إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة التحريم
طباعـة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يا أيـُّها النبيُّ لِمَ تحرِّم ما أحلَّ الله لك} هو العسل أو مارية، والأوضح كلاهما معًا. روي أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: «اكتمي عليَّ فقد حرَّمت مارية عَلَى نفسي، وأبشِّرك أنَّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمـَّتي»، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين [441]؛ وقيل: خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك، واستكتمتها [كذا]  فلم تكتم بل أخبرت عائشة فطلَّقها، واعتزل نساءه، ونزل جبريل عليه السلام فقال: «راجعها فإنـَّها صوَّامة قوَّامة، وإنـَّها لمن نسائك في الجـنَّة». وروي أنـَّه ما طلَّقها وإنـَّما موَّه بطلاقها. وروي أنـَّه لـمَّا طلَّقها اعتزل نساءه تسعًا وعشرين ليلة في بيت مارية.

 

 وروي أنـَّه لـمَّا طلَّقها ألقى عمر بن الخطَّاب ترابا عَلَى نفسه وقال لها: لو كان في آل الخطَاب خير لـما طلَّقها، فنزل جبريل وأمر برجعتها عَلَى حدِّ ما مرَّ، أي أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فاتـَّفقت عائشة وحفصة فقالتا: نشمُّ منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يكره الثفل، فحرَّم العسل. وعن ثابت عن أنس: حرَّم النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّ ولده وحلف ألاَّ يقربها فأنزل الله هذه الآية، وكانت هذه السورة بعد التي قبلها لأنَّ التحريم أشدُّ من الطلاق، وهو منه صلَّى الله عليه وسلَّم، والطلاق إذن من الله وهو في السورة قبل هذه، وأيضا ذكر في هذه فراق نسائه على سبيل الفرض: {عسى ربـُّه إن طلَّقكنَّ أن يبدِّله أزواجًا...} إلخ بمرَّة، فاجتمعت السورتان لاشتمالهما معًا على الفرقة والطلاق، وأيضا في الطلاق كلِّه؛ وقيل: في الأكثر اشتمال عَلَى التحريم لمـا أحلَّ الله إيضاح ذلك أنـَّها حلال فيطلِّقها، فلا تحلُّ له إِلاَّ برجعة أو تزوُّج، وفي البائن لا تحلُّ له إِلاَّ بنكاح أو بمراجعة[كذا] بإذنها، وفي الثلاث تحرم حتَّى تنكح زوجًا غيره. وذكر في آخر تلك السورة كمال القدرة، وفي أوَّل هذه العتاب عَلَى تحريم ما أحلَّ الله عزَّ وعلا، لأنَّ مَن قدرتُه ذلك لا يـقدر أحد عَلَى تحريم ما أحلَّ وَهُوَ خالق السماوات والأرضين، ونزل الأمر بينهنَّ وعلم كلَّ شيء وقدر على كلِّ شيء.

 

 {تبتغي مرضاتَ أزواجك} تطلب رضى أزواجك بتحريم ما أحلَّ لك. والجملة مستأنفة لبيان ما دعاه إِلىَ التحريم مؤذنة بأنَّ طلب رضاهنَّ لا يبيح التحريم؛ وقيل: تفسير لـ«تحرِّم»، والتحريم نفس طلب رضاهنَّ، وكلاهما فعله، لأنـَّه أحبَّ رضاهنَّ فتوصَّل إليه بالتحريم واقله [كذا] به، وهذا كما تقول: بنى الحائط، رفع له، وضربه، هدم له. والطلب كسب والتحريم كسب، وكلاهما واحد في تحصيل [442] الرضى؛ وقيل: الجملة حال، وفيه أنَّ هذا الإعراب يوهم أنَّ التحريم جائز لو لم يبتغ رضاهنَّ به، وهو لا يحلُّ مطلقًا، و«مرضات» مصدر ميميٌّ بمعنى رِضَى، وجرُّ التاء في السطر لوجودها في المصحف الإمام وهي تاء التأنيث، يوقف على صورتها لا بالهاء.

 

{والله غفور رحيم(1)} مبالغ في غفران زلَّة تحريمك، وفي رحمتك فلا مؤاخذة، لكن معاتبة عَلَى طِبق علوِّ رتبتك، ومحاماة عَلَى عصمتك، وما حرَّمت باق على حلِّه، وأمـَّا يمينك فكفِّرها كما قال:

 

{قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم} أوجبتُ عليكم، أو بيـَّنت لكم، والجمهور عَلَى الأوَّل تحلَّة أيمانكم التي تحنثون فيها بقولي: {فكفـَّارته إطعام عشرة مساكين...}([279])إلخ. ويمينه صلَّى الله عليه وسلَّم تحريم الحلال. وقال الشعبيُّ كان مع التحريم يمين فعوتب في التحريم وأمر بتكفير اليمين، فقيل: أعتق صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى مارية رقبة إذ حرَّمها، وقيل: غفر الله له ولم يلزمه الكفَّارة، ولكن أعلم الله المؤمنين الحكم لهم، وذلك أنَّ الكفَّارة لمحو الذنب وما يلجق به  وَهُوَ قد غفر الله له ما تقدَّم وما تأخَّر. وقال أيضًا هنا: {والله غفور رحيم} أي: لا شيء عليك. وذكر تحلَّة اليمين وخاطب بها المؤمنين، وبهذا قال الحسن. وإنكار الله عزَّ وعلا في قوله: {لِم تحرِّم...} إلخ تحريم، ونهي عن تحريم الحلال، وتحريم الحلال على جهة اليمين مكروه؛ ومعنى التحريم في اليمين العزم عَلَى أنـَّه لا يفعله كما لا يفعل الحرام، وفي التحليل العزم أنـَّه لا يفعل كما لا يحلُّ له أن يعتقد حلَّ الحرام لا حقيقة التحليل والتحريم، فإنـَّه لا يحرم شيء إِلاَّ بتحريم الله، ولا يحلَّ إِلاَّ بتحليله، ومن اعتقد أنَّ ما أحلَّ الله حرام، أو ما حرَّم حلال فقد أشرك، وليس هذا مسألة الآية واليمين. ولذلك لم يقع من الله جَلَّ جَلاَلُهُ إِلاَّ عتابه صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: {لـمَ تحرِّم} .

 

ولا ينافي العتاب وصفه بالنبوءة والنداء بها، ولا غفرانه ورحمته بعد لأنَّ حاصله لا ينبغي مع منصبك تحريم الحلال، وقد غفرت لك ورحمتك. وقيل: قوله: {لِم تحرِّم} مجرَّد تنبيه عَلَى أنَّ ما صدر منه لا ينبغي، وقد عذره الله، ولكن أعلمه الحكم، وفيه أنـَّه لو كان مجرَّد تنبيه لم يقل: {لِم تحرِّم}، وإنـَّما فسَّرت تحلَّة اليمين بما ذكر [443] من الكفَّارة في سورة المائدة لأنـَّه هو الذي يفعل صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلاَّ فتحلَّة اليمين تتصوَّر بالاستثناء متَّصلا باليمين معزومًا عليه من أوَّل اليمين، عَلَى خلاف مذكور في الفقه، إذا حدث أو فصل قصده قبل تمام اليمين أو بعدها ثمَّ إنَّ بعضا ألحق بتحريم الحلال تحليل الحرام، وبعض لك يلحق ومن حرم زوجه وأراد الطلاق فهو طلاق يراجعها وإن لم يرده فكفارة يمين، وإن النوى الظهار فظهار، وقيل: في تحريمها بلا قصد ظهار طلاق بأن لا تحلُّ له إِلاَّ بالتزوُّج وقيل: أو بالرجعة برضاها وقيل: ثلاث لا تحلُّ إِلاَّ إن نكحت زوجا غيره وإن قلت فما وجه التحريم بلا قصد طلاق، قلت: أن يقصد لا تحلُّ له كما لا يحلُّ أكل مال الناس بالباطل أو كما لا يحلُّ له أكل الميتة أو نحو ذلك مِمَّا لا يرجع إلى معنى الطلاق والنكاح والظهار ثمَّ إنَّ أبي حنيفة يرى التحريم يمينا في كلِّ شيء ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكل أو أمـَّة فعلى وطئها أو زوجا فإيلاء منها إن لم ينووا نوى الطلاق فطلاق بائن أو ظهار فظهار وإن نوى طلاقين أو ثلاثة فكلَّما نوى وإن قال: نويت الكذب دين فيما بينه وبين ربِّه ولا يدين بالقضاء مع إبطال الإيلاء.

 

 وأفاد كلامه هذا أنـَّه عند عدم تصريحه يحمل على الإيلاء، وإن قال: كلِّ حلال عليه حرام دخلت فيه أزاوجه عندنا، وقال أبو حنيفة يحمل على الطعام والشراب إن لم ينووا نوى الطلاق، فهو رجعي عنده كما هو قول عندنا والمذهب أنـَّه يمين، قال ابن عبـَّاس: التحريم يمين إذا لم ينووا طلاقا ولا ظهار، أومعنى تحلَّة الأيمان أن يحل له ما منع عن نفسه بيمينه وذلك الاستثناء أو الكفَّارة فالآية تدلُّ على جاوز الكفَّارة قبل الحنث وهو صريح كفـَّارة الظهار والظهار أنـَّه لا يجوز تقديمها إِلاَّ فيما ورد من الشارع فيه تقديمه كالظهار، و «التحلة» مصدر وأصله التحليل نقلت كسرة اللاَّم إلى الحاء وحدفت الياء وأدغمت اللاَّم في اللاَّم وعوِّضت الهاء [كذا] عن الياء وقبل الإدغام والنقل وبعد الحذف هو تحللة بوزن تبصرة وتذكرة.

 

{والله مولاكم} أصل لفظ [444] المولى مصدر ميمي أو اسم مكان أو اسم زمان ثمَّ أطلق علىالناصر والسيد وهما المراد هنا، فإن الناصر والسـيِّد كلاهما متوليان للأمر فالمعنى سيدكم ومن شأن السـيِّد تولِّي الأمر والنصر ويصحُّ إطلاقه على المكان هنا وهو مجاز نا على هذا لأنَّ الله جلَّ وعلا لا يكون موضعا ومحلا ولكن كما يقول إليه، ونقول الله منجانا، واللَّفظ على هذا الله موضع ولايتكم، والمعنى الله تكفَّل بولايتكم.

 

{وهو العليم} بكلِّ شيء فهو عليم بما يصلحكم فيشرعه لكم،

 

{الحكيم (2)} المتقن في أفعاله وأقواله وأحكامه فلا يكلفكم إِلاَّ بما هو حكمة.

 

{وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه}

 

حفصة {حديثا}

 

يشتمل على تحريم مارية أو العسل، والواضح كلاهما وخلافة العمرين بعده، وقيل: المراد خلافتهما فقط، وهو أنسب بقول من قال: إن الذي حرمت هو العسل وابتغاء المرضاة يتحصل بالإخبار بالخلافة ويتحصل بتحريم مارية ويتصور أيضا بتحريم العسل إِذ كان يشربه أيـَّام في بيت زينب فغارت حفصة وعائشة عليها فتابعهما إرضاء لـهما بمجرد قولهما إنـَّه فيه رائحة دون تفحص منه، والمراد بـ «أزواجك» أمـَّا جنس أزواجه إذ ما زال صلَّى الله عليه وسلَّم يرضيهن كلَّهن ويلين لهنَّ ليصبرن على الجوع والشدَّة فدخلت عائشة وحفصة فيهن أولا وأمـَّا عائشة وحفصة أطلق أطلق عليهما صيغة الجمع، وعن ابن عـبَّاس لـمَّا رأى الكراهة في وجه حفصة ترضاها بتحريم مارية وخلافة أبيها بعد أبي بكر ومعنى إسراره إياها ذلك إستكتامه إياها بان قال: لا تخبري بذلك أحدا و«إذ» مفعول به لمحذوف والخطاب لغير النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم من كلِّ من صالح للخطاب على سبيل البدلية خاطبهم لأن يعلمهم أن لا يستقصوا إبقاء على المغلوب إذ قال: عرف بعضه وأعرض عن بعض

 

{فلما نبأت به} عطف على مدخول «إذ» والمعنى فلـمَّا أخبرت تلك البعض من أزواجه وهي حفصة أي فلـمَّا نبَّات حفصة عائشة فحذف المفعول به وهاء به للحديث والمعنى فلـمَّا أخبرت حفصة عائشة بتحريم مارية والخلافة لعمر وأبي بكر قبله أو بذلك وبتحريم العسل.

 

{وأظهره الله} أظهر الله جلَّ وعلا نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

 {عليه } أي على الحديث [445] الذي نبَّات به حفصة عائشة، وهوتحريم مارية والخلافة أومع تحريم العسل، أي أعلمه الله أن حفصة أخبرت عائشة بتحريم ذلك وبالخلافة.

 

{عرف بعضه} أي عرف النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حفصة بعد ذلك الحديث المسر بأنَّك نبـَّأت به عائشة وذلك البعض هو الخلافة بأن قال لها: إنَّ الله عزَّ وعلا أخبرني بأنَّك أخبرت عائـشة بخلافة أبي بكر وعمر بعدي ومفعول عرف الأوَّل محذوف أي عرفها بعضه

 

{وأعرض عن بعض} مِمَّا أفشته فلم يخبرها أنَّ الله أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية أو العسل روي أنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها ألم أقلّ لك أكتمي على قالت والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خصَّ الله تعالى بها أباها وقيل: البعض الذي عرفها أيه [كذا] أخبره الله بأنـَّها أخبرت به عائشة هو الخلافة وعلى كلِّ حال في الإعراض عن البعض إبقاء عليها أن يشتد حياءها بإطلاعه صلَّى الله عليه وسلَّم بإخبارها عائشة قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ما استقص كريم قط وقرئ فلـمَّا إنبات به بهمزة قبل النون وإسكان النون وقرئ عرف بعضه بالتخفيف أي جازي بعضه أي عليه أي عاتب عليه حفصة وطلقها، يقال:لا عرفن لك سوء صنيعك أي لا يجازي عليه قال الله جلَّ وعلا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي يجازيهم ولا مانع من أن يكون من ذلك مثل قوله تعالى والله بما تعلمون خيبر والله أعلم بما يفعلون فلـمَّا نبَّائها به.

 

{فلما نبأها به} فلـمَّا نبَّأ صلَّى الله عليه وسلَّم حفصة بذلك البعض أنـَّها أخبرت به عائشة رضي الله عنهما.

 

 {قالت} أي تلك البعض من أزواجه أي حفصة،

 

{من أنبأك هذا} هذا من أخبرك أخي أخبرت به عائشة.

 

{قال نبأني العليم الخبير (3)} المفعول الثاني محذوف أي نبَّأنيه ويجوز جعلها متعددين لثالثة أي من أنبأك هذا واقعا قال نبَّأنيه العليم الخبير ويجوز جعلهما متعديا لواحد محضا وللثاني بمعنى الياء أي من أنبأك هذا قال نبَّئني العليم الخيبر، وفي الخبرة مبالغة ليست في معنى العلم فلذلك ذكر الخبير العليم وللفاصلة،

 

{إن تتوبا}: يا حفصة وعائشة

 

{إلى الله} مِمَّا آذيتما به [446] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما أفشت حفصة سرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عائشة ووافقتها عائشة ولم تزجرها، وقد علمت أنَّ ذلك سرٌّ، وكما اتـَّفقا عَلَى قطعه صلَّى الله عليه وسلَّم عن عسل زينب بقولهما: إنَّ نحله أكلت المغافير وغير ذلك مِمَّا يؤذيه صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ الواجب عليكما مخالصة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، واستدعاء ما يحبـُّه ومدافعة ما يكره، ولفت الكلام من الغيبة إِلى خطابهما لتقوية العتاب والنداء إِلىَ التوبة.

 

{فقد صغت قلوبكما} مالت عن حقِّ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وَهُوَ السعي فيما يحِبُّ وعمـَّا يكره، وهذا كما تقول لمن يبكي: إن تبك فقد فعلت ما تبكي له، وإن ندمت فقد فعلت ما يوجب التحسُّر، وظاهر أنَّ الشرطيـَّة والمظارع [كذا] بعده أنـَّه حين نزول الآية لـمَّا تتوبا وإن كادتا أو تابتا فلـمَّا تحقَّق، وكذا يدلُّ له قوله: {وإن تظاهرا}، ويمكن أن تكونا تابتا حقًّا فيكون المضارع للتجدُّد الاستمراريِّ وللدوام، فيكون قوله: {إن تظاهرا} إن رجعتما عن التوبة إِلىَ التظاهر، والوجه الأوَّل هو الظاهر، وَهُوَ أنـَّه لم تتوبا حتَّى نزلت الآية، أو تابتا توبة لم تتحقَّق إِلاَّ بعد نزول الآية. وقوله: {فقد صغت قولبكما ناب عن جواب الشرط، تقديره إن تتوبا إلى الله أصبتم الحقَّ، لأنـَّه قد صغت قلوبكما، وصوغ القلب عن الحقِّ يوجب التوبة، أو إن تتوبا إِلىَ الله أدَّيتما ما وجب عليكما، أو كان خبرًا لكما أو رجعتما إِلىَ الصواب لأنـَّه قد عدل قلوبكما عنه، وقرئ: «زاغت قلوبكما»، والجمع بمعنى التثنية، ولم يثنِّ لئلاَّ تجنمع تـثـنيـتان، ولأنَّ أكثر الجوارح اثنتان كاليدين والرجلين والساقين والركبتينوالفخذين والتديين [كذا] والشفتين واللحيتين والأذنين والعينين والكعبين والذراعين والعضدين، فذهب بواحد المضاف لاثنين مذهب الاثنين فكان أربعة، فكان الجمع.

 

{وإن تظاهرا عليه} تتعاون [كذا] عليه بما يكره كإفشاء السرِّ وإفراط الغيرة، وأصله: تتظاهرا، أبدلت التاء الثانية ظاء وأدغمت في الظاء، وقرئ على هذا الأصل: «تظاهرا» بالتخفيف للظاء وحذف إحدى التاءين؛ وقرئ: «تظَّهِرا» بكسر الهاء وإسقاط الألف قبلها، وأصل هذا: «تظتهر» قلبت التاء بعد الظاء ظماء ([280])، أو أدغمت فيها الظاء.

 

{فإنَّ الله هو مولاه} تعليل قام مقام الجواب، والأصل: فلن تغلباه لأنَّ الله هو مولاه، أو فلن يعدم من يظاهره لأنَّ الله هو مولاه، أو ناصره وسيـِّده، ومَن الله سيـِّده فهو الغالب، أو فإن تضرَّاه إِلاَّ أذى بان([281]) هو مولاه،

 

{وجبريل} رأس الكروبيـِّين، مبتدأ خبره محذوف، أي قرينه، وكذا قوله:

 

{وصالح المؤمنين} أي صالح المؤمنين أَتباعُه،

 

{والملائكة بعد ذلك} بعد مَن ذكر، أي بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين.

 

{ظهير(4)} والمراد بصالح المؤمنين الجنس فهو كالجمع، ويجوز أن يكون الأصل: «وصالحوا» بالواو حذفت من الخطِّ كما حذفت من النطق. وعن ابن عـبَّاس: «أراد بصالح المؤمنين: أبا بكر وعمر» وروي هذا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه قال عكرمة ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيـَّان، فإنـَّهما أعظم من نصره؛ والمؤمنون الموحِّدون مطلقا، فاختصَّ من صلح منهم فهو من اجتنب الكبائر، وقيل: المؤمنون في الآية يشمل كلَّ من آمن ولو أضمر الشرك، وأخرج مضمره بقوله: {صالح}، وفيه أنَّ من أصرَّ عَلَى الكبائر لا يستحقُّ اسم صالح، وقيل: المؤمنون الموفون أو مطلق الموحِّدين بلا إضمار شرك، وصالحهم خيارهم، وقيل: صالحهم الصحابة، وقيل: الأنبياء كلُّهم، واللائق بتوسيط صالح بين جبريل والملائكة بأن يراد بهم: أبو بكر وعمر، لأنـَّه جمع بين الظهير المعنويِّ والظهير الحسيِّ، فإنَّ جبريل يؤيِّده بالتأييد المعنويِّ، إذ يؤيـِّده بالإلهيـَّات، وأبو بكر وعمر يؤيـِّدانه ظاهرًا باللسان والبدن وتدبير أمور الرسالة، وإنفاد([282]) أحكامها.

 

 وبيان مظاهرتهما أشدُّ تأثيرا في قلوب بنتيهما، وأشدُّ توهينا لأمرهما. والكلام إِنـَّمَا هو في الردِّ عَلَى البنتين وتوهين أمرهما؛ ويجوز أن يكون «ظهيرٌ» خبر لجبريل وما بعده كلِّه، وَعَلَى كلِّ حال إِنـَّمَا أخبر بـ«ظهير» وَهُوَ مفرد عن الجمع وهم الملائكة، أو هم وجبريل وصالح المؤمنين، أمـَّا التأويل ما ذُكِر، كما أفرد ذلك مع أنَّ الإشارة إِلىَ الله وجبريل وصالح المؤمنين، وكما ذكر مع الإشارة به إِلىَ الموالاة إن أشير به إليها، أي بعد موالاة الله وجبريل وصالح المؤمنين [448] بتأويل ما ذكرناه، أو لأنـَّه بوزن المصدر كصهيل وصرير ودبيب، وإمـَّا لكونه نعتا لمفرد معناه الجمع، أي: فوج ظهير، أو فريق ظهير، أو فريق ظهير [كذا] كقوله جلَّ وعلا: {وحسن أولئك رفيقًا} ونحو ذلك من أسماء الجموع التي لا فرد لها من لفظها فإنـَّها مفرد معناه الجمع لا جمع إذ لا مفرد لها.

 

 وليس من ذلك {ولا يسأل حميمًا يُبصـَّرونهم} فإنَّ الحميم عمَّ لتقدُّم الجمع، وإمـَّا أنـَّهم يد واحدة على من يعاديه، فإذا كان الملائكة مع كثرتهم وامتلاء السماوات بهم، وصالح المؤمنين وجبريل ظهيرًا بعد الله، فماذا يفيد تظاهر امرأتين عليه؛ وأفاد قوله تعالى: {بعد ذلك} فضل نصرتهم على نصرتهما إذا نصرتاه، ومن نصرة غيرهما لأنَّ نصرة الكلِّ نصرة الله تعالى، وأنَّ نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم أفضل من سائر وجوه نصرته، وأولى من هذا أن تجعل الإشارة إِلىَ تظاهر صالح المؤمنين عَلَى أنـَّه مبتدأ خبر محذوف، أي ظهير، ويكون بيان كون تظاهر الملائكة بعد تظاهر صالح المؤمنين تداركا لمـا يوهم الترتيب الذكريِّ من أفضليـَّة المقدَّم إيذانًا بعلوِّ رتبة مظاهرتهم، وجبرًا لفصلها عن مظاهرة جبريل عليه السلام.

 

{عسى ربـُّه إن طلقكن أن يبدله} جواب الشرط أغنى عنه ما قبله وما بعده، كأنـَّه قيل: إنَّ طلَّقكنَّ فعسى ربـُّه أن يبدِّله، أي أن يعطيه بدلكنَّ، وقرأ الكوفيتُّون بإسكان الباء وتخفيف الدال، و«عسى ولعلَّ» من الله عزَّ وعلا واجبتان، أعني أنـَّهما من الله وعد ووعده كوعيد لا يَتَخَلَّفُ، والله جَلَّ جَلاَلُهُ عالم بأنـَّه لا يطلِّقهنَّ وقاضٍ بذلك إِلىَ الأزل، لكن أخبر عن قدرته تخويفا لهنَّ بأنـَّه قادر عَلَى التبديل، وقرأ أبو عمر بن العلاء بإدغام قاف «خلقكنَّ» في كافه بعد إسكانها تخفيفا، كما أدغمت في قوله عزَّ وعلا: {ألم نخلقكم} لأنـَّهما من حروف الفم.

 

{أزواجا خيرا منكنَّ} وإنـَّما أفرد «خير» وذكره مع أنـَّه نعت لجمع مؤنـَّث لأنـَّه اسم تفضيل، ومقتضى الظاهر: «خيرًا منكما» لأنَّ الكلام في حفصة وعائشة، وكذا في قوله: {إن طلَّقكنَّ} بل هذا تبع لقوله: {إن طلَّقكنَّ} فالأصل: إن طلَّقكما أن يبدِّله أزواجًا خيرا منكما، لكن عاد الكلام إلى صورة الجمع السابقة فيهما عند قوله: {تبتغي مرضات أزواجك} [449] عَلَى ما مرَّ فيه، وذلك تعبير عن الاثنتين بصيغة الجمع أو تغليب لهما عَلَى سائر أزواجه كأنـَّهنَّ كلُّهنَّ في العتاب، أو أريد تعميم الخطاب لهنَّ لأنـَّهنَّ كلُّهنَّ قد يفرط منهنَّ تقصير في حقِّه صلَّى الله عليه وسلَّم كما مرَّ أنـَّه هجرهنَّ كلَّهنَّ، وليس في قوله: {إن طلَّقكنَّ} أنـَّه لم يطلِّق حفصة لأنَّ الكلام في تطليق الكلِّ فهو صلَّى الله عليه وسلَّم لم يطلِّق الكلَّ ولو طلَّق حفصة، وقد علمت أن الكلام عَلَى القدرة، فليس في ذلك أنَّ في النساء خيرًا منهنَّ، لأنَّ ما علِّق بما يقع لا يجب وقوعه، وكأنـَّه قيل: هو قادر أن يجعل في النساء من هو أفضل منكنَّ، ويجعله أزواجًا له صلَّى الله عليه وسلَّم، وأيضا إن طلَّقهنَّ لعصيانهنَّ كان من لا يعصي خيرًا منهنَّ، ولكن تبن وبقين عَلَى أنـَّهنَّ خير نساء الأَرض.

 

{مسلمات} مذعنات لعمل الواجب والمستحبِّ وبعد تعميمه في «مسلمات» لفظله([283]) وعظمه عظمة زائدة عَلَى كلِّ ما سواه، وقيل: مسلمات مقرَّات، و

 

{مؤمنات} مخلصات،

 

{قانتات} مصلِّيات مطلقا أو زائدات الصلاة ليلا، أو مواظبات عَلَى الطاعة،

 

[{تائبات}]([284])،

 

{عابدات} متعبـِّدات، ففيه تأكيد لـما سبق، أو متذلِّلات لأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،

 

{سائحات} صائمات، يسمَّى الصائم سائحًا، لأنـَّه يسيح في النهار بلا زاد ممسكًا إِلىَ وقت الإفطار كسائح لا يأكل حتَّى يجد مطعمًا، ولا يخفى مناسبة «قانتات» إذا فسِّر بمصلِّيات الليل، أو عابدات فيه لـ«سائحات» إذا فسِّر بصائمات، لأنَّ المعنى قائمات الليل صائمات النهار؛ ويجو زأن يكون «سائحات» بمعنى مهاجرات. وقرئ: «سيـِّحات» بتشديد الياء وإسقاط الألف قبلها.

 

{ثيـِّبات} تزوَّجن قبله، فهنَّ أعرف بحقِّ الزوج،

 

{وأبكارا(5)} غير متزوِّجات قطُّ، أو عذارى عَلَى أن يراد بالثيتِّبات غير العذارى، ووسَّط العاطف بينهما لتنافيهما بخلاف ما قبلُ فلا منافاة فيه، وذكرهما معًا، لأنَّ عائشة بكر وغيرها ثيـِّب، فإمـَّا أن يريد أن يجعل له واحدة بكرا مثلها والباقي ثيـِّبات، فالجمع نظر [كذا] للمجموع، وإمـَّا أن يعدِّد له أبكارًا، أو لأنَّ له أبكارًا كثيرة في [450] الجنة كمريم والحور وثيـِّبات؛ وفي الآية تلويح بأنَّ تزوُّجه صلَّى الله عليه وسلَّم حسب ابتغاء مرضاة الله لا حسب الشهرة، ووجه المدح بالثيـبـيـَّة أن تكون فائقة جمال وإذعان وتحبُّب ونسب ومال، أو بعض ذلك مِمَّا لم يكن في البكر المفروضة.

 

 

{يا أيها الذين آمنوا قوا} امنعوا

 

{أنفسكم} بتعلُّم مايجب تعلُّمه، وترك المعاصي وفعل الطاعات؛

 

{وأهليكم} من أزواج وأولاد وإماء وعبيد بدعائكم إيـَّاهم إلى التعلُّم وترك المعاصي وقع الطاعات وتعليمهم، أو الإتيان بمن يعلِّمهم، أو إرسالهم إِلىَ من يعلِّمهم مِمـَّن يؤمَن عليهم، ولا يخلو([285]) المرأة بغير محرمها. ودخلت المرأة في الخطاب بالنسبة إلى عبيدها وإمائها وولدها الذي قعدت عليه وابنها أو بنـتـها الذي لا أب له بأن  كان ابن أمـِّه، أو ارتدَّ أبوه أو بقي في الشرك، وقيل: لا يلزمه ولا يلزمها في أهلها إِلاَّ ما رأى من منكر فينهيان عنه، والصحيح الأوَّل لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من أشدِّ عذابًا من جهل أهله». وقرئ: «وأهلوكم» عطف عَلَى الواو في «قوا» للفصل، والمعنى: قوا أنفسكم وأهلوكم أنفسهم، فحذف هذا المفعول لدلالة الأوَّل فيكون من العطف عَلَى معمولي عامل، فـ«أهلوكم» عطف عَلَى الواو، و«أنفسهم» عَلَى «أنفسكم»؛ ويجوز أن يكون كاف «أنفسكم» للمخاطبين، و«أهليهم»([286])، أي قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، وغلَّب المخاطبين عَلَى الغائبين وَهُوَ الأهل، وليس في هذه القراءة أهل أن يقوا أهلهم بخلاف قراءة النصب فهي أولى، بل قال بعض المفسِّرين: يؤخذ الإنسان بما يؤخذ به نفسه، يعني من فعل الواجب وفعل المحرَّم لا من التشديد والإجبار على الفعل، ودخل في الأهل الأطفال ولو كانوا لا يدخلون النار، فإنـَّه إذا أدَّبهم وعلَّمهم الدين نشأوا عَلَيه إن بلغوا، فإن لم يعلِّمهم ويؤدِّبهم جهلوا فدخلوا النار إن ماتوا بلَّغًا ولم يعملوا أو لم يعملوا[كذا]

 

{نارا} مفعول ثان، أي: امنعوا أنفسكم وأهليكم نارًا عظيمة.

 

 {وقودها الناس والحجارة} تتـَّقد بالناس والحجارة اتـِّقاد نار الدنيا بالحطب، قال ابن عـبَّاس: «حجارة الكبريت لأنـَّها أشدُّ الأشياء حرًّا إذا أوقد عليها». ونصَّت الآية عَلَى أنَّ الفاسق يعذِّبه بنار يعذَّب بها المشرك [451] وهي المتـَّقدة بالحجارة كما في سورة البقرة: {فإن لم تفعلوا ــ ولن تفعلوا ــ فاتـَّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة}، والناس الذين توقد بهم هم أهلها، تحضر لديهم الحجارة تتـَّقد فيها، وهب أنـَّهم مختصُّون بالحجارة، أو هي الحجارة المعبودة دون الفسقة فالمعنى أنـَّهم تشملهم دار واحدة هي النار ولو اختلفت طبقاتها، فطبقة الفسقة أعلاها بلا حجارة، وطبقات المشركين هي أسفل مع الحجارة؛ فنهى الله جلَّ وعلا عن مجاورتهم في دار واحدة مع أنـَّه لا مانع من كون الكافرين في «أعدَّت للكافرين» شاملا للفسقة والمشركين. وقد يقال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارًا} بترك الردَّة والوجه ما تقدَّم. وقرئ بضمِّ واو «وقودها» كما قال بعض أنَّ فُعولاً بالضمِّ كما يكون مصدرًا يكون اسما للشيء، أو يبقى على المصدريـَّة، ويقدَّر: «ذو وقودها»([287])، أو «وقودها وقود الناس والحجارة».

 

{عليها ملائكة غلاظ شداد} معنى كونهم عليها أنـَّهم يلون أمرها يوقدونها ويعدَّون انواع عذابها، ويعذِّبون أهلها، ومعنى غلظهم غلظ الأقوال والأجسام، ومعنى شدَّتهم شدَّة الأجسام والأفعال، بخشونة وجفاء، فهم أشدَّاء عَلَى أعداء الله، وذلك أنـَّهم مظلمة، وسائر الملائكة أجسام نورانيـَّة لا كما قيل: إنَّ الملائكة أرواح تقبل الغلظ والشدَّة.

 

{لا يعصون الله ما أمرهم} ما مصدريـَّة والمصدر بدل اشتمال من لفظ الجلالة، أي لا يعصون أمر الله إيـَّاهم، أو اسم، أو مصدريـَّة عَلَى تقدير الجارِّ: لا يعصون الله في أمره إيـَّاهم، ولا يعصون الله فيما أمرهم به، وفي هذا الوجه كثرة الحذف: حذف الجارِّ وحذف العائد المجرور، بحرف لم يجرَّ الموصول ولم يتعلَّق بمثل عامل الموصول، إِلاَّ أنَّ من النحاة من أجاز حذف العائد إذا علم مطلقا بلا شرط، وحاصل ذلك أنـَّهم لا يمتنعون من قبول الأمر، بل يلتزمونه وهم مكلَّفون في الآخرة كسائر الملائكة، وكلُّهم لا يعصون، والمراد هنا الزبانيـَّة وهم تسعة عشر.

 

[{ويفعلون ما يؤمرون(6)] يا أيـُّها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم} مقول لقول محذوف يدلُّ عليه المقام، أي يقال لهم عن الله: «يا أيـُّها الذين كفروا...» إلخ، أو يقدَّر: «تقول الملائكة: يا أيـُّها الذين كفروا...»، وَعَلَى كلِّ حال [452] يكون قول ذلك لهم عند إدخالهم النار. والاعتذار توبةن والتوبة لا تقبل بعد معاينة الموت فكيف بعد دخول النار.

 

{إنـَّما تجزون} اليوم

 

{ما كنتم تعملون(7)} في الدنيا من الكفر والمعاصي. وحاصل ذلك: اليوم يوم عقاب لا يوم اعتذار.

 

{يا أيـُّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} توبوا من ذنوبكم توبة بليغة في النصح. و«نصوحًا» صفة مبالغة نعت لـ«توبة»، ولم يؤنَّث لأنَّ فعولا بمعنى فاعل لا يؤنَّث ولو كان لمؤنَّث، والنصح صفة للإنسان، وإسناده للتوبة مجاز في الإسناد، والمراد أن يبالغوا في نصحهم أنفسهم بالتوبة بأن يأتوا بها عَلَى وجهها من الندم عَلَى فعلهم والاغتمام بارتكابها والعزم عَلَى عدم العود إليها وقضاء ما لزم عليه من كفـَّارة وتباعة مخلوق، وادابة([288]) النفس بالطاعة وإذاقتها حرارة الطاعة، وإظهار التوبة لمن شاهده منه ولو مشركًا أو فاسقةً زَنَى بها. وقيل: «نصوحًا» خلوصا عن ضعف، ويشوبها من قولهم: عسل ناصح أي خالص من شمع، وعليه فالإسناد ليس مجازًا، وقيل: مِن: «نصحت الثوب» بمعنى خطب([289]) خرقه وأصلحته فالتوبة النصوح تصلح ما فسد في الدين، والإسناد مجاز لأنَّ المصلح هو التائب بتوبته لا توبته وكذا فيما قيل: المعنى: إنـَّها تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها بالجدِّ في مجانبة ما لا يرضي الله جَلَّ جَلاَلُهُ، فإنَّ الداعي هو التائب بتوبته لا توبته، والتوبة النصوح أن لا تعود للذنب كما لا يعود الحليب إِلىَ الضرع، فإذا عاد علم أنـَّه غير نصوح، ثمَّ لا يزال يعود ويتوب حتَّى يموت غير عائد، ولا ناو العود فتكون نصوحًا، ولا مانع من أن تكون نصوحًا ولو عاد إذا كانت من قبله بجدٍّ على الوصف المذكور، إِلاَّ أنَّ العود مفسد لخلوصها الأوَّل.

 

وقرئ: «نُصوحًا» بضمِّ النون عَلَى المصدريـَّة وصف مبالغة، كأنـَّها نفس النصح، أو بمعنى الوصف أي ناصحة؛ أو يقدَّر مضاف، أي ذات نصح، أو جمع ناصح حال من واو «توبوا»، كشاهد وشهود، وقاعد وقعود، فيكون تنكير «توبةً» للتعظيم، أو لمجرَّد التأكيد، أو مصدر مفعول من أجله، أي توبوا لِنصح أنفسكم، واتـَّصل قوله: {يا أيـُّها الذين آمنوا...} إلخ بقوله: {يا أيـُّها الذين كفروا...} إلخ، لأنـَّه عزَّ وجلَّ ذكر أنـَّه لا تقبل توبة الكفَّار يوم القيامة وأنـَّهُم يجزون النار بما كسبوا، فذكَّر للمؤمنين أن يتوبوا اليوم نصوحًا لتنفعهم التوبة لذلك اليوم ويجزيهم جـنَّات تجري من تحتها الأنهار، والتنبيه بعد الترهيب على الدفع يفيد الترغيب بذكر أحوالهم وإكرامهم.

 

{عسى ربـُّكم أن يكفِّر عنكم سيـِّئاتكم ويدخلكم جـنَّات تجري من تحتها الأنهار}: عسى من الله وعد لا يخلفه، وإطماع وَهُوَ لا يخلف الإطماع، ونكتتها الإشعار بأنَّ ثوابه تفصل([290]) لا توجبه التوبة، وأنَّ العبد لا يجوز له الخروج عن الطمع إِلىَ الأمن، ولا القصور عن الطمع بالغا ما بلغ من التوبة والعبادة.

 

{يوم لا يخزي الله النبيَّ} متعلِّق بـ«يدخل».

 

{والذين آمنوا معه} عطف عَلَى النبيء، وذلك تعريض بخزي الكافرين في ذلك اليوم، وتهنئة للمؤمنين عَلَى العصمة من أحوال الكافرين الموجبة لخزي ذلك اليوم، كأنـَّه قيل: يوم ينجي الله النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين مِمَّا يصيب المشركين والفاسقين من الخزي وذلك كقوله تعالى: {والنبيـِّين الذين أسلموا} فإنـَّه تعريض بأنَّ اليهود غير مسلمين. وقيل: «الذين» مبتدأ خبره جملة قوله:

 

{نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم}([291])، وَعَلَى الأوَّل تكون هذه الجملة حالا من النبيء، و«الذين» لازمة لا منتقلة باعتبار يوم القيامة، فإنـَّهم بعد البعث لا يزول عنهم النور ساعيًا معهم أو الجملة قالت المعنزلة: الإخزاء يقع بالعذاب، وقد وعد أن لا يعذِّب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخف عليهم العذاب حتَّى ينفيه في الآية الله جلَّ وعلا، فإنـَّما ينفي الشيء عمـَّا يمكن إثباته له، فلا تقول: لم يسمع الجبل، فإنَّ سماعه غير ممكن عادة، وأجاب الأشعريـَّة بأنَّ الذين آمنوا مبتدأ خبره الجملة بعده؛ وأقول: نقول كالمعتزلة في أنَّ أصجاب الكبائر ليسوا من أهل الجـنَّة إِلاَّ إن تابوا، وأنـَّه لا مانع من العطف، وأنَّ المراد: آمنوا وعملوا الصالحات واتـَّقوا المحرَّمات كما دلَّت عليه سائر الايات والأحاديث، وإن جعلناه مبتدأ قيَّدناه بذلك أيضًا.

 

 وقيل: «الذين آمنوا» معطوف بلا تقييد وأنَّ عدم إخزاء النبيء ردُّ الشفاعة، أي لا يردُّ شفعته، وعدم إخزاء الذين آمنوا عدم فضيحتهم بين أيدي الكفَّار، بل يدخل الجـنَّة منهم [454] من يدخلها، ويعذَّب من لا يدخلها بوجه لا يقف عليه الكفَّار، وفيه أنـَّه ورد الحديث أنَّ اليهود والنصارى يقولون في النار لفسقة الأمـَّة: ما نفعكم إيمانكم، فقد انكشف لهم عذاب الفسقة. ثمَّ إنَّ قوله: {معه} حال من «الذين» لا من واو «آمنوا»، ولا متعلِّق بـ«آمنوا»، وإلاَّ لم يشمل إِلاَّ الصحابة، وإذا جعلناه حالا من «الذين» شمل كلَّ من آمن به وعمل واتـَّقى إلى يوم القيامة، أو في زمانه، أو يره بمعنى المعيـَّة عَلَى هذا أن يكونوا بحيـِّز الذين النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وبحضرته في الموقف، وفي ذلك نشريف لهم، إِلاَّ أنـَّه يجوز تعليقه بـ«آمنوا»، أو كونه حال من واوه، فيكون المراد الصحابة مدحا لهم بالآية ويلتحق بهم التحاقًا إذا اتـَّصفوا بصفاتهم، ويجوز أن يراد العموم أيضًا مع التعليق بـ«آمنوا» والحالية من الواو على أنَّ المعيـَّة الكون معه بالإيمان والاتـِّباع لا بالزمان والمعنى سعي النور بين أيديهم وبأيمانهم أنـَّه يسعى بين أيديهم في موضع أقدامهم وفي أيمانهم لا خلفهم ولا في شمالهم لأنهما طريق الكفرة، والباء بمعنى في أو للإلصاق وَهُوَ الأصل، إِلاَّ أنَّ تعليقه بـ«يسعى» يناسب كونه بمعنى في، ولو قيل: «وأيمانهم» لكان موهما أن يكون لا قدَّام محضا بل بينهما.

 

{يقولون ربـَّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنـَّك على كلِّ شيء قدير(8)} «يقولون» استئناف أو حال ثان من «الذين»، وإن كان «الذين» مبتدأ فـ«يقولون» خبر ثان أو مستأنف، وإنـَّما يقولون: ربـَّنا أتمم لنا نورنا إذا رأوا نور المنافقين تطفأ شفقا أن يطفأ نورهم كما أطفئ نور المنافقين قاله ابن عـبَّاس؛ وعن الحسن أنـَّه متمٌّ لهم نور وقد علموا بأنـَّه يتمُّه ولا يطفئه، ولكن يدعون تقربا حضرة[كذا] إِلىَ الله عزَّ وجلَّ، وقيل: تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فهم يطلبون زيادة النور تفضُّلا؛ وقيل: أدناهم منزلة من نوره في إبهام رجليه بقدر ما يبصر موضع قدمه لأنَّ النور عَلَى قدر الأعمال فهم الذين يسألون إتمام النور، وفيه أنَّ الآية عَلَى العموم، وأنـَّه لا مدح بذلك إِلاَّ أن يقال المراد تهويل اليوم بذكر عدم الإخزاء فقط عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ في جملة من آمن به من صفته ذلك القليل من النور ولو كان له ولهم غير ذلك فكيف غيرهم، وعليه فإسناد القول إسناد للمجموع. وقيل: يمرُّ إِلىَ الجـنَّة قوم كالريح وبعض كالبرق وبعض كالجواد وبعض كالريح [كذا] وبعض كالراجل وبعض كالماشي وبعض كالزاحف، وذلك في طريق الجـنَّة بطءًا وسرعة، فمن جدَّ [في] الدنيا أبطأ، ومن أبطأ تأخَّر وصوله، فقيل: الزاحفون هم القائلون: أتمم لنا نورنا. وفيه وفي القول قبله إشكالا وجوابا، ولا يترجَّح هذان القولان بقوله: {اغفر لنا} لأنَّ المؤمن لا يخلو من ذنب أو تقصير.

 

{يا أيـُّها النبيُّ جاهد الكفَّار} بالقتال،

 

{والمنافقين} بالحجَّة،

 

{واغلظ عليهم}

 

على الكفَّار في قتالهم وَعَلَى المنافقين في في الحجَّة، ونداؤه صلَّى الله عليه وسلَّم بلفظ النبوءة تشريفن وهو أفضل  من نداء موسى وآدم وعيسى بأسمائهم.

 

{ومأواهم} مرجعهم

 

{جهنـَّم} يرون فيها عذابا عظيما أيضًا،

 

{وبئس المصير(9)} المخصوص بالذمِّ محذوف، أي وبئس المصير مأواهم، أو بئس المصير جهنـَّم، وكذلك بئس المصير مصير الفسقة أيضًا لخلودهم أبدا، ولو فرضنا خروجهم لكان أيضًا مقولا فيه أيضًا: وبئس المصير، لأنَّ النار دار الغضب والشقوة فكيف ولا خروج، لا كما قيل: إنَّ دخولهم تطهير لهم فليست لهم مقولا فيها: وبئس المصير.

 

{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} امرأة نوح وعلة، امرأة لوط واهلة. «مثلا» مفعول ثانٍ، وامرأة نوح وامرأة لوط مفعول أوَّل؛ و«للذين» متعلِّق بـ«ضرب»، وذلك أنَّ معنى ضرب صيـَّر والذي هو مبتدأ، أو فاعل في المعنى هو امرأة فهو المفعول الأوَّل ولو تأخَّر، وإنـَّما أخَّره ليَتـَّصِل بما هو بيان لحال المرأة بما من كونهما تحت عبدين صالحين، ولـمَّا لم تتبعاهما لم يدفع عنهما الله عنهما[كذا] بصلاحهما شيـئًا من العذاب ولا دفعاهما عنهما شيـئًا ولا...([292]) لهما عَلَى ذلك، وفي ذلك تعريض لحفصة وعائشة رضي الله عنهما بأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع كونه أفضل الخلق لا يدفع عنهما شيـئًا من العذاب اللازم لهما إن لم تتوبا ولا قدرة له عَلَى الدفع وقد تابتا والحمد لله، وإنـَّما أخَّر للذين ووسَّطه لأنـَّه في نية التأخير عمـَّا بعده فإنَّ المفعول الأوَّل في تقدير التقديم ولو تأخَّرّ، فلا يقال: إمـَّا [456] أن يَتـَّصِل بالمتعلَّق وإمـَّا أن يتأخَّر عن معمولاته كلِّها، فما حكمة ذلك؟ ويجوز أن يكون نعتا لـ«مثلا».

 

{كانتا تحت عبدَينِ مِن عبادنا صالحين} عظَّمهما بالإضافة لنفسه، وأشار بأنـَّه لا يترجَّح عبد إِلاَّ بالصلاح، نكَّرهما مع أنـَّهما نوح ولوط المذكوران عليهما السلام تعظيما، وذكر صلاحهما وأضافهما لنفسه ليشعر بأنـَّهما مع مرتبتهما عند الله دنيا، ومع كون امرأتيهما تحت عصمتهما ومن أولى من يشفعان له لم ينفعاهما بدفع العذاب لأنـَّهما لم تتـَّبعاهما في دين الله، وصلاح الصالح لا ينفع المفسد، وفساد المفسد لا يضرُّ الصالح، والرجل ولو كان في غاية الصلاح لا يأمن امرأته، والحمد لله الذي أصلح نساء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكذالك لا ينفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قرابته ومن يَتـَّصِل به بلا تقوى منهم، فكفرة قريش يعذَّبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين وله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا ينفعهم قربهم منه محلاًّ ونسبا وقرابة فهم كالأجانب بل أبعد بمزيد قيام الحجَّة.

 

{فخانتاهما} في أمر الدين بالإشراك والكبائر والمعاصي إِلاَّ الزنى، فعن ابن عـبَّاس: «ما زنت امرأة نبيء قطُّ»، ومن خيانتهما قول امرأة نوح:  إنـَّه لمجنون وقول المرأة إنـَّه جاء الملح إذا جاء صيف إبراهيم أو أحد من الغرباء، قالت ذلك لقوم لوط ليعجروا [كذا] بهم وذلك من قولهم امرأة لهم ومن خيانتهما إعانة قوم نوح وقم لوط عليهما وإضمار الشرك.

 

{فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} أي من عذاب الله شيـئا لخيانتهما كما دلَّت له هذه الفاء السببيَّة، وأمـَّا الفاء الأولى فلمجرد الترتيب والاجتصال دون السببيَّة فّإن خيانتهما لم نتمهل بل وقعت عقب التزوُّج أو بمعنى الواو وذلك أن كونهما تحت العبدين الصالحين لا يكون سببا لخيانتهما بل تصريح وإظهار بسبب كونهما تفعلان بالخيانة هو أنـَّهما تحتهما فهي للسببيَّة ويجوز أن يكون للتعليل فيكون عاطفا على ضرب أي ضربهما مثلا لخيانتهما وعلى غير هذا يكون عاطفا على {كانتا...}إلخ وشيئا مفعول به مطلق [457] بمعنى إغناء أو مفعول بخه على تضمين يغنيا معنى يدفعا فيكون بمعنى عذابا أو شيـئًا من العذاب وعلى الوجهين أنَّ الزواج لم يعد لهما شيـئًا مع كفرهما، ومعنى كونهما تحت العبدين الصالحين أنـَّهما تحت ملكهما بالتزوُّج.

 

{وقيل ادخلا النار مع الداخلين(10)} أي قيل لهما عند موتهما: {أدخلا النامر مع الداخلين} بمعنى الجمع الداخلين أو الفريق الداخلين ونحو ذلك من الألفاظ التي تطلق على الإناث كما تطلق على الذكور، وقال مع الداخلين تغليبا للرجال وإلاَّ قال: طمع الداخلات ثمَّ لا مانع من أنَّ يقال للمرأة أدخل النار مع الرجال الداخلين وفائدة مع الداخلين أنَّ المراد مع سائر الكفرة الذين دخلوا النار ولا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام.

 

{وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون} صير حالها مثلا للمؤمنين في أن وصلت المؤمن للكافر، وتغلب الكافر عليه في بعض الأحيان وكفره لا تضرُّه، وهو من أهل الجـنَّة كما أنَّ امرأة فرعون لم يضرها كفره والجلوس معه وتغلبه عليها لأنـَّها في الجـنَّة لإيمانها،

 

{إذ قالت} فـ «إذ» متعلِّق بالمضاف المحذوف وهو واقعة أو حادثة أو نحو ذلك لا بضرب لأنَّ الضرب المثل في زمان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وامرأة فرعون متقدِّمة بزمان طويل والمعتبر وقت النزول ولو تقدَّم القرآن في اللَّوح المحفطوظ قبل لآدم حين خلق اللَّوح والقلم، وهو بهذه الألفاظ خلقها الله على كيفيـَّة ما يناسب حال النزول بعد من مضى الماضي واستقبال المستقبل ففيه حينئذ ضرب المثل لـمَّا سيجيء ويمضي بعد كأنـَّه قيل: ضربت المثل بما جيء ويمضي ويجوز جمعل إذ بدل اشتمال من امرأة فرعون باعتبار المضاف إليه وهو قولها:

 

{رب ابن لي عندك بيتا في الجـنَّة} لـمَّا كانت الجـنَّة دار ثواب وأولياءه ناسب أن يقال: هو عند الله وفي جواز الله وأما أن يقال: قريبا من رحمتك فلا يتمُّ لأنَّ الجـنَّة نفس محل الرحمة لا قريبة من الرحمة [458] ويجاب بأنَّ الجـنَّة تنزل فيها الرحمة أبدا فالقربى باعتبار ما يتجدَّد من الرحمة فصحَّ أن يفسر «عندك» بقريب من الرحمة أو عندك عبارة عن أعلى الجـنَّة ولو كانت الله ملا يتَّصف بمكان لأنـَّه أعلى شأنا من كلِّ شيء، وكما يعبر بالعرش عن علو شأنه قبل طلبت بيتا في جـنَّة المأوى وهي أقرب إلى العرش، قيل: لـمَّا قالت: {رب ابني لي عندك...}إلخ أريت بيتهما في الجـنَّة من درَّة وانتزع روحها وهي آسيَّة بنت مزاحم وقيل: عمَّة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصَّة إلقاء موسى عصاه، وتلقف العصا فعذَّبها فرعون عذابا شديدا، وعن أبي هريرة أنـَّه أوتادها بأربعة أوتاد واستقبل بها الشمس، وألقى عليها صخمة عظيمة فقالت: ربِّ نجني من فرعون...إلخ فرفع روحها إلى الجـنَّة فألقت الصخرة على جسد لا روح فيه، وعن المس [كذا]: «رفعها إلى الجـنَّة تأكل فيها وتشرب.

 

{ونجني من فرعون} من بدنه الخبيث لا أمسه ولا أراه.

 

 {وعمله} لأنَّ عمله خبيث اللهمَّ نجِّني منه لا أشهاده ولا أعمله.

 

{ونجني من القوم الظالمين(11)} القبط [كذا] التابعين له في كفره.

 

{ومريم ابنت عمران} عطف على امرأة فرعون فأمـَّا أنَّ يعطف عليها بلا حذف فيكون مثلا المتقدِّم شاملا لهما فيكون حالهما مثلا واحد كما سمَّى موسى وهارون رسولا واحدا في الشعراء في أحد أوجه إذ كانا يبلغان معنى واحد فكذا امرأة فرعون ومريم حالاهما مثل المؤمنين إذ كانتا مؤمنتين عند قوم كافرين، فإن اليهود كفروا فيها وبعيسى وكذا كفر من جعلها من النصارى إلها ومن جعل عيسى إلها أو ابن الله {سبحان الله وتعالى عمـَّا يشركون} وأمـَّا أن يعطف عليها ويعطف محذوف على مثلا أي ومثلا مريم ابنت عمران وكأنـَّه قيل: وضرب مثلا، فتكون حال كلِّ واحد مثلا على حدة كما سمَّى الله موسى وهارون رسولين في سورة طه فيكون ضرب للمؤمنين مثلين، وفي ذكر مريم تسلية للأرامل لأنـَّها أوتيت كرامة الدين والدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع كفر قومها {إنَّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين}.

 

{التي أحصنت فرجها} عن أن يمسَّه أحد أو يراه، وقيل: فرج قميصها كما يقال: جيب ما مرة وهو مخرج [459] يدها اليمنى والخرق والباب في كلِّ شيء فرج وقيل: مدَّ جبريل جيب قميصها وهو مخرج رأسها منه بأصبعه فنفخ فيه كما قال:

 

{فنفخنا فيه} أي فرج بدنها أو فرج قميصها وقرئ فيها أي في مريم وهذا ظاهر، وقيل: فيه في عيسى وفيها في نفس عيسى والنفس مؤنَّث وهذا ضعيف لم يجز [كذا] عيسى ذكر ولا لنفسه سوى أنـَّه داء عليه بذكر أمه وإحصان فرجها وبذكر روحنا كما قال:

 

{من روحنا} أي من روح هو ملك لنا ومخلوق لنا فإن الله جلَّ جلاله ملكه وخلقه بلا توسط أصلا

ومن المتبعين أي بعض روحنا أي خلقنا فيها ما تظهر من به الحياة في الأبدان، فيكون في بطنها عيسى جبا؛ وشبه الخلق بالنفخ لأنَّ نشر الروح في الجسد كنشر الريح بالفم في الجريان، والتوسع، ودلَّت الآية أنَّ إحصان المرأة وعفتها مفيد؛ غاية الإفادة، ألا ترى أَنـَّهُ افادها إحصانها، اصطفاء الله لها وتطهيرها، واصطفاها على نساء العالمين.

 

{وصدقت بكلمات ربها} صحفه المنزلة على إبراهيم؛ وغيرها أي جعلتها صادقة أي وصفتها بالصدق، وقيل: «لما رفع عيسى جاءها جبريل بعشر صحائف فهي نبيئة» أو المراد بالكلمات كتب الله كلّها، وقيل: «ما وحى الله إلى الأنبياء غير الكتاب»، وقيل: الكلمات «عيسى» و«يدلُّ له» قراءة الحسن بكلمة ربها بالإفراد أي بعيسى، وسميت كلمة ِلأَنـَّهُ كان يقول: «السكن» وسمِّي كلمات ِلأَنـَّهُ يحيي الموتى بكلمات الله، وَلأَنـَّهُ ذكر في القرآن في مواضع يلفظ «كلمة» فجمعت هنا، وقيل: «كلمات ما في اللوح المحفوظ»، وما أوحى الله به إلى الملائكة والأنبياء، وقال أبو علي الفارسي: «الكلمات الشرائع»، وقيل: «صحف إدريس المنزلة عليه وصحف غيره».

 

{وكتبه} الإنجيل أو جنس كتب الله إذا لم نفسر بها كلمات، ويدلِّله قراءة من قرأ، وكتبه بالجمع وقرأ بكلمة، وكتابه أي بعيسى، والإنجيل، وجنس كلمات الله، وجنس كتبه، وبعيسى وجنس كتب الله.

 

{وكانت من القانتين(12)} أي المواظبين على العبادة وقال عطاء من المصلين والتذكير لما مرَّ في قوله: {مع الداخلين} وللإشعار بأنَّ طاعته لم تقصر عن [460] طاعة الرجال والمراد أنـَّها منه في العبادة على جميع تلك الأوجه ويجوز أنْ يكون المراد أنـَّها من نسل القانتين لأنـَّها من ذرية أعقاب هارون عليه السلام فالمراد أنـَّها من ذرية القانتين وليس المراد أنـَّها مِمـَّن بقنت ولو كانت لكن من غير هذه الآية وروي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنـَّه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إِلاَّ أربع: آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».


 


[279]

- في الأصل: «مساكن». وَهُوَ تحريف.

[280]

- كذا في الأصل، والصواب: «ظاء».

[281]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فإنَّ».

[282]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإنفاذ».

[283]

- كذا في الأصل، والصواب: «لفضله».

[284]

- لم يفسِّر الشيخ هذه الكلمة، وزدناها لتتمَّ الآية.

[285]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تخلو».

[286]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأهليكم».

[287]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذو وقودٍ».

[288]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإذابَة».

[289]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خِطتُ». من الخياطة.

[290]

- كذا في الأصل، والصواب: «تفضُّلٌ».

[291]

- في الأصل: «يسعى نورهم». وهو وهم من الشيخ أو الناسخ.

[292]

- كلمة غير واضحة لعلَّها: «قوَّة».