إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة المنافقون
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذا جاءك المنافقون} حضروا إليك في مجلس أو غيره، وهم([1]) أظهروا الشرك وأظهروا التوحيد، واليهود أظهروا الشرك وَهُوَ في قلوبهم، فاتـَّفقت هذه السورة مع التي قبلها في التكذيب  بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في قلوب اليهود والمنافقي؛، والعمدة القلب لا ما في اللسان مخالفا للقلب. وذكر الله في آخر السورة قبل هذه وجوب الإخلاص في الإيمان بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وفي متابعته، حتَّى أنَّ ترك المتابعة نفاق، فناسب بآخرها أوَّل هذه السورة.

 

{قالوا نشهد إنـَّك لرسول الله}: نشهد من قلوبنا إنـَّك لرَسُول اللهِ ونعتقد أنـَّك رسول الله إِلىَ الناس كلِّهم اعتقادا خالصا من صميم قلوبنا، كما أكَّدوا ذلك بالشهادة والجملةِ الاِسمِيـَّة و«إنَّ» واللامِ.

 

{والله يعلم إنـَّك لرسوله} هذا من كلام المنافقين زيادة في التوكيد بما ذكر، إِلاَّ أنـَّه ذكروا هنا «يعلم» موضع «يشهد» كأنـَّهم قالوا: شهدنا من صميم قلوبنا إنـَّك رسول الله شهادة يعلم الله أنَّ مضمونها حقٌّ، أي شهدنا بما عند الله من أنـَّك رسوله. وعموم المرسل إليهم من حذفِ معمول «رسول»، وأنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يذكر عن الله أنـَّه رسول إِلىَ الناس كلِّهم، ويجوز أن يكون قوله: {والله يعلم إنـَّك لرسوله} من كلام الله عزَّ وجلَّ، بيـَّن به أنَّ الأمر كما [382] قالوا من أنـَّك رسول الله، لكن لم يعتقدوا ذلك، ولو زعموا أنـَّهم اعتقدوه فإنـَّهم كاذبون في دعوى الاعتقاد، كما قال:

 

{والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون(1)} في قولهم: إنـَّا شهدنا برسالته من قلوبنا، وصادقون في قولهم: والله يعلم إنـَّك لرسوله، فإنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ عالم بأنـَّه رسوله ولو كذبوا في دعوى اعتقادهم أنَّ الله يعلم أنـَّه رسوله، فكأنـَّه قيل: والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون في دعواهم أنـَّهم اعتقدوا من قلوبهم أنـَّك رسول الله في دعواهم أنـَّهم اعتقدوا أنَّ الله يعلم أنـَّه رسوله. ويجوز أن يكون قوله: {والله يعلم إنـَّك لرسوله} من كلام الله عزَّ وعلا اعترض به بين ذكر شهادتهم وتكذيبها تحقيقا وتعيينا لما علِّق بِهِ التكليف وَهُوَ اعتقادهم أنـَّه رسول لله، فإنَّ التكذيب متعلِّق بدعوى الاعتقاد وإزالة لما يتوهَّم من أوَّل الأمر أنَّ الله كذَّبهم في قولهم: إنـَّه رسول الله، أو في قولهم: إنـَّه رسول الله [كذا]، وفي دعوى اعتقادهم أنـَّه رسوله ولو تأخَّر قوله: {والله يعلم إنـَّك لرسوله} واتـَّصل قوله: {والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون} بقوله: {قالوا نشهد إنـَّك لرسول الله} لتوهِّم أنَّ التكذيب عائد إِلىَ أنـَّه رسول، أو إليه وَإِلىَ اعتقادهم أنـَّه رسول. واختاروا «نشهد» عن «نعلم» لأنَّ العلم إخبار عن غيب والشهادة إخبار عن حضور واستحصار للمشهود به.

 

 والمنافقون هم المذكورون أوَّل السورة. و«الـ» للعهد، ومقتضى الظاهر: والله يشهد إنـَّهم لكاذبون، بالإضمار، ولكن أظهر في موضع الإضمار زيادة لذمـِّهم بوصف النفاق، وإشعارا بِأَنَّ نفاقهم علَّة لكذبهم، كما تقول: الزاني يرجم أو يجلد، تعنى لِزناه، وَهؤلاء المنافقون عند([2]) الله بن أبيٍّ وأصحابه إذا التقوا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بمجيئهم قالوا: نشهد شهادة مستمرَّة فتجدده...([3]) فهذا المضارع للتجدُّد الاستمراريِّ، إنـَّك لرسول الله والله أرسلك، فهو يعلم إنـَّك رسوله، والله يعلم إنـَّهم نطقوا بما لم يعتقدوا، وأظهروا ما لم يضمروا، وأضمروا ما لم يظهروا، وحقيقة كلِّ كلام بالقلب، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لا يقبل الله عملا لم يعمل فيه القلب من العبادة»، فلا يقبل عمل بلا نية مع غفلة، فكيف [383] يقبل عمل ناقصه([4]) القلب. والكذب باعتبار مخالفة القلب للسان، ففي ألسنتهم أنـَّهم اعتقدوا، وهذا الذي في ألسنتهم مخالف لما [في] قلوبهم من عدم الاعتقاد، فقد تخالف الوجود اللسانيُّ والوجود الذهنيُّ، والجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهنيِّ والوجود الخارجيِّ. ثمَّ إنـَّه لا مانع من أن يكون المعنى: أنَّ المنافقين كاذبون مطلقا، فيشمل ما ذكر، ويشمل ما في قوله عزَّ وعلا: {يحلفون بالله ما قالوا...} إلخ، وما في قوله: {يحلفون بالله إنـَّهم لمنكم...} إلخ، ولا يصحُّ أن يقال: أراد غير ما هنا.

 

{اتـَّخذوا أيمانهم جُـنَّة} اتـَّخذوا أيمانهم الفاجرة التي من جملتها قولهم: نشهد إنـَّك لرسول الله، وقولهم: والله ما قلنا، وقولهم: والله إنـَّا لمنكم، وغير ذلك سترة ووقاية عمـَّا يلزم عليهم من قتل وأخذ مال وسبي أو غير ذلك لو لم يقولوا ما حلفوا عليه. وقولهم: نشهد يمين، لأنَّ أصل القسم التأكيد، فمن القسم قول رسل عيسى[كذا]: {ربـُّنا يعلم إنـَّا إليكم لمرسلون}، وقول المنافقين: {نشهد إنـَّك لرسول الله}، وقولك: أعزم، وأعزم بالله، وأشهد، وأشهد بالله.. ونحو ذلك، وقد استشهد أبو حنيفة بقوله تعالى: {اتـَّخذوا أيمانهم جـنَّة} بعد قوله: {قالوا نشهد إنـَّك لرسول الله} عَلَى أنَّ «أشهدُ» يمين، إذ سمَّى الله قولهم: «نشهد» يمينا، وهذا عَلَى أنَّ المـُرَاد بـ«أيمانهم» قولهم: «نشهد إنـَّك لرسول الله»، أو قولهم هذا ونحوه مِمَّا مَـرَّ؛ ولكن إن أريد بقوله: «أيمانهم» قولهم: «نشهد إنـَّك لرسول الله» فإنـَّما يعتبر أنَّ شهادة كلِّ واحد يمين، فجملتها: أيمان، ولو جعلت كلُّها يمينا واحدا في قوله: «قالوا نشهد» إِلاَّ أنـَّه متضمِّن أيمانا، وربما يستدلُّ المستدلُّ بجمع الأيمان في قوله: {اتـَّخذوا أيمانهم} عَلَى أنَّ المـُرَاد في قوله: {والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون} ما يعمُّ قولهم: «نشهد إنـَّك لرسول الله­»، ويعمُّ ما في قولهم: {يحلفون بالله ما قالوا}، وما في قوله: {يحلفون بالله إنـَّهم لمنكم} ونحو ذلك؛ وإنـَّما كان قولهم: «نشهد» أيمانا لما فيه من التأكيد، أو لأنَّ المتعارف في يمين المؤمنين أن يقولوا: «نشهد بالله»، فَالمـُرَادُ ــ قال ــ نشهد بالله إنـَّك لرسول الله.

 

واتـِّخاذهم الأيمان جـنَّة إمـَّا بمعنى إعدادها وتهيئتها [384] لأَن يستعملوها إذا احتاجوا إِلىَ التخلُّص بها عن مؤاخذة، وليس المـُرَاد باتـِّخاذها جـنَّة استعمالها وإيقاعها، وإمـَّا بمعنى إيقاعها واستعمالها، كما في قوله تعالى: {لاتـَّخذت([5]) عليه أجرا}، وقوله: {واتـَّخذ الله إبراهيم خليلا}، ولا يقال: يتعيـَّن الأوَّل لأَنَّ اسعمالها مُتـَأَخـِّر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية؛ واتـِّخاذ الجـنَّة لاَ بُدَّ أن يكون قبل المؤاخذة لتدفع بها، وَلاَ بُدَّ أن تكون عن سببها، لأنـَّا نقول: يؤاخذون بالقول والعتاب والذمِّ، فيوقعون اليمين بعد هذه المؤاخذة فتكون هذه اليمين جـنَّة لغير تلك المؤاخذة من المؤاخذات الأخركقتل وغنم وسبي.

 

{فصدُّوا عن سبيل الله} من «صدَّ» اللازم، بمعنى: أعرضوا عن دين الله، أو عن طاعته وطاعة رسوله، أو من المتعدِّي بمعنى صرفوا الضعفاء ومن قدروا عليه من أتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَن يقولوا لهم بأنـَّه ليس برسول، وقد جاورناه ولم يظهر لنا أنـَّه رسول، وأنَّ اليهود والنصارى أهل كتاب أنكروا رسالته، ولو كان رسولا لعلموا، ونحو ذلك من الأقوال الكاذبة المزخرفة كقولهم: إنـَّه لو كان رسولا لَعلمَ الغيب؛ ويمنعون أيضًا من قدروا عليه عن الإنفاق في سبيل الله. ولا يلزم أن يكون هذا الصدُّ قبل الحلف كما قيل، بل يمكن قبله  وبعده، فإنـَّه لـمَّا كانت أيمانهم جـنَّة بقوا لم يقتلوا ولم يجلوا، فتمكَّنوا من الوسوسة لمن أراد الإسلام. والفاء سبـبـيَّة، أي: صدُّوا فأيمانهم جـنَّة، وسبب لبقائهم وتمكُّنهم من الصدِّ، وَعَلَى كلِّ حال ففي وصفهم باتـِّخاذ الأيمان جـنَّة استخفاف باليمين الكاذبة وبحقِّ الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وأيمان ــ بفتح الهمزة وإسكان الياء إسكانا حـيًّا ــ جمع يمين وهو القسم.

 

 وقرئ بكسر الهمزة وإسكان الياء إسكانا ميـِّـتًا بمعنى التصديق بالله ورسوله، مصدر آمن يؤمن وليسوا مؤمنين، ولكن بحسب لفظهم مؤمنين، فالمعنى عَلَى هذه القراءة: اتـَّخذوا ما ظهر عَلَى ألسنتهم من التوحيد والإسلام وقاية عن القتل والسبي والغنم، فبقوا أحياء لم يقتلوا ولم يجلوا فتمكَّنوا من الصدِّ أو الصدود، فالصدُّ أو الصدود مسبـَّب عن البقاء المسبـَّب عن حصول الجـنَّة. ويجوز [385] أن يكون المعنى: داموا عَلَى الصدود أو الصدِّ، فلا ينافي أنـَّهم قبل ذلك قد صدُّوا، وكذا يكون بمعنى ازدادوا صدًّا.

 

 {إنـَّهم ساء ما كانوا يعملون(2)}: أي بئس ما كانوا يعملونه. و«ما» موصول فاعل، والمخصوص بالذمِّ محذوف، أي اتـِّخاذهم الأيمان جـنَّة، أو مصدريـَّة، أي بئس كونهم يعملون، والمخصوص بالذمِّ كذلك؛ أو «ما» نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وهي فاعل أو تمييز، والفاعل مستتر مفسـَّر به والمخصوص محذوف، ويجوز تقدير المخصوص: إضمار الشرك أو الصدُّ أو الصدود، أو كلُّ ذلك وَهُوَ أولى.

 

 {ذلك}: أي ما ذكر من كذبهم ونفاقهم واتـِّخاذ الأيمان جـنَّة وصدِّهم لغيرهم، أو صدودهم بأنفسهم، أو ما تحقَّق به أنـَّهم أسوأ الناس أعمالا، وإشارة البعد مع قرب ذكر المشار إليه لبعده عن مقام الحطاب([6]) والخير، وبُعد أصحابه عن ذلك، وبعد منزلته ومنزلتهم في الشرِّ. وقال مقاتل بن سليمان: «الإشارة إِلىَ الكذب».

 

{بأنـَّهم آمنوا} أي نطقوا بالإيمان كسائر من يدخل في الإسلام، قالوا لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله، وليس ذلك في قلوبهم بل فيها التكذيب.

 

{ثمَّ كفروا} أظهروا الكفر الذي أسرُّوه بما شوهد منهم وما زال فيهم، وكلٌّ من الإيمان والكفر هنا لفظيٌّ، إِلاَّ أنَّ الإيمان لفظيٌّ ليس في القلب، والكفر لفظيٌّ وَهُوَ في القلب، وإنـَّما قلت ذلك لأنـَّه ليس المـُرَاد: أحدثوا الكفر، ويحتمل أنـَّهم في حين التلفُّظ بكلمة الإخلاص داهلون([7]) عن الشرك ونقضها، وبعد ذلك تعمُّد إبطالها ونقضها. ويجوز أن يكون المعنى: ثمَّ نطقوا بالكفر عند إخوانهم الكفرة كاليهود وسائر إخوانهم المنافقين، فهو من معنى الوجه الأوَّل، وذلك أنـَّهم نطقوا عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والمسلمين بالتوحيد، ثمَّ نطقوا عند الكفرة بالكفر، وإذا رأوا آية آمنوا، وإذا ألقيت إليهم شبهة كفروا؛ فالإيمان والكفر عَلَى هذا الوجه بظاهرهما.

 

{فطبع على قلوبهم} ربط عَلَى الكفر فيها فلا يزول، بل يزداد ويرسخ، أو وضع الوسخ وسخ الذنوب عَلَى قلوبهم، والطبع الوسخ؛ أو المعنى: غُطِّي عَلَى قلوبهم، أو رِينَ عليها كما قال: {كلاَّ بل ران عَلَى قلوبهم}. و«على قلوبهم» نائب فاعل وَهُوَ [386] الله، أي طبع الله على قلوبهم، كما قرئ: «فطَبَع عَلَى قلوبهم» بالبناء للفاعل، أي طبع الله على قلوبهم، وكما قرئ: «طبع الله على قلوبهم». وعن ابن عبَّاس: «ختم على قلوبهم»، وعن مقاتل بن سليمان: «طبع على قلوبهم بالكفر» أي ربط عليهما بالكفر، أي فلا يدخلها الإيمان.

 

{فهم لا يفقهون(3)} لا يعرفون حقيقة الإيمان أصلا لعدم تدبُّرهم واستدلالهم بالدلائل الظاهرة. وعن مقاتل: «لا يفقهون القرآن وصدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»؛ وقيل: إنَّهم يظنـُّون أنـَّهم على الحقِّ فأخبر الله جلَّ وعلا أنـَّهم لا يفقهون أنـَّه طبع على قلوبهم. وإن قلت: الطبع من الله ولو كان لسوء اختيارهم وأفعالهم وقصدهم الإعراض عن الحقِّ لكنَّ ذلك الاختيار وأفعالهم وقصدهم كلَّها خلقها الله فهذا فهذا [كذا] إجبار، قلت: {لا يُسأل عمـَّا يفعل وهم يُسألون}.

 

{وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} لغلظها وطولها وحسن منظرها وصباحة وجوههم وجمالها، ولا سيما عبد الله بن أبي، ومغيث بن قيس، وجد بن قيس، وأعظمهم في ذلك عبد الله.

 

{وإن يقولوا}: إنَّ تكلَّموا. ولا مفعول للقول لأنَّ غرض الكلام لا يتعلَّق به، إذ ليس المراد: وأن يقولَ كذا، بل كلُّ كلام تكلَّموا به فنزل منزلة اللاَّزم للعموم.

 

{تسمع لقولهم}: تصغ لقولهم لفصاحته وحلاوة كلامهم، وكان عبد الله بن أبيٍّ ونظائره يحضرون مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم رأسا([8]) المدينة، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة يسمعون إلى كلامهم ويعجبون به. ويجوز أن تكون اللاَّم بمعنى إلى. والخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو أفصح من هؤلاء ومن غيرهم، وما لهم منه إِلاَّ أنـَّه يعرف أنـَّهم فصحاء، ويعجبه ترتيبه. وإن قلنا الخطاب لكلِّ من يصلح له كما تدلُّ له قراءة: «يسمع» بمثنَّاة تحتيـَّة مضمومة وفتح الميم جاز ما ذكر. وجاز تفسيره بـ«تذعن وتخضع»، أي: وإن يقولوا تخضع لقولهم وتذعن له لفصاحته وبلاغته، والنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم منزَّه عن هذا لأنَّ كونه في غاية البلاغة يأبى ذلك.

 

{كأنـَّهم خشب مسنـَّدة}: كلام مستأنف غير متَّصل بما قبله، ولا يتوقَّف الاستئناف على تقدير المبتدإ، أي: هم [387] كأنـَّهم خشب مسنَّدة، ولا تقدير المبتدإ مانع من الاستئناف؛ ويجوز كون الجملة حالا من الهاء في قولهم: وعلى كلِّ وجه شبَّهمهم في جلوسهم في مجالس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مستندين فيها بخشب منصوبة إلى جهة على الحائط ووجه الشبه الخلو عن العلم والخير فكما أنَّ أنـَّه([9]) لا علم للخشب ولا تعمل خيرا بنفسها ولا بالطبع ولا تعتقد كذلك هم، وكذا لا فهم ولا استبصار، وكذلك عظم الأجسام؛ وذكر «المسنـَّدة» لأنـَّهم لا يقفون في المجلس ولا يضطجعون، وَأَيضـًا الخشبة غير المسنـَّدة قد تكون منصوبة يسقف عليها شيء أو يعلق عليها ففيها الخير بواسطة الموقف، وقد تكون شجرة ينتفع بأوراقها وثمارها فهي نافعة بالطبع، لكن بخَلق الله وإرداته وتطبيعه، وهؤلاء خالون عن نفع، وإن كان نفع فمصحوب بمكر، وأمـَّا الخشب المجعولة درجا فإن كانت بلا نـباء([10]) عليها فليس اسمها مطلق خشب مستندة بل درج أو خشب الدرج أو الطلوع أو نحو ذلك، وإن بني عليها وأخفيت فلا تذكر إِلاَّ بالدرج مع ما بني عليها.

 

 وقرئ بضمِّ الخاء وإسكان الشين تخفيفا من ضمٍّ، أو جمع خَشَبة كبَدَنة وبُدْن جمع للمفرد، أو جمع خَشَب بلا تاء جمع لاسم الجمع، وقيل: المسكَّن جمع خشباء وهي الخشبة التي فسد جوفها، شبِّهوا بها في فساد بواطنهم بأنواع الشرك والنفاق. وقرئ خَشَب ــ بفتح الخاء والشين ــ اسم جمع لخشبة؛ أوجمع من باب: كَلِمة وكَلِم. وضمُّ الخاء والشين لغة الحجاز، وإسكانُ الشين قراءةُ ابن عـبَّاس وتشديدة «مسنـَّدة» للتعدية كما يقال: مسْنـَدة ــ بإسكان السين ــ تعدية بالهمزة. وما قيل: من أنَّ «مسنَّدة» بالتشديد مبالغة لا يصحُّ إِلاَّ أن يقال: المراد أنـَّه اختيرت التعدية بالتشديد عن التعدية بالهمزة، لأنـَّه قد يكون التشديد في جملة للمبالغة، أو أنَّ التعدية بالتشديد أقوى منها بالهمزة.

 

 أو أنـَّه قد يقال: سنده بالتخفيف والتعدية فالتشديد مبالغة لا تعدية لحصولها [388] بدونه فيكون استند مطاوعا للمخفَّف، والوجه ما ذكر أوَّلاً. وإنـَّما «استند» موافق «سَنَدَ» كـ«كسب واكتسب». واختار التشبيه بالخـُشب لأنـَّها حال الحياة مثمرة نامية، ثمَّ تيبـَّست وانقطعت عن ذلك، وكذا الكافر كان قبل البلوغ على الفطرة ولـمَّا بلغوا كفروا، ولأنـَّهم حصب جهنـَّم توقد بهم كما أنَّ الخشب توقد بها النار، ولأنَّ لهم طرف إلى أسفل وهو باطنهم إلى الكفر وطرقا([11]) إلى جهة الإسلام العالي وهو ظاهرهم، فكذلك الخشبة إذا أسندت فطرف للعلوِّ وطرف إلى أسفل، وأيضا الخشبة المسندة تعتمد على جماد أو نبات، وهؤلاء المنافقون مستندون إلى الأصنام من خشب أو جماد. ويجوز أن يراد بالخشب الأصنام المنحوتة من خشب المسندة إلى الحائط، شبـِّهوا بها في حسن الصورة وقلَّة الجدوى.

 

{يحسبون كلَّ صيحة عليهم}: «كلَّ» مفعول أوَّل، و«عليهم» مفعول ثان، أي يظنـُّون كلَّ صيحة واقعة عليهم، ولو علِّق «عليهم» بـ«صيحة» لبقي «يحسب» بلا مفعول ثان؛ وذلك وصف لهم بالجبن وذمٌّ به، وهو عيب ديـنا ودنيا، أعادنا([12]) الله منه كما يستعيذ منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا سيما جبن في شرك، ورسوخ في الخيانة، أمـَّا مشرك جبان غير مؤذ فبقيت ذنوب استعمال الشجاعة في ما لا يحلُّ، والمراد في الآية كما هو المتبادر أنـَّه كلَّما وقعت صيحة ظنـُّوها عليهم، وليس المراد أنـَّهم يظنـُّون أنَّ كلَّ صيحة ستكون بعد هي تكون عليهم، وذلك أنـَّه إذا سمعوا صياحا لم يتفهَّموه أو لم يـبـين في هو[كذا] ظنـُّوه صياحا في شأنهم، مثل أنَّ يظنـُّوا أنـَّه أمر بقتلهم أوسبيهم أو إجلائهم، أو أنـَّه جاء عدوٌّ يقاتل أهل المدينة، فإذا نادى مناد في العسكر أو في المدينة أو في غيرهم: يا فلان، أو يا من فعل كذا، أو يا من أراد شراء كذا، أو نادى في إنشاد ضالـَّة أو نشدها، أو لقطة أو صى([13])، أو في انفلات دابـَّة، أو نحو ذلك ظنـُّوه إغراء بهم لما في قلوبهم من الرعب من المؤمنين وغيرهم، ومن جملة ذلك أنـَّهم يخافون أن يجيء أعداء [389] الرسول لقتاله فيصيبهم؛ ويحتمل أنَّ المراد أنـَّهم لعملهم السوء والخيانة يظنـُّون كلَّ صيحة صيح بها إِنـَّمَا هي لوحيٍ جاء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وإباحة أموالهم ودمائهم وذريَّتهم فهو([14]) من ذلك على وجل لفعلهم موجبـَه، فالوجه الأوَّل ذمٌّ لهم بالجبن وتهوين لهم عند المؤمنين فلا يهابونهم ولا يظنـُّون أنـَّهم شجعان، كـما يتوهَّم من فصاحتهم وغلظ أجسامهم، والوجه الثاني فضيحة لهم  فيما يتوقَّعونه من الجزاء، وليس في وصفهم بالقول والظنِّ منافاة لشبههم بالخشب، إذ كانت الخشب لا تقول ولا تحسب، لأنـَّه لا يلزم مساواة المشبـَّه للمشبه به في كلِّ وجه.

 

{هم العدوُّ}: هم الكاملون في العداوة، حتَّى كأنـَّه لا عدوَّ سواهم. أخبر الله سبحانه وعزَّ وجلَّ نبيئه صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك، فإنَّ أعدى الأعداء عدوٌّ يضحك إليك لأنـَّه يغرُّ، فيطمئن الله([15]) عدوّه حتَّى يجد فيه فرسة[كذا]. والجملة مستأنفة لا مفعول ثان لـ«يحسبون»، فيتعلَّق «عليهم» بـ«صيحةٍ»، لأَنَّ الصيحة ليست عدوًّا من بني آدم، فلا يخبر عليها بقوله: {هم العدوُّ}، إذ لا يتوهَّمون أنَّ الصيحة هي بنو آدم الأعداء، إِلاَّ أن يقدَّر «صيحة» بصائحين، أو بذوي صيحة، وفي ذلك دعوى حذف مع الاستغناء عنه مع أنَّ الصياح عليهم كاف في أنـَّه مضرَّة عليهم، فهو مغنٍ عن قوله: {هم العدوُّ} عَلَى هذه الدعوى، إِلاَّ أن يدَّعى أنَّ معنى الصياح عليهم وقوعه في أسماعهم فقط لا خصوص كونه في ضرِّه.

 

 {فاحذرهم} ترتيب للحذر عَلَى كونهم أعدى الأعداء، أي فاحذرهم أن تأمنهم عَلَى سرٍّ، وأن يغرَّك ظاهرهم من الأيمان ولين الكلام، فإنـَّهم لو أطاقوا لقتلوكم، ولو وجدوا أن يستعينوا عليكم لاستعانوا، وكلَّما وجدوا سرًّا أفشوه إِلىَ اليهود لعنهم الله.

 

{قاتلهم الله}: جملة في صورة الدعاء، مجاز مرسل عن استحقاقهم الهلاك والخزي لعلاقة اللزوم، لأنـَّه يلزم من استحقاق ذلك الدعاءُ به، فإذا دعا به الداعي علم السامع استحقاق ذلك، فالعلاقة اللازميـَّة والملزوميـَّة أو إحداهما، أو لعلاقة السبـبـيَّة والمسبـَّبيـَّة [390] أو إحداهما، فإنَّ فعل ما يستحقُّ به ذلك سبَب للدعاء عليه به، وإلاَّ فالله لا يدعو، إِنـَّمَا يدعو العاجز، والله جلَّ وعلا لا يعجز؛ وقيل: طلب الله عزَّ وعلا من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، والوجه هو الأوَّل، أو تقدير القول: أي قل يا محمَّد، أو يا أيـُّها المؤمنون: قاتلهم الله، فيكون دعاء حقيقا.

 

{أنـَّى يؤفكون(4)}: أي كيف يصرفون عن الحقِّ مع وضوحه بنفسه، أو وضوح دلائله، وذلك تعجيب من حالهم وظنـِّهم أنـَّهم عَلَى الحقِّ.

 

{وإذا قيل لهم}: عَلَى النصح

 

{تعالوا}: إئتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. كانوا إذا ظهرت زلَّة منهم يقال لهم: اذهبوا إِلىَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تائبين.

 

{يستغفر لكم رسول الله}: فَهَذَا يدلُّ أنَّ المـُرَاد: تعالوا إِلىَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أو تعالوا إلينا نذهب بكم إِلىَ رسول الله يستغفر لكم، وهذه نصيحة لهم وإعانة عَلَى الخير، وذلك خطاب لهم، فإنـَّهم كلُّهم أو جلُّهم لا يخلون من ظهور الزلل في حقِّ الرسول والإسلام صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ[كذا]، وإن ظهرت من كبير من كبرائهم رضوا بها، وقد رضوا بها قبل وأعانوا ــ والراضي أو المعين عَلَى شيء كفاعله ــ؛ وإن قيل: المـُرَاد: عبد الله بن أبيٍّ كان من خطاب الواحد بلفظ الجمع، فإن قيل: ذلك تعظيم، لم يصحَّ لأَنَّ الله جلَّ وعلا لا يعظِّم المنافقين والمشركين؛ وإن قيل: لأنـَّه فعل الزلَّة بهم وبرضاهم ومعونتهم فهو الوجه قُبـِل هذا، فليكن الخطاب لهم لأنـَّهم كفاعل، وإن قيل: خاطب الواحد بخطاب الجماعة لأَنَّ له أتباعا فهو كجماعة لا تعظيما صحَّ، كما قال جرير:

لا بارك الله فيمن كان يحـسـبكم           إِلاَّ عَلَى العهد حتَّى كان ما كانـا

لكن جرير أراد التعظيم لهذه المرأة التي خاطب حتَّى خاطبها بخطاب جماعة الذكور.

 

عن الكلبيِّ: «نزل القرآن عَلَى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بصفة المنافقين، مشى إليهم عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في استغفاره صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ [391] فنزلت الآية». وعن ابن عـبَّاس: «لمــَّا رجع عبد الله بن أبيٍّ من أُحُد بكثير من الناس صرفهم عن الجهاد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مقته المؤمنون، وغبقوه([16])، وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حتَّى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه ولا أريد أن يستغفر لي، فنزلت الآيـَة: {وإذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله}.

 

{لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدُّون وهم مستكبرون(5)} وقيل: دعوا إِلىَ الاستغفار لقوله: {ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ}، ولقوله: {لا تنفقوا عَلَى من عند رسول الله}، فقيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فقال: ماذا قلت حتَّى يستغفر لي؟!، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: {لووا رؤوسهم}. وقرئ: «لوَّوا» بشدِّ الواو الأولى للمبالغة، والمراد: ليُّ رؤوسهم عن القائلِ: تعالوا يستغفر...إلخ، والاستغفارِ استكبارا، وكذا الصدُّ المـُرَاد به الصدُّ عن القائل والاستغفار، فذلك تأكيد؛ ولعلَّ ليَّ الرؤوس مجرَّد تحريكها امتناعا أو تعجُّبا، وكذا «مستكبرون» معناه: مستكبرون عن الإذعان للحقِّ. وجملة «هم مستكبرون» حال من واو يصدُّون.

 

{سواء عليهم أستغفرت لهم} بإثبات الهمزة مفتوحة همزة التسوية وحذف همزة الوصل نطقا وكتابة، وقرئ بحذف همزة التسوية بدلالة «أم» وإثبات همزة الوصل كتابة لا لفظا، وإن ابتدئ بها ثبتت لفظا أَيضـًا مكسورة. وقرئ: «أاستغفرت» بهمزة التسوية مفتوحة وزيادة ألف بعدها مدًّا لا بدلا من همزة الوصل، لأنـَّها لا تثبت وصلا فضلا عن أن تقلب ألفا.

 

 {أم لم تستغفر لهم}: إمـَّا الاستغفار في قوله: {أاستغفرت لهم} فعلى تقدير مجيئهم معتذرين من زللهم، وإمـَّا عدم الاستغفار في قوله: {أم لم تستغفر لهم}، فعلى تقدير إصرارهم وَهُوَ الواقع منهم.

 

{لن يغفر الله لهم} أبدا لإصرارهم. قيل: نزلت هذه الآيـَة بعد قوله: {أاستغفرت لهم أم لم تستغفر([17]) لهم}...إلخ، قيل: لـمَّا نزلت قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «خيـَّرني ربـِّي، فلأزيدنـَّهم عَلَى السبعين»، فنزل: {لن يغفر الله لهم}.

 

 {إنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين(6)} الكاملين في الفسق...([18]) عن [392] دائرة الصلاح، وَالمـُرَادُ بهم المنافقون المذكورون، فجيء بالظاهر في موضع الإضمار لبيان غلوِّهم في الفسق، أو المـُرَاد كلُّ فاسق كتب شقوته، فيشمل هؤلاء شمولا، أولياء وغيرهم؛ وقد علمت أنَّ الهداية التوفيق بخلق فعل الاهتداء فيمن كتب سعادته؛ أو المعنى: لا يجمع إِلىَ فسقهم هداية، بل من شاء الله أزال فسقه وهداه، ويدلُّ عَلَى أن ليس المـُرَاد بالفاسقين كلَّ فاسق شقيٍّ بل هؤلاء المنافقون قولُه عزَّ وعلا:

 

{هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتَّى ينفضُّوا} فإنـَّهم أنسب لأن يكونوا هم المـُرَاد بالفاسقين والله أعلم. ووجه إرادة عموم الفاسقين أن تكون جملة «إنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين» برهانا لكون هؤلاء المنافقين لا يهديهم الله لأنـَّهم من جملة الفاسقين، ولكن يعني([19]) عن هذا أنـَّه إذا قلنا: الفاسقون هم هؤلاء المنافقون كانت الجملة تعليلا جمليـًّا، كما إذا أريد العموم أَيضـًا، فكأنـَّه قيل: إنَّ الله لا يهدي هؤلاء المنافقين لفسقهم، فأفاد البرهان أنـَّه كلَّما وجد الفسق لم توجد الهداية؛ ثمَّ إنَّ الله جلَّ وعلا شنـَّع عليهم أَيضـًا بقولهم لإخوانهم وسائر الأنصار مِمـَّن طمعوا فيه أو للكلِّ تجاهلا عليهم: {لا تنفقوا عَلَى مَن عند رسول الله} صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»، فقراء المهاجرين؛ والجملة مستأنفة لمجرَّد التشنيع عليهم بقولهم: «لا تنفقوا»، أو تعليل ثان لقوله: {لن يغفر الله لهم}، والأوَّل هو قوله: {إنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين}، أو هذه الجملة تعليل لفسقهم. و«حتـَّى ينفضُّوا» يـنـفرقوا، وَهُوَ ينفعل، من «فضَّه» بمعنى فرَّقه. وقرئ: «يُنفِضُوا» ــ بضمِّ الياء وكسر الفاء وتخفيف الضاد ــ مِن «أنفضَ القومُ» ــ بالتخفيف ــ إذا فنيت أزوادهم، وحقيقته: حتَّى يحين لهم أن ينفظوا([20]) مزاودهم، ولكن هم مقيمون لا مسافرون، والزاد طعام المسافر، فَالمـُرَادُ تشبيه طعامهم بطعام المسافر لقلَّته.

 

{ولله خزائن السماوات والأرض} أي لله ما فِيهِنَّ من الأرزاق وكلِّ ما ينتفع به مِمَّا قضاه من منتفع قد خزنه فيها لمن قضاه الله له، لا كما زعم هؤلاء المنافقون من أنَّ عدم إنفاقهم عَلَى فقراء المهاجرين [393] يؤدِّي إِلىَ انفضاضهم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ الله هو الذي يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وحاصل ذلك أنـَّهم ولو أراد([21]) قطع الإنفاق عنهم لا يجدون أن يقطعوا لأَنَّ الأموال كلَّها بيد الله، وقد قضى الله أن ينفقوا فلا يقدرون أن لا ينفقوا، وإن كان الله قد قضى أن يقطعوا قطعوا، ورزق الله المهاجرين مِمَّا شاء ما قضى لهم.

 

{ولكنَّ المنافقين لا يفقهون(7)} لا يعلمون أنَّ خزائن السماوات والأرض لله، وَأَنَّ مفاتح الرزق والمطر والنبات بيده، وأنـَّه هو الرزَّاق، {قل من يرزقكم من السماء والأَرض}. وقال أهل الإشارات: خزائن الله في السماوات والأرض مقدوراته، لأَنَّ فيها كلَّ ما يشاء مِمَّا يريد إخراجه؛ وَقَالَ الجنيد: «خزائن الله تعالى في السماوات الغيوب، وفي الأرض القلوب، وَهُوَ علاَّم الغيوب، ومقلِّب القلوب»، يعني فهو يقلِّب قلوبهم إِلىَ الإنفاق. والمنافقون لا يفقهون أنـَّه إذا أراد شيـئًا يقول له: كن فيكون.

 

{يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} من هذه الغزوة، غزوة بني المصطلق.

 

 {ليـُخرِجنَّ الأعزُّ منها}: يعني قائله عبد الله بن أبيٍّ وَهُوَ القائل، عنى نفسه لعنه الله، ونسب القول إِلىَ المنافقين لاتـِّباعهم له ورضاهم بقوله؛ أو أراد الفريق الأعزُّ وهم هو ومن معه في زعمه.

 

{الأذلَّ}: هو في زعمه لعنه الله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أو الفريق الأذلُّ وهم النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والمهاجرون والمؤمنون في زعمه لعنه الله، فهؤلاء قالوا: «لا تنفقوا عَلَى من عند رسول الله حتَّى ينفضُّوا»، فردَّ الله عزَّ وعلا عليهم بقوله: {ولله خزائن السماوات والأَرض ولكنَّ المنافقين لا يفقهون}؛ وقالوا: «لئن رجعنا إِلىَ المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ»، فردَّ الله جلَّ وعلا عليهم بقوله:

 

{ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون(8)}: العِزَّة الغلبة. وقدَّم «لله» للحصر فإنـَّها ملك لله عزَّ وعلا وفي قبضته، لا ملك لرسوله ولا للمؤمنين ولا للمنافقين ولا لغيرهم، ولذلك لم يقدِّم: «لرسوله وللمؤمنين»، لكن يهب نبيـئه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين منها هبة، فالمؤمنون أبدا في عزٍّ، إمـَّا بالسيف والحجَّة، وإمـَّا بِالحـُجَّةِ، وغيرهم [394] أبدا في ذلٍّ، إمـَّا بالسيف والحجَّة عليهم وإمـَّا بِالحـُجَّةِ ولو لم يستشعروا ذلك، وَالمـُرَاد بالعزَّة التي لله العِزَّة التي لمخلوق عَلَى آخر هي في حكم الله، يؤتيها من يَشَاءُ فهي لله ملكا وخلقا، وللمخلوق نفعا وإيتاء، كما أنَّ المال في ملكه يؤتيه من يشاء. وقيل: قوله: {ولرسوله وللمؤمنين} في نية التقديم عَلَى لفظ العِزَّة المذكور قبله، ويجوز أن يكون مُقَدَّمـًا تحقيقا عَلَى مبتدإ محذوف، أي ولله العِزَّة ولرسوله وللمؤمنين العِزَّة، وفي ذلك حصر.

 

 ويجوز أن يكون عِزَّة الله كونه عزيزا بالذات كعلمه وقدرته لا عِزَّة المخلوق التي بيده، وعليه فيقدَّر عِزَّة لرسوله وللمؤمنين كما رأيت، أو يراد ما يشمل عِزَّة الذات وَعِزَّة المخلوق، ولو اختلفتا، كما تقول: «الله ورسوله أعلم» مع أنَّ علم الله عزَّ وجلَّ وعلم رسوله مختلفان ولو اتـَّحد المعلوم، وَعَلَى كلِّ وجه فصل بِالعِزَّةِ بين «لله» وبين «لرسوله وللمؤمنين» لذلك، فإنَّ عِزَّة الله عِزَّة ذاتيـَّة قديمة، وَعِزَّة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين حادثة عارية، أو عِزَّة الله هنا عِزَّة المخلوق التي بيده فهي له بالملك والخلق، وللمؤمنين والنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بالهبة منه تعالى والنفع، وَعَلَى كلِّ حال الله ورسوله والمؤمنون مختصُّون بِالعِزَّةِ؛ فيفيد أنَّ الشيطان والمنافقين وسائر المشركين في هوان وذلٍّ. وقالت بعض الصالحات ــ وهي في رثـَّة ــ: «ألستُ عَلَى الإسلام، وَهُوَ العزُّ الذي لا ذلَّ معه، والغنى الذي لا فقر معه». وقال رجل للحسن بن عليٍّ: «زعم الناس أنَّ فيك تيها»، فقال: «ليس تيها، ولكـنَّه عِزَّة.

 

 فإنَّ هذا العزَّ العزُّ الذي لا ذلَّ معه، والغنى الذي لا فقر معه»، وتلا الآية. قال بعض العارفين: «العزَّة معرفة الإِنسَان نفسه وإكرامها عن أن يهينها بحضوض([22]) الدنيا، ويتعرَّض لها بهلاكها، فلا يحلُّ للمسلم أن يذلَّ نفسه، بل يجب عليه إعزازها بذلك، والكبر جهل الإنسان نفسه، وإنزالها فوق منزلتها، والعزُّ بالحقِّ والوقوف عَلَى حدِّ التواضع وَهُوَ محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم، وَالعِزَّة محمودة». والله جلَّ وعلا أعزَّ المؤمنين بتوفيقهم إِلىَ معرفة الحقِّ والتواضع [395] له، وإظهار دينهم. وقال في الأولى: {لا يفقهون}، وفي الثانية: {لا يعلمون} إيذنا([23]) في الأولى بِقِلَّة كياستهم وفهمهم، وفي الثانية بكثرة حمقهم وجهلهم، فإنـَّهم لو علموا أنَّ العِزَّة لله يضعها حيث شاء لما قالوا مقالهم ذلك. روي أنَّ جهجاه بن سعيد ــ أجير عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ ــ نازع سنانا الجهنيَّ ــ حليف عبد الله بن أبيٍّ وأجيره ــ واقتتلا، فصرخ جهجاه بالمهاجرين وسنان بالأنصار، فأعان جهجاها جعال [كذا] من فقراء المهاجرين ولطم سنانا فاشتكى إِلىَ عبد الله بن أبيٍّ، وذلك في الغزوة، وكان المنافقون يخوضون مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في الغزوة، فقال للأنصار: «لا تنفقوا عَلَى من عند رسول الله...»إلخ ــ وكانوا يسمُّون سيـِّدنا محمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رسول الله وفي قلوبهم التكذيب ــ والله لئن رجعنا إِلىَ المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ولـمَّا أراد أن يدخل المدينة اعترضه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ ــ وكان مؤمنا مخلصا ــ وقال: لئن لم تقرَّ لله ولرسوله بِالعِزِّ لأضربنَّ عنقك، ولـمَّا رأى منه الجدَّ قال: أشهد أنَّ العِزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لابنه القائل ذلك: «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا».

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}: لا يشغلكم الاهتمام بحرز أموالكم وتنميتها وَالتـَّمَتـُّع بها وتدبير أمورها، ولا بتدبير مصالح أولادكم وَالتـَّمَتـُّع بهم وجمع الأموال لهم  عن ذكر الله، كالصلوات الخمس وصلاة النفل وقراءة القرآن وسائر الأذكار والحجِّ والصوم والزكاة فإنـَّهما([24]) ذكر للقلب، وسائر الفرائض والنفل، فإنـَّها كلَّها ذكر، فإنَّ المزكِّي يذكر وجوب الزكاة، والصائم يذكر وجوب الصوم من الله وأمره بهما، ويحتاط عن فسادهما لله، ويرجو ثواب الله، وكلُّ ذلك ذكر لله، وكذا سائر العبادات. والذكر ذكر قلب وذكر لسان مع قلب، والآيـَة تبيح تدبـُّر مصالح المال والولد، وتنهى عن أن يشغل ذلك   عن طاعة الله؛ ثمَّ إنَّ مقتضى الظاهر: لا تلهوا بأموالكم وأولادكم عن ذكر الله، فهو نهي للذين آمنوا، ولكـنَّه [396] تعالى صرف النهي إِلىَ الأموال والأولاد عن أن يشغلوا أصحابهم للمبالغة، حتَّى كأنَّ الأموال والأولاد محرَّم عليهم أن يشغلوا بأملاكهم عن ذكر الله، والمال لا يكلَّف إِلاَّ إن كان رقـًّا، والرقُّ والولد الأطفال والمجانين لا تكليف عليهم، والبلَّغ العقلاء لم يكلَّفوا أن لا يشتغل بهم ملاَّكهم، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، ولفظ الآيـَة من نهي الغائب، ومثلها في المبالغة ونهي الغائب قولُه تعالى: {لا يجرمنـَّكم شنآن قوم}.

 

{ومن يفعلْ ذلك} أي التلهِّي بالأموال والأولاد عن ذكر الله، فَهَذَا مثل التجريد لمـا قبله والبيان له، لأَنَّ المـُرَاد بما قبل هَذَا: لا تلهوا بأموالكم وأولادكم عن ذكر، فبالغ بأن قال: {لا تلهكم أموالكم...} إلخ؛ فقوله: {ومن يفعل ذلك} رجوع إِلىَ هَذَا المـُرَاد، وتجريد عن بعض تلك المبالغة، ولست أريد الاستعارة المجرَّدة، ولو توبع اللفظ لقيل: وأيـُّما مال أو ولد لهى صاحبه فهو ضائع غير نافع له.

 

{فأولئك هم الخاسرون(9)} الكاملون في الخسران إذ باعوا النفيس العظيم الدائم وَهُوَ الجـنَّة بالحقير الفاني وَهُوَ لذَّات الدنيا واتـِّباع الهوى؛ أو خسروا في إنكار ما قال به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من التوحيد والبعث والجهاد والقرآن والفرائض والسنن والتأمـُّل في القرآن، باعوا الأحكام الشرعيـَّة وأمور الشرع بعرض الدنيا من اللذَّات والهوى فما ربحوا في تجارتهم.

 

{وأنفِقوا مِمَّا رزقناكم} المفعول محذوف، أي ما تيسَّر مِمَّا رزقناكم، أو ما وجب مِمَّا رزقناكم؛ وبعض يجعل «مِن» التبعيض([25]) اسما، أي أنفقوا بعض ما رزقناكم. وعن ابن عـبَّاس: «أراد زكاة المال»؛ وقيل: أراد كلَّ إنفاق واجب، وقيل: أراد النفل، وقيل: الآيـَة قبل هذه وهذه الآيـَة وما بعدها إِلىَ آخر السورة كلُّهنَّ في المنافقين، سمـَّاهم الذين آمنوا لظاهر حالهم، ويدلُّ لذلك قوله: {فأصَّدَّق وأكن([26]) من الصالحين}، فإنـَّه لا يعتاد من المؤمن، ولا سيما مع قوله: {لولا أخَّرتني}؛ وَعَلَى كلِّ حال ذكر «رزقناكم» ليشير إِلىَ أنَّ كلَّ ما في أيديكم غير حاصل لكم من جهتكم ولو تعنـَّيتم فيه، لأَنَّ الله هو الميسـِّر له إليكم وأثر تعنيهم [كذا] وكسبكم فأنفقوا بعضه ادِّخارا للآخرة، فلا يترك الإنفاق إِلاَّ من لا يريد الخير لنفسه، لأَنَّ الذي [397] بأيديكم هو من الله عزَّ وجلَّ لا منكم، وسألكم بعضه لا كلَّه، ونفع الإنفاق عائد إليكم لا له. والإنفاق عَلَى العموم يشمل وجوه الأجر كلَّها، والواجب وغير الواجب، فدخل الإنفاق عَلَى المجاهدين وطلبة العلم والمساكين.

 

{من قبل أن يأتي أحدكم الموت}، وكلُّ واحد منكم هو ذلك الأحد، فكأنـَّه قيل: من قبل أن يأتيكم الموت، أي دلائل الموت وعلاماته، فيسأل الرجوع إِلىَ الدنيا فلا يجده إن حضر أجله كما قال:

 

{فيقول}([27]) عند تيقـُّنه بالموت:

 

{ربِّ لولا أخـَّرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكن من الصالحين(10)}، وقدَّم المفعول وَهُوَ «أحدكم» عَلَى طريق العرب في تقديم الشيء لاهتمامهم به وللتشويق إِلىَ الفاعل، والله جلَّ وعلا حضَّهم عَلَى الصدقة بعد الحضِّ عَلَى الذكر لله. و«لولا» للطلب والتضرُّع، ولو وجِّها إِلىَ غير الله لقيل: حرف تحضيض، والله جلَّ وعلا لا يوصف بتحضيض الله إيـَّاه، لأنـَّه إِنـَّمَا يحضَّض العاجز الغافل. و«أخَّرتني» ماض بمعنى المضارع، أي لولا تؤخِّرني، أي تمهلني فلا تميتني، والأجل القريب: الأمد القصير بـأن يزيد في عمره فيتصدَّق ويتزكَّى كما قال: {فأصَّدَّق وأكن من الصالحين}. وهذا كما قال ابن عـبَّاس دَلِيل عَلَى أنَّ القوم لم يكن([28]) مؤمنين، إذ المؤمن لا يسأل الرجعة.

 

 وعن الضحَّاك: «لا ينزل بأحد لم يحجَّ أو لم يؤدِّ الزكاة موت إِلاَّ سأل  الرجعة» وقرأ هذه الآيـَة. وعن ابن عـبَّاس: «{وأكن من الصالحين}: أحجُّ». وعنه: «تصدَّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل». وذلك حين يفوت وقت القبول بمعاينة ملك الموت أو أمر من أمور الآخرة، وحينئذ يتحسَّر عَلَى المنع، ويعضُّ أنامله عَلَى فقد ما كان قادرا عليه. و«أصدَّق» منصوب في جواب الطلب بـ«لولا»  كحرف التحضيض، ولك أن تقول: «لولا» للتمنـِّي فيبقى الماضي عَلَى معناه، أو يكون للاستقبال، والنصب في جواب التمنـِّي؛ ويجوز أن يكون النصب عطفا للمصدر عَلَى «أجل»، أي لولا أخـَّرتني إِلىَ أجل قريب، فتصدُّقي وكوني من الصالحين، أي إِلىَ أن أتـَّصف بهاتين الصفتين في الأجل القريب. وقرأ أبيُّ: «فأتصدَّق» عَلَى الأصل، فإنـَّه أصل «أصَّدَّق» أبدلت التاء صادًا، وأدغمت في الصاد، فأتي([29]) بهمزة [398] الوصل في الماضي لسكون الأوَّل.

 

 وحذفت في المضارع، والموجودة همزة المضارع. و«أكن» مجزوم عَلَى معنى إسقاط الفاء من «فأصـَّدَّقَ»، لأنـَّه لو سقطت لجزم «أصَّدَّق» في جواب التمنـِّي، أو حرف الطلب، وكأنـَّه قيل: إن أخـَّرتني أصدَّقْ وأكنْ من الصالحين. وقرئ: «وأكونَ» بالنصب عاطفا عَلَى لفظ الصدق. وقرئ: «وأكونُ» بالرفع، أي وأنا أكون، عَلَى أنـَّه وعد من نفسه لله الكون من الصالحين.

 

{ولن يؤخِّر الله} عن الموت

 

{نفسا إذا جاء أجلها}: الأجل بمعنى آخر المدَّة الموقوتة، أي لن يمهل الله نفسا إذا جاء آخر عمرها، ويطلق الأجل أَيضـًا عَلَى جملة المدَّة، أي لن يمهلها إذا حصلت مدَّة العمر كلُّها، كأنـَّه قيل: إذا انتهت مدَّتها. ومعنى التأبيد في «لن» هنا أنَّ الله جلَّ وعلا ما دامت الدنيا لا يؤخِّر فيها نفسا إذا جاء أجلها، لا يؤخِّر في الوقت التالي هَذَا، ولا في الوقت بعده وهكذا، بل «لن» لاستمرار التأبيد والاستقبال، فشمل ما مضى أَيضـًا: لم يؤخِّر ولا يؤخِّر.

 

{والله خبير بما تعملون(11)} مجاريكم([30]) بما تعملونه، أو بعملكم وَهُوَ عالم به، لا يخفى عنه شرُّ بشرٍّ، وخير بخيرٍ، فشمِّروا لما هو آت. قبل([31]) الذكر، نبـَّه عَلَيه بقوله: {لا تلهكم...} إلخ، والشكر نبـَّه عليه بقوله: {وأنفقوا}. ويجوز أن يكون معنى: {خبير بما تعملون} خبير بما تعملون لو أخَّركم، وَهُوَ العمل السوء، كما قبل ذلك، {ولو ردُّوا لعادوا}، وهذا أنسب بقوله: {لولا أخَّرتني إِلىَ أجل...}إلخ، وردَّ الله عَلَى القائل: «لولا أخَّرتني إِلىَ أجل...»إلخ بقوله: {ولن يؤخِّر الله نفسا إذا جاء أجلها}، كما ردَّ بقوله: {ولله خزائن السماوات...}إلخ، عَلَى قولهم: «لا تنفقوا»، وبقوله: {ولله العِزَّة...} إلخ عَلَى قولهم: «ليخرجنَّ الأعزُّ...»إلخ. وقرأ عاصم: «يعملون» بالمثنـَّاة التحتيـَّة. والله أعلم. ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله([32]) العليِّ العظيم، لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه، والله المستعان.


 


[1]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «الذين».

[2]

- كذا في الأصل، والصواب: «عبد».

[3]

- كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.

[4]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ناقَضَه».

[5]

- في الأصل: «لتخذت».

[6]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الخطاب».

[7]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذاهلون».

[8]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رؤساء».

[9]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف: «أنَّ».

[10]

- كذا في الأصل، والصواب: «بناء».

[11]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «طرفا».

[12]

- كذا في الأصل، والصواب: «أعاذنا».

[13]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «صـبـيٍّ».

[14]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فهم».

[15]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إليه».

[16]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وعنـَّفوه».

[17]

- في الأصل: «أو لا تستغفر». وَهُوَ تصحيف.

[18]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة ما تقديره: «الخارجين».

[19]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يغني».

[20]

- كذا في الأصل، والصواب: «ينفضوا».

[21]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أرادوا».

[22]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بحظوظ».

[23]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إيذانا».

[24]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فإنـَّها».

[25]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التبعيضيـَّة».

[26]

- في الأصل: «وكن». وَهُوَ تصحيف.

[27]

- في الأصل: «ويقول»، وَهُوَ خطأ.

[28]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يكونوا».

[29]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فأوتي».

[30]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مجازيكم».

[31]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «قيل».

[32]

- في الأصل: «ولا قوَّة الله بالله». وَهُوَ خطأ!.

تفسير الآية