إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة التغابن
طباعـة

{بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ يسبـِّح لله} في الماضي والآني، فالمضارع للتجدُّد الإستمراريِّ، ختم السورة قبل هذه بإيجاب الذكر والشكر، وافتتح هذه بالتسابيح، تلويحا بأنـَّه إن لم تذكروا ولم تشكروا فإنَّ لنا من يسبـِّح ولا يفتر، ومن يسبـِّح ولا يكفر، وضمَّن تلك السورة بطالة [كذا] المنافقين سرًّا وجهرا، وضمَّن هذه تهديدا لهم بليغا إذ قال: {يعلم ما تسرُّون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} وهو أوكد من التهديد في تلك، مثل قوله: {والله خبير بما تعملون}، وأيضا من تسبِّح له السموات والأرض وما فيهما وتنزِّهه عمـَّا لا يليق به تنزيها مستمرًّا كيف يكفر به كافر ويكذِّب رسوله؛ كما يسبـِّح لله

 

{ما في السماوات وما في الأرض} أعاد «ما» و«في» إيذانا بأنَّ ما في الأرض نوع غير نوع ما في السماوات، فإن ما في الأرض الآدميون والجنِّـيُّون وسائر الحيوانات والشجر والنبات، وما في السماوات الملائكة والشمس والقمر والنجوم؛ والملائكة في الأرض إِنـَّمَا هم في السماوات وعلى غير الأصالة، وما في السماوات من بني آدم فمِن الأرض وعَلَى غير الأصالة. وإذا لم تُعَدْ «ما» و«في» فللإشارة إلى ما سوى الله كشيء واحد إذ هو كلُّه مركَّب حادث، وكانت السماوات والأرض رتقا فـفُـتـقتا، وفي إعادة «ما» و«في» مبالغة بتكرير ما يسبـِّح وهو ما في السماوت وما في الأرض، وبتكرير ذكر التسبيح  حكمًا فإنَّ الكلام بواسطة إعادة ما بالعطف بمنزلة أن يقال: يسبـِّح له ما في السموات ويسبـِّح له ما في الأرض.

 

{له الملك وله الحمد}: قدَّم «له» للحصر أي ما الملك إِلاَّ لله، وما الحمد إِلاَّ له، لأنـَّه هو مبدئ الكلِّ ومبدعه والمبقي له على الفناء، وأصولُ النعم وفروعها منه، وأمـَّا ملك غيره فتسليط منه واسترعاء كاستخدام السـيِّد عبده في ماله، وحمد الإنسان إنسانا آخر اعتدادا بجريان نعم الله على يده، وكذا حمد الله عبده، وحمد الملك الإنسان وكذا الجن.

 

{وهو على كلِّ شيء قدير(1)} أي على كلِّ ما شاء، ولا يشاء إِلاَّ ما يليق به، ولا يشاء ما يستحيل في حقِّه؛ وقيل: المعنى يقدَّر «ما يشاء» لا يزيد ولاينقص، وفيه أنـَّه لو كان كذلك لم يتعدَّ إلى المقدور بـ«على» بل بنفسه أو بلام التقوية؛ وإنـَّما المراد أنـَّه لا يعجزه ما شاء لأنَّ نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كلِّ سواء.

 

{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}: خلقكم كلَّكم على وجه قابل للعلم والعمل إذ خلق [400] فيهم وعقلا([176]) فلا يستدلُّون به، ونصب لهم دلائل فقصَّر من قصَّر وأعرض عن القبول والتأمـُّل، وهو بعض الكافر المخذول، وقَبِل مَن قبل وتأمـَّل وهو البعض المؤمن؛ فالكافر كَفَر اختيارا، والمؤمن آمن اختيارًا؛ والواجب عليهم أن يختاروا الإيمان كلُّهم ويشكروا النعمة، لكن رجع كلٌّ إلى خلقته التي خلق عليها. وقدَّم الكفر لأنـَّه الأغلب فيما بينهم والأنسب بمقام التوبيخ؛ والكافر شامل للمشرك الصريح والمشرك سرًّا والفاسق؛ أو الكافر الشرك([177]) الصريح والمشرك سرًّا؛ والمؤمن المقرُّ بالله المعتقد؛ وذلك أنَّ التوحيد أمر عظيم ولو كان لا ينفع مع الفسق فحسن أن يقال: منهم من كفر بي ومنهم من آمن بي، فإنَّ أصل اللغة إطلاق فاعل على من فعل ولو مرَّة ولو لم يرسخ، لا كما يقال يختصُّ بمن تكرَّر منه ورسخ، كيف والفاسق متكرِّر الإيمان مستمرُّه راسخه، بمعنى أنـَّه ليس مشرفا على الإشراك ولو لم يرسخ بالعمل. قال عطاء: «منكم جاحد ومنكم مصدِّق».

 

 والفاء للترتيب الذكريِّ، و«كافر» و«مؤمن» وصفات([178]) للاستقبال، أي من سيكفر بعد البلوغ ومن يؤمن بعد البلوغ؛ وأمـَّا الإيمان الفطريُ فكلُّ مولود يولد على الفطرة، أو الفاء بمعنى ثمَّ، ولكون الإيمان التامِّ بعد البلوغ والكفر بعده أيضًا قال بعض: الآية([179]) منكم مقدَّر كفره موجَّه إليه ما يحمله عليه، ومنكم مقدَّر إيمانه موفَّق لـمَّا يدعوه إليه، إِلاَّ أنـَّه لا يلائم المقام، لأنَّ المقام توبيخ، فإنـَّما يناسبه ذكر كسبهم لا ذكر ما وجِّه إليهِم مِمَّا ليس كسبا لهم، إذ لا يوبَّخون عليه. وعن ابن عـبَّاس: «خلق بني آدم مؤمنا وكافرا  ثمَّ يعيدهم يوم القيامة مؤمنا وكافرا، ومعنى خلقهم مؤمنين وكافرين خلقهم على أن سيكفر من يكفر ويؤمن من يؤمن، وهكذا كما قال بعض: خلقكم في بطون أمهاتكم مؤمنين وكافرين، أي سعداء وأشقياء بما يعملون بعدُ فيعبـِّر عن السعادة بموجبها وهو الإيمان، وعن الشقاوة بموجبها وهو الكفر. وذكر بعض أنَّ يحي عليه السلام خلق في بطن أمـِّه مؤمنا، وفرعون خلق [401] في بطن أمـِّه كافرا، قال جلَّ وعلا: {إنَّ الله يبشِّرك بيحي مصدِّقا}.

 

 وذكر الزجَّاج أنَّ المعنى منكم مؤمن بأنَّ الله خلقه، وكافر بأنـَّه خلقه، وهم الطبعيـُّون والدهريـُّون، وهذه مراعاة لما اتـَّصل به وهو الخلق وترتـَّب عليه، إذ قال: {هو([180]) الذي خلقكم}؛ واستدلَّ له بعض بقوله عزَّ وعلا: {قتل الإنسان ما أكفره من أيِّ شيء خلقه؟!}، وفيه أنـَّه لا يعود قوله: {من أيِّ شيء خلقه} إلى قوله: {ما أكفره} وليس المعنى أنـَّه كفر بأنـَّه خلقه من نطفة، وبقوله: {أكفرت بالذي خلقك من تراب}، وفيه أنَّ المعنى: كفرت به إذ أنكرت البعث، فإنَّ من ردَّ على الله شيئًا فقد كفر به ولم يجعله إلها إذ ردَّ عليه، ولو تلفَّظ بأنـَّه إله. وقال الضحاك: «مؤمن في العلانيـَّة كافر في السرِّ كالمنافق، وكافر في العلانيـَّة مؤمن في السرِّ كعمَّار بن ياسر، قال الله جلَّ وعلا: {إلاَّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}»، وهذا تكلُّف في تفسير الآية لا داعي إليه وخلاف الظاهر، ولو ناسب بعضه ما في السورة قبله من الإيمان ظاهرا والكفر باطنا.

 

{والله بما تعملون بصير(2)} لا يخفى عنه شيء مِمَّا تعلمون فاختاروا من الأعمال ما تحمد عاقبته وهو الإيمان والطاعة.

 

{خلق السماوات والأرض بالحقِّ}: بالحكمة البالغة المناقضة للسفه والباطل، فإذا كانت خلقا للحَكَم القادر فقد تضمَّنتا المصالح كلَّها الدنيويَّة والأخرويـَّة؛ أو الحقُّ الإرادة الأزليـَّة ولا تكون إِلاَّ بحكمة وصواب؛ أو الباء للتعليل، أو خلقهما للحقِّ من العبادة والجزاء عليها بعد البعث كما فسَّر بعض المحقِّقِينَ الباء بالتعليل، والحقَّ بالبعث؛ وسماه حـقًّا ردًّا على من يقول لا بعث، فقال الله جلَّ وعلا: إنـَّه حقٌّ، أي أمر ثابت لا تخيـُّل أو باطل.

 

{وصوَّركم فأحسن صوركم}: جمع صورة كغرفة وغُرف. والفاء لترتيب الذكر، أي أخبركم بأنـِّي أحسنت صوركم بعدما أخبرتكم بأنـِّي صوَّرتكم؛ أو للتفصيل فإنَّ التصوير مجمل وإحسانه تفصيل، وإحسان الصور من جملة التصوير؛ أو يفسـَّر «صوَّركم» بـ«أراد تصويركم». ومعنى إحسان الصور تحسين الجسد إذ لم يكسه بالشعر كلَّه كالبائهم، وإذ جعله منتصب القامة [402] بتناول([181]) طعامه وشرابه تناولا كاملا، وإذ فعل غير ذلك من محاسن صورته من تناسب الأعضاء وغيره؛ أو معنى إحسان الصور إيداع العقل والفطنة والفكر والاحتيال وقوَّة تعاطي الأمور العظام فيكم، وخلق المنطق الفصيح والبليغ والجدل وإمالة الأشياء إليه، فالملائكة تدعو لهذه البنية الإنسانيَّة تستغفر أوتلعن، والدواب تأنس به، وله عليها سلطان، والرطب واليابس يستغفر أو يلعن وتحيى بعدله وتموت بجوره، والجنُّ تبع له في الدين وتأكل ما على عظمٍ طرَحه، ودوابـُّهم تأكل بعر دوابه غير المحرَّمة، ويجد في نفسه من القوى الدالَّة على وحدانية الله تعالى دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة. وذكر قوله: {وصوَّركم} بعد قوله: {خلقكم} مع أنَّ الخلق لا يكون بلا تصوير ليرتـّب عليه مع الاتـِّفاق في اللَّفظ قوله: {فأحسن صوركم} والمخلوق ولو مدور الشكل بلا تخطيط فيه يصدق عليه أنـَّه على صورة هي صورته التي هو عليها حتَّى العرض له صورة وهي كيفيـَّته التي هو عليها؛ ولك أن تقول أنَّ المتعارف أنَّ الصورة ما كان بتخطيط أعضاء أو أبعاض فلم يلزم من ذكر الخلق التصوير فذكره مع ذكر الخلق، وأمـَّا إحسان الصور فلا يلزم من التصوير فذكره مع ذكر التصوير. والإنسان ولو كان غاية في قبح المنظر هو أحسن من بهيمة هي من الحسن بمكان فكيف الإنسان الجميل ومن دونه، فقبح صورته القبيحة إِنـَّمَا هي بانحطاطها عن غير القبيحة لا لخروجها عن الحسن، فقبحها نسبيٌّ لامطلق.

 

{وإليه} لا إلى غيره ولا إليه وإلى غيره،

 

{المصير(3)} مصدر ميميٌّ بمعنى الصيرورة، وذلك بالبعث للجزاء بالجـنَّة والنار، وذلك هو النهاية في خلقهم والحكمة في خلقهم بيان عظمته وكبرياءه، ولا حقَّ لأحد عليه لأنـَّه الموجد لهم ولا شريك له في شيء ما، فبعد ذلك كانت الحكمة فيمن كفر به أو فسق وأصرَّ العقابُ، وفيمن آمن وأصلح الثوابُ، وقد علم بالمحسن والمسيء بلا أوَّل وبالحكمة كذلك، أو نقتصر على أنـَّه حكيم قطعا بلا خفاء ولا ريب، فخلق الكافر حكمة ولو لم ندرِ ما هي، بل كذلك المؤمن فإنَّه لا نفع [403] له تعالى في إيمانه، وإنـَّما قال: {إليه} مع أنـَّه عزَّ وعلا لا يتـَّصف بالحلول في المكان أو الزمان، لأنَّ المراد الرجوع إلى حسابه وموضع البعث الذي هو له، وإلى ناره وجنـَّته فليحسن العامل عمله.

 

{يعلم ما في السماوات والأرض} من غير أجزائهما ومن أجزائهما وكلاًّ وجزءا، وما خفي عنـَّا وما ظهر.

 

{ويعلم ما تسرُّون} في قلوبكم، أو يسرُّه بعضكم إلى بعض ويخفَى عن باقيكم.

 

{وما تعلنون} تظهرون بألسنتكم أو بإشارة، أو إلى غيركم بلا إسرار عن أحد؛ وإنـَّما ذكر قوله: {ويعلم ما تسرُّون وما تعلنون} مع أنَّ قوله: {يعلم ما في السموات والأرض} شامل له عطفا للخاصِّ على العامِّ لمزية هذه الخاصِّ وهو علمه بما يسرُّون وما يعلنون لأنـَّه الذي يدور جزاؤهم، فإنَّ «يعلم» الأوَّل عامٌّ باعتبار متعلَّقه، والثاني خاصٌّ باعتبار متعلَّقه، وأعني بالمتعلَّق المفعول به. وفي ذكر قوله: {ويعلم ما تسرُّون...} إلخ تأكيد للوعد والوعيد.

 

{والله عليم بذات الصدور(4)}: هذا أيضًا تخصيص بعد تعميم، فإنَّ قوله: {ما تسرُّون} شامل له، ولكـنَّه ذكره أعظم سر. وإن قلنا ما تسرُّون بمعنى ما يسرُّه بعضكم لبعض فلا توكيد في قوله: {والله عليم بذات الصدور}، ولا تخصيص بل تأسيس تعميم هو تخصيص بالنسبة إلى قوله: {يعلم ما في السماوات والأرض}؛ والجملة على كلّ حال تقرير لـما تقدَّم من علمه سرَّهم وجهرهم. و«ذات» بمعنى صاحبة بإرادة الجنس، أي بكلمة صاحبة الصدور، أي بجنس الكلمة التي في الصدور، والإضافة للاستغراق الحقيقيِّ، أي يعلم كلَّ كلمة في الصدور؛ و«ألـ» في الصدور للاستغراق، ويجوز تقدير المنعوت جمعا، أي بمضمرات ذات الصدور، فأفرد النعت بتأويل الجماعة، والمراد بضمرات [كذا] الجنس الاستغراقي استعمالا لنكرة الإثبات في العموم الشموليِّ، كقوله عزَّ وعلا: {علِمَت نفس ما أحضرت}؛ وإن قلنا إضافة «ذات» حقيقيـَّة قدَّرنا المنعوت معرَّفا بـ«ألـ» الاستغراقية مفردا أو جمعا، أي بكلمة ذات الصدر أو بالمضمرات ذات الصدور، ولم يقل: وهو عليم.

 

 بل أظهر في مقام الإضمار بلفظ الجلالة إشعارا بعلَّة الحكم، لأنَّ لفظ الجلالة دالٌّ على جميع الكمال، ومنه العلم بذات الصدور، ولتأكيد استقلال الجملة. وقدَّم ذكر القدرة على ذكر العلم لأنَّ دلالة المخلوقات عليه [404] وعلى قدرته بالذات فإنـَّها صفة «قادر» كما تبيَّن من مشاهدتها والإخبار عنها وممن رآها أو أخبر عنها كأنـَّه رأى مكتوبا عليها أنَّ لـها موجِدا قادرا ليس منها، ويتنزَّه عن الجنس ودلالة المخلوقات على علمه بما فيها من الإتقان، واختياره ممكن دون ممكن فمن الممكن أن يجعل أقلَّ من سبع سموات أو أكثر، وأن يزيد فيما بينها بعدُ، أو أن يقرِّب بعضا من بعض  وأن ينقص مِمَّا هي عليه من غلط([182]) أو يزيد عليه وهكذا فيهن وفي غيرهنَّ.

 

{ألم يأتكم} الخطاب لكفرة مكَّة.

 

{نبأ الذين كفروا}: خبر الذين كفروا،

 

{من قبلُ}: من قبلكم، كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط وفرعون ومن معه، وأصحاب مدين وأصحاب الرسِّ.

 

{فذاقوا وبال أمرهم}: عطف على كفروا، والوبال الثقل والشدَّة المـُتَرَتـِّبـَة على أمر من الأمور، وأمرهم هو كفرهم، ووباله جزاؤه الغليظ، سمــَّاه وبالا لأنـَّه أمر هائل وجناية عظيمة. والفاء للترتيب والسبـبـيَّة، فإن ذوق الوبال مـُسَبـَّب عن كفرهم، والفاء بمعنى ثمَّ فهي هنا للتراخي مجازا مرسلا لعلاقة الإطلاق والتقييد فإنـَّها وضعت للاتـِّصَال، واعتبرت هنا لمطلق الترتيب بحيث يشمل الاتـِّصال والانفصال، فاستعملت من هذا الجنس للانفصال، وهو بعض من مطلق الترتيب، وأمـَّا التقييد فالترتيب بقيد الاتـِّصال وذلك أنـَّه لم يذوقوا العذاب عقب الكفر الأوَّل، أو شبَّه تأخير العذاب بإعجاله إيذانا بأنَّ زمان اللَّذة بالمعصية ولو طال فإنَّه كالقصير لشدَّة ما يترتَّب عليه من العقاب فاستحقَّ لفظ الاتـِّصال وهو الفاء.

 

 فهي استعارة تَبَعِيـَّة، أو الفاء بمعنى الواو مجازا مرسلا لعلاقة الإطلاق وهو مطلق الجمع، والتقييد وهو الجمع بقيد الترتيب والاتـِّصال فصلحت للتراخي المراد هنا كالواو، ويقدَّر محذوف أي ومضت مدَّة فذاقوا أو يأول([183]) كفروا بتم[كذا] كفرهم؛ وعلى كلِّ خال([184]) جيء بالفاء لتكون أشدَّ تهويلا، كأنـَّه لـمَّا كفروا الكفر الأوَّل عوجلوا ولم يمهلوا، والمراد بوبال أمرهم عذاب الدنيا المـُتَرَتـِّب على أمرهم الذي هو كفرهم، وإنـَّما قال: {ذوقوا} لأنَّ عذاب الدنيا ولو عظم هو بالنسبة [405] إلى عذاب الآخرة كذوق طعام أو غيره في القِلَّة بالنسبة إلى باقيه، ولأنَّ أوَّل كلِّ شيء كذوق، ولو اتـَّصل؛ فأول العذاب هو عذاب الآخرة فمن ابتدأ الأكل فَأوَّلُ أكله ذوق ولو كان يملأ بطنه مُتَّصِلاً أكله بهذا الابتداء.

 

 {ولهم عذاب أليم(5)}: لا يقادر([185]) قدره، وهو في الآخرة، فآمنوا يا أهل مكَّة قبل أن ينزل بكم ما نزل بهؤلاء.

 

{ذلك} أي ما ذكر من ذوق العذاب في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة،

 

{بأنَّه}: بسبب أنَّ الشأن أو الواقع أوالأمر أو نحو ذلك.

 

{كانت تأتيهم رسلهم}: اسم كانت، وفي «تأتي» ضمير الرسل بتأويل الجماعة، وجاز تقديم الخبر الفعلي لعدم الالتباس بالفعل والفاعل لقرينة أنـَّه لا بدَّ لكلٍّ من الفعلين من فاعل، أو من باب التنازع، فـ«رسل» فاعل «تأتي» وفي «كان» ضمير «هم» بتأويل الجماعة  أو بالعكس.

 

{بِالبـَـيِّـنـَاتِ}: بالمعجزات البـيِّـنة، أي الظاهرة.

 

{فقالوا}: عطف على «كانت» أو على «تأتي»، وفي الأوَّل مناسبة بالماضوية.

 

{أبَشَرٌ يهدوننا}: أي قال كلُّ قوم من هؤلاء لرسولهم: «أبشرٌ يهدينا»، والبشر هنا للكثير، فإنَّه يطلق على الواحد والاثنين وأكثر ولذلك جمع هنا واللَّفظ في «قالوا» وبشر يهدوننا جمع بمرَّة، والمراد أنـَّه قال: كلُّ قوم علىحدة في زمانهم لرسولهم: أتهدينا وأنت بشر، كما قال ثمود: {أبشرا منـَّا واحدا نتـَّبعه}، والبشر الجماعة، أو الواحد؛ وجمع الضمير بعد باعتبار تعدُّده في كلِّ زمان، وذلك قوله تعالى: {يا أيـُّها الرسل كلوا من الطَّيـِّبـَات واعملوا صالحا}، فإنَّ اللَّفظ جمع بمرَّة، والمراد أفراد كلُّ واحد في زمانه بخطابه، فإنَّه قال لكلِّ رسول في زمانه: كل من الطَّيـِّبـَات واعمل صالحا، فكلُّ رسول أتى قومه بِالبـَـيِّـنـَاتِ، قالوا له: أيهدينا بشر؟! لو كانت الرسالة إلينا من الله لم يكن بواسطة البشر، بل بواسطة الملك، انكروا أن يكون الرسول إنسانا وتعجَّبوا من ذلك ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجر لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلَّم ولا يضرُّ ولا ينفع.

 

 ولم يتعجَّبوا وتأتي مضارع لحكاية الحال الماضية المتجدِّدة وَالبَـيِّـنَات حقيقة البـيِّـنة، لأنَّ منهم من يأت ببـيِّـنة، ومن يأت ببـيِّـنـتين، ومن يأت ببيـِّنات؛ والهمزة للاستفهام التعجُّبي. و«يهدوننا» يبلِّغون الهدى عن الله [406] بالرسالة أو يرشدوننا بها.

 

{فكفروا}: بالرسل

 

{وتولَّوا}: أعرضوا عن التأمُّل في البَـيِّـنَات التي أتتهم بها رسلهم وعن الإيمان بها، وقولهم: «أبشر يهدوننا» إنكار وإعراض مع تعجُّب، وذلك كفر في المعنى، لكنـَّهُم قالوا: أنَّا بكم كافرون، أو لستم رسلا، أو نحو ذلك بعد ما قالوا: «أبشر يهدوننا»، فذكر الله كفرهم الذي صرَّحوا به بعد قولهم: «أبشر يهدوننا»، وبعد تصريحهم بالكفر شرعوا في العمل به وفيما يناقض الإيمان، فقال الله عزَّ وعلا في ذلك: {وتولَّوا}، وذلك بإعراضهم عن التـَّأَمـُّل فيما تات([186]) به الرسل.

 

{واستغنى الله}: عن إيمانهم وطاعتهم، أي أظهر الله الاستغناء عنهما إذ أهلكهم، ولو لم يستغن لتركهم أحياء ويجبرهم على الإيمان والطاعة تعالى الله عن ذلك وسبحانه، أو المراد استغناء الله عن خلقه كلِّهم، فتكون الواو للحال على تقدير قد والحال لازمة، لأنَّ الله جلَّ وعلا غنـيٌّ في الأزل وأبدا، والله  غنيٌّ عن خلقه كلِّهم، مؤمنهم وكافرهم وغيرهما، فضلا عن إيمان تلك الأقوام وطاعتهم، وهذا تقرير للاستغناء المذكور في قوله: {واستغنى الله}، فهذا مِمَّا يُـؤَيـِّدُ أنَّ المراد في قوله: {واستغنى الله} استغناءه عن إيمان هؤلاء الأقوام، وإلاَّ كان قوله:

 

{والله غنيٌّ} تأكيد([187]) لقوله واستغنى الله.

 

{حميد(6)} محمود أو حامد، حمده خلقه، وحمد نفسه، وحمد المطيعين من خلقه، بمعنى جزاهم أو أثنى عليهم.

 

{زعم الذين كفروا} هم كفَّار مكَّة، بدليل قوله: {قل بلى وربـِّي}، والزعم هنا بمعنى الكذب، أو قول بلا دليل، بل الدليل واضح للبعث، أو قول قارنه الاعتقاد بلا صحَّة، أو ادِّعاء العلم وقد أخطأوا لا علم لهم في ذلك. قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «زعموا([188]) مطيَّة الكذب». وعن شريح: «لكلِّ شيء كنية وكنيه الكذب زعموا».

 

{أن لن يبعثوا}: «أن» مخفَّفة، واسمها ضمير الشأن أو ضمير «هم»، أي أنـَّهم لن يبعثوا، والمصدر السلبيُّ مفعول به لـ«زعموا» قائم مقام مفعولين لاشتمال اللَّفظ قبل التأويل على المسند والمسند إليه، فإنَّه لو جعل مضمون الواو مفعولا أوَّلاً، ومضمون «لن يبعثوا» مفعولا ثانيا لصحَّ هكذا: زعموا أنفسهم [407] غير مبعوثين، وَكَـيفِيـَّة التأويل: زعم الذين كفروا انتفاء استقبال البعث بعد الموت أبدًا، والشأن عندهم هو انتفاء استقبال البعث أبدا وأنـَّهم لا يبعثون أبدا.

 

{قل بلى} لستم لا تبعثون، بل تبعثون، فإنَّ «بلى» لإثبات ما نُفي، ونُفي النهيُ وهو إثبات.

 

{وربـِّي لتبعثنَّ ثمَّ لتنبؤنَّ بما عملتم}: لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم، وإثبات البعث في هذه الجملة  تأكيد لـ«بلى» في المعنى، لأَنَّ معنى: «بلى» هم «تبعثون»، ورادت([189]) هذه الجملة بالقسم واللاَّم والنون للتأكيد، وزاد جملة أخرى نفع([190]) البعث لمضمونها وهو الإخبار بما عملوا والجزاء عليه، وهذه الجملة المزيدة هي قوله: {لتنبَّؤنَّ بما عملتم}،  وهي أَيضـًا محقِّقة للبعث، لأنَّ من الحكمة أن لا يتركهم بلا جزاء وقد كلَّفهم، والجزاء إِنـَّمَا هو بعد البعث، وإنـَّما أمر رسوله بالقسم مع توابعه من التأكيد باللاَّمين والنونين الشديدتين، وهم قد أنكروا رسالته فما يفيدهم ذلك لأنـَّهم قد عرفوا أنـَّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يعظِّم اللهَ تعظيما ويعتقد له أعتقادا لا مزيد عليه في طاقتة فإذا حلف به وأكَّد مالوا إِلىَ تصديقه، واعتقدوا أنَّ البعث عنده أظهر من الشمس.

 

{وذلك}: أي ما ذكر من البعث والتنبئة بما عملوا.

 

{على الله يسير(7)} سهل عند الله، ولا يوجد إِلاَّ  لَهُ، فالتقديم للحصر والفاصلة، وكأنـَّه قيل: إِنـَّمَا ذلك يسير على الله لا على غيره، هل يمكن لغيره تعالى بصعوبة، والآية غير نافية لهذا فنفيه من خارج فغيره لا يقدر على البعث لا بسهولة ولا صعوبة. ويجوز أن يكون «يسير» بمعنى ممكن غير محال فهو لا يمكن الله([191])، ولا تثبت استحالته لله وتثبت لغيره لتحقُّق القدرة التامـَّة وقبول المادَّة. والكفرة استبعدو إحياء ما فني أو صار ترابا فردَّ الله عليهم بأنـَّه يسير عليه.

 

{فآمنوا بالله ورسوله والنور}: «ألـ» للتعريف العهد([192])، أو بمعنى الإضافة أي ونوره.

 

{الذي أنزلنا}: عطف إنشاء على إخبار هو قوله: {وذلك على الله يسير}، والفاء سبـبـيَّة، أعني أنَّ ما بعدها مـُسَبـَّب عمـَّا قبله ويجوز [408] أن تكون فصيحة في جواب «إذا» محذوفة لظهور مناسبة للمقام، أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا، وهو القرآن، فإنـَّه لإعجازه بيـِّن بنفسه، مبين لغيره، يزيل الشبه، وَيُـبَـيـِّنُ الصواب، كالنور يرى لَمعانُه وإشراقه ونوره وجرمه، ويوضِّح ما خفي. ومقتضى الظاهر: والنور الذي أنزل، أي أنزله الله، ولكن لفت الكلام عن الغيبة إلى التـَّكَلـُّم مع أنَّ التـَّكَلـُّم أيضـًا بصيغة المتكلِّم ومن معه، لإبراز كمال العناية بأمر الإنزال فإنَّ المتكلِّم أقوى من الغيبة في إثبات الحكم ولا سيما بصيغة المتكلِّم ومن معه، وبوجد آخر أنَّ الأمر العظيم يتلقـَّاه جماعة، فهذه صيغة الجماعة لفظا، وأمـَّا معنى فالله عظيم المعظِّم نفسه المستغني عن غيره.

 

{والله بما تعملون خبير(8)}: قدَّم «بما تعملون» للفاصلة، ولأنـَّه أهمُّ المقام فيتأخَّر لفظ «خبير» ليتشوَّق إلى خبر المبتدأ، فإنَّ ما تأخَّر اشتاقت النفس إليه، والله مجازيكم عن إيمانكم وكفركم إن كفرتم، فالجملة مقرِّرة لـمَّا قبلها من الأمر يالإيمان بالله ورسوله محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والنور الذي أنزل. ولفت الكلام من التـَّكَلـُّم إلى لفظ الجلالة لتوفير الهيبة في نفس السامع وتأكيد استقلال الجملة.

 

{يوم يجمعكم ليوم الجمع}: «يوم» متعلِّق بـ«تـنـبَّؤنَّ»، أو يجير([193])، على أنـَّه بمعنى مجاز وإيضاحه أنَّ علم اسيد([194]) بفعل عبده سبب لجزائه وملزوم له، فذكر لفظ  الملزوم والسبب، وهو والخبرة في موضع ذكر اللازم والمسبـَّب، ولا سيما أنَّ المقام مقام التهديد، أو مفعول به لا ذكر محذوف، أو لـ«يوم الجمعة»([195]) متعلِّق بـ«يجمع»؛ واللام لتوقيت([196]) كقولك: «كتبته لأربع  مضين»، واليومان واحد[كذا]، إِلاَّ أنَّ الجمع الأوَّل مذكور للمخاطبين من كُفَّار قريش، والثاني لجمع الإنس والجنِّ والحيوان كلِّها.

 

 كأنـَّه قيل: يوم يجمعكم ليوم يجمع فيه الأولين والآخرين، وذلك كقولك: أكرم زيدا يوم أهين عمرا ليوم أهانه الناس؛ وإن لم يدخل فهمك في هذا فاجعل اللاَّم بمعنى في، واجعل الجارَّ والمجرور بدلا من الظرف المنصوب، بدل الشيء من الشيء، ومحلُّه نصب؛ ويجوز أن يكون «يوم» الأوَّل بعضا من الثاني، كأنـَّه قيل: وقت جمعكم في [409] يوم الجمع؛ واللاَّم بمعنى «في» متعلِّق بـ«يجمع» أو يجعل «ليوم» بدلا من «يوم» بدل كلٍّ من بعض، بناء على جوازه. و«يوم الجمع» هو يوم القيامة. وقرئ: «نجمعكم» بالنون. ثمَّ إنـَّه لا مانع من أن يكون الجمع الأوَّل بمعنى الآخراج من القبور والتوجيه إلى جهة الموقف، والثاني إكمالهم فيه وحبسهم فيه.

 

{ذلك} اليوم الذي يجمع فيه،

 

{يوم التغابن}: يوم يغبن الناس فيه بعض بعضا، ولكن ليس التفاعل على بابه بل للمبالغة بأنَّ أهل الجـنَّة غبنوا أهل النار، وأهل النار ما غبنوا أهل الجـنَّة، فإنَّ أهل الجـنَّة يأخذون منازل أهل النار في الجـنَّة وأزواجهم ومالهم من الخير، وأهل النار يأخذون منازل أهل الجـنَّة في النار وما فيها لهم من الأسواء، قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «عبد يدخل الجـنَّة([197]) إِلاَّ أري مقعده من النار لو أساء لِيزداد شكرًا، وما من عبد يدخل النار إِلاَّ أُري مقعده من الجـنَّة لو أحسن ليزداد حسرة». ولا غبن أعظم من هذا، كما دلَّ عليه بوجهين: الأوَّل: ذكر التغابن بوزن التفاعل، فإن المتغالبين([198]) على شيء كلٌّ منهما لا يترك شيـئًا من طاقته إِلاَّ أحضر. والغبن هنا من جانب واحد لكنـَّه مبالغ فيه.

 

 والثاني: الحصر بتعريف المسند إليه والمسند، كأنـَّه لا غبن إِلاَّ هذا الغبن، فكلُّ غبن في الدنيا عَلَى مالها أو جاهها أو خير من خيرها كلاَغبنَ في الحقيقة هو الذي يقع يوم القيامة لا ما يقع في الدنيا، ويجوز أن يكون المعنى: ذلك يوم ظهور التغابن وأثره، فأصله من الدنيا، فإنَّ المتـَّقي اشترى بإيمانه وتقاه في الدنيا منزل الكافر في الجـنَّة وبالعكس؛ وأصل الغبن أخذ الشيء بدون قيمته، قال بعض: ذلك يوم يغبن فيه أهل الحقِّ أهلَ الباطل، وأهل الهدى أهلَ الضلال، وأهلُ الإيمان أهلَ الكفر. ويتحقَّق التفاعل بين اثنين باعتبار ظلم الأشقياء للسعداء إذا صارت للسعيد منزلة الشقي في الجـنَّة لمظلمته، ومنزلة السعيد في النار لمظلمته للشقي، وقد قيل: للسعيد في الجـنَّة منزله ومنزل الشقيِّ، وللشقيِّ في النار منزله ومنزل السعيد، [410] فتبقى منازل كثيرة في الجـنَّة، لأنَّ أهل النار أكثر، وفي النار سعة عن منازل أهلها ومنازل أهل الجـنَّة؛ وقيل: كلٌّ ومنزله فقط في الجـنَّة والنار.

 

 إِلاَّ أنَّ السعداء يأخذون الأمكنة في الجـنَّة، والأشقياء يأخذونها في النار، بحيث لو كان أهل النار سعداء لكانوا هم في منازل السعداء في الجـنَّة، ولو كان السعداء أشقياء لكانوا هم في منازل الأشقياء في النار. ويجوز أن يكون معنى التغابن أنَّ السعداء في منازل النعم ليست للأشقياء وهم في منازل ليست للسعداء، كما فسَّر ابن عـبَّاس التغابن بأنَّ قوما في النار يعذَّبون وقوما في الجـنَّة يتنعَّمون، ثمَّ إنـَّه ذكر الله جلَّ وعلا أنَّ الكفرة اشتروا الحياة الدنيا والضلالة بالهدى فما ربحتهم تجارتهم وما كانوا مهتدين،والمؤمنين باعوا أنفسهم بالجـنَّة فربحوا.

 

{ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا} عملا صالحًا،

 

{نكفِّر}. وقرئ: «يكـفِّر» ــ بالياء ــ أي الله عزَّ وجلَّ،

 

{عنه سيئاته} في الدنيا، ويظهر أثر التكفير في الآخرة، أو يكفِّر في الآخرة لا يعاقبه فيها.

 

{وندخله جـنَّات تجري من تحتها الأنهار}. وقرئ: «ويدخله» بالياء.

 

{خالدين}: جمع مرعاةً للمراد بـ«مَن»، وأفرد قبل هذا للفظها.

 

{فيها أبدا}. إن قلت: كيف تكفَّر سيـِّئاته بالإيمان بالله والعمل الصالح دون ذكر الإيمان برسوله؟ قلت: المراد بالإيمان بالله الإيمان به على ما جاء به الرسل من الإيمان بهم وبالبعث والجـنَّة والنار وكتب الله. والمراد الإيمان والعمل الصالح فعلا وتركا، فإنَّ ترك المعاصي لوجه الله عمل صالح والمراد أن يأتي بذلك إلى موته.

 

{ذلك الفوز العظيم(9)}: أي ما ذُكر من تكفير السيـِّئات، وإدخال الجنـَّات الجاري من تحتها الأنهار. والخلود هو الفوز الذي لا فوز وراءه إذ هو النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجلِّ الطلبات.

 

{والذين كفروا}: أي بالله وقدرته على البعث؛ لم يقل: يكفرون كما قال: يؤمنون في قوله: {ومن يؤمن}، لأنَّ الكفر هذا كالمذكور قبلُ، كأنـَّه قيل: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا ندخله جـنَّات؛ ومن لم يؤمن الله

 

{وكذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير(10)}[411]هي؛ ومعلوم أنَّ النار ما فيها إِلاَّ السوء لكن صرَّح بالسوء في قوله: {وبئس المصير} للتأكيد. والآيات آيات القرآن الدالَّة على البعث؛ والإتيان بيان لكيفية التغابن.

 

{ما أصاب من مصيبة}: «مِن» صلةٌ للتأكيد  في الفاعل، والمفعول محذوف، أي ما أصاب أحدا مصيبة في الدنيا كمرض وفقر وقحط،

 

{إِلاَّ بإذن الله}: إِلاَّ بأمره وإرادته وتقديره، كأنـَّها أمرها الله أن تتوجَّه إليه بذاتها فتوجَّهت كما يأمر العاقل بشيء ففعله، إذ لم يقل: من أصيب بمصيبة فإنَّما أصابه الله بها. فسَّر الحسن البصري إذن الله بأمره، وابن عـبَّاس بعلمه وقضائه، وبعض بإرادة الله تعالى ومشيـئـته([199])، وبعض بتقدير الله وقضائه، وهذا متَّصل بقوله: {فآمنوا بالله...}إلخ، فإنَّه من آمن يعلم أنـَّه لا يصاب إِلاَّ بإذن الله.

 

{ومن يؤمن بالله يهد قلبه}: عند إصابتها إلى الثبات والاسترجاع، فإنَّه من أصيب وجزع فقد أصابته مصيبتان: إحدهما: هذه بعينها، والأخرى: حرمان الثواب عليها وهي أعظمهما؛ و«إنَّ لله عزاء في كلِّ مصيبة، و7خلفا من كل هالك، ودركا من كلِّ فائت، وبالله فاتقوا، وإيـَّاه فارجعوا، فإنَّ المصاب مَن حرم الثواب»، وهكذا جاء الحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ وقيل: «يهد قلبه» حـتَّى يعلم أنـَّه لم تكن لتخطئه وقد قضاها الله عليه، وما لم يقض عليه لم يكن ليصيبه؛ وقيل: يشرحه قلبه لازدياد الطاعة والخير وقال بعض: «يهد قلبه» للفرح بالمصيبة الواقعة والشكر عليها، وفيه أنَّ الآية لا يتبادر منها هذا؛ وقيل: يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، كما قال ابن عـبَّاس «يهد قلبه» لما يحِبُّ ويرضى. وقرئ: «نهد قلبه» ــ بالنون ــ وعكرمة: «يُهدَ قلبه» ــ بضمِّ بالياء وفتح الدال، ورفع «قلبه» ــ وقرأ بعض: «يَهدَأْ» ــ بفتح الياء والدال وبعده همزة ساكنة ورفع القلب ــ أي يسكن قلبه، وبنصبِ «قلبه» على حدِّ ما مرَّ في: «سفه نفسه» من التشبيه بالمفعول والله أعلم، ووجه تعميم الهداية عدم التقييد في الآية، وهو أولى. ووجه تفسير بالصبر على المصيبة اتـِّصَال هذا بذكر المصيبة؛ وكذا قراءة [412] السكون المراد بها يهدأ للمصيبة، أي يسكن لها، أو لا يجزع؛ أو لدين الله مطلقًا.

 

{والله بِكُلِّ شيء عليم(11)}: فهو عليم بما في القلوب من هداية وسكون وأحوال وإيمان وكفر.

 

{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}: كرَّر ذكر «أطيعوا» للتأكيد وللفرق بين طاعة الله وطاعة رسوله، فإنَّ طاعة الله التقرب إليه بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه، وطاعة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يأخذ([200]) علم الدين عنه واتباعه فيما يأمره وينهى عنه تقرُّبا إلى الله بالأخذ والاتـِّباع؛ وأيضـًا كرَّر ليذكر ما للرسول على حدة مُتَّصِلاً به، فذكر بالطاعة عَلَى حدة، وذلك قوله تعالى:

 

{فإن تولَّيتم} عن إطاعة الرسول،

 

{فإنـَّما على رسولنا البلاغ المبين(12)}: هذه علَّة نابت عن جواب الشرط، أي فإن تولَّيتم عن إطاعته فلا إثم عليه، أو فلا لوم عليه، أو فلا بأس عليه، أو فلا عقاب أو نحو ذلك، لأنـَّه ما عليه إِلاَّ البلاغ المبين وقد بلغ بما لا مزيد عليه، والبلاغ اسم مصدر بمعنى التبليغ أو مصدر على حذف مضاف، أي فإنَّما على رسولنا تحصيل البلاغ؛ ولو قيل: على الأب إطعام أطفاله أو مأكولهم  لصحَّ وكان مفهوما، فكذا لو لم يقدَّر هنا، أي عليه للأمـَّة البلاغ، أي أن يبلغ الوحي منه إليهم، وأن يصلهم منه، ومن جملة ما يبلِّغه إليهم ويجب عليهم فيه طاعةٌ: الإيمانُ والصبر للمصاوب([201]) دون جزع، ومقتضى الظاهر: فإنَّما على رسوله البلاغ المبين، أي رسول الله، فإنَّما عليه أي على الرسول، ولكن أظهر الرسول وإضافة لنا [كذا] تشريفا له صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وتأكيدا له بأنـَّه رسولنا فكيف يُعصى ويتولىَّ عنه، وللإشعار بأنَّ مدار الحكم هو ما يتعلَّق بالرسالة التي هي من مدلول لفظ رسولنا وهو البلاغ.

 

{الله لا إله إِلاَّ هو}: هذا أوكد من قولنا: لا إله إِلاَّ الله، وخبر «لا» محذوف أي: لا إله موجود أو يصحُّ أنَّ يوجد أو في الوجود وما بعد «إِلاَّ» بدل من الضمير المستر في ذلك الخبر المحذوف وجملة [كذا] واسمها وخبرها، و«إلاَّ» والبدل خبر المبتدأ، وإنـَّما لم نجعل الخبر لـ«إلاَّ» هو ما بعد «إِلاَّ» لأنَّ خبر «لا» واسمها لا يكونان معرفتين؛ والجملة مستأنفة لا اتـِّصَال لها بما قبله، أو مستانفة عائدة إلى [413] ما تقدَّم من الأوصاف الحميدة تكملة لها، {له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير}، فإنَّ من اتـَّصف بهذه الصفات ونحوها فهو الذي لا إله إِلاَّ هو لا يقصد إِلاَّ هو، ولا يعبد إِلاَّ هو، وإذا قصد غيره مِمَّا يجوز قصده وعلم أنَّ الأمر منه فذلك قصد له.

 

{وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون(13)}: الفاء صلة لتأكيد الربط، وقدَّم قوله: «على الله» للحصر، وأظهر لفظ الجلالة للإشعار بعلَّة حصر التـَّوَكُّل عليه، لأنَّ معناه المتـَّصف بجميع صفات الكمال المـُتـَنـَزِّه عن كلِّ نقص، ومن ذلك كمال القدرة وَالعِزَّة، فهو حقيق بأن يُـتَوَكَّلُ عليه لا على غيره إذ غيره كلّه، عاجز ومن كان مُتـَّصِفـًا بصفات الكمال ومُتـَنـَزِّهًا  عن صفات النقص كلّها فهو الذي هو أهل لأن يتـبـتَّل إليه بِالكُلِّيـَّةِ ويقطع التـَّعَلـُّق عمـَّا سواه، وفي ذلك بعث لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ على التقوِّي به على من كذَّبه وتولىَّ؛ وكذا في قوله: {الله لا إله إِلاَّ هو}.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم}: يشغلونكم عن طاعة الله، أو عن التوحيد، أو عمـَّا أردتم من المباح، ويدعونكم إلى كسب الحرام، ومنع الحقوق بلسان حالهم أو قالهم، فإنَّ الرجل تطالبه زوجه بما لا طاقة له به وتأخذه الشفقة عليهم فيمنع الواجب من أجلهم كالزكاة والكفَّارات ويكسب الحرام، أو يشتغل بكسب الحلال في ذلك عن فرائضه إِلاَّ أنَّ الصورة التي لم يأمروه فيها بمنكر لا تشملها الآية لقوله بعد: {وإن تعفوا}. وكان الرجل إذا أراد الهجرة تَعَلَّقَ به بنوه وزوجه فقالوا: أنت تذهب وتذرنا ضائعين، فمنهم من يطيعهم ويقيم، ومنهم من لا يطيعهم فيقول: أمـا والله إن لم لهاجر([202]) ويجمع الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا تنفعكم شيـئًا أبدا، فلـمَّا جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضَّلوا. وكان عوف بي مالك الأشجعي يثبـِّطه أهله وولده عن الهجرة والجهاد، ونزلت الآية فيه وفي غيره من رجال من أهل مكَّة يريدون الهجرة ورجال منهم أرادوا الإسلام، فمنهم([203]) أهلهم أزوجهم([204]) وأولادهم عن الهجرة أو عن الإسلام [414] ومن للتبعيض فإنَّ من بعض الأزواج والأولاد من لم يكن مانعا، ومنهم من كان طالبا للهجرة والإسلام، ومنهم من يصبر أو يكتفي بالموجود، ولا يطالب الأب أو الزوج بما لا يطيق.

{فاحذروهم}: أي فاحذروا العدوَّ منهم كما تحذرون العدوَّ من غيرهم، فالضمير للعدوِّ الذي هو بعض الأزواج والأولاد، والعدوُّ يصلح للواحد وغيره وهو هنا للجمع، كقوله تعالى: {فإنـَّهم عدوٌّ لي}، وذلك حمل على ضدِّه الذي هو صديق بوزن المصدر الصالح للقليل والكثير بلفظ واحد، كالصهيل والصرير، وبقي منهم من ليس بعدوٍّ فلم يؤمر بحذره؛ ويجوز عود الضمير للأزواج والأولاد، لأنـَّه لا ينهون، احذروهم كلَّهم، لأنَّ منهم عدوًّا كما يحذر ما لا تعلم منه المضرَّة مخافة أن تكون فيه، ومن ذلك قوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظنِّ إنَّ بعض الظنِّ إثم} والمراد: احذروا أن يفتنوكم، وكذلك المراد بعداوة البعض المضرَّة في الدين وقد قيل: المراد بالعدوِّ المشرك من الأولاد والمشركة من الزوجات ولو لم يكونوا مانعين لهم من الإسلام أو الهجرة، فقد نسخ إباحة المشركة غير الكتابـيَّة وأبيحت الكتابيَّة وبقي الأولاد والزوجات المسلمون فليسوا أعداء؛ وفيه أنَّ هذا يبقى عليه من هو مُوَحِّد منهم مانع من الهجرة، إِلاَّ على قول من قال: أنـَّهم مشركون ولو وحَّدوا إذ لم يهاجروا.

 

{وإن تعفوا}: عمـَّا أضرُّوكم به مِمَّا يتعلَّق بأمور الدنيا أو بأمور الدين وقد تابوا عن مضرَّة الدين أو لم يتوبوا مِمَّا لا تمنع مصاحبته والعفو عن عقابه بعدم توبته مثل أن يمنع الهجرة ثمَّ يترك المنع بلا توبة، وهذا وما بعده دليل على عدم دخول مضرَّة لحقت الرجل من ولده أو زوجه بلا دعائهما إيـَّاه إليها في قوله: {عدوًّا لكم}، مثل أن يرغب في جمع المال لهما فيمنع الواجب ويكسب الحرام من غير أن يطلباه ويضيـِّقا عليه.

 

{وتصفحوا}: تتركوا اللَّوم والعتاب،

 

{وتغفروا}: أي تخفوا زلَّتهم وهذه الجمل الثلاث تدلُّ أنَّ العداوة بأمر دنيويٍّ من الولد أو الزوج أو دينيٍّ تابا منه هو مضرَّة له.

 

{فإنَّ الله غفور رحيم(14)} علَّة لجواب الشرط [415] نائبة عنه، أي وافقتم ما أحبَّ الله، لأنَّ الله غفور رحيم، أو غفر الله لكم لأَنَّ الله غفور رحيم، أو تخلَّقتم بما اتـَّصف الله به لأَنَّ الله غفور رحيم، أو يعاملكم بمثل ما عاملتموهم به ويتفضـَّل عليكم، لأَنَّ الله غفور رحيم لـمَّا منعتهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة تأخَّرت هجرتهم، ولـمَّا هاجروا بعد ذلك وجدوا المهاجرين الأوَّلين قد تفقَّهوا في الدين وحازوا المراتب العالية أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فحثَّهم الله على العفو والصفح والغفر. وروي أنـَّهم أرادوا الهجرة وقال لهم أزواجهم وأولادهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأولادكم فقبظوا([205]) عليهم، وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلـمَّا هاجروا منعوهم الخير، فحثَّهم الله عزَّ وجلَّ على العفو والصفح والغفر ويعاملوهم بما كانوا يعاملونهم من قبل أو يزيدوا خيرا.

 

{إِنـَّمَا أموالكم وأولادكم فتنة}: هذا في مطلق الأولاد وما تقدَّم في بعضهم، لأنَّ «من» في قوله: {إنَّ من أزواجكم وأولادكم} للتبعيض ولا منافاة في ذلك، فإنَّ هذا المجموع لا جميع ليس المراد أن كلَّ ولد لكم فتنة بل المراد أنَّ في أولادكم من هو فتنة وهذا عين التبعيض، أو يقال: المراد هنا الكلُّ إِلاَّ ما شد([206]) وهنالك البعض إِلاَّ أنَّ المضرَّة مختلفة، فهنالك يذكر أنَّ بعضهم يصرفون الآباء عن الإسلام أو عن الهجرة، وهنا يذكر أنَّ الأولاد يوقعون الآباء في الإثم بوجه ما من الوجوه ولو بلا عمل منهم أو قول أو دعاء إلى الإثم؛ ويجوز أن يقال: إنَّ الأولاد كلَّهم فتنة في أنفسهم إِلاَّ أنَّ من الناس من تؤثـِّر فيه فتنتهم ومن لا تؤثِّر فيه، ألا ترى أنَّ بعض الناس يركنون إلى أولادهم في قوله([207]) أولادهم، أو فعلهم وهم مبطلون، ويعاملون الحرام ويكسبونه من أجلهم، ويضربون الناس ويشتمونهم حميـَّة لهم وبعضالا([208])، وأيضـًا كلّهم يشغلون عن الآخرة، وهذا الوجه فيه تكرار مع قوله: {إنَّ من أزواجكم} فيما يتعلَّق بالأولاد من الآيتين، والجواب أنـَّه لا تكرار لتخالف مفهوم العدواة والفتنة، فإنـَّها الشغل عن الآخرة، وإذا ذكر [416] معهم الأموال، والوجه الثاني أحسن، فإنَّ الأموال والأولاد يوقعون في الفتنة من حيث المحافظة عليهم والمحبـَّة لهم، والثالث أحسن من الثاني، وروي أنـَّه لـمَّا منعهم أولادهم وأزواجهم من الهجرة وخوَّفوهم مفارقة المال والعشيرة نزل: {إنـَّما أموالكم وأولادكم فتنة} لكم. وعن ابن عـبَّاس: «أراد لا تطيعوهم في معصية الله».

 

{والله عنده أجر عظيم(15)} لمن آثر محبـَّة الله وطاعته عَلَى محـَبـَّة المال والولد، فاتركوا الاشتغال بهما عمـَّا تنالون به هَذَا الأجر العظيم، ولا تعصوا الله في شأنهما.

 

{فاتـَّقوا الله ما استطعتم}: هذه الفاء سبـبـيَّة، أي اجتهدوا في التقوى من أجل ذلك الأجر العظيم أن تنالوه. و«ما» مصدريـَّة، والمصدر مفعول مطلق هكذا: اتـَّقوا الله استطاعتكم، أي قدر استطاعتكم، وهذا القدر عين الاتـِّقاء، أو «ما» نكرة موصوفة بجملة بعدها، والرابط محذوف، أي استطعتموه، وهي اقعة([209]) عَلَى الاتـِّقاء، أي اتـَّقوا الله اتـِّقاء استطعتموه، وَعَلَى كلِّ حال المـُرَاد بذل الجهد في التقوى، وذلك هو المـُرَاد بقوله: {اتـَّقوا الله حقَّ تقاته} فإنَّ «حقَّ تقاته» في جنب كلِّ أحد هو ما يستطيع، فلا حاجة إِلىَ أن يقال: إنَّ «حقَّ تقاته» ما يفي بحقِّه من التقوى، ثمَّ نُسخ بقوله: {فاتـَّقوا الله ما استطعتم} فإنـَّه يلزم عليه التكليف بما لا يطاق.

 

{واسمعوا} مواعظه، أو اسمعوا لله ولرسوله، أي: لا تعصوهما، أو اصغوا لكتابه وما أمركم به أو نهاكم عنه،

 

{وأطيعوا} أوامره.

 

{وأنفقوا}: مِمَّا رزقكم في وجوه الإنفاق مخلصين لله،

 

{خيرا} أي مالاً، فهو مفعول لـ«اتنفقوا»([210])، أو مفعول مطلق، أي أنفقوا إنفاقا خيرا؛ أو خبر لكون محذوف، أي: يكن الإنفاق خيرا، وَعَلَى الوجهين مفعول «أنفقوا» محذوف، أي: أنفقوا مالا.

 

{لأنفسكم}: متعلِّق بـ«أنفقوا» عَلَى الأوجه كلِّها، ويزيد الأخير بجواز تعليقه لـ«يكن»([211]) المقدَّر، أو بمحذوف نعت لـ«خيرا»، والجملة تأكيد للحثِّ عَلَى الاتـِّقاء والسمع والطاعة، وبيان لمـا هو أفضل لهم.

 

{ومن يوق شحَّ نفسه}: وقاه الله أن تشحَّ نفسه بماله أو جاهه أو بدنه أو كلامه؛ وقيل: شحُّ نفسه ظلم نفسه.

 

{فأولئك هم المفلحون(16)} الفائزون بالجـنَّة، والنجاةِ من النار. [417]

 

{إن تقرضوا الله قرضا}: تعطوا الله بعض أموالكم بصرفها في وجوه الأجر إعطاء

 

{حسنا} بأن يكون من حلال بلا قصد إِلىَ الرديء شحًّا، وبإخلاص عن رياء وسمعة وبطيب نفس، و«قرضا» اسم مصدر، والمصدر الإقراض، وجعل الكلام بلفظ الإقراض والقرض تلطُّفا في الاستدعاء إِلىَ الإنفاق في سبيل الله، فإنَّ القرض هو الذي يرجى مثله؛ ويجوز أن يكون القرض بمعنى المال، فيكون مفعولا به. وحسن المال كونه من حلال غير رديء مقصودة رداءته شحًّا مخلصا فيه طـيِّبة النفس بِهِ، فبعض حسنه ذاتيٌّ، وبعضه عَرضيٌّ.

 

{يضاعفه لكم}: الواحدة بعشرة وأكثر كسبعين ومائة وسبعمائة وأكثر. وقرئ بإسكان الضاد، وصيغة المفاعلة أبلغ.

 

{ويغفر لكم}: ببركة الإنفاق ذنوبكم، وكرَّر لفظ «لكم» لمزيد الاستدعاء إِلىَ القرض الحسن.

 

{والله شكور}: يجازي بالكثير عَلَى القليل، وبالعظيم عَلَى الحقير. وأعاد لفظ الجلالة إيذانا بعظم ما يجازي به المتـَّصف بالألوهيـَّة.

 

{حليم(17)} لا يعجِّل العقوبة عَلَى الذنب بل يؤخِّر للتوبة، أو يعفو.

 

{عالم الغيب والشهادة} فلا يضيع من أعمالكم شيء، ومَن شأنُ علمه ذلك أن يكون قديرا.

 

{العزيز}: الغالب الذي لا يعجزه شيء.

 

{الحكيم(18)}: الذي لا يخطئ في حكمه ولا في صنعه، وَالعِزَّة والحكمة دالاَّن عَلَى القدرة التامـَّة. ولا حولَ ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه. والله أعلم.


 


[176]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف واو العطف.

[177]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المشرك».

[178]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف واو العطف.

[179]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب إضافة: «معنى الآية».

[180]

- في الأصل: «هم». وَهُوَ تحريف.

[181]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يتناول».

[182]

- كذا في الأصل، والصواب: «غلظ».

[183]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يؤوَّل».

[184]

- كذا في الأصل، والصواب: «حال».

[185]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يقدَّر».

[186]

- كذا في الأصل، والصواب: «تأتي».

[187]

- كذا في الأصل، والصواب: «تأكيدًا».

[188]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الزعمُ».

[189]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ووردت».

[190]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يقع».

[191]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فهو لا يمكن لغير الله».

[192]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العهدي».

[193]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بـخـبـير».

[194]

- كذا في الأصل، والصواب: «السيـِّد».

[195]

- كذا في الأصل، والصواب: «ليوم الجمع».

[196]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للتوقيت».

[197]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما من عبد يدخل الجـنَّة...».

[198]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المتغابنـين».

[199]

- في الأصل: «ومشيـته». تعالى الله عن ذلك!.

[200]

- كذا في الأصل، والصواب: «بِأخذِ».

[201]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المصايب».

[202]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نهاجر».

[203]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فمنعهم».

[204]

- كذا في الأصل، والصواب: «أزواجهم».

[205]

- كذا في الأصل، والصواب: «فقبضوا».

[206]

- كذا في الأصل، والصواب: «شذَّ».

[207]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في قول أولادهم أو فعلهم».

[208]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإعضالاً».

[209]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «واقعة».

[210]

- كذا في الأصل، والصواب: «لـ“أنفقوا”».

[211]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بـ“يكن”».