إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الملك
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* تبارك الذي بيده الملك} البركة في صفة الله العظمة، و في حقّ المخلوق النماء، والذَّات الواجب الوجود لا يتـَّصف بالزيادة ولا بنقص، وإِلاَّ كان غير واجب، فيكون محدثاً، وهذا باطل وإشراك، ويترتب على كمال عظمته أنَّ كلّ خير منه، وصيغة التفاعل: للمبالغة فإنَّ ما يتنافس عليه اثنان يستفرغان فيه جهدهما، وما لا يتـَّصف الله بظاهره كظاهرة البركة التي هي في صفة المخلوق الزيادة والنماء يحمل على غايته وغاية الزيادة، والنماء العظمة كالرحمة بمعنى رقة القلب فتحمل في وصف الله على لازم الرقة وهو الإنماء، ويجوز حمل الآية على الزيادة والنماء على حذف مضاف، أي تبارك خير الله الذي بيده الملك، ونعمه أي ازدادت ونمت جسمية أو عقليـَّة، ويجوز حملها على كثرة خيره لكثرة ما يفيض منه عَلَى مخلوقاته من فنون الخيرات، والمعنى كثر خير الله ودام، والتفاعل على كلِّ حال للمبالغة وعلى كلِّ حال الله منتزه ذاتاً وصفة عن الزيادة، ويوجد الخير ويزيده ولا يخالف ما قضى في الأزل، وكذا ما يفعل أو يحكم أو يقول لا يقبل الزيادة عمـَّا في الأزل ولو كان فعله شيـئًا فشيئا صورة زيادة، فيجوز كون التفاعل للإفادة نماء خيراته وزيادتها شيـئًا فشيئاً وقتاً فوقتاً بحسب حدوثها وحدوث متعلقاتها، ولا يستعمل تبارك في غير الله لدلالته على غاية الكمال وإنبائها عن نهاية التعظيم، ولا يستعمل غيرها مِمَّا هو من نوعها كنما وازداد لعدم التوقيف وَلأَنـَّهُ موهم [461] ولا يفي بالمعنى الموضوع له تبارك.

 

 وأسند تبارك إلى الذي ليدل بمضمونه على الصلة وهو كون الملك بيده على تحقق معنى قوله «تبارك» واليد مجاز عن القدرة التامـَّة والاستيلاء الكامل على جميع الأملاك، فهي كلّها في قبضته وتصرفه، أجسامها وأعراضها وهذا في الموجودات، وأمـَّا ما لم يوجد فذكره بقوله:

 

 {وهو على كلِّ شيء قدير(1)} أي هو قادر على كلِّ ممكن أن يوجد على أي وجه أراد والجملة معطوفة على قوله: {بيده الملك} تقرير المضمونة، وإفادة لجريان أحكام ملكه في جليل الأمر ودقائقه وإن جعلنا قوله: {بيده الملك} كـناية عن كون الحل والعقد في الوجود كله على الإطلاق بيده ما وجد وما لم يوجد كان قوله: {وهو على كلّ شيء قدير} تأكيد واحتجَّ بقوله: {وهو على كلِّ شيء قدير} من زعم أنَّ المعدوم الذي لم يكن ولا يكون أو كان أو سيكون شيء لأنَّ المقدور إمـَّا موجود مقدور على إيجاده والقدرة على إيجاد الموجود تحصيل الحاصل وهو لا يجوز ومحال، وإمـَّا موجود مقدور على إعدامه وهو محال لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل، لأنَّ القدرة صفة مؤثِّرة، فلا بدَّ لها من تأثير والعدم نفي محض فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فمقدور الله شيء غير موجود، وأجيب بأنَّ الجوهر من حيث إنـَّه جوهر شيء والبياض من حيث إنـَّه بياض شيء، والله قادر على كلِّ شيء، فكون الجوهر جوهرا والبياض بياضا واقع بالفاعل والفاعل المختار متقدِّم على فعله، فوجود الله متقدِّم على كون الجوهر جوهرا والبياض بياضا فلا يكون المعدوم شيـئًا، والحق وَهُوَ المذهب التفصيل بأنَّ المعدوم الذي كان أو يكون الشيء والمعدوم الذي ما كان وما يكون لا يسمَّى شيـئًا وإنـَّما سمّينا ما كان وزال أو ما سيكون شيـئًا ِلأَنـَّهُ كان شَيـئًا أو ِلأَنـَّهُ سيكون فهو مجاز بل حقيقة ِلأَنـَّهُ استحق الاسم فيستمرّ له، وكما تسمِّى الأشياء الماضية والآتية بأسمائها كمن مات وكيوم القيامة.

 

 ثمَّ إنـَّا لا نسلم أنَّ الإعدام لا يقع بالفاعل بل إعدام الأجسام يقع بالفاعل وبه قال أبو الحسن الخيـَّاط من المعتزلة ومحمود الخوارزمي والبقلاني [462] وقال جمهور الأشاعرة والمعتزلة: يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل، والحقُّ وقوعه، فالله جلَّ وعلا يعدم الموجودات فقطع الإبقاء عنها فتفنى، هُوَ فعل الفاعل، وإلقاء النار في البارود إفناء له بتأثير الله وخلقه، ومقدور العبد مقدور لله، ولله مقدورات بلا توسُّط، وذلك أنَّ قدرة العبد إقدار من الله جلَّ وعلا، فالقادر واحد عَلَى الحقيقة، فهل تقول: الموسى قادرة عَلَى الذبح، والذابح بها هو القادر، فكذا المختار، إِلاَّ أنَّ المختار القادر بالذات جلَّ جلاله أقدره وله اختيارٌ قضاه الله، وإن شئت فالتزم مقدورًا بين قادرين: الله والإنسان مثلا ولا  بأس، وذلك هو المذهب وعليه الأشعريـَّة، وقال أبو عليٍّ وأبو هاشم: إنـَّه تعالى غير قادر عَلَى مقدور العبد، وهما من المعتزلة، لأنـَّهم قالوا: فعل العبد مخلوق له لا لله عزَّ وجلَّ، وذلك خطأ منهم.

 

 وقال الكعبيُّ منهم: غير قادر عَلَى مثل مقدور العبد، وَهُوَ خطأ، والمذهب- وعليه الأشعريـَّه- لا مؤثـِّر إِلاَّ قدرة الله عزَّ وعلا، وأبطلوا القول بالطبائع، وزعمت الفلاسفة أنَّ الأشياء تتكوَّن بالطبع، فالمقرّون منهم يقول: خلق الله ذلك الطبع خلقا كُـلِّـيـًّا، والجاحدون يقولون: لم يخلقه، فطبع الماءِ والترابِ النباتُ، وطبعُ النطفة في الأرحام تولُّد الجنين، والجذام ينتقل طبعًا، والمطر بطبع الأنواء وهكذا، وذلك إشراك، وأبطلنا-نحن والأشاعرة-القول بالتولُّدات وأثـبـتـته المعتزلة كالحركة المتولِّدة عن الحركة، هي عندهم بل عند بعضهم غير مخلوقة لله، ولا للمحرِّك وَهُوَ خطأ، بل فعل للمخلوق المحرِّك وخلق لله، وكحركة الماء المتولِّدة عن الحركة فإنـَّها مثلا فعل للريح ولملقي الحجر مثلا، وخلقا لله، وأبطلنا نحن وهم القول بكون العبد خالق لأفعال نفسه، ولا يقال: أوجدها، إِلاَّ عَلَى معنى أنـَّه كسبها، وذلك أنَّ الله عزَّ وعلا وتبارك وتعا([306]) ولا إله إِلاَّ هو قادر عَلَى كلِّ شيء، فلو وقع شيء من الممكنات لا بقدرة الله وخلقه بل بشيء آخر لكان هذا الشيء الآخر قد منع قدرة الله عن التأثير فيما كان مقدورا له، وذلك محال، لأنَّ ما سوى الله ممكن محدث، فيكون أضعف قوَّة من قدرة الله، والأضعف لا يدفع الأقوى، فلو كانت الأشياء بالطبع ولو [463] بخلق الله الطبع، ولكن بتخلية الطبع وما يناسبه لكان غير عالم بما يتولَّد بالطبع، وهذا محال، بل الطبع بتطبيع الله وخلقه الطبع وما تولَّد به، فالطبع مؤثـِّر بتأثير الله، ومن قال بالعدوى والأنواء، وقال بخلق الله الانتقال والمطر عند وقوع كذا جاز.

 

 والآية دلَّت على أن لا إله إِلاَّ الله لأنـَّه لو كان إله آخر لكان غير قادر عَلَى شيء فليس إلها، وإن قدر فمقدوره داخل في قوله عزَّ وعلا: {وهو على كلِّ شيء قدير} فلزم وقوع خالق من خالقين وَهُوَ محال لأنَّ الخالق مستقلٌّ بمخلوقه، فلزم أن يستغنى بكلِّ واحد منهما عن كلِّ واحد منهما، فيكون محتاجا إليهما غنيـًّا عنهما وذلك محال، واستدلَّ جهم بنحو هذه الآية من كلِّ ما فيه شيء نحو: {وخلق كلَّ شيء} مِمَّا الحكم لا يتـَّصف به الله، على أنَّ الله لا يسمَّى شيـئًا، وإلاَّ أن يكون قادرا على نفسه وَهُوَ محال لأنَّ معنى قدرته عَلَى نفسه الخلق لنفسه وإفناء نفسه وما أشبه ذلك وَهُوَ باطل، لأنـَّه قديم لا أوَّل له ولا آخر ومنزَّه عن التغيير، ولزم أن يخلق نفسه إذ هو شيء وقد قال: {وخلق كلَّ شيء}، وذلك محال، فلا يتـَّصف بأنـَّه شيء بخلاف ما يتـَّصف به نحو: {وَهُوَ بكلِّ شيء عليم}، فإنـَّه تعالى يصحُّ أن يقال علم نفسه، الجواب أن لا يشمله الحكم في نحو: {على كلِّ شيء قدير}، {وخلق كلَّ شيء} فشيء في مثل هذا عامٌّ أريد به الخصوص، أي خلق كلَّ شيء، إِلاَّ نفسه، وقادر عَلَى كلِّ شيء إِلاَّ نفسه، فلا يقال: قدر عَلَى نفسه ولا خلق نفسه لما مرَّ، ولا عَجَز عن نفسه لأنـَّه لفظ سوء جلَّ الله، وقامت الحجَّة بأنَّ الله شيء لا يشبه الأشياء في قوله عزَّ وعلا: {قل أيُّ شيء أكبر شهادة قل: الله شهيد بيني وبينكم} فكأنـَّه قيل: قل: الشيء الأكبر الله، وَهُوَ شهيد بيني وبينكم.

 

 وقد ذكرت في الأصول خلافا: هل يدخل المتكلِّم في عموم كلامه المنع، قول مشهور اعتمده النوويُّ في موضع واعتمده آخرون فلا يدخل الله جلَّ وعلا في كلامه، مثل قوله: {وهو على كلِّ شيء قدير}، وفعل له خلق كلِّ شيء، فلا إشكال، وأمـَّا قوله: {وهو بكلِّ شيء عليم} فلا يدخل فيه أيضًا، ونعلم أنـَّه علم نفسه من دليل آخر. وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وفي السماء الثالثة يوسف أحسن ما خلق [464] الله»، فلم يدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في كلام نفسه، وَهُوَ قوله: «أحسن ما خلق الله»، قد فضل الناس بحسن، فلا نقول من الحديث هذا أنَّ يوسف عليه السلام أحسن منه صلَّى الله عليه وسلَّم، وَدَلَّ عَلَى هذا حديث الترمدي([307]): «ما بعث الله نبيئا إِلاَّ حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيئكم أحسنهم وجها، أحسنهم صوتا»، فمعنى:«أعطي يوسف شطر الحسن» أعطي شطر حسن نبيئنا صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

 وزعم النظَّام من المعتزلة أنـَّه لا يقال: قدر الله على خلق المعاصي والمكاره، ومذهبنا ومذهب الأشاعرة وجمهور المعتزلة أنـَّه يقال لقوله تعالى: {وهو على كلِّ شيء قدير} إِلاَّ أنَّ المعتزلة قالوا: قادر عَلَى ذلك، إِلاَّ أنـَّه لم يفعله، وقلنا: قدير وفعل فإنـَّه جلَّ وعلا خلق الطاعة والمعصية، والله جلَّ وعلا منزَّه عن الجهة، إذ لو حصل فيها لتميـَّزت عن جهة ليس فيها، وإلاَّ استحال أنـَّه في جهة دون أخرى، وامتياز جهة عن أخرى يقتضي كون الجهة موجودة، لأنَّ العدم لا يشار إليه بالحسِّ ولا بعضَ له يميـِّز عن بعض بالحسِّ، ويمتنع أن يكون مقصدا للمتحرِّك، ولو كان الله في جهة لكانت جهاته موجودة، وإذا كانت موجودة كانت شيـئًا مقدورا لله تعالى، لأنـَّه عَلَى كلِّ شيء قدير، وإذا كان تحقُّق الجهة بقدرة الله وبإيجاده لزم أن يكون الله جلَّ وعلا متقدِّما في الوجود عَلَى تحقُّق الجهة، وإذا كان كذلك فوجود الله في الأزل محقَّق من غير جهة، وإلاَّ لزم تعدُّد القدماء، وكونه متقدِّما متأخِّرا وَهُوَ متناقض، والأزليُّ لا يزول فهو أبدا غير متـَّصف بجهة، ثمَّ إنـَّه إِنـَّمَا يكون بيده الملك من كان عَلَى كلِّ شيء قديرًا، فقرَّر أنـَّه بيده الملك، ثمَّ عقـَّبه بقوله: {وهو عَلَى كلِّ شيء قدير} فلو رفع مراد البعد ولم يقع مراد الله، أو وقع أمر بلا علم منه لكان عاجزا ضعيفا، لا بيده الملك عَلَى الإطلاق، ولـمَّا كان مالك الملك كان قادرا عَلَى كلِّ شيء، وقدير مبالغة قادر، وإذا كان قادرًا عَلَى كلِّ شيء وجب أنـَّه لا يمنعه مانعٌ البتـَّة عن شيء من مقدوراته، فلا يجب عليه لأحد شيء، وإلاَّ كان الوجوب مانعا له من الترك، ولا يقبح منه شيء، وإلاَّ كان القبح مانعا له من الفعل فلا يكون بليغ القدرة، فلا يقال: قدير وقد قال: [465] هو قدير، فهو بالغ القدرة لا مانع ولا واجب عليه ولا قبح.

 

{الذي خلق الموت والحياة} «الذي» بدلٌ من «الذي»، وَهُوَ مثله في الاستشهاد بالملة([308]) عَلَى تحقُّق معنى قوله: {تبارك}، وشروع في بيان بعض أحكام الملك وآثار القدرة وكونهما عَلَى قانون الحكمة واستتباعهمـا الفوائد جليلة، والموت عبارة عن عدم الحياة، والحياة صفة بكون الموصوف بها بحيث يصحُّ أن يعلم ويقدر، فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة، أي الوجود.

 

وقيل: الموت صفة وجودية مضادَّة للحياة، فالتقابل بينهما تقابل التضادِّ، واستدلَّ له بقوله: الذي هو غير مخلوق هو العدم المحض الذي هو عدم لا عن شيء، وأمـَّا العدم عن وجود بمخلوق فسلب الحياة فعل وخلق لله، وتقدير، وذلك فعل، وَعن ابن عـبَّاس: «خلق الله الموت في صورة كبش أملح لا يمرُّ بشيء إِلاَّ وجَّه ريحه، ولا يجد ريحه إِلاَّ مات([309]) وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار، ودون البغل لا يمر شيء إِلاَّ وجد ريحه، ولا يجد ريحه إِلاَّ حيي»، وَهُوَ تمثيل، وتصوير لأنَّ الموت والحياة عرضان لا جسمان، والكبش الأملح الذي صوفه ممتزج شعرات سمك بيض، أو فيه طبقة سوداء فصاعدا، أو هو كلون الملح في بعض الأرض والحياة مائلا إلى السواد.

 

 والمراد الموت الحادث بعد الحياة، والمراد بالحياة الحياة قبل الموت والحياة بعده بالبعث بدليل التعليل بعد بأنـَّهما لحسن العمل وإنـَّما هو للجزاء بعد البعث وفيه أنـَّه قال: {خلق الموت والحياة} بصيغة الماضي، وحياة الآخرة لم توجد، ويجاب بأنَّ المعنى: قضى بالموت والحياة، وهذا أيضًا جواب لـما إذا قيل: الموت عدم لا يتـَّصف بالخلق، ولزم عَلَى قول الأشعريـَّة أن يسمَّى كلُّ ما لم تكن فيه الحياة ميـِّـتًا حقيقة ولو لم تسبقه حياة وقدَّم الموت لأنَّ العدم مقدَّم عَلَى الوجود في الجملة، ولو كان هنا مسبوقا عندنا بالوجود وجود الحياة، وعن ابن عـبَّاس: لأنَّ  المراد بالموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وموت الدنيا سابق حياة الآخرة، ووقت الموت الدنيا فقدِّم، ولا موت من حياة الآخرة وهي متأخرِّة فأخِّرت، ولأنَّ الموت أقوى داع إلى العمل الحسن المسوق له ذلك، وقال [466] مقاتل: لأنَّ الموت موت النطفة وما بعدها إلى أن ينفخ الروح في الجنين، وهذا لا يدلُّ للأشعريـَّة، لأنَّ النطفة كانت دمًا حـيًّا في الأبوين، ثمَّ إذا أطلق الموت على ما لم تتقدَّم فيه حياة فمجاز.

 

 وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «ينادي مناد يوم القيامة يا أهل الجـنَّة فيعلمون أنـَّه من الله، فيقولون لبـَّيك ربـَّنا وسعديك، فيقول المنادي: هل وجدتم ما وعد ربـُّكم حقًّا؟ قالوا: نعم، ثمَّ يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح، ويقال: يا أهل الجـنَّة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فيزداد فرح أهل الجـنَّة فرحًا وأهل النار حزنا».

 

 والحياة هي الأصل في النعم، وأوَّل النعم كونك حـيًّا مرزوقا، ولولا ما لم يتنعَّم أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولم يثبت الثواب أيضًا، وأيضا الموت لأنـَّه يقطع العمل بسوط باعث إلى تحصيله قبل الفوت والسامع يعلم أنَّ القادر على الإحياء قادر على الإماتة، وإن فسَّرنا الموت والحياة بموت الدنيا وحياة الآخرة كان الابتلاء أتمَّ لأنَّ الموت مخوّف وأشد منه خوف تباعات الحياة في القيامة، وأيضا الموت نعمة لأنـَّه يوصل إليه ولأنَّ ذكره سبب للخير، ويثاب على ذكره، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أكثروا ذكر هادم اللذَّات» وقال: «لو أكثرتم ذكر هادم اللَّذات لشغلكم عمـَّا أرى»، وسأل صلَّى الله عليه وسلَّم عن رجل فأثنوا عليه فقال: «كيف دركه للموت قالوا: قليل، قال: فليس كما تقولون» أي هو دون ما تقولون فيه من الخير لقلَّة ذكره الموت، وذلك أن الموت أدعى إلى إحسان العمل، ولا يتحقَّق العمل إِلاَّ بالحياة، فالحياة نعمة أيضًا من حيث إنـَّها محل العمل الموصل إلى الخير الدائم وأمـَّا الأشقياء فضيَّعوها تضييعا فلم ينتفعوا بها بل علموا ما يضرُّهم فيها عكس ما خلقت له فالحياة للعمل الصالح، والموت مسترع له كما علَّل خلقهما بقوله.

 

 {ليبلوكم أيـُّكم أحسن عملا} فإنـَّه متعلِّق بـ«خلق» أي خلق موتكم وحياتكم أو خلق لكم الموت والحياة ليعاملكم  معاملة المختبر المتفحِّص عن حالكم أيُّكم أحسن عملا فيجازيكم على مراتب أعمالكم، والله جلَّ وعلا عالم في الأزل بما يكون منه شبه صدور العمل منهم مع علمه بوقوعه حال وقوعه بعمل عامل في مرأى مِن راصده، فيبلوا استعارة تمثيليَّة أو أعار لفظ يبلوا ليعلم [467] على التبعيَّة فلكونه عبارة عن يعلم علـَّق عن مفعول ثان بالاستفهام وكان له ثان لأنـَّه بمعنى يعلم أي ليعلمكم أيكم أحسن عملا، وقدَّر الفراء والزجاج ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيُّكم أحسن عملا وأيكم مبتدأ، أو أحسن خبر وأحسن اسم تفضيل باق معناه وهذا هو الراجح لأنَّ الأصل بقاءه على معناه، ولأنَّ بقاءه أدعى إلى العمل وأدخل في الأمر لإشعار اللَّفظ بأنَّ الحسن قدر لا بدَّ منه ولا عذر في تركه، وبأنَّ المأمور به في الآية الزيادة على مجرَّد الحسن حتَّى يكون أحسن، وباستدعاء التسابق في مراتب الحسن من التزايد في كونه أصوب وأخلص، ولو جعلناه خارجا عن التفضيل كان التقابل بين حسن العمل وقبيح العمل فيكون التقدير: أيكم حسن عملا وأيكم سيئ عملا، يفيد مع كونه في مجرَّد الحسن فقط، وفي سوء الحذف وخروج اسم التفضيل عمـَّا وضع له، فيكون مجازا مرسلا لعلاقة الإطلاق والتقييد، فإنَّ لفظ أحسن موضوع للحسن بقيد كونه زائدا على غيره من سائر الحسن واستعمل في مطلق الحسن لا بقيد الزيادة.

 

 وهذا المعنى الموجود في خروجه عن التفضيل موجود في بقائه عليه وزاد بقاءه عليه معنى زائدا، فإنّ الابتداء ولو كان شاملا  للعمل القبيح والحسن، إِلاَّ أنَّ حمل اللَّفظ على ظهور كمال الإحسان مع تحقُّق أصل الحسن شامل لذلك وزيادة، فكان أولى بأن يجعل هو المراد بالذات من الآية، وأن يجعل المقصد الأصلي، وأنّ الإعراض عن الحسن أصلا إلى القبح من معصية وعدم صواب أو من عدم إخلاص فبمعزل عن المقام، فإنَّ المقام مقام ذكر عظمة الله لقدرته وكون الملك بيده، والإنعام كلُّه منه، فإنّ الأنسب لهذا أن يقال: أيكم أزيد شكرا أو أبعد عن التقصير في الإحسان، فلو أنعم سـيِّد على عبيده إنعاما زائدا على سائر النعم المعتادة للعبد،  فقال: أيُّكم يطيعني وأيكم يعصيني لعُد سوء تعبير، وإنـَّما الأنسب: أيُّكم يزداد طاعة وشكرا ويبلغ جهده فيه، فكذلك لا ينتظم التقابل بين الحسن والقبيح في الآية في حيز الأفعال الإلهيَّة التي هي غاية لا شيء وراءها، ودخل في العمل عمل الجوارح وعمل القلب، بل عمل القلب أعظم وعمل الجوارح لا تعتبر إِلاَّ بالقلب وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يقبل الله عملا لم [468] يكن  فيه القلب»، وقد فسَّر صلَّى الله عليه وسلَّم قوله جلَّ وعلا: {أيكم أحسن عملا} بقوله: «أيكم أحسن عقلا، وأودع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» وسئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن قوله جلَّ وعلا: {أيكم أحسن عملا} فقال: «أيُّكم أحسن عقلا، ثمَّ قال أتمَّكم عقلا أشدُّكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا»، وقال الحسن: «أيُّكم أزهد في الدنيا وأشدُّ تركا لها».

 

 فالآية تشتمل من هو أرسخ اعتقادا لعظمة الله وحقِّه، وأيضا أفضل الأعمال الإيمان وهو من القلب والتوحيد ولو شارك فيه اللِّسان القلب، إذا قلنا لا يتمُّ في القلب بل فيه مع اللِّسان لكن العمدة فيه القلب، وكلَّما كان الإنسان أرسخ اعتقادا كان أعظم عملا وأحسن، فبالقلب تزداد أعمال الإنسان كما وحسنا، مع ما يختصُّ به أيضًا من الأعمال والتفكُّر والاعتبار في دلائل الوحدانيَّة، وكان إدريس يرفع له كلَّ يوم عمل أهل الأرض، فقيل: لعمل اختصَّ به وقيل: بالتفكر وكذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما فضلكم أبو أبكر بعمل ولكن بشيء وقر في صدره» وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تفضّلوني على يونس متى فإنـَّه كان يرفع له كلِّ يوم مثل عمل أهل الأرض» فقيل: ذلك لتفكره في أمر الله عزَّ وجلَّ وهو عمل القلب، إذ لا يقدر أحد أن يعمل بجوارحه عمل أهل الأرض كلِّ يوم، واللاَّم في قوله: {ليبلوكم} ظاهرة في جواز تعليل أفعال الله بالإعراض ويجاب عن مثل هذا بأنـَّه لا تعليل حقيق بل تشبيه بالتعليل.

 

 {وهو العزيز} الغالب الذي لا يعجز عن الانتقام مِمـَّن أساء العمل.

 

{الغفور(2)} لمن تاب من أهل الإساءة وقدّم ذكر القدرة والعلم إذ قال: {ليبلوكم} على ذكر العزة والمغفرة لأنـَّه بالقدرة التامـَّة يتوصل إلى جزاء كلِّ عامل بتمامه، عقابا أو ثوابا حقيرا كان العامل أو عزيزا، و بتمام العلم يعلم المطيع والعاصي ومن هما، فلا يتَّصل الجزاء بغير أهله فالعزَّة والغفران بعد القدرة والعلم التامَّين، وقدَّم دليل القدرة على دليل العلم لأنَّ العلم بكونه قادرا متقدِّم على العلم بكونه عالما بدليل القدرة قوله تعالى:

 

{الذي خلق سبع سماوات طباقا} إذ كـنَّ غلاظا خمسمائة عام متفاسحات خمسمائة عام بلا علاقة من فوقهن ولا عمدة من تحتهنَّ، وإذ خصَّصهن بتلك المقادير مع إمكان غيرها فهو الفاعل المختار، [469] وإذا خصَّ كلّ واحدة بحركة خاصـَّة إلى جهة معينة وقدر معيَّن من بطء وسرعة، ولو اجتمعت الخلائق كلّهم لم يخلقوا أقلّ من حبَّة خردل، و «طباقا» مصدر نعت به سبع مبالغة كأنهن لشدَّة المطابقة نفس الطباق، أو يقدَّر باسم الفاعل أي مطابقات أو بمضاف أي ذوات طباق، أو مفعول مطلق لنعت مقدَّر أي مطابقات طباقا، أو مفعول مطلق لـ«خلق» على تضمين معنى طابق ودليل العلم قوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}إلخ؛ والذي الثاني والثالث نعتان للأول أو كلٌّ خبر لمحذوف أو بمنصوب المحلِّ  بمحذوف أي هو الذي، أو أعني الذي أو الذي الثالث نعت للعزيز، قيل: أو بيان أو يدلُّ للعزيز الغفور والأولى غير هذه الثلاثة، والسلوك بالذي هذا مسلك الأوَّل والثاني في الاستشهاد بالصلة على معنى قوله: {تبارك} ومسلك الثاني في مدار البلوى، كما صرَّح بأنَّ خلق السبع الطباق للبلوى في قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في سـتَّة أيـَّام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا}.

 

 {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} خلق بمعنى مخلوق مصدر بمعنى اسم المفعول والجملة نعت ثان لسبع، والرابط ذلك المصدر لأنـَّه في موضع الضمير، والأصل «ما ترى فيهن» أي في السبع ووضع أيضًا الاسم الكريم موضع الضمير الأصلي، ما ترى في خلقه للتعظيم والإشعار بأنَّ علَّة الخلق هي رحمه الله جلَّ جلاله وتفضله بأنَّ خلقها نعما جليلة، وللتنبيه على سبب سلامتهنَّ من التفاوت، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة وعلى الاستئناف يكون خلق الرحمان هو سبع السموات، ويجوز أن يكون كلّ ما يراه الرائي من المخلوقات والخطاب للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أو لِكُلِّ من يصلح له.

 

 ويرجَّح كون المراد سبع السماوات ما ذكره بعد من الفطور، والآن أذكر ما يخطر ببالي من أنَّ السماوات التي فوق السماء الدنيا محجوبة عن الأبصار من السماء الدنيا، لا نرى منهنَّ إِلاَّ ذرى كلِّ سماء عَلَى ما زعموا أنَّ في كلِّ سماء نجما واحدا ذريـًّا([310]) إن صحَّ، أو هو في فلك غير السماء، والسماء الدنيا بيننا وبينها خمسمائة عام عَلَى ما جاء به الأثر، فكيف ترى العين [470] السماوات لو لم تحجبهنَّ السماء الدنيا، وكيف ترى السماء الدنيا والخصرة([311]) التي ترى في جهة السماء قالوا: إنـَّها لون السماء أصالة أو بانعكاس خضرة من جبل قاف إليه، ونحن يظهر لنا أنـَّها ليست خضرة بل ظلمة بين السماء والأرض يعجز البصر عن النفوذ فيه، وهي ظلمة بعد لا ظلمة حقيقة، كما ترى البحر مخضرًّا ولا خضرة به، بل تراكم الماء فعجز البصر عن النفوذ فيه، فكذلك تراكم الجوِّ، ويدلُّ لهذا أنـَّا نرى غرابا يصعد إِلىَ جهة السماء حتَّى يغيب عن أبصارنا في تلك الخضرة.

 

 الجواب، والله أعلم: إمـَّا أنَّ الخطاب للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وقد خصَّه الله بنفوذ البصر إِلىَ السماء الدنيا والسماوات فوقها، إِلاَّ أنـَّهم نصُّوا أنَّ الخصوصيـَّة لا تثبت بالاحتمال، وإمـَّا أن يكون قوله: {ما ترى...} و{هل ترى...} بمعنى: ما تعلم وهل تعلم، كما قال: {ألم تر كيف فعل ربـُّك بأصحاب الفيل} وهو لم يحضرهم، وكما قال عزَّ وعلا: {أولم ير الذين كفروا أنَّ السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما}([312])، وهذا عندي وجه قويٌّ إِلاَّ أنـَّه يورد عليه قوله: {ثم ارجع البصر كرَّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}، وَهُوَ ظاهر في نظر العين عين الوجه، فيجاب بأنَّ المراد برفع البصر وانقلابه المذكورين تكرير التكفر [كذا] واستعماله عَلَى ما قدر عليه من علمه مرارًا كثيرة وعدم علمه بالتفاوت والفطور لانتفائها، ولا يستبعد هذا المشاهدة لأنـَّا لا نرى جرح السماء ولا الخصوصيـَّة لقوَّة ظاهر الآية فيها، ولم أر من تكلَّم عَلَى ذلك والله أعلم، وأنا مؤمن بالآيات والقرآن كلِّه وبأنـَّه لا تفاوت ولا فطور، وإذا قلنا: المراد بخلق الرحمن مطلق الخلق كالجبال والناس والحيوانات والرؤية بالعين لم يبق إشكال، أو بالعلم فإنـَّه كلَّما أحدَّ نظره في ذلك لم يجد تفاوتا ولا فطورا، وإن وجد فطور في جسم فليس مرادًا وإنـَّما المراد فطور عن عجز وعدم ضبط وإتقان، تعالى الله عن ذلك. و«مِن» صلة للتأكيد، و«تفاوت» مفعول به لـ«ترى» بمعنى تبصر بعينيك، أو بمعنى تعلم أي تعرف، و«ما» نافية ويجوز أن تكون استفهاميـَّة للإنكار، أعني للنفي، و«مِن» صلة كذلك أو [471] للبيان فتعلَّق بمحذوف نعت لـ«ما» وتكون ما مفعولا به لـ«ترى» بعده. والتفاوت: التخالف وعدم التناسب وَهُوَ من الفوت؟، فإنَّ كلاًّ من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر، وقيل: التفاوت الفطور كقوله بعدُ: {هل ترى من فطور}، وفيه أنـَّه لو كان كذلك لقال: هل ترى من الفطور بـ«الـ».

 

 وقيل: التفاوت في الدلالة عَلَى الله وقدرته فإنـَّه([313]) المخلوقات كلَّها عَلَى حدٍّ سواء في الدلالة عَلَى ذلك، وأنـَّه خلقها لحكمة لا لعبث. وقرأ حمزة والكسائي: «من تفوُّت» - بضمِّ الواو مشدَّدة وإسقاط الألف قبلها - كتعهَّد تعهُّد([314])، وتعاهد تعاهدًا، وقال الأخفش: «تفاوت أجود، لكثرة تفاوت، بل قال: لا يكادون يقولون: “تفوُّت”». واختار أبو عبيدة تفوُّت الشيء إذا فات، واحتجَّ بما روي في الحديث أنَّ رجلا تفوَّت عَلَى أبيه في ماله، وفيه أنَّ الحديث لا يفيد إِلاَّ الجواز والكلام في الترجيح، والحديث لا يفيد الترجيح، وفي الآية دلالة عَلَى كونه تعالى عالما بالمعلومات، لأنَّ صنعته محكمة متقنة مجرَّدة عن العيب والتفاوت، وكلُّ فاعل صنعة محكمة لاَ بُدَّ أنـَّه عالم. واحتجَّ الكعبيُّ بالآية عَلَى أنَّ المعاصي ليست من خلق الله، لأنـَّه تخالف الحكمة، لأنَّ المعاصي غير حكمة فتتفاوت أفعاله ما بين حكمة وغيرها، وهذا مناف لقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}، فدلَّ أنـَّها ليست من خلق الله من خلق الفاعل لتفاوت البشر بين حكم([315]) وسفه، الجواب أنَّ خلق الله المعاصي حكمة، ولا يقبح منه شيء، وإنـَّما القبح في المعاصي باختياره، مع أنَّ شمول الآية لأفعال الخلق غير متعيـِّن، فلعلَّ المراد بالخلق سبع السماوات.

 

{فارجع البصر هل ترى من فطور(3)} اِرجع بصرك إِلىَ خلق الرحمن وأعد النظر، لعلَّك تقول: ما تغني النظرة الواحدة فقد يقع الغلط فيها، حتَّى تـتـيقَّن أنـَّه لا تفاوت. والفطور جمع فطر وَهُوَ الشقُّ والفتق، يقال: فطرنا بناب البعير أي شقَّ اللحم فطلع، والمراد الهيئة الحاصلة من الشقِّ وهو الفرج لا المعنى المصدريُّ وَهُوَ إيقاع ذلك الفرج.

 

{ثمَّ ارجع البصر كرَّتين} مفعول مطلق، أي رجعتين، أي ثمَّ اردد البصر إِلىَ خلق الرحمن طالبا لفطورٍ هل تجدها رجعة بعد رجعة؟ بلا حصر إن شئت. والمراد بالتثنية كثرة التكرير، كقولك: لبـَّيك وسعديك، وقولك: علِّمني الكتابَ [472] مسألة مسألة، والمذكور قبلُ مرَّتان، والمذكور هنا مرَّتان أخريان مراد بهما التكرير كثير([316])، بدليل قوله:

 

{ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير(4)} فإنَّ البصر لا يرجع خاسئا حسيرًا بمرَّتين فقط، ولا مع المرَّتين السابقتين، ومعنى «خاسئ» بعيد محروم من اطِّلاع عَلَى فطور لعدمها كأنـَّه محلى، ود([317]) بصغار وذلٍّ، من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وحسا([318]) الكلبَ بعدُ يتعدَّى ويلزم؛ وقال الله جَلَّ جَلاَلُهُ: {قال اخسأوا فيها}([319])، وهذا اللفظ مِمَّا يدلُّ عَلَى أنَّ المراد غير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ لم يتكلَّم في رسوله ولا في عضو من أعضائه بلفظ خسـَّة، إِلاَّ إن أريد فرض أن يكون يطلب التفاوت والفطر تحقيقا، ولا يتحقَّق ذلك منه. وقال ابن عـبَّاس: «الخاسئ الذي لم ير ما يهوى} وهذا لا يمتنع عنه صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ المراد: لو كنت طالب فطورا([320]) لم تجده.

 

والحسير الكليل، والمراد أنـَّه كليل لطول المعاودة والمراجعة، وَهُوَ فعيل بمعنى فاعل، من الحسور بمعنى الكلال والعياء، أو بمعنى مفعول، مِن «حسَره» بمعنى أعياه، قال الراجز: «وهو طرفة يحسر طرف عينه فضاء»، وجملة «هو حسير» حالتان أو حال من المستتر في «خاسئا»، وإنـَّما لم يقل: «خاسئا حسيرًا» لأنَّ الجملة في المعنى آكد من المفرد وللفاصلة. نسيت أن أقول: ما وجه الجمع في قوله: {من فطور}، وقد كان يكفي فطر واحد في العيب لو كان، إِلاَّ أنـَّه لا عيب جلَّ الله وعلا؟ الجواب أنـَّه: لا يوجد واحد كما دَلَّ عليه ما تقدَّم والمقام، إِلاَّ أنـَّه جمع عَلَى طريق التهكُّم عَلَى غيره صلَّى الله عليه وسلَّم أو عليه، لكن لا مطلق بل على فرض أن يطلب التفاوت والفطور تخفيفا ورغبة، هذا ما ظهر لي عَلَى عجل، كمن ادَّعى خرقا في ثوب لا خرق فيه، فقلت: أعد النظر لعلَّك تجد فيه خروقا، وذلك تهكُّم منه عليه.

{ولقد زيـَّنـَّا السماء الدنيا بمصابيح} هذه الواو عاطفة، وواو القسم محذوفة بعدها، أي: ووالله لقد زيـَّنـَّا، ولا بأس باجتماع واوين، وذلك أنَّ أكثر القسم بالواو في القرآن وغيره، وقد كان الأصل في المحذوف أن يكون من جنس المذكور؛ ويجوز تقدير الباء لأنـَّها الأصل في القسم، بدليل أنـَّه لا يعدى فعل القسم إِلاَّ بها، لا تقول: «أحلفوا الله» بل «أحلف بالله»([321])، فيقدَّر: «وبالله لقد زيـَّنـَّا السماء الدنيا». [473]

 

 و«السماء الدنيا» منعوت ونعت لا مضاف ومضاف إليه، أي السماء القربى، لقربها من الأَرض بالنسبة إلى السماوات الستِّ البواقي. و«مصابيح» النجوم، أعير لفظ مصابيح لها، والقرينة السماء الدنيا، وذلك أنـَّها تضيء ليلا لأهل الأَرض كما يضيء المصباح في المسجد والبيت؛ ونكَّرها تعظيمًا، أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، وللتكثير أي مصابيح كثيرة، وهي من أدلَّة علم الله وقدرته إذ كنَّ عَلَى سير مخصوص في أمكنتها المخصوصة لمنافع الإضاءة في الليل منها سوائر ومنها ثوابت، وترى كأنـَّها مركوزة في السماء الدنيا مع أنـَّه لا شيء منها فيها إِلاَّ القمر، وفي كلِّ سماء ذرِّيٌّ([322])، والباقي في الفلك الثامن عَلَى ما زعموا وترى كأنـَّها في السماء الدنيا أو من تحتها، وقد قيل بذلك أَيضـًا، فكانت زينة للسماء الدنيا، إذ كانت تحكيها من فوقها، أو كانت تحتها كأنـَّها مرسومة فيها. والآية موافقة لمـا يقال: «التخلِّي قبل التحلِّي»، نفى الله جلَّ وعلا العيب والتفاوت والفطور عنها أوَّلاً ثمَّ ذكر زينتها وهي النجوم، إذ حكتها[كذا] أن كانت من فوقها السماوات شفَّافة كالزجاج، أو كانت من تحتها ويدلُّ عَلَى الفوقية الكسف، فكلُّ ما تحت يكسف ما فوق، وحركة باقي الكواكب بعد الدراري تتحرَّك حركة واحدة بطنئة([323]) في كلِّ مائة سنة درجة واحدة ثمَّ ترجع، وذلك إِلىَ جوانب لا المغرب من المشرق، وفيه أنـَّه لا يلزم من كون الدراري تحت الثوابت أن تكون الثوابت كلُّها في موضع واحد، ولا مانع من كونها مركوزة في السماء الدنيا.

 

ومن منافع الكواكب أنـَّها زينة للسماء كما قال الله جلَّ وعلا، ومنها أنـَّه يحصل بسببها في الليل قدر من الوضوء([324])، ولذلك يزداد الليل ظلمة إذا كان السحاب؛ ومنها أنـَّها يهتدى بها في البرِّ والبحر إذ هي علامات؛ ومنها أنـَّه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، لأنـَّها أجسام عظام نورنية([325])، فإذا قارنت الشمس كوكب مسخنا [كذا] في الصيف صار الصيف أقوى حرًّا، كنارٍ تظم([326]) إِلىَ نار فيزداد الحرُّ؛ ومنها كونها للرجم كما قال الله جلَّ وعلا:

 

{وجعلناها رجوما للشياطين} ووجه انتفاعنا بالرجم أنَّ الشياطين أعداؤنا ففي رجمهم قتل لهم [474] فتستريح([327]) من إفساد الدين بما يلقون زمان الكهنة زمان النبوءة وفي غيره، وإخراج الناس من النور إِلىَ الظلمات، وكان يرمى بها قبل البعثة كما دَلَّ عليه القرآن كقوله تعالى: {إنـَّا كـنَّا نقعد منها مقاعد...} إلخ، وكما لوَّحت آية السورة أنـَّها جعلت للرجم، فهي لرجم من يتطلَّع إِلىَ استراق السمع في أيِّ زمان، والكهنة في كلِّ زمان لا يختصُّون بزمان البعثة، وهم لا بدَّ لهم مِمَّا تلقي إليهم الشياطين، ولكن يزيدون فيه، ولـمَّا بعث الله رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم زاد الرجم وقوي لئلاَّ ينزل إِلىَ الأَرض فيخلطوا عَلَى الناس أمر النبوءة فيرتاحوا. و«رجومًا» جمع راجم، كشاهد وشهود، أو جمع رجَم - بفتح الجيم - وَهُوَ ما يرجم به، أو جمع رجْم - بالسكون - مصدر، أو الجمع للأنواع، وجعلناها راجمة إسناد إِلىَ الآية، فإنـَّما الراجم الملائكة لا النجوم إِلاَّ أنـَّه لـمَّا كان الرجم بها سمــَّاها راجمة؛ ويجوز أن يكون جمع رجم بمعنى ظنّ، أي وجعلناه ظنونا كقوله عزَّ وعلا: {رجما بالغيب} وذلك أنـَّها أسباب ظنون بالغيب لشياطين الإنس والجنِّ، والوجه هو الأوَّل، وَهُوَ أنـَّه يرجم بها الشياطين، إِلىَ أنـَّه كيف يرجم بها، وكلُّ واحد كالدنيا أو أكبر بأضعاف عَلَى ما قيل، ولو كان يرجم بها لنقصت نجوم السماء لطول زمان الرمي بها وكثرة الرمي، ويجاب بأنـَّه لا يرمى بها نفسها بل بقبس منها فيرمى بالقبس، ولا أنـَّها غلقت [كذا] في الفلك الثامن، وما في السماوات إِلاَّ الدراري، فكلَّما أراد شيطان استراق السمع ذهب ملك إِلىَ الثامن فيقتبس من نجم من نجومه فيرجع فيرمي، أو يذهب إِلىَ درِّيٍّ أو إِلىَ الشمس أو إِلىَ القمر من الدراري فيقتبس، فيجاب بأنَّ الله جلَّ وعلا يقوِّيهم عَلَى ذلك أو يجعل لهم قبسا بمقابلة نجم بشيء فيسري إليه القبس في مثل لحظة، أو نصحِّح أنَّ النجوم في تحت السماء الدنيا، وملائكة الرجم من تحتها فيجاب بهذا عمـَّا يقال: كيف يعرفون أنَّ الشيطان جاء لاستراق السمع وهم عَلَى سطح السماء الدنيا من داخل، ويجاب بأنَّ الله أنفذ لهم السماء فهي لهم كالزجاج، وأقدرهم عَلَى رؤية ما تحتها مع غلظها، وإلاَّ أنَّ الملائكة إن كانوا يتكلَّمون من سطح السماء من داخل لأنـَّه يجيء الكلام من أهل سماء إِلىَ أهل سماء إلى أن يصل سماء [475] الدنيا فكيف تسمع الجنُّ من مسيرة خمس مائة عام، وإن كانوا يدخلون في جرم السماء كما يدخلون في التراب فذلك بعيد عنهم، وإن وقع فنحن نرى الشهب من خارج ولو دخلوا لرموا داخل الجرم، فلا نرى الشهب فيجاب بأنـَّه يمكن أن يقدرهم الله عَلَى السمع مع البعد المذكور من الملائكة ولم يقدرهم ما هم بجنبه من الناس، فلم يقدروا عَلَى نقل أسرار المؤمنين إِلىَ الكافرين، أو أنَّ ملائكة الكلام من تحت السماء كما يدلُّ له قرب الشهب في رأي العين وظاهرها أنـَّها قريبة من الأَرض، وأمـَّا أن يدخلوا في فطور فقد نفى الله الفطور، فلو كانوا يسمعون من خمسمائة عام لسمعوا من الأَرض كلامَ مَن تحت السماء، وإلاَّ إذا كانت الشياطين ترجم ويشاهدون بعضهم بعضا ما بين مقتول ومحترق فكيف يعودون إِلىَ الاستماع؟ فيجاب بأنـَّهم يعودون لقوَّة الرجاء والطمع كما يرى الناس الناس يموتون بالغرق وتحت أنواع الآفات ومع ذلك يحومون حول تلك الآفات ويركبون البحر، فعند مجيء القدر يعمى البصر.

 

 وأمـَّا أنَّ الجنَّ من النار وكيف تعذِّبها النار وتتألَّم بها؟ وهل تفسد نار نارًا وتحرقها، فلا إشكال في ذلك لأنَّ الجنَّ ليست نارا خالصة فتؤلمهم النار الخالصة، كما أنَّ الآدميَّ من نار وطين ويغرق في الماء ويموت في الطين غرقا وبإدخال التراب في البطن، وأيضا لا مانع من أنَّ النار القوَّى تهلك النار الضعفى، وأيضا أنَّ ما يقبس من النجوم ليس نارا، وممـَّا يشاهد في ورقلى أنـَّه إذا دخل ماء العيون الجنان ذهب ما عليها من ماء السباخ. ولو شاء الله لمنعهم من الصعود ابتداء بتعجيزهم عن الطيران، أو عن التراكب، أو بما شاء، ولكن حكمته اقتضت ذلك، كما قضى لِكُلِّ شيء أو عليه بما شاء.

 

 {وأعتدنا} أحضرنا، والتاء أصل والمزيد الهمزة، ولتحقُّق الوقوع ذكر الإعتاد بصيغة الماضي، والمراد أحضرنا في الوجود؛ أو أعتدنا بمعنى هيـَّأنا، وعليهما فالماضي عَلَى ظاهره، أو أعتدنا في علمنا بمعنى: قضينا.

 

{لهم}: أي للشياطين المرجومين {عذاب السعير(5)} في الآخرة بعد الرجم في الدنيا رجمًا [476] يموتون به أو يزمنون به أو يجنون في الدنيا لأنـَّه ليس كلُّ مرجم يصاب بما رجم به.

{وللذين كفروا بربـِّهم عذاب جهنـَّم} المرجومين بل يعمُّ كلَّ من كفر شركًا أو فسقا من الجنِّ والإنس، لأنـَّه تعالى عزيز قادر لا يعجزه عاص. وقرئ بنصب «عذاب» عطف عَلَى عذاب، وعليه فيعطف «للذين» عَلَى «لهم»، وذلك من عطف معمولي عامل، أي وأعتدنا للذين كفروا بربـِّهم عذاب جهنـَّم.{وبئس المصير(6)} جهنـَّم، أو هي.

 

{إذا أُلقوا فيها} إذا ألقتهم الملائكة فيها طرحًا بعنف، أو كطرح الحطب في النار وهم الزبانية يخرجون إِلىَ خارج النار فيدفعونهم فيها، أو يدفعهم إليهم فيها ملائكة آخرون، فيعذِّبونهم ويدفعونهم من موضع إِلىَ موضع تعذيبا لهم.

 

 {سمعوا لها شهيقا} أي سمع الكفَّار من نار جهنـَّم شهيقا، وهو أقبح الأصوات كصوت الحمار، وَهُوَ حسيسها المنكر الفضيع؛ وقالوا: الشهيق في الصدر والزفير في الحلق، قال المبرِّد: هو ــ والله أعلم ــ تنفُّس كتنفُّس المتغيـِّظ، و«لها» متعلِّق بـ«سمعوا» واللام بمعنى «مِن»، والواو للذين كفروا، ويجوز أن يكون حالا من «شهيقًا» ولو نكرة لتقدُّم الحال عنها فتبقى اللام عَلَى معناها بلا خروج إِلىَ معنى «مِن»، وهذا أولى، وهذا كقوله: {سمعوا لها تغيُّظا وزفيرًا}، وقيل: الواو لِلكُفَّارِ، والضمير في «لها» لِلكُفَّارِ المتقدِّمين فيها قبلهم، واللام عَلَى أصلها، أو بمعنى «مِن» عَلَى حدِّ ما تقدَّم، أي سمعوا مِمـَّن تقدَّمهم فيها شهيقا، أو سمعوا شهيقا ثابتا لمن تقدَّمهم، وفيه أنـَّه لا دليل عَلَى تقدُّم متقدِّم فيها فضلا عن أن يردَّ إليه الضمير، وفيه أنـَّه كيف عن بعض([328]) بالواو وعن بعض بها من قوله: «لها»، وفيه أنـَّه لم يتكلَّم عَلَى حال من تقدَّم فيها، ولعلَّ مراد القائل بذلك أنَّ الظمير([329]) المجرور باللام  لجهنَّم أو للنار باعتبار من تقدم فيها فيبقى أنـَّه لم يوجد لتقدمهم ذكر وأنـَّه يبقى الكلام خاليا عن ذكر حال المتقدمين وفيه أيضًا أن قوله: {تكاد}إلخ يرده وقد كان الواقع أنَّ الآية في حال مطلق من ألقي فيها كما في قوله: {لهم فيها زفير وشهيق} على العموم ولا دليل هنا على الخصوص وقيل: الضمير في لها لأنفسهم أي سمعوا من أنفسهم أو سمعوا شهيقا ثابتا لها، وفيه أنـَّه لم يتقدَّم لذكر أنفسهم لفظ وإنـَّما تقدم ضميرهم وإن كان المراد عود الضمير المجرور إليهِم كالواو فما وجه أن يقال لها لا لهم وفيه عمل عامل في  ضميرين لمسمى واحد والعامل ليس من باب علم وظنٍّ ولا لفظ فقدم عدم ورأى الحلمية إِلاَّ أنَّ الذي أذهب إليه جوازه إذا جر أحدهما بالحرف كما هنا لتكرره كذلك في القرآن.

 

{وهي تفور(7)} الواو للحال أي والحال أنـَّها تغلي بهم غليان المرجل بما فيه من حب خفيف قليل أو المراد بالفور الغضب كما يقال تركت فلانا يفور بالغضب وكل شيء جاش فقد فار ومنه فوار القدر والدخان والغضب والماء من العين ويدل لهذا قوله عزَّ وعلا:

 

{تكاد تميز من الغيظ} ضمير تكاد وتميز وفيها وخزنتها للنار أو لجهنَّم تميز تتميز فحدفت إحدى التاءين ومعناه تتفرق ومن الغيض تعليل أي تكاد تتفرق بتكسر لأجل الغضب عليهم لعصيانهم ويجوز أن تكون من للابتداء بمعنى أنَّ تفرُّقها يجيء من جهة شدَّة الغضب عليهم، وإنـَّما وصفت بالغضب لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل فيها حين ألقوا فيها عقلا وحسا أو شبه حالها حال شدَّتها بحال الغضب أن إذ صوت لهبها وسرعة تبادرها كموت الغضبان وحركته السريعة، ويجوز أن يكون المراد غيظ الزبانيَّة فيكون ذلك في إسنادها للحال للمحل أو يقدَّر تكاد خزنتها تتميز، ويجوز أن يكون الكلام  كناية عن الشدَّة والكناية لا يلزم وجود المعنى الموضوع له فيها، كما أنـَّه لم يوجد هنا الغضب الحقيق على هذا النمط، يقال: فلان يتميَّز غيظا، وغضب فطارت منه شعلة في الأرض وشعلة في السماء  إذا وصفوه بالإفراط فيه، والمراد الغضب ولا الشعلة، وفي الغضب تمدد الدم ونتوا لعضو فصار في الآية كناية عن امتداد الشدَّة والجملة خبر ثان أو حال من ضمير تفور.

 

{كلَّما ألقي فيها فوج} من المشركين، كلّ ظرف زمان متعلِّق بـ«سأل» وما مصدريَّة، والمصدر نائب عن اسم الزمان مجرور على الإضافة ولنيابته عن اسم الزمان كانت كلّ ظرفا حين أضيفت  إليه كقولك: جئت  طلوع الشمس وأجيء كلّ طلوعها، والفوج الجماعة والأفواج الجماعات كلِّ واحدة على حدة.

 

{سألهم خزنتها} جمع خازن كخادم وخدمة وطالب وطلبة وهم الزبانية، سؤال توبيخ وتقريع ليزدادوا عذابا فوق عذاب، وحسرة بعد حسرة، كما قاله الزجاج وغيره، لا سؤال حقيق لأنَّ الزبانيَّة عارفون بأنَّ النذير جاء الكافرين.

 

 {ألم يأتكم نذير(8)} {يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا}، كما في سورة الزمر، وكما يدلُّ عليه اعترافهم بمجيء النذير، وبالتكذيب والقول ما أنزل الله من شيء والنسبة إلى الصلالة فإن هذا فرع تلاوة الآيات عليهم، والإنذار وجملة {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم نذير} مستأنفة لا حال من ضمير تميز كما قيل، وعلى الحالية يكون {تكاد تميز} حال كونها {سألهم خزنتها} {كلَّما ألقوا فيها} والوجه هو الأوَّل، وكذا يضعف جعل كلِّ ظرف التميز متعلقا به لأنـَّه يبقى سألهم إلخ متعطلا، وكل من ألقى وسأل ماض لتحقق الوقوع  كأنـَّه قد وقع.

 

 والأصل كلَّما يلقى فيها فوج يسألهم خزنتها ألم ياتكم نذير، وجملة «ألم ياتكم نذير» في محل نصب بتعليق الاستفهام عن قولك سألهم على إتيان النذير، والنذير النبيء أو كلّ من يخبرهم بكتاب الله كلّ أهل زمان بنذيرهم وكتابهم، وأمـَّا الجمع في قوله إن أنتم فباعتبار أن الله جلَّ وعزَّ جمع تكلمهم كلّهم في قوله عنهم: جاءنا، وكذبنا، وقلنا، بعد جمع غيبتهم كلّهم في قوله: قالوا؛ ويجوز أن يكون نذير بمعنى الجمع، لأنَّ أصله مصدر يصلح للقليل والكثير أو وصف على وزن المصدر فصلح للكثير أو مصدر باق فيقدر مضاف أي ذو نذير، ولـمَّا كان دعاؤهم كلّهم إلى الله قالوا كواحد فعبر عنهم بالوصف المفرد، أو يقدر فريق نذير، واستدلَّ المرجئة بالآية وما بعدها على أنَّ أهل التوحيد لا يدخلون النار وأن كلِّ وعيد تخويف لهم لا تحقيق؛ وهو قول باطل ووجه الاستدلال أنَّ الملائكة سألوهم عن النذير وأجابوا بأنـَّهم كذبوا وأنـَّهُم قالوا: {ما أنزل الله من شيء إن أنتم إِلاَّ [479] تكذبون}، وذلك كلام المشرك لا الموحِّد، فاقتضى ذلك أنَّ من لم يكذِّب وأثبت النذير لا يدخل النار، ويجاب بأنَّ الآية في المشركين وآيات أخر كثيرة.

 

 وجاءت آيات أخر وأحاديث تعمُّ الفاسق والمشرك وأحاديث أخر في الفاسق، وبأنّ النذير يصدق عَلَى ما في العقول من الأدلَّة، ولا يدخل النار إِلاَّ من خالف الأدلَّة والفاسق خالفها كذا قيل وليس بشيء، لأنـَّه يبقى قوله: {فكذبنا وقلنا ما أنزل الله من شيء إن أنتم إلاّ في ضلال كبير} ودعوى أنَّ التكذيب...([330]) وبقي عدم الإنزال بمعنى عدم التأثُّر بكلام الرسل والكتب والمرشد غلوٌّ في التكلُّف، وإنـَّما الجواب هو الأوَّل، والمذهب أنَّ الحجَّة قامت بالكتب والرسل ولو لم تبلع([331]) دعوتهم من لم تبلغه، فالعقل وحده موجب للتوحيد، وقوله: «الله» بالكتب والرسل، ولا يجزي التوحيد بل لا بدَّ من الكون عَلَى دين نبيء لم ينسخ بعضه فلم يقدر أهل الفترة، واحتجَّ من زعم أنَّ الحجَّة السمع بهذه الآية، لأنَّ ظاهرها أنـَّه لو لم يجئهم النذير لم يدخلوا النار، ويجاب بأنَّ إرسال الرسل وإنزال الكتب والعقل كافية بدليل ما ورد في قطع أعذار أهل الفترة.

 

 {قالوا بلى} أي ليس لم يأتنا نذير بل أتانا. {قد جاءنا نذير} يقول أهل كلِّ نذير: قد جاءنا نذير، أو أرادوا الجمع عَلَى الأوجه السابقة عَلَى جمع أمم الكفر، وأمـَّا أن يراد بـ«نذير» ما هم كواحد وهم أنبئياء بني إسرائيل قبل عيسى فإنـَّهم كلُّهم عَلَى طريق موسى عليه السلام، فلا يصحُّ لأنَّ الآية في الأمم كلِّها، إِلاَّ أن يقال: يراد الواحد حكما أو تحقيقا وَهُوَ تكلُّف في «قالوا». والجملة تأكيد للحرف قبلها فإنَّ معنى «بلى» هو هذه الجملة، وتفيد معنى هذه الجملة بدون ذكرها وبدون تقديرها، وكذا «نَعَم» في الجواب بخلاف «لا» النافية فإنـَّه اعتيد دخولها عَلَى الجمل نافية لها، ولو في غير الواجب، فالواجب بها مع الجملة المذكورة قبلها أو المقدَّرة، فإذا لم تذكر بعدها قدِّرت وكان حذفها اختصارا.

 

 فقد أكَّدوا إزاحة العذر بقولهم: «بلى» وبقولهم: «قد»، وقولهم: «جاءنا نذير» وقولهم: {فكذَّبنا} [480] وقولهم: {وقلنا: ما نزَّل([332]) الله من شيء}، وقولهم: {إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير(9)}، وقولهم: «لو كـنَّا نسمع أو نعقل ما كـنَّا في أصحاب السعير»، بالغوا في الاعتراف تحسُّرا وتقدُّما عَلَى ما فاتهم من السعادة في التصديق والاتـِّباع، وفي قولهم: «بلى قد جاءنا نذير» تمهيد لقولهم: «فكذَّبنا وقلنا...» إلخ، وفي مجموع ذلك تمهيد لقولهم: «لو كـنَّا نسمع أو نعقل ما كـنَّا في أصحاب السعير»، فإنَّ الأنسب أنـَّهم قالوه بعد قولهم: «بلى...» إلى قولهم: «...كبير». ومفعول «كذَّبنا» محذوف تقديره: «كذَّبناه» أي النذير، أو «كذَّبنا النذير»، وتكذيبه أن يقولوا: لست رسولا من الله، أو يقولوا لمن لم يكن رسولا: لست محقًّا، فذلك تكذيب للمنذر، وزادوا تكذيب الوحي والكتب بقولهم: «ما أنزل الله من شيء» ، والمعنى: ما أنزل الله من شيء عَلَى أحد قطُّ من لدن آدم، فضلا عن أنَّ تكون أنت رسولا إلينا من الله أو مخبرا عنه بواسطة أو وسائط جائيا بالآيات عن الله، و«ما» نافية، أي وما أنتم أيـُّها المدَّعون أنـَّكم نُذر من الله بآيات منه إلينا إِلاَّ في ضلال بعيد عن الحقِّ والصواب، وذلك هو المتبادر.

 

 وقيل قوله: {إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير} من كلام الملائكة الخزنة خاطبوا به الكفَّار، وعليه فالضلال الكبير كفرهم في الدنيا ومعاصيهم فيها قولا وفعلا، وَهُوَ الهلاك أو العقاب تسمية باسم السبب، لأنَّ سبب النار الضلال في الدنيا، والتقدير: فقالت الخزنة للكفرة: إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير؛ وأجيز أن يكون من كلام الرسل للكفرة، حكته الكفرة للملائكة ولا يخفى بُعده، والتقدير: وقالت النذر لنا: {إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير}. والخطاب عَلَى الأوَّل مع أنَّ مخاطب كلِّ فوج نذير واحد لتغليبه عَلَى أمثاله مبالغة في التكذيب وتماديا في تضليل من ينذرهم، كما يدلُّ له تعميم المنزَّل بقولهم {ما أنزل الله من شيء} مع ترك ذكر المنزل فإنـَّه ملوَّح بعمومه حتما ضرورة تعميم ما نزَّل، ولا يقال: أقيم تكذيب الواحد مقام تكذيب الكلِّ تهويلا لما ارتكبوه من الجرائم لأنـَّا نقول: هذا خلاف ما يتبادر هنا، ولأنـَّهم بما هم فيه من العذاب، بل الإشراف عليه وذوقه، وكونهم في النار بمعزل عن أن يريدوا هذا.

 

{وقالوا: لو [481] كـنَّا نسمع أو نعقل ما كـنَّا في أصحاب السعير(10)} في عدادهم من الجنِّ والإنس، هذا اعتراف منهم بأنـَّهم لم يكونوا مِمـَّن يسمع أو يعقل، لأنَّ «لو» للامتناع عن الشيء نفي له، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي أنَّ قوله: {إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير}([333]) من كلام الكفرة عَلَى من ينذرهم، لأنـَّه إذا كان مَا قبله وما بعده لهم فالأنسب أن يكون هو لهم أيضًا لا لغيرهم، كما قيل: إنـَّه للملائكة خاطبوا به الكفرة كما مَـرَّ لأنـَّه لا موجب له ولا مرجِّح، ومفعول نسمع ونعقل محذوف، أي لو كـنَّا نسمع الإنذار، أو لو كـنَّا نسمع كلام المنذر أو نعقله، والمراد بالسمع سمع القلوب لأنـَّهم غير صمٍّ، والمراد بالعقل عقل التدبير بدليل أنـَّهم غير مجانين، إذ لو كانوا مجانين من الطفوليـَّة لم يكلَّفوا فلم يكونوا من أصحاب النار، ومن كفر بعد البلوغ وجنَّ بعدُ عوقب عَلَى كفره؛ فالمراد سمع الهداية وعقل الهداية والتدبـّر، وهما اللذان نفوهما بلو نفي أن يقال: إذا كان السمع سمع هداية وقبول كفر عن ذكر العقل، وذكر العقل يكفي عنه الجواب أنـَّه جمع بينهما لأنَّ التكليف مداره عَلَى أدلَّة السمع والعقل وأَيضـًا بعدما يسمع الإنسان الشيء قابلا له يحتاج إلى تفهُّمه وتدبُّره بعقله. ويجوز تقدير المفعول: لو كـنَّا نسمع مصلحتنا ونعقلها ما كـنَّا في أصحاب السعير، وهذا من وادي [كذا] ما مَـرَّ.

 

ويجوز أن يكون المعنى: لو كـنَّا نسمع كلاما أو نعقل شيـئًا، عَلَى تنزيل أنفسهم منزلة الصمِّ المجانين مبالغة في وصف أنفسهم بالتفريط في الحقِّ حتَّى كأنـَّهم صمٌّ مجانين. والآية تدلُّ عَلَى أنَّ علم الديانة لا يدرك بغير التعلُّم، فلا بدَّ من إرشاد المرشد أوَّلاً، فيسمع السامع ويفهم بعقله ما سمع، ولذلك قدَّم السمع في الذكر كما تقدَّم في الوجود على تعقُّل المسموع، والسمع أفضل من البصر لأنـَّه جعل في هذه الآية مع العقل سببا للنجاة من النار لو استعمل، لكن من كلام الخلق، لكن الله أقرَّه. ولا يجوز أن يكون المعنى: لو كـنَّا نسمع القرآن والحديث، أو نجتهد مع القرآن، كأنـَّه قيل: لو كـنَّا عَلَى مذهب أصحاب الحديث أو عَلَى مذهب أصحاب الرأي، لأنـَّه لا يثبت الاجتهاد فيما ورد في الحديث، ولأنَّ الآية لا تختصُّ بهذه الأمـَّة والاجتهاد مختصٌّ بهم.

 

 {فاعترفوا بذنبهم} بتكذيبهم الرسل وآيات الله، ووجه الإفراد...([334]) والمراد الذنوب إذ الذنب اسم مصدر وَهُوَ كالمصدر يصلح للكثير بلفظ يصلح به للفرد، والمصدر إذناب بكسر الهمزة؛ أو أنَّ الإضافة للجنس، فذلك اعتراف بجنس الذنب، كقوله تعالى: {وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها}، وانظر هل يصحُّ بعد قولهم {بلى قد جاءنا نذير فكذَّبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إِلاَّ في ضلال كبير} أو في ضلال ذلك، أن يقول لهم الملائكة: ألم تسمعوا آيات ربكم ولم تعقلوا معانيها في جملة توبيخهم؟ نعم، يصحُّ فيكون قولهم: «لو كـنَّا نسمع أو نعقل ما كنـَّا في أصحاب السعير» جوابا لسؤالهم.

 

{فسحقا} بُعد([335]) عن الرحمة. {لأصحاب السعير(11)} اعترفوا أو جحدوا إذ لا ينفعهم الاعتراف بعد الموت ولا يتستـَّرون بالجحود. ومقتضى الظاهر: فسحقا لهم، وعبَّر بالظاهر مضافا للسعير ليذكِّرهم بأنـَّهم يصحبون السعير ولا يفارقونها؛ وهي النار المسعورة أي الموقودة. و«سحقًا» من سحقَ الثلاثي وَهُوَ لازم، أي فبعُدَ أصحاب السعير بعدًا، وسحق أصحاب السعير سحقًا، فحذَف سحقَ، وناب عنه سحقا، وأخَّر «لأصحاب السعير» للبيان كما في قولك: تبـًّا له ورعيا لك، ومن ذلك قوله تعالى: {في مكان سحيق}، ويجوز أن يكون من الرباعيِّ بحذف الزوائد أو اسم مصدر، أي اسحقهم الله سحقا، أي إسحاقا، أي أبعدهم عن رحمته إبعادا، أو أسحقهم الله فسحقوا سحقا لأصحاب السعير، أو ساحقهم الله سحقا، أي سحاقا فحذفت الألف بعد الفاء وغيـِّرت البنية. وقرئ بضمِّ السين والحاء.

 

{إنَّ الذين يخشون ربـَّهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير(12)} أي يعظِّمون ربـَّهم، أو يخافون عذابه. و«بالغيب» حال من «ربـِّهم» أي غائبا عنهم فإنَّ الله لا يرونه، أوغائبا عنهم عذابه، أو حال من الواو، أي أو غائبين عن عذابه، أو غائبين عن أعين الناس؛ أو يتعلَّق بـ«يخشون» أي يخشون ربـَّهم بما غاب وَهُوَ القلوب؛ وتنكير المغفرة [483] للتعظيم، أي لهم مغفرة لذنوبهم عظيمة، وأجر كبير لأعمالهم وورعهم لا يقدِر أحد على وصفه. ولا يخفى أنَّ الفاسق المصرَّ عَلَى الفسق إلى أن مات الآتي ربـَّه مجرما لا يتَّصف بأنـَّه من الذين يخشون ربـَّهم بالغيب، فكيف يقال إنـَّهم يخرجون من النار، فينالون المغفرة والأجر الكبير، ومن أين له الخشية، وإن كانت فقد أبطلها، ثمَّ أين هي لِكُلِّ فاسق، فلا يقال: يعاقب عَلَى فسقه ثمَّ يتاب بالأجر الكبير، مع أنَّ من دخل النار لم يصدق أنـَّه مغفور له. والأجر الكبير الجـنَّة، والآية وعد للمؤمنين جاء به في خلال كلام الكفرة إذ قال بعدُ خطابًا لهم:

 

 {وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به} إِلاَّ أنَّ ما مَـرَّ مغايبة مع الكفَّار، وإنـَّما الخطاب بينهما([336]) وبين الملائكة، وبينهم وبين من ينذرهم، وهذا مخاطبة لهم وما مَـرَّ يكون في النار، وهذا الخطاب لهم في الدنيا كانوا يذكرون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالسوء فيخبره جبريل عليه السلام، فقال بعضهم لبعض: «أسرُّوا قولكم لئلاَّ يسمع إله محمَّد­»، فنزلت الآية لبيان أنَّ السرَّ والجه عند الله سواء، لا يزداد علمه بالجهر ولا ينقص بِالسـِّـرِّ ولا ينتفي به، {سواء منكم من أسرَّ القول ومن جهر به}، وقيل: المراد عموم الخلق في أنـَّه يعلم ما يقولون في معصية أو طاعة أو غير ذلك، ويلتحق الفعل بالقول كما لا يخفى، أو يقدَّر: وأسِرُّوا قولكم أو فعلكم أو اجهروا به أي بأحدهما، فاحذروا من المعصية بالقول والفعل سرًّا وجهرا فإنـَّه لا يخفى عنه شيء. وقدَّم السرَّ ليستشعروا علمه بسرِّهم من أوَّل الأمر، فإنـَّه إذا ذكر السرُّ وقع في قلوبهم لعلَّه عَلِمه، ولعلَّه يفضحهم، وللمبالغة في عموم علمه حتَّى كأنـَّه أعلم بالسرِّ منه بالجهر مع أنـَّهما سواء، ومن قال بأنـَّه أعلم بالجهر منه بِالسـِّـرِّ أو قال بالعكس أشرك، وذلك أنـَّه عالم بذاته لا عالم بتحصيل صور المعلومات بل وجود كلِّ شيء له بالذات علم بالنسبة إليه عزَّ وجلَّ، أو قدَّم السرَّ لأنَّ كلَّ ما جهر به فإنـَّما هو بعدما أسرَّ في القلب هو أو مبادئه فقدِّم لتقدُّمه  في قلوبهم ولتقدّم علمه تعالى بوجوده في قلوبهم عَلَى علمه في الخارج، فإذا [484] كان في القلب فلا يخفى عن الله أنـَّه في القلب، ثمَّ إذا كان في الخارج لم يخف عنه أنـَّه في الخارج، وقرَّر العلم بِالسـِّـرِّ بقوله:

 

 {إنـَّه عليم بذات الصدور(13)} بالمضمرات ذات الصدر، أو بالكلمة ذات، وَأَكَّـدَ ذلك بالجملة الاِسمِيـَّة و«إنَّ» وصِفة المبالغة وَهُوَ عليم بوزن فعيل ووصف المضمر بالصاحبيـَّة للصدر و«الـ» الاستغراقيـَّة، فالمعنى: يعلم كلَّ سرٍّ في كلِّ قلب، مع أنَّ الأسرار لا تفارق القلوب والصدور، القلوب تسمية للجزء باسم الكلِّ، أو تسمية للحال باسم المحلِّ، ويجوز أن يراد بالذات نفس القلوب المصاحبة للصدور فهي القلوب التي في الصدور، فهو عليم بنفس القلوب وأحوالها من السرِّ والخطرات والفرح والحزن فيها وغير ذلك.

 

{ألا يعلم من خلق} «ألا يعلم­» حال من «خلق»، نفى الله عَلَى طريق الاستفهام أن يتصوَّر أن يخلق شيـئًا ولا يعلم أجزاءه وأحواله كلَّها، فإنَّ من خلق شيـئًا لاَ بُدَّ أن يقصده، وأن يكون عالما بحقيقته، فإن العافل([337]) عن الشيء يستحيل قصده إليه، وجاهل الصنعة لا يصنعها، فثبت أنَّ الخالق لا بدَّ أن يكون عالما بالمخلوق كلاًّ وجزءًا وحالا ووصفا وأن يكون مختارًا إذ لم يكن ما خلقه أزيد أو أنقص متقدِّما عن زمان خلقه أو مُتـَأَخـِّرًا عنه، وإلاَّ لزم التـَّحَكُّم بترجيح أحد الجائزين بلا مرجِّح. والآية حجَّة أنَّ العبد ليس موجدًا لأفعاله، ولو كان كاسبا لها، وإذا قيل: أحدثها أو أوجدها فمعناه كسبها، فلو كان موجدا لها عَلَى الحقيقة لكان عالما بكلِّها وجزئها وكيفيتها وحالها وزمانها ومكانها وغير ذلك من تفاصيلها قبل فعلها، ولكان لا تَتَخَلَّفُ عمـَّا أراد ولم تزد ولم تنقص ولم تبطل، وأنت كثيرا ما تريد الفعل ولا يكون، وَهُوَ مرادي بالبطلان، وتريده ويكون بعضه لا كلُّه، وتريده عَلَى وجه فيكون عَلَى غيره، وهكذا سائر المخالفة كتأخُّره عن زمان تريده فيه وتقدّمه عنه، فإنـَّما تعلم تفاصيله بعد وقوعه، وتارة لا تعلمها ولو بعد ما وقع، وكثيرا ما يصدر منك الفعل غلطا بلا قصد، وفي النوم تَتـَحَرَّكُ وتتكلَّم ولا تدري، وكذا في الأعضاء والسكر وكثيرا ما تفعل الشيء ولا تدري، وتخطو في الأَرض ولا يشعر قلبك حال الخطو بأثر قدميك في الأَرض هل كان؟ وهل [485] أثـَّر؟ وكيف هو؟ وتَتـَحَرَّكُ ولا تعرف أجزاء الحركة لعدم علمك بالجواهر التي تَمَّت بها الحركة كم هي، وَأَيضـًا الحركة البطيئة تخلَّل فيها سكون ولا يدرى به ففيها حركات كثيرة مستأنفات عن سكنات كثيرة وسكون فحركة، وحركة فسكون لا تدري باستئناف الحركات ولا بتخلُّل السكنات.

 

وَأَيضـًا قال أبو عليٍّ وأبو هاشم: «الفاعل إِنـَّمَا يفعل معنى مقتضى الحصول في الجبر، وذلك المعنى لا يخطر ببال أكثر الخلق»، وَأَيضـًا يدلُّ عَلَى أنَّ خالق أفعال الخلق وموجدها الله من قوله: {ألا يعلم من خلق} فإنـَّه استدلال عَلَى علمه بذات الصدور، فالمعنى: كيف لا يعلم الله السرَّ وَهُوَ قد خلقه وخلق محلَّه وَهُوَ الإنسان مثلا، فـ«مَن» واقعة إمـَّا عَلى الإنسان باعتباره واعتبار أحواله، أو واقعة عليه وَعَلَى أحواله بحيث استعملت للعاقل وغيره، وإذا علم السرَّ فالجهر أولى بحسب بادي الرأي، وعند الله سواء؛ فقوله: {ألا يعلم من خلق} احتجاج لقوله: {إنـَّه عليم بذات الصدور}، وقوله: {إنـَّه عليم بذات الصدور} احتجاج للتسوية بين الجهر والسرِّ في علمه بقوله: {وأسرُّوا قولكم أو اجهروا به}؛ أو قوله: {ألا يعلم...} إلخ حجَّة لقوله: {وأسرُّوا...} إلى {...بذات الصدور}، فإنَّ المعنى: كيف لا يعلم مخلوقاته من الذوات وما أسرَّت وما جهرت به وَهُوَ خالق كلِّ ذلك، ولو لم يقصد هذا المعنى لم يَتـَّصِل بما قبله.

 

 وأنت خبير أنَّ في «يعلم» ضميرا يعود إِلىَ الله، وأنَّ «من خلق» مفعول به واحد لـ«يعلم» ولا ثاني له كعرف، وأنَّ «من» واقعة عَلَى الأعراض والأجسام من أوَّل، أو عَلَى الأجسام أوَّلاً، ومنها عَلَى أعراضها ثانيا؛ ويجوز تقدير مضاف، أي ألا يعلم أحوال من خلق وَهُوَ السرُّ والجهر؛ ويجوز وقوع «مَن» عَلَى غير العقلاء فقط هنا، وَهُوَ ما جهر به وما أسِرَّ، إِلاَّ أنَّ هذا خلاف الأصل، لكن المقام لما جهر به وما أسرَّ، وفي كلِّ ذلك يكون في «يعلم» ضمير لله، ويكون «مَن» لغير الله وهي مفعول، ورابطه محذوف لغير الله، أي: من خلقه؛ ويجوز أن تكون «مَن» لله وفي «خَلَق» ضميره وَهُوَ الرابط، ولا تقدَّر الهاء بل يقدَّر مفعول ظاهر. و«مَن» فاعل لـ«يعلم» ولا ضمير في «يعلم»، أي ألا يعلم من خلق الأشياء أحوالها كلَّها من [486] ظهر منها وما خفي، أي: ألا يعلم الله الذي خلق الأشياء مخلوقاته، وهذا يفيد علم الأحوال، ورجَّحه بعض، إِلاَّ أنَّ فيه حذف([338]) لا يتبادر، وغيره لا حذف فيه غير متبادر، وقد أوَّلناه بالأحول أو بالذات باعتبار أحوالهما أَيضـًا أو بأحوالها.

 

{وهو اللطيف الخبير(14)} حال من الضمير في «يعلم» أو من قوله: «مَن» إذا قيل: إنـَّه فاعل، وهذه الجملة الحالية مانعة من أن يقال: إنـَّه لا مفعول لـ«يعلم» إذا جعلنا «مَن» فاعلا لـ«يعلم»، وأنـَّه لا غرض للكلام في التعلُّق بالمفعول، وأنَّ المعنى ألا يتـَّصف بالعلم من خلق الأشياء، لأنـَّه لا فائدة لهذه الجملة الحالية مع هذا، لأنَّ الحامل حينئذ لا يتـَّصف بالعلم، وهو لطيف([339]) الخبير، أي وَهُوَ مبالغ في العلم، وإنـَّما يتمُّ أن يقال: «كيف لا تصفونه بالعلم مع أنـَّه مبالغ فيه»، وليست الآية بهذا الرسم، ولو كان هو المأصدق، وإنـَّما رسمها ألا يعلم مخلوقاته وأحوالهم، مع أنَّ من شأنه الخبرة، ولا خبرة وراءها، أو لا يعلم ما أسرُّوه وما أجهروه، وَهُوَ مبالغ في علم سائر الأشياء، والله أعلم.

 

{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} لـيـِّـنة سهلة لكم في السلوك، منقادة لا تتعاصى عن المشي فيها، وإلقاء الأنجاس فيها والأقذار، ومقابلتهما بالعورة ولا عن الحفر فيها، والبناء عليها، ولو كانت خشنة جدًّا، أو صلبة لم يمكن التصرُّف فيها، والحفر فيها، ولم يكن([340]) الحرث، والغرس، ودفن المـيِّت فيها، ولو كانت ملساء لاشتدَّ حرُّها زمان الحرِّ، وبردها زمان البرد، مثل أن تكون كلوح من حجر، أو ذهب، أو فضَّة، أو حديد، أو مثل ذلك، ففي بعض خشونتها تخلُّص عن ذلك، لأنَّ الخشن لنتو([341]) أجزائه الدقيقة المتقاربة، كان خشنا، فلنتوها([342]) كان بين جزء وجزء فسحه، فليس الماسُّ يعمُّ ما مسَّ به، ولا الممسوس يمسُّ كلَّه لخلل الفسحة، فلم يَتـَّصِل البرد أو الحرُّ فيه فنقص، ولو كانت تَتـَحَرَّكُ إلى جهة واحدة أو تَتـَحَرَّكُ عَلَى استدارة لم تكن منقادة لنا. وقدَّم «لكم» على قوله: {الأرض ذلولا} مع أنَّ حقَّه التأخير للاعتناء به والتشويق إلى ما بعده، فإنَّ «لكم» يدلُّ على النفع فإذا [487] ذكر أوَّلاً تشوَّفت النفس إلى ما به الانتفاع وترقَّبت ذكره، فإذا ذكر بعد وافاها مستعدَّة فيتمكَّن فيها جدًّا، وهكذا إذا أخِّر مطلقا ما حقُّه التقديم ولو لم يكن فيه انتفاع للمخاطب، إِلاَّ أنـَّه قد يقال: لا نسلِّم أنَّ حقَّ الجارِّ والمجرور التأخير عن المفعولين لأَنَّ العامل لم يقو عَلَى المجرور، فتوصَّل إليه بالجارِّ وتقوَّى به، فينبغي اتـِّصاله بما تقوَّى به.

 

 {فامشوا في مناكبها}: في المواضع الرقيقة الشبيهة بمناكب الإبل التي يصعب عليها أنَّ يطأها الراكب بقدمه، فهذا كناية عن أنـَّه لا تمتنع من أن يمشي على موضع ما من مواضعها، والكناية لا يلزم أن يوجد فيها الملزوم، فصحَّ أن يثبت لها مناكب ولو لم تكن لها، لأنَّ المراد التذليل، فإنَّ منكب البعير أرقُّ أعضائه، وأشدُّها امتناعا على أن يطأها الراكب بقدمه، فإذا كانت الأرض لا تمتنع من وطء مناكبها فأولى أن لا تمتنع من وطء غير المناكب وذلك كناية عمـَّا علمتَ، إذ لا منكب لها، كما تكني عن طول القامة بطول النجاد ولو لم يكن لموصوفك سيف فضلا عن نجاده، أي عِلاقته.

 

ويجوز أن يكون شبـَّه جبال الأرض وآكامها بمنكب البعير في الارتفاع أو بمنكب الإنسان كذلك، فإذا تذلَّلت للمشي في أعاليها فأولى أنَّ تـتذلَّل له في قرارها، فسمَّى أعاليها مناكب، وبحاصل هذا قال ابن عـبَّاس والضحَّاك وقتادة. ويجوز أن يكون مناكبها أطرافها وجوانبها وهي طرقها، وذلك في كلِّ أرض، فإنَّ كلَّ أرض تقصد أو تسكن يكون الطريق إليها طرفًا، وجانب لها يوصل إليها، ولو كان عمارة أيضًا، قال جلَّ وعلا: {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} وبحاصل هذا يقول الحسن ومجاهد والكلبيُّ ومقاتل والفرَّاء وابن قتيبة وعطاء عن ابن عـبَّاس.

 

{وكلوا من رزقه}: ما رزقكم من نباتها وحيوانها وغير ذلك كالثلج الواقع عليها، وكحوت البحر. {وإليه} لا إلى غيره ولا مع غيره، {النشور(15)}: المرجع بعد البعث فبالغوا شكر نعمه فاتَّبعوه وحده إذ  كان هو المنعم القادر المحاسب لكم، ولا تعصوه سرًّا ولا جهرا ولو كان لا يعلم السر ولا يعاقب [488] على المعصيَّة لأنَّ الإحسان يقابل بالإحسان، فكيف وهو يعلم السرَّ والجهر ويعاقب على المعصية. ذكر الله جلَّ وعلا أنـَّه خلق الأشياء، أو أنـَّه خلق الإنسان وجعل له الأرض مسكنا حسنا ورزقه وأوجب عليه الشكر، وكتب عليه البعث ليجازيه على شكره أو كفره، وخوَّفه عقابه على عصيان السرِّ والجهر، وبيـَّن لهم أنـَّه إن شاء جعل الأرض ــ التي هي مسكنهم ومطمئنهم ومألفهم ــ مَهلِكَهم بخسفه إيـَّاها بهم، كما قال:

 

{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا  هي تمور(16)}، كمن أسكن عبده دارا وأنعم عليه وحذَّره أن يعصيه وأخبره أنَّ عليه رقيبا، وقال له: لا تأمن فإنـَّك إذا أبيت إِلاَّ العصيان جعلت هلاكك بتلك الدار مثل أن يحسبه فيها. والاستفهام توبيخ وإنكار لأن يجوز ما هم عليه من الأمن من الخسف بهم. و«من في السماء» هو الله، ومعنى كونه في السماء كون أمره وقضائه فيها فإنَّ جهتها اللَّوح المحفوظ والعرش الكرسيُّ على ما فيها من الكلام والوحي ونزول الملائكة للرحمة أو للعذاب والمطر.

 

 وفي السماوات ملائكة خدم لله مستغرقين لهنَّ، لم يبق فِيهِنَّ موضع قدم إِلاَّ وفيه ملك عائد([343])، وفي جهتهنَّ الجـنَّة وليس في ذلك حصر ملكه في السموات، وأيضا المراد بالسماء جنس السماء، فالمراد السموات وكما كـان ملكه فيهنَّ كان في الأرضين وغيرهنَّ، وما ذلك إِلاَّ كقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}، وكقوله: {هو الله في السماوات وفي الأرض} فكيف يكون الشيء الواحد في السموات معا بمرَّة واحد([344])، أم كيف يكون فِيهِنَّ وفي الأرضين معًا بمرَّة، فالمراد نفاذ أمره ومشيئته فِيهِنَّ وتفخيم سلطانه وقدرته.

 

 ويجوز أن تكون الآية جاءت على زعم العرب الجاهلـيَّة أنَّ الله جلَّ وعلا مستقرٌّ في السماء، أي: أأمنتم من تزعمون أنـَّه في السماء ــ وهو متعال عنها وعن كلِّ مكان ــ أن يخسف بكم الأرض. وقالت: المشبـِّهة لعنهم الله بقول هؤلاء الجاهلـيَّة من استقراره في السماء لظاهر الآية، ولزمهم أن تحيط السماء فيكون أصغر منها ومن الكرسيِّ والعرش فيكون حقيرا، ولزمهم [489] أن يكون أَيضـًا في الأَرض لظاهر قوله: {وَهُوَ الله في السماوات وفي الأرض} لأنَّ شأنهم الظاهر مع ما يلزم من العجز والحدوت([345]) إذ حلَّ في حادث حاشاه عن ذلك، وأمـَّا قوله تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله}، فقيل: يلزم فيه عَلَى قولهم أن يكون مالكا لنفسه وَهُوَ محال، لكن هذا عَلَى القول بدخول المتكلِّم في عموم كلامه، وقد مَـرَّ بحث فيه، وللزوم حدوثه وعجزه وتركيبه ونحو ذلك من النقائص عَلَى إجراء الآية عَلَى ظاهرها حاشاه عن كلِّ نقص أجريناه بتوفيق الله سبحانه عَلَى ملكه وقضائه وقدرته ونفاذ أمره وما أشبه ذلك، ويجوز أن يراد «من في السماء» عذابه لأنَّ العادة الغالبة نزول البلاء عَلَى من يكفر بالله من السماء، فالآية كقوله تعالى: {قل هو القادر عَلَى أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} ففي السماء عذابه بإنزال نحو الريح والنار والصيحة، وَهُوَ بعض معنى كونه في السماء، وفي الأَرض عذابه بنحو الخسف كما قال: {أن يخسف}، وكما قال: {فخسفنا به وبداره الأَرض}.

 

 ويجوز أن يكون «من في السماء» جبريل أو الملائكة وذلك مثلا أن يأمر جبريل يخسف([346]) بهم الأَرض الذلول التي يمشون في مناكبها، ويأكلون رزقه فيها وينتفعون بها لكفر النعمة فيكون غيـَّرهم كما غيـَّروا، وخسف الأَرض قلبها، وَهُوَ جعل ما ظهر منها باطنا بمن عليها، أو تغييبه فيها كما فعل بقارون. «وأن بخسف» بدل اشتمال من لفظ «من»، كأنـَّه قيل: أأمنتم خسفه بكم الأَرض؛ وقيل: عَلَى تقدير الجارِّ متعلِّقا بـ«أمنتم»، أي: أأمنتم من في السماء عَلَى الخسف، ومعنى خسف الأَرض كما مَـرَّ قلبها أو شقُّها للإدخال فيها. والفاء عاطفة لا زائدة عَلَى الراجح. و«إذا» للفجاءة. و«تمور» تميد وتميل كما قبل إرسائها بالجبال ذهابا ومجيئا عكس ما كانت ذلولا يمشون في مناكبها وينتفعون بها وبميلها يزدادون تسفُّلا.

 

{أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} كما أرسله عَلَى قوم لوط: {إنـَّا أرسلنا عليهم حاصبا}، وكما أرسله على أصحاب الفيل وهي حجارة، وقيل: الحاصب الريح الشديد الحاملة للحصباء من الله أو أمرها بقلعها من الأَرض وحملها وما حملتها من الله [490] أو بقلعها إِلاَّ لقوَّتها، وقيل: الحاصب السحاب الحامل للحصاء يرسلها الله لترميهم بها، وإن كانت كبارا فتسميتها حصباء مجاز فأخذ منها حاصبا.

 

 {فستعلمون كيف نذير(17)} كيف إنذاري إذا شاهدتم العقاب يوم بدر وعند الموت وفي القبر والموقف والنار، فالمراد: كيف عاقبة إنذاري لكم بالرسول والقرآن، تعلمون ذلك معاينة فلا ينفعكم علمكم حينئذ، وإنـَّما ينفع من الدنيا بالتصديق والعمل والتقوى فيها، وقيل: «نذيري»: المنذَر ــ بفتح الذال ــ وَهُوَ العقاب، وقيل: المنذِر ــ بكسر الذال ــ وَهُوَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أي فستعلمون رسوله وصدقه حين لا ينفعكم العلم، وبه قال عطاء عن ابن عـبَّاس وَقَالَ بِهِ الضحَّاك. وفي «كيف نذيري»([347]) تهويل مجمل وجزم بصدق النذير والعقاب، وَأَكَّـدَ ذلك بقوله:

 

{ولقد كذَّب الذين من قبلهم فكيف كان نكير(18)} معنى «من قبلهم» من قبل كفَّار مكَّة من كفَّار الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وفرعون وقومه ومن مسخوا قردة وخنازير، وفي ذلك لفت الكلام عن الخطاب إِلىَ الغيبة إذ مقتضى الظاهر: «من قبلكم» بالخطاب، وحكمة ذلك صرف الكلام عنهم إعراضا عنهم لإظهار أنـَّهم قد استوجبوا العذاب، والله أعلم. وَعَلَى قراءة: «فسيعلمون» بالتحتيـَّة لا لفت هنا بل هو عَلَى مقتضى الظاهر: لمتبائعة([348]) «يعلمون»، وإنـَّما اللفت في «يعلمون».

 

 والنكير الإنكار بإنزال العذاب، فإنَّ الإنكار يكون بالقول ويكون بالفعل، فإنـَّك إِذَا عاقبت علم المعاقب - بفتح القاف - والمشاهد والسامع والعالم أنـَّك فعلت ذلك لأنـَّك لم تقبل ما فعل، وأنـَّه فعل ما يوجب ذلك، ويجوز أن يكون «نكيري» بمعنى إنكاري، وإنكاري بمعنى إحضاري العذاب النكر الذي لا يعرف، ويجوز أن يكون بمعنى الإنكار بالكلام، أي كيف قولي لكم {فهل وجدتم ما وعد ربـُّكم حـقًّا}([349]).

 

وقوله: {كيف كان نكيري}([350]) إمـَّا تهويل وتفضيع([351]) للعذاب المنزَّل، أي هو على غاية من الشدَّة لا يعلمها إِلاَّ الله عزَّ وجلَّ، وإمـَّا تعظيم لصدق قول الله في وعيدهم وتأكيد في تحقُّقه. ومحطُّ توكيد قولِه: {فستعلمون كيف نذيري} هو [491] قوله: {فكيف كان نكيري}، وكذا محطُّ التوكيد بالقسم في قوله: {ولقد كذَّب...} إلخ هو قوله: {فكيف كان نكيري} لأنَّ عذاب من قبلهم سمعوا به ورأوا بعض علامات([352])، فَهَذَا هو الذي من شـأنهم أن  يريدعوا([353]) به لو سمعوا وعقلوا، لا مجرَّد تكذيب من قبلهم، وفي كلِّ ذلك تسلية لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وهكذا نقول ونغفل عن قوله: {لعلَّك باخع نفسك ألاَّ يكونوا مؤمنين} ونحو ذلك مِمَّا يدلُّ عَلَى أنـَّه يعزُّ عليه عذابهم، ولا يتشفَّى به الجواب أنـَّه لولا مشفق، وإذا أبوا إِلاَّ الكفر أحبّ قضاء [رسول]([354]) الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فيهم جزاء لكفرهم، لا لحظِّ نفسه فيزول عنه بعض ما هو فيه من أذاهم عَلَى طريق البشر في ارتياح النفس ضرورة إِلىَ هلاك العدوِّ. وقرئ بإسقاط ياء «نكيري» و«نذيري» بعد الراء قيل: للفواصل، إذ لو ثيتت لكسرت الراءان، ولا يوجد إسكانها بحذف الياء إِلاَّ إن لم تثبت في المصحف، ونحن نؤدِّي بقراءتها وصلا، وبحذفها وقفا وخطًّا ونقول: لم تثبت فيه. واحتجَّ وبرهن على تخويف الكفرة بقوله:

 

{أولم([355]) يروا إلى الطير فوقهم صافـَّات ويقبضن}: الهمزة توبيخ لهم عَلَى إهمال النظر والاعتبار ومدخولها مقدَّر، أي: أَغَفلوا ولم يروا، أو هي من معطوف الواو، وقدِّمت لتمام صدريـَّتها فيعطف هنا إنشاء عَلَى إنشاء في هَذَا الوجه، بأن يكون المعطوف عليه: «كيف كان نكيري».

 

 و«فوق» حال من «الطير»؛ أو متعلِّق بـ«صافـَّات»، أو حال من ضمير «صافـَّات»، ويقدَّر أَيضـًا مثله لـ«يقبضن»، أي ويقبضن فوقهم. ومعنى «صافـَّات» باسطات أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانهنَّ وتنقُّلهنَّ. ومعنى «يقبضن» يضممن أجنحتهنَّ إِلىَ جنوبهنَّ مرَّة بعد مرَّة، استعانة بذلك عَلَى التنقُّل. والصافـَّات اسم فاعل لا يدلُّ عَلَى التجدُّد، وأمـَّا «يقبضن» ففعل مضارع مع فاعله يدلُّ عَلَى التجدُّد، والقبض يتجدَّد ويطرأ، فجيء بالفعل ليدلَّ عليه، إذ الأصل في السباحة في الماء، وسباحة الطير في الهواء المدُّ والبسط، فجيء فيه بما لا يدلُّ عَلَى التـَّجَدُّد، بخلاف القبض فتجدُّديٌّ، فجيء فيه بدالِّ التـَّجَدُّد وَهُوَ المضارع، وكأنـَّه قيل: يكون منهنَّ القبض تارة بعد أخرى. و«صافـَّات» [492] حال، وكذا «يقبضن» لكن بواسطة العطف عَلَى «صافـَّات»، وكأنـَّه قيل: وقابضات، لكن صير إِلىَ الفعل للتجدُّد، وإنـَّما صرفنا «يقبضن» إلى «صافـَّات» ولم نعكس لأنَّ الأصل في الحال المفرد لا الجملة.

 

{ما يمسكهنَّ إِلاَّ الرحمن} وإلاَّ فطبع الجسم الثقيل الرسوب إِلىَ الأسفل، وإنـَّما أمسكهنَّ الله في الجوِّ وأقدرهنَّ عَلَى التـَّنـَقُّل فيه رحمة منه لهنَّ بِأَن خلقهنَّ عَلَى أشكال وخصائص يتوصَّلن به إِلىَ الجري في الهواء، وإنـَّما ذكر في سورة النحل لفظ الجلالة لأنـَّه قال: {مسخَّرات في جوِّ السماء} فناسب ذكر لفظ الجلالة الدالِّ عَلَى الكمال من كلِّ وجه كمال القدرة وغيرها، وذكر هنا الصفَّ والقبض، وهما بإلهام إِلىَ كيفيـَّتهما باسم الرحمة، وذلك منه لهنَّ رحمة. والآية دليل لنا عَلَى أنَّ الأفعال الاختياريـَّة من العبد خلقها الله، وأمـَّا الاضطراريـَّة فالمعتزلة وافقونا فيها، ووجه الاستدلال أنَّ الصفَّ والقبض اختيار للطير، وهما معًا إمساك منهنَّ لأنفسهنَّ عن الرسوب، وقد نسب الله هذا الإمساك لنفسه إذ قال: {ما يمسكهنَّ إِلاَّ الرحمن}. والجملة مستأنفة أو حال من النون، قيل: جمع في الصفِّ والقبض؛ وفي «يمسكهنَّ» بالمطابقة، إذ لم يقل: صافَّة وتقبض وما يمسكها، مع أنَّ الطير اسم جمع طائر لا جمع قلَّة، والطير كثير لأنَّ المـُرَاد جماعات صافـَّات، وفيه أنـَّه يقال أَيضـًا: ما وجه تقدير جماعات جمع قلَّة مع أنَّ جماعات الطير لا تحصى، وليست الآيـَة في الجماعات، إذ لا دَلِيل بل في الأفراد منظَّمات أو غير منظَّمات، والوجه أنَّ القرآن مشتمل عَلَى الفصيح والأفصح، إذ جاء عَلَى كلام العرب إذ هو كذلك، ولعلَّ أنواع الطير يحضرهنَّ لفظ القِلَّة من ثمانية أو تسعة أو عشرة أقوال، وذلك بِأَن يعدَّ مثلا ذات الطوق نوعا في عنقها، وذات العرق في رأسها أو نحو ذلك.

 

{إنـَّه بِكُلِّ شيء بصير(19)} فهو يعلم كيف يبدع ما يبدع ويدبـِّر ما يصنع فهو متقن كما اختر([356])، والبصر لـمَّا استحال في حقيقة الله هو وضدُّه حملناه عَلَى اللازم لأنَّ العلم يدرك بالبصر كما يدرك بالسمع، ويقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذف([357]) والمـُرَاد ببصره العلم [493] كما يقال: سميع بالمسموعات، بصير بالمبصرات، أي يعلم الأقوال والأفعال والأجسام والأعراض، فنقول: الله عليم بنفسه وبغيره.

 

{أمـَّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن}: الهمزة للاستفهام التوبيخيِّ، وفيه إنكار وتبكيت؛ [و]وجه أنـَّهم يمتنعون عن الإيمان بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، متوكِّلين عَلَى جندهم مع مالهم به تعاضدوا وتجنَّدوا، وَعَلَى أوثانهم أن تدفع عنهم الآفات والمكاره، وتشفع لهم وتوصلهم إِلىَ الخير، فنفي الانتفاع الجند([358])بهذا الكلام مع قوله:

 

{إنِ الكافرون إِلاَّ في غرور(20)} ونفى التقوى بالمال بقوله: {أمـَّن هذا الذي يرزقكم}، وفيه أَيضـًا نفي للانتفاع بالأوثان، إذ لا تقدير([359]) عَلَى الرزق، ووجه التبكيت وَهُوَ الإعجاز نفي أن يكون لهم ناصر غير الله؛ ووجه الإنكار أنَّ الله جَلَّ جَلاَلُهُ أنكر أيَّ نفي أن يكون ما هم عليه صحيحا في الشرع أو العقل. و«أم» بمعنى بل للإضراب الانتقاليِّ لا بمعنى بل والهمزة، لأنَّ الهمزة أغنى عنها «من» الاستفهاميـَّة، وهي التي بعد أم وهي مبتدأ خبره «هذا»، و«الذي» تابع لهذا وإنـَّما لم أقل: «أم» للإضراب الإبطاليِّ، لأنَّ الذي قبل هذا هو التوبيخ عَلَى ترك النظر في أحوال الطير المنبئة عَلَى قدرة الله جَلَّ جَلاَلُهُ، وَهُوَ توبيخ صحيح حقٌّ لا يبطل، فإنـَّما هي للانتقال من توبيخهم المذكور إِلىَ تبكيتهم بنفي أن يكون لهم ناصر غير الله جلَّ وعلا، والتبكيت بنفي الناصر غيره يدلُّ له ذكر لفظ الرحمن إذ قال: {من دون الرحمن}؛ ويجوز أن يكون المـُرَاد: أم هذا الذي هو جند لكم ينصركم من عذاب الله، ويناسبه قوله: {إن أمسك رزقه}، كقوله تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا}، أي تكون لهم ناصرة أو مانعة من عذاب الله.

 

 والاستفهام هنا متوجِّه إِلىَ تعيين السامع إذ قال: من هذا؟، وفي قوله: {أم لهم آلهة} إِلىَ نفس المانع. وأشار بلفظ القرب لتحقير المشار إليه. ولفت الكلام [إِلىَ] الخطاب بعد الغيبة إذ قال: {لكم} و{ينصركم} بعد أن قال: {أولم يروا} وقال: {فوقهم} للتشديد في التبكيت في التوبيخ [494] والإنكار. و«لكم» نعت «جند»، و«ينصركم» نعت ثان، أو حال من المستتر في «لكم»، وأفرد ضمير جند في ينصر باعتبار لفظ جند، فيجوز: أكرمت القوم الذي جاء، و«من دون الرحمن» حال من ضمير «ينصر»، أو نعت لمصدر محذوف أي ينصركم نصرا ثابتا من دون نصر الرحمن لا متعلِّق بـ«ينصر»، أي ينصركم من عذاب ثابت من غير الله، أو ينصركم من غير الله، لأنَّ ذلك غير مـُرَاد، ويجوز أن يكون نعتا لجند؛ ولا يصحُّ أن تكون «أم» هذه معادلة لقوله: {أولم يروا} لأنَّ «مَن» هذه لا تكون إِلاَّ استفهاميـَّة. ومعنى: {إن الكافرون إِلاَّ في غرور} من الشيطان إذ وسوس لهم أنَّ أوثانهم تحفظهم من النوائب، أو تحفظهم من بأس الله إن جاءهم، ونكَّر «غرورٍ» لتعظيمه، أي غرور عظيم فاحش مستحيل صحَّته وصحَّة بعضه؛ والجملة معترضة مقرِّرة لما قبلها؛ ومقتضى الظاهر: إن أنتم إِلاَّ في غرور، ووضَع الظاهر موضع الظمير([360]) فكانت به لفت الكلام عن الخطاب إِلىَ الغيبة، لأنَّ الظاهر من قبيل الغيبة، وفائدة ذلك الإعراض عنهم وبيان قبائحهم والوصف لهم بالكفر ذمـًّا لهم، وتعليل لغرورهم به، وأولى من ذلك أن يراد بالكافرين كلُّ كافر، فلا يكون التفات، ولا وضع ظاهر موضع ضمير.

 

{أمـَّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه}: الكلام في الهمزة و«أم» و«من» وما بعدها كالذي تقدَّم، أي بل من هذا الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه، و«من» في الموضعين تعمُّ الأوثان والعقلاء، أي أم من هذا الذي هو جند لكم من الأوثان وغيرها، أم من هذا الذي يرزقكم من الأوثان وغيرها. ويجوز أن يكون المـُرَاد بـ«من» فيهما الأوثان لأنـَّهم كفروا بسبب الإيمان بها، وردِّ الرسالة والوحدانيـَّة، وفي «أمسك» ضمير يعود إِلىَ الله، وإمساكه الرزق أمساك مبادئه كالمطر وإفساد النبات والثمار وقطع المنافع بالحروب والأمراض وغير ذلك من المواقع كقطَّاع الطريق.

 

{بل لجـُّوا في عتوٍّ ونفور(21)} إضراب انتقاليٌّ عمـَّا قبله، أو يعتبر مقدَّر قبله كأنـَّه قيل: لم يتأتـروا([361]) بذلك التوبيخ والتبكيت [495] بل لجـُّوا...إلخ، أي بل تمادوا وتشدَّدوا مع وضوح الحقِّ في عتوٍّ ونفور؛ فاللجوج الإلجاج والإصرار بشدَّة، والعتوُّ العناد استكبارا وطغيانا، والنفور الشراد([362]) عن الحقِّ، فالعتوُّ لحرصهم عَلَى الدنيا لفساد القوَّة العمليـَّة، والنفور بسبب جهلهم بفساد القوَّة النظريـَّة، فهم خارجون عن الهدى بجوارحهم وقلوبهم.

 

{أفمن يمشي مكبـًّا على وجهه أهدى أمـَّن يمشي سويـًّا على صراط مستقيم(22)}: الهمزة من المعطوف بالفاء تقدَّمت لكمال صدرها، فمعناها: لها بعد الفاء، أو داخلة عَلَى محذوف تكون الفاء عاطفة عليه، أي الخير والشرُّ سواء فمن يمشي...إلخ؛ أو الحقُّ والباطل سواء فمن يمشي...إلخ. و«من» موصولة للحقيقة، والحقيقة معهودة، وهي حقيقة الماشي مكبـًّا والماشي سويـًّا، وَعَلَى كون الهمزة مِمَّا بعد الفاء فالفاء عاطفة عَلَى «لجـُّوا» عطف إنشاء عَلَى خبر، ومرتبة لما بعدها عَلَى ما ظهر من سوء حالهم، والآية مثل مضروب للمشرك والموحِّد موضِّح لحالهم، وَهُوَ عَلَى العموم، فإنَّ المشركين في معاصيهم وشركهم وجهلهم كمن يمشي ويكبُّ في كلِّ خطوة عَلَى وحهه لعماه أو لظلمة الطريق مع صعود وانخفاض فيه، أو لضعف في بدنه أو سكر؛ والموحِّدين في طاعتهم وتوحيدهم وعلمهم كمن يمشي مستويا عَلَى قامته صحيحا لا ينكبُّ عَلَى وجهه لاستقامة طريقه واستوائه وبصره وعدم الظلمة، وذلك تمثيل بما في الدنيا، وقال قتادة: «تمثيل بما في الآخرة» فإنَّ الكافر أكبَّ عَلَى المعاصي فيحشر عَلَى وجهه إِلىَ النار فهو يمشي عَلَى وجهه، ويزحف عليه، والمؤمن عَلَى الدين الحقِّ فيحشر ماشيا عَلَى استواء قامته في الطريق سوي([363]) إِلىَ الجـنَّة، وهذا أنسب بقوله: {يمشي مكبـًّا}، فإنَّ المتبادر أنـَّه يستمرُّ في مشيه مكبـًّا لا يخرج عن الإكباب ثمَّ يرجع فيه، وكذا إذا قلنا: إنـَّه تمثيل بما في الدنيا، وجعلنا الإكباب عبارة عن الحيرة في الطريق التي لا يعرفها، فتارة يمشي هكذا وتارة هكذا، والمشي سويـًّا عبارة عن المشي في طريق معلومة إِلىَ جهة معلومة، فإنَّ ذلك يستمرُّ مكبـًّا، أي حائرا، بخلاف سائر الأوجه، فإنـَّه يكبُّ مرَّة ويقوم مرَّة، إِلاَّ أنـَّه [496] لـمَّا كان المشي عَلَى الوجه مع استمرار غير معتاد في الدنيا علمنا أنـَّه يقوم تارة ويكبُّ أخرى، ووجه التعبير عن المشي في طريق عَلَى غير معرفتها بالمشي مع الإكباب أنَّ عدم معرفة الطريق لظلمة مثلا سبب للإكباب؛ وقيل: التمثيل باثنين معيـَّنين أبي جهل والنبيء  صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وبه قال مقاتل بن سليمان؛ أو أبي جهل وحمزة بن عبد المطَّلب رضي الله عنه، وبه قال عطاء عن ابن عـبَّاس؛ أو أبي جهل وعمَّار بن ياسر رضي الله عنه وبه قال عكرمة. وفي ذلك إشارة إِلىَ أنَّ الكافر في مهاوي الغرور، وَعَلَى ناقة عشواء من عتوِّه ونفوره.

 

 وأكبَّ: أفعل، وهمزته للصيرورة، أي صار ذا كبٍّ، أو لدخول في الكبِّ، كأقشع السحاب أي دخل في القشع، وقيل: أكبَّ بالهمزة مطاوع لـ«كبَّ» بدونها فبالهمزة لازم، وبدونها متعدٍّ، يقال: كبـَّه فأكبَّ؛ وقيل: المطاوع: انكبَّ، وَهُوَ القاعدة، وأمـَّا أكبَّ فللدخول أو الصيرورة، وكذا أقشع هو لهما، والمطاوع: انقشع، وقيل: هو مطاوع قشعه، وبسطت ذلك في شرح اللامية. وإن قلت: «أهدى» اسم تفضيل من «هدى» المتعدِّي فإنَّ معموله فإنَّ اسم التفصيل[كذا] من المتعدِّي له معمول يتعدَّى إليه باللام، نحو زيد أضرب للرؤوس من عمرو، قلت: إمـَّا أن يقدَّر هنا أيضًا: أي أهدى لنفسه أو أهدى للمقتدين به وفريقه؛ وإمـَّا أن يقال: مِن «هدى» اللازم بمعنى الاهتداء، والطريق المستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا انخفاض وارتفاعا [كذا] فيه، و«مَن» الثانية عطفت عَلَى الأولى، فقوله: {أهدى} هو الخبر لهما عَلَى سبيل البدليـَّة، فلا حاجة إِلىَ أن يقال: يقدَّر لها خبر كخبر الأولى.

 

{قل هو الذي أنشأكم} من علمه لا بقياس عَلَى غيركم، إنشاء بديعا للعبادة، وهذا احتجاج بحال الإنسان بعد الاحتجاج بحال الطير.

 

{وجعل لكم السمع} إدراك الأصوات، أو الآذان التي تسمعون بها؛ فأفرد لأنـَّه مصدر في الأصل، والحكمة أن تسمعوا مصالحكم وتسمعوا آيات الله، فتمتثلوا أمرها ونهيها، وتـتَّعظوا بمواعظها.

 

 {والأبصار} جمع بصر بمعنى الإدراك بالعين للأجسام والألوان مع ما فيها من حركة وسكون وطول وعرض ورقـَّة و[497]غلظ ونحو ذلك من توابع الأجسام، أو جمع بصر بمعنى العين، والحكمة أن تنظروا في مخلوقات الله عزَّ وعلا فتعتبروا وتنظروا بها ما تحتاجون إليه، وتنظرون في المصاحف وكتب العلم وتكتبون العلم مخلصين.

 

 {والأفئدة}([364]) القلوب لتتفكَّروا بها في ما تسمعون وفيما تبصرون وفي غير ذلك من الإلهامات والخطرات، وترتقوا في معارج الإيمان والطاعة. خلق الله لهم ذلك كلَّه ليعبدوه ويدركوا بِهِ الجـنَّة وضيـَّعوه ولم ينتفعوا به، ولذلك قال الله جلَّ وعلا:

 

{قليلا ما تشكرون(23)}: أي لم تستعملوا جوارحكم فيما خلقت له والمـُرَاد بالقلَّة النفي أو ظاهرها، لأنَّ المشركين ربـَّما ذكروا الله وأثنوا عليه، وربما تصدَّقوا ونفعوا غيرهم شكراً، وذلك شكر قليل، ولا ينفعهم أَيضـًا لإشراكهم. و«قليلا» مفعول مطلق أي تشكرون شكراً قليلا، أو ظرف، أي تشكرون زمانا قليلا، و«ما»  صلة لتأكيد النفي أو القلَّة.

 

{قل هو الذي ذرأكم في الأرض}: نشَركم فيها بخلقه إيـَّاكم كثيرا، ولم يخلقكم غيره ولم ينشركم وحده ولا مع الله، بل الله وحده، كما هو معنى الحصر في الآيـَة؛ والآيـَة دلَّت عَلَى أنَّ الإِنسَان هو هذا الجسم من لحم ودم وعظم وشعر وغير ذلك مع ما فيه من قوى الأعظاء([365]) من سمع وبصر وغيرهما كما هو مذهب المتكلِّمين، وَهُوَ الحقُّ لا الروح ولا الجوهر المـُجَرَّد عن التحيـُّز والكميـَّة كما زعمت الفلاسفة وطائفة من أهل التوحيد، والمـُرَاد أنـَّه ذرأكم في الأَرض ليبلوكم أيـُّكم أحسن عملا، ويجازيكم عَلَى أعمالكم، كما قال:

 

{وإليه تحشرون(24)} بالبعث للثواب والعقاب، فالمـُرَاد بالخلق التكليف والجزاء، وذكر في ضلال([366]) ذلك أدلَّة القدرة عَلَى البعث ومواجب [كذا] من النعم، وقدَّم «إليه» للحصر، أي إليه لا إِلىَ غيره، ولا إليه مع غيره فاستعملوا أفئدتكم وجوارحكم في ذلك.

 

{ويقولون: متى هذا الوعد} قيل: وعد الحشر المصرَّح به في قوله عزَّ وعلا: {وإليه تحشرون} والوعد بمعنى الموعود به، أو يقدَّر مضاف، أي متى تصديق هذا الوعد، أو متى تأويله، ولفظ «هذا» للتحقير والوعد في الخير والشرِّ والوعيد في الشرِّ؛ يقولون ذلك عنادًا وعتوًّا وإهمالا للنظر في الأدلَّة، فـ«متى» [498] للاستفهام الإنكاريِّ؛ وقيل: الوعد العذاب الموعود به المضمون في «تحشرون»، وبهذا أقول لقوله: {فلمـَّا رأوه زلفة} لأنَّ العذاب هو الذي يرى زلفة، لأنَّ يوم القيامة والحشر لا يريان زلفة؛ وقال مجاهد: «يوم بدر»، وَهُوَ بعيد، وقيل: يوم القيامة بأن يموتوا كلُّهم، وإن ظهرت لهم أمارة صحَّة البعث والجزاء طرحوها وعاندوا وأوهموا من لا بصيرة له أنَّ ما يوعد ولا يتعجَّل به لا أصل له، ويقولون ذلك أَيضـًا سخرية، وذلك أنـَّهم قد يفهمون من الأدلَّة لتحقُّق الإِنسَان بعد إذ لم يكن، وقد يسمعون من أهل الكتاب فهم ما بين مكذِّب وشاكٍّ وعالم منكر، والمضارع للتجدُّد الاستمراريِّ إذ كانوا يقولون ذلك ولا يتركونه، أو «يقولون» بمعنى قالوا، والأوَّل أولى؛ وقيل: أخبر الله أنـَّهم سيقولون ذلك قبل أن قالوه.

 

 {إن كنتم صادقين(25)} خطاب للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين من حيث كانوا، قائلين بقوله، وداعين إليه وتالين للآيات مثله، وموعدين للكفرة كمثله، كلُّ ذلك تبع له صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، والجواب محذوف دَلَّ عليه «متى هذا الوعد»، أي إن كنتم صادقين فبيـِّنوا وقته.

 

{قل إِنـَّمَا العلم عند الله} إِنـَّمَا علم ما غاب عند الله ذلك الموعود به وغيره، والمـُرَاد هنا أوَّلاً وبالذات الوعد وغيره ثانيا؛ ولعلَّ المـُرَاد هنا خصوص ذلك الموعود به إذ الكلام فيه كقوله عزَّ وعلا: {قل إِنـَّمَا علمها عند ربـِّي}.

 

{وإنـَّما أنا نذير مبين(26)} أمري مقصور عَلَى الإنذار البيـِّن لا أتجاوزه إِلىَ علم الغيب، ولا أعلم إِلاَّ ما علَّمني ربـِّي، فإنـَّما أنذركم يوم القيامة والبعث والحساب والجزاء، وأمـَّا العلم بوقت ذلك عَلَى التعيين فليس من وظائفي، ووظائف [كذا] الإنذار، وليس الإنذار متوقِّفا عَلَى العلم به بعينه.

 

 {فلمـَّا رأوه زلفة...} عطف عَلَى محذوف، أي كأنـَّه حضر لهم فرأوه، فلـمَّا رأوه زلفة...إلخ. والهاء للوعد بمعنى العذاب الموعود به، لأنَّ العذاب هو الذي يرى زلفة لا يوم القيامة والبعث، فهذا مرجِّح لكون الوعد بمعنى الموعود به من يوم القيامة [499] أو البعث، وتعود إليه الهاء عَلَى الاستخدام بمعنى العذاب، أو تعود للعذاب للعلم به من المقام بلا استخدام. والزلفة: القرب؛ ولـمَّا رأوه شديد القرب حتَّى كأنـَّه نفس القرب، فقوله: {زلفة} مبالغة، أو يقدَّر مضاف، أي ذا زلفة، أو شديد الزلفة، أو بمعنى الوصف، أي فلـمَّا رأوه زالفا؛ وتفسير الحسَن زلفة بمعاينةٍ تفسيرٌ باللازم فإنَّ من شأن القريب المعاينة، ويجوز أن يكون ظرف مكان من المصادر الواردة كضروف([367]) مكان، كجلست قرب زيد، أي فلـمَّا رأوه  في مكان قرب([368]). والرؤية بصريـَّة لها مفعول به واحد. و«زلفة» حال من الهاء.

 

 {سيئت وجوه الذين كفروا} جواب «لـمَّا» والذين كفروا هم هؤلاء المضمر لهم في قوله عزَّ وعلا: {فلمـَّا رأوه}، ولكن أظهر ليصفهم بالكفر في مقام العقاب ليشعر أنَّ علَّة العذاب. والمساءة هو كفرهم وساء هذا متعدٍّ متصرِّف، يقال: ساءه الأمر، أي ضرَّه، فوجوههم مضرورة لمضرَّة قلوبهم وذلك أنـَّه أوقعت عَلَى وجوههم الكآبة والقترة والسواد كما قال ابن عـبَّاس؛ أو أوقع عليها القبح كما قال الزجَّاج، لكن القبح إِنـَّمَا كان بما يعلوها من الكآبة والقترة والكلوح.

 

 {وقيل}: قال بعض الكفرة لبعض، أو قال الزبانية، {هذا الذي كنتم به تدَّعون(27)} تطلبونه بالمجيء، يقولون متى هذا الوعد؟ تستعجلونه في الدنيا إنكارا له واستهزاء، وَهُوَ تفتعلون، من الدعاء بالشيء، بمعنى طلب حظوره([369]) كقوله تعالى: {ولهم ما يدَّعون}؛ وقيل: تفتعلون، من الدعوى، والباء بمعنى في، أي تدَّعون فيه أنـَّه لا يكون؛ أو عَلَى أصلها، أي تدَّعون بسببه ما لا يجوز من الكفر والفسوق، أو تدَّعون بسببه نفي البعث؛ نفوا البعث خوف العذاب، والأصل عَلَى كلِّ حال «تدتَعون» قلبت التاء بعد الدال دالا، وأدغمت فيها الدال؛ «تدْعون» بالإسكان، و«تدَّعون» بالتشديد واحد؛ وقد قرئ: «تدْعون» بالإسكان، ومن ذلك تذكُرون وتذَّكَّرون، وتدخرون وتدَّخرون؛ والإسكان قراءة يعقوب. ويبعد ما قال بعضهم: إنَّ هذا استفهام حذفت همزته أي: أهذا الذي كنتم به تدَّعون، أي كنتم تنكرونه؛ وقد وقع.

 

{قل أرأيتم} أخبروني، ومِن لازم العلم بالشيء الإخبار به [500] {إن أهلكني الله ومن معي} من المؤمنين، أماتنا، وذكره بلفظ الإهلاك الدالِّ عَلَى المضرَّة والطعن، لأنـَّهم كانوا يحبـُّون له المضارَّ والغوائل وللمؤمنين، ويتمنـَّون ذلك، كما قال الله جلَّ وعلا: {أم يقولون شاعر نتربـَّص به ريب المنون}، {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا}.

 

{أو رحِمَنا} بتأخير الموت؛ والجواب محذوف، أي لم يكن موتنا دافعا للعذاب عنكم، ولا نافعا لكم، ونابت عنه علـَّته، وقوله: {فمن يجير الكافرين من عذاب أليم(28)} إذ المعنى لأنـَّه لا يجير الكافرين أحدٌ من عذاب أليم، وقيل: تقدير الجواب: فنحن في جوار رحمته متربـِّصون لإحدى الحسنيين، ومقتضى الظاهر: فمن يجيركم؟، لكن ذكرهم باسم الكفر تقبيحا لهم وإشعارًا بعلَّة إنجائهم من عذاب أليم، فإنَّ «مَن» للاستفهام الإنكاريِّ. والإجارة المنع، أي فلا أحد يجيركم من عذاب أليم، ونكَّر العذاب للتعظيم، والمـُرَاد أنَّ الواقع عليهم عذاب أليم، ولا أحد يجيرهم عنه ولو كان عذاب دونه لم يجرهم منه أحد أَيضـًا، لا آوثانهم ولا غيرها، فلو كانوا يعرفون مصالح أنفسهم لآمنوا واتـَّقوا يجيرهم الله.

 

 {قل هو الرحمن آمنـَّا به وعليه توكَّلنا}: أي الذي أدعوكم إِلىَ عبادته الذي منه النعم كلُّها صدَّقنا بهنَّ ولم نشرك بِهِ شيـئًا، لِعلمِنا أنَّ ما سواه مخلوق له عاجز منعَم به أو منعَم عليه أو معاقب، بل نعم الدنيا تعمُّ الكافر والمؤمن، فما سواه نعمة أو منعَم به، وما لا نفع به البـتـَّة في بادي الرأي ففيه أعظم النعم وَهُوَ الدلالة عَلَى الله جلَّ وعلا، وتوكَّلنا عليه لا على غيره، إذ لا ضارَّ ولا نافع إِلاَّ هو، فقدَّم «عليه» للحصر والاهتمام، اهتمام الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ولم يقل: به آمنـَّا بالتقديم للحصر لأنـَّه أفاد الحصر بلا تقديم، لأنَّ المعنى: آمنـَّا به، آمنـَّا بوحدانيـَّته فلم نشرك به شيـئًا، وهذا نفس الحصر فلم نؤمن إِلاَّ به، ولم نتوكَّل إِلاَّ عليه، فهو يجيب لنا لا لكم، بخلافكم إذ توكَّلتم عَلَى أوثانكم وأموالكم ورجالكم.

 

 {فستعلمون}: بلفت الكلام إِلىَ الخطاب من غيبة لفظ «الكافرين». وقرئ: «فسيعلمون» بالتحتيـَّة عَلَى وفق لفظ «الكافرين» والسين وعيد لا لمجرَّد التنفيس. [501] {من هو في ضلال مبين(29)} أنحن أم أنتم.

 

{قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} أي غائر في الأَرض أسفل أو جانبا، أو حيث شاء الله فتفقدونه البـتـَّة، أو كان بحيث لا تناله الدلاء بأن يكون قليلا جدًّا حتَّى لا تغرف الدلو منه، والواضح الأوَّل، لأنَّ الغور الذهاب في الأَرض؛ والغور السفل، وَهُوَ مصدر بمعنى الوصف كما رأيت؛ أو ذا غور؛ أو نفس الغور مبالغة.

 

 {فمن([370]) يأتيكم بماء معين(30)}: الاستفهام نفي، أي لا آتي لكم بماء معين، أي ظاهر عَلَى وجه الأَرض جارٍ سهل المأخذ، وأصله مِن «عانه، يعينه» أي رآه بعينه، والجاري عَلَى وجه الأَرض تراه العيون بخلاف ما في أسفل البئر فلا يرى إِلاَّ بالنظر في البئر؛ فالميم زائدة، واللفظ اسم مفعول، والأصل: «معيون» كـ«مبيع» أصله «مبيوع»، وقيل: معين جار، والميم أصل، والزائد هو الياء من الإمعان في الجري، فهو بمعنى الجاري من العيون. والله أعلم. ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، لا ملجأ من الله إلاَّ إليه.

----------------

تَمَّ الجزء المتمُّ  ثلاثين من داعي العمل . أهداه مؤلِّفه إِلىَ الشيخ العالم الثقة العُماني: راشد بن عزيز. لكنـَّه من غير خطِّه، ولم يقابل بخطِّه، وإن أراد طبعه فليردَّه إليَّ  وأرسل إليه ما بخطِّي، وذلك لأنـَّه لم يوجد عنده إِلاَّ خطُّ يده، وخطٍّ  نسخ  منه  بلا مقابلة لخطِّه، وذلك لقلَّة مال ينسخ به وقلَّة النسخ، فلم يرد خلوَّ يده من نسخة.


 


[306]

- كذا في الأصل، والصواب: «وتعالى».

[307]

- كذا في الأصل، والصواب: «الترمذي».

[308]

- يمكن أن نقرأ: «بالصلة».

[309]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولا يجد أحد ريحه...».

[310]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «درِّيـًّا». بالدال المهملة.

[311]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الخـُضرة». بل الزرقة.

[312]

- في الأصل: «فـفُـتِـقـتا». وَهُوَ خطأ.

[313]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فإنَّ».

[314]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تعهُّدًا».

[315]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حكمة».

[316]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كثيرًا».

[317]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رُدَّ».

[318]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وخَـسَـأَ».

[319]

- في الأصل: «وقال احسوا». وفيه ثلاثة تحريفات!!.

[320]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «طالبَ فطورٍ»، أو «طالبًا فطورًا».

[321]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «“أحلف الله” بل “أحلف بالله”»، أو: «“أحلفوا الله” بل “أحلفوا بالله”». أي بصيغة الجمع معًا، أو بصيغة المفرد معًا.

[322]

- كذا في الأصل، والصواب: «درِّيٌّ». بدال مهملة.

[323]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بطيئة».

[324]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الضوء».

[325]

- كذا في الأصل، والصواب: «نورانيـَّة».

[326]

- كذا في الأصل، والصواب: «تُـضَـمُّ».

[327]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فـنستريح».

[328]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كيف عبـَّرعن بعض...».

[329]

- كذا في الأصل، والصواب: «الضمير».

[330]

- يبدو أنَّ في العبارة سقطًا.ش

[331]

- كذا في الأصل، والصواب: «تبلغ».

[332]

- في الأصل: «ما أنزل». وهو خطأ.

[333]

- في الأصل: «مبين». وَهُوَ خطأ .

[334]

- كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.

[335]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بُعدًا».

[336]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بينهم».

[337]

- كذا في الأصل، والصواب: «الغافل».

[338]

- كذا في الأصل، والصواب: «حذفًا».

[339]

- كذا في الأصل، والصواب: «اللطيف».

[340]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يمكن».

[341]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لنتوء».

[342]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلنتوئها».

[343]

- كذا في الأصل، والصواب: «عائذ».

[344]

- كذا في الأصل، والصواب: «واحدة».

[345]

- كذا في الأصل، والصواب: «الحدوث». بالثاء المثلثة.

[346]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يأمر جبريل أن يخسف». أو: «يأمر جبريل بخسف».

[347]

- في الأصل: «نذري»، وَهُوَ خطأ.

[348]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لمـتابعة».

[349]

- في الأصل: «وعدكم». وَهُوَ خطأ.

[350]

- في الأصل: «كيف نكيري». وَهُوَ خطأ.

[351]

- كذا في الأصل، والصواب: «تفظيع».

[352]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «علاماته».

[353]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يرتدعوا».

[354]

- من إضافتنا ليستقيم المعنى.

[355]

- في الأصل: «وألم». وَهُوَ تحريف.

[356]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اختار».

[357]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حذق».

[358]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فنفَى الانتفاع بالجند».

[359]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تقدِر».

[360]

- كذا في الأصل، والصواب: «الضمير».

[361]

- كذا في الأصل، والصواب: «يتأثـَّروا».

[362]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الشرود».

[363]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سويـًّا».

[364]

- في الأصل: «الأفدة». وَهُوَ خطأ.

[365]

- كذا في الأصل، والصواب: «الأعضاء».

[366]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خلال».

[367]

- كذا في الأصل، والصواب: «كظروف».

[368]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «قريب».

[369]

- كذا في الأصل، والصواب: «حضوره».

[370]

- في الأصل: «فما يأتيكم». وَهُوَ تحريف!.