إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الجمعة
طباعـة

[363] {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يسبـِّح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدُّوس العزيز الحكيم(1)} ذكر في السورة قبل هذه أوَّلها: «سبـَّح» وأوَّل هذه: «يسبـِّح» ليدلَّ على أنـَّه سبـَّح له فيما مضى ويسبـِّح له فيما يأتي كما تقدَّم، وأولى من هذا أن يقال: سبـَّح للماضي ويسبـِّح للتجدُّد والاستمرار، فيشمل الماضي والآتي. وختم السورة قبل هذه بتأييد المؤمنين عَلَى الكافرين لحكمته، وفتح هذه بالتسبيح لنعلم أنـَّه منزَّه عن الاحتياج إلى إيمان المؤمن وتأييده إذ هو الغنيُّ عَلَى الإطلاق، ومن يسبـِّح له السماوات والأرض حقيق بأنـَّه الملِك ولا ملك أعظم منه، وذلك أنَّ تسبيحهم له لكونه خلقهم وملكهم وهم في قبضته وتصرُّفه، فهم لا يفترون عن تسبيحه، فهو متـَّصف بصفات الثبوت كالملك والعزَّة والحكمة، وصفات السلب كالقدس، فإنـَّه بمعنى انتفاء النقائص، كما قال الغزالي: «القدُّوس المنزَّه عمـَّا يخطر ببال أوليائه»، أي فكيف ببال غيرهم؛ وقيل: القدس البركة، فمعناه المبارِك ــ بكسر الرَّاء ــ {بارك فيها وقدَّر فيها...} إلخ، أو بفتحها بمعنى من يعتقد الخلق له البركة، فهو صفة ثبوت كالملك، والأربعة نعوت للفظ الجلالة. وقرئ برفع الأربعة إخبارًا عن محذوف، أي هو الملك القدوس العزيز الحكيم. وتقدَّم أنـَّه يقال: سبـَّحه وسبـَّح له، فكذا يسبـِّحه ويسبِّح له.

 

 {هو الذي بعث في الأمـِّيـِّين}: في القوم الذين هم كمن ولد من بطن أمـِّه لا يكتب ولا يعرف الكتابة وهم العرب، فإنَّ الكتابة فيهم قليلة وكذا قراءتها، فإنَّ من يكتب يقرأ ومن يقرأ يكتب. قيل: بدأت الكتابة بالطائف أخذوها من أهل الحيرة، وأخذها أهل الحيرة من أهل الأنبار، وأصلها من هود عليه السلام، فإنَّ لسانه وقلمه كلاهما عربيَّان، وذلك نسب إِلىَ الأمِّ الوالدة، وقيل: إلى الأمـَّة أمـَّة العرب، وذلك أنـَّه شهر أنَّ العرب أمـَّة لا تكتب ولا تقرأ قديما وحديثا، أهل مكَّة وغيرهم، فقال الله عزَّ وجلَّ إنـَّه بعث محمَّدًا في قوم منسوبين إِلىَ تلك الأمـَّة بأنـَّهم منهم وهم أهل مكَّة فإنـَّهم بعض العرب ينسبون إلى الجملة أو هم العرب الموجودون في زمان بعثه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وهم بعض من جملة العرب هكذا ينسبون إليهم [364] وقال ابن عـبَّاس: «الأمـِّيـُّون من لا نبيء لهم ولا رسول».

 

 والعرب كذلك بعد صالح وهود ومن شأن من له شيء وكتاب أن يتعلَّم الكتابة وقراءتها. وقرئ: «في الأمـِّين» بحذف ياء النسب. وكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من قوم أُمـِّـيـِّينَ ناشئا في بلادهم غير مجاور لمن يكتب ويقرأ أظهر في بيان أنـَّه رسول من الله جَلَّ جَلاَلُهُ، إذ كان يخبرهم بما في الكتاب السابق بلا إخبار مخبر له بها من الخلق، ولا قرأه له من كتاب، ويخبرهم بالغيوب، وكانت إشارة به في الكتب السابقة بأنـَّه أمـِّيٌّ. وَأَوَّل من كتب آدم قبل موته بثلاثمائة، كَتَب في طين ثمَّ طبخه، ولـمَّا غرقت الأرض في زمان نوح عليهم السلام بقيت الكتابة، فأصابت كلَّ طائفة لعنهم، وبقي لسان العرب إلى زمان هود، فعلَّمه الله له، ويقال: كان قبله عند أبيه عابر فأوحى الله إليه به.

 

 وقيل: خفي لسان العرب إِلىَ أن خصَّ الله به إِسماعيل فأصابه وتعلَّمه، ولعلَّ المراد مزيد الفصاحة، وإلاَّ فإنـَّما تعلم العربيـَّة من جرهم وثمود وهم من قوم هود وصالح. وذكر ابن قتيبة: [أنَّ] أَوَّل من كتب إدريس عليه السلام. وعن كعب الأحبار رحمه الله: «أوَّل من كتب بالعربيـَّة آدم عليه السلام، ثمَّ وجدها بعد الطوفان إِسماعيل عليه السلام». وعن ابن عـبَّاس: «أوَّل من كتبها ووضعها إسماعيل على لفظه ومنطقه».

 

 وعن عروة بن الزبير: «أوَّل من كتب بها قوم من الأوائل أسماؤهم أبجد وهوز وحطي وكلمن وصعفض وقرست وتخذ وضغش، وكانوا ملوك مدين. وحكى ابن قتيبة أنَّ أوَّل من كتب مرامر بن صورة بِالعَرَبِـيَّةِ من أهل الأنبار ومنهم انتشرت. وحكى المدايني أنَّ أوَّل من كتب بها مرامر بن مروة وأسلم بن سدرة وعامر بن حودة، فمرامر وضع الصور وأسلم وصل وفصل وعامر وضع الإعجام. وقال صاحب التيجان: «أوَّل من كتب العربيـَّة هود عليه السلام». وكانت قريش تكتب قبل مبعث النبيء عليه السلام. قال زيـَّاد بن أنعم: «قلت لابن عـبَّاس: معشر قريش كنتم تكتبون في الجاهلـيَّة قبل أن يبعث الله النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ» قال: «نعم»، قلت: «فمن علم الكتابة؟»، [365] قال: «حرب بن أميـَّة»، قلت: «فمن علَّمه؟» قال: «عبد الله بن جدعان» قلت: «فمن علَّم عبد الله بن جدعان؟» قال: «أهل الأنبار» قلت: «فمن علم أهل الأنبار؟» قال: «طراطار[كذا] عليهم من أهل اليمن من كندة» قلت: «فمن علَّم ذلك الطاري؟» قال: «الخلجان كاتب هود نبيء الله بالوحي، أنزل عليه صحيفة أمره فيها بالحجِّ إلى بيت الله وأنزل عليه ما ألقى على أبيه عابر من العربـيَّة».

 

{رسولا منهم}: نسبا وبلدا إلى الناس كلِّهم وهو سيـِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، نشأته في الأميين ورسالته إلى الإنس والجنِّ كلِّهم.

 

{يتلو عليهم آياته}: مع كونه أمـِّيـًّا مثلهم لم يقرأ ولم يتعلَّم الكتاب ولا الأخبار. والآيات: القرآن الكريم كتاب الله، أو البـيِّـنات التي تبيـِّن رسالته وتظهر نبوءته. والجملة نعت ثان لِـ«رَسُولا»، والأوَّل «منهم»، ويجوز تعليقه بـ«بعث».

 

{ويزكِّيهم}: أي يظهرهم([1]) من الشرك والمعاصي قولا وفعلا واعتقادًا، أو يجعلهم أزكياء بالتوحيد واتـِّباع الحقِّ، ومأصدق الوجهين واحد، وإسناد التزكية إليه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من الإسناد إلى السبب فإنَّ المزكِّي تحقيقًا هو الله جَلَّ جَلاَلُهُ، فإنـَّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يدعوهم إلى الحقِّ ودعاء([2]) سبب لزكاتهم.

 

{ويعلِّمهم الكتاب}: القرآن، وهو الألفاظ التي تعبـِّدنا بها لا بغيرها إلى لفظ آخر [كذا] ولو ظهر لنا أوفى بالمعنى.

 

{والحكمة}: معانيه التي يدركها السامع من ألفاظه، أو بتفسيره صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أو تـبـيـينه ما أجمل، وتقييده ما يقيَّد من الله. فالكتاب ألفاظ القرآن والحكمة معانيه؛ أو الكتاب ألفاظ القرآن، والحكمة معانيه وسائر ما يوحى إليه غير القرآن؛ أو الكتاب القرآن، وهو شامل لمعانيه لتضمُّـنه إيـَّاها، والحكمة سائر ما يوحى إليه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ أو الحكمة هي القرآن فإنَّ لفظه حكمة ومعانيه حكمة. سمــَّاه كتابا لأنـَّه مكتوبا([3]) في اللوح المحفوظ بألفاظه وترتيبه الذي هو اليوم، ويكتبه الخلائق، وقد كتبـته الملائكة؛ وسمــَّاه حكمة لأنـَّه صواب وإرشاد ومتقن، وهذا كما تقول في إنسان واحد: أكرم العالم والشجاع، تريد أكرم الجامع بين العلم والشجاعة. وأيضا الكتاب: القرآن.

 

 والحكمة وجه التمسُّك [366] بها؛ وقيل: الكتاب: القرآن والحكمة الفرائض، وفيه أنـَّه لا دليل على تخصيص الفرض، بل المـُرَاد الفرض والمستحب من فعل وترك. ولعلَّ المـُرَاد بالكتاب القرآن وبالحكمة السنَّة مِمَّا أوحي إليه أو لم يوحَ مِمَّا يجتهد فيه على القول باجنهاده، وما يفعله من الآداب، وكلُّ ما يسمَّى سنـَّة له صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وهذا أَعَمُّ. وكلٌّ من قوله: «يزكِّيهم» و«يعلِّمهم» صفة لكن بتوسُّط العطف، وكلُّ واحدة مرتـَّبة في الوجود على التلاوة، فإنَّ التزكية والتعليم إِنـَّمَا هما بالتلاوة في الجملة وبعدها. وإنـَّما وسَّط التزكية بين التلاوة والتعليم للإيذان بأنَّ كلَّ واحد من التزكية والتعليم نعمة جليلة عَلَى حدة يجب شكرها. والتزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب قوَّتها العمليـَّة وتهذيبها التفرُّع على تكميلها بحسب القوَّة النظريَّة الحاصل بالتعليلم المترتـِّب على التلاوة.

 

 كما قال بعض المحقِّقِينَ: والتعليم قبل التزكية، والتزكِّي بعد التـَّعَلُّم، فلو قدِّم التعليم عَلَى التزكية ــ كما ترتـَّب في الوجود ــ لتبادر أنَّ مجموعة التلاوة والتعليم والتزكية نعمة واحدة، ولذلك تارة يسمَّى القرآن آيات لأنـَّه دلائل، وتارة هدى لأنـَّه إرشاد، وتارة نور لأنـَّه يقطع به على ما يفعل وعلى ما يترك وينجى به من المهاوي والمهالك، وتارة حكمة لأنـَّه متقن لا خلل فيه لفظا ولا معنـًى ولا تأويلاً، وكلُّ واحد من هذه المعاني ونحوها نعمة على حدة.

 

{وإن كانوا من قبل}: أي وأنـَّه([4]) كان الأمِّيون وهم المذكورون ــ ويلحق بهم غيرهم ــ أو كان المرسل إليهم كلُّهم وهم الجنُّ والإنس كلُّهم وهم غير مذكورين لكن دلَّ عليهم ذكر الرسول بلا ذكر لمن أرسل فعدم ذكر من إليه أرسل للعموم. و«إن» مخفَّفة من الثقيلة، واللام لام الفرق بين النفي والإثبات، ولو ظهر أنـَّه ليس المراد نفي كونهم في ضلال بل واضح أنَّ المراد إثبات ضلالهم فقد تذكر لام الفرق مع وضوح الإثبات للتأكيد. و«من قبل» بمعنى من قبلِ بعث الرسول.

 

{لفي ضلال مبين(2)} غواية عن الدين سواء من عبد الأصنام ومن لم يعبدها إذكانوا كلُّهم على غير دين نبيء ومن عبد الأوثان ففيه عبادة غير الله عزَّ وعلا وسائر خبث الجاهلـيَّة، ومن لم يعبدها ففيه عدم معرفة الله جَلَّ جَلاَلُهُ وصفاته الواجبة على الفور [367] وسائر خبث الجاهليـَّة وعدم العبادة والعلم الواجب تعلُّمه، فالكلُّ مفتقر إلى من يرشده؛ فالآيـَة بيان لشدَّة حاجتهم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في الإرشاد ولو لم يشعروا بالاحتياج، ومُزيحة لتوهُّم أنـَّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تعلَّم عن غيره من البشر أو الجنِّ. إن قال قائل الآيـَة تدلُّ على أنَّ محمَّدا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مبعوث إلى الأُمـِّـيـِّينَ وهم العرب خاصـَّة، قلت: ليس ذلك مـُرَادًا في الآيـَة لقوله تعالى: {تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا}، وقوله تعالى: {كافـَّة للناس} ونحو ذلك من العموم، وقوله: {يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ونحو هذا مِمَّا يدلُّ على أنـَّه مرسل إلى أهل الكتاب؛ وأيضا وليس كونه مبعوثا إلى الأُمـِّـيـِّينَ «يتلوا عليهم...»إلخ حكما بأنـَّه مبعوث إليهم خاصـَّة، وكم رسول يذكر أنـَّه بعثه الله إلى قرية كذا وقوم كذا وَهُوَ مبعوث أيضًا إلى غيرهم؛ وأيضًا إذا سلَّموا أنـَّه رسول ــ ولو إِلىَ العرب خاصـَّة عَلَى زعمهم ــ لزمهم أنـَّه لا يكون كاذبا، وقد تواتر أنـَّه قال: «بعث([5]) إلى الأحمر والأسود» فلا يكون كاذبا في قوله أنـَّه بعث إلى الأحمر والأسود.

 

{وآخرين منهم}: عطف على الأُمـِّـيـِّينَ أو عَلَى هاء «يعلِّمهم»، وهاء «منهم» عائد إِلىَ الأُمـِّـيـِّينَ؛ فالمـُرَاد بـ«آخرين» من يأتي من العرب ولم يوجد في وقت البعثة ويأتي بعدُ في زمانه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، والمـُرَاد التابعون إِلىَ يوم القيامة من العرب فتكون الآيـَة في العرب ودخل غيرهم بغير هذه الآية، ويجوز أن يراد بالآخرين العجم فهو مبعوث للعرب والعجم، ويشكل على هذا التفسير قوله: {منهم}، فإنَّ العجم من غير العرب لا منهم، ويجاب بأنَّ العجم إذا أسلموا كانوا من العرب في الإسلام، قال الله عزَّ وجلَّ: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} والمؤمنون كأمـَّة واحدة ولو اختلفوا بالجنس، والعرب سبقوا بالاسلام فيلحق بهم غيرهم. بقي إشكال هو أنَّ الأُمـِّـيـِّينَ المبعوث هو فيهم ليسوا كلُّهم  آمنوا فكيف يلحق بهم من آمن؟

 

 الجواب: أنَّ المـُرَاد بالأُمـِّـيـِّينَ من آمن بعد بعثـه منهم، بدليل قوله: {أنـَّهم كانوا في ضلال مبين}، فإنـَّه يفهم أنـَّهم بعد مبعثهم ليسوا في [368] ضلال، ويناسبه قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، ومن لم يؤمن فهو بمعزل عن المـُرَاد في الآية ولو عمَّـته الدعوة وغير المؤمنين لا يزكِّيهم ولا يعلِّمهم الكتاب والحكمة، فالمـُرَاد في الآية بالأُمـِّـيـِّينَ من آمن؛ ولا يخفى أنـَّه يجوز أن يراد بالأُمـِّـيـِّينَ العرب مطلقا لا خصوص من آمن بعد بعثه، وأنَّ «يزكِّيهم ويعلِّمهم» يعرض عليهم التزكية والتعليم، فمنهم من قبل ومنهم من لم يقبل، وأنـَّهُم كلُّهم قبله في ضلال لا يجدون الهداية، وبعده وجدوها فمنهم من قبلها ومنهم من ردَّها، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الله أن يقبله، ويصرفه عمَّن يشاء أن لا يقبله. و«منهم» على كلٍّ نعتٌ لـ«آخرين»؛ ويجوز تعليقه به عَلَى معنى متمايزين منهم، أو خارجين عنهم فيراد بـ«الآخرين» العجم بلا إشكال.

 

{لمــَّا يلحقوا بهم} نعت لـ«آخرين». و«لـمَّا» لنفي ما إثباته منتظر، أي لم يلحقوا به في الزمان وسيلحقون، أو لمـَّا يلحقوا بهم في الإسلام وسيلحقون فيه، جَمَعهم وهؤلاء زمانٌ أو لم يجمعهم؛ والباء للإلصاق.

 

{وهو العزيز} المبالغ في العِزَّة.

 

{الحكيم(3)} البالغ في الحكمة، فهو غالب لا يعجزه شيء ولا يردُّ عمـَّا أراد ولا يكون فعله أو قوله أو فعله سفها ولا مخلَّلا، ولذلك قدَّر أن يجعل رجلا أمـِّيـًّا أفضل الخلق رسولا إليهم كلِّهم.

 

{ذلك}: ما ذكر من تأثير التزكية للمؤمنين والتعليم كما ذكرته بقولي: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الله أن يقبله...إلخ، أو ما ذكر من كونه مبعوثا في الأُمـِّـيـِّينَ ذا تزكية وذا تعظيم. {فضل الله}: عَلَى الذين أثـَّر فيهم تزكيته وتعليمه أو عليه هو إذ جعله نبيـئا رسولا يتلوا ويزكِّي ويعلِّم مع أنـَّه أُمـِّيٌّ؛ أو ما ذكر من جعله هكذا وتأثير التزكية والتعليم فضل الله عليه وعليهم.

 

{يؤتيه من يشاء}: إيتاءه وهو النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أو من آمن بها أو كلاهما تفضُّلا وهبة.

 

{والله ذو الفضل العظيم(4)} الذي هو فوق نعم الدنيا ونعم الآخرة، فإنَّ الإيمان بالله ورسله والاشتغال بعبادته في إخلاص ألذُّ شيء وأحلاه في نفس الأمر، تـقطن([6]) له من تـفطَّن، ولم يتفطَّن له من لم يتفطَّن؛ وأيضا هو أعظم الأمور، لأنـَّه خدمة لله وإذعان إلى حقِّه؛ أو ذلك فضل الله عَلَى جميع خلقه في [369] جميع الأزمنة، كلُّ أهل زمان بنـبـيـئه وكتابه؛ أو عَلَى الأمـَّة قَبِلَ ذلك مَن قبل، وأبى مَن أبـَى. ثمَّ رأيت ــ والحمد لله ــ عن ابن عـبَّاس رضي الله عنها([7]) أنـَّه يريد أنـَّه ذو الفضل العظيم، حيث ألحق العجم وأبناءهم بقريش إذ آمنوا في درجة الفضل من الإيمان وجهلهم([8]) كمن شهد الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مؤمنا به». ورأيت ــ والحمد لله ــ عن مقاتل بن سليمان: «{ذلك فضل الله}: الإسلام يؤتيه من يشاء». وعن مقاتل بن حبان([9]): «يعني الـنـبوءة فـضل الله خصَّ بها سيـِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ومن لم يعرف ذلك ولم يذعن له ولا كتاب له من قبل فهو كحمار لم يحمل أسفارًا، غير أنـَّه مقطوع العذر، بل الدوابُّ تعــرف نبوءته صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وفضله، ومن لم يعرف ذلك أو لم يذعن له وله كتاب كالتوراة فهو كحمار يحمل كتبا ولا يدري ما فيها».

 

{مثل الذين حمـِّلوا التوراة}: كلَّفهم الله أن يتحمَّلوا التوراة قراءة وكتابة وفهما وعملاً.

 

{ثم لم يحملوها}: لم يعملوا بما فيها، وقد حملوها قراءة أو كتابة أو فهما.

 

{كمثل الحمار يحمل أسفارا}: كتب يتعب في حملها ولا ينتفع بما فيها، وإنـَّما فسرنا «لم يحملوها» بـ«لم يعملوا بها» فإنـَّهم قد حملوها قراءة أو كتابة أو فهما، لأنَّ الحمار الذي شبـِّهوا به قد حمل أسفارًا، ووجه الشبه الجامع عدم الثمرة لعمل، ولو عملوا بالتوراة لآمنوا به صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لأنـَّه مذكور فيها أنـَّه رسول من الله، ومنهم من يقرأ ذلك فيها ويكتبه ويفهمه أو لا يفهمه ولا يؤمن به فهو كحمار حمل أسفارَ عِلمٍ لا يعمل بما فيها، وكلُّ واحد من القراءة والكتابة والفهم حمل، كما أنَّ العمل بها حمل؛ ودخل في التشبيه بالحمار مَن فهم منها أنَّ سيـِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رسول إلى اليهود وغيرهم وأعرض وكتم وأنكر وقال ليس هو محمَّد، أو قال: هو محمَّد لكنـَّه أرسل إلى العرب أو إلى من لا كتاب له؛ ومن لم يفهم([10]) ذلك منها وذلك خطأ عظيم، لأنَّ العرب ومن ادَّعوا أنـَّه لا كتاب له غير معذور في ترك العمل بما في التوراة والإنجيل قبل بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وإِلاَّ فبماذا يستحلُّون دم من استحلَّ السبت وماله، فيبقى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ على ذلك [370] بلا أمـَّة يرسل إليها مع أنـَّه رسول الله، وذلك متناقض فتبيَّن أنـَّه مرسل إلى الخلق كلِّهم وهم كلُّهم خوطبوا بالتوراة والإنجيل.

 

 ومن ذلك قوله: {كافـَّة للناس}، وقوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}. ويجوز أن يراد بتحميل التوراة إلزامهم إيـَّاها وإظهار برهانها، حتَّى كأنـَّه علمها مَن لم يعلمها، وبعدم حملها عدم العمل بها مِمـَّن علمها وممــَّن لم يعلمها بدرس ولا كتابة ولا فهم، والحمل عَلَى كلِّ حال من الحمل على البدن كالظهر، إلاَّ أنـَّه في شأنهم معقول لا محسوس، ومجاز لاحقيقة، وفي شأن الحمار محسوس وحقيقة؛ ويجوز أن يكون التحميل والحمل من الحمالة بمعنى الكفالة، لا من معنى الحمل على الظهر ألزمهم الله أن يتكفَّلوا بالتوراة قراءة وفهما وعملاً وكتابة فقصَّروا إذ خالفوا وكتموا وغيـَّروا بالتحريف والتبديل. وفاعل التحميل على كلِّ حال هو الله عزَّ وجلَّ، أي مَثَل الذين حمـَّلهم الله التوراة، ثمَّ إنَّ وجه شبههم بالحمار في تفسير ذلك بالكفالة أنـَّه عزَّ وجلَّ أمرهم بالكفالة فعالجوها ولم يفوا بها فهم في علاجها بلا وفاء كحمار يحمل أسفارًا بلا معرفة لشأنها، وبلا انتفاع بها؛ والتفسير بغير الكفالة أَعَمُّ فائدة، وأظهرُ وجهَ شبهٍ. واختار الشبه بالحمار لبلادته كما يضرب به وبالبقر المثل في البلادة، والمعتاد في الحمل الحمار لا البقر فشبَّههم به، وأيضا الحمار أذلُّ وأهون، والصبيُّ يسوقه ويتصرَّف به. وحمل الأسفار به أليق لسهولته وقصره، وأيضا ناسَبَ الأسفار بالألف والراء.

 

 وجملة «يحمل» حال من «الحمار» ولو كان مضافا إليه، لأنَّ المضاف كجزئه في صحَّة الاستغناء عنهم، إذ لو قيل: كالحمار يحمل أسفارًا لفهم المـُرَاد بلا تكلـُّف. و«المـَثَل» الصفة، قيل: أو الجملة نعت «الحمار»، لأنَّ «الـ» فيه للجنس فجاز نعته بالجملة كالنكرة و«أسفار» جمع سِفر بكسر السين وإسكان الفاء.

 

{بئس مثل القوم الذين كذَّبوا بآيات الله}: هذا ذمٌّ لمثلهم فهو ذمٌّ لهم، إذ يلزم من ذمِّ الصفة ذمُّ الموصوف، ومَثَلهم هو ما ذُكر من مَثَل الحمار؛ و«الذين كذَّبوا بآيات الله» هم الذين حمـِّلوا التوراة ثمَّ لم يحملوها إذ كذَّبوا بما فيها من الآيات الناطقة برسالة سيـِّدنا محمَّد والبشارة به صَلَّى [371] اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كما قال ابن عـبَّاس ومقاتل بن سليمان؛ وقد يكذِّبون أيضًا بغير ذلك من التوراة. وقيل: المـُرَاد بالآيات التوراة كلُّها، لأنَّ من كذَّب ببعض كتاب الله فقد كذَّب به كلِّه، كما أنـَّه من كذَّب كتابا أو بعضه فقد كذَّب الكتب كلَّها والرسل كلَّهم، ومن كذَّب رسولاً فقد كذَّب الرسل كلَّهم والكتب اكلها([11])، ورجَّح هذا بعض المحقِّقِينَ هنا. والتفسير محذوف أي بئس وصفاً أو كلاما أو مثلاً. و«مَثَلُ» فاعل والمخصوص بالذمِّ، محذوف أي: بئس مثل القوم الذين كذَّبوا بآيات الله مثل هؤلاء الذين مثلهم كمثل الحمار. و«الذين» نعت «القوم» محلُّه الجرُّ، أو هو المخصوص بالذمِّ مرفوع المحلِّ، لكن يقدَّر مضاف، أي مثل الذين؛ وأمـَّا أن يجعل فاعل «بئس» مستترًا مفسَّر بتمييز محذوف فلا يصحُّ، لأنَّ شرط ذلك ذكر التمييز حتَّى يصحَّ التفسير به.

 

{والله لا يهدي القوم الظالمين(5)} الواضعين للتكذيب لمحمـَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ موضع التصديق، أو الظالمين لأنفسهم بنقص حقِّها بتفويت الجـنَّة والتعرُّض للعذاب المقيم الخالد؛ والمـُرَاد في ذلك كلِّه من حمـِّلوا التوراة ثمَّ لم يحملوها؛ فمقتضى الظاهر: بئس مثلهم والله لا يهديهم، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالتكذيب والظلم. ويجوز أن يراد بالظالمين مطلق الظالمين، وكذا القوم الذين كذَّبوا، والآيـَة تشمل بالمعنى مَن حفظ القرآن أو بعضه ولم يعمل به، فهمه أو لم يفهمه، فإنـَّه في ذلك كحمار يحمل أسفارًا في عدم التنبـُّه والعمل. قال ميمون بن مهران: «اتبعوا القرآن يا أهل القرآن قبل أن يتبعكم»، أي اجعلوه إمامًا لكم تقتدون به قبل أن يطالبكم بحقِّه فلا تجدوا مخلِّـصا.

 

{قل يا أيـُّها الذين هادوا إن زعمتم أنـَّكم أولياء لله من دون الناس فتمنـَّوا الموت إن كنتم صادقين(6)}: جمعوا التكذيب بآيات الله في شأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وغيره إلى قولهم: {نحن أبناء الله وأحبـَّاؤه}، وقولهم: إنَّ الدار الآخرة خالصة لنا، وقولهم: {لن يدخل الجـنَّة إِلاَّ من كان هوداً...} فأمر الله جلَّ وعلا رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يكذِّبهم ويفضحهم بِأَن يقول لهم: إن اعتقدتم كما في ألسنتهم أنـَّكم خالصةُ أولياء لله من دون سائر الناس فتمنَّوا الموت أن يميتكم الله فتخرجون من دار البلاء إلى دار الكرامة [372] فإنَّ من أيقن أنـَّه من أهل الجـنَّة أحبَّ أن يتخلـَّص إليها من دار البلاء، ومعنى «هادوا» تهوَّدوا أو انتسبوا إلى قول من قال من أوليائهم: «إنـَّا هدنا إليك»، والزعم قول قارنه اعتقاد، هذا أصله، لـمَّا كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عالما بأنـَّهم قالوا بألسنتهم طيق([12]) ما في قلوبكم كما هو مدلول الزعم، فتمنـَّوا الموت، بقوله([13]): {إن كنتم صادقين} ليس تأكيدًا لـما يدلُّ عليه لفظ الزعم من الاعتقاد، لأنَّ المعنى: إن كتنم صادقين في زعمكم واثقيت([14]) بِأَن كونهم أولياء من دون الناس حقّ، لأنَّ تحقيق الاعتقاد لا يوجب صحَّة ما اعتقدوه وصدقه، وكم شيء يعتقده الإنسان ولا يصحُّ.

 

وإن قلنا المعنى: إن كنتم صادقين في أنـَّكم اعتقدتم بأن قلتم: اعتقدنا أنـَّا أولياء لله من دون الناس، وصحَّ أنـَّكم اعتقدتم، كان في قوله: {إن كنتم صادقين} تأكيد وجواب «إن كنتم صادقين»، أغنى عنه تمنـَّوا الموت، كقولك: إن كنت غنيًّا فأكرم زيدًا إن جاء، وهو مِمَّا يغني فيه جواب شرط عن جواب شرط؛ وإنـَّما قلت: يغني، لأنَّ مذهبي أنَّ جواب الشرط إذا علم بدليل قريب لا يقدَّر لأَنَّ تقديره غير مراد، نحو: أكرم زيدا إن جاء، فإنَّ لها شرط لا جواب، فإنـَّه ليس المراد أكرم زيد([15]) إن جاء فأكرمه، فضلا عن أن أقدِّره كما قدّروه. وزعمهم أنـَّهم أولياء لله من دون الناس هو قولهم: {نحن أبناء الله وأحبَّاؤه} ونحوه. وقرئ بكسر واو «تمنَّوا» على أصل التخلُّص من التقاء الساكنين، ووجه الضّمِّ أنـَّه أنسب بمحلِّ الواو من الرفع، وللواو نفسه. و«لله» نعت «أولياء»، و«من دون الناس» نعت ثان، أو حال من ضمير أولياء، أو من الكاف. وأخبر الله جلَّ وعلا رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بأنـَّهم كذبون([16]) في دعوى أنَّ كونهم أولياء حقٌّ، وفي دعوى الظم [كذا] يقولون ذلك من قلوبهم إذ قال:

 

{ولا يتمنـَّونه أبدا بما قدَّمت أيديهم}: بما قدَّمته أيديهم من المعاصي المانعة من أن يكونوا أولياء لله فضلاً عن أنْ تختصَّ الولاية بهم ومن أن يفوزوا بالجـنَّة وينجوا من النار، فهي مانعة من تمنـِّي الموتى([17]) لأنـَّه يفضي بهم إلى النار، فهم كاذبون في قولهم: «تمنـَّينا الموتى» [كذا] والباء متعلِّقة بـ«لا» النافية، لأنَّ المعنى انتفاء بسبب ما قدَّمت أيديهم أن يتمنـَّوه، وكذا أبدا، ولا يتعلَّقان بـ«يتمنـَّونه»، لأنـَّه ليس المعنى تمنـِّيه أبدًا بسبب ما قدَّموا منتف [373] والمـُرَاد: بما قدَّموا، وهذه حقيقة الإسناد، وأسند التقديم إلى الأيدي عَلَى التجوُّز العلقي، لأنَّ غالب الأعمال تناول بالأيدي، أو الأيدي مجاز لغويٌّ تسمية للكلِّ باسم الجزء.

 

{والله عليم بالظالمين(7)}: أي بظلم الظالمين، ومقتضى الظاهر: والله عليم بهم. وذكرهم بوصف الظالمين تشنيعا عليهم وتقبيحا لهم، إذ ظلموا بتحريف الآيات والعناد والتكذيب، وإخباراً عنهم بأنَّ من شأنهم الظلم في جملة أمورهم ومعاملتهم، فما فعلوه في حقِّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بعضُ ظلمهم، فإنـَّهم مشتملون على...([18]) الظلم الواحد منها يوجب العذاب فكيف يتمنـَّون الموت، بل هم يفرُّون منه ولا بدَّ منه، كما قال جلَّ وعلا:

 

{قل إنَّ الموت الذي تفرُّون منه فإنـَّه ملاقيكم}، يفرُّون منه لـما قدَّمت أيديهم من المعاصي والتكذيب، وذلك الفرار بعدم التمنـِّي له، إذ لو تمنـَّوهُ لـماتوا من ساعتهم، وهذه من المعجزات، أي: قل لهم يا محمَّد ــ بعد ظهور فرارهم من تمنـِّي الموت خوفا من الموت ــ: إنَّ الموت الذي تفرُّون منه فإنـَّه ملاقيكم، ولا تجسرُون على تمنـِّيه لمخافة أن يحضر بالتمنـِّي، ومخافة الجزاء بما فعلتم معارض لكم ومدرك لكم، لا صارف له عنكم قبل مجيئه ولا بعد مجيئه. والفاء في خبر إنَّ لشبه نعته باسم الشرط، إذ هو موصول، صلتُه جملة فعليـَّة، والمـُرَاد به الجنس فهو كاسم الشرط في العموم، فليس كما قيل: إنَّ المبتدأ الموصول إذا دخلت عليه «إنَّ» لا تزاد الفاء في خبره، وكذا غير الموصول من ألفاظ العموم؛ ووجه العموم في الموت أنَّ المـُرَاد به المعنى المصدريُّ، وهو زوال الحياة. وقرأ ابن مسعود بإسقاط الفاء بينهما تاء مفتوحة وهو تفتعل من الفرار للمبالغة فيه.

 

{ثمَّ تردُّون إلى عالم الغيب والشهادة}: لا يخفى عنه منهما شيء، ومنهما ما أظهرتم من أحكام التوراة والإنجيل ما أخفيتم من أوصافه وأوصافه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وتكذيبه، وما أظهرتم من تكذيبه.

 

{فينبـِّئكم بما كنتم تعملون(8)}: من الإشراك والمعاصي، يوبـِّخكم به توبيخـًا يترتـَّب عليه العقاب.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة} أي أذِّن لهنَّ الأذان الأوَّل إن تعدَّد الأذان.

 

{من يوم الجمعة}: أي في يوم الجمعة، كقوله عزَّ وعلا: {أروني ماذا خلقوا من الأرض}: أي في الأرض، ويجوز أن تكون «مِن» للابتداء، فإنَّ الواقع في زمان كالصادر من الشيء، كما يقال حوادث الدهر، أي الحوادث في الدهر، أو من الدهر؛ ويجوز [374] أن تكون للتبعيض لأنَّ «إذا» اسم زمان. و«يوم» عامٌّ لمضمونها، فوقت النداء بعض من يوم الجمعة، فتكون متعلِّقة بمحذوف حالاً من «إذا»، وفيه أنـَّه لا يعرف أن يكون لـِ«إذا» نعت أو حال. قال ابن عمر: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إذا رقى المنبر سلَّم ثمَّ جلس خفيفا، مستقبل الناس واستقبلوه كذلك ثمَّ يؤذِّن المؤذِّن، وكان الأذان الأوَّل على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما إذا جلس الخطيب على المنبر، فلـمَّا كثر الناس على عهد عثمان زاد النداء الثالث  عَلَى الزور ــ أي ولم يكن لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في مكان التجميع غير مؤذِّن وأحد يؤذِّن إذا جلس النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى المنبر ويقيم إذا نزل ــ وكان الأذان على باب المسجد إذا جلس عَلَى المنبر أذَّن بلال عَلَى باب المسجد».

 

 وإنـَّما سمِّي ذلك اليوم يوم جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة. وعن بعض السلف: «أوَّل من سمــَّاه جمعة كعب بن لؤي، وكانت العرب تسمِّيه العروبة، وقيل: إنَّ الأنصار قالوا قبل الهجرة: «لليهود يوم يجتمعون فيه، وللنصارى يوم فهلمُّوا فهلمُّوا [كذا] نجعل لنا يوما نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلِّي فيه»، فقالوا: «يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة»، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة، فصلَّى بهم ركعتين وذكَّرهم فسمَّوه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه. وعن سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «سمـِّيت الجمعة جمعة لأنَّ آدم جمع فيها خلقه». وقيل: «سمـِّي يوم الجمعة لأنـَّه تعالى فرغ فيه من الخلق فاجتمعت فيه المخلوقات». وَأَوَّل جمعة جمعها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في بطن واد لبني سالم بن عوف، لـمَّا قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بتي([19]) عمر بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والإربعاء والخميس وأسَّس مسجدهم، ثمَّ خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في ذلك الوادي، فخطب وصلَّى الجمعة؛ وقيل: أقام ليلة أو ليلتين في بني عمر بن عوف؛ وقيل: «ثلاثة» وقيل: «أربعة عشر» وقيل: «اثنين وعشرين». وأمـَّا أوَّل اجتماع للذكر فقبل ذلك وهو ما مرَّ عَن سعد بن زرارة، قبل الهجرة بنحو عامين، وقد دخله الإسلام ومن معه قبل الهجرة. وقرئ: «من يوم الجمعة» بإسكان الميم تخفيفا من الصم([20]).

 

 {فاسعوا إلى ذكر الله}: ارغبوا بقلوبكم وأرجلكم. وليس [375] المـُرَاد: اسرعوا، بل بالإقبال بالمشي وإفراغ القلب؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائـتوها وعليكم السكينة». فالسعي في الآية بذلك المعنى من عموم المجاز ــ وهو استعمال اللفظ في معنى يوجد في الحقيقة والمجاز ــ وهو هنا القصد برغبة، فإنَّ هذا يوجد في المشي بالأرجل وفي القلب، ويجوز أن يراد بالسعي مطلق المشي، والحديث بيـَّنه أنـَّه بلا إسراع، فهو مجاز عن الإسراع لعلاقة الإطلاق والتقييد، أو أحدهما.

 

 وقال الفرَّاء: «المضيُّ والسعي والذهاب بمعنى واحد، وظاهره أنَّ السعي حقيقة في مطلق الذهاب ولو بلا إسراع»، وهو كذلك عنده؛ ومن استعماله بمعنى مطلق المشي قوله تعالى: {وإذا تولىَّ سعى في الأرض...}، وقوله تعالى: {ولـمَّا بلغ معه السعي} أي بلغ معه المشي في أعماله، وقوله: {إنَّ سعيكم لشتـَّى}؛ وما قيل: إنـَّه بمعنى اعملوا ينافيه التعدي بـ«إلى» و«إلى» إِنـَّمَا يناسب المشي أو الإقبال، كما فسـَّرته به أوَّلاً، ثمَّ رأيت ــ والحمد لله ــ عن الحسن: «والله ما هو سعي على الإقدام ولكـنَّه سعي بالقلوب، وسعي بالنية، وسعي بالرغبة». وفسَّر بعضٌ السعي في قوله: {سعى في الأرض} بالعمل. وذكر الله الخطبة أو الصلاة أو كلتاهما أو الأذان بِأَن يجعل السعي إلى حيث الأذان سعيا إلى الأذان. وكان صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إِنـَّمَا هنَّ كلمات يسيرات؛ وكان تشهُّده صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يقول: «الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدا عبده ورسوله، أرسله بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، ولا يضرُّ الله شيـئًا». وكان يقرأ سورة قَ على المنبر كثيرًا حتَّى حفظها منه جماعة من كثرة قراءته لها في كلِّ جمعة.

 

 {وذروا} اتركوا

 

{البيع} وسائر العقود كعقد الرهن والشفعة وعقد النكاح وعقد القراض وعقد الإجارة وكلَّ عمل شاغل إِلاَّ عملا أوكد لا يقبل التأخير [376] كتنجية المضطرِّ. واقتصر اللفظ على البيع لأنـَّه أهمُّ وأكثر، وإن عقد فيه البيع أو النكاح أو غيرهما بطل؛ وقيل: لا، وتسمية([21]) بيعا يدلُّ على الانعقاد، وعص[كذا] العاقدان أو من وجبت عليه الجمعة إن لم تجب على الآخر. ولم يذكر الشراء لأنَّ ذكر البيع كاف، فإنَّ ترك البيع صادق بترك مريد البيع وبترك مريد الشراء، فإنـَّه إن أراد الرجل البيع ولم يقبل عنه الآخر فقد ترك هَذَا الآخر البيع الذي أراده الرجل إذا لم يشتغل به وأعرض. وإن زالت الشمس ولم يؤذِّن لم يحرم حتَّى يؤذِّن إِلاَّ إن علم أنـَّه يصلِّي الإمام بلا أذان في ذلك اليوم لنسيان أو لعذر، فإنـَّه إذا زالت حرم؛ وقال عطاء: «إذا زالت حرم البيع والشراء ولو كان يؤذِّن بعدُ». ووجه اتـِّصال الآيـَة بما قبلها إنَّ اليهود فرُّوا من الموت لمتاع الدنيا فقال الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين: اتركوا متاع الدنيا لذكر الله والصلاة، فإنَّ ما بعد الموت من الخير باق وفي غاية من الحسن؛ وأيضا افتخرت اليهود بدعوى أنـَّهم أولياء الله فكذَّبهم بقوله: {فتمنـَّوا الموت...}إلخ، وافتخروا بأنـَّهم أهل كتاب ولا كتاب للعرب، فردَّ الله عليهم بأنـَّهم لم ينتفعوا به كما لا ينتفع الحمار بأسفار يحملها، وبأنَّ للعرب الآن كتابا كذَّبه اليهود وافتخروا بِأَنَّ لهم سبتًا فشرع الله جلَّ وعلا الجمعة للمؤمنين.

 

 {ذلكم}: أي ما ذكر من السعي إلى ذكر الله وترك البيع،

 

{خير لكم}: من الاشتغال بأمر الدنيا فإنـَّها فانية، فمنفعة الآخرة خير من منفعتها إذ كان ألذَّ وأجلَّ وأبقى؛ أو ذلكم نفع عظيم لكم،

 

{إن كنتم تعلمون(9)}: الخير والشرَّ وإن كنتم أهل العلم، والجواب محذوف، أي إن كنتم تعلمون عملتم بذلك، أو أغنى عنه «ذلكم خير لكم»، لأنـَّه إن لم يعلموا لم يعملوا به، فلا يكون أفضل لهم، لأنـَّهم لم يعملوا به فضلا عن أن ينتفعوا به.

 

{فإذا قضيت الصلاة}: فرغتم منها

 

{فانتشروا في الأرض}: لقضاء مصالحكم وإقامتكم لها.

 

{وابتغوا من فضل الله} مفعوله محذوف، أي: انـتغوا([22]) الربح من فضل الله. والعطف عطف خاصٍّ ــ وهو ما زاد بجنس القيد ــ على عامٍّ ــ وهو ما زاد بجنس الفرد ــ وإنـَّما قلت: «بجنس» لأنَّ الخاصَّ قد يكون بقيود العامِّ يزيد بإفراد، وذلك [377] أنَّ الانتشار في الأرض يعمُّ الانتشار لابتغاء الفضل عن الربح والانتشار لطلب العلم وغيره مِمَّا ليس معصية. والمـُرَاد بالصلاة صلاة الظهر من يوم الجمعة وبالأذان الأذان لها بالاجماع، والسنَّة بيـَّنت القرآن بذلك، وإلاَّ فلفظ القرآن يقبل الفجر أو العصر أيضًا.

 

 وقوله: {انتشروا} و{ابتغوا} صيغة أمر، والمراد الإطلاق بعد الحصر، فإنـَّه حصرهم عن الانتشار والابتغاء بقوله: {فاسعوا} و{ذروا}، وأطلقهم بقوله: {انتشروا} وقوله: {ابتغوا}، وإن شئت للإباحة بعد الحظر فإنـَّه منعهم من الانتشار والابتغاء بعد النداء وأباحها بعد الصلاة، وهذا كما قال ابن عـبَّاس: «إذا فرغتم من الصلاة فإن شئتم فاخرجوا وإن شئتم فصلُّوا إلى العصر، وإن شئتم فاقعدوا»؛ وكما قال مقاتل: «أحلَّ لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، من شاء خرج، ومن شاء لم يخرج»؛ وكما قال الضحَّاك: «هو إذن من الله إذا فرغ فإن شاء خرج وإن شاء قعد». والأفضل في ابتغاء الابتغاء([23]) الرزق أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة. وعن ابن عـبَّاس رضي الله عنهما: «لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إِنـَّمَا هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله»، أي: ونحو ذلك. وعن الحسن وسعيد بن المسيـّب: «طلب العلم»، ولعلَّه أراد التمثيل؛ وقبل([24]) صلاة التطوُّع، ولعلَّه أراد التطوُّع في الدار بعد صلاة الظهر في المسجد. وعن عراك بن مالك أنـَّه كان إذا صلـَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال: «اللهمَّ أجبت دعوتك وصلَّيت وفريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين».

 

 {واذكروا الله كثيرا لعلَّكم تفلحون(10)}: كي تفوزوا بخير الدارين وهذا الأمر للندب لأنَّ المراد بالذكر ما هو نفل من صلاة وأذكار وقراءة، و«لعلَّ» للتعليل كما رأيت، أو للترجية. و«كثير»([25]) مفعول مطلق، أي ذكرًا كثيرا، أو ظرف زمان، أي: زمانا كثيرا، وعن مجاهد: «لا يكون من الذاكرين الله كثيرا حتَّى يكون بذكره قائمـًا وقاعدًا ومضطجعا». وكم ذكر قليل جاء الحديث به أنَّ من قاله عدَّ من الذاكرين [378] الله كثيرا، وهو كما رأيت يشمل الذكر باللسان والصلاة، بل يشمل الذكر أَيضـًا بالقلب. وعن مقاتل: «المـُرَاد الذكر باللسان», وقال سعيد بن جبير: «الذكر الطاعة» ووجهه أنـَّه يذكر بقلبه أو مع لسانه الثوابَ والعقابَ، فيعبد الله بأنواع العبادة البدنيـَّة والماليـَّة، فالعبادة مترتـِّبة عَلَى ذلك الذكر، فذكر المسبـَّب أو اللازم الجملي بذكر السبب أو الملزوم، وفيه أنَّ الخطور ليس كسبيـًّا فلا يؤمر به، ويجاب بأنَّ المـُرَاد: استعملوا قلوبكم في البحث عمـَّا تتعبـَّدون به. وفائدة الأمر بالذكر الكثير بعد ذكر الانتشار والابتغاء الأمر بأن لا يليهم([26]) البيع والشراء عن ذكر الله، كقوله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} فهو يجتمع مع التجر وغيره، بخلاف الذكر الذي هو الحطـة([27]) والصلاة.

 

 وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا أتيتم السوق فقولوا: “لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيء قدير”، فإنَّ من قالها كتب الله له ألف حسنة، ومحى عنه ألفَ ألفِ سيـِّئةٍ، وحطَّ عنه ألفَ ألفِ خطيئة، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ، وخصَّ الله الجمعة بهذه العبادة من الخطبة والصلاة وما يتبعهما من بين سائر أيـَّام الأسبوع لأنـَّها([28]) اليوم الذي تمَّ فيه الخلق، وكان آدم آخر الخلق فجعلها يوما يجتمع فيه الناس يذكرونه فيه ويشكرونه فيه على ما فضَّلهم على سائر الخلق من العقل والحيل والقوة على مزاولة الأمور والفطنة. ولـمَّا كان مدار التعظيم على الصلاة جعلت الصلاة مخصوصة فيه مع توابعها من إلقاء التفث والغسل والطيب واللباس الحسن، وكانت وسط النهار وفي مسجد واحد ليكمل الاجتماع. قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يوم الجمعة هذا الذي اختلفوا فيه فَهَدَانا الله إليه فلليهود غد وللنصارى بعد غد».

 

 

{وإذا رأوا}: أي عرفوا؛ لأنَّ التجارة واللهو لا يدركان بالبصر، ومال التجر يدرك بالبصر، لكنَّ اللهو لا يدرك به.

 

{تجارة أو لهوا انفضُّوا إليها}: أي «أو إليه» فحذف قوله: «أو إليه» أي إلى اللهو؛ وهذا التفسير يبنَى على جواز حذف العاطف الذي هو [379] «أو» مع معطوفه؛ وقيل: يختصُّ ذلك بالواو؛ أو على كلِّ حال يجوز أن لا يقدَّر عطف بل يفسَّر الكلام بالمفهوم، فإنـَّه إذا ذمـَّهم على الانفضاض إلى التجارة ــ وهي مباحة في الجملة وإنـَّما منعت للاشتغال بصلاة الجمعة، ومع شدَّة الحاجة إليها لجوع وغلاء سعر أصابهم ــ فأولى أن يذمَّهم على الانفضاض إلى اللهو والانفضاض إليها بالذات واولا [كذا] وإلى اللهو تبعـًا؛ ويبحث في هذا الوجه بأنـَّه إِنـَّمَا يتمُّ لو كانا شرطا والجواب ذمـًّا مثل أن نقول: وإذا رأووا([29]) تجارة أو لهوًا وانفضوا إليها ذمُّوا أو عوقبوا أو نحو ذلك، لعطف «انفضُّوا» بالواو، وأمـَّا بلفظ القرآن فلا بل يقال: إذا كانوا ينفضُّون إلى التجارة فأولى أن ينفضُّوا إلى اللهو، وهذا لا يصحُّ وليس بمراد، لأنـَّهم إِنـَّمَا ينفضُّون إلى التجر أكثر مِمَّا ينفضُّون إلى اللهو اللهمَّ إِلاَّ أن يعتبر لازم الانفضاض من الذمِّ فتعتبر الأولويـَّة في جانبه، لأنَّ المراد بالتجارة المتجور فيه وهو مال عدَّ للتجر؛ أو يقدَّر مضاف أي: وإذا رأوا مال تجارة، أو يبقى على ظاهره، أي وإذا استشعروا تجارة. واللهو ضرب الطبل والغناء والزمر.

 

 و«انفضُّوا» تفرَّقوا. وقرئ: «انفضُّوا إليهما»، وهو دليل على تقدير: «أو إليه»، وهذا التقدير مختصر، ولا حاجة إلى ما قيل: إنَّ التقدير: إذا رأو تجارة انفضُّوا إليها أو لهوا انفضوا إليه، لكثرة الحذف فيه، ولدعوى أنَّ «لهوا» في نية التأخير. روي أنَّ دحية بنت([30]) خليفة الكلبي أقبل بتجارة قيل: هي زيد من الشام قبل أن يسلم، وكان معه أنواع من التجارة، وكان أهل المدينة يتلقـَّونـَه بالطبل والصفق، وقد أصابهم جوع وغلاء سعر، وقدم بأبعرة له يوم الجمعة والنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يخطب على المنبر، فخرج إليه الناس وتركوا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قائما يخطب كما قال الله جلَّ وعلا:

 

{وتركوك قائما} ولم يبق معه إِلاَّ قليل، منهم أبو بكر وعمر، قيل: اثنا عشر رجلا؛ وقيل: ثمانية؛ وقيل: أحد عشر؛ وقيل: أربعون وعلى كلِّ حال لم يبق وحده، فالحكم في «انفضوا» و«تركوا» حكم عَلَى المجموع لا عَلَى الجميع وكان انفضاضهم وتركهم إيـَّاه قائماً خشية أن يسبقوا إليها. والآيـَة دلَّت [380] عَلَى أنَّ الخطبة في القيام. قال جابر بن عبد الله: «ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الخطبة إِلاَّ وَهُوَ قائم»، وسئل عبد الله بن مسعود: أكان النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب قائما أو قاعدا؟ فقرأ: {وتركوك قائما}».

 

{قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة}: ما عند الله من الثواب في الآخرة عَلَى استماع الخطبة وصلاة الجمعة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خير مِمَّا في اللهو من لذَّة الدنيا، وممـَّا في التجارة من الربح، فإنَّ لذَّة الدنيا عاقبتها سوء، ولا سيما بمعصية، ولا بدوم([31])، وفائدة المال لا تدوم، وثواب الآخرة دائم في غاية من الحسن؛ ويجوز أن يكون المعنى: ما عند الله من الثواب عَلَى الأعمال الصالحات مطلقا خير من لهو الدنيا ومالها.

 

{والله خير الرازقين(11)}: أي أفضل المنفقين، فإنَّ من أنفق شيـئًا عَلَى أحد فقد رزقه إيـَّاه، أي ناوله، ولا حاجة إلى أن يقال: لو كان رزق([32]) غير الله لكان الله أفضل منه، لأنَّ الله جلَّ وعلا يقول: {فارزقوهم}، ومعنى كون الله جلَّ وعلا رازقا أنـَّه أوجد المال وجعل لِكُلِّ أحد نصيبا منه لا يتخطَّاه، وسهَّله إليه على وجه شاء([33]). وكذلك {أحسن الخالقين}: أحسن المقدِّرين، لا حاجة اللى([34]) أن يقال: لو كان رازق غير الله كان الله أفضل منه فإنَّ القرآن غير مختصٍّ بالألفاظ الشرعيـَّة، بل فيه اللغويـَّة والشرعيـَّة؛ وأمـَّا قوله تعالى: {أحكم الحاكمين} فليس مِمَّا يختصُّ أو يوهم، فإنَّ في الناس حكَّاما يصيبون في الحكم في الجملة، ومطلق الأشياء وبين الخصام لا كما قال: إنَّ المعنى: لو كان حاكم غير الله كان الله أفضل منه، ولعلَّ وجه هذا القول أنَّ المـُرَاد بالحكم فرض الفرائض، وتحريم المحرَّمات، واستحباب المستحبـَّات، وكراهة المكروهات، وإباحة المباحات.

 

 والآن ظهر لي لهؤلاء الآي إبقاء اسم التفضيل في نحو قولنا: «الله أكبر»، و«الله أعلم» عَلَى بابه، ولو اختلف كبرياء الله وكبر غيره، وعلم الله وعلم غيره، أي الله أكبر من غيره وأعلم من غيره، اكتفاء بظاهر الاشتراك في مدلول لفظ العلم والكبر، ووجه الاستدلال أنَّ اسم التفضيل إِنـَّمَا يضاف إِلىَ جنسه تعالى الله عن تحقُّق الجنسيـَّة وعن كلِّ نقص، ولا يضاف إِلىَ غير جنسه، لا تقول: القائم أفضل القاعدين، ولا الرجل أفضل النساء، ولـمَّا قال الله [381] جلَّ وعلا: {خير الرازقين} و{أحسن الخالقين} علمنا أنَّ اللفظ جاء عَلَى أنَّ الرزقين والخلقين جنس واحد ولو اختلفا تحقيقا، فإذا كان الوضع عَلَى هذا اللفظ المتبادر علمنا أنَّ المـُرَاد: الله أكبر من غيره وأعلم من غيره؛ ويدلُّ لذلك قول الصحابة لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الله ورسوله أعلم»، فجعلوا لله ورسوله علما معًا.

 

 وقوله: {والله خير الرازقين} عائد إِلىَ التجارة لا إِلىَ اللهو، ولا مانع من اختصاص بعض ما ذكر بشيء، ولا سيما أنَّ اللهو المذكور كالتـَّبـَع للتجارة لأنـَّهم لَهَوا فرحا بالتجارة؛ فقوله: {والله خير الرازقين} مناسب للمجموع، وإذا علمتم أنَّ الله خير الرازقين فإليه اسعوا ومنه اطلبوا الرزق بأعمال([35]). والله أعلم والله الموفِّق، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم. لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه.

 

 


[1]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يطهِّرهم».

[2]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والدعاء».

[3]

-  كذا في الأصل، والصواب: «مكتوبٌ».

[4]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإنْ».

[5]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعثتُ».

[6]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تـفـطَّن».

[7]

-  كذا في الأصل، والصواب: «عنهما».

[8]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وجعلهم».

[9]

-  كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حيـَّان».

[10]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومنهم من لم يفهم».

[11]

- كذا في الأصل، والصواب: «كلَّها».

[12]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «طبق».

[13]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فـقولُه».

[14]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «واثقين».

[15]

- كذا في الأصل، والصواب: «زيدًا».

[16]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كاذبون».

[17]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الموت».

[18]

- في الأصل كلمة غير واضحة، رسمها: «افانتى».

[19]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بني».

[20]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الضمِّ».

[21]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وتسميـَّته».

[22]

- كذا في الأصل، والصواب: «ابـتـغوا».

[23]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الابتغاءِ ابتغاءُ».

[24]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وقيل».

[25]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كثيرًا».

[26]

- كذا في الأصل، والصواب: «يلهيهم».

[27]

- كذا في الأصل بِـنبرة غير منقوطة بين الطاء والتاء، والصواب: «الخطبة».

[28]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لأنـَّه».

[29]

- كذا في الأصل، والصواب: «رأوا».

[30]

- كذا في الأصل، والصواب: «بن».

[31]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولا تدوم».

[32]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رازق».

[33]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «على أيِّ وجه شاء».

[34]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إلى».

[35]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالعمل».