل الحصر في قراءة ابن مسعود.

 

 {كما قال عيسى ابن مريم للحواريـِّين من أنصاري إلى الله} ما مصدرية ويقدَّر مضاف أي كواقعة قول عيسى وهي نصر الحواريين إيـَّاه فكأنـَّه قيل: انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لـمَّا قال عيسى: {من أنصاري إلى الله}، قال عطاء: «يعني من ينصرني وينصر دين الله»، وقيل: «المعنى يا أيـُّها الذين آمنوا كونوا أنصارا لرسول الله كنصر الحواريين عيسى» وذلك كواقعة عيسى، ويجوز تقدير القول يحصل به تناسب التشبيه أي قل لهم يا محمَّد: كونوا لي أنصارا لأجل الله أو كونوا أنصار الله معي {كما قال عيسى...}إلخ والنصر بالجهاد لا يختصُّ بهذه الأمـَّة [360] و«إلى الله» متعلِّق بمحذوف جوازا وهو كون الخاص حال أي متوجها إلى الله وصاحب الحال الياء ولو كانت مضاف إليها، والمضاف صالح للعمل على أنَّ معنى أنصار ناصرون فهو وصف للاستقبال، والحواريون أصفياؤه وهم أوَّل من آمن به وكانوا اثنا عشر رجلا، وذلك من الحور وهو البياض الخالص، وكانوا بيض الأجسام والثياب، وقيل: يبيضون الثياب بالغسل أو يصبغونها بالأبيض للناس وأصحاب عيسى قالوا نحن أنصار الله كما قال.

 

 {قال الحواريـُّون نحن أنصار الله} وكذ قال أصحاب محمد سيدنا صلى الله عليهما وسلم وذكر ما قال أصحاب عيسى لمضيه فيخبرنا به ولم يذكر ما قال أصحاب سيـِّدنا محمَّد لأنَّ القرآن في زمانهم وأمرهم مشاهد، وأيضا خطاب عيسى بطريق السؤال فلزم جوابه عليه السلام وخطاب سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بطريق الإلزام والإيجاب، فالإلزام الامتثال لا الجواب، وإضافة «أنصار» إلى الياء إضافة للمفعول وكذا إضافة أنصار إلى لفظ الجلالة، إِلاَّ أنَّ المـُرَاد في الأوَّل التناصر إلى الله ينصرونه إلى الله وينصرهم، والثاني لا تناصر فيه بل المعنى نحن ننصر الله.

 

 {فآمنت طائفة من بني إسرائيل} بعيسى ونصروه {وكفرت طائفة} به وعصوه وبهتوه وقالوا: «ساحر وابن ساحر» وقاتلوهم وأرادوا قتله والطائفة الأولى النصارى من ذلك اليوم والأخرى اليهود من ذلك اليوم.

 

 {فأيدنا الذين آمنوا} وهم النصارى من ذلك اليوم إذ آمنوا به ولو ألحَدَ بعضٌ بقوله: إنـَّه إلهٌ وبعض بقوله: إنـَّه ابن الله وهذه ردة لما لم يسمّوه ساحرًا، قال عنهم: إنـَّهم آمنوا، {على عدوِّهم} هم الطائفة الأخرى الكافرة وهم اليهود من ذلك اليوم وَعَلَى سائر الأديان كما قال مجاهد ومقاتل وابن سليمان ومقاتل بن خيان: «أيـَّد الله النصارى على اليهود بالحجـَّة والسيف»، وهم من ذلك اليوم مقهورون تحت النصارى وكل من هؤلاء اليهود والنصارى من بني إسرائيل.

 

 {فأصبحوا} أي الذين آمنوا {ظاهرين(14)} غالبين عَلَى الطائفة الكافرة ولـمَّا أرسل الله أفضل الرسل سيـِّدنا محمَّدا صلَّى الله عليه وسلَّم كان حجـَّة عَلَى اليهود والنصارى كلّهم فقهَرَهُم جميعـًا [361] بالسيف والحجـَّة في زمانه وبعده وقيل: كلّ من الطائفة المؤمنة والكافرة مِمـَّن آمن بعيسى قال بعضهم لـمَّا رفع الله عيسى قالت فرقة: «كان عيسى هو الله فارتفع » لعنهم الله وأخزاهم وقالت فرقة:«كان هو ابن الله فرفعه إليه»، قبحهم الله وعجـَّل عذابهم وقالت فرقة: «كان عبد الله ورسوله» وهم المسلمون واتبع كلّ فرقة منهم طائفة من الناس فاجتمعت الفرقتان الملعونتان على الفرقة المسلمة، فقتلوهم وطردوهم، حتَّى بعث الله سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وظهرت الفرقة المسلمة عليها وذلك قوله عزَّ وعلا {فأيـَّدنا الذين آمنوا} وهي الطائفة المؤمنة على عدوهم وهم الملعونتان فأصبحوا ظاهرين عليهم، وظهر فيهم التغيير على عهده صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنكروا أيضًا القرآن والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم فظلوا وخسروا .

 

وقيل: أصبحت حجـَّة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ عيسى عبد الله ورسوله لا إله ولا ابن الله ولا حلول، صدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من قال بذلك من النصارى فالغلبة بالحجـَّة والظهور بها وبه قال زيد بن علي وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «افترقت المجوس على سبعين فرقة واليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى عَلَى اثتين وسبعين فرقة وستفترق أمَّتي من بعدي على ثلاث وسبعين فرقة والناجية من جميع الفرق فرقة قيل: يارسول الله من الناجية؟ قال: من تبع كتاب الله وسنتي».

 

 وذكروا أنـَّه لـمَّا رفع الله عيسى ابن مريم اختار له ما لديه فلبث قومهم ما شاء الله من بعده ثمَّ ظلوا([152]) وافترقوا عَلَى أربع فرق فرقة زعمت أنَّ المسيح ابن الله وفرقة قالت: «إنَّ الله ثالث ثلاث» وفرقة قالت: «إنَّ المسيح هو الله» وفرقة استقامت على دين الله وهم الأقل، إلى أنْ بعث الله نبي الرحمة محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم فمنهم من آمن به ومنهم من صدَّ عنه وكفر؛ وروي عن ابن عـبَّاس رضي الله عنهما: «لـمَّا اختلف النصارى بعد رفع المسيح اختاروا من علمائهم أربعة فأدخلوهم بيتاً وبين يدي البيت رحبة واسعة اجتمعت فيه النصارى، والعلماء داخل البيت، وهم الأربعة: يعقوب ونسطور وإسرائيل وملكان، وقالوا [362] لهم: لنا أمرا نتــَّبعه فقال يعقوب: «هل سمعتم لرجل منذ خلق الله السموات والأرض كان يحيي الموتى غير عيسى ابن مريم؟» قالوا: «لا والله» قال: «فهل سمعتم برجل قط كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرًا غير عيسى ابن مريم؟»، قالوا: «لا والله» قال: «فهل سمعتم لرجل قطُّ كان يبرأ الأكمه والأبرص والأعمى غير عيسى بن مريم؟» قالوا: «لا والله»، قال يعقوب:«فإنَّ صاحبكم الذي يعمل هذه الأشياء هو ربكم فادعوه هو الله، فكذبهم الآخرون فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك فاتبعته فرقة تسمَّى اليعقوبيـَّة وفيهم نزل: {لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم}.

 

 وقال نسطور: «لا أقول كما قال يعقوب لو كان المسيح هو الله لم يُعبَد الله لم يشرب ولم يأكل ولم يصحّ ولم يصلّ خوفاً وما كان ليصلب، أنتم بذلك تحكمون على المسيح فكيف يكون هو الله؟ ولكن أقول: ابنه فادعوه إنـَّه ابن الله فكذبه الاثنان الباقيان ثمَّ خرج إلى الناس فأخبرهم بذلك فاتبعته فرقة فسمية نسطورية: وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد كفر الذي قالوا إنَّ الله هو المسيح...}، {وقالت: النصارى المسيح ابن الله} وقال إسرائيل: «لا أقول بقول يعقوب ولا بقول نسطور ولكني أقول هو ثالث ثلاثة، ولم يقل عنه ملكان فخرج إلى الناس وأخبرهم بذلك فتبعته طائفة، وفيهم نزل قوله عزَّ وعلا: {لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاث}، وهم الروم وطائفة من بني إسرائيل، ثمَّ خرج ملكان على الناس فقال: «أشهد أن لا إله إِلاَّ الله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولَد ولم يكن له كفؤا أحد لا شريك له ولا ندَّ ولا ضدَّ» فأيـَّده الله بالحجـَّة، وفيهم نزل {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} بالحجَّة لأنـَّه قال: {ما المسيح بن مريم إِلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمـُّه صدِّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيـِّن([153]) لهم الآيـَات..} والله المستعان ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه.


 


[138]

-  كذا في الأصل، والصواب: «بدر».

[139]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تهكما».

[140]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فتتبعه».

[141]

-  كذا في الأصل، والصواب: «الضلال».

[142]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حفظها».

[143]

-  كذا في الأصل، والصواب: «يعظمه».

[144]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ناج».

[145]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المنافقين».

[146]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ساحر».

[147]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بمنعها».

[148]

-  كذا في الأصل، والصواب: - «المراد».

[149]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «إلاَّ أنـَّه لا يقوى».

[150]

-  كذا في الأصل، والصواب: «أخرى».

[151]

-  كذا في الأصل، والصواب: «الإضافة».

[152]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ضلوا».

[153]

-  في الأصل: «نصرف» وهو خطأ.