إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الحاقَّة
طباعـة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحاقَّة(1)} أي الساعة الحاقَّة، أي الواجبة الوقوع الثابتة التي لا بدَّ من مجيئها، يقال: حقَّ الشيء ووجب بمعنى ثبت والمراد القيامة أو الحالة الثابتة التي لا بدَّ منها أو الساعة [532] أو الحالة المضادة للباطل، فهي بمعنى الحقَّة مؤنث الحقِّ بل الحقَّة أخصُّ من الحقِّ وأوكد منه، ويوم القيامة وأحواله أمور محقَّقة صحيحة، والأمور الحاقَّة أي الثابتة ولا بدَّ من القيامة، وما يكون بعدها من ثواب وعقاب وسؤال وحشر وغير ذلك أو النازلة أو المخاصمة لكلِّ مبطل فهو اسم فاعل لبذِّ المفاخر، يقال: حاققته فحققته فأنا حاقٌّ له، وإسناد الحقيَّة في ذلك كله  حقيقة، ويجوز أن يكون مجازا عقليا من الإسناد إلى الزمان، أي الساعة التي تحقُّ فيها الأمور أي تثبت فيها حقيقة، أو الساعة التي يحقُّ فيها جزاء المحسن والمسيء، أو يخرج عن حدَّ الانتظار إلى الوقوع، أو يحق فيها تمايز الأعمال، وعلى كلّ وجه لا يخرج اللَّفظ عن يوم القيامة، والموصوف محذوف كما رأيت إيذانا بأنـَّه معروف بهذه الصفة حتَّى كأنـَّها علم له.

 

 {ما الحاقَّة(2)} «ما» مبتدأ والحاقَّة خبر وبالعكس وهو الراجح بدليل الإخبار عن الحاقَّة الأوَّل ولأنَّ المقام لبيان أنَّ الحاقَّة شيء عظيم حقيق أن يخبر عنه ما هو، والجملة خبر «الحاقَّة» ومقتضى الظاهر الحاقَّة ما هي أي ما حالها وما صفتها أي ما قد يطلب بها الحال والصفة كما بيَّنته في (تخليص العاني من ربقة جهل المثاني) على ما رجَّحت، ولكن وضع الظاهر موضع المظهر تأكيدا لهولها.

 

{وما أدراك ما الحاقَّة(3)} لا أزال([1]) الحقّ، أدرك بالهمزة أوَّلاً بالأفعال المتعديَّة لثلاثة كـ"اعلم"، وجملة «ما الحاقَّة» من المبتدأ والخبر سدَّت مسدَّ المفعول الثاني والثالث، وعلَّقه الاستفهام، أي ما أعلمك ما هي في الحال والصفة، فإنـَّها أمر لا تكاد دراية أحد تبلغه، وكل ما كيَّفه ووصفه فهو أعظم، ومقتضى الظاهر «وما أدراك ما هي» فأكد هنا بـ: «ما أدراك» وبوضع الظاهر موضع المضمر وإنـَّما لم أقل في قوله: {ما الحاقَّة} إنـَّه على تقدير الباء لأنَّ  حروف الجر لا يعلَّق عنها، فتسقط لأنـَّها لا تدخل على الجمل، وأيضا درى يتعدى لاثنين بلا همز فكيف يتعدى معها لو أحد، وأمـَّا قوله تعالى: {ولا أدراكم به} فالباء للالصاق، ومع ذلك هي مع الاسم فهوكقولك: عرفت بكذا أو علمت بكذا تنزيلا منزلة اللاَّزم أي اتصال عرفاني [533] أو علمي بكذا، «فلا أدراكم به» تعدَّى لواحد، أي لا أنهاكم إِلاَّ المعرفة به، وجملة {ما أدراك ما الحاقَّة} معطوفة على «ما الحاقَّة».

 

{كذبت ثمود وعاد بالقارعة(4)} أي بالحاقَّة التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض والجبال بالدكِّ والنسف، والنجوم  بالطمس والانكدار،  ومقتضى الظاهر كذَّبت ثمود وعاد بها أي بالحاقَّة ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفها بالقرع زيادة في تهويل أمرها، وكذا ذكر من كذب بها وما حلَّ بهم بسبب التكذيب بها، زيادة في تهويل أمرها وتخويفا لأهل مكَّة من عاقبة التكذيب بها، والجملة مستأنفة لبيان شأن من شؤونها بعد تهويلها بقوله: {ما الحاقَّة} وبقوله: {وما أدراك ما الحاقَّة} كأنـَّه قيل: ما أدراك ما الحاقَّة أهلك ثمود بالطاغية وعاد بريح لتكذيبهم بها كقوله تعالى: {وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر}، وبين التهويل بالذات والشأن في قوله: {وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة}إلخ. وقوله: {وما أدراك ما هي نار حامية}.

 

{فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية(5)} أي بالأمر الشديد جدًّا المجاوز للحدِّ الذي اعتيد، وهو إمـَّا مؤنث فالتاء للتأنيث، وإمـَّا مفرد مذكَّر فالتاء للمبالغة والتأنيث اللَّفظي؛ كرجل راوية ونسَّابة وعلاَّمة؛ فالمراد الصيحة المجاوزة في الشدَّة للصيحات، {إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر} أو الرجفة المجاوزة لحدِّ الرجفات، {فأخذتهم الرجفة}، وإنـَّما حصلت بتلك الصيحة أو الصاعقة المقارنة لتلك الصيحة، {فأخذتهم صاعقة العذاب}، والباء في ذلك كلِّه للتعليل، وقيل: الطاغية  مصدر بوزن اسم الفاعل فأهلكوا بطغيانهم أي بسببه، أي كفروا بالله وكذَّبوا رسله، وهذا روي([2]) ابن عـبَّاس ولعلَّه لم يصحَّ عنه لأنَّ الأصل في وزن فاعل ألاَّ يكون مصدرا وفيه أيضًا أنـَّه ذكر في قوله: {وأما عاد} إلخ نفس ما عذبوا به وهو الريح، فالذي هو أنسب به أن يذكر هنا ما عذبوا وهو الصيحة، أو ما مرَّ، إِلاَّ أن هذا غير لازم ولا سيما قد ذكر في غير هذه السورة ما عذبوا به فتكون الآية ذاكرة لسبب تعذيبهم بذلك، وقد ذكر هذا السبب أيضًا [234] في غير هذه وفيه أنـَّه لو كان كذلك لقيل للطاغية، ولكن يسهل كون الباء للتعليل أو للسببيَّة كما هي لذلك في قول من قال:  الطاغية الفرقة الطاغية من ثمود المنتدبة في عقر الناقة؛ أي أهلكوا بشؤم الفرقة الطاغية إذ طاوعوهم ورضوا وكذا إن قيل: الطاغية أشقى ثمود الذي تولىَّ عقرها، أي المبالغة في الطغيان، كرجل راوية أي كثير الرواية ورجل داهية.

 

{وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} شديدة الصر وهو الصوت أو البرد، والوزن للمبالغة، فهي ريح شديدة الصوت أو شديد البرد جدًّا، صرًّا أصابت حرث قوم، ويقال: صرير الباب أو القلم أي صوته، وهذا وزن مستقل بوزن فعلل كجفر عند البصريين، وأصله صرَّر بتشديد الراء الأوَّل، أبدلت الثانية من المشدَّدة من جنس الحرف الأوَّل وهو الصاد عند الكوفيين.

 

{عاتية(6)} شبيهة في شدَّتها بالشيء العاتي أي المفسد أو الطاغي، قال الكلبي: «عتت على خزنتها فلم يحفظوا كم خرج منها ولم تخرج قبل ذلك ولا بعدها إِلاَّ بقدر معلوم. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «طغى الماء على خزانته يوم نوح، وعتت الريح على خزانها  يوم عاد، فلم يكن لهم عليها سبيل» وأنت خبير بأنـَّه لا طغيان ولا فساد وإنـَّما خرجت كذلك بأمر الله لها أو عاتية على عاد أي غالبة لهم قاهرة لا يقدرون عليها باحتيال، من استتار ببيت أو جبل أو دخول في بئر، فإنـَّها تنزع وتجبد  من استتر في ذلك،  ويجوز أن يكون «عاتية» بمعنى بالغة عتيَّها أي منتهى شدَّتها، كقوله: {قد بلغت من الكبر عتيا}، ومن ذلك أنَّ الشيء بلغ أناه أي غايته وآنية  بالغة إناها، وآن بالغ  غاية الحرارة.

 

{سخرها} أرسلها ذليلة له منقادة وسلطها {عليهم} بقدرته القاهرة، فذلك بإرادة من الله وقضاء وقدر وخلق، لا كما تزعم الملحدة أن الرياح اشتدَّت لاتصال فلكي ونجمي لا من الله، وهذا كفر وشرك، وأمـَّا أن يقال ذلك باتصال لكن بخلق الله ذلك الاتـِّصال والتأثير، وكل واقع فلا إشراك ولا كفر، ولكن أي داع إلى ذلك، فإنَّ الله قادر أن يخلق ما شاء لا من شيء ولا بشيء ولو كان كما قال أهل الإلحاد من أهل هذه [535] الريح وطوفان نوح ونحوهما لاتصالات فلكية لا بخلقه ذلك، لم يخوف الله بها عباده ويحذرهم، والله جلَّ جلاله يحذر عباده ويخوفهم بها فظهر أنـَّها من فعله وخلقه لها وإرساله {سبع ليال} جمع ليلة بالتاء بدليل ترك التاء في سبع، {وثمانية أيام} أولها صبيحة الإربعاء من آخر الشهر، وآخرها إربعاء، وأسماء هذه الأيـَّام بالعربية في ذلك القوم: الصفُّ والصنبر والوبر والأمر والموقع والمعلل ومطفي الجمر وقيل: مكفئ الضعف وهن السماء أو آخر الشتاء.

 

 {حسوما} جمع حاسم كشاهد وشهود، وقاعد وقعود نعت لسبع وثمانية أو حال منهما لإضافتهما فإنَّ تلك اللَّيالي والأيـَّام كلُّهنَّ حواسم، إِلاَّ أنا نقول جمع حاسم لا حاسمة تغليبا، ومعنى حسوما متتابعات أي تتابعت هذه اللَّيالي والأيـَّام عليهم بالريح الصرصر بلا فتور ولا انقطاع، يقال: حسمت الدابة، أي تابعت بين كيِّها في دائها حتَّى ينحسم، أو معناه قاطعات لأنـَّهنَّ يقطعن الخير عنهم والحياة، فقطعن دابرهم، الحسم والقطع بالاستئصال وسمِّي السيف حساما لأنـَّه يقطع الجسم ولأنـَّه يقطع العدو عن مراده، ويجوز أن يكون مصدرا كالشُكور (بضمِّ الشين) والكُفور (بضمِّ الكاف)،  وقعد قعودا وشهد العتمة والفجر شهودا، وهو نعت أو حال مبالغة أو يقدَّر مضاف أي ذوات حسوم أو يؤول بالوصف، وهذان لا حاجة إليهما لإمكان فعله وصفا، أو هو مفعول مطلق لحال أو نعت أي حاسمات حسوم، وهذا يغني عنهما جعله جمع حاسم أو مفعول لأجله.

 

 وقرأ السدي (بفتح الحاء) فيكون وصفا مفردا حالا من ضمير النصب في سخَّرها صفة مبالغة على وزن فعول (بفتح الفاء) ولذلك لم تلحقه التاء كهند صبور وغضوب، وسميت تلك اللَّيالي والأيـَّام أيـَّام العجوز لأنَّ عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها، وفي آخر اليوم الثامن قيل: هلكوا جميعا وقبله كانوا صرعى أحياء معذَّبين بالريح، وقيل: ماتوا في تلك الأيَّام متتابعين، وقيل: سمِّيت لأنـَّها أيـَّام العجز، وهي آخر الشتاء.

 

 {فترى القوم فيها صرعى} في تلك اللَّيالي والأيَّام [536] وهذا ظاهر في أنـَّه ماتوا في تلك الأيـَّام ما خفي خصوص آخر الثامن، كما قال ابن جريح: «إنـَّهم كانوا سبع ليال وثمانية أيـَّام أحياء في عقاب الله من الريح فلـمَّا أمسوا اليوم الثامن ماتوا فاجتملتهم الريح فألقتهم في البحر»، وقيل: الضمير للريح على حذف مضاف أي في مهابها؛ «وترى» بمعنى تعلم والخطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو لمن يصلح له عموما، وإن كان بمعنى النظر بالعين، فالمراد فترى يومئذ، والمراد بالمضارع الحال حقيقة إذا فسَّرنا صرعى بموتى كما فسَّره مقاتل، لأنـَّه قد علم موتهم، وعلم أنـَّهم نخل منقعر خاو علما مستمرا إِلاَّ إن كانت  هذه السورة أو الآية متقدمة النزول، وإن فسَّرنا ترى بالنظر فالمضاع للحال تنزيلا للغائب الماضي منزلة الحاضر المشاهد، وقال ابن جريج: «صرعى ممدودين أو ملقين على الأرض وإنـَّما ماتوا مساء اليوم الثامن والمفرد صريع بمعنى ممدود أو ملقى».

 

 {كأنهم أعجاز نخل} أي كأنَّ أعجازهم أعجاز نخل منقعر فهذا بيان لعظم أعجازهم المستلزم لعظم سائر أجسامهم، ويجوز أن يكون المراد أنـَّهم في طولهم كأعجاز النخل، فهم طوال غلاظ وأن يكون المراد أن كلّ واحد قطع قطعا كلّ قطعة كعجز نخلة في الغلظ، وهذا تمثيل مناسبة، وإلاَّ فإنَّ غلظهم أعظم فيما يروى إذ عرض الواحد عشرة أذرع وعشرون وأقل وأكثر على ما قيل والعلم عند الله، فهذا كما قال: {مثل نوره كمشكاة} إلخ.

 

{خاوية(7)} متآكلة خالية الجوف فإنَّ ذلك يوجد في النخلة الفاسدة ولو حيَّة، وذلك  بموت وسطها أو بالوطواط أو لطول الزمان عليها بعد صرعها، شبَّههم الله بالنخل البالية أو الخاوية ولو بلا قدم وقيَّدها بالخواء لأنَّ لهم أجوافا تدخل الريح أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف. والنخل يؤنَّث كما هنا، وفي قوله: «نخل» بإسقاط لها ضلع ويذكر كما في قوله: {نخل منقعر} وقرئ كأنـَّهم أعجاز نخيل، وجملة {كأنـَّهم} إلخ مفعول ثان بعد مفعول ثان «لترى» بمعنى تعلم، أو حال بعد حال والمفعول الثاني أو الحال الأولى هو صرعى أو حال من الضمير في «صرعى».

 

{فهل ترى لهم من باقية(8)} أي من بقاء فهو مصدر بوزن اسم الفاعل أو من نفس باقية، والمراد لم يبق من نسلهم أحد، وقال ابن جريح: «لا ترى من أجسامهم نفسا أو قطعة لأنَّ الريح ألقتهم في البحر بأمر الله عزَّ وجلَّ {فأصبحوا [537] لا ترى إِلاَّ مساكنهم}».

 

{وجاء فرعون ومن قبله} من الكفَّار كقوم نوح ونمرود وقومه، وأمـَّا ثمود وعاد فهم قبله لكن تقدم ذكرهم متصلا بهذا فليس اللفظ فيهم مع غيرهم بل في غيرهم كما رأيت إِلاَّ أنـَّه من الجائز في التوكيد إعادة الشيء فهم بعد ذكره فنقول: أُعيدوا بعموم الذكر لهم مع غيرهم، وقرأ أبو عمر وعاصم والكسائي ومن قبله (بكسر القاف وفتح الباء) أي ومن في جهته فالمراد: وجاء فرعون وأتباعه وكذا قرأ ابن مسعود وأبي وأبو موسى ومن تلقائه وكذا قرأ أبَيٌّ ومن معه، والمعنى في هؤلاء القراءات كلّها واحد، أي وجاء فرعون وجنده، وعلى قراءة الجمهور وهي التي فسّرت عليه أو لا يقدَّر معطوف أي فرعون وقومه استغنى بذكره عن ذكرهم أو يراد به قومه كما ذكر ثمود وعاد، وأريد قومهما وفي هذا الوجه يبقى فرعون نفسه غير مذكور أُستغني عنه بذكر قومه وفيه إلغاء موجود واعتبار مفقود، ووجه إرادة قومه به أنَّ المقام مقام ذكر الأمم وفيه أنـَّه لو كان ذلك مراداً لقال ومن قبلهم بظمير الجماعة وقد يجاب برجوع الضمير إليه مراعاة للفظه كما يراد بلفظ «من» الجماعة ويفرد الضمير الراجع إليه أو الإشارة ونحوها.

 

 {والمؤتفكات} قرى قوم لوط أي وأهل الموتفكات، وهم قومه بتقدير مظاف أو سموا باسم محلهم، أو المراد الجماعات الموتفكات فإنـَّهم قلبوا كما قلبت قراهم إذ قلبوا فيها بقلبها وهو على كلّ حال مطاوع إفكهم أو إفكهنَّ أي قلبهم أو قلبهن، فهم مأفوكون وهن مأفوكات أي مقلوبون أو مقلوبات فإيتفكت أي انقلبن أو انقلبوا.

 

 {بالخاطئة(9)} أي بالخطأ فهو مصدر بوزن اسم الفاعل أو بالفعلة أو الأفعال الخاطئة الخارجة عن الصواب أو المنتسبة للخطأ كلابن لصاحب اللبن وذلك كتكذيب البعث والقيامة.

 

{فعصوا رسول ربهم} إضافة الرسول للجنس فالمراد الرسل أو المراد الفرد على أنَّ التقدير: عصى كلّ قوم رسول ربهم إليهم، وعلى الأوَّل فالمراد رسلهم أو رسل الله كلّهم لأنَّ من عصى واحدا فقد عصاهم كلّهم لأنـَّهم كلّهم مؤمنون بما أنزل إليهم وبما أنزل إلى غيرهم وموجبون [538] على كلّ قوم أن يومنوا برسولهم والعصيان يتصوَّر بترك ما فرض أو بفعل ما حرَّم وقد قيل: لفظ الرسول مصدر في الأصل فيصلح للجماعة، والحمل على هذا ضعيف. وقوله: {أنا رسول ربِّك} فأوِّل بأنَّ الله أرسلهما معًا فلو أرسل ألفا بمرة واحدة وكلام واحد كانوا كلّهم رسولا واحدا ولا يصحُّ الرد للضمير إلى فرعون أو إلى الموتفكات كما قيل، أو إليهما فقط كما قيل، لأنـَّه قال: {ومن قبله}.

 

 {فأخذهم أخذة رابية(10)} أهلكناهم إهلاكة زائدة على غيرها في الشدَّة لزيادة قبائحه، فإنَّ من واجه الرسول بالردِّ والعناد والتحزُّب عليه أشدّ كفرا مِمـَّن كفر دون ذلك أو في غير زمان رسوله، وأيضا كلّ عذاب إهلاك أشد من غيره من عذاب الدينا، فلا يلزم صرفه إلى عذاب فرعون ولو العذاب الآخرة كما قيل بصرفه إليه لاتصاله بعذاب الآخرة، وكذا قيل في قوم لوط.

 

{إنا لما طغى الماء} على خزانه بأمر الله  حتـَّى أنـَّهم لا يدرون كم خرج، وقيل ذلك، وبعده لا ينزل إِلاَّ بكيل معلوم ومن طغيانه ذلك طغى على كلِّ موضع فعلاه وأغرقه: الجبال والأبنية العالية كالأهرام وغير ذلك لمبالغة قوم نوح في الكفر بأنواعه ومنها إنكار القيامة وأحوالها {حملناكم} في أصلاب آبائكم الثلاثة سام وحام ويافث ولم يلد نوح غيرهم بعد، ولا من معه من الآدميين في السفينة أو حملنا آباءكم المتناسلة إليكم، {في الجارية(11)} السفينة وسميت لأنـَّها تجري في الماء، {وهي تجري بهم في موج} وهي سفينة نوح عليه السلام والجارية من أسماء السفينة تارة تبقى على الوصفية كقوله تعالى: {الجواري في البحر}، وتارة تتغلب عليها الاسمـيَّة تقول: اكتريت جارية تريد ذلك الجسم المعروف ولا تستحضر في قلبك حين النطق أنـَّك اكتريت البنية التي تجري، والآية تحتمل الأوَّل والثاني باعتبار المخاطبين، والله عزَّ وجلَّ لا يوصف بالاستحضار في القلب ولا بالقلب ولا بكلِّ صفة من صفات الخلق، والمراد بحملهم في الجارية رفعكم فيها صونا لكم عن الإغراق في الماء وهذا على كلّ حال صحيح متبادر سواء أقلنا إنـَّها جوف الماء كلِّه أو إنـَّها مطبقة الأعلى في وسط الماء وهي فوقها وتحتها و«في الجارية» متعلِّق [539] بحملناكم وذلك كله واضح لا خفاء فيه فلا يلزم أن يقال حملناكم بمعنى حفظناكم مجازا لأنَّ الحمل فيها سببه وهذا الوجه أولى مِمَّا بعد ولا أن يقال المراد حملناكم حافظين لكم في الجارية، ولا أن يقال حملناكم وحفظناكم في الجارية أو حفظناكم حال كونكم في الجارية لأنَّ الأصل عدم الحذف وعدم التجوُّز ولا سيما أنـَّا إذا علقنا «في» بمحذوف احتجنا إلى تقدير في الجارية لحملنا .

 

وإذا ظهر أن معنى الحمل في الجارية الصون عن الغرق كفى في بيان مدار نجاتهم محض عصمته تعالى لا مجرَّد السفينة، ولو كان سببا صوريا، وإنـَّما قلت إنـَّه صوري لأنـَّها بصورة السبب لأنَّ نجاتهم قدر الله عليها بدون السفينة، بأن يجعل الماء لا يضرُّهم كما لا يضرُّ حيوان الماء، وبأن يرتفع الماء عنهم، جوانبهم كالحيطان متَّسعا عنهم أو بما شاء، بخلاف الخلق فإنـَّه ولو كان له أسباب في فعله فكلُّ سبب إن تسبب لو اختلَّ عنه لفسد عنه فيرجع للآخر.  

 

{لنجعلها لكم تذكرة} دلالة على قدرة الله وحكمته وقوَّة قهره وسعة رحمته، وضمير النصب في نجعلها للحملة الصائنة عن الغرق المعلومة في قوله: {حملناكم} أو الفعلة المنجية للمؤمنين المغرقة للكافرين والواقعة العامة لذلك، و كلّ ذلك معلوم من قوله: {لـمَّا طغى الماء حملناكم في الجارية} وذلك واضح وعليه الزجاج وقال الفرَّاء الضمير للجارية بمعنى كلَّما رأيتم سفينة تذكَّرتم سفينة نوح المنجية من آمن فقط، أو كلَّما سمعتم ذكر سفينة نوح أو خطرت ببالكم تذَّكرتم أنَّ النجاة للمؤمنين فقط لكن لا يناسب قول: الفرَّاء قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية(12)} فإنَّ الأذن لا يحتاج الكلام إلى أن يقال تعي السفينة، ولو صحَّ أن يقال: تعي معنى كلّ لفظ سمعته لأنَّ المراد بالوعي التأثر بخاصيَّة السفينة المذكورة، وخاصيتها التنجية المذكورة وهي الحملة الصائنة وهي نفس الواقعة، إِلاَّ أنـَّه قول لا بأس به وما فيه إِلاَّ تقدير مضاف معلوم أي تعي شأنها أي شأن الجارية، وهي الجملة الصائنة للمؤمنين، وتقدير المضاف كثير شائع ولا سيما مع وضوح إرادة حاصلة هنا [540] فتقدير مقابلة لرد الضمير إلى غير مذكور بل هو أشيع، ويزيد بأنَّ فيه حملا على الظاهر وهو ردَّ الضمير إلى مذكور، وتعي الثلاثي ومصدره الوعي وما يشتق منه كلهنَّ للحفظ في النفس نحو وعيت الوعظ والعلم وما قلت، وأمـَّا الحفظ في الوعاء فيقال فيه أوعى بالهمزة أوَّلاً نحو: أوعى المال في بيت أو صندوق أي  حفظه فيه. قال الشاعر:

 

والشر أخبث ما أوعيت من زادِ

وقرأ ابن كثير بإسكان العين تنزيلا لحرف المضارعة منزلة الأصل لأنـَّه لا ينفصل عمـَّا بعده بوجه ما، فالتاء والعين والياء من تعيها بمنزلة كلمة ثلاثية مكسورة الوسط ككتف وشهد، والثلاثية المكسورة الوسط أو المضمومة الوسط يجوز إسكان وسطها تخفيفا نحو عضد وكرم، بل اعتبر الواو والفاء واللام الدواخل على هو وهي بمنزلة أصل فسكنت الهاء تخفيفا فكيف حرف المضارعة بل اعتبرها الضمير مع أنـَّها دون ذلك منزلة الأصل، فسكن الوسط لها قراءة بعض، ويتَّقه مع الإعراض عن حرف المضارعة والتاء المدغمة لأنـَّها والمدغم فيه كواحد، بل اعتبر الوزن من كلمتين في قراءة «إنـَّه من يتـَّقي ويصبر» فإن الله بإثبات ياء يتـَّقي في أحد الأوجه وما كان يرف فعلا سكن خروجا عن هذا الوزن، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «سألت الله أن يجعل أذنك يا علي هذه الأذن الواعية»، قال علي: فما نسيت شيئًا بعد وما كان لي أن أنسى.

 

 وإنـَّما قال: أذن واعية بالإفراد والتنكير ولم يقل آذان واعيات أو وعاة إيذانا بعظم شأن الوعي، وبقلــة الواعي في الناس، وللتوبيخ لهم على هذه القلَّة، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت عن الله فهي السواد الأعظم والجماعة المأمور بالانضمام إليها وما سواها لا يلتفت إليهم ولو ملأ الدنيا. قال محمَّد بن أسلم الطوسي: «عليكم باتباع السواد الأعظم، قال: هو الرجل العالم أو الرجلان المتمسِّكان بسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وطريقته وليس المراد به مطلق المسلمين فمن كان مع هذا الرجلين أو الرجل وتبعه فهو الجماعة ومن خالفه فقد خالف الجماعة»، ولا دلالة على أنَّ من هذا شأنه مع قلَّته بتسبب لنجاة الجمِّ الغفير [541] وإدامة نسلهم، وقرئ إذا (بضم الهمزة والذال).

 

{فإذا نفخ في الصور} عطف على {إنَّا لـمَّا طغى الماء حملناكم في الجارية} عطف قصَّة على أخرى والفاء للترتيب الذكري. {نفخة واحدة(13)} هي النفخة التي عندها خراب العالم وموت ذوات الأرواح كلِّها، ونفخة نائب الفاعل وذكر الفعل لأنَّ الفاعل ظاهر مجازي التأنيث ولأنـَّه مفعول، وقرئ بالنصب على أنـَّه مفعول مطلق وفي الصور نائب الفاعل.

 

{وحملت الأرض والجبال} رفعتا من أماكنهما بالريح من تحت الأرض أو من فوقها أو من داخلهما أو بملك أو بالصيحة أو بالزلزلة أو بما شاء الله أو بقدرته بلا سبب. {فدُكَّتا دكة واحدة(14)} ضربتا بعضهما ببعض أو بالزلزلة أو بالصيحة أو بما شاء الله بعد الرفع ضربة واحدة فتندقَّان فتكونان هباء منثورا  بعد أن تكونا كتيبا مهيبا، والدكُّ أبلغ من الدقِّ وقيل: بسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا من قولهم اندكَّ السنام إذا تفرَّش، وبعير أدكُّ وناقة دكَّاء لا سنام لها، ومنه الدكان على أنـَّه جعلان من الدكِّ، وقيل: فقال: من الدكن وهو التركيب أو وضع المتاع، والألف للاثنتين إحداهما الأرض والثانية جملة الجبال كما قال: {إن السموات والارض كانتا رتقا}، وإلاَّ قال دككن وكن.

 

 {فيومئذ وقعت الواقعة(15)} أي فيوم إذ نُفخ في الصور نفخة واحدة، {وحملت الأرض والجبال فدكَّتا دكَّة واحدة} وهو متعلِّق بوقعت كما تعلق إذا، وهو في نيَّة التأخير ومؤكَّدة لـ: «إذا» وما بعدها، ووقعت الواقعة جواب إذا، والواقعة القيامة، قيام الناس من قبورهم وذلك أنَّ وقت النفخ وما بعده وقت واحد يبعث الناس في بعضه ويعرضون في بعضه، كما قال: {يومئذ تعرضون} وتنشق السماء في بعضه، ويحاسبون في بعضه، ويدخلون الجـنَّة والنار في بعضه.

 

{وانشقت السماء}: لنزول الملائكة منها، أراد الله النزول من شقوقها كما كانوا ينزلون من أبوابها ولو أراد الله لنزلوا بلا شقٍّ ولا باب، لأنـَّهم لا يمنعهم ستر، ولعلها لم تنشق لنزولهم بل لعظم الأمر والهول؛ والمراد بالسماء السموات كلُّها، قال للجنس الاستغراقي [542] {فهي يومئذ واهية(16)} ضعيفة مسترخية كالعهن المنفوش للهول بعدها كانت شديدة محكمة، والفاء عاطفة لجملة إسمية على فعلية هي قوله: «انشقت السماء»، والترتيب ذكري أو هي للتعليل، أي لأنـَّها واهية، أو سبـبـيَّة أي هي واهية بسبب انشقاقها. 

 

{والملك} الملائكة قال: للجنس {على أرجائها} أي جوانبها وأطرافها، لـمَّا انشقَّت، وهي مسكنهم التجأوا إلى أطرافها حتَّى يأمرهم الله بالنزول من شقوقها، والأمر يجري على ما أراد الله وإلا فالملك قادر على السكنى في الهواء، ولعلَّ السكنى فيه ربـَّما صعب عليهم لأنـَّهم أجسام، والأرجاء جمع رجء القصر، وهو الجانب والطرف، وهذا الشقُّ بعد البعث، وقيل: قبل الموت يقفون لحظة على أرجائها ثمَّ يموتون، وأجاز بعض أن لا يموتوا وأن يدخلوا في قوله: {إلا من شاء الله} وفيه أنـَّه ليس في السماء إِلاَّ الملائكة، فإذا استثنوا فمن يموت في السموات.

 

{ويحمل عرش ربـِّك فوقهم} المراد بالعرش الجسم العظيم الموصوف بأنـَّه سقف الجـنَّة، والهاء في فوقهم عائد إلى الملك في قوله: {والملك على أرجائها} لأنَّ المراد به الملائكة كما سبق، أو عائد إلى الثمانية بعده وبه قال مقاتل، لأنَّ الثمانية منزلته التقديم أي يحمل عرش ربك ثمانية فوق رؤوسهم أو فوق أكتافهم، و فوق رؤوسهم أظهر، إِلاَّ أنَّ الحامل ولو على ظهره يصدق عليه أنـَّه حمل نفسه، ويأتي النص على أنَّ الحمل فوق رؤوسهم.

 

{يومئذ ثمانية(17)} ثمانية أملاك لأنَّ القدر الذي لا أقلَّ في لفظ الثمانية، فمن الدعى([3]) الزيادة بأنـَّهم ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو  ثمانية آلاف صف احتاج إلى دليل ولا دليل له، ولأنـَّه إذا حمله في الدنيا أعني قبل قيام الساعة أربعة أملاك كفى أن يحمله يوم القيامة ثمانية أملاك، ولو كانت الزيادة لضعف الحاملين من الخوف والهول الشديد، لكن لعلَّ ضعف الأربعة انتهى إلى أن لايقووا عليه إِلاَّ مع ما يتمُّ عدد تلك الآلاف أو الصفوف ولأنَّ هذه الآية مقابلة لحمل أربعة أملاك له في الدنيا فالمراد [543] أيضًا ثمانية أملاك وظاهر كلام عمرو بن جمعة أنـَّهم في الدنيا ثمانية أملاك، لكن لو كان كذلك لم يقل يومئذ، ولا بدَّ من حمل كلامه رحمه الله على يوم القيامة.

 

 وأيضا لو كان المراد الصفوف أو الآلاف لبيَّنه لأنـَّه أزيد في التهويل، ولفظ الحديث عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: «هم اليوم أربعة، وإذا كان يوم القيامة أيَّدهم بأربعة آخرين فيكونون ثمانية»، وليس نصًّا في ثمانية أملاك أو أربعة أملاك بل يحتمل الآلاف والصفوف، إِلاَّ أنـَّه يترجم جملة على الأملاك لأنَّ الأرجح في نعت الصفوف والآلاف جمع التكسير، وهو قال: {آخرين} بجمع السلامة وجاء النص على أنـَّهم ثمانية أملاك في ما روي أنـَّهم ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهو مطرقون مسبِّحون، وروي ثمانية أملاك في صورة الأعوال من أطرافها إلى ركبها مسيرة سبعين سنة، ويقال بعض على صورة الإنسان وبعض على صورة الأسد وبعض على صورة الثور وبعض على صورة النسر، وعن شهر بن حوشب: «أربعة يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك لك الحمد على عوفك بعد قدرتك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك لك الحمد على حِلمك بعد علمك»، وعن الحسن البصري: «لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو ثمانية ألف صف».

 

 وعن الضحاك: «ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إِلاَّ الله تعالى»، قيل: ويمكن أن تكون الثمانية من خلق آخر يسمَّى الروح أو من خلق غير الروح، وأن تكون تمثيلا لعظمته جلَّ وعزَّ بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على الناس للقضاء العام لكونها أقصى ما يتصوَّر من العظمة والجلال ولا غاية لجلاله، وزعمت المشبهة أنَّ الله سبحانه في العرش وإلاَّ كان حمله عبثا، وهو خطأ محض لأنـَّه كان جلَّ وعلا، قبل العرش، وقبل كلّ مخلوق، ولا أوَّل له، ومن كان كذلك فلا يحلُّ في موضع، ولزم على قولهم التحيُّز والتركيب والجهات والحدوث والاحتياج إلى محدِث، والتسلسل والعجز والاحتياج إلى [544] محل وحامل، ولزم أن يكونوا أعظم قدرة من الله، وإنـَّما العرش مخلوق كما خلق الغيران في الجبال بلا ساكن، وسمَّى الكعبة بيتا مع أنـَّه لا يقال سكن فيه، وجعل في ركنها حجرا يقبَّل عنه كما تقبل أيدي العظماء، وجعل على العباد حفظة وكتبا مع أنـَّه عالم لا ينسى، ثمَّ إنَّ الظاهر أنَّ العرش يبقى في محله محمولا ولا ينزل إلى الأرض كما قيل: إنـَّه يحضر العرش كما يحضر  الكرسي للسلطان إذا أراد محاسبة عماله.

 

{يومئذ تعرضون} على الله الحساب والمساءلة كما يعرض السلطان العسكر لتعرفه أحواله، {وعرضوا على ربِّك صفا} وروي أنَّ في يوم القيامة ثلاث عرضات: الأولى اعتراض، والثانية احتجاج وتوبيخ، والثالثة إحضار الكتب فيأخذ السعيدكتابه بيمينه والشقي بشماله.

 

{لا تخفى منكم خافية(185)} أي فعلة خافية أو حالة أو نيَّة خافية أي لا يخفى على([4]) الله منكم ما يخفى عن غيره، والجملة حال من واو «تعرضون» أي تعرضون على الله وليس يخفى عنه منكم شيء  في الحال ولا قبله، فهذه مبالغة وتهديد لأنـَّه أخبرهم أنـَّهم يعرضون على من لا يخفى عليه منهم شيء. قال جلَّ وعلا: {لا يخفى على الله منهم شيء} و«من» للابتداء متعلِّق بـ: «تخفى» أو بمحذوف حال من خفي، ويجوز أن تكون مشابهة أو حالا على معنى إنـَّه لا يخفى شرّ الكافر ولا خير المؤمن على أهل الموقف، بل يظهران ليكمل خزي الكافر وافتضاحه وعزُّ المؤمن وسروره، وهذا أيضًا وعد ووعيد وبشارة وإنذار، وقرأ حمزة والكسائي لا يخفى بالتحتية، واختاره أبو عبيدة لكون المراد عنده أمر ذو خفاء، فهو مذكر والتاء للمبالغة كقولك: رجل راوية، ولاسيما مع الفصل والظهور.

 

{فأما من أوتي كتابه بيمينه} في  يمينه أو مقدرا اتصاله بها، {فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه(19)} عطف وتفريع على تعرضون عطفا اسمية على فعلية، وذلك وما بعده تفصيل لأحكام العرض، وهاؤم اسم فعل، والميم علامة خطاب الجماعة وهم الذكور أي خذوا، كما فسَّره سيبويه: يتناولوا، وأصل همزته الفتح وضمَّت تبعا للميم كما ضم ما قبلها تبعا لها في ضربكم وضربتم ونحو ذلك، ومفعوله محذوف على التنازع والأصل هاؤموه والهاء للكتاب بعد، وكتاب مفعول لاقرأوا وحذف من الأوَّل لأنـَّه فضِّلت ولا عكس وإلاَّ قيل: [545] اقرأوه لوجوب ذكر الفضيلة مع الثاني المهمل، وقيل: يجوز حذفها كقوله تعالى: {ائتوني أفرغ عليه قطرا} إذ لم يقل أفرغه أي القطر، وفيه أنـَّه يقال: العامل أفرغ، وحذف الضمير من ائتوني والأصل ائتونيه أي القطر، والمشهور إجماع البصريين والكوفيين على إهمال الأوَّل والثاني وإنـَّما اختلفوا في الراجح.

 

 وقيل: منع البصريون إعمال الأوَّل والهاء في «كتابيه» و«حسابيه» و«ماليه» و«سلطانيه» للسكت تثبت وقفا ووصلا، لأنـَّها مكتوبة في المصحف، ولإدغام الهاء في هاء هلك وإذ وقف فظاهر، وإذا وصل فمن إجراء الوصل مجرى الوقف وقيل: تحذف وصلا ولو كتبت كما يكتب ألف التنوين، ولا يقرأ إِلاَّ وقفا وحرف علَّة بعده ساكن مع أنـَّه لا يقرأ وصلا، وإنـَّما يقرأ وقفا، وفيه أنَّ هذا السكون ليس لا بدَّ منه، قيل: وإنَّ هذا تجاسر واستحبَّ بعضهم الوقف تبعا لثبوت الهاء، وأوجبه بعض لذلك، مع أنـَّه لا يتغير المعنى، وعليه جماعة، وإنـَّما جاءت الهاء لأنـَّها تلت حركة ليست إعرابا. وقرأ ابن محيصن (بإسكان الياء المثنَّاة) فأسقط الهاء والخطاب في هاؤم اقرأوا للناس عموما، هكذا كمن اعترته خفَّة في شدَّة فرح، أو للمؤمنين أو لأهل بيته وقرابته، وحصل له هذا الفرح العظيم لمجرَّد إيتائه كتابه بيمينه لعلمه من الدنيا وحينئذ، ومشاهدته شقاوة من يعطاه بشماله وسعادة من يعطاه بيمينه، فإن لم ير أحد في ذلك أو كان أولا فقد علم من الدنيا.

 

{إني ظننت} في الدنيا أو الآن {أني ملاق حسابيه(20)} من جملة مقول القول أو الظنّ يقين، لأنَّ المسلم لا يظن أنَّ الحساب غير واقع، ولا يشكُّ بل يعلم علما جازما أنـَّه واقع، قيل: لعلَّ التعبير بالظنِّ للإشعار بأنـَّه لا يقدح في الاعتقاد الخطرة التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا فأشبه الظنِّ، وفيه أنَّ القرآن مصرح له، والحديث بالحساب فليس العلم به نظريا، أو أراد بحسابه حسابه المخصوص به الدالّ على الخير، فيكون الظنَّ على ظاهره، إذ ظنَّ في الدنيا أنـَّه يصير إلى هذه الدرجة بفضل مع عمله ولا يقين له، أو ظنٌّ في حينه لأمارة إعطاء كتابه بيمينه أنـَّه يصلها، فإنـَّه لو تيقنَّ عند الموت وفي قبره أنـَّه من أهل الجـنَّة لكن قد ينسى لشدة هول المطلع، أو أراد أنـِّي ظننت في الدنيا أنـِّي ألاقي جزاء ذنوبي [546] فأهلكت والآن قد نجوت، والظن والترجيح وترجيح الشقاوة أوالسعادة لا كفر به، لأنـَّه لم يخرج عن الخوف والرجاء وقد قيل: لا كفر ما لم ييأس أو يأمن، مع أنـَّه الإنسان ضعيف، قد يرحج ثمَّ يرجع إلى التسوية.

 

أو أراد الظنَّ في الآخرة حين رأى سيِّئاته أوَّل كتابه ولم يعلم أنَّ حسناته أسفله غالبة، أو رآها في وجه كتابه ولم يعلم بقلبه الحسنات في  ظهره، أو في ظهر كفِّه ولم يعلم بالحسنات في بطنها. قال أبو هريرة قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه فتكتب حسناته في ظهر كفِّه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيِّئاته فيحزن فيقال: اقلب كفَّك فينظر فيه فيرى حسناته فيفرح ثمَّ يقول: {هاؤم} الآية».

 

{فهو في عيشة} نوع عظيم من العيش هو فعلة للهيئة، {راضية(21)} ذات رضى منسوبة للرضى فهو فاعلة للنسب كلابنة أي ذات لبن، فذلك من النسب بالصيغة كفاعل وفعال كلبان، وهو في معنى النسب بالحرف الذي هو الذي هو([5]) ياء النسب أو يقدَّر مضاف أي راض صاحبها، أو أسند الرضى إلى المفعول تجوُّزا في الإسناد للملابسة بينه وبين الفاعل، فإنَّه رضي عيشته أو بمعنى مفعول أي مرضيَّة، وإنـَّما كانت مرضية لأنـَّها منفعة خالصة عمـَّا يكدِّرها دائمة مقرونة بالتعظيم.

 

 {في جنة عالية(22)} متعلِّق بعيشة أي يعيش في جـنَّة عالية أو نعت لعيشة، والعلوُّ علو مكان لأنَّ الجـنَّة فوق السماء السابعة، والجنة كلُّها هنالك وكلها عالية، ولو كان بعض المنازل تحت بعض، ويجوز أن يراد علوّ الشأن والشرف، ولا يتبادر أنَّ المراد علوُّ أبنيتها وأشجارها في جهة السماء ولو كانت كذلك.

 

{قطوفها دانية(23)} القطوف جمع قطف بكسر ما سكن بمعنى مقطوف كذبيح ونقض بكسرهما بمعنى مذبوح ومنقوض، والمراد الثمار التي من شأنها أن تقطف أي تقطع من شجرتها بسهولة كقطع التمرة من القنو، وقطع العنقود والتين، فلا يقال لقطع القنو قطف، وكلَّما أخذوا تمرة منه خلق الله مثلها في موضعها ولا يقطع القنو، و«دانية» قريبة [547] ينالها القائم والقاعد والمضطجع، وإن أراد أخذها بفيه أو جاءت إلى فيه، يقال لهم {كلوا} ما شئتم {واشربوا} ما شئتم، والضمير لمعنى من بعد مراعاة لفظها، لأنَّ المعنى فأمـَّا من أوتوا كتبهم بإيمانهم إلخ، بضمائر الجمع والأمر لإباحة ما أعطاهم الله مع سعته وإباحة ما اشترك فيه أهل الجـنَّة، وإباحة أن يقترحوا كلّ ما شاؤوا، فيأكلوه ويشربوه لا للوجوب ولا للندب، لأنـَّهما تكليف ولا تكليف في الجـنَّة وقيل: يجوز أن يكون للندب إذا كان الغرض تعظيم الإنسان وإدخال السرور في قلبه، ويبحث أنَّ المندوب إلى ذلك هو الإنسان الآكل الشارب، والأكل والشرب هو المندوب إليهما والنادب الله بالملائكة، فما شأن ذكر التعظيم وإدخال السرور؟ فلمَ يتمُّ ذلك ولعلَّ النادب يعتبر أنـَّه الملك والمؤمن يطاوعه ندبا لأنَّ الملك أراد إدخال السرور في قلبه.

 

{هنيئا} مفعول مطلق أي أشربوا شربا هنيئا ويقدَّر مثله لـ : «كلوا» أي كلوا أكلا هنيئا، أو يقدَّر هنئتم هنيئا، فإنَّ هنيئا يكون وصفا ويكون مصدرا.

 

 {بما أسلفتم} الباء للعوض أو المقابلة أو للتعليل أو للسببيَّة أي بمقابلة ما قدَّمتم، ولأجل ما قدَّمتم من الأعمال الصالحات، وترك المحرمات، ومن ذلك الصوم والمحافظة عليه، والإسلاف تقديم ما يرجى نفعه كما يقال: أسلف في كذا، أي أسلم فيه، وأسلف أي أفرض، وقال الكلبي ومجاهد: «لـما أسلفتم من الصوم الواجب والفعل وذلك للمناسبة كما منعوا أنفسهم عن الأكل والشرب في الدنيا طاعة لله جلَّ وعلا وجوَّزوا بهما في الجـنَّة»، وعن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يقول الله تعالى: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدينا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيـَّام الخالية».

 

 {في الأيام الخالية(24)} الماضية وهي أيامكم في الدنيا، وعن مجاهد: «أيـَّام الصوم»، والآية دلَّت أن العمل يستحق الثواب لكن بفضل الله جلَّ جلاله، ولو كان بإجبار لكان قد أعطى الثواب على غير فعل فبطل قول المجبرة، ولا مانع من تفسير الأيـَّام الخالية بأيـَّامهم في الدنيا [548] ولو فسَّرنا ما أسلفتم بالصوم لأنَّ  أيـَّام الصوم في جملة أيامهم في الدنيا.

 

{وأما من أوتي كتابه بشماله} في شماله أومقدرا اتصاله بها فيقول:  قبل قراءته لعلمه من الدنيا ولمشاهدته الأشقياء يأخذون كتبهم بشمائلهم وإن كان أوَّلاً ولم ير فلعلمه من الدنيا، {فيقول}([6]) بعد قراءته ورؤية ما فيه من قبائح الأعمال، {يا ليتني} تنبهوا لـما أنا فيه أو يا أشقياء أو ياقرابتي أو يا أهلي أو يا أيها الناس، {لم أوت كتابيه(25)} فإدخال النار بدون أن أوتاه، {ولم أدر ما حسابيه(26)} أوجبته أعمالي لأنَّ من شأن الحساب إيجاب شيء وإثباته، فذكر لفظ الحساب بدل ذكر الأعمال، أو ما عدد أعمالي القبائح، فشملت الآية من يدخل النار قبل الحساب وهم المشركون، تمنى الشّقي أن يدخل النار بلا إيتاء كتاب ولا دراية بما أوجبت أعماله أوبعددها لشدّة تألمّه وخجله بين الأقران والأصحاب والأعداء، وأهلِ والموقف، والعذابُ الروحاني أشد من العذاب الجسماني بل لا يتصوَّر العذاب إِلاَّ بعذاب الروح والقلب، ألا ترى أنَّ السكران ومن لم يحضر عقله لا يتوجع بجرح أو عثرة أو غيرها، وأيضا يا ليتني لم أدر ما حسابيه لأنـَّه كله عليَّ.

 

 {يا ليتها} أي يا ليت الموتة التي خرج بها من الدنيا، ويا ليت الحالة التي شاهد عند إيتاء الكتاب بشماله ومطالعته، {كانت القاضية(27)} القاطعة عن هذه الحياة فلا أبعث ولا ألقى ما لقيت، قال قتادة: «تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أشدُّ من الموت، وشرٌّ من الموت ما يطلب له الموت»، وجاء في الحديث: «يمرُّ الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني مكانه» لشدَّة ما يرى من فضائع آخر الزمان، قال الشاعر:

 

وشر من الموت الذي إن لقيته      تمنيت منه الموت؛ والموت أعظم

ومادة "ق ض ا" للفراغ، فالمعنى يا ليتني قد فرغ منـِّي بالموت، ولا أوجد بعده، ويجوز عود الضمير للحياة بمعنى يا ليت الحياة الدنيا قاطعة عن هذه الحالة، وهذا اليوم بأن لا تكون فأكون غير مخلوق البتة، {ما أغنى غني ماليه(28)} ما أنا فيه، والمفعول محذوف أي ما دفع عنـِّي شيئًا، أو استفهامية إنكارية مفعول لأغنى، أو مفعول مطلق أيْ أيَّ إغناء أغنى، والمفعول محذوف أي شيئًا، وماليه هو المال وياء الإضافة [549] أو ما الموصولة، ولي جار ومجرور صلة فتشمل المال والأولاد والعبيد والأتباع، والأوَّل أنسب بما قبله وهو القاضية في أنَّ الألف والياء وما بينهما من كلمة واحدة، والثاني أنسب بـما بعده ولكتابيه وحسابيه في أنَّ الياء للمتكلم، وهو أعمّ فائدة، إذ شمل المال وغيره وصحَّ الألف تأسيسا، لأنَّ ثالثة ضمير، فساغ أن يكون هو ألف التأسيس من كلمة، وتمامه من غيرها، والمعنى أنَّ ماله وأتباعه لم تدفع عنه شيئًا مِمَّا هو فيه.

 

 {هلك عنِّي سلطانيه(29)} ضاع عنـِّي تجبـُّري وقوَّتي التي كنت مسلطا بها على غيري، أو ضاعت عنـِّي حجَّتي التي كنت أحتج في الدنيا، قال ابن عـبَّاس: «ضلت عنـِّي حجتي التي كنت أحتج بها على محمَّد في الدنيا»، وهذا منه رضي الله عنه تمثيل بمن عاصر النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وجادله من المشركين، ولا يريد التخصيص به، بل الآية تعم كلّ كافر متجبر، وقال مقاتل: «ضلت عنـِّي حجتي» إذ شهدت عليه الجوارح بالشرك أو الفسق وعلى كلّ حال يبقى هنالك ذليلا فقيرا، وعبارة بعض: «كنت أنازع المحقين بسبب الملك والسلطان والآن ذهب الملك وبقي الوبال»، وقيل: «هلك عنـِّي ما أصل به إلى العبادة»، ويقول: الله لخزنة جهنـَّم:

 

{خذوه فغلُّوه(30} أوثقوه بالأغلال جامعين يديه إلى عنقه {ثم الجحيمَ صلُّوه(31)} أدخلوه النار العظيمة لا غيرها، لأنـَّه كان يتعاظم على غيره جزاء وفاقًا، {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه(32)} إذا أمر الله خزنة جهنـَّم بذلك تبادر منهم إليه مائة ألف فأخذوه وغلُّوه وصلوه الجحيم وأدخلوه في سلسة ذرعها سبعون ذراعاً، والجحيمَ مفعول ثان لصلوه أو منصوب على التشبيه بالمفعول به، أو ظرف لصلوه؛ والسلسة حلق منتضمة متداخلة، والمادة للاستمرار كلّ مستمر مسلسل، و«في» تتعلَّق بـ«اسلكوه» ولا تمنع منه ألفاً لأنـَّها صلة لتأكيد الربط، أو يقدَّر، وأمـَّا في سلسلة، وجواب أمـَّا لا تمنع تقدم معموله عليها، والذرع التقدير بالذراع أي مقدار ذراعها، وهذا تمثيل للطول كقوله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرَّة} يريد مرَّاة([7]) كثيرة، فقد يكون الذرع أقلّ أو أكثر و[550]قيل: المراد حقيقة السبعين،ـ وإذا اعتبرت أنَّ سنَّ المشرك كأحد، تبين لك أنَّ المراد التمثيل لطول السلسلة، فمن سنَّه كأحد لا تكفيه سبعون ذراعا في الربط، فكلُّ كافر أو شقي وما يليق به من السلاسل سبعون وأقلَّ وأكثر وقد قيل: «سبعون ذراعا كلّ ذراع سبعون باعا وكل باع ما بين مكَّة والكوفة»، وهذا غير معقول إذ لا يعرف جهنميٌّ يساوي هذه السلسلة، إِلاَّ أنَّ يقال تعلَّق به ولا يدرج فيها، أو هي دقيقة جدًّا، وفسَّرنا السلك بالتعليق، قال الحسن: «الله أعلم بأي ذراع».

 

وسلكته: أدخلته وهو ثلاثي، ومنه الأمر في الآية بوصل الهمزة وبه جاء القرآن: {وما سلككم في سقر}، سلكناه في قلوب المجرمين، {كذلك نَسلُكه} (بفتح النون وضمِّ اللاَّم)، ويقال أيضًا أسلكه بهمزة، وعن ابن عباس: «تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه، ويجمع بين ناصيته وقدميه»، وقال الكلبي: «كما يسلك الخيط في اللُّؤلؤ ثمَّ يجعل في عنقه سائرها«، وهذا على أن كلَّ أحد بما يليق به من طولها، أو هي دقيقة جدًّا وعن سعيد بن أبي نجيح: «بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، فيكون العذاب أشدّ على كلّ واحد، إذ كانوا في سلسلة واحدة»، وفيه: أنَّ الواحدة لا تكفيهم.

 

 ولو قلنا في كلّ ذراع سبعون باعا، وكل باع من مكَّة للكوفة، وأن النيران طبقات وليسوا في طبقة واحدة إِلاَّ أن يقال للسبعين تمثيل للطول، وأنَّ حقيقة طولها قدر ما يكفيهم جميعا في الطبقات، جميعا في جهاتهم التي يمشون إليها، وذلك لا يتبادر والله قادر، وذكر بعض أنَّ معنى السلك في السلسلة ليُّها على الجسد مضيَّقا عليه حتَّى لا يجد حركة، وهذا ظاهر اللَّفظ، وعن ابن  عبَّاس: «هي التي تدخل فيه»، قال الفراء: «المراد اسلكوا فيه السلسلة»، كما يقال: «أدخلوا القلنسوة في رأسي والخاتم في أصبعي»، والمراد أدخلتهما في القلنسوة والخاتم. وقدَّم الجحيم، وفي سلسلة للحصر أي لا تدخلوه إِلاَّ في هذا النوع العظيم من النيران، ولا في هذه السلسلة، لأنها أفضع من سائر السلاسل، وعلى طريق الاهتمام بذكر أنواع العذاب، وثمَّ [551] لترتيب مراتب العذاب، فإنَّ إدخال النار أعظم من الغلِّ، والإخلال في السلسلة أعظم من النار، لأنها سلسلة نار هي نفس نار مضيقا عليه فيها.

 

 {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم(33)} تعليل جملي مستأنف، أي: افعلوا به ذلك لأنـَّه لا يؤمن...إلخ، ووصف نفسه بالعظيم إيذانا بأنـَّه المستحقُّ للعظمة لا غيره، فلـمَّا نسبها ذلك الشقي لنفسهاإستحقّ أعظم العقوبات.

 

{ولا يحض} بنفسه ولا غيره، ولا يحض غيره فضلا عن أن يعطي ماله.

 

{على طعام المسكين(34)} فطعام: نفس ما يؤكل، وأضاف الطعام للمسكين مع أنـَّه لصاحب المال، لأنَّ المراد مقدار من الطعام غير محدود يليق به ويستحقُّه، فكأنـَّه له، ولأنَّ ماله إليه على سبيل التقدير والأمر، ولأنـَّه حقّ واجب له ويجوز أن يكون المعنى {على طعام المسكين} بطعام اسم مصدر لا نفس ما يؤكل كنبات بمعنى الإنبات، وهو في الأصل اسم ذات، وقيل: أصله الدلالة على الحدث كالعطاء بمعنى الإعطاء، وفي الآية دليل قوي على عظم جرم من يحرم المسكين الحقّ الواجب له من الزكاة، أو كفارة من أنواع الكفارات، أو تنجيته من هلاك أو فداء اشتدَّت به الضرورة، وذلك أنـَّه عطف على الشرط، وجعله معه علَّة للعذاب الأخروي، وفيه دلالة على أنَّ المشرك مكلف بكلِّ ما يكلف به لو كان مؤمنا فعلا أو تركا، فيعاقب في النار وفي قبره على الشرك وسائر الكبائر والصغائر، ولو لم يكلف إِلاَّ بالتوحيد أولا، فإذا جاء به كلف بغيره فعلا وتركا لم يعطف ترك الحض على ترك الإيمان، ولـمَّا عطف علمنا أنـَّه لمستحق العذاب بترك الإيمان، واستحقَّه أيضًا بترك الواجب الذي هو غير الإيمان وذلك هو مذهبنا، وقد يجاب بأنَّ الجملة استؤنفت لمجرَّد ذمة لا للتعليل، وهذه عطفت عليها بمجرد العيب أو للتعليل وهذه ليست مقصودة بالذات في التعليل، كما شاع أنـَّه إذا شرع في ذم أحد، والمبالغة ذكر بما لو انفرد لم يستحق به الذم، وذلك جواب ضعيف.

 

 وصف الله الكافر بفساد حال القوَّة العاقلة إذ جاء بأقبح العقائد وهو الشرك، وبفساد حال القوَّة العمليَّة إذ جاء بأشنع الرذائل وهو البخل وقسوة القلب [552]، وكان أبو الدرداء يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ويقول: «خلعنا نصف السلسلة، بالإيمان أفلا نخلع النصف الباقي»، وهذا نصٌّ من أبي الدرداء على خطاب المشرك بما ذكرت من فروع الشريعة، إذ جعل السلسة من قبل توحيده نصفها على شركه ونصفها على ترك واجب غير التوحيد، فأسقط النصف بالتوحيد والحمد لله، والنصف الآخر بأداء الواجبات إن شاء الله، اللهمَّ ترض عنه. وقيل: المراد بقوله: {ولا يحض على طعام المسكين}، قولهم: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه}.

 

 {فليس له اليوم} يوم الحشر، {ها هنا} في الموقف أو في النار، {حميم(35)} قريب يدفع عند العذاب ويحزن عليه، لأنَّ قرابته يفرُّون عنه. أو المراد بالحميم ولي ما سواه أتولاه بالقرابة أو بالصداقة.

 

{ولا طعام إِلاَّ من غسلين(36)} ما يسيل من أهل النار بالعذاب والنار من قيح وصديد ودم وعرق، والياء والنون زائدان وأصله الغسل فهو فعلين من الغسل، وروي أن ابن عباس رضي الله عنه سئل ما الغسلين، فقال: «لا أدري ما الغسلين»، والظاهر أنـَّهم يأكلونه لشدَّة ما بهم من الجوع، ويحتمل أنـَّه كناية عن أنَّ الطعام لهم، إِلاَّ أنَّ لهم الضريع، ويحتمل أنـَّهم يدخل من أفواههم قهرا وتعذيبا، فسمي طعاما لأنـَّه  بصورته.

 

 {لا يأكله إلا الخاطئون(37)} الآثمون أصحاب الكبائر المشركون والفاسقون وعن ابن عـبَّاس: «إنـَّهم المشركون» وهو بالهمزة إِلاَّ أنـَّها في الخطِّ ياء، ويقال: خطأ الرجل، إذا تعمَّد الذنب، وقرئ: الخاطيون، بالياء بدلا من الهمزة لفظا وكتابة، وهو شاذ لثقل الضمة على الياء، غير المشدَّدة بعد الحركة، ولعلَّ المراد بالإبدال التسهيل للهمزة إلى الياء، وقرأ: الخاطون، بحذف الياء وضمِّ الطاء، وهو أيضًا من الخطأ بالهمزة، أبدلت ياء وحذفت ضمَّتها للثقل، ثم هي للساكن بعدها وعاب ابن عـبَّاس هذه القراءة بأنـَّها توهم الخطوب لرجلين مشيا، قال: «ما الخاطون كلنا نخطوا إنما هو الخاطئون، وما الصابون إنَّما هو الصابئون»، وقد يقال في هذه والتي قبلها بلا تسهيل فيها أنَّ  المراد يتخطّون الحقّ إلى الباطل ويتعدَّون حدود الله كمن مشى برجليه.

 

{فلا أقسم بما تبصرون(38)} أي فلانا أقسم فحذفت همزة أنا ونونه ومدَّت لام الابتداء بألف «أنا» كما حدفت همزته [553] في {لكنا هو الله ربـِّي}، ولا صلة للتأكيد، أي فأقسم أو لأردَّ لـمَا سبق من الخطأ، أو نافية أي لست أقسم لوضوح الأمر، واعترض هذا لأنـَّه لا يليق به قوله: {ما تبصرون وما لا تبصرون}، ولو كانت نافية لأسقط {ما تبصرون وما لا تبصرون}، ويجاب بأنَّ المراد لا أقسم بهذا كله بل بما دونه، والمراد بـ: {وما لا تبصرون(39( } ما يمكن إبصاره ولم يبصروه وما لا يمكن إبصاره فالمراد الشاهد والغائب والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح والإنس والجن والملائكة والنقم والنعم الظاهرة والباطنة والخالق والمخلوق.

 

 {إنه} أي القرآن دلَّ عليه قوله: {لقول رسول كريم(40)} جبريل عليه السلام وهو سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وهو قول الجمهور ويدلُّ له قوله عزَّ وعلا: {وما هو بقول شاعر} كما تقولون تارة ويقوله بعضكم: {قليلا ما تؤمنون(41)، ولا بقول كاهن} كما تقولون تارة أو يقوله بعضكم، {قليلا ما تذكرون(42)} لأنـَّهم لايرمون جبريل عليه السلام بالشعر ولا بالكهانة، وإنـَّما يرمون بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمـَّا في: {إذا الشمس كوِّرت}، فقال: {ذي قوَّة عند ذي العرش مكين مطاع ثمَّ}، وذلك من أوصاف جبريل ففيها أنـَّه قول جبريل لا قول شيطان رجيم، وفي هذه السورة أنـَّه قول رسول لا قول شاعر ولا كاهن، فالقرآن في قول جبريل وقول رسول الله صلَّى الله عليهما وسلم بمعنى أنـَّه جاء على لسانهمان وقرآه، وأنذر الخلق، وقول الله بمعنى أنـَّه خلقه وكتبه في اللَّوح المحفوظ، وأنزله وأمر به، والرسول يقول بما أرسل به لا من عنده، فما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِنـَّمَا هو من جبريل الملك ومن الملكوت من اللَّوح المحفوظ، وما صلة لتأكيد القلَّة، والنصب على الضرفية أو المفعولية المطلقة، أي تؤمنون إيمانا قليلا، وتتذكرون تذكرا قليلا وتؤمنون زمنا قليلا وتذكرون زمنا قليلا، والمراد بالقلَّة النفي، أي لا تؤمنون ولاتذَّكرون أصلا وصرَّح بها مقاتل.

 

 والعرب يقولون: فلـمَّا تأتينا، يريدون لا يأتينا ويجوز إبقاء القلَّة على ظاهرها أي يؤمنون ويتذكرون زمنا قليلا، يرجعون كما هو وجه في قوله تعالى: {إنه فكَّر وقدَّر...}إلخ وختم بقوله: {سحر يوثر} أو يؤمنون إيمانا قليلا لأنـَّهم آمنوا بالله ولم يومنوا برسوله ولا بالقرآن ولا بوجوب [554] التوحيد وترك الأوثان، وذلك نقض إيمانهم بالله فلم يتمّ إيمانهم بالله سبحانه، إِنـَّمَا ذكر الإيمان في نفي الشعر والتذكر في نفي الكهانة، لأنَّ مخالفة القرآن لأوزان الشعر وما تقوله الشعراء ظاهر لا يحتاج إلى تذكر، وأمـَّا الكهانة فربَّما احتاجوا فيها لغباوتهم وميله إلى الجور إلى تذكر أحواله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعاني القرآن المنافية لـمَا تقول الكهنة، وفي الحقيقة عند أدنى إنصاف لا يتوقَّف على تذكر ولو لمجرد سبِّه الشيطان وقرأ: {يؤمنون} ويتذكرون بالمثنـَّاة التحاتيَّة.

 

 {تنزيل} هو تنزيل أي منزَّل {من رب العالمين(43)} {نزل به الروح الأمين على قلبك} وعلم بقوله: {رسول} أنـَّه من مرسله لا منه لأنَّ الرسول لا يقول من نفسه، وزاد إيضاحا ونفيا للوهم بقوله: {تنزيل من رب العالمين} وقرأ أبو السمال: {تنزيلا} بالنصب أي نزَّله جبريل من الله أي نزل به.

 

 {ولو تقول علينا بعض الأقاويل(44)} أي لو تكلف قولا أي افتراه، و{الأقاويل} جمع أقولة (بضمِّ الهمزة وإسكان القاف وضم الواو الأولى وإسكان الثانية) بمعنى القول الحقير، فإنَّ المكذوب عن الله حقيرا، وبمعنى القول القول العجيب، فإنَّه بحسب الفصاحة والحرفة يكون عجيبا ولو كذبا، وإلا فعولة يكون كذلك وكذلك قول عمر بن جمعة: «ثلاثة أقوايل وعشرة أقاويل جمع أقوولة للتعظيم» إِلاَّ أنـَّه لو قيل: «ولو تقول علينا بعض الأقوال العجيبة أو الحقيرة» لم يكن الكلام بليغا، فلا نقول جمع أقوولة فنقول: جمع أقوال وأقوال جمع قول، فيكون الأقاويل جمع الجمع، والقول يطلق على اللَّفظ بلا قيد الحقارة أو العظمة كما أنَّ المراد هنا الإطلاق، وفيه أنـَّه يلزم تخرج الآية على أن يتقول ثلاثة فصاعدا لأنَّ الثلاثة فصاعدا هو الأقوال التي هي بعض الأقاويل، مع أنـَّه ليس المراد ذلك بل يكفي القول الواحد في استلزام  قطع  الوتين، ويمكن أن يجاب بأنَّ بعض مفرد الجمع بعض للجمع الجمع، أو نقول يجوز مجيء أفعولة بلا قيد تحقير أوتعظيم.

 

 {لأخذنا منه باليمين(45)} «من» للابتداء، والباء صلة لتأكيد الأخذ أو «من» تتعلَّق بمحذوف حال من «اليمين» على أنـَّها للتبعيض، ولو مجرورا لأنَّ الياء تأكيدا أي لأخذنا اليمين، ويجوز جعلها للإلصاق فيتعلق «من» بـ «أخذنا»وهي للابتداء، و«اليمين» [555] يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، و«ألـ» للعهد لأنَّ «هاء» منه تدلُّ عليه أو عوضا من الضمير أي يمينه.

 

{ثم لقطعنا منه الوتين(46)} العرق المتَّصل بالقلب من الرأس إذا قطع مات صاحبه، ويسمَّى نياط القلب، أي لقطعناه بضرب عنقه، وذلك تميثل لإماتة الله إيـَّاه بما يفعله الملوك بمن غضبوا عليه لكذبه عنهم، بأن يأمروا من يأخذه بيمينه أعني  يمين من غضبوا عليه ويضرب رقبته بالسيف ولا يمهلونه، وذلك قول حسن كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما زالت أكلة خيبر يعاون في»، فهذا أو أوان قطعت أبهري أي قتلتني كمن قطع أبهره، وخصَّ اليمين بالذكر لأنَّ القاتل إذا أراد أنَّ يوقع الضرب في قفاه، أخذ بيساره وإذا أراد أن يوقعه في جيده وهو أشدّ على المقتول لنظره إلى السيف كذا قيل: وهو غير متصوَّر تصوُّر إظهار، إِلاَّ أن يقتله القاتل بشماله ويأخذ بيمينه يمين المقتول، وقال الفرّاء والزجاج والمبرد: «اليمين القوَّة والباء صلة أي لسلبنا منه القوَّة قوَّة بدنه وقوَّة فصاحته»، قال ابن قتيبه: «أقام اليمين مقام القوَّة لأنَّ قوَّة كلّ شيء في ميامنه»، وقال مقاتل: «أخذنا انتقمنا، واليمين الحق أي لانتقمنا منه بالحقِّ» قال الله جلَّ وعلا: {إنكم كنتم تاتوننا عن اليمين} أي من قبل الحقّ وقيل: «قطع الوتين» كناية عن إبطال حجَّته، بأن يقيّض له في يبطل حجّته ويظهر كذبه، وحاصل ذلك أن يفعل به ما يدفع اشتباه الحقّ بالباطل وقيل: المراد لو أراد أن يتقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، وأزلنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول إزالة للشبهة.

 

 {فما منكم} أيـُّها الناس أو أيـُّها القربى أو المحبون له. {من أحد} «من» صلة للتأكيد، «واحد» اسم ما، و«حاجزين» خبرها منكم حال من تقدم عليه، لأنـَّه لو كان حال المجرور لا تقدم عليه لكن الجار هنا صلة، أو «منكم» خبر المبتدأ، و«أحد» مبتدأ، و«حاجزين» نعت أحد، على لفظه وعلى كلّ حال جمع حاجز لأنَّ أحدا عام عموما شموليا لأنـَّه نكرة في سياق النفي. {عنه حاجزين(47)} دافعين لنا عنه الأخذ باليمين وقطع الوتين، والهاء في «عنه» عائد لها لـمَا ذكر من الأخذ والقطع أو إلى [556] سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أو إلى القطع.

 

{وإنه} أي القرءان بدليل قوله: {لتذكرة} أو سيـِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم على طريقة المبالغة كأنـَّه نفس التذكير، أو على تأويله بمذكر أو بِـ"ذُو تذكيرة"، أوأنَّ كلامه تذكرة {للمتقين(48)} أي مؤثر الذكر فيهم فإنَّ مصدر، وما اشتقَّ منه يطلق تارة بمعنى تأثيره كما في هذا الوجه، وكما في قوله: {إنما تنذر من اتـَّبع الذكر} أي يؤثر ذكرك فيمن اتَّبع الذكر على ما مرَّ، وتارة بمعنى إيقاعه آثر أو لم يؤثر، وإن حملنا الآية على هذا فإنـَّما خصَّ المـتَّـقين لأنـَّهم المنتفعون بالتذكرة.

 

 {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين(49)} لمحمَّدٍ أو للقرآن المعبر عن أحدهما بقوله: {وإنه لتذكرة} فنجازيه على تكذيبه، وكل من الكفر والإيمان خلق من الله لا كما زعمت المعتزلة أنَّ الكفر ليس من الله وأنَّه أي التكذيب المعلوم من مكذبين .

 

 {وإنه لحسرة على الكافرين(50)}([8]) تحسّر وتلهف وندم عليهم حين يزول ثواب المصدّقين المؤمنين، أو أنَّ محمَّدًا أو القرآن لسبب حسرتهم إذ لم يؤمنوا به، ومقاتل ردَّ الضمير للقرآن وكذا الأوجه في قوله: {وإنـَّه لحقُّ اليقين(51)} الذي لا يحوم حوله ريب، والأصل وإنه لليقين الحقِّ، فأضيفت الصفة للموصوف، والنعت غير توكيديٍّ، لأنَّ اليقين يطلق في الأمر المتيقَّن به حقًّا أو باطلاً، وقيل: من إضافة المنعوت للنعت، والأصل للحقِّ اليقين، بتعريفهما ورفعهما، ويجوز أن تكون الإضافة للبيان، أي لحقٍّ هو اليقين، {فسبـِّح باسم ربـِّك العظيم(52)} تنزيها له تعالى عن الرضى بالتقوُّل عليه، أو بالتكذيب، وشكرا على ما أوحي إليك، وعلى جعلك نبيئا، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم


 


[1]

- كذا في الأصل، وهو غير واضح.

[2]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «روي عن». أو «روَاه».

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ادَّعى».

[4]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عن».

[5]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف «الذي هو».

[6]

- في الأصل: «أو يقول».

[7]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مرَّات».

[8]

- في الأصل سقط: «وإنـَّه».