إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بحــث
المفسر
سورة
من أية
تفسير سورة الجن
طباعـة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُل أوحي إليَّ} من الإيحاء وقرأ أحي بهمزة مضمومة دون واو من الوحي وأصله وحي بواو مضمومة متَّصلة بالحاء، كما قرأ به أيضًا أبو عمرو، وفي رواية يونس وهارون عنه، فقلبت الواو المضمومة همزة كما في أقتت أي وقتت، وكما في أجوه أصله وجوه كما في أعد وأزن بالبناء للمفعول والأصل وعد ووزن، أي أوحى الله إليَّ أي أنزل في سرٍّ وعدم جهر.

 

 {أنـَّه استمع نفر} قرأ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «القرآن في الصلاة فاستمع إليه نفر من الجن يهود»، وقال الحسن: «يهود ونصارى ومجوس مشركين»، ولم يعلم باستماعهم فأخبره الله أنـَّهم قد استمعوا وأن بالفتح [593] بالمصدريَّة، والمصدر نائب الفاعل أي أوحي إليَّ استماع النفر، والنفر ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة، ومفعول استمع محذوف أي استمع القرآن {من الجنِّ}، قال العضد الملقَّب بالسيد السند: «الجنُّ أجسام تتشكل بأي شكل شاءت، وتقدر أن تتولَّج في بواطن الحيوانات، وتنفد في منافدها الضيِّقة نفود الهواء المستنشق، وهم أجسام عاقلة مكلفة عند البلوغ وعدم الجنون خفيفة»، قيل: «يغلب عليهم الناريَّة أو الهوائيَّة»، والذي ذكره الله أنـَّهم من النار فإن كان يلتحق بهم غير ذلك كما قيل، فالله أعلم بصحَّته، ولعلَّ غيرهم متولِّد منهم، وإنكار الجن شرك ونكرتها الفلاسفة لأنـَّها كانت أجسام لطيفة لزم أن لا تقدر على الأفعال الشاقة وتتلاشى بأدنى قوَّة، وهو خلاف ما تعتقدونه، وإن كانت كثيفة  لزم أن ترى، وإلاَّ جاز أن تكون بحضرتنا جبال مثلا لا ترى وطبول لا تسمع، وأجيب بأنَّ لطفها بمعنى الشفافيَّة التي هي عدم اللَّون، والشفاف يقوى على الأفعال الشاقة، أو بمعنى سرعة الانفعال والانقسام إلى أجزاء متصغِّرة، ورقَّة القوام ولا يلزم رؤيتها كالسماء إِلاَّ أنـَّه يشكل سهولة تشكلها بأي شكل شاءت، والقوَّة لا تتعلَّق بالقوام في الرقَّة والغلظ ولا بالجثَّة في الصغر والكبر، ألا ترى أنّ قوام الإنسان دون قوام الحديد والحجر، وترى بعضا يفتل الحديد ويكسر الحجر ما لا يصدر، ويمكن منه أن يسند إلى غلظ القوام وترى اللحيوانات مختلفة في القوَّة اختلافا ليس بحسب اختلاف القوام والجثَّة كما في الأسد مع الحمار، وقال قوم: النفوس العرضيَّة إن كانت مدبرة للأجرام العلويَّة بالنفوس الفلكيَّة، أو للعناصر، فهي النفوس السفليَّة، وهي مختلفة فمنها الملائكة الأرضيَّة كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أتاني ملك الجبال وملك الأمطار وملك البحار».

 

 ومنها الجن والشياطين وغيرها فهذه جنود لربِّك لا يعلمها إِلاَّ هو، وقال قوم هي النفوس الناطقة المفارقة عن الأبدان، فالخيرة تتعلَّق بالخيرة وتعاونها على الخير وهي الجن، والشرِّيرة تتعلَّق بالشرِّيرة وتعينها على الشرِّ [594] وهي الشياطين، والأقوال الثلاثة لأهل الكفر، والمذهب أن الجنَّ يعمُّ الشيطان وغيره من أولاد إبليس فهو للمحسن والمسيء، والشيطان للمسيء فقط.

 

 ولا نقول أن ابن سيناء ينكر الجنَّ لأنـَّه مقرٌّ بالقرآن، ولو كان بعد ما عرف الجنَّ بأنـَّه حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، قال هذا الشرح للاسم إذ لعلَّه أراد بالاسم المسمى، أو يقدَّر لمعنى الاسم واتَّفق الملِّيون، وقيل جمهورهم والأمة على وجودهم، ووافقتهم جماعة من قدماء الفلاسفة وأصحاب الرَّوضيات الروحانيات، وسموها بالأرواح السفلية وزعموا أنـَّها أسرع إجابة، وأضعف الأرواح الفلكيَّة أبطأ إجابة وأقوى، فقيل: الجنُّ جواهر قائمة بأنفسها ليست أجساما ولا حالة في الأجسام ولا يسمَّى الله جوهرا حاشاه وهو مخالف لها ولو نفي عنها ما نفي عنه من الجسميَّة والحلول في الأجسام، وأثبت لها القيام بالذات كما أثبت له، ولا نسلم قيامها بأنفسها فإنـَّها على الأجسام وبين الأجسام ومحتاجة عاجزة موصوفة بالعجز، وصفات النقص وتجيء عليها الأعراض منها شرِّيرة ومنها خيرة قادرة على  الأفعال.

 

 قال بعض الكفرة: ولا يبعد أن يكون لكلِّ نوع منهم تعلق بنوع من العالم، أو يجزء من أجزاء الهواء، فيكون ذلك الجزاء من الهواء هو متعلِّق الأوَّل للروح وبواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كتيف يحصل للروح تعلق في الجسم الكتيف([1])، كما أن المتعلِّق الأوَّل للنفس الناطقة التي ليس الإنسان إِلاَّ إياها هو الأرواح وهي أجسام بخاريَّة لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب، فبواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلِّقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح.

 

 وقال بعض الكفرة هذه الأرواح البشريَّة والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازداد قوَّة وكمالا بانكشاف الأسرار في العالم الروحاني، واتَّفق حدوث بدن آخر مشابه لهذه النفس المفارقة تعلَّقت به للمناسبة، فإنَّ [595] الجنسيَّة علَّة للانضمام فإن كانت هذه الحالة في النفوس الخيِّرة فملك، والإعانة إلهام أوفي الشريرة فشيطان، والإعانة وسوسة، وقال بعضهم: الجن أجسام مختلفة في ماهيتها وإنـَّما اتَّفقت في الاتصاف بالجهة والمكان والطول والعرض والقصر فإن الأشياء المختلفة بالماهيَّة تشترك في الأعراض واللَّوازم كالكتافة واللَّطافة والعلو والسفل، ولا يقال: الجسم من حيث إنـَّه جسم له حدّ واحد فلا تفاوت إِلاَّ بمفهوم زائد، لأنـَّا نقول: كذلك العرض له حدٌّ واحد من حيث إنـَّه عرض، فيلزم أنَّ الأعراض كلّها متساويَّة في تمام الماهيَّة، وهذا لا يقوله عاقل بل الحقّ عند الفلاسفة الكفرة أن لا قدر مشترك بين الأعراض من الذاتيات إِلاَّ كان المشترك جنسا لها، والألزم أن تكون الأفلاك التسعة الحيَّة العاقلة المدبـّرة للأشياء أنواع جنس واحد مع أنَّها أجناس عالية، فالأعراض من حيث إنـَّها أعراض لها حقيقة واحدة، ولا يلزم أن يكون بينها ذاتي مشترك فضلا عن أن تتساوى في الماهيَّة، فمن الجائز أن الأجسام مختلفة في تمام الماهيَّة ثمَّ إنـَّها تكون متساويَّة في وصف عارض كالإشارة إليها بالحسِّ والحصول في المكان كما أنَّ الأعراض مختلفة في الماهيَّة متساويَّة في وصف عارض، وهو عروضها للجسم.

 

 ولا يقال: يمكننا تقسيم الجسم إلى اللَّطيف والكتيف والعلوي والسفلي ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فالأقسام مشتركة في الجسميَّة والتفاوت يحصل بالصفات، كالكتافة واللَّطافة والعلويَّة والسفليَّة لأنَّ ذلك منقوض بالعرض، فإنـَّه مقسوم إلى الكلِّ والكيف، ولم يلزم أن هناك قدرا مشتركا من الذاتي، فضلا عن التساوي في كلّ الذاتيات، فإذا ثبت أنـَّه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة ولم يدلّ دليل على بطلان هذا الاحتمال، لم يمتنع في بعض الأجسام اللَّطيفة الهوائيَّة أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهيَّة ثمَّ تكون تلك الماهيَّة تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة.

 

 وقال الأشعري وجمهور أتباعه: الأجسام متساويَّة في تمام [596] الماهيَّة وأنَّ البنية ليست شرطا للحياة، إذ لوكانت شرطا لها لقامت الحياة الواحدة بمجموع الأجزاء وهو محال لأنَّ حلول العرض الواحد في موضع دفعة واحدة غير المعقول أو لقام بكلِّ واحد من الأجزاء حياة على حده وهو باطل لأنَّ الأجزاء التي منها تألف الجسم متساويَّة، والحياة القائمة بكلِّ واحد منهما مساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر، وحكم الشيء حكم مثله فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء لحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر، فذلك دور، وإن لم يفتقر لم يتوقَّف حياة هذا على حياة ذلك، فصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة والعلم والقدرة والإرداة وبطل القول بأنَّ البنية شرط ومذهبنا ومذهب المعتزلة أنـَّه لا بدَّ من البنية  في الحياة، وهذا هو المقبول في العقل، ولم يجئ في الشرع ما يمنعه وهو الموجود أيضًا في الاستقراء، إذ كلما فسدت البنية بطلت الحياة والاستقراء، ولو كان لايفيد القطع لكان العقل يفيده، فلا يقال: لا يلزم أنّ حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد، لأنَّ العقل أفاد هنا أنـَّهما سواء، وأمـَّا خرق العادة في المسألة فإنـَّه لو أمكن هنا لم يجب والإمكان غير الوجوب مع أنا نقول بأنـَّه: لا يمكن حتَّى يتبيَّن أنَّ  الله خرق فيه العادة، وحكمنا بالوجوب ليس تحكما، لأنَّ العقل أوجب البنية لها، فلا يعارض بسائر الأشياء الممكنة حتَّى يقال تحكم، ونقول مع ذلك: أجسام وكفى، على أي حال كانوا من لطافة وكثافة وصغر وكبر وكل هذه الأنواع توجد في الجنِّ، وفي كلّ ذلك تقدِر على الأفعال الشاقة، فانظر ما تفعل الريح وما فعلت في ما سبق وهي لطيفة، وأمـَّا كون المرئي حاظر غير مستور، والبصر سالم مع ذلك لا يرى، وكذا سائر الحواس وما تدرك فإنـَّه ممكن عقلا عندنا وعند الأشعريَّة، وواقع أيضًا كالملائكة والجن.

 

 وجاءت حمَّالة الحطب بفهر ترضخ به النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولم تره، وهو حاضر ويأتي بحثه في سورة «تبَّت»([2]) ومنعته المعتزلة عقلا، وكما يختل في بعض الشيء بالخيال كالنقطة المدور ما هي بعجل كنقطة في فلكة مغزل أو في رحى ترى [597] دائرة وكالشيء المدور نفسه بعجل يرى مستديرا كجدوة في طرف عصاء تدور على عجل فترى النار مستديرة وكما ترى البعيد صغيرا، فقيل: لأنـَّا  نرى بعض أجزائه دون بعض، وفيه أنَّا نراه من أسفله إلى أعلاه، فكيف يقال إنـَّه لم ندرك أعلاه أو أسفله فصغر، وإنـَّما الخلاص أن نقول رؤيته صغيرا تخيُّل، وأمـَّا ما قيل من جانب مذهبنا الجوهر الفرد يمكن رؤيته من بعيد في جملة المركب، والمجموع من جواهر لا معنى له إِلاَّ مجموعه، ولو انفرد لم يروا، ذلك جسم لا يرى في قرب وسلامة البصر، فلا يصحُّ ذلك في مذهبنا، لأنـَّا نسلم ثبوت الجوهر الفرد وهو الجزئي الذي لا يتجزَّء، فإن ذلك عدم محض، وأماما قالت المعتزلة من أنـَّه لو أجاز حضور جسم لا يحس مع صحَّة الحاسة لجوزنا حضور أصوات طبول ومزامير لا نلمسها ولا نسمعها ولا نراها فلا يصحُّ، لأنَّ ذلك جائز بل واقع من الجنِّ، ويتكلَّم الجنَّ والملك ولا نسمعه، ومن الجائز حدوث شموس حين غمضت عينيك، وإعدام الله إياها حين تفتحها، إِلاَّ أنـَّه لم يقع، ولو شاء لأغمض عيون الناس كلّهم عند ذلك، وإعدامها عند فتحها، ولو شاء لكان قد قلب الحجر زبرجدا أو غيره، والبحر ذهبا سائلا، وأخفى ذلك عن الأعين، لكن لا نقول ذلك وقع، ذلك لعدم دليل وقوعه، ومن الحجَّة لنا أن نقعد عند المحتضر وبعد الدفن ولا نسمع.

 

{فقالوا إنا سمعنا قرآنا} قراءة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كـنَّا نقول سمعت قراءة فلان وتلاوته، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يقرأ القرآن فاستمعوه أو القرآن كتاب الله، وكل بعض منه قرآن، فلـمَّا سمعوا منه صلَّى الله عليه وسلَّم بعضه صحَّ أنـَّهم استمعوا القرآن وسمعوه، وأيضًا القرآن كحبل ممدود من مسَّ طرفه أووسطه قيل: مس الحبل؛ كان الجنّ يستمعون أخبار السماء بالصعود إليها ويلقونها إلى الكهنة، وكانوا يرجمون بالشهب قليلا، فلـمَّا بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كثر الرجم وحيل بينهم وبين خبر السماء فأخبروا إبليس، فقال لهذا سبب فأرسل في الآفاق، فوصل قوم تهامة فرأوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [598] في سوق عكاظ يعلي بأصحابه صلاة الفجر، فاستمعوا ورجعوا إلى قومهم فقالوا لهم: «يا قومنا إنَّا سمعنا قرآنا عجبا...»إلخ.

 

 ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم  ما درى بأنـَّهم استمعوا قراءته حتَّى أخبره الله في هذه السورة، وإن قلت الذين رموا بالشهب هم الشياطين، والذين سمعوا القرآن هم الجنَّ فكيف وجه الجمع؟ قلت: الجن أعم من الشياطين يعم المؤمنين والكافرين، والشياطين خاص بالكافرين، ويعم المشرك والمنافق والأبالسة المشركون كما أنَّ الإنسان يعمُّ المؤمن والكافر، والكافر يصدق على المنافق والمشرك والفراعنة يختصُّ بالمشركين وهذا أولى مِمَّا قيل: إنَّ الجنَّ كانوا من الشياطين، فلـمَّا رمي الشياطين أخذ الجنّ الذين كانوا معهم في تجسُّس الخبر هؤلاء النفر الذين استمعوا هم رهيط  زوبعة وأصحابه، وقيل: كانوا من الشياطين وهم أكثر الجنِّ عدد أو عامـَّة جنود إبليس منهم، وهذه القصَّة غير القصَّة التي علم فيها أنـَّهم يستمعون وهما واقعتان.

 

 قال ابن مسعود قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمرت أن أتلو القرآن على الجنِّ فمن يذهب معي، فسكتوا، وقال الثانيَّة وفي الثالثة، قلت: أنا أذهب معك يا رسول الله، فجاء إلى الحجون عند شعب ابن أبي دب فخط علي خطًّا، فقال: لا تجاوزه فانحذروا عليه أمثال الحجل كأنـَّهم رجال الزط يقرعون الدفوف كما تقرع النساء الدفوف، حتَّى غشوه فغاب عن بصري فقمت، فأومى إليَّ بيده اجلس ثمَّ تلا القرآن وجعل صوته يعلوا ولصقوا بالأرض حتَّى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم، وقالوا له: ما أنت، قال: أنا نبي الله، قالوا: فمن يشهد لك؟ قال: هذه الشجرة تعالي يا شجرة فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتَّى انتصبت بين يديه، فقال على ماذا تشهدين لي، قالت: أشهد أنـَّك رسول الله قال: اذهبي، فذهبت كما جاءت حتَّى صارت كما كانت فلـمَّا عاد إليَّ، قال: أردت أن تأتيني، قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثمَّ تولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد فزوَّدتهم العظم والبعر فلا يستطيبنَّ أحد بعظم ولا بعر» وهذه القصَّة بعد الأولى، ولا مانع من العكس، ويجوز أن تكون القصَّة واحدة وقد علم بهم وباستماعهم، ولكن لم يعلم أنـَّهم قالوا: {إنـَّا سمعنا قرآنا عجبا...}إلخ لقومهم فأوحى الله إليه صلَّى الله عليه وسلَّم أنـَّهم استمعوا وأنـَّهُم قالوا لقومهم، والمراد بالذات في أيحل ذلك هوانهم قالوا لقومهم، ويجوز أن يكون لم يعلم باستماعهم كما لم يعلم بما قالوا، فأخبره الله بذلك وقد علم أنـَّهم حضروا وأنـَّهُم حشروا إليه لكن لعلهم سدوا آذانهم لئلاَّ يسمعوا أو شغلوا أنفسهم عن السماع أو قلب عليهم لغو اللاَّغين منهم، فكم يمكنهم الاستماع أو سمعوا بدون استماع فأخبره الله أنـَّهم استمعوا وسمعوا وقالوا كذا وكذا وأوحى الله جلَّ جلاله ذلك إلى رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وصرفهم إليه وهو يخبر أصحابه، وهو أمين عند المؤمنين والمشركين لا يجربون عليه كذبة أو خيانة قطُّ، فيعلم الناس أنـَّه بعث إلى الجنِّ كما بعث إلى الإنس وأنَّ  الجن مع تمرُّدهم آمنوا به، وبالقرآن وأنـَّهُم مكلَّفون وأنـَّهُم يفهمون كلامنا ولغتنا ويسمعوننا، وأن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان، وأنـَّهُم إذا آمنوا به مع أنـَّهم ليسوا من جنسه فكيف لا يؤمن به من هو من جنسه وقرابته وأنَّ الآدمي إذا فعل ما حرم الله تبرَّأ منه المؤمن من الجنِّ إذا رآه يفعل.

 

 {عجبا(1)} عجيبا كأنـَّه نفس العجب إذ خرج عن حدّ أشكاله ونظائره تأليفا ودقَّة معنى، وذلك نعت بالمصدر للمبالغة أو يقدَّر ذا عجب.

 

{يهدي إلى الرشد} إلى الصواب ضدَّ الخطأ والسفه وهو التوحيد وما فيه من أمر دين الله.

 

{فآمنـَّا به} بذلك القرآن أوبالرشد والأوَّل أولى وهذا مِمَّا يرجِّح تفسير القرآن في قوله: {قرآنا عجبا} بكتاب الله لا بقراءته، لإنَّ الإيمان بالقرآن أظهر وأنسب من الإيمان بالقراءة، وإن أوَّلناها بمظمونها أو بالمقروء، فالقرآن بمعنى كتاب الله يغني عن ذلك.

 

 {ولن نشرك بربـِّنا أحدا(2)} لا نعبد غير الله فيما يستقبل ولو عبدناه قبل ولا نسوي به غيره في صفاته كعلم الغيب وكمال القدرة [600] فهم مشركون اسلموا لـمَّا سمعوا القرآن ولا يتعيَّن ذلك لجواز أن لم يكونوا مشركين من قبل لكن قالوا: لا نبقى على التوحيد ولا نظير إلى الشرك ومن سمع بهذا النفر وما ذكر الله عنهم أو تلاه في السورة وجب عليه ولا يتَّهم في حينه وكانت ولايته لهم توحيدا، أو إِنـَّمَا يجب عليه ذلك مرَّة ولا ينقضها بعد وإن لم يسمع أو لم يفهم لم يلزمه أن يتولاَّهم، وقوله: فآمنا به لا يوجب أن يكونوا قبل ذلك مشركين لأنَّه من حدث عليه كتاب من الله فلا بدَّ أن يؤمن به وإلاَّ أشرك بإنكاره ولو كان قبل موحِّدا، ولو كلِّف به غيره، لا فكيف إذا أمر به، وإن لم يعلم بنزوله وكان على دين الله حيث لا يبلغه عذر.

 

{وأنـَّه تعالى جدُّ ربـِّنا} تعاظم عظم ربنا، يقال: جد فلان أي عظم ومنه الحديث: ­«كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جدَّ فينا أي عظم وجلَّ قدره لأنـَّه يعمل بها، وأمـَّا بعد ذلك فتجد الرجل يقرأ القرآن أو جلَّه أو سورا منه كثيرة ولا يعمل بها، فهو هيِّن عندنا» وذلك تعظيم لله عن كلِّ وصف نقص، وذكروا بعض أوصاف النقص على طريق النفي عنه بقولهم {ما اتـَّخذ صاحبة ولا ولدا} فمن كان منهم نصارى أو غير نصارى فقد تبرَّأ بهذا من دين النصرانيَّة بعد التبرأ من سائر الشرك، فإنَّ اتخاذ الصاحبة وهي الزوجة واتخاذ الولد نقص وذلك أولى من أن يقال: فسروا قوله تعالى {جد ربنا} بقولهم: {ما اتـَّخذ صاحبة ولا ولدا(3)}، وإن تعاظم عظمته المذكور هو انتفاء اتخاذ الصاحبة والولد هنا لأنَّ تعميم عظمته أولى وأوجب، ولأن تعميمها ثمَّ التمثيل بنفي الصاحبة والولد كنفيهما بالحجَّة كأنـَّه قالوا: هو عظيم العظمة، ومن كان كذلك لم يحتج بالصاحبة والولد لأنَّ الصاحبة تتـَّخذ للحاجة إليها والولد للتكثر به والاستنفاع، وليكون خليفة بعد فقد الوالد، وللتعزز والأنس، والله جلَّ وعلا  لا يحتاج ولا يضلّ ولا يستوحش ولا يموت، وأيضا ذلك يوجب الأعضاء والتركيب والحدوث وذلك عين النقص والعجز، ثمَّ إنـَّه لا مانع من تفسير الصاحبة بالمرأة يصحبها الرجل بالنكاح أو بالزنى، والله جلَّ وعلا وتبارك وتعالى وعز جلاله منزه [601] عن ذلك إِلاَّ أنـَّه لـمَّا كان الزنى من أخبث الخبائث لم يفسِّروا الصاحبة بالزانية ولا بها بالزوجة وقيل: الجد الغني كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي لايدافع عن ذي الغنى غناه شيئًا إذا جاءه منك ولا يدخله الجـنَّة مجرَّد غناه، وحاصل ذلك أنـَّه لا ينفع ذا الغنى عنك غناه وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «قمت على باب الجـنَّة فإذا عامـَّة من يدخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد محبوسون»، أي يؤخرون عن الفقراء بخمس مائة عام وبمقدار الدنيا وأقل من ذلك العدد لتمنِّيهم الجـنَّة.

 

 ويجوز أن يكون الجدُّ بمعنى السلطان وهو الملك والقهر ولا يوجب الله بالأصل له بأن يقال: جد الله بمعنى أصل الله، إذ ليس مبنيـَّا على أصل وإلاَّ كان فرعا حاشاه، ولا يقال: لحقيقتة دقيقة ولايوصف بجنسية ولا نوعية لا يوجد ذلك ولا يمكن ولا الألوهيَّة لغيره ووجوده غير وجود غيره وتنشيئته غير تنشيئة غيره، ويصحُّ أن يقال: قوله على وصفه الذي يوصف تعالى كلّ تعال ويتنزَّه عن الصاحبة والولد، وقرئ جدُّ ربِّنا بنصب جدًّا على التمييز وربنا فاعل وجدُّ ربنا (بكسر الجيم) أي صدق ربنا فإنَّه تعالى حقّ لاباطل ولا هزل.

 

{وأنـَّه كان يقول سفيهنا على الله} المراد سفيهنا كافرنا وهو إبليس أو جنس كفرة الجنِّ والسفه خفَّة العقل والمذموم منه المعاقب عليه هو ما كان بإهمال من صاحبه واتـِّباع الهوى والإعراض عمـَّا يدعو إليه عقله الغرزي([3])، وأمـَّا ما كان من خفَّته بالخلقة فلا عقاب عليه.

 

{شططا(4)} بعدا عن الحقّ ومجاوزة الحد في الباطل، والمراد البعيد المجاوز للحد جدًّا كأنـَّه نفس البعد، والمجاوزة كما تقول: زِيد صلاة، إذا بالغ فيها، أو يقدر ذا شطط، وشططا مفعول به على أنَّ المراد هو المقول الذي هو اتخاذ الصاحبة والولد وسائر ما يصدر من الشرك كاعتقاد الجسميَّة لله جلَّ عنها، وإن جعلنا مفعولا مطلقًا لتضمن «يقول» هنا معنى يشط سفيهنا على الله شططا، فمفعول «يقول» محذوف أي: يقول سفيهنا: إنَّ لله صاحبة وولدا وغير ذلك من الباطل، وإنـَّما الواجب في حقّ الله القول الوسط وكلا الطرفين مذموم، وذلك أن نقول: هو شيء موجود لا كالأشياء، وننفي عنه صفات الخلق كلّها، فمن نفى عنه صفاته أو نفاه أتى بطرف مذموم وذلك بمبالغته في النفي، ومن أثبت له الرؤية أو الصاحبة أو الولد أو الجسميَّة فقد عطله ونفاه لأنَّ وصفه بوصف غيره إدخال له في جنس الغير، وذلك بمبالغته في الإثبات وذلك طرف مذموم، وقولهم: {كان يقول سفيهنا على الله شططا} إمـَّا أنـَّهم اعتقدوه قبل استماع القرآن نطقوا به هنا لـمَّا رأوا القرآن الذي سمعوه طبق اعتقادهم، وإمـَّا أنـَّهم لم يعلموا أنـَّه شطط إِلاَّ في حين استماعهم القرآن، وعلى كلّ حال فالتوحيد في اعتقاد أنـَّه شطط، وهمزة «أنـَّه استمع» مفتوحة كما مرَّ وكذا {وأن لو استقاموا}، {وأنَّ المساجد لله} أي أوحي إليَّ أنـَّه استمع، {وأن لو استقاموا}، {وأنَّ المساجد} والباقي من المعطوفات بالكسر إلى الحكاية، أي قالوا إنـَّا سمعنا وإنه تعالى وإنـَّه كان يقول.

 

 {وإنا ظننا}، {وإنَّه كان رجال}، {وإنـَّهُم ظنوا}، {وإنـَّا لمسنا}، {وإنـَّا كـنَّا نقعد}، {وإنـَّا لا ندري}، {وإنا منـَّا الصالحون}، {وإنَّا ظننا}، {وإنَّا لـمَّا سمعنا}، {وإنَّا منـَّا المسلمون}، {وإنَّه لـمَّا قام }، ومعنى هذا أن النفر المؤمنين من الجنِّ، قالوا لمن يحضر معهم إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لـمَّا قام يدعوه كاد شياطين الجن الكافرون يكونون عليه لبدا، مزاحمة ليلغوا، فلا نسمع نحن معشر من أراد الإيمان من الجن، وحاصل ذلك أنَّ ما كان من الوحي بفتح وما كان من قول الجنِّ بكسر، وبعضهم فتح أنـَّه لـمَّا قام جعلا له من الموحى، أي أوحي إليَّ أنـَّك لـمَّا قمت كادوا يكونون عليك لبدا ووضع الظاهر وهو من قبيل الغيبة مقام ضمير الخطاب كما رأيت أو مقام ضمير التكلُّم، أي أوحي إلى أنـِّي لـمَّا قمت كادوا يكونون علي لبدا، وقرأ بعضهم بفتح الكل مِمَّا بعد آمنا به عطفا على الهاء فمعنى الإيمان بـ{إنـَّه كان يقول...}إلخ آمنا به سفه ومعنى الإيمان [603] بأنا ظننا آمنا بأنـَّه كذب وهكذا ما بعد ذلك معناه آمنا بأنـَّه خطأ وضلال، وآمنا بشدَّة الحرس من الملائكة بأمر الله وبوجود الشهب أكثر مِمَّا مضى، وبحدوث أمر عظيم يؤول إلى الشر أو الخير وبالفرق بين الصلاح وما دون ذلك وبأن الله لا يعجز، وبالإيمان المرتب عليه نفي خوف الجنس وإلى هو وبوجود المسلم المحق والقاسط الكافر، ويترتَّب السقي على الاستقامة للفتنة على ما ذكر الله لنا وكأنـَّه قيل: وبأنـَّه قال: {لو استقاموا} وبأنّ المساجد لعبادة الله فقط، وبقيام عبد الله بالتبليغ ولا يخفى ما في ذلك من التعسُّف وأظنها لم تلبث إِلاَّ أن يؤوَّل آمنا بصدَّقنا وشهدنا، فما تعسف قدر فيه شهدنا أو يعتبر في الكلّ معنى شهدنا، وأمـَّا العطف على الهاء التي هي ضمير متَّصل بلا إعادة للجار فلا إشكال فيه، لأنَّ ذلك في العطف بدون أن المصدريَّة، وأمـَّا إذا كانت أن المصدريَّة فلا يشترط إعادة الجار معها لأنـَّه يجوز حدفها معها ولو بلا عطف، وأيضا اختار ابن مالك أن الإعادة غير واجبة، وأيضا بعض يقيم الفصل مقام الإعادة، والحجَّة الأولى أقوى وإن ظننَّا.

 

 {أن لن تقول الإنس والجنُّ على الله كذبا(5)} وهذا يدلُّ أنـَّهم كفروا قبل الاستماع وأنـَّهُم لـمَّا استمعوا آمنوا فهذا اعتذار منهم عن التقليد أي اعتقدنا عظمة الله فظننَّا أنَّ الجنَّ لا يكذبون على الله ولذلك اتَّبعنا قولهم، وكذبا مفعول مطلق لـ«تقول» والمفعول محذوف أي لن نقول إنَّ لله صاحبة وولدا ونحو ذلك من الكفر، قولا كذبا أي كاذبا أو ذا كذب أو مكذوبا فيه أو ضمن تقول معنى تكذب أو كذبا مفعول به أي ذكروا ما هو كذب فنصب المفرد لتضمُّنه معنى الذكر أو تضمن المفرد معنى الجملة، وقرئ أن لن تقَوَّل (بفتح القاف) والواو وتشديد الواو، وأصله أن لن تتقول فحذفت إحدى التاءين، وعلى هذه القراءة فقولاً اسم [604] مصدر بمعنى التقول.

 

{وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنِّ} كان الرجل من العرب إذا سمَّى في واد قفر وخاف على نفسه أو دابته، يقول أعوذ بسيِّد هذا الواد أو بعزيز هذا المكان من سفها[ء] قومه، أراد بالسيِّد رئيس جن ذلك الوادي، وبقومه جن الوادي، فذلك الرئيس يسمع كلامه ويحرسه ويحرس دابته عن الشياطين، فتستكبر الجنُّ ويقولون سدنا الإنس والجن وذلك في قصص طويلة منها: أنَّ رجلا قال ذلك يوما فجاءه شاب من الجنِّ فأراد عقر ناقته ففداها الشيخ بأثوار له وخاطبه الشاب بأبيات منها:

ما كان منكم ســيـِّد فيما مضــى **   إن الأخيار هم بنو الأخـــــــيار

ذكرناها في غير هذا الكتاب، وكانوا إذا قحطوا بعثوا من يطلب لهم الكلأ فإذا وجد مكانا فيه الكلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة، يعنون الجنَّ فإن لم يفزعهم أحد تولوا، وربما تفزعهم الجنُّ فيهربون، و«من الجنِّ» نعت لرجال والمستعاذ به مذكور وهو الرجال الذين من الجنِّ، والمستعاذ منه هو شرٌّ الجنِّ وقيل: الرجال المذكورون أوَّلاً وثانيا كلّهم من الإنس، ومن الجنِّ أي من شرّ الجن. برجال من الإنس يعتقدون فيهم العظمة كالأنبياء والأولياء ومن اعتقدوا فيه، والداعي إلى هذا أنَّ  الرجل لا يطلق على الجني وهو قول لا حجَّة له بل الرجل يطلق على الآدمي البالغ والجني البالغ {فزادوهم رهقا(6)} الواو لرجال الإنس العائدين، والهاء لرجال الجنّ المستعاذ بهم، و «رهق» مفعول ثان ومعناه غشيان باستعلاء واجتزاء والمعنى أنـَّهم زادوا باستعاذتهم برجال من الجنّ زادوا الجنّ أن يحوموا حول الإنس باجتزاء واستعلاء عليهم بالتخويف حتَّى يستعيذوا بهم أو زادوا الجنّ أن تغشاهم بقولهم سدنا الإنس والجنَّ، والواو لرجال الجنِّ المستعاذ بهم، والهاء للمستعيذين [605] من الإنس، يعني أنَّ الجنّ زادوا الإنس أن يحوموا إلى الجنِّ ويردُّوا عليهم للالتجاء والاعتصام بهم.

 

 وأمـَّا تفيسر الرهق بغير الغشيان كالظلم والجراءة والطغيان والغي والشر والخوف فتفسير بالحاصل. {وأنـَّهُم ظنـُّوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا(7)} أي الإنس ظنُّوا كما ظننتم يا معشر الجنِّ أنـَّه لن يبعث الله أحدًا، فهذا الخطاب من الجنِّ  المستمعين للجنِّ الذين لم يحضروا القرآن ويجوز كون الواو والهاء لكفار الجنِّ أي وأنَّ الجنّ ظنوا كما ظننتم أيـُّها الناس وعلى هذا يكون العطف على أنـَّه استمع وكسر الهمز على تضمُّن  «أوحي» معنى قيل: وهو ضعيف إذ لم يأوَّل أوَّلاً  بل بقي عليه حتَّى فتحت همزة {أنـَّه استمع} ولعلَّه يقدَّر هنا أوحي على معنى قيل: أو يقدَّر هنا وقيل لي([4]): {أنـَّهم ظنُّوا...إلخ}، أو يعتبر أوحي على هذا الكلام هكذا، أنـَّهم ظنوا، وهكذا التأويل حيث تعذَّر العطف على أنـَّه استمع لمجرد الكسر، والأولى أنـَّه من كلام الجنِّ لعدم احتياجه إلى التأويل، ولأنَّ ما قبله وما بعده من كلام الجنِّ، فليكن هو من كلامهم، وأمـَّا على قراءة فتح أنَّ فلا إشكال في جعله من الموصي والهاء والواو لكفار الجنِّ وعلى كلّ حال ففي الجنِّ من ينكر البعث بل من قال من النصارى تبعث الأرواح دون الأجسام منكر للبعث، وعلتهم قبَّحهم أن لا بول ولا غائط في الجـنَّة، ولم يستحضروا لعنهم الله أن آدم وحواء كانا فيها ولا بول ولا غائط، وهما يأكلان ويشربان حتَّى أكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، ولم يستحضر أن مأكول الدنيا ومشروبها ليسا يخرجان جميعا، بل يستحيل بعضها دما فلحما وشحما، ولم يستحضر أنَّ من طعام الدنيا ما تقل فضلته كالموز، ومن الجائز أن يفسر البعث في الآية ببعث الرسل كما أنَّ البراهمة أنكروا النبوءة والرسالة.

 

{وأنـَّا لمسنا السماء} أي طلبنا بلوغها أو طلبنا خيرها واستماع كلام أهلها يقال التمس منـِّي كذا [606] وتلمسه ولمسه أي طلبه، واللَّمس المس استعير لطلب الأذى من الأعلى أو من المساوي، ولو شهر أنَّ الالتماس الطلب المساوي، ووجه إطلاق الالتماس على الطلب أنَّ إلماس طالب متعرف لوجود الشيء أو كثرته وقلته أو طوله أو عرظه([5]) إذا كان لا يراه أو لحراراته و برودته أو للينه وخشونته، كما يقال جسَّه بعينه وتجسسه.

 

{فوجدناها ملئت حرسا} اسم جمع حارس كخَادم وخَدم (بفتح الخاء والدال) والمعنى الجمع أي حراسا، وقد قيل: هو مفرد لفظا ولذلك قال شديدا أي قويا بالإفراد إِلاَّ أنَّ فعيل بمعنى فاعل كشديد وظهير، قد يطلق على ما فوق الواحد لأنـَّه بوزن المصدر كصهيل وقيل في مثل ذلك: إنـَّه جمع لا يقاس عليه، والمراد بالحرس الشديد الملائكة يحرسون السماء عن سماع الجنّ، وهو تمييز مشتقٌّ، لأنـَّه قد يكون مشتقا، وهو غير محول عن شيء إذ قد يكون التمييز غير محول إِلاَّ أن يقال محول عن الفاعل على القلب، والأصل ملأها الحرس وذلك أولى من كونه منصوبا على نزع الباء أي ملئت بحرس.

 

 {شديدا وشهبا(8)} جمع شهاب وهو الشعلة المقتبسة من نار الكواكب وقيل: كواكب معدَّة لذلك غير الكواكب المزيَّن بها السماء.

 

{وأنـَّا كـنَّا نقعد} قبل هذا، {منها} من السماء، {مقاعد للسمع} «منها» متعلِّق بمحذوف حال من مقاعد ومقاعد جمع مقعد اسم مكان وهو موضع القعود، و«للسمع» نعت لمقاعد وإنما تثبت للسمع لقصدهم إياها أو ثبتت باعتيادهم لها أو متعلق بنقعد أي وإن كـنَّا نقعد من أجل السمع مواضع قعود من السماء على أنـَّهم يقعدون في نفس السماء من خارج أو من داخل لأنـَّهم يتوسَّطون الجسم وأمـَّا إن كان القعود في موضع تقرب من السماء أو قريبة من السماء والجو مقاعد ومواضع، فكلُّ هواء موضع لما يكون فيه من طائر وغيره مِمَّا يتماسك فيه ولا يتماسك بل يتسفَّل أويصعد كحجر يرمى [607] إلى جهة العلو، والمراد مقاعد خالية من الحرس والشهب إِلاَّ قليلا، والآن كثر الحرس والشهب وقويت، أونقعد مقاعد نجدها فارغة من الحرس والشهب والآن لا نجد موضعا فارغا من ذلك، بل نجدها مملوءة كلّها.

 

 ويدلُّ على ما ذكرت من أنَّ الرمي بالشهب موجود قبل بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وإنـَّما الحادث الكثرة ما ذكر الزهري عن علي بن الحسن عن ابن عـبَّاس: «بينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فإنـَّها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربُّنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبَّحت حملة العرش، وسبَّح أهل كلّ سماء إلى أن ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، فينتهي الخبر إلى كلّ سماء، ويتخطفه الجنّ من السماء الدنيا فيرمون، فما جاءوا به حقّ يزيدون فيه أكاذيب»، ويدلُّ لذلك أيضًا قول أوس بن حجر وهو من الجاهلية:

فانقـضَّ كالدري يـتـبـعــه     **   نـقع يـثور تـخـالـه طنبـا

وقال عوف بن الخزع:

يرد علينا العير من دون ألـفـه     **    أو الـثور كالدري يتبعـه الدم

وذلك مع الصحيح، ولـمَّا كثر الرجم عند البعثة تنبه له الناس وكان كالحادث، وعن ابن عـبَّاس وأبيُّ بن كعب: «ما كـان يرمي بالنجوم قبل بعث النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستمعون ولا يرمون ويزيدون تسعا في الكلمة التي يسمعون فالكلمة  حق وما يزيدون كذب ولـمَّا بعث صلَّى الله عليه وسلَّم رموا، فقال  إبليس ما هذا إِلاَّ لأمر حدث فبعث جنوده فوجدوا رسول الله مبعوثا يصلِّي باصحابه».

 

 وقال أبي بن كعب: «لم يرم بالنجوم منذ رفع عيسى حتَّى بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليهما فرمي بها فجعلت قريش يسبون أنعامهم ويعتقون رقابهم يظنون أنَّها الفناء، فبلغ ذلك بعض أكابرهم: اصبروا فإن كان هي النجوم التي ترى في السماء في أماكنها فهو وقت فناء الناس، وإن كانت غير ذلك فأمر حدث فوجوده غير ذلك، فأخبروه [608] فقال في الأمر مهلة هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إِلاَّ يسيرا حتَّىظهر أمر محمَّدًا بن عبد الله ادعى النبوءة والرسالة قبل» ولعلَّ ما فيه ذكر الرمي بالنجوم من شعر الجاهلـيَّة مصنوع عليهم وليس منهم ليكون قدحا في معجزة الرمي بها بل الإرهاص بها فيبقى الحديث فإنـَّه ليس في سنده من يميل إلى القدح، وظاهر الآية أنـَّه لم يكن من قبل إذ قال جلَّ وعلا: وفي الكلام حذف تقديره وإنـَّا كـنَّا نقعد منها مقاعد للسمع ونستمع ولا نجد شهابا رصدا كثيرا بدليل قوله:

 

 {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا(9)} فإنَّ ظاهره أنـَّه من كان يستمع قبل لا يجد له الشهاب الرصاد، ورصدا نعتا شهابا أي شهابا راصدا لدور صدَّ وصفَّ وهو مفرد، ويجوز كون رصدا جمع راصد أواسم جمع على تقدير ذوي شهاب راصدين، والفاء عاطفة كما رأيت، كأنـَّه قيل: كان ما كان فكان عقبه كذا الآن، أو رابطة لجواب شرط محذوف كأنـَّه قيل: إن قلت: ما الحكم الآن {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} والمعنى يجد لنفسه شعلة نار مترقِّبة له تمنعه من الاستماع.

 

 {وأنـَّا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا(10)} أي لا نعلم أشر أريد بأهل الأرض إذ حرست السماء والباء للالتصاق أم أراد بهم ربهم خيرا وإصلاحا، لا نعلم أشر أريد بمن في الأرض بأن يكذبوا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم فيهلكوا كالأمم المكذبة، أم أراد أن يؤمنوا ويهتدوا، وكل من الشر والخير من الله ولكن لم يقل: أشر أراده الله بمن في الأرض على طريق الآداب القرآنيَّة، إذ نسب الخير لله ولم ينسب إليه الشر، وفي بعض المواضع إسنادهما معا إليه عزَّ وجلَّ.

 

{وأنَّا منـَّا الصالحون} الآتون بأعمال الطاعة المجتنبون للمعاصي كذا قيل: وفي هذا بعد لأنـَّه قبل استماع القرآن إِلاَّ أن يراد قبل الفترة.

 

{ومنـَّا دون ذلك} أي ومنا قوم دون ذلك الصلاح فإن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وبأن أشركوا فدون ذلك شمل المشركين ومن دونهم من أهل المعاصي، أو المراد بالصالحين في عبارة هؤلاء الجنّ المتصفون([6]) بصلاح الملاح في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح كما تقتضيهم الفترة السليمة ولو لم يكونوا موحدين أو كانوا [609] ذوي كبائر فيكون المراد بدون ذلك من يميل إلى الشرور والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة، على أي حال كان من شرك أو توحيد، والإشارة إلى الملاح المعلوم من الصالحين أو إلى الصالحين بتأويل من ذكر و«منَّا» خبر لمحذوف والمحذوف موصوف بالظرف أي ومنَّا قوم دون ذلك والآية على ما قبل الاستماع للقرآن، وأمـَّا المستمعون له ومن تبعهم فأهل عبادة واجتناب الكبائر ولا مدح لهم إِلاَّ بهذا المعنى.

 

{كنـَّا  طرائق قددا(11)} مختلفة متفرقة جمع قده (بكسر القاف) من قدَّ كالقطعة من قطع كسدرة وسدر، وقددا نعت، وإن قلنا القدد الفرق التي كلّ واحدة في هواها على حده، فهو بدل من طرائق ولا شك أن الجنَّ غير طرائق والطرائق غير الجنِّ فيقدر مضاف آخر أي كـنَّا ذوي طرائق أو أوَّلاً أي كانت طرائقنا أو يقدَّر كـنَّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، وعلى كلّ وجه فالمراد مذاهب مختلفة: مذاهب النصارى ومذاهب اليهود، وأمـَّا ما قيل: عن السديِّ إنَّ الجنَّ أمثالكم فيه مرجئة وقدرية وروافض وخوارج فلا يصحُّ، لأنَّ هذه الفرق بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فكيف تفسر بها ما قبله؟ إِلاَّ القدرية فموجودة قبله أيضًا، والجواب أنـَّه أراد أنَّ الجنّ فرق مختلفة قبله صلَّى الله عليه وسلَّم كما اختلفت كالإنس إلى رافضة وقدرية وغير ذلك.

 

 {وأنـَّا ظننـَّا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا(12)} الظنّ هنا بمعنى اليقين وفي الأرض متعلق بنعجز، أي لن نوقع في الأرض إعجازه أو بمحذوف حال من المستتر ونعجز هروبا تمييز محول عن الفاعل أي لن يعجزه هربنا أو حال مبالغة ولا نعجزه ولو تشدَّدنا في الهروب حتَّى صرنا نفس الهروب أو يأول بهاربين أو ذوي هاربين، والمعنى لن نعجزه في الأرض، أو كائنين في الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إلى السماء إن طلبنا، أو لن نعجزه داخلين في الأرض ولن نعجزه هربا منه على ظاهرهها إذا أراد بنا أمرا أو طلبنا وإنـَّما نفى ذلك لعدم إمكانه، وهذا كما نقول: السالبة تصدق بنفي الموضوع وسائر الفضلات كالموضوع.

 

{وأنـَّا لما سمعنا الهدى} أي الإرشاد وهو القرآن فإنـَّه إرشاد، فإنَّ التالي له يهدي سامعه [610] يدلُّه على صلاحه. {آمنا به} بلا تردد لوضوح دلالته، فإنَّما لا يؤمن بالقرآن من لم يقبل عليه بل قصد الإعراض فلم يلق إليه أو من ينكره عنادا. {فمن يؤمن بربه} كلّ الإيمان بأن آمن بوجوده وقدرته ومخالفته للحوادث وبأنبيائه وكتبه.

 

{فلا يخاف} أي فهو لا يخاف ولتقدير المبتدأ قرن بفاء الجواب ورفع وإلاَّ لسقطت الفاء وجزم، أو لتقدير قد التحقيقة كذلك أي فقد لا نخاف بناء على القول بجواز دخول على "لا" النافية وفائدة التقديرين التأكيد، فإن الجملة الاسمـيَّة مؤكدة كقد وأيضا في تقدير هو تخصيص يعني ويتبادر، أي فهو لا غيره، لا يخاف وذلك لازم معنى ولا يلزم لفظا لعدم وجود أداة الحصر، ومن فوائد ذلك تأكيد ترتب نفي الجنس والرهق بالفاء على الإيمان وذلك معنى الربط وقرأ الأعمش: فلا يخف بالفاء والجزم والفاء زائدة على هذه القراءة للتأكيد، ولا نافية، ويخف جواب أو هي عاطفة، والجواب محذوف إعظاما، أي ينل في الجـنَّة بعد نجاته من البخس والرهق ما لا غاية له له([7])، أو هي رابط ولا ناهية فذلك نهي له عن الخوف مبالغة لأنـَّه  لا بدَّ له من الخوف والرجاء معًا أو نهي من الدنيا للآخرة.

 

{بخسا} نقصا في الثواب، {ولا رهقا(13)} ظلما لا يظلمه الله بالعقاب على مالم يعمل والزيادة في سيِّئاته على ما استوجبه أو لا يخاف أنـَّه بخس أحدا أو لأرهقه لأنـَّه لم يفعل ذلك فليس يخاف العقاب على ذلك، وذلك تنبيه على أنَّ من حقّ من آمن أن يجتنب المظالم وجملة {فمن يومن بربـِّه}إلخ من كلام الجنِّ، والفاء للتعليل، أي آمنا به لأنـَّه من يؤمن إلخ، وليس من كلام الله معترضا بين كلام الجنِّ، بدليل الفاء، اللهمَّ إِلاَّ أن يقال: تذييل من كلام الله على كلامهم وكل ما في القرآن منزَّل من الله.

 

 {وإنا منـَّا المسلمون ومنـَّا القاسطون}([8]) المائلون عن الإسلام والتوحيد فهم مشركون، أو المائلون عن الطاعة واجتناب الكبائر، سواء كانوا مشركين أم فاسقين، ولـمَّا أراد الحجاج سعيد بن جبير قال له: «ما تقول فيَّ؟» قال: «قاسط عادل»، فقال القوم: «ما أحسن ما قال؟»، حسبوا أنـَّه يصفه بالقسط والعدل، فقال الحجاج: «يا جهلة إنَّما سمَّاني ظالما مشركا وتلى لهم {وأمـَّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}»، [611] وأخطأ الحجاج في قوله: «سمَّاني مشركا» إذ لا يسميه سعيد بن جبير مشركا.

 

{فمن أسلم فأولئك} الإشارة إلى من أسلم باعتبار معناه. {تحرَّوا} قصدوا طريق الحقّ والتحرِّي تعاطي الأحرى وهو الأحقّ، يقال: هذا أحرى أي أحق وأقرب. {رشدا(14)} صلاحا عظيما وهو النجاة من النار والفوز بالجـنَّة.

 

 {وأمـَّا القاسطون فكانوا لجهنـَّم حطبا(15)} كونهم لجهنَّم حطبا مقابل لتحري من أسلم رشدا لأنَّ الرشد ثواب المؤمنين وإن أريد به الأمر المتسبب في الثواب، فذلك مستلزم للثواب، وكونهم مخلوقين من النار لا ينافي كونهم حطبا لنار جهنـَّم، لاختلاف النار، ولأنـَّهم لحم ودم، ولأنَّ الله جلَّ وعلا قادر على إيجاع الشيء بجنسه، وحطبا استعارة أو مجرد تشبيه بليغ على الخلاف في قولك زيد أسد، والمراد أنـَّها توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس.

 

{وأن لو استقاموا} أي وأوحي إليَّ أن لو استقام قومك أو الناس أو الإنس و الجن جميعا أو هؤلاء القاسطون، وأن مخففة واسمها ضمير الشأن، ولو شرطية ويدلُّ على أن الضمير للإنس قوله: {ماء غدقا} لأنَّ الانتفاع بالماء الغدق إِنـَّمَا يليق بالإنس لكثرة حرثهم وشجرهم ونخلهم وكثرة أكلهم وشربهم، وكثرة احتياجهم إلى الماء، والجن تكتفي بأقلِّ قليل في الطعام والشراب، ومنهم من يكتفي بالشم، ولأنَّ الآية نزلت بعد تسليط القحط على أهل مكَّة، بل هذا مِمَّا يدلُّ على أنَّ الضمير لقومه أهل مكَّة وفي عود الضمير إليهم أو إلى الإنس أو مع الجن عود الضمير إلى غير مذكور إذ لم يجر ذكر الإنس كذا قيل، وفيه أنـَّه جرى ذكرهم في قوله: {وأنه كان رجال من الإنس} ولعلَّ القائل لم يعتبر ذكرهم هذا في عود الضمير إليهم لأنـَّه ذكر في كلام الجن، وهذا من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم مع بعد ذكر الإنس، ولكن مع ذلك يدلُّ عليهم الحال والمقام كما علم المرجع في قوله تعالى:{إنَّا أنزلناه في ليلة القدر} بأنَّ دلالة إسقاء الماء الغدقُ، ليفتنهم فيه على الناس، خصوصا أهل مكَّة، كدلالة  الإنزال في ليلة القدر على القرآن في الظهور، وأمـَّا عموم القلَّة في الإسقاء وهي الاستقامة فلا تقتضي عموم المرجع، [612] لأنَّ كون الماء غدقا للفتنة يصرف عن عموم المرجع، كما مرَّ آنفا، إذ الماء الغدق لا يحتاج إليه الجنّ كثيرا إِلاَّ أن يقال: إسقاء الماء الغدق كناية عن توسيع الرزق، ولو بلا ماء، فيناسب الجنَّ .

 

{على الطريقة}: التي هي ملَّة الإسلام، فأل للعهد والشهرة، إذ الطريقة المعروفة المشهورة طريق الهدى، وقيل: طريقة المستمعين قبل الإسلام، بأن بقوا على الكفر، فيكون توسيع الرزق عليهم استدراجا، كما قال: {لنفتنهم} وفيه أنَّ الكفر لا يسمّى استقامة إِلاَّ بتكلّف مطلق الأسرار، وقيل: لو استقام إبليس وذريته على طريقته في العبادة، وسجد لآدم، ويعارضه قوله: {لنفتنهم فيه}، فإنـَّه كقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}، إِلاَّ أن يقال: لأنـَّه علم مرجعهم إِلاَّ قليلا النار، أو أراد الاختيار اللاحق للشاكر أيضا، بأن يظهر كمِّـيَّة شكره.

 

 {لأسقيناهم ماء غدقا(16)} الغدق بفتح الدال وكسرها الماء الكثير، والكسر والفتح قراءتان، والمشهور الفتح، والمعنى: لأنزلنا عليهم ماء كثيرا نافعا، نكثر به الثمار والكلأ، أو ذلك كناية عن توسيع الرزق والمنافع، سواء أكان ملزومه وهو الماء في الجملة أم لا كما تقول:كثير الرماد؛ تريد الجود ولو لم يكن طبخ، وخصَّ الماء لأنـَّه أصل المعاش والسعة ولغزو وجوده بين العرب، ولا سيما الأعراب منهم، وعن أبي مسلم أشار بالماء إلى الجـنَّة كما قال: {جـنَّات تجري من تحتها الأنهار} وفيه أنّ قوله: {لنفتنهم فيه} ينافيه، إذ لا اختبار في الجـنَّة، ولعلَّه أراد بالجـنَّة جنس جنات الدنيا، وذكر الآية ليستشهد بها على أن الأشجار والماء يستتبعان كل منهما الآخر، فذكر إسقاء الماء في الآية ليدلَّ بها على الشجر.

 

 {لنفتنهم فيه} لنضلهم كما قال: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وذلك باكتساب المكلف لا بالجبر أو لنختبرهم في ذلك الماء، أي في شأنه، أو لنخبرهم به، لنوقعهم في الفتنة استدراجا بالنعم ونعذبهم لكفران النعم أو لنختبرهم كيف يشكرون وكم يكون شكر الشاكر، فإنَّ من آمن وأنعم الله عليه قد يكون شاكرا بالعبادة، وصرف المال في وجه الله، وقد لا يكون كذلك، والذي أقول أنَّ أفعال الله تعالىبالأعراض وهو مذهب المعتزلة [613] لكثرة ما ورد من ذلك مثل: {لنفتنهم فيه} و{ليعبدون} و{ليعبدوا الله}، وتأويل الكثير لا يحسن وأيضًا في عدم التعليل بها لزوم أن يكون يفعل ويأمر وينهى بلا إرادة، أو بها مع العبث دون إرادة حكمة، وما قيل من أنـَّه تكون العلَّة اتـِّفاقًا لا قصدا يوجب أن يقع في الوجود ما لم يعلمه الله ولم يخلقه ولم يرده وذلك باطل.

 

 {ومن يعرض عن ذكر ربـِّه} كتاب ربه أو وحيه، وهو أعم من الكتاب، فهو خارج عن المصدريـَّة معنى أو عن موعضته، فهو مصدر مضاف لفاعله أو عن عبادته، فإنَّ العبادة ذكر له إذ هي عدم نسيانه وعدم الغفلة عنه، ففي هذا الوجه هو مصدر مضاف لمنصوبه. {يسلكه} ندخله وقرئ (بضم النون) يقال له سلكه وأسلكه بمعنى، وقرئ يسكله بمثناة تحتيَّة مفتوحة. {عذابا} مفعول به أو شبه به أو ضرف أو منصوب على تقدير «في» أي في عذاب صعد كقوله: {واختار موسى قومه} أي من قومه. {صعدا(17)} مصدر نعت به مبالغة بمعنى صعوبة كان العذاب نفس الصعوبة ومادة (صـ ـعـ د) فيه للدلالة على أن العذاب يعلق طاقة المعذب ويقلبها، ويقال صعد صعدا أو صعودا. قال عمر رضي الله عنه: «ما تصعَّدني شيء ما تصعَّدتني خطبة النكاح» يعني ما شق علي ولا غلبني، وعن عكرمة عن ابن عبَّاس "صعد" جبل في جهنـَّم كلّ صخرة واحدة ملساء، يكلف الكافر صعودها ويجدب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع حتَّى يبلغ أعلاه في أربعين سنَّة، فإذا بلغ أعلاه جبد إلى أسفله، ثمَّ يكلف الصعود مرَّة أخرى وهكذا».

 

{وأنَّ المساجد لله} أي {أوحي إليَّ أنـَّه استمع نفر}، {وأنَّ المساجد لله} أي مختصة بالله عزَّ وجلَّ  أو آمنا به وبأنَّ المساجد لله، وقال الخليل لأنَّ المساجد لله متعلِّق بـ «تدعو» بعده، والفاء صلة لتأكيد الربط، أي ولا تدعو مع الله أحدا في المساجد، لأنَّ المساجد لله مختصة بعبادته، أو المساجد عند الجمهور مساجد المسلمين وكنائس أهل الكتاب وبيعهم، وأهل الكتاب يشركون في صلاتهم، فأمر الله العباد بالإخلاص وترك الإشراك، وذلك كعبادة صنم، فإن اليهود و [614] النصارى لا يخلون منها، وكقولهم: {عزيرا ابن الله} وقولهم: {ثالث ثلاثة}، وقولهم بالولادة، وقيل: المراد بالمساجد المسجد الحرام والجمع لأنَّ كلّ ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة مقابلة للكعبة.

 

 وقال عطاء عن ابن عبَّاس: «يريد بالمساجد مكَّة بجميع ما فيها من المساجد لأنـَّها قبلة الدنيا أو قبلة الحرم والحرم قبلة الدنيا، وكل واحد يسجد إليها»، وقال الحسن: «أراد بالمساجد البقاع كلّها لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «جعلت لي الأرض مسجدا» كأنـَّه قيل الأرض كلّها لله عزَّ وجلَّ، خلفاء وملكا فلا تسجدوا فيها لغيره، وعن الحسن أيضًا: «المساجد الصلوات» فهو مصدر، وكذا إن قيل: بمعنى السجدات، وقال سعيد بن جبير: «أعظاء([9]) السجود السبعة»، واختاره ابن الأنباري، أي خلقها الله لعبادته، فلا تعبدوا بها غيره، فهو اسم آلة أو اسم موضع السجود من السجد، والمفرد مسجد (بكسر الجيم وفتح الميم)، إذا كان المراد بالمساجد المساجد المبنية للصلاة أوالبقاع أو المسجد لحرام أو مكَّة أو الأعضاء باعتبار أنـَّها مواضع السجود من البدن، والقياس (فتح الجيم) لأنَّ المضارع غير مكسور الوسط، إِلاَّ أنـَّه ورد كذلك وأمـَّا بمعنى الصلوات فالمفرد (بفتح الجيم) على القياس مصدر ميمي لأنـَّه لم يسمع بالكسر، وأمـَّا بمعنى آلة السجود فالمفرد (بكسر الميم وفتح الجيم).

 

 {فلا تدعوا مع الله أحدا(18)} الفاء عاطفة للإنشاء هلى الجملة الخبريـَّة قبلها عطف على فعلية على اسمـيَّة، والمعنى لا تعبدوا فيها أحدا مع الله فضلا عن أن تعبدوا غير الله وحده، ويجوز أن يكون المعنى: لا تدعوا أحدا مع وجود الله، فيكون النهي عن عبادة غير الله مع الله، وعن عبادة غيره وحده، بمعنى: إذا كان الله موجودا فكيف يدعى غيره وحده أو معه؟ كقولك: لا تتكلم مع زيد، تريد بحضرة زيد وإنـَّما قدرت لا تدعوا فيها لأنه لا تفريع قوله: لا تدعوا إلخ على قوله: {وأنَّ المساجد لله} بالفاء بدون التقدير.

 

{وأنه لـمَّا قام عبد الله} هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان قاعدا فقام يدعو، ومعنى قام شرع أو نهض أي نشط، ومع هذا هو واقف لأنه يصلِّي وذكر بلفظ [615] العبد مضافا لله وتعظيما له وإيذانا بأنَّ المقتضى لقيامه ودعائه هو عبوديته الصادقة لله، ولأنـَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لو عبر عن نفسه تعبر بلفظ العبد تواضعا فذكر الله عنه تواضعه، وهذا (بكسر الهمزة) من كلام الله معترض بين كلامهم، أو من كلامهم، وإن كان من كلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لكن هذا على قراءة فتح الهمزة، فالأصل أوحي إليَّ أنـَّه استمع نفر إلخ، وأنـَّه لـمَّا قمت أدعوه كادوا يكونون علي لبدا، فذكَّر نفسه بالعبوديَّة المقتضية لهذا القيام وتواضع عن ذكر نفسه بالنبيء والرسول على أنـَّه لم يشاهدهم كذلك ولم يرهم.

 

{يدعوه} يعبده بالصلاة وهي صلاة الفجر، والجملة حال معارنة [كذا] أن أريد بقام لبث ومكث واقفا ومقدرة إلى أريد التنقل من القعود، والجنُّ أتوه واستمعوا القرآن في صلاة الفجر ووجدوه يصلِّي.

 

{كادوا} أي الجن المستمعون {يكونون عليه لبدا(19)} منضمين ملتصقين كأنـَّهم جسم واحد تعجبا مِمَّا شاهدوا من عبادته وقراءته وتعجبا من اقتداء أصحابه به، قياما وركوعا وسجودا وقعودا، رأو ما لم يروا وسمعوا ما لم يسمعوا من القراءة، وذلك في قصَّة أخرى صلَّى فيها بأصحابه، لا في القصَّة التي انفرد فيها ابن مسعود معه من الصحابة، وأمـَّا فيها فلا يقال تعجبا من اقتداء أصحابه لأنـَّه لم يصلّ بهم بل صلَّى وحده، وقيل: الواوان للمشركين لـمَّا بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مخالفا لدينهم تظاهروا عليه يدا واحدة وتضاموا في ذلك كاللِّبدة، وقال قتادة لـمَّا قام يدعو الله وحده ازدحمت الإنس والجن على إبطال ما جاء به {ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره}، واللَّبد جمع لبْدة (بإسكان الباء) وهي ما تلبَّد بعضه على بعض والتصق، وكل ما ألصقته فقد لبدته ومنه الصوف الملبد المجعول شاشية أو من سرج الفرس بلا نسج، ولبدة: الأسد المشعر بين كتفيه، وقرئ لبدا (بضم اللام وفتح الباء) جمع لبدة بضمها وإسكان الباء ولبـَّدا (بضمِّ اللام وفتح الباء) مشدَّدة جمع لابد أي ملتصق كساجد وسجد [616] ولبد بضمهما جمع لبود (بفتح اللام وضم الباء) كغفور وغفر وصبور وصبر.

 

{قل إنما أدعو ربـِّي} أصلي له كما أنَّ عبادتي كلّها له والدعاء العبادة كالذي سبق وهذا من جملة قول الجنِّ حكاية عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو لـمَّا قال قومه صلَّى الله عليه وسلَّم له: «إنـَّك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلّهم فارجع عن هذا فأجابهم بقوله: {إنما أدعو ربي}إلخ»، فذكر الله عنه أنـَّه قال ذلك، أو قال ذلك للمستمعين والحاضرين من الجنِّ فذكر الله ذلك عنه أنـَّه قاله، وقرأ عاصم وحمزة: {قل} بفعل {ولا أشرك به أحدا(20)} الأمر وهو مناسب لقوله: {قل إنـِّي لا أملك}، {قل إنـِّي لن يجيرني} واختارها بعض لهذه المناسبة وفيه أنـَّه لا ضعف في ترك هذه المناسبة بأن يكون صيغة الماضي، ولا سيما إذا كان من كلام الجنِّ إخبارا عنه صلَّى الله عليه وسلَّم وحكاية، فإنَّه بكونه من كلامهم لا تطلب فيه المناسبة، قل لقومك: إنـِّي لا أملك {لكم ضرًّا} ولا نفعا {ولا رشدا} ولا غيا، حذف من الأوَّل الخير المذكور مثله بالثاني، ومن الثاني السوء المماثل للأول ويجوز تفسير الضر بالغيِّ أو الرشد النفع فلا حذف، وقرا أبيّ: «قل لا أملك لكم غيا ولا رشدا» أو حاصل ذلك أنَّ النافع الضار والمرشد والمضل هو الله عزَّ وجلَّ.

 

 {قل إني لن يجيرني} لن يمنعني {من الله} أي من عذاب الله {أحد}، قال له قومه اترك ما تدعو إليه ولا يعذبك الله على تركه، قد تكلفنا لك أن لا يعذبك على تركه ونحن نجيرك منه، فنزل: {قل إنـِّي لن يجيرني  من الله أحد}.

 

 {ولن أجد من دونه ملتحدا} ملجأ ألتحد إليه أي أميل إليه تحصُّنا من عذاب الله إن جاءني، فملتحد اسم مكان أي موضع التحاد كسرب في الأرض فهذا بيان لعجزه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الدفع عن نفسه بعد بيان عجزه عن الدفع عن غيره، بقوله: لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدا، ومن دونه متعلِّق بـ«أجد» أو بمحذوف حال من ملتحد، وأجد بمعنى ألقى وأصادف أو مفعول ثان وملتحداً أوّل على أنَّ أجد بمعنى أعلم، ولا يجوز أن يكون ملتحدا مصدرا ميميا بمعنى الالتحاد، لأنـَّه لا يجوز أن يوصف الله بأنـَّه التحاد بخلاف وصفه بأنـَّه ملجأ فإنـَّه جائز وأرد وملتحدا بمعنى ملجأ، والكلام في أنـَّه لا يجد ملجأ إِلاَّ الله، وهذا إنَّما يفيده جعل ملتحد اسم مكان كما رأيت، وأنت خبير بأنـَّه لايقال: الله مكان، أو الله موضع، سبحانه عن ذلك واللَّفظ إِنـَّمَا هو على طريق كلام العرب، وملتحدا في الآية غير الله لكن الحاصل أنـَّه لا يجد ملجأ غيره، وقد يقال إنـَّه يجوز كونه مصدرا ميميا على معنى إنـِّي لن أجد تحصيل التجاء من غير الله، وإنـَّما يحصل الالتجاء على الله.

 

{إلاَّ بلاغا} استثناء متَّصل من رشدا فإن التبليغ المعبر عنه بالبلاغ رهد([10]) وهو اسم مصدر بمنعى التبليغ، وما بين المستثنى والمستثنى منه معترض مؤكد لنفي الاستطاعة، وهذا على أنَّ الرشد بمعنى الإرشاد أو يفسر البلاغ بالكيفية الحاصلة من التبليغ، ويبقى الرشد على حاله بمعنى الصلاح وبأحد الوجهين تحصل الجنسيَّة بين المستثنى والمستثنى منه، فيكون الاستـثـناء متَّصلا، وإن أبقي رشدا على حاله وجعل بلاغا بمعنى تبليغ فالاستثناء منقطع، فإنّ التبليغ غير صلاح الحال بل سبب له، وكون بلاغا مستثنى من رشدا مذهب الفرَّاء، ويجوز أن يكون مستثنى من ملتحدا استثناء منقطعا، لأنَّ التبليغ أو البلوغ ولو كان ملجأ له ينجو به وهو ملتحد لكن يشمله الملتحد لأنـَّه قيد بدونه سواء علق بمحذوف حال من ملتحدا أو بملجأ أو بمحذوف مفعول ثان، والتبليغ أو البلوغ لم يقيد به قيد بكونه من الله فلو قيل: جاء بنو زيد إِلاَّ بني عمرو، لكان منقطعا ولو اتفقا في البنوَّة لأنَّ بنو زيد لا يشتملون بني عمرو، وقال الزجاج بدل من ملتحد أي لن أجد من دونه ملتجأ ينجيني إِلاَّ أن أبلّغ عن الله، وفيه أنَّ الاستـثـناء منقطع فيتعيَّن الاستـثـناء ولا يترجح البدل، ولو تقدَّم النفي نحو ما قام القوم إِلاَّ بعيرا بالنصب لا غير وأن البلاغ المقيد بأنـَّه {من الله} غير الملتحد المقيد بأنـَّه من غيره، فلا يكون بعضا منه فضلا  أنَّ يكون بدل بعض كما هو شأن البدل في الاستـثـناء، ويجوز أن يكون إِلاَّ هو أن الشرطية ولا النافيَّة وفعل الشرط محذوف وبلاغا [618] مفعول مطلق أي لا أجد ملتحدا، أن لا أبلغ بلاغا أو مفعول به أي: أن لا أفعل بلاغا يرده قوله: {ورسالاته} و«من» بمعنى عن أي لا تبليغا عن الله فهو متعلِّق ببلاغا أو هي على أصلها من الابتداء أي إِلاَّ بلغنا ثابتا من الل،ه فيتعلق بمحذوف وجوبا نعت، ورسالاته عطف على بلاغا، ففيه ما في بلاغا من أوجه الإعراب، لكن بواسطة العطف، فإنَّ الرسالات ملجأ من حيث التبليغ وصلاح كالرشد، وإن أوّل بالإرسالات فهوكالإرشاد وهي مقيدة بالله، لا مقيَّدة بدون الله، وعطف الرسالات فبطل جعل إِلاَّ أن الشرطية ولا النافية لأنـَّه لا يصحُّ أن يقال أن لا أبلغ بلاغا ورسالا ولا أن لا أفعل بلاغا ورسالاته.

 

{ومن يعص الله ورسوله} بفعل شرك أو كبيرة أو بترك فريضة، {فإنَّ له نار جهنم} وقرئ (بفتح الهمزة) أي فجزاؤه أن له نار جهنـَّم خالدين فيها أبدا. {خالدين} جمع عائد إلى من باعتبار معناها وهو حال سببيَّة من نارا أو من المستتر في له، ولم يبرز الضمير مع جريانها على غير ما معناها له لا من اللَّبس أي حال كونها خالدين هم {فيها} فهم فاعل خالدين واستتر مثله في المعنى فسقط، وهو حال مستقبلة إذ المعنى سيدخلون، فالآية دليل لنا وللمعتزلة على خلود الفساق في النار كالمشركين، ولا يجمل الخلود هنا على المكث الطويل لأنـَّه قال: {أبدا(23)} أوحيث لم يكن أبدا حمل على ما هنا، لأنَّ الحقّ حمل المطلق على المقيَّد والمعتبر عموم اللَّفظ، وهو قوله: {ومن يعص} ولو خصَّ السبب إذ يقال إنَّها نزلت في المشركين وأجاب الأشعريَّة بوجوه منها: أنَّ  تخصيص العموم بالواقعة التي ورد العموم لأجلها عرف مشهور، فلو قال الرجل لزوجه حين أرادت أن تخرج: إن خرجت فأنت طالق لم يقع الطلاق إذ خرجت في وقت آخر، لأنَّ الطلاق جعله للخروج المشارفة له في ذلك الحين، فكذلك الآية جاءت في المشركين أو في جبريل إن لم يبلّغ إلى النبيء صلَّى الله عليهما أو فيه صلَّى الله عليه وسلَّم إن لم يبلّغ إلى الناس، وأجيب بأنـَّه دليل قاطع بأنـَّها فيهما فوجب المصير [619] إلى لفظ الآية مع أنـَّه لا يتبادر صرف ذلك إلى جبريل، وأيضا لو كان ذلك لجبريل أو لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يقل: {خالدين فيها أبدا} بصيغة الجمع وبأنَّ الوعيد لو كان لجبريل لم يقل: ورسوله، لأنـَّه لا يتبادر، ولو كان من عصى الله فقد عصى رسوله وإن كان للرسول لم يذكر رسوله وإن قيل: السبب أحدهما واللفظ يعمُّ من لم يبلغ من الأنبياء لو لم يبلغوا لكن بلغوا فقد رجعوا إلى غيره عموم اللَّفظ فقبول عموم دون عموم تحكم؛ ومنها أنَّ وعيد الآية لا بدَّ أن يتناول ترك التبليغ المتَّصل بها قبلها، إنَّ من القبيح أن لا يترك وعيد الترك بعده، وترك التبليغ أعظم من الشرك فلا تكون عقوبته كعقوبة الفاسق، ولا دون عقوبة الشرك، فالخلود أبدا عقاب عليه كما أنـَّه عقاب على الشرك.

 

 وأجيب بأنـَّه تناوله الوعيد ولم يختصَّ بل يعمُّه ويعمُّ سائر الكبائر والشرك، ومن خصه به أو به مع الشرك لم يقلد في تخصيصه بل لا بدَّ من البيان وبأنـَّه لا نسلم قبح ذكر الوعيد بعده غير متناول له ولاسيما أنـَّه لم يعتد، ولم يقع ترك نبيء أو ملك تبليغا وليس الكلام مسوقا بالذات في تحريم ترك التبليغ فسهل لذلك أن يكون الوعيد غير مسوق له؛ ومنها أنـَّه ذكر سائر عموم القرآن في الوعيد بلا ذكر تأبيد، ولـما ذكرنا هنا علمنا أنـَّه لسبب فما هو إِلاَّ ترك التبليغ، وأجيب بأنَّ هذا محتمل لا دليل عليه، واللفظ يأباه، لأنَّ تخصيص العموم يحتاج فيه إلى دليل، فما ذكره هنا إِلاَّ تقييد لسائر الإطلاق، وكل عاقل نظر في الآية لا يقول بصرف الوعيد لتارك التبليغ فقط أو له وللمشركين، إِلاَّ إن أهمل نفسه ومال إلى التقليد؛ ومنها أنَّ من عصى الله ورسوله يتناول جميع أنواع المعاصي لأنـَّه يصحُّ الاستـثـناء فتقول: ومن يعص الله إِلاَّ في السرقة أو إِلاَّ في الإفطار في رمضان ونحو ذلك، لو كان في الشرع جنس يعمُّ المعصيَّة الواحدة فأكثر، ولا يخصُّ باثنتين أو ثلاث فأكثر ولا بالكل، فإنَّ الفعل لا يدلُّ على التعدد، وأمـَّا صحَّة الاسثناء فلا دليل فيها لأنَّه يصحُّ ولولم [620] يكن المستثنى منه مستغرقا مع أنـَّه لا نسلم صحَّة الاستـثـناء لأنـَّه غير مفرغ لعدم السلب ولا تام لعدم ذكر المستثنى منه، وإن تسوهل في هذا لا يتساهل في الأوَّل قبله.

 

 وأمـَّا ما قيل من أنَّ مذهب القائلين بالوعيد أنَّ حكم الاستـثـناء إخراج ما لولاه لدخل في اللَّفظ، فمن يعص الله دخل فيه، ومن أتى بكلِّ المعاصي وهذا إِلاَّ المشرك فلا حجَّة فيه عليه لأنـَّه لم يستثن في الآية، وهب أنـَّها تناولت من أتى بالمعاصي كلّها، لكن تناولت أيضًا من أتى ببعضها فشملت المشرك وغيره، وإنـَّما يشكل علي بعدما أجبت بتلك الأجوبة قوله: {حتى إذا رأوا ما يوعدون}إلخ لأنَّ إذا وصلت ما بعدها بما قبلها وأصحاب الكبائر لا يقولون: نحن أكثر ناصرا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منه علينا، ولا نحن أكثر عددا منه إِنـَّمَا يقوله المشركون فما قوله: {فسيعلمون من أضعف ناصرا} إِلاَّ في المشركين فالوعيد السابق فيهم أيضًا وقد يجاب بأنَّ قوله حتَّى إذا إلخ مجرَّد تفريع كما فرع {ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} إلخ على ما للمشركين قبل فكأنـَّه لـمَّا عمَّ أصحاب الكبائر كان حجَّة على مشركي قومه ففرع فيهم الكلام بـ«حتى» وما بعدها على العموم قبلها كقولك السارق يقطع، ففلان السارق لكذا سيعلم ما يفعل به ومثله قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم...}إلخ ثمَّ إنَّ الإتيان بجميع المعاصي بعيد لكثرها جدًّا كما هو معلوم، بل كثير من المعاصي لا تتَّفق كلحم الخنزير لأهل مكَّة في الجاهليَّة وأهل البدو وكثير لا يوافق الطبع فلا يفعل، وأمـَّا المعاصي المتناقضة كالتجسيم لله وإنكاره فلا إشكال لأنَّ ذلك يخصه العقل، وكل عقاب رتب على أمر الله بشيء أو على معصية من حيث إنَّ المعصية تترتَّب على الأمر هو دليل على أنَّ الأمر للوجوب.

 

{حتَّى إذا رأوا ما يوعدون} حتَّى ابتدائيَّة وحتى الابتدائيَّة بمعنى فاء التفريع، وفيها طرف من الغاية لأنـَّه انتهاء كأنـَّه قيل: ومن يعص الله ورسوله فإنَّ له نار جهنـَّم خالدين فيها أبدا فإذا رأوا ما يوعدون [621] على المعصية وذلك يوم القيامة أو يوم بدر {فسيعلمون} حينئذ {من أضعف ناصرا وأقلُّ عددا(24)}، أضعف وأقل خارجان عن معنى التفصيل، والمراد من ضعيف ناصرا وأقل عددا وهذا هو جواب إذا لـمَا أعلمتك أنَّ إذا تفريعيَّة، ولو جعلناها للغاية جارة لإذا كما زعم بعض لكانت غاية لمحذوف هكذا: لا يزال الكفَّار على ما هم عليه من استضعاف أصحاب النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، واستقلال عددهم حتَّى إذا إلخ، أي إلى وقت مستقل يرون فيه ما يوعدون من فنون العذاب، وذلك الوقت هو الآخرة، فسيعلمون حينئذ أهم أضعف ناصرا وأقل عددا أم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، والآية تقول إنـَّهم أضعف ناصرا وأقلُّ عددا ومحمَّد أقوى ناصرا وأكثر عددا.

 

 وهنا إشكال أنَّ الأوَّل أنـَّهم إذا رأوا ما يوعدون علموا في حين رؤيتهم من أضعف ناصرا وأقل عددا، لا يتأخر علمهم بذلك عن حين رؤيتهم، فما معنى قوله: {إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون} الجواب إذا رأوه حاضرا ولم يدخلوه فإنّ علمهم إِنـَّمَا يكون بدخولهم إيـَّاه، وهو متأخِّر عن مشاهدته، إذ يشاهدونه وربما طمعوا في النجاة أو الاستقبال إفاده المضارع، وإذا وسيق لمجرد التهديد والوعيد فنقول استقبال إذا والمضارع دفعة بل يصحُّ هذا أيضًا مع الاستقبال السين كأنـَّه قيل: سيعلمون إذا رأوا ما يوعدون، بمعنى أنَّ علمهم مستقبل متأخر وقته وقت رؤية ما يوعدون، وذلك كلّه على جعل سيعلمون جواب إذا، أمـَّا إذا جعلناها مجرورة بـ«حتى» لا جوابا لها متعلِّقة بلا يزالون على ما مرَّ فلا إشكال لأنَّ قوله: {فستعلمون...}إلخ مجرَّد تفريع حينئذ، وكذا لا إشكال إذا جعلت جارة وعلقته بقوله: {يكونون عليه لبدا} على أنَّ الضمير لقومه بمعنى داموا على عداوته والاستظهار عليه والتضام الشديد إلى وقت رؤية ما يوعدون.

 

 والإشكال الثاني أنـَّه إذا جاء البعث فبعثوا فهل يظهر لهم أنَّ سيـِّدنا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أقوى ناصرا وأكثر عددا؟ وكيف ذلك؟ إذ لايعتبر ناصر ولا عدد يومئذ، الجواب [622] أن ليس المراد حقيقة ذلك بل كناية عن لازمه كأنـَّه قيل: فسيعلمون من هو الدليل، وإلاَّ فلا عدد للكفرة في النصر يوم القيامة، ولا ناصر {ما للظالمين من حميم} إلخ {يوم يفر المرء من أخيه...}إلخ، وكذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يحتاج إلى أنصار وعدد يوم القيامة إذ لا قتال فيه ولا نزاع معه، ولو كانت الملائكة كلّهم والمؤمنون من لدن آدم كلّهم في جانبه، وللمؤمنين العز، {والملائكة يدخلون عليهم} يسلمون عليهم، والله يسلم عليهم {سلاما قولا من رب رحيم}، وإنـَّما أراد الكفَّار نصر الدنيا وعددها، وإن قلنا المراد بقوله {حتَّى إذا رأوا ما يوعدون} يوم بدر فإنـَّهم يرون نصرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكثرة جنده من الملائكة، رأى كثير منهم الملائكة صفوف([11]) على خيل ومن قتل لم يمت حتَّى رأى ذلك لكن قيل: يأبى التفسير بيوم بدر قوله تعالى:

 

{قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربـِّي أمدا(25)} فإنـَّه لا يخفى أنـَّه جواب لقول قومه: {متى هذا الوعد} إنكارا له واستهزاء، وممن قال ذلك النظر بن الحارث فقال الله له: قل لهم إنـَّه واقع لا محالة، ولا أدري وقته على التعيين؛ الجواب أنـَّه لا مانع من ذلك على التفسير بيوم بدر فإنـَّه يقول لهم يأتي وقت أنصر عليكم فيه غلبكم فتهلكون، ويريد في الدنيا  ولا يدري وقته على التعيين، فيقولون له إنكارا له واستهزاء منه: {متى هذا الوعد} لـمَّا رأوا من قوَّتهم وكثرتهم في ظاهر الحال، ويأبى التفسيير بيوم بدر أيضًا قوله {إِلاَّ من ارتضى من رسول} فإنـَّه عام في الرسل كلّهم بدليل بلغوا ولديهم، ولا يتبادر تعلق علمهم بيوم بدر، وإن جعل الاستـثـناء منقطعا لم يأب التفسير بيوم بدر وأن نافية والمراد في الآية بالقرب القرب القريب، وإلاَّ فهو عالم بمطلق القرب لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بعثت أنا والساعة كهتين أي كالوسطى والسبابة»، وقال: {اقتربت الساعة} وقال: «ما بقي من الدنيا إِلاَّ مثل ما بقي من الشمس على رؤوس النخل والجبال عشية» ولا شكَّ أن الماضي من الدنيا هو أكثر إِلاَّ أن [623] تكون هذه الآية نزلت قبل أن يعلم بقرب الساعة، فيكون المراد مطلق القرب، ومعنى الأمد الوقت البعيد لأنـَّه قابل به القريب، وقريب المبتدأ، وما فاعله لنيابته عن الفعل أغنى به عن الخبر، وجملة المبتدأ وفاعله المستغني هو به عن الخبر في محل نصب سدَّت مسدَّ مفعولي أدري وعلقه عن العمل الاستفهام، وكذا إن حعلنا قريب خبرا وما مبتدأ والوجه الأوَّل أولى، لأنَّ عطف الفعلية وهي قوله: {يجعل له ربـِّي أمدا} أنسب به لأنَّ قريب فيه نائب عن قرب كما مرَّ.

 

{عالم الغيب} خبر لمحذوف أي هو عالم الغيب، لا بدل أو بيان بدليل التفريع بالفاء في قوله: {فلا يظهر على غيبه} أي على بعض غيبه المختص بالوحي إظهارا تاما {أحدا(26)} لأنَّ التفريع لا يصحُّ على البدل والبيان بل على الجملة، فلو قيل :قام زيد أخوك فأكرمه لم يصحَّ، وإن قيل: زيد أخوك وأكرمه صحَّ، وهذا أحسن تقريرا وضابطه أنَّ التفريع على الجملة لا على الفرد، فلو قيل: أم يجعل له عالم الغيب فلا يظهر...إلخ لم يصحُّ لأنـَّه فرع على عالم فقط، وإذا قيل: هو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا لصحَّ، وجملة هو «عالم الغيب» مقرَّرة لقوله و{إن ادري أقريب} إلخ ومفرعة عليه، واحد مفعول به ليظهر، وهو مضارع أظهر بهمزة التعدية وفاعله ضمير عائد إلى الله ربـِّي.

 

 {إِلاَّ من ارتضى} اصطفاه لإظهاره على بعض غيبه {من رسول} المراد حقيقة الرسول الصادقة بالرسل كلّهم على سبيل البدلية لا الاستغراق، لأنـَّه نكرة في الإثبات، ومن للبيان متعلِّق بمحذوف حال، أي إِلاَّ من ارتضاه حال كونه رسولا فإنـَّه يظهره على الغيب المتعلِّق بالوحي والرسالة كمعجزة الرسل والتكاليف الشرعيـَّة والثواب والعقاب، وأمـَّا غيبه كلّه وما يختصُّ به الله من كوقت قيام الساعة على التعيين وما يكون غدا وما في الأرحام والأرض التي يموت فيها حي، فلا يظهر فيه أحدا رسولا ولا غير رسول، فإنَّ الإظهار عليه مخل بالحكمة الشرعيـَّة التي من أجلها الرسالة كانت، ولذلك كان إذا أظهر الله أمرا من أمور الآخرة مِمَّا يلجيء إلى الإيمان كمشاهدة ملك الموت [624] لم يقبل الإيمان وليس في الآية ما ينفي كرامات الأولياء، فإنّ كرامات واقعة تواترت على أيدي الصحابة وغيرهم إلى الآن وكثرت، حتَّى لا يحصيها إِلاَّ الله بأن حصر المرتبة القاصية في الرسل لا ينفي ما دونها عن الأولياء، فإنَّ إظهار الأنبياء على غيب إظهار يقين وكرامات الأولياء بنحو إلهام ليست على اليقين حين إخبارهم بها، وربما ينتبهوا حين تكلموا فكأنَّ شيء ألقي على ألسنتهم فليست إظهارا حقيقيا، والمنجم المحقق يخطأ، وإذا أصاب فليس على يقين مِمَّا يذكر، بل يتكلم بأمارة وتواتر خبر شق وسطيح الذي يذكر في سير الغزو وما أشبه ذلك.

 

 واتفق أصحاب الملل على تعبير الرؤيا ووقوع ما عبرت به كثيرا كذا قيل، قلت: ليس التعبير عالم غيب بل ظنٌّ بأمارة الرؤيا وإخبار الكهنة ما صدق منها، فلأنه سمعه الجني من الملك، ومن أثبت علم الغيب للمنجم أو ولي على يقين كفر كفر شرك إِلاَّ بتأويل فنفاق، وممـَّا يثبت كرامة الأولياء قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لكل أمـَّة محدّث ومروِّع فإن يك فيكم فعمر»، والغيب في الآية حقيقة الغيب الصادقة بغيب وغيبين فصاعدا فكأنـَّه قيل: لا يظهر على غيب ما من غيوبه أحدا إِلاَّ من ارتضى من رسول، وليس المراد استغراق الغيوب وإلاَّ لزم أنَّ الرسل عالمون بالغيب كلّه، وذلك لا يصحُّ وإن فعل للاستغراق وجعل كلية لا كلامح كقوله: {لا يحب كلّ مختال كفور} فيكون المعنى لا يظهر على غيب ما من غيوبه أحد إِلاَّ من ارتضى من رسول، فالإضافة في غيبه للحقيقة على ما مرَّ أو للاستغراق على هذا، وأجيز أن تكون للعهد أي فلا يظهر على غيبه الذي هو المراد في قوله: {قل إن ادري}إلخ فلا تكون الآية نافية للغيب مطلقًا بل لغيب القيامة بتعين وقته، وأمـَّا قوله تعالى: {ونزل الملائكة}إلخ فلا ذكر للرسل فيه مع أنـَّه بعد البعث لا عند قرب القيامة ولو كان عند قربها لم يعلموا كم المدَّة الباقية، ويمكن أن يراد بالرسول ما يشمل الملائكة فيسلك أيضًا خلف جبريل وغيره رصدا من الملائكة رقباء على إبلاغهم للأنبياء ويبقى أنـَّهم لا يعلمون كم بقي وإنَّ قوله: ونزل الملائكة بعد البعث، ثمَّ إنَّ المراد بالإظهار على الغيب غير ما يشاهد بالحواس فكم إنسانا سمع أو رأى أو لمس أو ذاق ما لم يصر إلى غيره ويجوز كون الاستـثـناء منقطعا أي لكن من ارتضى من رسول.

 

{فإنه يسلك من بين يديه} قدَّامه، {ومن خلفه} ذكر عبارة عن الإحاطة من جميع الجهات وخصَّهما لأنهما المعتاد عند الناس في الإحاطة لأنَّ الإحاطة منهما تغنيان عن الإحاطة من الجوانب. {رصدا(27)} حرسا من الملائكة يحرسون وحي الغيب وإظهاره للرسل من أن تخالطه الجنُّ بالزيادة فيه والنقص منه وإلقاء ما لم يكن ومن وساويس الشياطين ومن شياطين الإنس لئلاَّ يؤذوهم ووساويس الشياطين بإلقاء كلام دون أن يراهم الرسل أو مع أن يتخيلوا بصورة الملك، وإنـَّما ذلك بعد ذهاب الملك، وربما كان بحضرة ملك الوحي فإن رآه زجره وبطش به، وعن الضحاك: «ما بعث النبيء إِلاَّ ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين الذين يتربَّصون بصورة الملك وربما ألقوا شيئًا فينسخه الله ويحكم آياته»، ومعنى سلك الرصد مع ما بعده إدخالهم إليه من جهة يديه وجهة خلفه، ليعلم الله أنـَّه ([12])قد بلغوا أي الرسل فإنَّ المراد بالرسول في قوله: {إلاَّ من ارتضى من رسول} الجنس فصح عود ضمير الجمع إليه ويصحُّ عوده إلى من في قوله: {من ارتضى} باعتبار معناه كما أعيد ضمير المفرد إليه باعتبار لفظه، وهو الهاء في «يديه» «وخلفه» ويصحُّ عود الهاء إلى الرسول والمعنى واحد لأنَّ قوله: {من رسول} بيان لمن، ووجه عود ضمير الجمع إلى الرسول ما مرَّ أنـَّه للحقيقة على جهة البدلية، ومعنى قوله ليعلم مع أنـَّه سبحانه وتعالى عالم بلا سلك رصد، وأنـَّه عالم بكلِّ شيء قبل كونه أنـَّه يكون لأوانه المعلوم عنده لا كما يقول من الحدِّ إنـَّه لايعلم الشيء إِلاَّ بعد وقوعه.

 

 {ليعلم أن قد أبلغوا} بحضرة الرصد وإلاَّ كان جهلا تعالى الله عنه، فإنّ وصفه بأنـَّه علم أنـَّهم حضروا مع أنـَّهم لم يحضروا وصف بغـير الواقع، ويجوز عود ضمير «يعلم» [626] إلى الرصد على أنَّ المراد به هنا الفرد، أو لأنـَّه اسم جمع كما يرد الضمير المفرد إلى نحو الكلم والنخل، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم أنـَّهم قد ابلغوا تحقيقا إذ لو لم يكن الرصد لجاءت الشياطين فلا يتحقَّق الإبلاغ فلا يصدق أنـَّه علم أنـَّهم أبلغوا، لأنـَّه لا يوصف بعلم أنـَّه قد وقع ما لم يقع، وقيل: ليعلم محمَّد أن الرسل قبله قد ابلغوا كما بلغ هو، فاللاَّم متعلِّق بمحذوف أي أخبرناه بسلك الرسل ليعلم إلخ. كذا قال قتاده، وقيل: ليعلم محمَّد أن قد ابلغ جبريل والملائكة ما أرسلوا به إلى الأنبياء فلا يشك أنـَّها حقّ أعني الرسالات، فالمرصد الملائكة رقباء على ملائكة الإبلاغ وقرئ، ليعلم بالبناء للمفعول ونائب فاعل «أن قد ابلغوا».

 

 {رسالات ربـِّهم} أي أن قد ابلغوا إلى أممهم رسالات ربهم وذكر سلك الرصد تحذيرا عن التفريط ومبالغة في الحث على الإبلاغ ولذلك أورد علمه جلَّ وعلا تحذيرا وحثا مع الإشعار بترتيب الجزاء على الإبلاغ المحقق، وكذلك أخبر الله كلّ رسول بأنَّه أرسل رصدا إليه لذلك، والإبلاغ على كلّ حال فعل للرسل إلى أممهم لكن إمـَّا أن يكون المعنى ليعلم أن قد ابلغوا لأنـَّهم إذا أخذوا الوحي عن الملك محفوظا بالرصد فلا بدَّ أنـَّهم يبلغونه، وأمـَّا أن يكون المعنى ليعلم الحصر أنـَّهم أبلغوا لأممهم بأن يكون الحرص عند التبليغ لأممهم لا عند تلقي الوحي وهذا أولى بالإخبار بالإبلاغ.

 

 {وأحاط بما لديهم} عندهم من الأحوال جميعا، فهو عالم بالجزئيات كما هو عالم بالكليات، وهذا تحقيق لاستغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عن سلك الرصد، والواو للحال المؤكَّدة وصاحب الحال ضمير يعلم العائد إلى الله، ومن منع قرن الفعلية الماضوية المثبتة المتصرِّفة الفعل بواو الحال قدر قد، أي وقد أحاط أو المبتدأ أي وهو أحاط، ورابط الحال واو الحال والضمير، وإن رجع ضمير يعلم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فالرابط واو الحال فقط أولى من ذلك أن نجعل صاحب الحال ضمير يسلك العائد إلى الله، فالرابط الواو والضمير أي يسلك الرصد [627] وقد أحاط بما لديهم دون سلك الرصد فتكون الحال مؤسَّسة ولا حاجة إلى ما قيل أنـَّه عطف على محذوف أي على ذلك وأحاط بما لديهم.

 

 {وأحصى كلَّ شيء عددا(28)} فردا فردا وهو تفسير محول عن المفعول أي أحصى عدد كلّ شيء، وقيل: حال من كلّ أي معدودا محصورا أو مفعول مطلق ناب عن الإحصاء أي أحصى كلّ شيء إحصاء، وعلى كلّ حال ففائدته أنـَّه تعالى عالم بالإجزاء كما علم بالكليات، فإن الإحصاء في الأصل إلقاء الحصاة ضبطا للحساب بها مثل أن يلقى الإنسان حصاة كلَّما عدَّ عقدا كعشرة ومائة وألف، فهو عالم بالأشياء تفصيلا وإجمالا ومعلومات الله لا تتناهى، ومع ذلك قد عدَّها وحصرها وهذا مختص بالله أن يعلم ما لا يتناهى وذلك أنَّ الموجودات شيئًا فشيئا لا تتناهى وهو عالم بها كلّها وأمـَّا موجود كلّ وقت فمتناه، ومذهبنا أن الشيء اسم لـمَا وجد ولـمَّا سيوجد ولـمَا كان وانقطع لا يختصُّ بالموجود كما قيل ولا يطلق على المعدوم الذي لم يكن ولا يكون، وإن قلت: أحصا العدد إنَّما يكون في المتناهي وقوله كلّ شيء يدلُّ على أنـَّه غير متناه فلزم التناقض، قلت: لا تناقض لأنَّ مِمَّا يختصُّ الله به حصر مالا يتناهى، واحتجَّ بعض بالآية على أنَّ المعدوم الذي لم يكن ولا يكون شيئًا لأنـَّه لو كان شيئًا لكانت الأشياء غير متناهية في وقت مع أنـَّها متناهية وإنـَّما الذي لا يتناهى هو ما يتجدَّد، ووجه كون الأشياء المعدومة التي لم تكن ولا تكون إنَّ فرض عددها ووقوعها لا يتصوَّر انقطاعه مع أن قوله: {أحصى كلّ شيء عددا} يوجب تناهي الموجودات كلّ وقت.


 


[1]

- كذا في الأصل، والصواب: «الكثيف»، وهذا الخطأ متكرّر كما يلاحظ القارئ.

[2]

- من هنا نستنتج أنَّ الشيخ كان عازما على إتمام التفسير، غير أنا لا نجده، إذ الموجود إلى سورة المزمل فقط.

[3]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الغريزي».

[4]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لـ».

[5]

- كذا في الأصل، والصواب: «عرضه».

[6]

- كذا في الأصل، والصواب: «المتصفين».

[7]

- كذا في الأصل،  والصواب «- له».

[8]

- في الأصل، والصواب: «من المسلمون»، وَهُوَ خطأ.

[9]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أعضاء».

[10]

- كذا في الأصل، غير مفهوم.

[11]

- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «صفوفا».

[12]

- عبارة: «أي إنسان» في الهامش، لم يتضح مكانها من النص.