إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الطلاق
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يا أيـُّها النبي} محمَّد {إذا طلقتم} أنت أو أتباعك {النساء} نساءكم المدخول بهنَّ الحوائض، بدليل قوله: {لعدَّتهنَّ}، إذ معناه الطهر بعد الحيض. ذكر في السورة التي قبل هذه الملك والحمد والقدرة، والملك يفتقر إلى  التصرُّف على وجه يحصل منه نظام الملك، والحمد يفتقر إلى ذلك التصرُّف بطريق العدل والإحسان، وبالقدرة على من يمنعه من التصرُّف. وتقرير الأحكام في هذه السورة متضمِّن لهذه الأمور، وآخر تلك السورة الوصف له عزَّ وعلا بالعلم العامِّ والعزَّة والحكمة، وأوَّل هذه متضمِّن لعلمه بمصالح النساء وطلاقهنَّ وإمساكهنَّ وللحكمة في ذلك، وأنَّ ذلك [418] حكم العزيز الذي من تعدَّى حدوده لا ينجو من عقابه، وخصَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالنداء معم عموم الخطاب له ولا عقد في طلقتهم لتشريعه صلَّى الله عليه وسلَّم وإجلال مرتبته وتحقيق أنـَّه المخاطب حقيقة وأن خطابه كاف عن خطابهم حتَّى أنـَّهم لو لم يخاطبهم لدخلوا في خطابه وأن الخصوصوية لا تثبت إِلاَّ لدليل فهم تبع له فاصل الخطاب أنَّ يخص به بعد ذلك لكن خوطبوا معه بخطاب واحد تبعا له فالأصل أن يقال إذا: طلقة فيدخلون معه بالتبغ بلا خفاء ولا إشكال فخص بالنداء لبيان الامتياز ولو كان نداءه كندائهم لكان الخطاب له فيدخلون تبعا ولا يوجد بيان تخصيص مع ذكرهم أنَّ يقدَّر النداء هكذا: «يا أيـُّها النبيء ويا أيـُّها المؤمنون»، أو يقدَّر العطف بلا نداء هكذا: «يا أيـُّها النبيء والمؤمنون إذا طلَّقتم النساء»، أو يقدَّر القول هكذا: «يا أيـُّها النبيء قل لهم إذا طلَّقتم النساء».

 

 قال أنس: «طلق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حفصة فأتت إلى أهلها، فنزلت الآية وأمرت النساء المطلَّقات أنَّ لا يخرجن من بيوتهن وقيل له صلَّى الله عليه وسلَّم: راجعها فإنها صوامة قوامة»، وعن الكلبي أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «غضب على حفصة لـمَّا أرسل إليها حديثا فأظهرته لعائشة رضي الله عنها فطلقها تطليقة فنزلت الآية»، قال أنس: «لـمَّا قرب النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم من مارية القبطية في بيت حفصة بكت وقالت: يا رسول الله في بيتي وفي نوبتي ما صنعت هذا بي بين نسائك إِلاَّ من هواني عليك قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا أرضينك وأني مسر إليك سرًّا فاحفظيه؛ إشهدي أنَّ هذه علي حرام أرضاه لك وأبشري ببشارة أنَّ أبا بكر هو الخليفة من بعدي وأنَّ أباك هو الخليفة من بعده»، وهذا هو السر الذي ذكره الكلبي أنـَّه طلَّقها من افشاءه وقال السدي: «نزلت في عبد الله بن عمر لـمَّا طلَّق امرأته حائضا فـأُمروا أنَّ يطلقوا أوَّل الطهر مستقبلات لعدتهن»، ونزل ذلك وقال مقاتل بن سليمان: «طلق رجال في الحين ابن عمر وعم بن سعيد بن العاصي وكتبته [419] ابن غزوان فنزلت فيهم وقيل لهم:

 

 

{فطلقوهن لعدتهن} فطلقوهن لعدتهن هذا نفس التطليق المذكور في قوله: {إذا طلَّقتم النساء} ، وتحصيل الحاصل لا يجوز فيؤول الأوَّل بالإرادة وهو مسبِّبها ولازمها هكذا إذا أردتم تطليق النساء فطلقوهن لعدَّتهن وفيه الردُّ على الظاهرية إذ لو وجب الأخذ بالظاهر للزم إمـَّا تحصيل الحاصل وإمـَّا تعديد التطليق وكلاهما غير مراد ومعنى لعدَّتهنَّ عند أوَّل عدَّتهنَّ أطو في بدأ عدَّتهنَّ فاللاَّم للتوقيت أو يقدَّر مستقبلات لعدَّتهن فهي للتقوية فيطلقن أوَّل الطهر قبل الجماع إِلاَّ أنَّ الآية لا تدلُّ على شرط عدم الجماع قبل الطهر، وقال عبد الله بن مسعود: «إذا أراد الرجل أنَّ يطلق امرأته فليطلقها طاهرا من حيضها من غير جماع وكذا قال مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن فلم يشترطوا أوَّل الطهر بل الطهر مطلقًا قبل الجماع ولو وسط أو آخر، والإجماع وقع على أنَّ لعدَّتهنَّ معناه وقت طهرهنَّ إِلاَّ أنـَّه انطلق في الحيض صحَّ وعصى وكان طلاق بدعة»، ويدلُّ لصحته قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لابن عمر «راجعها...» إلخ.

 

وروي أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لابن عمر حين طلَّق زوجه حائضا: «ما هكذا أمرك الله إِنـَّمَا السنَّة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكلِّ قرء تطليقة» وهذا نص على أنَّ في عدد الطلاق سنة وبدعة فمن يدعيه الطلاق في الحيض والطلاق ثلاثا بلفظ واحد أو الطلاق اثنتين بلفظ واحد والطلاق أكثر من الثلاث، والطلاق مرارا في طهر واحد والسنَّة أنَّ يطلق كلِّ طلقة في طهر صحيح وبه قال أهل العراق وأبو حنيفة وروي أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قرأ من قبل عدَّتهنَّ، وهذا هو أوَّل الطهر وبهذا تكون مستقبلة للعدة فيطلقن في أوَّل الطهر لك يجامع فيه وقيل في طهر لم يجامعهنَّ فيه ولو غير أوَّله كما هو ظاهر الحديث ثمَّ يخلين إلى أن تنقضي عدَّتهن وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنَّة وأبعده من الندم، وكانت الصحابة يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إِلاَّ واحد ة ثمَّ لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدَّة، وكان مالك يكره الثلاث مجموعة أو متفـرِّقة، وقال: [420] لا أعرف الطلاق إِلاَّ واحدة ولعلَّه أراد في الطهر الواحد للحديث السابق من الطلاق في كلِّ طهر أو لم يصله الحديث وأصحابنا لا يعدون تعديد الطلاق في الطهر الواحد بدعة إِلاَّ أنَّ كلِّ لفظ واحد أو في الحيض وكذا قال الشافعي لا بدعة في طلاق الثلاث في طهر واحد ويطلق الآيسة والحامل والتي لم تحض والتي لم يدخل بها متى شاء ولا بدعة فيها إِلاَّ أن طلقن ثلاثا بلفظ واحد أو طلَّق غير المدخول بها في الحيض، والواضح أنَّ غير المدخول بها يلاحقها الثلاث بلفظ واحد بتقديم بأن يقول إنـِّي ثلاثا طلقت فلانة أو بتوسيط بأن يقول طلقت ثلاثا فلانة وفي التأخير حلف قال بعض [كذا] أو بالفاظ، قال بعض أو مفصول في طهر واحد وهو واقع على كلِّ حال إِلاَّ التي لم يدخل بها فوقت واحد، وروي أنَّ رجلا طلَّق امرأته بين يده ثلاثا فقال: أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم، وعن ابن حنيفة: طلاق الحامل والآيسة والصغيرة للسنة أن لا يطلقن في الطهر الواحد إِلاَّ مرَّة وكما لا يطلق المدخول بها بها ثلاثا إِلاَّ بدعة أو مكروها على ما مرَّ كذلك يكون بدعة أو مكروها الطلاق الواحد البائن.

 

 وعن  ابن حنيفة وأبي يوسف أنـَّه يعرف على الحامل والآيسة والصغيرة الطلاق ثلاثا في الأشهر، وأنَّ هذه سنَّة وقال محمَّد وزفر لا يطلق للسنة إِلاَّ واحدة وأمـَّا غير المدخول بها فلا يتصوَّر فيها خلاف السنَّة بتكرير الطلاق على القول بأنـَّه لا يتكرَّر لها ويقع خلاف السنَّة فيها بطلاقها في الحيض وإنـما نهي عن الطلاق في الحيض لأنـَّه لا يعدُّ الذي طلقت فيها فتصير فيه كالمعلقة التي لا هي معتدَّة ولا ذات بعل ويطول الأمر عليها فذلك إضرار وعلى هذا فيجوز طلاق غير المدخول بها في الحيض لأنـَّه لا عدَّة على غير المدخول بها وقيل: لا تعتبر هذه العلَّة لعموم النهي عن الطلاق في الحيض وإن طلقت بعد الدخول  الواقع في الطهر فقد تحبل بمسه ويندم على طلاقها إذا بان أنـَّها حامل ثمَّ إنـَّها تعدُّ في الأطهار طهر المطلَّقة هي فيه ولو في غير أوَّله،

 

{وأحصوا العدة} عدَّة مطلقاتكم إعرفوا بما تعتدُّ [421] بالحيضات أم بالأشهر وأعرفوا البدأ والآخر واستكملوها لتعرفوا الولد والنفقة عليهنَّ ولم يقل وأحصوها بل أعدا لفظ العدَّة للتأكيد، واتقوا الله ربَّكم في تطويل العدَّة عليهنَّ والإضرار بهنَّ بان يحبسها في الطلاق حتَّى إذا كادت تخرج من العدَّة زاد طلاقا آخر وكذا بعد في وصف لفظ الجلالة بالربوبيَّة تأكيد للتقوى ومبالغة في إيجابها فإنَّ التربية غنعام فيجب شكره بالتقوى وقيل: إن اتقاء الله هو ترك الإخراج المذكور في قوله: {لا تخرجوهن من بيوتهن} وعلى هذا القول تكون هذه الجملة بدلا من قوله:

 

{واتقوا الله ربكم} بدل كلِّ وأن أريد بالإتقاء عموم الإتقاء فهذه الجملة بدل بعض كقولك أنَّ تصل لله تسجد له يثبك وإن أريد حقيقة التقوى لا بقيد إدخال ترك الإخراج فيها كان بدل اشتمال ويدلُّ على الإبدال عدم الواو والعاطفة في قوله لا تخرجوهنَّ وقيل: الجملة مستأنفة والمراد بيوتهن مساكنهنَّ سواء أكانت ملكا لهم أو ملكا لغيرهم ورجعت البيوت بأيدي ملاَّكهن، فليعينوا مساكن أخر بالشراء أو الكراء أو العارية، أو الوقف وكذا إن كانت وأرادوا تعديل السكنى ببيت آخر لهو أو لغيرهم فإنـَّهم ذلك بلا إضرار فإن الواجب عليهم إسكانهن عند الإطلاق إلى كمال عدَّتهن حتَّى أنـَّه عزَّ وجلَّ أضاف البيوت إليهنَّ تأكيدا لإسكانهنَّ حتَّى كان البيوت لهنَّ وهي الأزواج أو غيرهم وهو حقّ لهنَّ وإن أسقطته سقط فإنـَّها ما ذامت غير مطلَّقة قد حبسها الشرع له في بيته لقضاء وطره ومصالحه فعليه مؤنتها وفي حبسها صون لماءه وإذا طلَّقها بقيت على السكنى والمؤنة كله سقط إِلاَّ صون الماء  فإنه ليس لها تضييعه فيلزمها من لا تخرج ولو من بيتها ولو رضي لأنَّ ذلك حقّ للع تحريما إِلاَّ الضرورة كانهدام أو حريق أو سيل تحاصب [كذا] وانقضاء وقت كراء كما قال جلَّ وعزَّ : {لا تخرجوهنَّ}، وقال  [422]أيضًا: {ولا يخرجن}وقيل إن رضيا بالخروج خرجت لان ذلك حقّ لهما فالمراد لا يخرجن إِلاَّ بإذن والصون ممكن ولو خرجت فلتحتفظ وإذا قلنا حقّ لله فالإذن في الخروج اخرج فلا يجوز الإذن ومعنى الإخراج: أن يخرجوهنَّ بقضالهنَّ أو للإحتياج إلى المسكن أو غضبا عليهنَّ أو لكراهة مساكنتهنَّ ومعنى خروجهنَّ أنَّ يخرجن بإرادتهنَّ إِلاَّ أنَّ يأتين «أن» مصدريـَّة ناصبة لمحلِّ يأتي المبني لنون الإنات بفاحشة مبينة استثناء من قوله:

 

{لا تخرجوهن من بيوتهن} لا من قوله

 

{ولا يخرجن} لأنَّ خروجهنَّ معصية منهي عنه فكيف بيجه [كذا] الإتيان بفاحشة أو كيف يكون الخروج باختيارهنَّ عقاباً للفاحشة بل الإخراج هو العقاب للفاحشة وللإستثناء منقطع أي لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ

 

{إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} أي لكن اتيانهنَّ بها مبيح لإخراجهنَّ ويجوز أنَّ يكون متصلا على التفريغ وتقدير لام التعليل أي لا تخرجوهنَّ إِلاَّ لإتيانهنَّ بفاحشة مبينة والفاحشة المبينة الزنى فيخرجن للجلد لأنـَّهنَّ غير ذوات أزواج أو للرجم لأنـَّهنَّ في عدّة الرجعة فولأن فلوكان الطلاق بابنا فللجلد هذا إيضاح ما قال ابن عـبَّاس رضي الله عنهما والضحاي وقيل: عن ابن عـبَّاس الفاحشة المبينة سلاطة اللسان وسوء الخلق ويدلُّ اختلاف الروايتين عنه أن مراده التمثيل وأنـَّه فسر الفاحشة المبينة في الآية بكلِّ سوء يصدر منهنَّ قال السدي والباقون غير ابن عمر النشوز، وقالا ابن عمر هي الخروج قبل انقضاء العدَّة وعليه خاصـَّة يكون الاستـثـناء من قوله: {ولا يخرجن} فيقدر إِلاَّ فإتيان الفاحشة أو وقت إتيان الفاحشة المبينة أو عمادات الإتيان بالفاحشة المبينة أو متصفات بإتيان الفاحشة وحاصله أنـَّه إذا خرجت حصلن على شيء هو فاحشة مبينة، وهو الخروج كما تقول: من زنى فقد فعل ذنبا عظيما فإن المراد بالذنب العظيم الزنى نفسه المذكور بقولك: من زنى، ولا تكرير في ذلك لتغاير مفهوم الخروج، والفاحشة المبينة، والزنى والذنب العظيم، وقرء إِلاَّ أن يفحشن عليهم إستثناء من قوله: {ولا تخرجوهنَّ}، وهذه القراءة تدلُّ أنَّ المراد بالفاحشة سلاطة اللِّسان فيما قيل: ووجه أنَّ الفاحشة عليكم أنسب بالسلاطة منه بالزنى النشوز والخروج ولو صلحت لذلك، ومعنى «مبين» ظاهرة واضحة لا خفاء فيها فالتشديد للمبالغة والأصل بـيِّـنة وقرئ مبينة بفتح الياء المثناة التحتية أي مبرِّهن عليها بالحجَّة والمراد على القراءتين أنَّ يكون مفعولها مِمَّا قل قبحه وبتسامح فيه ولا مِمَّا يدعيه وأنكرته لا بـيِّـنة له، وقد يقال بجواز أنَّ تكون الاستـثـناء في تفسير ابن عمر السابق من قوله عزَّ وعلا: {لا تخرجوهن} بمعنى أنـَّه إذا خرجن بلا إذن منكم وعدن فأخرجوهن أو أبوقوهن خارجا إن لم يرجعن إِلاَّ إن تبن،

 

{وتلك} الأحكام المذكورة من التطليق للعدة وإحصاء العدَّة واتقاء الله وعدم الإخراج من البيوتن والخروج إِلاَّ أنَّ ياتين بفاحشة، وإشارة البعد لبعد ما ذكر للفصل بـ: «إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة، ولفصل بعض تلك الأحكام ببعض ولأنَّ الكلام إذا تمَّ فقد غاب عن الحسن فهو بعيد، ولعلو درجة تلك الأحكام

 

{حدود الله} أحكام لا تتعدى بتركها بل يوقف عندها بأمتثالها

 

{ومن يتعد حدود الله} هذه الأحاكم المذكورة أو هذه وغيرها بان يطلق في الحيض، أو لا يحتفظ على العدَّة والمؤنة فيها، أو يخرجها من بيتها أو تخرج هي فإنـَّها داخلة في كون ذلك الخروج حدا لها أنَّ لا تفعله وفي قوله: {ومن يتعد} ولم يقل يتعدها بالإضمار بل أظهر لفظ الحدود لتهويل أمر التعدي وأمـَّا علَّة الحكم في قوله عزَّ وعلا:

 

{فقد ظلم نفسه} فيشعر بها لفظ يتعد ولو قيل: يتعدها بالإضمار نعم في ذكر الحدود مزيد تقوية العلَّة ومعنى «ظلم نفسه» ضرَّ نفسه بأن تعرض بها لعذاب الله أو نقص حظ نفسه بتفويتها الجـنَّة ووضعها في غير موضعها ويدلُّ لهذا الوجه قوله تعالى:

 

{لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1)} فإنـَّه مستأنف لتعليل ترتيب ظلم النفس على التعدي فإن معنى قوله: {لا تدري} إلخ؛ لا تدري لعلَّ الله يحييها إليك فتجدها عندك لم تفعل ما يفوتها عنك ولا ما ينفع من شأنها وقد أجازوا أن تتزين له في العدَّة [424] الرجعي ولعلَّه يقلب قلبك عمـَّا لا يجوز فلا تفعله فتحبها وتقبل إليها فراجعها أو تجدد لها نكاحا فالظلم عبارة عن ضر دنيوي يلحقه بتعديه لا يتداركه أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي، فيرجع قوله {لعلَّ الله} إلخ إلى جانب الدنيوي لأنَّ همَّة النس بصرفه أهم، وإن فسَّرنا الظلم بالتعرض لعذاب الله فقوله: {لا تدري لعلَّ الله يحدث} إلخ عائد إلى قوله: {ولا تخرجوهن من بيوتهن} فلا التفات فيه إِلاَّ أنـَّه خطاب للمفرد لفظا بعد الخطاب بالجمع وإذا فسرناه عائد إلى قوله: {ومن يتعد حدود الله} إلخ ففيه التفات الكلام من الغيبة إلى الخطاب للفت الله إيـَّاه لمزيد الزجر عن التعدي، والخطاب لكلِّ من يصلح له فهو كالجمع لكن على سبيل البدلية، وليس الخطاب للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

{فإذا بلغن أجلهن} الأجل آخر العدَّة ومعنى بلوغه الكون فيه أي في الآخر الذي تمكن الرجعة فيه قبل انسلاخ العدَّة كلِّها، وعلى هذا ألاَّ يؤول «بلغن» بقاربن البلوغ وإن جعلنا الأجل تمام العدَّة إحتجنا إلى تأويل البلوغ لأنـَّه لا يجد الرجعة بعد تمامها.

 

{فأمسكوهن} راجعوهن فإن المراجعة لهنَّ إمساك لهنَّ على النكاح الأوَّل عن أن يفُتْنَهم فلا  يملكوهن. 

 

{بمعروف} مع معروف في العشيرة والفقة

 

{أو فارقوهن بمعروف} من إيفاء الحقّ لهنَّ كإنفاق ولدهن منهم وإعطاء الصداق أو ما بقي منه ويتفضلوا عليهنَّ، قال الله جلَّ وعلا: {ولا تنسوا الفضل بينكم} والإغضاء عن ذكر عيوبهن، وترك الفراق بغير المعروف مثل أن يقرب انقضاء العدَّة فيراجعها أو يطلقها ثمَّ إذا قارب انقضاءها راجعها ثمَّ يطلقها إضرارا  لها بتطويل العدَّة.

 

{وأشهدوا ذوى عدل} على الطلاق ندبا لئلاَّ يتذرع بترك الإشهاد إلى إرثه إياها بعد انقضاء العدَّة أو إرثها إيـَّاه بعد انقضائها ووجوبا على الرجعة لانقطاع العقد الأوَّل إِلاَّ بنكاح أو رجعة، ألاَّ ترى أنـَّه لو لم يراجعها حتَّى تمت العدَّة لخرجت فما ذلك إِلاَّ لانقطاع العقد الأوَّل حين طلَّق إِلاَّ أن الشارع أبقى الرجعة في العدَّة رفقا بهما، وفي الإشهاد قطع النزاع، وقيل الإشهاد في الطلاق والرجعة [425] ندب، وقال الشافعي كما قلنا الإشهاد على الطلاق ندب وعلى الرجعة إيجاب فكما لا تحلُّ إِلاَّ بشهادة نكاح لا تحلُّ إِلاَّ برجعة بشهادة أو نكاح بشهادة في العدَّة، والثاني لأبي حنيفة، وعليه فلو راجعها بلا إشهاد وبلا نطق بل نـيَّة الإبقاء على النكاح الأوَّل لجاز وهو ضعيف لا يعتمد لـمَّا أعلمتك من أنَّ الرجعة كالنكاح ولأنـَّه إن لم يشهد أمكن لها الإنكار لرجعته فتتزوج عند الفراغ من العدَّة إذا أقرَّ بالطلاق وادعى الفراغ بعد الرجعة بلا بـيِّـنة ولئلاَّ يتهم في إمساكها حراما كقاعد على فراش حرام وكذا هي كقاعدة على فراش حرام والأمر على مذهبنا من عموم المجاز حتَّى لا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.

 

{منكم، وأقيموا الشهادة لله} على الإطلاق الرجعة أيـُّها الشهود عند استحقاق أدائها لا إله إِلاَّ الله مخلصين لله، وهذا الأمر للوجوب كالذي قبله في جنب الرجعة ثمَّ الذي أقول به أن الأمر للوجوب في الطلاق والرجعة لا تصحُّ بلا شهادة كما لا يصحُّ النكاح إِلاَّ بها ولو أقر بها.

 

{ذلكم يوعظ به} الإشارة إلى ما ذكر من الإشهاد والإقامة، أو إليهما وإلى ما مرَّ من الأحكام من أوَّل السورة إلى هنا.

 

{من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} لم يذكر الإيمان برسوله لدخوله لدخوله بالإيمان، لأنَّ من لم يؤمن به يقال له: كافر مكذِّب لله لا مؤمن بالله، وخصَّ من يؤمن بالله واليوم الأخير [كذا] لأنـَّه المنتفع بذلك.

 

{ومن يتـَّق الله} يحذر خلافه في هذه الأحكام المذكورة من أوَّل السورة إلى هنا وغيرها،

 

{يجعل له مخرجا(2)} موضع خروج كباب يخرج به من ضيق، شبـَّه الأمر الذي يتخلَّص به من الضيق والشدَّة بباب سجن يفتح له فيخرج منه، وذلك كمن يطلِّق للعدَّة يجعل له سبيلا إلى الرجعة ويجعل له فيه خيرًا، أو ييسِّر له زوجًا صالحًا وينجِّيه من حقوق الأزواج، وييسـِّر له النفقة والصداق، وكمن يصبر على المصيبة فيجعل له مخرجا عن النار إلى الجـنَّة، وكلُّ شدَّة من فقر وكرب يتخلَّص منها بالتقوى، سواء أكانت من عموم الدنيا أم الآخرة، كما قرأ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الآية فقال: «مخرجًا من شبهات الدنيا [426] ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة»، وهذا تمثيل من النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنـِّي لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم: {ومن يتـَّق الله...}» فما زال يردِّدها ويعيدها، وروي أنَّ عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنه سالما، فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [فقال:] أسر ابني، وشكا إليه الفاقة، فقال عليه الصلاة والسلام: «اتـَّق الله وأكثر من قول: "لا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم»، ففعل، فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه عليه الباب ومعه مائة بعير غفل عنه العدوُّ الذين أسروه فاستاقها كما قال الله عزَّ وجلَّ:

 

{ويرزقه من حيث لا يحتسب} من وجه لا يخطر بباله، سمَّى ذلك الوجه بموضع من الأَرض تشبيها، وهذا أَعَمُّ من إبقاء لفظ «حيث» عَلَى معنى المكان الحقيق. وقوله: {ومن يتـَّق الله...} إلى قوله: {...قدْرًا} اعتراض مؤكِّد لمـا تقدَّم من وجوب مراعاة حدود الله، أكَّده بوعد المخرج والرزق وكفاية الله إذا توكَّل، مع أنَّ ما أراده الله يقع ولا يتخلَّف عمـَّا قدَّره، وذلك عَلَى اتـِّقاء تعدِّي الحدود؛ كما أنَّ قوله: {ومن يتعدَّ...} إلخ مؤكِّد لوجوب المراعاة للحدود، أكَّده بظلم نفسه إذا تعدَّاها؛ ويجوز أن يكون المعنى: من يتـَّق الله وآثر الحلال والصبر عَلَى أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ويرزقه من حيث لا يحتسب.

 

{ومن يتوكَّلْ على الله فهو حسبه} من وثق به كفاه الله جميع ما أهمَّه من جميع أموره، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من أحبَّ أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل عَلَى الله».

 

{إنَّ الله بالغ أمره} يبلغ ما يريده ولا يعجزه مطلوب، و«بالغ» وصف للاستقبال ولذلك نُصب المفعول به، وقرئ بإضافة «بالغ» لـ«أمره»؛ وقرأ المفضل: «بالغًا» بالنصب عَلَى الحال من لفظ الجلالة في قوله:

 

{قد جعل الله}، أو «من» اسم على القول بجوازه كالمبتدأ، وكونه من اسم «إنَّ» أولى منه من المبتدأ، و«قد جعل الله...» إلخ في هذه القراءة خبر «إنَّ». وقرئ برفع «أمره» على أنَّ «بالغ» لازم بمعنى نافذ وواقع، فيكون «بالغ» خبرًا مقدَّمًا، و«أمره» مؤخَّرًا، والجملة خبر «إنَّ»، أو «بالغ» خبرها، وأمره بالغ، والمعنى في جميع القراءات أنَّ ما أراد الله [427] في جميع خلقه لا يَتَخَلَّفُ فكيف لا يَـتَوَكَّلُ الإِنسَان مع أنَّ ترك توكُّله لا ينقض ما قدَّر الله عزَّ وعلا، فإنـَّه إذا كان لا يَتَخَلَّفُ بزيادة ولا نقص ولا إبطال ولا تأخير ولا تقديم ولا بغير ذلك لم يبق إِلاَّ التـَّوَكُّل والتسليم للمقدور، ومن ذلك أنَّ

 

{لِكُلِّ شيء} من الشدَّة والرخاء أجلا ينتهي إليه كما فسَّر به الكلبي ومقاتل «قدرًا»، {فإذا بلغن...} إلى: {...مخرجًا} آية، وقوله: {ويرزقه...} إلى:

 

{...قدرًا(3)} آية عند الجمهور، وقال الكوفيون والمدنيـُّون: كلُّ ذلك آيـَة واحدة وَهُوَ الصحيح، لأنَّ قوله : «قدرًا» على وزان[كذا] «أمرًا» لآخر آية {أمرا} وآخر آية {قدرًا}. ولـمَّا كان رعاية أحوال النساء مفتقرة إِلىَ المال ذكر ما تيسَّر به الرزق من التقوى والتوكُّل وقوى القلب يكون مقدوره لا يتعطَّل، وكلُّ شيء مقدور، وبإشارة بقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}، والكسب في مثل قوله عزَّ وعلا: {وابتغوا من فضل الله} لا ينافي التـَّوَكُّل، والأمر بالكسب لا يوجب ثبوت الاحتجاج لأنـَّه للإباحة، وإنـَّما يوجب ثبوته لو كان للوجوب.

 

{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} إِنـَّمَا لا تكتب المدَّ في «اللائي» لأنـَّه بالياء مكسورة بل مسهَّلة بين مكسورة ومسكنة، ومن كان أداؤه بهمزة فلم يمدَّ أيضًا لأنـَّها مضالة([1]) جدًّا إلى الياء مكسورة، ولذلك التسهيل لم نضبط يائسين بالتشديد، والمعنى: واللاتي يئسن من المحيض لبلوغهنَّ ستـِّين عاما، وقيل: خمسين، وقيل: خمسا وخمسين، وظاهر الآية أنـَّه ما دام يأتيها الدم على وصف دم الحيض فليست بحائضها ولو بلغ سنوها أكثر من سنتين سنة، والذي نذكر في العقد أنـَّها إذا بلغت الستين مثلا لم يحكم لها بحكم الحيض ولو جاء الدم علىصفة حيضها من قبل فهي تصلِّي وتصوم ويطأها الزوج تفعل ما يفعله الطواهر وتعتد بالأشهر، قال معاذ ابن جبل: «أنزل الله جلَّ وعلا عدَّة الحائض ثلاثة قروء» يعني في سورة البقرة كما ذكر فيها عدَّة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، فما عدَّة التي لا تحيض؟ فنزل:

 

{واللاَئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدَّتهن ثلاثة أشهر}، فقام [428] رجل فقال يا رسول الله فما عدَّة الصغيرة التي لم تحض فنزل قوله عزَّ وعلا:

 

{واللائي لم يحضن} أي غير البوالغ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يحلُّ لحائض أن تصلِّي بلا خمار» أي للبالغة للإجماع على أنـَّه لا يشرط لوجوب الخمار أن تحيض فالاَئي [كذا] لم يحض هنَّ الصبيات فالآية دليل لجواز تزويج غير البالغة، وأمـَّا البالغة التي لا تحيض فتنتظر الإقراء أي والاَئي لم يحضن كذلك عدَّتهن ثلاثة أشهر كالآيسة، فقام رجل آخر فقال يا رسول الله وما عدَّة الحوامل فنزل قوله عزَّ وجلَّ:

 

{وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهن} فوضعهن حملهن أجل في انقطاع ما بينهن وبين أزواجهن، وقيل: في التي لم تحظ قطُّ أناها تعتدُّ بالأشهر، ولو كانت بالغة والمذهب ما تقدَّم وإن حاضت حيضة، وقيل: حيضتين بعد الطلاق أكملت سنتين من يوم الطلاق وقيل: سنة وأرخص ما في ذلك سنة ولم لم تحض بعد الطلاق وأولات الأحمال أجلهنَّ وضع الحمل في الطلاق لأنَّ الآية في سياق الطلاق، ولم تذكر الوفاة وذكر في سورة البقرة عدَّة الوفاة فعدَّة  الوفاة في سورة البقوة تعم الحامل والحائل فإذا أتمت الحمل عدَّة الوفاة خرجت عن أحكام العدَّة إِلاَّ أنـَّها لا تـتـزوَّج حتـَّى تضع حملها.

 

 وقال ابن عـبَّاس: إن وضعت قبل عدَّة الوفاة أتمت عدَّة الوفاة، وإن أتمت عدَّة الوفاة قبل الوضع لم تخرج عن العدَّة حتَّى تضع وقد قيل: نسخ عموم وقوله تعالى والذين يتوفون منكم بقوله تعالى: {وأولات الأحمال} لتأخر نزوله، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «من شاء بأهلته [كذا] أنَّ سورة النساء القصرى» يعني هذه السورة نزلت بعد التي في سورة البقرة، وصحَّ أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليالي فذكرة([2]) ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لها: «قد حللت فتزوَّجي» وبه قال ابن مسعود وروي أنـَّها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوما فعدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في الوفاة، والطلاق جعل ابن مسعود قوله عزَّ وجلَّ: {وأولات الأحمال} كلاما مستأنفا فتناول العدد كلَّها عدَّة الطلاق وعدَّة الوفاة وعدَّة التحريم ولم يجعله معطوف على ما تقدَّم في شان الطلاق وروي [429] في سبيعة أنـَّها وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث عشرة ليلة، وروي بثلاث وعشرين، وروي بعشرين، وروي بشهرين، ويجمع ذلك كله أنـَّه ليال لم تتم فيها عدَّة الوفاة أتمَّتها وإن أتمَّتها قبل الوضع فالعدة الوضع وكذا قال علي بن أبي طالب وابن أبي يعلى وسحنون، وقال ابن عـبَّاس إِنـَّمَا قوله: {وأولات الأحمال} في الطلاق وجهه أنـَّهما عدَّتان إجتمعتا بصفتين واجتمعتا في الحامل المتوفَّى عنها فلا تخرج من عدَّتها إِلاَّ يبغين [كذا] وهو آخر الأجلين ولأنَّ الدليلين إذا كان كلِّ واحد منهما عاما من وجه، خاصا من وجه عموم كلِّ واحد بخصوص الآخر عملا بالدليلين معًا فقوله: {وأولات الأحمال}إلخ يعمُّ كل حامل فخصَّ بقوله والذين يتوفون منكم إلخ فلا بدَّ للمتوفى عنها من أربعة أشهر وعشر ولو كانت حاملا.

 

 وقوله: {والذين يتوفَّون}إلخ يعمُّ كل متوفَّى عنها ولو حاملا فخصَّ بقوله: {وأولات الأحمال}  فلا بدَّ من وضع الحمل ولو تمت أربعة أشهر وعشر وأمـَّا على غير مذهب ابن عـبَّاس فإنـَّما عمل بعموم وآية الطلاق فقط والمشهور وعن ابن مسعود ما مرَّ عند وروي عنه ما روي عن ابن عـبَّاس رضي الله عنهم، وإن وضعت المرأة ولدا وبقي آخر فعن الحسن انقضت عدَّتها لقوله تعالى حتـَّى يضعن حملهنَّ ولم يقل أحمالهنَّ وفيه أنَّ الحمل أريد به الجمع إتفاقا لإضافته إلى الجماعة  الحوامل فكلَّما صحَّ هذا صحَّ أن يراد الاستغراق في إحمال كلِّ واحد وفيه أيضًا أنـَّه لو قال: أحمالهن كم هو قراءة بعض لم يتعين ما قاله الحسن لجواز أن يقال المراد الجنين  الواحد لِكُلِّ واحدة، كما تقول ركب القوم دوابهم وتريد ركب كلِّ واحدة ذابته إِلاَّ أنَّ هذا متعيِّن لأنـَّه يصور للاستغراق لعدم دليل يخرجها عن الاستغراق وأن الحمل اسم لـما حملت في بطنها مطلقًا متَّحدا أو متعددا فإذا تعدَّد لم يصح أنـَّها وضعته بواحد بل وضعت بعضه فلو وضعت عن ظهر [430] الدابة بعض محمولها لم يصدق أنـَّك وضعت حملها بل بعضه وإنـَّما يكفي الواحد عن باقي في بطنها لو قال أجلهن أن يلدن ولم يذكر حملهنَّ أو قال أن يضعن ولم يذكر حملهنَّ وبسطت المسألة في الفقه ثمَّ إن قوله: {والآئي لم يحضن} مبتدأ محذوف الخبر هكذا واللآئي لم يحضن مثلهنَّ أو نحو ذلك، وقد يصحُّ عطفه عَلَى «اللائي يئسن» فيكون الهاء في قوله: {فعدَّتهنَّ} للائي لم يحضن واللائي يئسن؛ ونزول قوله: {واللائي لم يحضن} بعد السؤال عن عدَّة غير الخائض، وبعد نزول قوله: {واللائي يئسن} لا يردُّ هذا الجواز أنـَّه نزل عَلَى هذا الإعراب ولو تأخَّر ولو رجح الأوَّل.

 

{ومن يَتـَّقِ الله} في حكم العدَّة وغيرها

 

{يجعل له من أمره يسرا(4)} يسهل له أمره ويوفِّقه للخير والعمل الصالح، وفسَّره بعض بخير الدنيا لأنَّ المقام في الرزق.

 

{ذلك} أي المذكور العالي الرتبة من الأحكام، وإفراد الكاف على حدِّ إفراد الخطاب في قوله: {يا أيـُّها النبيُّ} وجمع الخطاب في قوله: {إليكم} كجمعه في قوله: {إذا طلَّقتم} وقد مرَّ بيانه، والخطاب شامل له صلَّى الله عليه وسلَّم ولغيره، وأزيدك هنا أنـَّه يجوز خطاب الواحد ثمَّ خطاب غيره وبالعكس نحو: ذلك يزيد حقّ فاعملوا به يا نبيه، ونحو: أكرم ياعمرو زيدًا ذلك يا بكر الحقّ، وعلى كلِّ حال المشار إليه باسم الإشارة غير المخاطب بالكاف المتـَّصلة به كما أنَّ المشار إليه في الآية ما ذكر من الأحكام، والمخاطب بالكاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وحضور المخاطب لا يوجب حضور المشار إليه، فلا يتـَّضح ما قيل من أنـَّه أفرد الكاف مع أنَّ الخطاب للجمع، كما يفصح عنه قوله: {إليكم} لأنـَّها لمجرَّد الفرق بين الحاضر والمنقضي، لا لتعيين خصوص المخاطب.

 

{أمر الله أنزله إليكم} خبر ثان أو حال من «أمر» لأنـَّه مبتدأه اسم إشارة. وجملة «ذلك أمر الله» تأكيد في الأحكام السابقة، و«أنزله إليكم» كذلك مع التصريح أنـَّه ليس أسطورا متقدِّما ولا من تعليم البشر.

 

{ومن يَتـَّقِ الله} في أمره ونهيه،

 

{يكفر عنه سيـِّئاته} من رمظان [كذا] إلى رمضان، ويتكرَّر التكرير من حجٍّ إِلىَ حجٍّ، ومن عمرة  إِلىَ عمرة، ومن صلاة  إِلىَ صلاة، ومن وضوء إِلىَ وضوء، ومن جمعة  إِلىَ جمعة، فتكرَّر التكفير عن الذنوب مرارًا،

 

{ويعظم له أجرا(5)} بمضاعفة الحسنات.

 

 

{أسكنوهنَّ} أي المطلَّقات [431] الرجعيات، ومن لازم الإسكان: الإنفاق.

 

 {من حيث سكنتم} مستأنف بيانيٌّ كأنـَّه قيل: أمرتنا يا ربـَّنا بالتقوى فكيف نعمل بالتقوى في شأن المطلَّقات؟ فقال: أسكنوهنَّ بعض مكان سمكناكم ، فـ«من» للتبعيض، أي أسكنوهنَّ مسكنًا هو بعض سكناكم، أو بمعنى «في»، لأنـَّك إذا سكنت الدار بعيالك فهم ساكنون فيها ولو خصَّصت بهم أو ببعضهم موضعًا كبيت، ومن سكن بيتًا فلهم بعض ولو خصَّ بموضع، ويناسب كونها بمعنى ما في ما قيل أنَّ من صلة فإنـَّها إذا كانت صلة بقيت الظرفيـَّة بـ«في».

 

{من وجدكم} وقرئ بالكسر والضمِّ، أي من موجودكم، فوجد مصدر بمعنى مفعول، قال أبو عبيدة: من سعتكم، وقال الفرَّاء: عَلَى قدر طاقتكم، والمعنى واحد، وقيل: الوجد المال، قال بعض المحـقِّـقين: قوله: {من وجدكم} عطف بيان عَلَى قوله: {من حيث سكنتم}، وفيه أنَّ «حيث» اسم مكان، ووجدكم غير مكان، الجواب أنَّ هذا لا يتمُّ جعْلَنا «من» صلة أو بمعنى في أو بمعنى التبعيض، لأنـَّه لا إشكال في قولنا: أسكنوهنَّ بعض موجودكم، ولا: أسكنوهنَّ في موجودكم، فإنَّ لفظ الموجود يصدق عَلَى المكان.

 

{ولا تضارُّوهنَّ}([3]) في السكنى بالإسكان في موضع ضيِّق تتضرَّر بضيقه أو نتنه أو خوف فيه أو غير ذلك من المضارِّ. والمفاعلة هنا للمبالغة، وهي راجعة إلى النهي، أي نهيتم نهيًا عظيمًا عن الضرِّ أو إحراز عن قليل لا تخلو العشرة عنه.

 

{لتضيـِّـقوا عليهنَّ}([4]) فتلجئوهنَّ إِلىَ الخروج، ووجه النظم أنَّ المضارَّة إيقاع الضرِّ فقد يكون للتضييق عليهنَّ ليخرجن، قد يكون للعسر وقد يكون للشحِّ وقد يكو للبغض، فلـمَّا كان الغالب والواقع هو قصد الإلجاء إلى الخروج نهي عنه، فخرج ما لعدم الوجد لا للتضييق فإنـَّه لا نهي فيه إذ لم يجد إِلاَّ ذلك، والنهي عمـَّا للشحِّ أو البغض معروف من غير هذا الموضع، وأولى من ذلك جعل المال للمآل، فشمل ذلك، فإنَّ مآل المضارَّة مطلقًا التظييق([5]) الملجئ إلى الخروج، فلا يوسَّع له إِلاَّ في عدم الوجد بل ضيقه، ويجوز أن يكون التضييق عبارة عن لازمه وَهُوَ الخروج.

 

 {وإن كنَّ أولات حمل فأنفقوا عليهنَّ حتَّى يضعن حملهنَّ}([6]) فيخرجن من العدَّة، ولا نفقة للمتوفَّى [432] عنها ولو حاملا، ولا نفقة ولا سكنى للمطلَّقة ثلاثا، ولا للمطلَّقة بائنًا ولا للمفتدية، ولا لِكُلِّ من لا يملك رجعتها أو لا تصحُّ رجعتها كمن الواحدة والاثنتان في حقِّها كثلاث من مشركة أو أمـة عَلَى ما بسطناه في الفروع، إِلاَّ من كانت حاملا فلها النفقة عَلَى أيِّ حال كانت من طلاق ثلاث أو غيره، والرجعية لها النفقة والسكنى، وقال مالك والشافعيُّ للمبتوتة بأنواعها السكنى والنفقة لها، والمذهب الأوَّل، وبه قال الحسن وحمـَّاد لحديث فاطمة بنت قيس أنَّ زوجها بتَّ طلاقها فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا سكنى لك ولا نفقة إِلاَّ إن كانت حاملا». ولا سكنى للحامل البائن بال النفقة فقط.

 

{فإن أرضعن لكم} بعد الوضع ما ولدن لكم

 

{فآتوهنَّ أجورهنَّ}: على الإرضاع إذ فيه تعب وعناء لا لكون اللبن لها كما قيد فإن الحديث جاء أن اللبن للرجل والأجرة تعقد لها على الإمساك والكفالة والحضانة لا على ذلك وعلى اللبن معًا ومن قال اللبن لها قال تعقد على اللبن وأمـَّا الإمساك وما معه فحق عليها بلا أجرة وإلاَّ لكان لها بقو[كذا] الأجر لا الكل.

 

{وأتمروا}: الألف التي مدَّت بها الواو العاطفة مدا طبعيا هو فاء الكلمة وهو همزة أمر قلبت الفاء في افتعل والأصل اتنمروا[كذا] بهمزة وصل مكسورة بعدها همزة ساكنة هي فاء الكلمة حذفت همزة الوصل للدرج وقلبت الهمزة الساكنة ألفاً هذا ما به أودي القرآن والحمد لله على مذهب نافع وليس بعد الواو في الخط ولا في النطق إِلاَّ ألف وأمـَّا غيره فيثبت الهمزة الساكنة وينطق بها همزة ويثبت همزة الوصل في الخط لا في النطق بصورة ألف في الخط وبعدها الهمزة بصورة ياء لأنـَّه لو ابتدي بهمزة الوصل لقلبت تلك الهمزة بعدها ياء ومعنى قوله وأتمروا تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت أو ليأمر بعضكم بعضاً والخطاب للرجال ومطلقا تهم.

 

{بينكم}: متعلِّق بقوله وأتمروا.

 

{بمعروف}: هو أن لا يقصر الرجل في حقّ المرأة ونفقتها ولا المرأة في حقّ الولد ورضاعه وأيضاح التفسير له إذ نجعل ائتمروا[كذا] بمعنى تآمروا من الإفتعال الذي بمعنى التفاعل كاجتروا بمعنى تجاوروا واشتوروا بمعنى تشاوروا على أنـَّه من الأمر واحد الأمور لا من الأمر ضدَّ النهي بمعنى أوقعوا الأمور[433] بينكم بمعروف وإذا جعلناه مفاعلة بينهم من الأمر ضدَّ النهي بمعنى ليأمر بعضكم بعضاً بجميل[كذا] في الإرضاع والاجربان[كذا] لا يكون من الأب مماسكة ولا من الأمِّ معاسرة  صح إِلاَّ أنَّ الأمر من خصم لآخر والنهي لا يقعان موقع القبول في حجَّة ما سوى هذا من التفسير فإن من شأن الزوجين المتفارقين إذ لا يقبل أحدهما من الآخر الأمر إذا أمره، الجواب أن يراد بالأمر بالمعروف أن يأمر كلٌّ منهما في شأن حقِّه الآخر بما يسهل عليه فهو المعروف ويقبله، أو الائتمار بمعنى امتثال الأمر، أي يمتثل كلٌّ منهما أمر الآخر.

 

{وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى(6)}: أي فسترضع له ولده منها إمرأة أخرى والتعاسر التضايق في الأجرة أو قبولها الإرضاع بأنَّ أبت أو بالأكثر من الأجرة أو أبى إِلاَّ بالأقل والسين للوغد أي فيسجد له مرضعه ولا يعوزها وفي الوعد بوجود أخرى المتضمن للإعراض عنها معاتبة لها على تعاسرها وإذا أرادته بأجرة مثلها وأبى الأب، أجبر إلى تسليم الولد.

 

{لينفق ذو سعة من سعته} صاحب وسع في المال من وسعه و«من» بمعنى على أي لينفق ذو سعة على قدر وسعه له يقدَّر مضاف فتبقى على الابتداء أي من مال سعته، والإنفاق من مال الوسع يقتضي أن يكون على قدر الوسع وكذا أنَّ أوَّل سعته أي فلينفق من المال القليل الذي أتاه الله على قدر قلَّته ومن هنا للإبتداء وما واقعة على المال المضيق ومعلوم لا يخفى أنَّ النفقة من القليل على قدر قلته فيكفي عن ذكر القدر ذكر القلة المذكروة في قوله قدر فلا حاجة إلى أن يأول بقولك فلنيفق على قدر ما أتاه الله فالأولى جعل الأولى كهذه للمناسبة والموافقة فالمعنى فيها لينفق ذو سعة من مال وسعه، أومن مال موسوعه ويترك على ظاهره مبالغة كأنـَّه لينفق من نفس الوسع والإنفاق في الموضعين على عمومه بحيث يعمُّ إنفاق المرضعة أمـَّا أو غيرها وإنفاق الحامل حتى تضع وإنفاق الزوج غير المطلَّقة وإنفاق الرجعية [434] في العدَّة كله على قدر المال كما قال جلَّ وعلا في المتعة: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره لا يكلف الله نفسا إِلاَّ ما أتاها} أي إِلاَّ مقتضى ما أتاها من الرزق لا يكلف الفقير ما كلَّف الغني  وهذا كقوله تعالى: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وسعها} ويجوز أن يكون هذا عاما للفقير والغنيِّ أي لا يكلِّف الله الفقير إِلاَّ ما يقدر عليه ولا الغني ما قدر عليه من التوسعة فأمـَّا على أن يحترز عن أن يكلفه ما هو من الإسراف فواضح لأنـَّه مشقة عليه ولتبادر التكليف في معنى المشقة تبادر عود قوله: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ ما ءاتاها...} إلى قوله:

 

 {ومن قُدر عليه رزقه فلينفق [مِمَّا آتاه الله]}: مع اتصاله به وبقوله: {سيجعل الله بعد عسرا يسرا} ولو كانت المشقة أيضًا على الغني في الإنفاق بأكثر مِمَّا يجزي بلا ضيق وأمـَّا على أنَّ تفسير التكليف في الجملة بالأمر والنهي وهو معنى شرعي مجاز لغوي إذ يطلق في الواجب والمحرم ولو بلا مشقة فيه استعمالا للمقيد في المطلق والأصل في ألفاظ القرآن على الحمل على المعنى اللغويـَّة حتَّى تصرف بالحديث أو غيره على معنى شرعي والمعنى اللغوي هو المشقة في لفظ التكليف وهي تتبادر في نفقة الفقير لعاد {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ ما آتاها} إلى: {ومن قدر عليه رزقه} وفي قوله:

 

{لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ ما آتاها} تطييب لنفس المعسر وبشارة وترغيب له في بذل مجهود وأكده بوعده أنـَّه

 

{سيجعل [الله]} يسرا

 

{بعد عسرٍ} إمـَّا عاجلا أو آجلا، والسين لو كانت للتنفيس إِلاَّ أنَّ التوسعة نسبِيـَّة، فقد تقرب وقد تبعد وقد تقرب، وإذا قربت فالبعد بالنسبة للحال، وهي لمطلق الوعد لا لتوسعة الزمان، وقدَّم العسر لأنـَّه الموجود في الحال، كأنـَّه قيل: سيجعل الله بعد العسر الذي أنتم فيه

 

 

{يسرًا}.

 

{وكأيـِّن من قرية} أي كثير من قرية، و«مِن» للبيان، ففرد ذلك لك [كذا] الكثير قرية، والكثير قرى، أي: وقرى كثيرة، والكلام على حذف مضاف، أي من أهل قرية، أو سمِّي أهلها باسمها لأنـَّها محلُّهم، ويدلُّ عَلَى الوجهين وصفها بالعتوِّ والحساب الشديد والعذاب النكر، وذوق وبال الأمر.

 

{عتت عن أمر ربها ورسله} طغت وتكبـَّرت معرضة عن أمر ربـِّها ورسله بمخالفته، والجملة خبر المبتدإ وَهُوَ: «كأيـِّن»، أو نعت، والخبر: «أعدَّ الله لهم...»إلخ.

 

{فحاسبناها حسابا شديدا} في الدنيا بإحضار ما يستحقونه من العذاب وتوجيهه إليهم بحسب أعمالهم، فالحساب عبارة عن لازمه ومسبـَّبه، فإنـَّه يترتـَّب على الحساب تشخيص ما فيه الحساب واستحضاره ليوصل إلى صاحبه، وتوجيهه إليه، فأحضر الله جزاء أعمالهم الدنيويَّ إحضارًا وثيقًا لا يبطل ولا يختلُّ.

 

{وعذَّبناها عذابا نكرا(8)} مترتـِّب عن ذلك الحساب، ويجوز أن يكون التعذيب النكر تفسير([7]) للحساب الشديد بـأن يراد بالحساب الشديد مسبَّبه ولازمه، وهو العذاب النكر، والنكر المنكر العظيم، ومعنى أنك [كذا] نكر أنـَّه غير معلوم ولا معهود، وذلك في الدنيا، والحساب الشديد المناقشة عن النقير والقطمير، ومن لازمها أن يكون العذاب نكر، وقرئ بإسكان الكاف.

 

{فذاقت وبال أمرها} وصلت شدَّة أمرها وَهُوَ الكفر، وشدَّته عقابه في الدنيا، وذوق الشيء أوَّل ما يتـَّصل به ولو يكثر بعد، ولو تَتـَّصِل الكثرة بأوَّله، أو عدَّ عذاب الدنيا بالنسبة لعذاب الآخرة، وذوق طعم الشيء، وكذا عذاب الآخرة يتزايد حتَّى يكون أوَّله كالذوق.

 

{وكان عاقبة أمرها خسرا(9)} عاقبة كفرها هلاك الآخرة وعذابها، فَهَذَا عذاب الآخرة يشغلون به في قبورهم.

 

{أعدَّ الله لهم عذابا شديدا} هو أيضًا عذاب الآخرة بعد البعث في النار؛ ويجوز أن يكون «عاقبة أمرها» هو ما مرَّ من عذاب الدنيا، أخبر الله عنه أنـَّه عاقبة خسران، وأن يكون هو عذاب النار بعد البعث، وفسـَّره بقوله: أعدَّ الله لهم عذابًا شديدًا. وقال الكلبيُّ: «قوله: {حاسبناها حسابًا شديدًا} في الآخرة»؛ وقيل: كلٌّ من الحساب والعذاب النكر في الآخرة، وعَلَى القولين فالماضي في «حاسبنا» و«عذَّبنا» لتحقُّق الوقوع كقوله تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجـنَّة}، {ونادى أصحاب الجـنَّة أصحاب النار}. وعلى القول الأخير لم يذكر في ذلك كلِّه عذاب الدنيا، ويجوز أن يراد بالعذاب الشديد استقصاء ذنوبهم في صحفهم حتَّى لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إِلاَّ أحصاها، وعلى كلِّ حال في ذلك تخويف لكفـَّار مكَّة على تكذيب محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فنزل بهم ما ينزل بالأمم السابقة دنيا وأخرى، أو أخرى، فلا يخلونَّ عنه في الدنيا. والعذاب النكر في الدنيا كإغراق قوم نوح وإهلاك قوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب الرسِّ.

 

{فاتـَّقوا الله يا أولي الألباب}: خطاب للمؤمنين زجر عن أن يعصوا بكبيرة أو صغيرة وتثبيت عَلَى الإيمان، وَدَلَّ عَلَى أنَّ الخطاب لهم لا لِلكُفَّارِ ولا للعموم قوله عزَّ وعلا:

 

{الذين آمنوا} فإنـَّه عطف بيان لـ«أولي الألباب»، أو نعته، قيل: أو بدل، وفيه أنَّ «الذين» لا يلي حرف النداء الذي دخل عَلَى المبدل منه، أو مفعول، أي: «أعني الذين آمنوا»، أو «أريدُ الذين آمنوا»؛ وجعل الخطاب لِكُلِّ عاقل مكلَّف، و«الذين آمنوا» مبتدأ «وقد نزَّل الله إليكم...» إلخ خبرٌ أَلفَـتَه عن الغيبة إِلىَ الخطاب خلاف الظاهر وتكلُّف؛ وكذا تقدير: «يقال لهم قد أنزل الله» ولا لفت في هذا.

 

{قد أنزل الله إليكم ذكرا(10) رسولا} بدل من «ذكرًا» وَهُوَ سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وسمَّاه ذكرًا عَلَى أنـَّه بمعنى ذاكرًا وذا ذكر لأنـَّه يذكر الله جَلَّ جَلاَلُهُ، ويقرأ القرآن ويبلِّغه، أو مبالغة كأنـَّه نفس الذكر لكثرة ذكر الله عزَّ وعلان أو بمعنى أنـَّه مذكور، أو مبالغة لكثرة ذكر الله إيـَّاه وذكر الملائكة إيـَّاه وغيرهم، وذكر الله إيـَّاه ولو مرَّة كاف وآت عَلَى االكلِّ، وكيف وقد ذكره للملائكة كثيرًا وللأنبياء، وفي القرآن وسائر كتب الله، ويكثر ذكره إِلىَ آخر الدنيا، ولا مذكور يكثر ذكره مثله، فانظر إِلىَ ذكره في الأذان والإقامة والخطب كلِّها وفي الصلاة والسلام عليه كما في دلائل الخيرات.

 

 وفي تكرير قراءة القرآن؛ أو «ذكر» بمعنى شرف، أي ذا شرف، أو شريفًا، أو كأنـَّه نفس الشرف لجلالة شرفه. ومعنى إنزال الرسول إرساله لـمَّا ذكره بلفظ ذكر أرشحه بذكر الأقوال، إذ يتبادر من الذكر القرآن وَهُوَ منزَّل، أو لـمَّا كان إرساله سببا لإنزال الوحي سمَّى إرساله إنزالا، وذلك مذهب الجمهور، وقال غيرهم: الذكر الرسول هو جبريل سمِّي ذكرًا لكثرة ذكره، أو لتأويل ذا ذكر، أو ذاكرًا، أو لنزوله بالذكر وَهُو القرآن أرسله الله عزَّ وجلَّ  وعلا إِلىَ سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، أو سمــَّاه* ذكرًا، لأنـَّه مذكور في السماوات وفي الأَرض، أو لأنـَّه شريف أي ذا شرف لسيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ويناسب قوله شريفا قوله تعالى: {عند ذي العرش مكين}؛ وقيل: الذكر القرآن، فيكون «رسولا» مفعولا لنعته المحذوف ، أي ذكر لأرسل به رسولا، أو مفعول لـ«ذكرًا» على إعمال المصدر المنوَّن، كنصب «يتيمًا» بـ«إطعام»؛ قيل: أو «رسولا» بمعنى رسالته بدل من «ذكرًا» بمعنى القرآن، وهذا إِنـَّمَا يتمُّ إن كانت الرسالة بمعنى كتاب أو كلامًا لا بمعنى إرسال، وإذا فسِّر الذكر بجبريل أو بالقرآن فالإنزال عَلَى ظاهره.

 

{يتلو عليكم آيات الله مبيـَّنات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور}([8]) هذا يدلُّ عَلَى أنَّ الذكر سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فالضمير في «يتلو» عائد إلى «ذكرً» أو عَلَى أنـَّه القرآن، و«رسولا» مفعول لنعته المحذوف كما مرَّ، فيعود الضمير إِلىَ «رسولا»، وإمـَّا أن يعود الضمير إِلىَ ذكرا بمعنى جبريل، فإنـَّما يجوز عَلَى التجوُّز لأنـَّه لم يتل عَلَى الصحابة بل عَلَى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، والنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم يتلوه عليهم، فأسند التلاوة عليهم إِلىَ جبريل عليه السلام لأنـَّه السبب، وأمـَّا إسناد التلاوة عليهم إِلىَ الذكر بمعنى القرآن فمجاز من الإسناد إلى المفعول، كما أنَّ ذلك من الإسناد إِلىَ السبب، و«يتلو» نعت «ذكرًا»، أو نعت «رسولا»، وقرئ: «رسول» بالرفع عَلَى تقدير: هو رسول، أو على أنـَّه مبتدأ بدئ به، والمسوِّغ التعظيم، و«يتلو» خبره، ومعنى «مبيـَّنات» مجعولات واضحة لا خفاء فيها، وقرئ بكسر الياء المثنـَّاة التحتيـَّة، أي تبيين الحلال والحرام، وإسناد التبيين إليها تجوُّز في الإسناد، إذ هي الالة [كذا] للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم في التبيين، والمبيـَّن حقيقة الله جَلَّ جَلاَلُهُ.

 

 و«ليخرجكم» متعلِّق بـ«يتلو»، فالضمير المستكن [كذا] فيه عائد إلى ما عاد إليه ضمير «يتلو»، أو متعلِّق بـ«أنزل»، فيعود ضمير «يخرج» إِلىَ الله، ولا مانع من تعليقه بـ«يتلو» مع عود ضميره إِلىَ الله، أو بـ«أنزل» مع عود الضمير إِلىَ ما عاد إليه ضمير «يتلو»، إِلاَّ أنَّ الراجح ما تقدَّم. وإسناد الإخراج من الظلمات إِلىَ القرآن أو رسول الله [438] صلَّى الله عليه وسلَّم مجاز؛ والظلمة أنواع الكفر من الشرك وما دونه، والشبهة([9]) الجهل، أعار لها اسم الظلمات؛ والنور الإيمان توحيدا وعملا وتركًا وعلما وحجَّةً، أعار له اسم النور، والمعنى: أنزل إليكم ذكرًا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبيـَّنات قبل الإخراج، ليخرجكم بعد الإنزال والتلاوة، أو ليخرجكم مِمَّا يبقى بعد الإنزال السابق من الذكر في النفس أو ما يحدث فيها، وَعَلَى كلِّ حال إِنـَّمَا يخرج من سبق في علمه السعادة له وقدَّرها له.

 

{ومن يؤمن بالله} الإيمان برسوله صلَّى الله عليه وسلَّم داخل في الإيمان بالله، فإنـَّه من أقرَّ بالله وأنكر رسولا من رسله فهو كافر،

 

{ويعمل صالحا} حسب ما بيـَّن في آي السورة وغيرها،

 

 {ندخله}([10])، وقرئ: «يُدخله» بالمثنـَّاة التحتـيَّة، أي: يدخله الله،

 

{جـنـَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا}، حال مستقبلة مع عاملها مقدَّرة لأنَّ الخلود الخلود لا يتقدَّم إِلاَّ لحال ولا يقارنه، وصاحب الحال هاء «ندخله»، أفرد باعتباره لفظ «مَن»، وجمع الحال باعتبار معناه، وكذا اعتبر اللفظ في «يؤمن» و«يعمل»، والمعنى ندخلهم مقدرين الخلود ناوين له، ومقدِّرين حال من هاء «ندخلهم»، وكذا ناوين.

 

{قد أحسن الله له رزقا(11)} حال ثانية من الهاء، أو حال من المستكن، والهاء باعتبار لفظ «مَن»، وفيه دليل لجواز اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى. قال الزجَّاج: «الرزق: الجـنَّة التي لا ينقطع نعيمها». وقيل: نعيم الجـنَّة، وقال: «طاعة في الدنيا وثوابًا في الآخرة». وفي أنـَّه يلزم أن تكون الحال الواحدة محكية مقدَّرة وذلك لا يجوز، فباعتبار طاعة الدنيا محكيـَّة، وباعتبار إحسان الرزق مقدَّرة، لأنَّ إحسان الرزق بعد الدخول لا معه، الجواب: إنـَّها محكيـَّة على أن يراد بإحسان الرزق قضاء الله بحسنه، وفي ذلك تعجيب بما رزق الله المؤمن من الثواب وتعظيم له.

 

{الله الذي خلق سبع سماوات} مبتدأ وخبر، ليـبـيـِّن بذكره أنـَّه قادر على البعث والجـنَّة والنار، وكذا ما بعده، وليصرِّح بأنَّ الخلق لذلك لتعلموا أنـَّه فادر، وجاء الكلام بطريق الحصر لبيان عجز غيره، وجاءت أحاديث وآثار في غلظ السماوات وغلظ الأرضين [439] وفسحة ما بين كلِّ اثنتين منها، وذلك خمسمائة عام، والعقل يقبله، ويدلُّ له ما يأتي في قوله تعالى: {خمسين ألف سنة} إن شاء الله، وهو مقبول وجاءت أخبار أنَّ الأولى موج مكفوف، والثانية من كذا وهكذا، وكذا في الأرضين الثانية من كذا وهكذا، والعقل لا يمنع ذلك، إِلاَّ أنَّ قوله تعالى: {أولم يروا أنَّ السماوات والأرض كانتا رتقًا...} إلخ يتبادر منه أنَّ السماوات كلَّهنَّ من جنس واحد، وكذا الأرضون، وقدرة الله صالحة أن يخلق من نجار [كذا] أجناسًا موجًا مكفوفًا وذهب وفضَّة وغير ذلك، ومن زبدة ترابا وغيره مِمَّا ورد في ذلك في كلام العلماء أنَّ السماء الأولى من موج مكفوف أي مجمَّد، والثانية من صخر، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضَّة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوت، وغير ذلك.

 

{ومن الأرض مثلهنَّ} أي خلق مثلهنَّ، أي من جنس الأَرض، وقرئ برفع «مثل» عَلَى الابتداء والخير([11]) من الأَرض، والمراد جنس الأَرض وحقيقتها، لأنَّ الأرضين لا ثمانٍ، وفي كلِّ أرض سكَّان غير سكَّان الأَرض الأخرى، وجاءت بذلك أخبارٌ اللهُ أعلم بصحَّتها. وأمـَّا كونها سبعًا فهو ظاهر القرآن بل كصريحه، وصرَّح به الحديث مثل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللهمَّ ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضين السبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أغوين، كن لي جارًّا من شرِّ خلقك أجمعين من أن يفرط على أحد منهم وأن يطغى عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك ولا إله غيرك».

 

 وحلف كعب بالذي خلق([12]) البحر لموسى عليه السلام أنَّ صهيبا حدَّثه أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم لم ير قرية يريد دخولها إِلاَّ قال حين يراها: «اللهمَّ ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضين السبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما أذرين ــ وفي رواية: “وربَّ البحار وما جرين”ــ نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها». وسأل نافعُ بن الأزرق ابنَ عـبَّاس: «هل تحت الأرضين خلق؟» قال: «نعم» «فما الخلق؟» قال: «إمَّا ملائكة أو جنٌّ». وانظر هل بلغتهم [440] دعوة نبيـِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فقيل: لم تبلغهم، وقد يقال: بلغتم([13]) كما بلغت ياجوج وماجوج في هذه الأَرض العليا، ويشاهدون السماء من كلِّ جانب من أرضهم، ويستضيئون منها، أو خلق لهم ضوءًا في كلِّ أرض. وعن أبي صالح تلميذ ابن عـبَّاس أنـَّها سبع أرضين متفرِّقة بالبحار وتظلُّ الجميعَ السماءُ. ومِمَّا هو بعيد ما عدَّه بعض قريبا أنَّ المراد في الآية سبع أقاليم عَلَى حسب سبع سماوات وسبعة كواكب سيـَّارة، فلكلِّ واحد خاصِّـيـَّة في إقليم فيهنَّ بهذا الاعتبار سبع.

 

{يتنزَّل الأمر بينهنَّ} يتنزَّل الوحي إِلىَ خلقه في كلِّ أَرض وفي كلِّ سماء. وقال مقاتل: «يعني الوحي من السماء العليا إلى الأَرض السفلى»؛ وقال قتادة: «في كلِّ سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه من زيادة ونقص، وإحياء وإماتة، وغير ذلك مِمَّا قضى الله، ينفذ حكمه فيهنَّ، وبدا فيهنَّ عجائب التدبير». وعن مجاهد: «{يتنزَّل الأمر بينهنَّ}: بحياة وموت وغير ذلك بين السماوات والأرضين». وقرئ: «يُنـزِّل» بضمِّ الياء مشدَّد الزاي.

 

{لتعلموا أنَّ الله على كلِّ شيء قدير} متعلِّق بـ«خلق»، أو بـ«يتنزَّل» أو بمحذوف تقديره: «فعل ذلك» أو «أوحى ذلك» أو «بيـَّن ذلك لتعلموا» والمراد: لتعلموا إذا تفكَّرتم في السماوات والأرضين وما يجري فيهنَّ أنَّ من قدر عَلَى ذلك قدرته ذاتيـَّة لا يعجزه شيء أراده. وقرئ: «ليعلموا» بالتحتيـَّة.

 

{وأنَّ الله قد أحاط بكلِّ شيء علما(12)}: أي يعلموا أنـَّه عزَّ وجلَّ أحاط علمه بكلِّ شيء من الجزئيـَّات والكلِّـيـَّات فهو قادر على البعث. و«علمًا» تمييز محوَّل عن الفاعل، والله أعلم، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، لا ملجأ من الهل إِلاَّ إليه.


 


[1]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مُمالة».

[2]

- كذا في الأصل، والصواب: «فذكرت».

[3]

- في الأصل: شطَّب الناسخ على الصحيح: «تضارُّوهنَّ»، فكتب فوقه: «تضارُّونه». وهو تحريف صريح، عفا الله عنه!.

[4]

- في الأصل: «لتظـيِّـقوا». وهو تحريف!!.

[5]

- كذا في الأصل، والصواب: «التضييق».

[6]

- في الأصل: «يظعن». وهو تحريف!.

[7]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تفسيرًا».

[8]

- في الأصل: « تـتلو عليكم آيات الله مبيـَّنة ليخرجكم من الظلمات إلى النور»، وَهُوَ خطأ!.

[9]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والشَّـبَـه». أي ووجه الشبه الجهل...

[10]

- كذا في الأصل، لأنَّ الشيخ يفسِّر القرآن عَلَى رواية ورش، وهو خلاف قراءة حفص التي اعتمدناها في كتابة الآيات المفسَّرة.

[11]

- كذا في الأصل، والصواب: «والخبر».

[12]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلق».

[13]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بلغتهم».