إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة نوح
طباعـة

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنـَّا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك} «أن» مفسرة لإنَّ([35]) في أرسلنا معنى القول دون حروفه أو مصدريَّة على تقدير الباء، أي أرسلنا بإنذاره قومه ولو كان أنذر فعل أمر، وفوت الدلالة على الأمر بالمصدر لا يمنع من ذلك كما أنـَّها تدخل على الماضي والمستقبل مع أنَّ الدلالة على الماضي أو الاستقبال تفوت المصدر، وذلك من مدار حرف المصدر الدلالة على المصدر، وأمـَّا سواه من المضي والاستقبال والإنشاء فيكتفي عنه بما قبل التأويل، وقيل: المراد أرسلناه بأنَّ قلنا له: أنذر، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار وأمـَّا الموصول الاسمي فإنـَّما امتنع وصله بالطلب لأنـَّه يتعرف بخارج الصلة والطلب لا خارج له، وقرئ «أنذر» بإسقاط أن على إرادة القول.

 

{من قبل أن يأتيهم عذاب أليم(1)} عاجل أو آجل فلا يبقى لهم عذر، قال مقاتل: «هو عند الله الغرق بالطوفان وجاء في اللَّفظ مبهم العين مبهم الزمان»، وكأنـَّه قيل: ماذا قال لهم فأجاب الله بقوله: {قال} نوح امتثالا لأمري.

 

 {يا قوم إني لكم نذير مبين(2)} منذر موضح للأمر.

 

 {أن اعبدوا الله} تقرَّبوا إليه بالعبادات {واتقوه} أي احذروا عقابه [573] بترك معاصيه، أو اتقوا معاصيه أي احذروها؛ والمعصية شاملة لفعل ما حرم فعله وترك ما وجب فعله، والعبادة شاملة لفعل ما وجب وما يستحبّ، وترك ما حرَّم ولكن الكثير المستعمل استعمال العبادة في فعل ما وجب أو يستحبُّ، والتقوى في ترك ما حرَّم وما يكره. {وأطيعوني(3)} لـمَّا كانوا قساة أغبياء لا يعرفون أنَّ طاعته طاعة الله لأنـَّه لا يأمرهم إِلاَّ بها ولا ينهاهم إِلاَّ عمـَّا حرَّم الله أوكره الله، زاد قوله: {وأطيعون} وذلك بأمر الله أن يقوله لأنـَّه إذا كانوا يطيعونه فقد كانوا يطيعون الله لأنـَّه يقول لهم عن الله، أو أطيعوني في مصالحكم الدنيويَّة، فإنـِّي أعرف بها أيضًا منكم، و«إنَّ» تفسيرية لـ «نذير» أو مصدريَّة على تقدير الباء على ما مرَّ.

 

{ يغفر لكم من ذنوبكم} «من» صلة للتأكيد في الإثبات والمعرفة في قول الأخفش، أي يغفر لكم ذنوبكم كلّها ما قبل الإسلام وما بعده إذا فرض الكلام في أن يتوبوا من الشرك ويموتوا على الإسلام، ويجوز أن تكون للتبعيض بمعنى يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو ما قبل الإسلام، ويبقى ما بعده بحسب التوبة وعدمها، وحاصل أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله فقط، وفيه أنَّ هذا يقتضي أن يكون قوله: {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوني} كلّه أمر بالتوحيد فقط وهذا لا يتبادر، ولو أمكن من حيث أنَّ التوحيد عبادة واتِّقاء وطاعة للأمر وإنـَّما يتبادر التوحيد وسائر العبادات، وإذا كان هذا كلّه لم يقتصر الغفران على ما تقدم فقط، ويجاب بأنَّ المراد بـ «يغفر» التجدد لا المرَّة تسلمون فيغفر لكم ما مضى وكلَّما أذنبتم وتبتم يغفر لكم، فهذه أبعاض تأتي على الكل فهي للاستغراق، فكأنـَّه قيل: يغفر لكم كلّ ذنب على حدة.

 

 {ويؤخركم إلى أجل مسمى} تزدادون فيه خيرا من الله وأنتم مرضيون عند الله وهو يحبُّكم تأخير محبٍّ لحبيبه، والأجل المسمى هو ما قدَّره الله وهو وقت الغرق لو آمنوا لماتوا فيه بلا غرق، ولكن قضى الله كفرهم وموتهم فيه بالغرق، وأخَّرهم الله إليه تأخير استدراج إلى الشرِّ وهذا أولى مِمَّا يقال: إنَّ المراد إن آمنوا ماتوا على ألف سنة وإن بقوا على الكفر ماتوا على تسعمائة.

 

 {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} آمنتم أو بقيتم على الكفر لكن إن آمنتم جاءكم محمودين [574] وإلاَّ فمذمومين فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه. {لو كنتم تعلمون(4)} جواب «لو» محذوف أي لو كنتم تعلمون أنَّ ما أقول هو الحقّ لسارعتم إليه لتنجوا من عذاب الدنيا وتفوزوا،  وليس من جنس قوله أنَّ أجل الله لا يؤخر لأنَّ أجله لا يؤخر علموا أم لم يعلموا.

 

{قال} نوح: شكوى إلى الله لا إخبارا لأنـَّه لا يخفى عنه شيء. {رب} ياربِّي، {إني دعوت قومي} إلى التوحيد والطاعة، {ليلا ونهارا(5)} أي بمداومة دون تقصير أو فتور، {فلم يزدهم دعائي إلا فرارا(6)} عن الإيمان والطاعة. وإسناد الزيادة إلى الدعاء مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب، لأنـَّه إذا دعاهم زادوا بسبب دعائه كفرا بما تقدَّم لهم من أمر الإيمان وبما قال لهم في الحين، فكلَّما أمرهم أو نهاهم أحدثوا كفرا ومعاصي عنادا، وكذلك من آمن كلَّما دعي إلى أمر ديني يزداد إيمانا وطاعة وذلك بقضاء الله وقدره على كلّ حال، اتَّحد الداعي أو تعدَّد حضر إليه كلّ من المؤمن والكافر بمرَّة أو كلّ بوقته، ويزداد إيضاحا ذلك أن يحضر إنسانان أو أكثر داعيا واحدا بكلام واحد، لم يكرّره لهم لم يخصَّ به خطاب أحدهم ولا زاد به إقبالا على أحدهم فيؤثِّر في بعض دون بعض بل قد يكفر به سامعه ويؤمن به من نقل هو إليه، فذلك من دلائل القضاء والقدر ولا إجبار إذ لا يخفى أنَّ لهم آلات يتوصَّلون بها إلى القبول والمنع.

 

 {وإني كلما دعوتهم} إلى الإيمان والطاعة، «كلّ» ظرف زمان لإضافته إلى المصدر النائب عن الزمان و«ما» مصدريَّة وأصل الكلام بلا ذكر لكن {جعلوا أصابعهم في آذانهم...}إلخ دعائي لهم أي وقت دعائي، وقد ينوب عن مكان مصدر وذلك في ظرف الزمان يكثر كما تقول: جئت طلوع الشمس، أي وقت طلوعها، ثمَّ جيء بكلّ أي وإنـِّي كلّ وقت دعائي إيـَّاهم وهو متعلِّق بـ«جعلوا» يقدَّر مثله لقوله تعالى: {واستغشوا}، ولقوله: {أصرُّوا}، ولقوله: {استكبروا} ضميرا مجرورا بفي لا ضميرا منصوبا على التنازع لأنَّ الظرف لا يكون ضميرا، وفي التنازع في المتقدِّم خلاف أي واستغشوا ثيابهم فيه أي في كلّ وقت، دعائي أصروا فيه واستكبروا فيه.

 

 {لتغفر لهم} بسبب الإيمان والاتقاء والطاعة إن فعلوهنَّ، {جعلوا أصابعهم في آذانهم} سدًّا لها لئلاَّ يسمعوا ما يدعوهم إليه وذلك مبالغة منهم [575] لعنهم الله في النفرة والكفر والتقليد  والهروب عن الحجَّة والبيِّنة وفي ذلك حذف مضاف أي أنامل أصابعهم أو مجاز لغوي من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، ووجه ذلك كلّه على طريق العرب في المبالغة كأنـَّهم جعلوا الأصابع كلّها، ثمَّ إنـَّه لا مانع من كون ذلك حقيقة في العرف العام، فإنـَّك تقول: مسَّت زيدا، إِنـَّمَا مسَّت يده مثلا فقط، وأمسكت الحبل، وإنـَّما أمسكت طرفه ولا يعدُّ ذلك في العرف مجازا، وإنـَّما يحمل جعل الأصابع في الآذان. واستغشاء الثياب على مطلق الامتناع الشديد عن القبول لا على حقيقة ذلك لو دلَّ على ذلك دليل من امتناع الحقيقة أو دليل على أن المراد غير الحقيقة، وكان أبو العبَّاس الفساح يعجبه السمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضا، فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهتم، فخاضوا في الحديث وتذاكروا مضر واليمن .

 

 وقال إبراهيم بن مخرمة: «يا أمير المؤمنين إن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، ولم يزالوا ملوكا ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أوَّل، أوَّل([36]) منهم النعمان والمنذر ومنهم عيَّاض صاحب البحرين ومنهم من كان يأخذ كلّ سفينة غصبا، وليس من شيء له خطر إِلاَّ إليهم ينسب، إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف أقروه فهم العرب العاربة وغيرهم المتعرِّبة»، فقال أبو العبَّاس: «ما أظن التميميَّ يرضى بقولك»، يعني خالد بن صفوان، ثمَّ قال: ما تقول يا خالد؟ قال: «إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلَّمت»، قال: تكلم ولا تهب أحدا، قال: «أخطأ المقتحم بغير علم ونطق بغير صواب، وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنَّة، يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام محمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلله المنَّة به علينا وعليهم فمنَّا النبيء المصطفى، والخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور وزمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لايحصى من المآثر، ومنَّا الصدِّيق والفاروق وذو النورين والرضي [576] والولي، وأسد الله وسيِّد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زحمناه ومن عادانا اصطلمناه»؛ ثمَّ أقبل خالد على إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك قال: نعم، قال: فما اسم العين عندكم؟ قال: الجمجمة، قال فما اسم السنِّ؟ قال: الميدن، قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصقارة، قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشنابير، قال: فما اسم الذئب؟ قال الكنع، قال: أفعالم أنت بكتاب الله؟ قال: نعم، قال فإنَّ الله عزَّ وجلَّ وتعالى يقول: {إنـَّا أنزلناه قرآنا عربيا}، وقال تعالى: {بلسان عربي مبين}، وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إِلاَّ بلسان قومه}، فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل، ألم تر أنَّ الله تعالى قال: {والعين بالعين}، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة، وقال تعالى: {والسنَّ بالسنِّ}ولم يقل: والميدن بالميدن، قال تعالى: {والأذن بالأذن} ولم يقل: الصقارة بالصقارة، وقال تعالى: {يجعلون أصابعهم في آذانهم}، ولم يقل: شنابيرهم في صقاراتهم، وقال تعالى: {فأكله الذئب} ولم يقل: فأكله الكنع، ثمَّ قال لإبراهيم: «إنِّي أسألك عن أربع: إن أقررت بهنَّ قُهرت، وإن جحدتهنَّ كفرت، قال: وما هنَّ؟ قال: الرسول منـَّا أو منكم؟، قال: منكم، قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم، قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم، قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال: لكم، قال: فاذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم».

 

 {واستغشوا ثيابهم} بالغوا في التغطي بها كأنـَّهم طلبوا ثيابهم أن تغشاهم، فإنَّ استفعل أصله الطلب وذلك لئلاَّ ينظروا إليه، أذكر هو النظر إليه وليزدادوا سترا لآذانهم فإنَّ  ذلك أقوى في عدم السمع ولئلاَّ يعرفهم فيدعوهم بأسمائهم، وذلك أنـَّهم ستروا بها وجوههم ورؤسهم وآذانهم.

 

 {وأصروا} أكبُّوا على الكفر والمعاصي مستمرِّين على ذلك معتقدين ناطقين أن لا يتركوا ذلك واعتقادهم يُعلم من قولهم وأحوالهم. {واستكبروا استكبارا(7)} عظيما استحقروا الإيمان وعدُّوه سفها،وتنقَّصوا أهله فلا يتبعونه.

 

{ثم إني دعوتهم جهارا(8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا(9)} أسرا، ولا ليقبلوا النصح ولا ينظر بعض إلى بعض في العناد ثمَّ جهر لهم مدَّة [577] مقتصرا على الجهر إذ لم ينفع السر ولم تكن فيه فائدة، ومن شأن الدين الجهر به إقامة له ونصرا، ولأنـَّهم أظهروا الكفر فأظهر ضدَّه فسرَّ بسرٍّ والعلائن مثلها، ولا يستحيون لأنـَّه فيهم كلّهم إِلاَّ قليلا اسم بعد أو لم يكلف لطفوليَّة أو جنون، ثمَّ جمع لهم بين الإعلان وهو الجهر والإسرار مدَّة يجهر فيها تارة ويسرُّ أخرى، ويجهر لبعض ويسر لبعض و«ثمَّ» لترتيب الفعل في الزمان على أصلها أو لترتيب المراتب فإن الجهر أعظم من الإسرار والجمع بينهما أعظم من الجهر وحده، و«جهارا» مفعول مطلق لـ«دعوتهم» لأنـَّه أحد نوعي الدعاء بلا ردّ واحد إلى آخر أو لردّ «دعوتهم» إلى معنى جاهرتهم أو «جهارا» إلى معنى دعوتهم أو يقدَّر مضافا أي دعاء جهارا، وأمـَّا أن يقال: إنـَّه نعت لمصدر محذوف، وهو بمعنى المفعول على الحذف والإيصال، والأصل دعاها مجاهرا به، فضعيف، لأنَّ فيه حذفين وتأويل المصدر لمفعول وأولى منه أن يجعل «جهارا» حالا من التاء على حذف مضاف أو على التأويل باسم الفاعل، والأصل ذا جهارٍ أو مجاهرًا.

 

 {فقلت استغفروا ربكم} استغفارا توبة من كفرهم  ومعاصيهم، {إنه كان غفارا(10)} للمستغفرين التائبين وجملة «إنـَّه كان غفَّارا» معترضة أوتعليل كذَّبوا زمانا طويلا فحبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ورجعوا في ذلك الزمان لـمَّا طال الأمر إلى نوح وكأنهم قالوا: إنـَّا كـنَّا على الحقّ فكيف نتركه، وإن كـنَّا على الباطل فكيف يقبلون بعدما عكفنا على الباطل زمانا طويلا، فقال لهم: إذا استغفرتم غفر لكم لأنـَّه غفار يقبل التوبة عن عباده وزاد أن منـاهم ما يميلون إليه بالطبع وهو المال، والمال والبنون.

 

 قال بكر بن عبد الله: «أكثر الناس ذنوبا أقلهم استغفارا، وأقلهم ذنوبا أكثرهم استغفارا»، قال مقاتل: «أمسك عنهم المطر وأعقم نسائهم أربعين سنَّة»، وقال غيره سبعين سنَّة وعدهم إن آمنوا لأرسَل الله عليهم القطر وأصبح نساءهم كما قال: {يرسل السماء عليكم مدرارا(11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا(12)} ولفظ كان للإشعار بأنَّ المغفرة من شأنه سابقا إستمرَّت إليهم، وكذا من بعدهم أو كان [578] للدوام كالمضارع المتجدِّد والسماء هي جنس السماوات على أنَّ المطر من الجنة أوهي السماء الدنيا على أنـَّه منها أو من الجـنَّة، واعتبرت هذه السماء لأنـَّها التالية وبعض المطر من البحر والعيون أو ما شاء الله والله قادر على إنزاله بسرعة من الجـنَّة أو من السماء أو من بحر في الجوِّ، أو المراد بالسماء السحاب أو المطر لأنَّ كلا منهما أضلَّ من تحته فصار كالسقف فوقه فاستحقَّ اسم السماء، قال الشاعر:

إذا نـزل السمـاء بأرض  ** قوم رعيناه وإن كانوا غضابـا

على أنَّ المراد المطر وهو متعين في البيت، و«المدرار» الكثير الدرور أي النزول، ومفعال يقال للمؤنث  كما يقال للمذكر فيقال رجل معطار وامرأة معطار، والإمداد بالمال التقوية بزيادته، والأموال تعم الدنانير والدراهم والمواشي وسائر العروض ويعم الحرث والغرس وسائر الأصول وذكر البنين لأنـَّه لا رغبة للناس في البنات، والجنات البساتين، والأنهار العيون على وجه الأرض حيث لم تكن وهي بقدرته أو بإكثاره المطر حتَّى تكون منه العيون حيث لم تكن. شكا رجل إلى الحسن الجذب والآخر الفقر والآخر النسل وآخر قلَّة ثمار أرضه فأمرهم بالاستغفار، فقيل له مثلا: ‏{فقلت: استغفروا} إلى {أنهارا}، واقتصر عمر في الاستسقاء على الاستغفار، فقيل له، فقال: لقد استسقيت بمحاديج السماء شبه الاستغفار بثلاث كواكب يصدق نوؤها بإذن.

 

{ما لكم لا ترجون لله وقارا(13)} استفهام وتوبيخ وإنكار للجواز أن لا يرجون لله وقارا، ومعنى لا يرجون لا يعتقدون أو لا يأملون، الوقار العظمة مصدر، وجملة «لا ترجون» حال من الكاف وإذا فسَّرنا «ترجون» بتعتقدون فالمعنى مالكم لا تعتقدون لله عظمة، فإن لله العظمة التي لا غاية لها ولا تعتقدون له، ولو قليلا منها، مع أنـَّه لا سبب يثبت به عدم اعتقادها سرًّا وعنادهم إذ شاهدوا آثارها، وما يوجب اعتقادها و«لله» متعلِّق  بـ «ترجون» أو بمحذوف نعت لوقار أو أصله أن يكون نعته لكن نعت النكرة إذا قدِّم عليها صار حالا منها أو المراد بالوقار تعظيم الله بالإيمان والطاعة، وإذا فسَّرنا «ترجون» بتأملون فوقار فعل من «الله» اسم مصدر بمعنى التوقير أي [579] مالكم فيكون اسم مصدر وعلى الوجهين هو فعل منهم فنفي «لا يرجون» أي لاتأملون ولا تطمعون أن يعظمكم الله بالرضى عنكم وبإدخال الجـنَّة، وكان الواجب أو ترغبوا في ذلك بأن تومنوا اوتطيعوا أو مصدر بمعنى العظمة أي ما لكم لا تأملون عظمة تكون من الله جلَّ وعلا ولا تأملون إيجاد عظمة لكم منه وهي بالرضى والجـنَّة وتحصل بالإيمان والطاعة وعلى الأوجه في تفسير «ترجون»­ ب«تأملون» يتعلَّق لله بترجون فإنَّ ما كان فعلا لله ينسب إليه ويرجى إليه، أو بمحذوف حال من وقار أيضًا، لأنَّ الوقار يحصل منه لهم، فما يحصل منه لهم لو آمنوا يصحُّ نسبته إليه، تقول: ذلك الضرب لزيد أي هو الذي يوقعه أو اللاَّم بمعنى من متعلِّق بـ «ترجون»، أو بمحذوف حال من وقار، أو في تفسير ترجون بتأملون في أوجهه بعد لأنَّ، من شأن مثلهم أو يعبر فيهم بما لكم لا تؤمنون فتنجوا من النار وتفوزوا بالجـنَّة، لا بما لكم لا تطمعون في الجـنَّة لأنـَّهم غلب ولو كان ذلك جائز أمن حيث أن أمل الرضى والجـنَّة يجعل عبارة عن ملزومه، وهو الإيمان والطاعة أيضًا، فليسوا في قرب من الطمع في الرضى والجنـَّة فضلا عن أن يستعبد ويعجب من عدم طمعهم، ولو قيل في كافر: شديد العداوة للمسلمين، لم لا يحبُّهم ويتولاهم ويقدمهم على نفسه لكان بعيدا، و قيل في تفسير «ترجون» بتأملون أنَّ لله بيانا للموقِر بكسر القاف، ولو تأخر لكان صلة له، وأراد بقوله: بيانا، تعليقه بأعني وفيه تناقض، لأنَّ كونه بيانا للموقِّر يقتضي كون التوقير فعلا لله تعالى وكونه صلة لوقار يوجب أنَّ التوقير فعل لهم بمعنى تعظيمهم الله، وقد يقال: لا تناقض بأنَ يريد بالصلة كونه نعتا لوقار لا ما يتبادر من كون المراد أنـَّه تعلق به، وقيل: ترجون بمعنى تخافون، كقول الشاعر:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

أي لم يخف لسعها فالمعنى ما لكم لا تخافون عظمة الله فإنـَّه عظيم قادر على عقابكم بكفركم، وروي عن سعيد بن جبير عن  ابن عبَّاس موقوفا لا مرفوعا إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: «مالكم لا تخشون لله عقابا ولا ترجون منه ثوابا»، فيحتمل أنـَّه فسَّر الرجاء بالخوف وزاد ذكر رجاء الثواب([37])، وعكس وفي تفسير الرجاء بالخوف [580] ترجيح لما ثبت بالآحاد على ما ثبت بالتواتر، وهذا ما يفضي إلى القدح في القرآن فإنـَّه أو جلُّه يمكن جعل إثباته نفيا ونفيه إثباتا، وعن مجاهد والضحاك: «ما لكم لا توالون لله عظمة وهذا راجع إلى التفسير بالاعتقاد»، وقال قطرب: لم أرجع بمعنى لم أبال لغة حجازية، وقيل: ما لكم لا ترجون وقارا لله بتعظيم عبده نوح المطيع له، قيل: مالكم لا ترجون لأجل الله وقارا لنوح، فاللاَّم في هذا للتعليل، وكانوا يستخفُّون بنوح عليه السلام، وقيل ما لكم لا ترجون ثباتا وبقاء لله أي لا تعتقدونه، فتخافون عقابه.

 

{وقد خلقكم أطوارا(14)} الجملة حال من واو «ترجعون» وهذا لا يناسب تفسير الرجاء بالأمل فهو يقوِّي تفسيره بالاعتقاد ولا يبعد عن تفسيره بالخوف أي كيف لا تعظِّمون الله ولا تخافون عقابه مع أنـَّه هو خلقكم أطوارا أي حالات من مرَّات أو أصنافا ثمَّ دما ثمَّ نطف([38]) ثمَّ علقا ثمَّ مضغا ثمَّ عظاما ثمَّ لحما ثمَّ حيوانا، فإنَّ التقصير في توقير القادر على ذلك في حقِّه مع إحسانه التام ليس من شأن من له عقل ولاسيما أن الإيمان سبب لعمارة العالم كما أنَّ الكفر سبب لخرابه، كما قال في النصارى: {تكاد السموات...} إلى {ولدا} والإيمان سبب للنعم ومستتبع لها كما قال جلَّ وعلا: {ولو أنَّ أهل القرى}، {ولوأنهم أقاموا}، {وأن لو استقاموا}، {ومن يتق الله} الآيات، وما خالفوا إِلاَّ للعبادة، {وما خلقت الجن والإنس إِلاَّ ليعبدون}، وقال: {وامر أهلك بالصلاة...} إلى {نحن نرزقك}، واستدلَّ لهم على التوحيد بخلقهم أطوارا، وبقوله:

 

{ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا(15)} ومعنى طباقا متطابقة بعضها فوق بعض متاوزية بلا تماس، أو خلقهنَّ بعد العتق متَّصلة متماسة ثمَّ رفع بعضا عن بعض وأسكنهنَّ الملائكة، وأمـَّا ما يقال: الملائكة أرواح تسكن ولو في غير فسحة، فلا يصحُّ لأنـَّهم أجسام لطيفة لا يحجبها الكتيف([39])، نورانيَّة و«طباقا» نعت لـ«سبع» أو حال لها لإضافتها لنكرة.

 

 {وجعل القمر فيهن نورا} وفي السماء الدنيا من فوقها، وقيل من تحتها بينها وبين الأرض، ولكن لـمَّا كان في جهة السموات أو بعضهن وهي السماء الدنيا وهنَّ جنس واحد من حيث أنـَّهنَّ في جهة واحدة عالية ومن حيث أنَّ اسمهنَّ واحد ومن حيث العمارة بالملائكة [581] ومن حيث أنـَّهنَّ طرق الملائكة بالوحي، ومن حيث أنَّ في كلّ واحدة نجما أطلق على القمر أنـَّهنَّ فيهن، فالمراد المجموع لا الجميع، أو لأنَّ السماوات الستِّ مستديرات على السماء الدنيا وعلى الأرض، وكل واحدة مستديرة على التي تحتها، فصدق أنَّ ما في السماء الدنيا هو في السماوات الستِّ، لأنـَّهنَّ من تحت ومن فوق، ولأنَّ نور القمر سار إلى فوق السماء السابعة لأنـَّهنَّ شفَّافات فكأنـَّه فيهن كلهنَّ.

 

 {وجعل الشمس سراجا(16)} ذكر النور في القمر والسراج في الشمس، قيل: لأنَّ اللَّيل عبارة عن ظلِّ الأرض والشمس سبب لزوال ظلِّ الأرض، فكانت شبيهة بالسراج يدخل في البيت ويبصر به ما يحتاج إليه، كذلك الشمس تطلع فتشاهد به الأرض وما عليها والآفاق، وليس القمر بهذه المثابة إِنـَّمَا هو نور دون ذلك والسراج له ضوء والضوء أقوى من النور، فجعل الضعيف للقمر والقويِّ للشمس: {وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا}، وبدا هنا في الاستدلال بنفس الإنسان لأنـَّها أقرب الأشياء إلى الإنسان، وفي بعض السور يبدأ بدلائل الآفاق لأنـَّها أبهر وأعظم، ولأنَّ العين إلى غير جسد صاحبها أنظر، ولأنَّ دلائل النفس حاظرة لا حاجة بالعاقل إلى التأمل فيها لتيقُّنه بحدوثها، بخلاف نفس الأرض والجبال والسماوات والنيرات فيها ففيها الشبهة فبدأ بها.

 

 {والله أنبتكم من الأرض نباتا(17)} أنشأكم منها، أنشأ شبيها بالإنبات وذلك بإنشاء أبيكم منها وبكونكم من نطف متولِّدة من دم متولِّد مِمَّا ينبت من الأرض، و«نباتا» اسم عين اسم لنفس ما ينبت من الأرض، وأقيم مقام المصدر، وهو الإنبات وهو مفعول مطلق كضربته صوتا، أو هو اسم مصدر، والأصل إنبات فحذفت الهمزة كعطاء وإعطاء، وقيل: يقدَّر أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا، أو أنبتكم من الأرض إنباتا فنبتم نباتا بأن حذف من الجملة الأولى ما ذكر في الثانية وهو اسم الحدث ومن الثانية ما ذكر في الأولى وهو الفعل، وهذان على أن نباتا يكون اسم للحدث كما يكون اسما للذات ما نبت بل قيل: أصله مصدر نبت الثلاثي وعلى هذا فلا حاجة إلى الحذف بل هو اسم مصدر لأنبت مفعول مطلق له [582] وقد يقال باختيار أن إنباتا مصدر لفعله الثلاثي المحذوف أي فنبتم نباتا عجيبا وهو مبعِد لهم في الوصف الاصطلاحي، فجاء على طريقة فعل المخلوق الظاهر الذي يمكن التعجُّب منه فإنَّ كون النبات عجيبا كاملا أمر مشاهد محس بخلاف الإنبات، فإنـَّه صفة لله صفة لله وصفته لا تحسُّ وأعني بالصفة هنا الفعل، وإنـَّما تشاهد فعل المخلوق لا فعل الخالق، لأنَّ فعل المخلوق بالعلاج، ألا ترى أنـَّك تشاهد قيام القائم وإكرام المكرم لزيد، وما أشبه ذلك مِمَّا يحس بحاسة من الحواس.

 

 { ثم يعيدكم فيها}، {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} وذلك بالأمانة والإلقاء على الأرض حتَّى لا يتلاشى أو يعود ترابا، سواء دفن أم لم يدفن، فذلك إعادة في الأرض إِلاَّ أنَّ المأمور به شرعًا والجاري بين الناس الدفن وهو الغالب فيصحُّ تفيسر الإعادة بالدفن.

 

{ويخرجكم} منها {إخراجا(18)} حـقًّا لا محالة، {ومنها نخرجكم تارة أخرى} والقادر على البدء قادر على الإعادة.

 

{والله جعل لكم الأرض بساطا(19)} فراشا تتقلبون عليها كما تتقلبون على البسط في بيوتكم، وقدَّم لكم على طريقة كلام العرب في تقديم التبشير، وبتقديمه يحمل الشوق إلى المبشر ليعلم ماهو، فالنفس متهيِّئة لسماعه فيتمكَّن فيها تمكُّنا زائدا، وهكذا كلَّما ناسب أن يكون التقديم للاهتمام قد يحصل للمؤخر شوق إليه حتَّى إذا سمع رسخ فتقديم ما قدَّم للاهتمام وتأخير ما أخّر للتشويق إليه، مع ما ينظمُّ إلى ذلك من حكم.

 

{ لتسلكوا منها} متعلِّق بتسلك ومن للابتداء لأنَّ سلكوا طريق اختيار له من الأمرِ، وأخذ له منها بمحذوف حال من {سبلا}، ولو كان سبلا نكرة للتقدم ولو صفة سبلا طرفا {فجاجا(20)} واسعة، والواحد فجٌّ أي واسع،وقيل فجاجا مسالك بين الجبلين ولا يتكرَّر هذا مع قوله: لتسلكوا فإنَّه يجوز مشيت في الممشى وسعيت في المسعى.

 

{قال نوح رب إنهم عصوني} أعاد لفظ([40]) لطول الفضل بما ذكر عن الله، فما قيل هذا كلّه قاله نوح لقومه من قومه، رب إنـِّي دعوت قومي أي ياربِّ إنَّ قومي عصوني في قولي، {أن اعبدوا الله واتَّقوه وأطيعوني}، وأصرُّوا  على العصيان مع أخذ كلّ مسلك في إرشادهم [583] بالوعظ والتذكير.

 

{واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا(21)} في الآخرة وأمـَّا في الدنيا فلـمَّا يهلكوا وسيهلكون بالغرق وهلاكهم خسارا لأنفسهم، أو يقال: خسروا في الدنيا أيضًا بالقحط وإعقام النساء أربعين عاما وكل شقي قد خسر نفسه في الآخرة إذ ضيَّعها لجهنَّم ولا ينتفع بها في الآخرة، ويجوز أن يراد بالخسارة الخسار في الدنيا بأن سمَّى موجب النار خسارا في الدنيا بمعنى أن الخسار الذي له في الآخرة فعله في الدنيا زادوا إلى عصيان نوح طاعة رؤسائهم الذين أبطرتهم أموالهم وغرَّتهم أولادهم، اتَّبعوهم لوجاهة أموالهم وأولادهم لا لحجَّة أو شبهة فهم إسوة في الخسار لرؤسائهم الذين خسروا، بسبب أموالهم وأولادهم، فجميع منافع الدنيا لمن شقي كلقمة من حلوى مسمومة. واختلفوا هل ما يصيب الكافر من خير الدنيا نعمة عليه؟ الصحيح أنـَّه نعمة أنعم عليه بها ليتوصَّل إلى العبادة بها ويشكر الله عليها، فسوء اختياره كانت استدراجا له إذ استعملها في المعصية، والولد (بفتح الواو واللاَّم وبضم الواو وإسكان اللاَّم) كما قرئ به أيضًا يطلقان على المفرد تارة وعلى الجمع أخرى، وما هنا لا يحتمل الجمع والإفراد، ولكن إذا قلنا إنـَّه مفرد فليس المراد الفرد فقط بل الجنس الصادق على الواحد فصاعدا، فيصدق الكلام بمن له ولد واحد و بمن له اثنان وبمن له أكثر، والولد يصدق بالذكر والأنثى لكن المعتاد الافتخار بالذكور والولد والوُلْد بالضبطين المذكورين كالحزب والحُزْب والعرب والعُرْب، أو الوُلْد (بضم فإسكان) جمع الولد بفتحتين كأسد وأسد.

 

 {ومكروا مكرا كبارا(22)} عطف على {لم يزده ماله وولده إِلاَّ خسارا} لا على {عصوا} أو {اتبعوا} بدليل قوله: {وقالوا لا تذرن آلهتكم} فإنَّ هذا القول أولى بالمتبوعين الرؤساء واعتبروا لفظ من في {يزيده ماله وولده} ومعناه في {مكروا} و{كبارا} مبالغة عظيمة في العظم  ويليه كبار بالتخفيف وقد قرئ به أيضًا وهو مبالغة دون تلك، وبعده كبير وذلك كطويل، وطَوَال بالتخفيف وطَوَّال بالتشديد وعظيم وعَظَام وعظَّام، وجميل وجَمَال وجمَّال، وكلها مفردات والمكر الكبار صدّهم الناس [584] عن التوحيد والطاعة واتـِّباع نوح وإيذاءه والأمر بإيذاءه وهذا أولى من تفسير المكر الكبار بقولهم: {لا تذرُّن آلهتكم...} إلخ إذ عطف المفصل على المجمل يختصُّ بالفاء.

 

 وسمَّى ذلك مكرا لأنـَّهم اجتهدوا فيه بكلّ حيلة تؤثِّر في العامـَّة وعلى أن المكر قولهم: {لا تذرنَّ آلهتكم...} إلخ سمِّي مكرا لأنـَّه بتمويه إنـَّكم لو قبلتم عن نوح لزم أنَّ آباءكم وأسلافكم في ضلال واعتراف الإنسان على أسلافه بالضلال شاق شديد فلم يقبلوا عنه، ولأنـَّهم قالوا آلهتكم خير من إله نوح لأنـَّهم أعطوكم المال والولد، وإله نوح لم يعطه ذلك، وكان نوح فقيرا، ولأنَّ الإغراء بالشرك أمر بسهولة واتـِّباع الأهواء وهو في نفس الأمر الخفي إهلاك لا إهلاك أعظم منه وفيه تفوية أفضل الأعمال والاعتقادات، وهو التوحيد وذلك كما زيَّن فرعون الشرك بملكه مصر وأنهارها، وبعدم إفصاح موسى عليه السلام وقالوا: {لا تذرنَّ آلاهتكم} قال المتبوعون الذين لم يزدهم مالهم وولدهم إِلاَّ خسارا للتابعين: لا تتركنَّ عبادة آلهتكم الصغار ثمَّ ذكر النهي عن ترك عبادة الكبار بعد هذا وهو "وُدٌّ وسواع" وما بعدهما أو المراد بآلهتكم الكبار والصغار وخصَّ الكبار بالذكر تعظيما لها، وهذا ظاهر ووجه الأوَّل أنَّ لهم آلهة مخصوصة منسوبة إليهم فصحَّ أن لا يجب إرادة العموم باللَّفظ وبطلان ألوهيَّة حجر أو خشب أو نحو ذلك ظاهر ضروري لا يمكن لعاقل أن يقول بخلافه، فإنـَّما قال به العقلاء وكثر واستمرَّ لشبه ما ربها كالكسبي([41])، منها القول بأنَّ الله جسم متنوِّر في مكان تعالى الله عن ذلك فقالوا: هو داخل العرش والملائكة أجسام متنوِّرة دونه حول العرش فاتَّخذوا إلها أكبر على صورة الله في زعمهم الباطل وآلهة دونه متفاوتة على صورة الملائكة، فاشتغلوا بعبادة ذلك الإله وتلك الآلهة زاعمين أنـَّهم بعبادتها عابدون لله، وذلك باطل لأنَّ الله لو كان جسما لكان حادثا عاجزا مخلوقا ويتسلسل الأمر فبطل أن تكون له صورة فبطل أن يتَّخذ على صورته ولا صورة له تعالى؛ ومنها أنَّ الصابئة زعموا أنَّ الله خلق الكواكب كلَّها وفوَّض إليها تدبير أمر الأرض [585] ومن فيها وما فيها، فالثقلان عبيد الكواكب، والكواكب عبيد الله فوجب عليهم عبادة الكواكب في زعمهم، والكواكب تطلع وتغيب ويسترها السحاب ولا يبصرها الأعمى، وقد يمنع عن الظهور لها شدَّة الردِّ، فاتخذوا أصناما على صورتها لا تغيب عنهم أعني يجدونها كلّما شاؤوا.

 

 ويردُّ عليهم أن النجوم عاجزة عن أن تفعل فضلا عن أن تفوَّض، ‏وعن أن تكون خالقة وشافية، وكل ما ينسب إليها فهو فعل لله القادر بلا واسطة، ومنها أنـَّهم نسبوا سعادة العالم ونحسه للنجوم، فإذا اتـَّفق في الفلك شكل عجيب صالح لطلسم عجيب اتخذوا ذلك الطلسم، فيظهر منه آثارا عجيبة، فكان بعد ذلك يعبد، وكانوا يتَّخذون كلّ طلسم على شكل موافق لكوكب خاص وبرج خاص، ويردُّه أنَّ الله قادر بالذات ولا يحتاج لطلسم ولا واسطة، ومنها أنـَّه يموت قوم صالحون فيتَّخذون صورا كصورهم تعظيما لهم، وليستحضروا حياته، ويعبدون الله كما عبدوه ولا يملَّون، ويرغبون أن يشفعوا لهم فجاء من يعبد تلك الصور نفسها، ومن يتَّخذ مثلها أو مثل ما شاء فيعبدوه: {ما نعبدهم إِلاَّ ليقرِّبونا إِلى الله زلفا} ويردُّه أنَّ من لا يرد الذباب ولا القادم عن نفسه لا يصحُّ أن يكون شافعا، ومنها أن يموت ملك عظيم أو شخص عظيم يعزُّ عليهم فيتَّخذوا تمثالا على صورته لينظروا إليه فجاء بعدهم من يعبده، ويصوِّر ما شاء ليعبده، وظنوا أنَّ آباءهم يعبدونها؛ ومنها أنـَّهم اتخذوا الصور محاريب يصلُّون إليها كما نصلي إلى الكعبة، وكما سجدت الملائكة لله إلى جهة آدم، فجاء من توهَّم أنَّ العبادة لتلك الصور فعبدوها.

 

والشرع جاء بمنع اتخاذ صور الحيوانات برؤوسها، واتخاذ صورة الرأس، فلا تجعل محراب؛ ومنها أنـَّهم زعموا أن الله جسم يجوز عليه الحلول فإذا رأوا من طلسم أمرا عجيبا زعموا أنَّ الله حلَّ فيه فيعبدوه، كما زعم قوم من قدماء الروافض أنَّ عليا إله لأنـَّه قلع باب خيبر ولا تقلعه جماعة، فزعموا أنَّ الله حلَّ فيه فقدر على قلعه، ويردُّه أن الله ليس جسما وإلاَّ احتاج إلى محدث فيتسلسل أويدور.

 

{ولا تذرن وُدًّا} صنم على صورة رجل وقد انتقل [586] بعدهم إلى كلب وقرئ «وَدا» (بفتح الواو) وقيل: لا تجوز صورة، لأن وُدا بالضم ضم لقريش وبه سمِّي عمر بن عبد وُدٍّ والآية في قوم نوح لا في قريش.

 

{ولا سُواعا} صنم على صورة امرأة انتقل إلى همدان، {ولا يغوث} صنم على صورة أسد انتقل إلى مدحج.

 

{ويعوق} صنم على صورة فرس انتقل إلى مراد، وقرأ الأعمش بتنوين يغوث ويعوق، مع أنـَّها أعلام على وزن المضارع لمجاورة المنوَّن قبل وبعد وليست أعجمية كما قيل، وإلاَّ لم ينوَّن سواعا مع أنـَّه ربَّما رأوا أنـَّه مؤنث، إذ صوَّروه على صورة أنثى، أمـَّا ود ونسر فعربيان، فلو كانا أعجميين وافق العربـيَّة، إِلاَّ أنَّ إسكان وسطهما وهما ثلاثيان يسيغ صرفهما والعربـيَّة سابقة على نوح من آدم، وقويت بعض قوَّة من هود عليه السلام، وازدادت قوَّة من إسماعيل إذ تعلمها من جرهم وما زالت تقوى حتَّى كملت على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

{ونسرا(23)} صنم على صورة الطائر المسمى نسرا، انتقل لحمير، ولذا سمِّيت العرب بعبد ود وعبد يغوث، ونحو ذلك. ووجه انتقالهنَّ إلى العرب المذكورين مع أنَّ الطوفان خرَّب العالم، وسيدنا نوح عليه السلام لا يحملهنَّ معه في السفينة لأنـَّه بعث بكسر الأصنام أنـَّها بقيت في الأرض، وأخبر بهنَّ من عرفهنَّ، مِمـَّن حمل في السفينة من لم يعرفهنَّ لا على وجه العبادة، أو كتب فيهن أسماءهنَّ، وقيل: هؤلاء الأصنام مصوَّرات على صور رجال صالحين، مسميات بأسمائهم بين آدم ونوح وقيل: أولاد آدم من صلبه ماتوا فقال إبليس لمن بعدهم: لو صوَّرتم صور هؤلاء الرجال الصالحين، أو قال: صوِّروا أولاد آدم من صلبه الخمسة فتنظرون إليها وتتبرَّكون بها، فصوَّروا؛ ولـمَّا مات الذين قال لهم ذلك، قال لمن بعدهم: فاعبدوها فإنَّ من كان قبلكم كان يعبدها فاعبدوها.

 

 {وقد أضلوا كثيرا} الجملة حال من واو «قالوا» وواو «أضلُّوا» للكفار القائلين لا تذرُن الذين لم يزدهم مالهم وولدهم إِلاَّ خسارا، أي أوصوا بعبادة الأصنام وليس هذا الإيصاء بأوَّل بدعتهم الشنيعة، ولا بأوَّل اشتغالهم بالإضلال، بل قد أضلوا خلقا كثيرا قبل هؤلاء الذين أوصوهم بعبادة الأصنام، ويجوز عود الواو للآلهة، والخمسة المعظَّمة [587] عندهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، وإلى الخمسة وذكرها أو مع الآلهة بواو العقلاء لأنـَّها عندهم بمنزلة العقلاء، وقد نسب الإضلال إلى الأصنام أيضًا في قوله: {ربِّ إنـَّهنَّ أضللن كثيرا من الناس} والإسناد إليها من الإسناد إلى السبب، وحقيقة الإضلال للرؤساء الداعين لعبادة الأصنام.

 

{ولا تزد الظالمين إلا ضلالا(24)} أمـَّا أصحابنا فعندهم جواز الدعاء على الفاسق بزيادة الفسق، وعلى المشرك بزيادة الشرك والفسق، واختلفوا في الدعاء على الفاسق بالشرك لأنَّ الله جلَّ وعلا يعاقب العاصي بعصيان آخر أكبر منه، والبحث في ذلك هو في شرحي للتبيين من النيل، ومنع قومنا ذلك كلّه لأنـَّه دعاء بانتشار الكفر ومزيد ما نهى الله عنه، والأنبياء تبعث بالصرف عن الضلال وربما استدلَّ أصحابنا بنحو هذه الآية، وقومنا يقولون المراد بالضلال لازمه ومسببه، وهو عذاب الله دنيا وأخرى، ولا خلاف في جواز الدعاء بعذاب الدنيا للمشركين المحاربين، وقد قيل: الضلال العذاب في قوله عزَّ وجلَّ: {إنَّ المجرمين في ضلال وسُعر}، أو المراد بالضلال بطلان كيدهم وحيلهم، والمراد بـ«الظالمين» قوم نوح، ومقتضى الظاهر ولا تزدهم، ووضع الظاهر موضع المضمر ليذمَّهم باسم الظلم وليبيِّن أن موجب خسارهم الظلم وهو الشرك {إنَّ الشرك لظلم عظيم}، أو ظلم نوح ومن آمن وغيرهم، أو كلّ ذلك بالعاصي، ظلم ظلم نفسه إذ ضيَّعها للهلاك، وضرب الملائكة وسائر الخلق، فإنَّ الوباء والقحط وغير ذلك من الأضرار وتموت الدواب بذلك أويصيبها ما دون الموت بسببه والعطف على قوله {ربِّ إنـَّهم عصوني} ولا حاجة إلى تقدير شيء، لصحَّة العطف بلا تقدير، لأنَّ الفصل إنَّما هو بتعلُّقات مقول القول، وذلك المقول هو المعطوف عليه، فهذه جملة من مقول قال نوح، وأمـَّا قوله:

 

{مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا} فمن كلام الله جلَّ جلاله و«من» جارَّة و«ما» زائدة للتأكيد والجار متعلِّق بـ«أغرقوا» وهو للتعليل أي لأجل خطأتهم أغرقوا، ويجوز بعد نكرة تامة مجرورة بمن وخطأتهم بدل منها، وقرئ مِمَّا خطاياهم بجمع التكسير وممـَّا خطياتهم بياء مشدَّدة قلبت الهمزة ياء [588] وأدغمت، وممـَّا خطيئتهم بالهمزة والإفراد، وقدم للحصر أي إِنـَّمَا أغرقوا لأجل خطيئاتهم، فغرقهم بإرادة الله لا كما قال الكفرة والمنجِّمون: إن ذلك الغرق بسبب أنـَّه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم، وكفر من قال بهذا ونحوه، وفاعل أغرقوا الله، أي أغرقهم الله وأدخلهم النار بعد الإغراق بسب الخطيئات، فالإغراق وإدخال النار كلاهما مسبِّبان عن الخطيئات .

 

 وقرأ ابن مسعود: من خطيئاتهم ما أغرقوا، فـ«ما» مصدريَّة والإغراق «مبتدأ» خبره من خطيئاتهم وقدم للحصر أيضًا، والمراد بخطيآتهم خطاياهم المذكورة في هذه السورة وسائر خطاياهم والآية دالَّة على عذاب القبر لأنـَّهم عذبوا في مصارعهم بالنار قبل يوم القيامة، فإن الفاء للاتصال، وأدخل بصيغة الماضي فليس إدخال النار منفصلا إلى يوم القيامة مستقبلا ومعنى إدخالهم النار في الدنيا إحضار النار وإحاطتها بهم، شبه مجيئها إليهم بمجيئهم إليها، وإدخال أرواحهم في النار مع بقاء النار في محلِّها أو تفرش النار من تحتهم ويوقعون فيها؛ ولا مانع من كونها نارا دنويَّة في تلك الأوجه. أو نقلوا على ظاهره إلى النار الأخرويَّة قبل قيام الساعة، ويجوز أن يكون أدخلوا للاستقبال، والفاء بمعنى ثمَّ، فلا تفيد الفاء تسبُّبا، لأنَّ «ثمَّ» لا تفيده، فيقدر فأدخلوا من خطيآتهم فحذف أو نزل الإدخال المستقبل الذي لا يتخلف عن الوقوع منزلة الواقع المتَّصل بالإغراق وبهذا قال الكلبي: ولا تعترض اللآية بأنَّ من مات في الماء لا نشاهد إحراقه، لأنَّ قوم نوح لم يشاهدهم أحد، ولأنـَّه يشاهد المـيِّت وهو في العذاب والضرب، ولا يرى الحاضر ذلك ولا يسمع، ونار الآخرة لا تطفأ بالماء، وكل نار لا يطفئها الماء إذا أراد الله أن [لا] ([42]) يطفئها أخروية أو دنيويَّة، فإنَّ الله جلَّ وعلا ينزل النار من الماء ويخلق النار في الماء والنبات.

 

{فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا(25)} ثمَّ تنصرهم آلهتهم التي يدعونها لتنصرهم ولا غيرها، فالآية تعريض بأنـَّهم عبدوها لتنصرهم، وتنفير عن عبادة من لا ينصر عابده، وبأنَّ الأصنام عاجزة والآية تهكم بهم وحجَّة على من يعول على غير الله، ومتضمِّنة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: [589] «من حاول أمرا بمعصية الله كـان له أبعد مِمَّا رجا وأقرب مِمَّا اتـَّقى»، و«لهم» متعلِّق بـ«يجدوا»بمعنى يصادفوا ويلقوا، فهو متعدٍّ لواحد وفيه عمل فعل في ضميرين لمسمًّى واحد، فإنَّ الواو والهاء للكفار قوم نوح، ويجد عمل الرفع في محل الواو والنصب في محل الهاء وهذا مقيس عندي لكثرته في القرآن إذا عمل في أحدهما بواسطة الجار، وأمـَّا إن توصل إليهما بنفسه فإنـَّما يقاس في باب أفعال القلوب، وما ألحق بها، وأمـَّا إن جعلنا «يجدوا» بمعنى يعلموا فليس من ذلك لأنَّ لهم حينئذ متعلِّق بثالث مفعول ثان، و«أنصار» مفعول به أوَّل ومن دون الله حال من أنصار أو متعلِّقا بـ«يجدوا».

 

{وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا(26)} عطف على قوله: {قال ربِّ إنـَّهم عصوني} وجملة «مِمَّا خطيآتهم» إلخ معترض من كلام الله، قيل: ليفيد الاعتراض أنـَّها ليست من كلام نوح عليه السلام، وفيه أنـَّه لو أخَّرها لم يلزم أن يتوهَّم أنـَّها من كلامه ولا ترجح، وقيل: قدِّمت لم يعلم بالتقديم أنـَّها ليست منه فإنـَّه قد تقدم قبلها قوم نوح أيضًا؛ وقد يجاب بأنـَّه لـمَّا أخر عنها دعاءه بالإهلاك ناسب أنـَّها ليست منه، فإنَّ الدعاء بالإهلاك إِنـَّمَا هو قبل الغرق، ومعنى {لا تذر} إلخ، لا تترك أحدا منهم على الأرض حيًّا، و«ديارا» بمعنى أحد، ولا يستعمل في الإثبات وهو (بفتح الدال وتشديد الياء) وأصله ديوار بزيادة الياء على دار يدور، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء لاجتماع الواو والياء وسكون السابق، فهو فيعال من الدور، فإنَّ الإنسان يدور ويتقلَّب في مصالحه، وذلك قول الفرَّاء والزجَّاج، وقال ابن قتيبه: ديار نازلُ دارٍ وصاحبُ دارٍ فهو فعَّال للنسب كاللِّبان، وفيه أنـَّه لوكان كذلك لكان دوَّار بالواو لأنَّ الدار من دار يدور لاستدارتها ولا حاجة إلى حمله على الشاذِّ من قلب الواو المجتمعة مع الياء ياء لوجود الحمل على غير الشاذ، واعتذر عن ذلك الدعاء  بقوله معللا:

 

{إنك إن تذرهم} أحياء {يضلوا عبادك} عن طريق الحقّ، يزد بعضهم بعضا ضلالا ويضلوا من مجيء من الأولاد إذا بلغوا وزيادة الإضلال لمن ضلَّ إضلال حقيقة لا مجاز، فالمراد بالعباد هم أنفسهم، إذ [590]يضل بعض بعضا ومن يجيء، بل يضلُّون الأطفال أيضًا بمعنى يحملونهم على ما هو الضلال في حقّ البالغ، وإنـَّما علم أنـَّهم يضلّون عباد الله لـما شاهد منهم من ازدياد الكفر واستمراره.

 

{ولا يلدوا إلا فاجرا} عاملا للكبائر التي دون الشرك، {كفارا(27)} عاملا جدًّا لـمَا هو شرك وفاجرا وكفرانا، وصفان للاستقبال، أي إِلاَّ من سيفجر ويبالغ في الشرك، قضيت عليه بذلك في الأزل، وذلك أنَّ الإنسان حين يولد لا يوصف بالفجور والكفر حتَّى يبلغ، وإنـَّما علم أنـَّهم لا يلدون إِلاَّ فاجرا كفارا من قوله تعالى له: {إنـَّه لن يومن من قومك إِلاَّ من قد آمن} إذ نزل قبل دعاءه هذا، وأمـَّا المعرفة بهم فضل معرفة لمعشارته إيـَّاهم في ألف سنَّة إِلاَّ خمسين عاما، ودعاءه لهم، وكانوا ينطلق الرجل منهم بابنه إليه، ويقول: «احذر هذا فإنـَّه كذَّاب وان أي أوصان بما أوصيتك»، فيقول لأبيه: «ناولني العكاز» فيضربه وربما ضربوه حتَّى يصرعوه، ويجرُّوه إلى المزبلة فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، وفي الآية دليل على أن براءة الله لخلقه وولايته لهم لا تتقلبان إذ كانوا فجارا في علم الله قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم أطفالا والمنصوص عليه الفجور والكفر، وأمـَّا الولاية فتعلم من ذلك لأنـَّها ضدّ البراءة ونصها في قوله: {هو سمَّاكم المسلمين...} إلخ، وإنـَّما ذلك في ظاهر لفظ فاجر وكفار، ويعلم أنَّ البراءة كذلك أيضًا من قوله: {هو سماكم المسلمين} إلخ، لأنـَّها ضدَّها.

 

 {ربّ اغفر لي} هكذا الشرع بتقديم الإنسان نفسه في الدعاء بالخير في تنجية نفسه وفي الانتفاع بماله وإن آثر غيره بماله لم يحرم، وإنـَّما طلب نوح غفران ما هو ذنب في حقِّه، من ترك الأفضل في مطلق أحواله، وعبادته أو من حظور إيذاء قومه له حين دعا عليهم، وبقاء ذلك الخاطر في قلبه قليلا، فيكون كمن انتقم لنفسه، وأمـَّا أن يستأنف الدعاء عليهم لطلب حظَّ النفس والانتقام فبعيد.

 

{ولوالديَّ} أبي "لمك بن متوشلخ" وأمي "شمخا بيت أنوش" وكانا مؤمنين وإلاَّ لم يدع لهما بالمغفرة لأنـَّه لا يجوز لأحد من لدن آدم إلى قيام الساعة أن يستغفر لمشرك، إِلاَّ ما كان لإبراهيم من موعدة لأبيه وعن عطاء: أبواه وأبو أبيه، هكذا كلّهم مسلمون، ولم يكن [591] بينه وبين آدم من آبائه كافر، وكان بينه وبين آدم عشرة آباء، وقيل: أراد بالآية آدم وحواء، وقرأ الحسن بن علي: ولولَدي بإسقاط الألف بعد الواو وبفتح اللاَّم يريد سامًا وحامًا.

 

{ولمن دخل بيتي} أي كان من أهل بيتي أي كان على ديني في الظاهر، {مؤمنا} من قلبه في الباطن مصدقا، لا كما يكون الإنسان في الظاهر مؤمنا وفي الباطن مشركا أو فاسقا، وذلك لأنـَّه يجوز أنَّ تقول: اللهمَّ اغفر لمن كان من أهل فلان أو من بلد كذا أو نحو ذلك مومنا ظاهرا أو باطنا، وليس هذا من ولاية الشريكة بل بعض من ولاية الجملة، وأولى من ذلك أن يجعل من دخل بيتي بمعنى من كان من قرابتة كسام وحام إجمالا، وشرط الإيمان، وليس من ولاية الشريطة لأنـَّه لم يعيِّن، وقيل: بيتي مسجدي، وقيل: سفينتي، وقيل: منزلي لأنـَّه لا يدخل الكافرون منزلة لا يرضى ولا يرضون دخوله إِلاَّ امرأته وابنه كنعان، فإنـَّهما لا يدخلان في ذلك لخروجهما بتقييده بقوله مؤمنا، وقد كان ظهر له أنـَّهما مؤمنان، فدخلا في دعائه، لأنـَّه دعاء بحسب الظاهر، وإن أراد بيتي ديني ظاهرا خرجا بقوله مؤمنا في الباطن صادقا، وقد وصفها الله أنـَّها خانته في الإيمان، والخيانة في خفاء وكذا أخفى ابنه الكفر وأظهر الإيمان حتَّى قال: {إنَّ ابني من اهلي} أي من المؤمنين وإن كان هذا الدعاء بعد معرفته بكفرهما لم يدخل فيه لا لفظ في إرادته ولا معنى.

 

 {وللمؤمنين والمؤمنات} إذا كان المراد ببيته أهل دينه ومن قرابته،أو يدخل منزله وهو مؤمنا، فإنـَّما قدَّمهم وخصَّهم لأنَّ لهم مزية القاربة ودخول المنزل أو السفينة على سائر المؤمنين، ولو كان الأنبياء وأبو بكر أفضل وأبو بكر أفضل([43]) من كلّ من ليس نبيئا، قال الأبوصري([44]):

ومن الأهل تسعد الوزراء.

 

{ولا تزد الظالمين} قومه أو كلّ ظالم في كلّ زمان والظاهرالأول، وأهل الدنيا كلّهم في زمانه هم قومه، فكلهم غرقوا إِلاَّ قوما آمنوا به وبلدهم بعيد، فدار الماء بهم كالحيطان من جوانبهم مع اتساع قدر ما ترعى دوابهم إلى وقت ذهاب الماء.

 

 {إلا تبارا(28)} إِلاَّ هلاكا، فأهلكهم الله بالغرق كلّهم حتَّى الصبيان والمجانين الذين جنونهم من الطفوليَّة إِلاَّ أن غرق الصبيان [592] وهؤلاء المجانين مجرَّد موت كما يموت الناس بالغرق في البحر أو البئر، أو بالعقرب أو غير ذلك، لا عذاب عليهم في الآخرة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فمن أتاهم العذاب في الدنيا بالسخط، وفيهم من لا يستحقُّه يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتَّى» وفي رواية: «ثمَّ يبعثون على على نياتهم»، وعن الحسن البصري: «علم الله براءة الصبيان فأهلكهم بغير عذاب، فلم يحرقوا هم ولا المجانين المذكورون بالنار حين أغرقوا بل أغرقهم الله تشديدا للعذاب على آبائهم إذ سببوا لهم بالغرق لذنوبهم وليتوجَّعوا حين الغرق بغرق صبيانهم إذ كانوا أعزَّ عليهم من أنفسهم» وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لو رحم الله أحدا منهم لرحم امرأة منهم في ابنها صعدت به جبلا فلحقها الماء ورفعته على رأسها حتَّى دخل فاها فأطلقته»، فهذا يدلُّ أنَّ  فيهم صبيانا، لا كما قيل: إنـَّه أعقم الله  نساءهم أربعين عاما، وقيل سبعين [وقيل]([45])تسعين وأيبس أصلابهم، ونص الآية {يمددكم بأموال وبنين}، إن استغفرتم فلم يستغفروا، فلم يدمّهم([46]) بالمال والبنين، ولا دليل في هذا لأنَّ البنين غير البنات، وإن قيل: أريد ما يشملهنَّ، ففيه أنـَّه لا يفتخرون ولا يتعظَّمون بهنَّ، فلا تكون مرادة في الآية، فالمراد الزيادة على المعتاد في المال والبنين فلم يؤمنوا فلم يزدهم، وشمل الغرق من وجد من صبيانهم.


 


[35]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لـ“إنـَّا”».

[36]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «أول».

[37]

- كذا في الأصل، «الثواب رجاء». وكتب فوق «الثواب» حرف خـ أي مؤخَّر، وفوق «رجاء» حرف م أي مقدَّم.

[38]

- كذا في الأصل، و: «نطفا».

[39]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الكثيف».

[40]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اللفظ».

[41]

- كذا في الأصل، غير مفهوم.

[42]

- من إضافتنا ليستقيم المعنى.

[43]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «أبو بكر أفضل».

[44]

- كذا في الأصل، والصواب: «البوصيري».

[45]

- من إضافتنا ليستقيم المعنى.

[46]

- كذا في الأصل، والصواب: «يمدَّهم».

تفسير الآية