إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة المعارج
طباعـة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَأل} بألف منقلبة عن ياء،  {سائل} بهمزة بعد الألف مكتوبة بصورة ياء منقوطة تقرأ همزة محقَّقة، كما كتبت في الخط المجدد للبيان، ويجوز تسهيلها للياء، وأصلها  ياء من سال بالألف يسيل بالياء سيلانا، فسائل هو الوادي.

 

{بعذاب واقع(1) للكافرين} المعنى اندفع واد بعذاب واقع للكافرين، كما يقال: سال واد بالماء، ويدلُّ لذلك قراءة بعض: «سال سيل»، وهي قراءة ابن عـبَّاس، والسيل بمعنى السائل، كالغور بمعنى الغائر، وبهذا التفسير [557] قال زيد بن ثابت، وعبد الرحمان بن زيد قال: «سال واد من أودية جهنـَّم بعذاب واقع»، وقيل: «سيلان السائل بعذاب واقع للكافرين هو جريان أمر بدر على الكفرة إذ قتلوا فيه»، وممن قتل فيه النظر بن الحرث، أو يعمُّ وقعة بدر وغيرهما مِمَّا كان بعد نزول الآية، كما قيل: إنَّ الحرث بن النعمان الفهري لـمَّا بلغه قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في علي: «من كنتُ مولاه فعلي مولاه» قال: «اللهمَّ إن كان ما يقول محمَّد حـقًّا فأمطر علينا حجارة من السماء»، فما لبث حتَّى رماه الله بحجر، فوقع على دماغه، فخرج من أسفله فهلك من ساعته، وتلك الأمور كلّها بعد الآية، فالماضي لتحقُّق الوقوع وكذا واقع للماضي لتحقق الوقوع ليوافق سال، أو هو للاستقبال أي سال ما سيسيل أي أنـَّه كالذي وقع ولو كان سيقع، والباء على أصلها ويجوز أن يكون أصل الألف سأل همزة من السؤال، ونسب بعضهم هذا الإبدال لقريش كما قال الشاعر:

سألت هذيل رسـول الله أمر سفه    **  ضلَّت هذيل بما سألت ولم تصب

وكما قرأ الجمهور سأل بالهمزة من السؤال، وعلى هذا الوجه، وقراءة الجمهور تكون همزة سائل همزة الفصل، والباء بمعنى عن كما قيل: في قوله تعالى: {فسل به خبيرا}، أي فاسأل عنه خبيرا، وكما في قول الشاعر:

فإن تسألوني بالنســاء فإنَّني ** بصير بأدواء النساء طبيب

 فالسؤال هو في قول النظر بن الحارث إنكارا واستهزاء: {إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة...}إلخ، أو في قول أبي جهل كذلك: {أسقط علينا كسفا...}إلخ، أو في الفهري السابق. إنـَّها أو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سأل متى يكون ذلك العذاب استعجالا منه به عليهم ويدلُّ له {فاصبر صبرا جميلا}، أو أخبرهم بالعذاب فسألوه من ينزل عليهم فأجاب الله عنه بالآية، والسائل من السؤال النظر أو الحارث أو أبو جهل أو الفهري أو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو ضمن سأل بهمزة أو بألف أصلها همزة، معنى طلب بالباء صلة في المفعول به للتأكيد، أي طلب طالب عذابا واقعا أو معنى اهتمَّ أي اهتمَّ مهتم بعذاب، أو معنى نادى أو تلفظ بكذا طالبا له كقوله تعالى: [558] {يدعون فيها بفاكهة}، وقيل: الباء في بفاكهة زائدة لطالب، أو المهتمُّ أو المنادي أو المتلفِّظ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حين استعجل عليهم العذاب كما مرَّ، أو النظر أو أبو جهل أو الفهري، و{للكافرين} متعلِّق بسأل بهمزة أو بألف أو بواقع أو نعت لعذاب، واللاَّم للاستحقاق أو بمعنى على أو بعذاب واللام للتقوية.

 

{ليس له دافع(2) من الله} الجملة نعت لعذاب أو حال منه لأنـَّه قد خصَّ بالنعت بواقع، وبتعليق للكافرين به إن علق به أو حال من ضمير الاستقرار في {للكافرين}، إذا جعلنا {للكافرين} نعتا لعذاب أو مستأنفة، و{من الله} متعلِّق بواقع، ومن للابتداء وكذا إن علق بدافع أو بمحذوف نعت لدافع أو لمنعوت دافع، ومعنى تعليقه بدافع أنَّ الدفع من الله له لا يقع لأنـَّه هو القاضي بمجيئه فلا يجيئه الدفع منه وكل واقع فخلق من الله، وإن قلنا المراد بسأل سائل بعذاب أي عن عذاب هو قولهم: {متى هذا الوعد} وقولهم: {أيان مرساها} فجملة {ليس له دافع} مستأنفة.

 

 {ذي المعارج(3)} مالك المعارج نعت لله، والمعرج اسم مكان أي مواضع العروج وهي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي وما شاء الله. وعن الكلبي عن ابن عـبَّاس: «المعارج السماوات لأنَّ الملائكة يعرجون فيها»، وقال قتاده: المعارج الفواضل والنعم لأنَّ خيره يصل إلى الناس على مراتب مختلفة، أو المعارج درجات أوليائه في الجـنَّة، أو مراتب الملائكة والمؤمنين في المعرفة الإلهيَّة وقوَّتها وشدَّة قوَّتها وأشدِّية قوَّتها وازدياد الأشدِّية وكمال الإزدياد، وهذا أضعف الأوجه، فوالله ما أنزل الله القرآن على طريق الوصفيَّة بل على ظاهر العربـيَّة الكريمة، وما يستحق ظاهره لدليل عربي أو نقلي غير صوفي، وإنـَّمالم نقل المراد بسأل سائل هو قولهم الذي عهد بقوله ويقولون: {متى هذا الوعد}، وقوله: {يسألونك عن الساعة} ونحوهما، والباء بمعنى عن لإفراد السائل في الإثبات، فكان الأنسب تفسيره بالنظر، وما قال ونحوه مِمـَّن ذكر أو برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو أمكن حمله على الجنس البدلي أو على [559] التمثيل بفرد منهم أو على قائله أوَّلاً، فإنَّه يقول واحد: {متى هذا الوعد} فيتابع، والوجه في التفسير الأولان وهو الذي يناسبه قوله تعالى:

 

 {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(4)} الروح جبريل عليه السلام، أو مالك هو صف والملائكة صفٌّ ذكر خاص بعد عموم شامل له لفظله([1])، وقيل: إنَّ العطف عطف مغاير وإنَّ الروح هم خلق حفظة على الملائكة كما أنَّ الملائكة حفظة على الناس، وذكر الله جلَّ وعلا الملائكة أوَّلاً عند العروج، والروح أوَّلاً عند القيام لأنَّ القيام في يوم الهول، فقدِّم لأنـَّه أشدُّ هولا وإعظاما للأمر وآخره في العروج للتعظيم بالتخصيص بعد العموم، فيحصل له التعظيم بجهتين مع أنَّ التخصيص قبل التعميم أيضًا يفيد التعظيم، أو لأنَّ الروح نور عظيم أقرب الأنوار إلى جلال الله، ومنه تتشعَّب أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكيَّة، ومدارج منازل الأنوار القدسيَّة.

 

 وقد علمت أن الله سبحانه لا يتَّصف بالجهة والحلول، فمعنى العروج إليه وأنه ذو المعارج العروج إلى عرشه، وإلى حيث تهبط منه أوامره ونواهيه، وانتهاء الأمور إلى مراده أو إلى عبادته أو الانقطاع إليه كما قال: {إني ذاهب إلى ربـِّي}، أو المراد إلى حيث أمرني ربـِّي، وذلك كله انتهاء إلى حيث العزِّ والكرم، ولفظ الآية إنـَّهم يقطعون مسافة العروج إلى العرش في يوم من أيـَّام الدنيا لا أقلّ من ذلك لكن يسيرون فيه مسيرة الإنسان خمسين ألف سنة من سني الدنيا، والموجود في الأخبار والأحاديث أنَّ ذلك مسيرة الملك ساعة قليلة، كما ذكره وهب وجماعة من المفسرين لا مسيرته يوما من أيـَّام الدنيا، ولعلَّ المراد باليوم في الآية الزمان لا كلّ اليوم بل قطعة منه كساعة، ثمَّ رأيت ذلك القولين في التفسير الحمد لله، وذلك كلّه على تعليق في يوم بتعرج، وقال أبو مسلم: «والمراد باليوم الدنيا كلّها من حيث خلقها الله، لا يوم واحد من أيامها، وأن جملتها خمسون ألف سنة بأيـَّام الدنيا»، وتعلق "في يوم" بـ"تعرج" أيضًا ويكون المعنى أنَّ الملائكة لا يزالون يعرجون وينزلون في تلك المدَّة كلّها، ولا ندري [560] كم بقي لأنـَّا لا ندري كم مضى.

 

 وقال الحسن: «العروج يقع في يوم من أيـَّام الآخرة طوله خمسون ألف سنة من أيـَّام الدنيا»، وذلك اليوم هو وقت موقفهم للحساب وهذا  الطول في حقّ الأشقياء، وأمـَّا في حقّ السعيد فقيل: «كما بين أوَّل النهار إلى وقت القيلولة»، كقوله تعالى: {أصحاب الجـنَّة يومئذ خير مستقرًّا وأحسن مقيلا}، فهم يقيلون في الجـنَّة، كما جاء به خبر بل يكون أيضًا أقلّ والآية شاملة له لأنَّ معناها يجيء عليهم وقت القيلولة وهم فيها سابقون لوقتها بقليل أو كثير، ولـمَا جاء في الأحاديث أنَّ ذلك الزمان يجعله الله على المؤمن كأقصر يوم، وجاء وجاء أنـَّه كما بين الظهر والعصر، وجاء عن ابن سعيد الخدري أنـَّه قيل لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما أطول هذا اليوم؟، فقال: «والذي نفسي بيده إنـَّه ليخفُّ على المؤمن حتَّى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا»، وجاء أنـَّه مقدار ركعتين، ويجمع بين ذلك بتفاوت أحوال السعداء، فمن كان أطوع وأتقى كان أخف له كركعتين ومن كان دونه كان أطول منه وهكذا، وذلك على ظاهره.

 

 والله قادر على جعل الزمان الواحد طويلا في حقّ أحد قصيرا في حقّ الآخر، وقيل: إنـَّه يطيله بإكثار الهموم والغموم والعذاب والأحزان ويقصره بكثرة الفرح ومزيد الراحة، بل تدخل الجـنَّة آلاف آلاف قبل الحساب، وآلاف آلاف يعجَّل بهم ولا ذكر للحساب في الآية، بل ذكر العذاب فكيف يسوغ قول من قال: إن الآية على معنى أنـَّه لو اشتغل بالحساب أعقل النار وأذكاهم لفرغ منهم في خمسين ألف سنة، والله يفرغ منه في أقلّ من نصف يوم بل في أقلّ من لحظة، وقيل: في يوم يتعلَّق بعذاب أو بواقع، وذلك عذاب الموقف على الأشقياء، إمـَّا نفس ذلك الطول وإمـَّا طوله في وهمهم، ذلك المقدار أو طوله بلا وهم، لكن لكثرة العذاب والغموم.

 

 وسئل ابن عـبَّاس فقال: «أيام سمَّاها الله وهو أعلم بها وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم» والجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: {في يوم كان مقداره ألف سنة}، أنَّ مقدار ألف سنة في الصعود إلى داخل السماء الأولى، وخمسين ألف سنة إلى أعلى العرش من أسفل العالم ما بين أرض وأرض وأرض وسماء وبين [561] سماء وسماء، وغلظ كلّ واحد خمسمائة عام.

 

{فاصبر صبرا جميلا(5)} عطف على سال سائل أمر على إخبار، ووجه الوصل بينهما أنَّ سؤال النظير([2]) أو الحارث بن النعمان أو أبي جهل أو الفهري استهزاء وتعنت وتكذيب بالوحي، وذلك مِمَّا يضجره صلَّى الله عليه وسلَّم فأمر بالصبر أو السؤال منه صلَّى الله عليه وسلَّم استبطاء للنصر، فأمر بالصبر عن الاستعجال، وأمـَّا السيلان فحاصل العطف عليه قد جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، والصبر الجميل مأمور قبل الأمر بالقتال وبعده، وليس لأحد أن يقول هذه الآية منسوخة بآية الأمر بالقتال.

 

 {إنهم يرونه} أي العذاب الواقع أو اليوم الذي تعرج فيه الملائكة على أنـَّه يوم القيامة، ومتعلق بواقع، والرؤية ظنيَّة، لأنـَّهم قد يشكُّون في يوم القيامة وعذابه أنـَّهما يكونان كما قالوا: «وإن كان يوم القيامة حـقًّا لنفضلنَّ على المسلمين أو نساوينَّهم»، ولكن كان حـقًّا ليدفعن اثنان ملكا من الزبانية، ولأنـَّهم قد يسمعون من أهل الكتاب، ويجوز أن يراد أنـَّهم يوقنون في زعمهم انتفاء القيامة وعذابها.

 

{بعيدا(6)} أي ممتنعا مستحيلا يقولون: {من يحي العظام وهي رميم}، ويقولون: {أئذا متنا} الآيات المتعدِّدة في القرآن.

 

 {ونراه قريبا(7)} نعلمه ممكنا هيِّنا واقعا لا يتخلف، والجملتان قيل تعليل للأمر بالصبر، فيكون محطَّ التعليل بالذات هو قوله: {ونراه قريبا}.

 

{ يوم تكون السماء كالمهل(8)} متعلقا بقريبا لأنَّ معنى قريبا ممكنا واقعا، أو بـ «يقع» محذوف أو بـ «ليس» أو باستقرار له أو بدافع أو بواقع أي سأل سائل بعذاب واقع وليس واقعا في اعتقاد السائل، وهذا كما تقول سألني جاحد يوم القيامة عمـَّا يكون فيه أو بسال على أنـَّه من السيلان أو متعلق بمحذوف مؤخرا أي {يوم تكون السماء كالمهل} إلخ، يكون كذا وكذا مِمَّا لا تصفه العقول، أو بدل من "في يوم" وإنـَّما لم يجز لأنـَّه لم يبدَل من المجرور وحده بل من الجار والمجرور معًا، وأجيز إبداله من المجرور [562] على أن يكون فتحه بناء لإضافته لجملة ولو كانت فعلية فعلها معرَّب و«المهل» ما أذيب على مهل من الأجساد كالفضَّة والرصاص والقزدير والحديد وعن ابن مسعود والحسن البصري: «المهل الفضَّة المذابة»، وعن أنَّ عـبَّاس: «دردي الزيت»، وقال عطاء عنه: «عكر القطران».

 

 {وتكون الجبال كالعهن(9)} الصوف مطلقًا أو المصبوغ ألوانا، كما أنَّ الجبال بيض وحمر وغرابيب سود، أو الصوف المخلوق بتلك الألوان بلا صبغ. {المنفوش} الممشوط أو المندوف، فإنَّه بالنفش يخف، فالجبال تطار في الجوِّ كالصوف المنفوش في ألوانه وخفته.

 

 {ولا يسأل حميم حميما(10)} لا يسأل قريب قريبا عن أحواله، ولا يكلمه لاشتغال كلّ بحاله وما هو فيه من الهول، فإذا كان لا يسأل حميمه الذي يعصب فأولى أن لا يسأل غيره، وإذا كان المسؤول لا يجيب سائله القريب لاشتغاله بنفسه عن الأخبار فأولى أن لا يخبر غيره لدهل([3]) كلّ مرضعة عمـَّا أرضعت، {يوم يفر المرء من أخيه}، إلى قوله: {لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه}، و{حميما} مفعول به كما رأيت، وأجيز أن يكون على تقدير الجار أي عن حميم، فالمفعول محذوف، أي لا يسأل حميم عن حميمه أحدا كيف حاله، أو أين هو، وأجيز أن يكون بمعنى الطلب متعديا لمفعولين أحدهما حميما والآخر محذوف، فالمعنى {لا يسأل حميم حميما} شفاعة أو إحسانا إليه أو رفقا به، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول، ونصب حميما على حذف عن، فالمعنى  لا يسأله أحد عن حميمه، كما يسأل الإنسان في الدنيا إنسانا عن حبيب هذا الإنسان أين هو أو كيف حاله، لأنـَّه أعرف بمحله وحاله، قال الفراء: «أي لا يقال لحميم أين حميمك»، قال: «ولا أحب هذه القراءة لأنـَّها مخالفة لـما اجتمع عليه القرَّاء وما ذكر من قولهم: أين هو إِنـَّمَا صحَّ لأنـَّه جاء في الخبر أنـَّهم تارة يغيب بعض عن بعض تارة يحضر معه».

 

 فقوله تعالى: {يبصرونهم} ليس على الاستمرار أو عائد لغير الحميم {يبصرونهم} يجعلون باصرين لهم، ومع ذلك لا يسألونهم [563] لاشتغال السائل والمسؤول بأنفسهما وذلك إدخال في التهويل من أن يقال: «لا يسأل حميم حميما عن حاله» استغناء بتبصير الله له وجهه أبيض أو أسود فيعلم سعادته ببياضه، وشقاوته بسواده، والجملة حال أي لا يسأل حميم حميما، والحال أنـَّه حاضر معه بأمر له للتشاغل أو مستأنفة في جواب سؤال كأنـَّه قيل: لعلَّه لا يبصره؛ والواو عائد لحميم الأوَّل، والهاء للثاني، وإنـَّما جميع ضمير الحميم أعني أتي به ضمير جماعة لأنـَّه نكرة في سياق النفي فكان عمومه شموليا، وقيل: الواو للكافرين العائد إليهم هاء إنهم، والهاء للمؤمنين، أي يجعل الله الكافرين بصيرين للمؤمنين، وحسن أحوالهم وبياض وجوههم، وذلك نهاية شدَّة، إذ كانوا في غمٍّ شديد وشاهدوا أعداءهم في أحسن حال، وقرأ: {يبصرونهم} بالتخفيف.

 

 {يودّ المجرم} يتمنى جنس المشرك والفاسق، {لو يفتدي من عذاب يومئذ} لو مصدريـَّة أي يودُّ افتداءه من عذاب يومئذ والمصدر مفعول «يودّ» كما رأيت وهو أولى من حذف مفعوله، وجعل «لو» شرطية محذوفة الجواب هكذا يودُّ الافتداء، {لو يفتدي} بكذا وكذا ممـَّا يعزُّ عليه لهانوا عليه وسره ذلك، وعذاب مضاف إلى يوم، ويوم مبني على الفتح لإضافته لمبني وساغ ذلك، ولو كان يوم غير متوغِّل في الإبهام لأنَّ معناه حين أو زمان، فكان كالمتوغل أو متوغلا وقرأ غير نافع بجر يوم على الإعراب، وقرئ بتنوين عذاب ونصب يوم على الظَّرفية به أي من تعذيبه في ذلك اليوم، {ببنيه(11) وصاحبته} أي زوجه، {وأخيه(12)} شقيقا أو أبويَّا أو أميا، {وفصيلته} أقاربه الذين فصَل عنهم وينتهي إليهِم، وسميت فصيلة لأنـَّه مفصول منها والولد مفصول من أبويه، ويقال: «العبَّاس رضي الله عنه فصيلة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم»، لأنَّ العمَّ قائم مقام الأب، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «فاطمة بضعة منـِّي»، {التي تؤويه(13) } تضمُّه بالنفع والدبِّ عنه، والتمسُّك بها في النوائب.

 

 {ومن في الأرض} من أوَّل الدنيا إلى آخرها. {جميعا} الجنِّ والإنس والدواب والأموال كلّها أصولا و [564] عروضا، فمن لتغليب العاقل بأن يملكهم كلّهم فيهونوا عليه في مقابلة تنجية نفسه بهم، فقوله: {يودُّ المجرم...}إلخ مستأنف لبيان أنَّ المجرم يبلغ من اشتغاله بنفسه إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأعزِّ شيء عليه وبأوسعه. {ثم ينجيه(14)} عطف على {يفتدي} فهو داخل في التمنِّي، والضمير المستتر عائد إلى الافتداء، أي يتمنى الافتدء أي تسليم ما ذكر كلّه فداء ثمَّ تنجية الافتداء له بأن يقبل عنه، فكأنـَّه قيل: يود المجرم لو يفتدي ويود لو ينجيه الافتداء، فمعنى يفتدي يعالج الفداء، ويسعى فيه، ويعطي فيه ويبقى بعد ذلك هل يقبل عنه، فقال: {ثمَّ ينجيه} فكأنـَّه قيل: يود حصول الفداء وقبوله، ويجوز عود الضمير المستتر إلى ما ذكر من بنيه وما بعد، وثم للتراخي في الرتبة كلّ ما يبعد أن يملك ذلك كلّه فضلا عن أن يفتدي به، فقبوله عنه وتنجيته به أبعد من ذلك.

 

{كلا} زجر عن الإجرام المؤدِّي إلى هذا التمني للافتداء بذلك وعن توهُّم قبوله. {إنها لظى(15) نزَّاعة للشوى(16)} الضمير للشأن وأنـَّث لأنَّ ركني الإسناد مؤنثان بعده، وكذا لو لم يؤنث إِلاَّ أحدهما، و«لظى» مبتدأ و«نزَّاعة» أي القصَّة، لظى نزاعة والجملة خبر لإن، والرابط كون الخبر نفس اسمها في المعنى أو عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب، أي النار التي يعذبون بها هي «لظى» و«نزَّاعة» خبر ثان أو عائد إلى لظى، ولظى بدل منه، ونزَّاعة خبر، ويجوز عوده إلى لظى، مع أنَّ لظى خبر، ونزّاعة خبر ثان على التعظيم، كقول أبي النجم: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي أنا المعروف،وشعري هو المعروف، أولم يلحقنا تغيير، أي أنَّ «لظى» هي لظى بمعنى أنـَّها المعروفة التي بلغت من العظم ما بلغت ولا تتغير، وقال الأخفش والفراء والزجَّاج: خبر لمحذوف، أي هي «نزَّاعة» و«لظى» علم للنار مأخوذ من اللَّظى، فذلك الوزن أيضًا بمعنى اللَّهب، فهو علم منقول من اسم الجنس، يقال: «لظت النار لظى أي لهنت»([4])، وقرأ: «نزَّاعة» بالنصب على الحال من لظى بناء على جواز الحال من الخبر مطلقًا، أي محكوم عليها بأنـَّها لظى حال كونها نزَّاعة، وليست مؤكَّدة لأنَّ لظى لم يوضع لغة لنزع الشوى، وإنـَّما النزع لازم [565] لها، وإن أريد أنَّها مؤكَّدة تأكيدا معنويا لا اصطلاحيا صحَّ، وقد تجعل حالا مؤكَّدة للجملة كقولك: «زيد أبوك عطوفا» أي أثبته لك عطوفا، فالتقدير هنا أثبتها أو ألظظها أو أوقدها حال كونها نزَّاعة، كما قيل ذلك، ولا يصحُّ نصبه على الاختصاص إِلاَّ إن أريد غير الاصطلاحي، بأن أريد به تقدير أعني، ولا فائدة في ذلك، والشوى الأعضاء الأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس، قال مقاتل: «تنزع الرأس والأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا إِلاَّ أحرقته»، وقال سعيد بن جبير: «العصب والعقب ولحم الساقين واليدين»، وقال ثابت البناني: «مكارم الوجه»، وكلَّما نزعتها  رجعت،  {كلَّما نضجت جلودهم بدَّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب}.

 

 {تدعو} بلسان الحال لأنَّ لكل كافر زاوية في جهنـَّم يستحقها بكفره لا محيد له عنها، فكأنَّها تدعوهم بلسان القال أو بمعنى تجبد وتحضر تجبد بعضا من الموقف وبعضا إذا جلَّ وها كجبد([5]) النفس بالطبع أويخلق الله لها لسانا ناطقا فتقول لهم: «إلي يا مشرك إليَّ يا فاسق»، ويقال: تدعوهم وتلتقطهم التقاط الحب أو التقاط الحمام حب السمسم، أو يقدَّر مضاف أي تدعو خزنتها {من أدبر} إلخ، أو تدعو بمعنى تهلك، تقول العرب: دعاك الله أي أهلكك، من أدبر عن التوحيد والحق {وتولى(17)} عن الطاعة أو تولىَّ عنها وأدبر عن التوحيد والحقّ، {وجمع} المال، {فأوعى(18) } أي فأعاه أي فجعله في وعاء يكنزه فيه لا يخرج منه الحقوق لشدَّة بخله وشحِّه وطول أمله، وذلك آفة الدين الكفر والشحّ، فهو مشتغل بجمع ما يهلكه.

 

{إن الإنسان خلق هلوعا(19)} سريع الجزع عند ما يكره وسريع المنع عند الخير كما فسَّره بقوله: {إذا مسه الشر جزوعا(20) وإذا مسه الخير منوعا(21)}  قال محمَّد بن يحيى ثعلب قال لي محمَّد بن عبد الله بن طاهر: «الجواد بالمال، ما الهلع؟» فقلت: «قد فسَّره الله تعالى ولا تفسير أبين من تفسيره، هو الذي إذا ناله شرٌّ أظهر شدَّة الجزع بالشكوى، وشتم من يشتم، وإذا ناله خير بخل ومنعه الناس»، والمراد بالإنسان المشرك عند بعض والوجه أنَّ المراد العموم، لأنَّ ذلك من طبع الإنسان مطلقًا إِلاَّ ناذرا، ويدلُّ لعموم الاستـثـناء في قوله [566].

 

{إلا المصلين(22) الذين هم على صلاتهم دائمون(23)} وكل من هلوع وجزوع ومنوع صفة مبالغة، والمراد كثرة الهلع والجزع والمنع وعظمهنَّ ولا يلزم أن يكون قوله تعالى: {إذا مسَّه} إلخ تفسيرا لـ «هلوعا» لجواز تفسير الهلوع بالضجور، وقد فسَّر به الفراء والمبرد، وكلٌّ من هلوعا وجزوعا ومنعوعا([6]) حال من ضمير خلق على الوجهين، إِلاَّ أنَّ جزوعا مقيد بمس الشرِّ ومنوع مقيَّد بمسَّ الخير، وإذا خرج عن الشرط متعلِّق بما بعده، هكذا إنَّ الإنسان خلق هلوعا جزوعا إذا مسَّه الشرُّ ومنوعا إذا مسَّه الخير، ويجوز أن لا تخرج عن الشرط فيقدَّر الجواب عاملا في جزوعا ومنوعا، أي إذا مسه الشرُّ كان أو رئي جزوعا، وإذا مسَّه الخير كان أو رئي منوعا، والشر الفقر والمرض وذلَّ الأقران وما تكره النفس، والخير المال والصحة والسعة، كان يمنع المال فلا يعطي منه، والصحَّة فلا يعين بها محتاجا إليها، والسعة مطلقا حتَّى الجاه الذي له فلا ينفع به، والمراد بخلق الإنسان هلوعا خلقه بهذه الحال، إِلاَّ أنـَّه خلق له ما يزيل به هذا الطبع أو كثرة ذلك منه، كقوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل}.

 

 ويدلُّ لذلك أنـَّه ذمَّه على ذلك واستثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك ذلك، ولو كان ذلك ضروريا لم يمدح ولم يذم، وما خلق ضروريا كالهلع أمكنه مع بقاء أصله في نفسه العمل بضدِّ مقتضاه، وأصل الجزع المنع والهلع من حين كان غير مكلَّف، والعقاب على العلم بذلك من حين التكليف، والآيات دللن على الصبر وصرف واجب الحقّ من المال وترك الهلع واستثنى الله عزَّ وجلَّ من يداوم على الصلاة ويحافظ عليها ويقوم بشهادته، ويؤدي الحقَّ من ماله، ويصدِّق بالبعث ويخاف العذاب، ويحفظ فرجه عن الحرام، ويحفظ الأمانة والعهد، فإنَّه غير داخل في المذمومين بالهلع والجزع والمنع. والدوام على الصلاة أن لا يشغله عنها شاغل فيتركها حتَّى يخرج وقتها، والمحافظة عليها مراعاة شروطها وفرائضها وسننها ومستحبَّاتها وآدابها وأن لا يؤخرها إلى وقت الضرورة أو يدخلها قبل تحقق وقتها، وإنـَّما ذكر تلك الأوصاف بالعطف بأسماء أصحابها، ولم يسقط العاطف [567] ويجعلها نعوتا تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات، وإيذانا بأنَّ كلّ صفة منهنَّ أمر عظيم مستتبع لأحكام كثيرة، كأنـَّه حقيق بأن يفرد له موصوف، وإلاَّ فليس المراد أنَّ  المقتصر على دوام الصلاة مكرم ولولم يرد حقّ المال، والمؤدي له مكرم ولو لم يصلِّ، وهكذا بل المراد الإتيان بالصلاة دواما، وحق المال والتصديق بالقيامة وهكذا كقوله: إلى الملك  العزم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم أي إلى جامع الملك والعزمية والنبوَّة للهمام والشجاعة فهو واحد.

 

 {والذين في أموالهم حق معلوم(24)}  نصيب معيّن يوجبونه على أنفسهم، ويجوز أن يكون المراد ما قدَّروه في أموالهم من تنجية المشرف على الهلاك وشديد الحاجة من سائل أو محروم أو غير شديدها، كما قال: {للسائل} الذي يطلب منه أن يعطيه من ماله، {والمحروم(25)} الذي لا يعطيه الناس ظنًّا أنـَّه غني لأنّه يعف ولا يسأل ولا يتعرَّض، {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} فمدح الله من يتفطَّن له بالتفكر في أن لا مال له وفي أن مال له([7]) وبالسؤال عنه أو يعطيه حوطة أنَ يكون محتاجا أو يكثر الصدقة حتَّى يصادفه، {والذين يصدِّقون بيوم الدين(26)} يوم الجزاء فيسعون في طاعات البدن والمال وأداء الفرائض واجتناب المحرمات طمعا في الثواب والنجاة من العقاب، فالمراد بالتصديق لازمه من السعي في الخير وعن الشر، بدليل توسيطه هنا ولو أراد مجرَّد الإيمان بالبعث لقدَّمه عن الصلاة، و يجوز أن يكون وسطه لحب المال فلا يصرفه بلا عائده ينوي من صرفه إِلاَّ من صدّق بالجزاء .

 

{والذين هم من عذاب ربهم مشفقون(27)} خائفون الخوف الشديد مع ما لهم من أعمال الواجبات والفعل وترك الحرام رعاية لعظم حقّ الله واستقصارا لأنفسهم وخوفا أن يكون في أعمالهم خلل، كقوله تعالى: {والذين يوتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنـَّهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}.

 

 {إن عذاب ربهم غير مأمون(28)} الجملة معترضة لبيان أنـَّه ما كان لأحد أن يأمن عذابه أو يعجب بنفسه ويستعظم عمله ولو بلغ ما بلغ من العبادات والتحرُّز عن المعاصي [568] إذ لا يدري ما يختم له به وإذ لا يخلو من التقصير فهو أبدا خائف.

 

 {والذين هم لفروجهم حافظون(29)} لا يصفونها إِلاَّ لضرورة كطب، ولا يكشفونها ولا يمسُّون بها أحدا ولا يتمتَّعون فيها بأيديهم أو بغير أيديهم ولا بالنظر تلذذا وكذا النساء. {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} من الإماء فلهم وطؤهنَّ ومسهنَّ والكشف إليهنَّ ووصف عورتهم لهنَّ وكذا هنَّ إليهم ولكن يكره النظر منهم أو منهنَّ. {فإنهم غير ملومين(30)} على أزواجهم وما ملكت أيمانهم في ذلك غير إدبارهنَّ، وجاء الحديث بإنـَّه يحلُّ من الحائض غير الفرج، فدلَّ أنَّ الاستمتاع من المرأة في أي موضع جائز ولو في فِيها بذكره، ولا تحرم بفيها، وقيل: إذا منى، وعلى القولين فلا يجوز، واستثنى الحديث الدبر.

 

 {فمن ابتغى وراء ذلك} طلب وراء ما ذكر من الأزواج وما ملكت اليمين أي طلب خلافهنَّ، ووراء مفعول به لأنـَّه المتصرف وليس هو هنا ظرف وإن جعل ظرفا قدر المفعول، أي وإن طلب وراء ذلك شيئًا يتمتع فيه بفرجه، ويجوز عود الإشارة إلى ما يعلم من المقام من الوطئ أو التمتع أو إلى الحفظ وشمل وراء ذلك التمتُّع باليد أو غيرها، والزنى والدبر والكشف لغيرهنَّ والمس والوصف وإنـَّما ذكرت نفي الإدبار لأنَّ المراد إباحتهنَّ على ما وصف في قوله: {وءاتوا حرثكم أنا شئتم}. {فأولئك هم العادون(31)} المجاوزون لحدود الله فعليهم العقاب.

 

{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون(32)} مراقبون محافظون لا يخلُّون بشيء منها وشملت الأمانات والودائع، والرهن والعارية واللَّقطة وكل ما بأيديهم لغيرهم، وليس في ذمَّتهم وشملت كلام السرِّ والشهادة وشمل العهد كلّ عهد إِلاَّ المعصية والمكروه فلا مدح بالوفاء بهما.

 

{والذين هم بشهاداتهم قائمون(33)} يقومون بها عادلين إحياء لحقوق الناس، وخصَّت بالذكر مع دخولها في الأمانات لإظهار فضلها، وقرئ بشهادتهم بالجمع كما أن أماناتهم جمع وقرئ بإفرادها، ووجه الإفراد في القراءتين إرادة الجنس وأيضا شهادة مصدر صالح للكثير والقليل ووجه جمعها إرداة الأنواع والتصريح بها، وشملت الشهادات شهادة الأموال وعقودها، وشهادة النكاح والتسرِّي والطلاق والفداء ونحوهما [569] والرجعة والعتق والهبة والشفعة والنسب وغير ذلك، والقيام بها أداؤها حين احتيج إليها، ويجوز أن يراد أخذها وأداؤها، أي يقومون بها أخذا وأداء، فإنَّ أخذها واجب إذا تعيَّن كأدائها، وقال عطاء عن ابن عـبَّاس: «المراد شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وأن محمَّدا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم».

 

 {والذين هم على صلاتهم يحافظون(34)} بالوقت والطهارة والخشوع والفرائظ والستر والمستحبَّات، بدأ بالصلاة على الدوام وختما بها على وجه كمالها تعظيما لها على سائر الطاعات وإنها العمدة بعد التوحيد. {أولئك في جنات مكرمون(35)} إشارة البعد إعلاء لشأنهم، وتنكير جـنَّة للتعظيم أي جنات لا يعلم قرارها إِلاَّ الله، و{في جنَّات} خبر، و{مكرمون} خبر ثان، أو هو الخبر و{في جنات} متعلِّق به، أو بمحذوف حال من المستتر في مكرمون، وعليهما فإنـَّما قدم للفاصلة وبطريق الاهتمام وللحصر أي لا يكرمون على تلك الصفات بشيء في غير الجنات إذ غيرها من اللَّذات الممكنة لا يقابل تلك الصفات والله أعلم.

 

{فمال الذين كفروا} والفاء عاطفة للإنشاء على {أولئك في جنات مكرمون} عطف إنشاء على أخبار أو في جواب أي إذا كان الأمر كذلك، {فمال للذين كفروا} وما اسم استفهام تعجيببي، واللاَّم حرف فصلت في الأمام عن مجرورها وهو الذين، وتلعق بمحذوف خبر المبتدأ، فبانفصالها صحَّ الوقف عليها وصحَّ إثبات الوصل  في الخط ونقطها بالأخضر فوقها حيث تكون حركتها لو ابتدأ بها ووصلها بجرَّة حمراء إيذانا بوصل ما قبلها بما بعدها، وكان أسفل تبعا لكسرة اللاَّم، وذلك شاذٌّ من حيث جواز الوقف على حرف جر هو على حرف واحد من حروف الهجاء، وذلك وقف قبيح، وكذا في {مال هذا الكتاب} و{مال هذا الرسول} والقاعدة أنَّ  لام الجرّ لا يوقف عليها وكذا لام الابتداء فلا تكتب همزة الوصل بعدهما، وكذا كلّ ما على حرف واحد إِلاَّ أنَّ واو العطف وفاؤه تكتب بعدهما همزة الوصل ومع ذلك لا تنقط بالأخضر ولا توصل بجرَّة، وذلك دليل على أن لا يجوز الوقف عليهما وإمـَّا ما على حرفين أو أكثر كـ: عن ومن وبل وثم، فإنـَّه يجوز الوقف عليه وهو وقف قبيح.

 

{قبلك} حولك في الجهة المقابلة لك {مهطعين(36)} حال من [570] الذين أي مسرعين أو مادين أعنقاهم مقبلين بأبصارهم، وروي أنـَّهم كانوا يحتفون حوله صلَّى الله عليه وسلَّم حلقا يستهزئون به ويستمعون كلامه، ويقولون: «إن دخل هؤلاء الجـنَّة كما يقول محمَّد فلندخلنها قبلهم»، فنزلت الآية وظاهر الآية فيما قال أبو مسلم أنَّها في المنافقين، وهذا على أن السورة مدنية والمشهور أنـَّها مكية فهي في المشركين، و{قبلك} متعلِّق بـ {مهطعين} بمحذوف حال من الذين.

 

 {عن اليمين وعن الشمال عزين(37)} حال ثان أو حال من الضمير في مهطعين و«عن» متعلِّق بعزين لمراعاة معنى متفرِّقين، وعزين مجتمعين، وهم جماعات لكن في تفرقة كلّ جماعة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى، أي تنتسب، فالمفرد عزَة هو من باب سِنة فجاز جمعه جمع سلامة حذفت لامه وهو الواو وعوّض عنها التاء والمراد يمين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وشماله.

 

{أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم(38)} بلا توحيد وعمل كما يدخلها الموحِّدون العاملون، والنعيم ضدَّ البؤس.

 

{كلا إنا خلقناهم مما يعلمون(39)} كلا ردع عن ذلك الطمع لأنـَّه باطل فارغ وكفر لإبطاله فرض الفرائض واستحباب  المستحبات وتحريم المحرمات، و«ما يعلمون» هو النطفة والوقف على «كلا» والجملة متسابقة بعدها عائدة إلى قوله: بعد ذلك، {إنـَّا لقادرون على أن نبدِّل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين} والمعنى أنـَّه تعالى قادر على أن يهلكهم بكفرهم واستهزائهم برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبالقرآن وبإنكار البعث والجزاء وادعاء دخول الجنَّة بالسخرية وأن ينشئ بدلهم قوما آخرين من نطف آباء كما أنشاهم من نطف آبائهم، ويدلُّ على هذا التفسير فاء التفريع في قوله: {فلا أقسم} وقيل: المعنى مِمَّا يعلمون من نطفة كما خلقنا المؤمنين منها وهم زادوا عليكم بما نرحمهم به، وهو التوحيد والعمل الصالح وترك المعاصي، فبما تتشمرُّون وتدخلون الجـنَّة به دون ما به يدخلون وتدَّعون التقدم عليهم وقيل: مِمَّا «مِمَّا تعلمون» النطفة القدرة لا تناسب عالم القدس فكيف تدخلون الجـنَّة بدون أن تستكموا أنفسكم بأخلاق الملائكة من الإيمان والطاعة، كما استكمل المؤمنون أنفسهم بما فيها يدخلون الجـنَّة مع فضل الله عزَّ جلاله ومن في ذلك للابتداء [571].

 

 وقيل ما يعلمون من الإيمان والطاعة، ومن للتعليل أي خلقناهم لـمَا يعلمون من الإيمان والطاعة من لسان محمَّد، {وما خلقت الجن والإنس إِلاَّ ليعبدون} فلا عطف أو جواب لمحذوف أي إذ كان الأمر كذلك فلا..إل؛خ والوقف عليها أي فلا تطعموا، فلا ناهية أو نافيَّة أي فلا طمع لكم صحيح أو صلة للتأكيد أو لام الابتداء، وألف أنا أو نافية للإقسام على أنَّ «لـقادرون» لوضوح الأمر، أقسم {برب المشارق والمغارب} مواضع طلوع الشمس ومواضع غروبها في كلّ يوم، فلكل يوم مطلع ومغرب، غير مطلع اليوم الآخر ومغربه إلى تمام السنَة، أو مطالع النجوم كلّها ومغاربها، ومنها القمران، وزعم بعض أنـَّه يجوز أن يراد بالمطالع ظهور كلّ شيء، وبالمغارب موته أو التوفيق والخذلان، ووالله إن شاء ما نزل القرآن بهذا ولكن ذلك تخليط من قائليه وكذا أمثاله.

 

 {إنا لقادرون(40) على أن نبدِّل} بإهلاكهم لكفرهم، {خيرا منهم} يحلفونهم ليسوا على صفتهم بل مؤمنين. {وما نحن بمسبوقين(41)} أي بمغلوبين على ذلك لو أردناه، {والله غالب على أمره} ولكن اقتضت الحكمة وسبقت الكلمة، إذ لا نفعل بل نؤخِّر إهلاكهم وإن الآية بظاهرها بمعنى القدرة على إهلاكهم بمرَّة، وتوليد من يؤمن مِمـَّن شاء وإهلاكهم بمرَّة غير واقع فإنـَّهم كلّهم أعني خصوص من أراد الله في الآية بقوا على الكفر إلى أن ماتوا بلفظ مات  في بدر وبعض في أحد وبعض في غير ذلك وبعض في غير حرب، وليست الآية تعمُّ من سيؤمن بدليل. {فذرهم يخوضوا}إلخ السورة، فذلك أولى مِمَّا قيل: قد فعل الله ذلك بأن أبدل بهم المهاجرين والأنصار، وممـَّا قيل: بدَّل الله كفر بعض بالإيمان.

 

{فذرهم يخوضوا} في الباطل من الكفر بِمَا يجب الإيمان به والاستهزاء ودعوى أنَّ لهم الجـنَّة وأنـَّهُم مقدمون وغير ذلك من المعاصي، قولا أو فعلا. {ويلعبوا} وفي الدنيا بالمباحات والملاهي، {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون(42)} يوم البعث بدليل قوله على الإبدال: { يوم يخرجون من الأجداث} وقيل يوم موت الخلق كلّهم بناء على أنَّ وقت موتهم كلّهم مع ما بعده وقتا واحدا، يبغون موت([8]) في بعضه ويبعثون في بعضه، وقرأ يخرجون بالبناء [572] للمفعول من الإخراج، و{الأجداث} القبور.

 

{سراعا} أي مسرعين إلى الموقف، {كأنـَّهم إلى نصب} ما أقيم في إثباته إلى جهة السماء وعبد من دون الله وهو مصدر بمعنى منصوب، وذلك قراءة الجمهور وقرئ (بضمِّ النون وإسكان الصاد) لغة وتخفيفا من نصب (بضم النون والصاد) أوجمع نصب (بفتح النون وإسكان الصاد) كسَقْف (بفتح وإسكان)، وسُقْف (بضمِّ فإسكان)، وقرئ (بضمِّ النون والصاد) جمع نصب ففتحهما كأسد وأسد. {يوفضون(43)} يسرعون، كانوا إذا ذهبوا إلى عبادة الأصنام ذهبوا مسرعين، {خاشعة} حال من واو «يوفضون» كما أنَّ سراعا حال من واو «يخرجون»، {أبصارهم} فاعل «خاشعة» أي خاضعة أبصارهم وهم أذلاء كلّهم إِلاَّ أن الذلَّ بالبصر أكثر، أسند الخضوع إليها، {ترهقهم ذلة} تغشاهم ذلَّة شديدة في قلوبهم يظهر أثرها في أبدانهم، {ذلك} اليوم الذي وصف بخروجهم فيه من الأجداث سراعا خاشعين ذليلين. {اليوم الذي كانوا يوعدون(44)} في الدنيا والله أعلم وهو المستعان، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم.


 


[1]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لفضله».

[2]

- كذا في الأصل، والصواب: «النضر».

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لذهلت».

[4]

- كذا في الأصل، والصواب: «لهبت».

[5]

- كذا في الأصل، والجملة غير مفهومة.

[6]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منوعا».

[7]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «وفي أن لا مال له».

[8]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «موت».

تفسير الآية