إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

ندوة تطور العلوم الفقهية

الدورة الثالثة عشر

 

 

 

                        الفقه الإسلامي

المشترك الإنساني والمصالح

 

 

محور: فقه حقوق الإنسان في الإسلام

 

 

الحرية مظهر من مظاهر حقوق الإنسان في الإسلام

 

 

الباحث: د. راشد بن علي بن عبدالله الحارثي

 

 

1435ه/2014م

 

المقدمة

 

        الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعه إلى يوم الدين . وبعد

      فإن موضوع حقوق الإنسان موضوع مهم إذ به ينال كل إنسان حقه ويلتزم بواجباته فيسعد المجتمع وينتشر الأمن وتسود المحبة ويهنأ المجتمع لذا كان البحث فيه من أجل البحوث

      وقد اعتنى الإسلام بإثبات الحقوق وإعطاء كل ذي حق حقه لكي تتحقق تلك الأهداف السامية من خلال سيادة القانون واطمئنانة المجتمع مما ينمي الأمة ويدفعها للإنتاج .

     ومن أهم هذه الحقوق حق الحرية الذي تتوق إليه النفوس وتتعشقه المهج لما فيه من إثبات إنسانية الإنسان وتكريم الله له عن الحيوان لذا جاء الإسلام لإثبات هذا الحق مما لا يدع شك لأي باحث من خلال العديد من التشريعات الفقهية والأحكام العامة .

وقد رأى المشرفون على ندوة تطور العلوم الفقهية طرح هذا الموضوع من خلال محور حقوق الإنسان في الإسلام بعنوان الحرية مظهر من مظاهر حقوق الإنسان في الإسلام وكان رأيهم سديدا إذ أن الحرية من أهم مظاهر حقوق الإنسان وقد تم تكليفي بهذا الموضوع على أنه موضوع طويل ومتشعب وقد حاولت لملمته في هذه المباحث فكانت على النحو التالي:

المقدمة

المبحث الأول: مفهوم الحرية وفيه عدة مطالب

المطلب الأول الحرية لغة واصطلاحا

المطلب الثاني تطور مفهوم الحرية

المطلب الثالث الحرية قضية فطرية

المبحث الثاني مظاهر الحرية في الإسلام وفيه عدة مطالب

المطلب الأول حرية العقيدة في الإسلام

المطلب الثاني حرية الفكر والرأي في الإسلام

المطلب الثالث الحرية والعبودية في التصور الإسلامي

المبحث الثالث ضوابط الحرية وفيه عدة مطالب

المطلب الأول الضوابط العقدية

المطلب الثاني تطور الضوابط الشرعية

المطلب الثالث الضوابط الاجتماعية

المبحث الرابع مقارنة بين الحرية في الإسلام والحرية في المذاهب المعاصرة وفيه عدة مطالب

المطلب الأول الحرية في المذهب الفردي الرأسمالي

المطلب الثاني الحرية في المذهب الاشتراكي

المطلب الثالث الحرية في المذهب الوجودي

المطلب الرابع الحرية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

المبحث الخامس آثار الحرية وفيه عدة مطالب

المطلب الأول إدراك العقيدة الصحيحة

المطلب الثاني تصويب الآراء

المطلب الثالث تحقيق الرغبات

المطلب الرابع بناء الحضارات

المطلب الخامس الاجتهاد في العمل

المطلب السادس تحقيق تكريم الله للإنسان

المطلب السابع تأليف القلوب وتحقيق الوحدة الإنسانية

الخاتمة

هذا وأسأل الله أن يتقبل مني عملي خالصا لوجهه وأن يجعلني ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول مفهوم الحرية:

          الحرية من المصطلحات القديمة الحديثة، عرفها الرومان والساسانيون والمسلمون؛ وعرفت من ضمن المصطلحات الحديثة. ولا بد من أن نتعرف إلى أصل هذه الكلمة في اللغة  وتعريفاتها الاصطلاحية وتطورها.

المطلب الأول: الحرية لغةً واصطلاحًا:

أولاً: الحرية لغة:

          التعريف اللغوي من أهم ما يبحث فيه فهو يبين أصل استخدام هذه الكلمة، وهل نقلت من معناها اللغوي إلى معان أخرى، أم أنها بقيت على أصلها. وعند النظر إلى كلمة الحرية بعد الرجوع إلى أمهات المعاجم اللغوية وأصولها كالعين والجمهرة ولسان العرب، نجد أن هناك مجموعة من الألفاظ تدور حول معنى الحرية واستخدامها اللغوي هذه الألفاظ هي حرَّر يُحرِّرُ مُحرَّر حُرّ حُرِّيَّة.

 "حرره أعتقه وفي الحديث من فعل كذا وكذا فله عدل محرر أي: أجر معتق والمحرَّر الذي جعل من العبيد حرًا فاعتقه"([1]).  وحرر البلد خلصه من المستعمرين أو من الظالمين وقيل حرر النظام جعله أكثر حرية"([2]).

          والحرّ أو الحرّة هو من حرّ يَحَرُّ فهو حر وهو خلاف العبد وعبد معتق([3]) ويقال حر بين الحُرورية والحُرية والحرار والحرارة([4]) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل مملوك لي حر"([5]).

      والحر من لا يخضع للأسر أو السجن"([6]) أيًا كان نوع هذا السجن ماديًا أو معنويًا وما أطلق عليه في العصر الحاضر من لفظة الحر ويقصد به المستقل فهو من هذا المعنى كما يقال: "القطاع الحر أي الاقتصاد الذي ليس برأسمالي ولا اشتراكي وكذلك التعليم الحر أي المستقل عن الدولة"([7]).

          واما الحرية فهي الكلمة الجوهرية التي ما أن ينطق بها اللسان إلا وتتوق النفس إلى إدراك هذه المكانة فما  وأصل استخدام هذه اللفظة في اللغة كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة "ويقال حَرَّ الرجل يُحَرُّ من الحرية"([8]) ونقل  ابن منظور عن الكسائي ما يؤيد ذلك حيث قال: "حَرَرْتُ تَحَرُّ من الحرية لا غير"([9]) فقد قصر الفعل حررت على الحرية أ أنه لا يعني غيرها ونقل أيضًا ابن منظور عن ابن الاعرابي "قول حَرَّ يَحَرُّ حَرَار إذا أعتق وحَرَّ يَحَرُّ حرية من حرية الأصل"  هذا هو تصريف الكلمة وأما معناها فهو:

-    الحرية خلاف العبودية والرق على اختلاف أنواع هذه العبودية. ذكر معجم اللغة الحرية "الإطلاق من ربقة الاستعباد وهي خلاف الرق والعبودية وأثمن ما يمتلكه الإنسان" ثم قال: "والحرية الخلوص من كل عقال أو قيد" إلى أن قال: "والحرية القدرة على التصرف على الإرادة والاختيار".

الحرية في الاصطلاح:

الحرية معنى نبيل ومقصد سام، فهو يثبت إنسانية الإنسان، والإنسان الذي ليس له حرية أشبه بالمقيد المسجون الذي لا يملك من أمره شيئًا.

ذكر الراغب الأصفهاني عندما تعرض إلى كلمة الحر قال: "والحر خلاف العبد يقال: حر بيِّنُ الحرورية والحرورة والحرية ضربان الأول من لم يجر عليه حكم الشيء نحو قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ }(البقرة: من الآية178)، والثاني من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية.: وهذه التعاريف أشه بالتعريف اللغاوية إلا تقوله من لم يجز عليه حكم الشيء فمفهوم هذا أنه متصرف بنفسه مختار قم قال: والتحرير جعل الإنسان حرًا فمن الأول وهو من لم يجر عليه حكم قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }(النساء: من الآية92)، ومن الثاني من لم تتملكه الصفات الذميمة قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً }(آل عمران: من الآية35).

وعرفت "الحرية بأنها" الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا ويقرروا ويفعلوا بوحي من إرادتهم ودون أية ضغوط من أي نوع عليهم"([10]) وقال محمد حمد خضر "الحرية هي الإطار الذهبي الذي يبدو فيه الإنسان ويرفرف في أفقه الإنساني الرفيع متميزًا على سواه من المخلوقات لقد منح عقلاً وتفكيرًا وإرادة وفتحت له أبواب الاختيار والتمييز بمقتضى هذا العقل وتلك الإرادة لا سلطان عليه"([11]) ونلاحظ أن هذا التعريف رغم ما فيه من الكلام المنمق لا يخرج عن التعريف السابق وهو الاختيار، وهو ما عبر عنه حسب بسيوني قوله: "انعدام القسر الخارجي وتأكيد كيان الفرد تجاه سلطة الجماعة والاعتراف له بالإرادة الذاتية وعبر عنه مرة بقوله: القدرة على أن تريد أو لا تريد"([12]). وقال سري نسيبة: "انعدام القيوم وممارسة حقوقه الطبيعية كإنسان"([13])

وكذلك تعريف محمد سعيد البوطي يقرب من هذا التعريف وهو قوله "أن يملك الإنسان التوفيق بين إرادته ومحبته بحيث لا يضطره عامل ما إلى توجيه إرادته نحو ما لا ترضى عنه نفسه"([14]) فكل هذه التعاريف تدو حول انعدام القسر وتحقيق الإرادة الشخصية للإنسان عند أي عمل يقوم به.

 

المطلب الثاني: تطور مفهوم الحرية:

أولاً: الحرية عند السريانيين:

ذكر فرانز رونتال نقلاً عن الأعمال السريانية تعريف الحرية هي "القوة غير المحددة للطبائع العاقلة التي تتعلق بالحواس والإدراك العقلي معًا"([15])

ثانيًا: الحرية عند النصارى:

نقل فرانز روزنتال عن أحوزمه وهو أسقف شرقي عن معنى الحرية "هو جهاد النفس بسيطرة الإرادة على القوى العاقلة فيها وما يترتب على ذلك من ضبط النزعات والهوى الإنسانيين"([16]). إن الحر هو الذي يسيطر على ملكاته واتجاهاته والنزعات لأنه يجاوز حدودها وأثرها على صعيد العقل والحس بتكوين قوة ضابطة قاهرة تحكم جموع العقل والنفس.

ثالثا: الحرية في تصور الغرب:

لقد قامت الحضارة الغربية ناقمة على تلك الأحوال الموجودة في العصور الوسطى ومن ذلك قامت بتغيير كل ما هو موجود بما يشمل ذلك الدين والاعتقاد ولذا تتصور الحرية بأنها "الرغبات الغائية أي المطلوبة لذاتها وأنها أمجد صفات الرجولة ذلك بأن الحرية روح حي وليست وضعًا ميتًا"([17]). لذا قامت الحضارة الغربية بتطبيق هذه الفكرة وظهرت المذاهب المختلفة الآراء في الحرية وسوف نراها إن شاء الله في المبحث الأخير.

المطلب الثالث: الحرية قضية فطرية:

الحرية فطرة أم مكتسبة؟ اختلف في ذلك إلى قولين:

قال محمد عزيز الحبابي([18]): "الإنسان ليس حرًا بل يصير حرًا" فصاحب هذا القول يرى أن الحرية ليست فطرية بل تكتسب، فالشخص الذي يولد في أسرة تتمتع بتربية أفرادها على الحرية والاختيار ينشأ حرًا مختارًا له شخصيته واختياره وتظهر هذه الحرية في تصرفاته وآرائه، أما الشخص الذي ينشأ في أسرة ترزح تحت نير الاستعباد والفر ينشأ خائفًا جبانًا يعتمد على توتجيه الآخرين له.

ولكن يرد على هذا القول بأن عدم ظهور الشخصية بسبب ما تراكم عليها من أنواع الظلم والاستعباد أما إذا تخلص من هذا الاستعباد فسوف ينتج والعبد المملوك الذي يعطيه سيده نوعًا من الاستقلال فسوف تظهر له إبداعات تنم عن شخصيته المختارة لذا الحرية فطرية ولكن قسر الإنسان لأخصية الإنسان وجبروته عليه يؤدي على كمون هذه الحرية وعدم ظهورها فإذا تخلص صاحبها من هذا القهر تظهر آراؤه الكامنة.

وقال راشد الغنوشي: "إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار أو هي فطرة"([19]) فهو يرى أن الحرية فطرة في النفس الإنسانية.

والذي يظهر لي أن للحرية جانبين: جانب فطري تؤيده مظاهر الحرية في فطرة الإنسان ولها جانب مكتسب وذلك بإبراز هذه الفطرة وتنميتها.

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: مظاهر الحرية في الإسلام:

تمهيد :مظاهرها في فطرة الإنسان

الحرية صفة خلقها الله سبحانه وتعالى في الإنسان لذا لا نجد إنسانًا سويًا لا يحب أن يكون حرًا، وتظهر في الصفة فيما يأتي:

أولاً: القدرة على فعل الخير والشر:

من نعم الله على الإنسان أن خلقه قادرًا على فعل الخير والشر حتى يكون مهيئًا لاختبار أحدهما، قال محمود شلتوت: "ولو شاء الله لخلقه بطبيعة الخير فلا يعرف شرًا، أو بطبيعة الشر فلا يعرف خيرًا وعندئذ لا يكون هو الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض وكلفه بدينه وشرائعه وأعد له الثواب والعقاب ولكن خلقه مختارًا في أفعاله وبذلك يكون جزاؤه في يوم الدين تبعًا لما يختاره لنفسه في الحياة"([20]) نعم خلق الإنسان مختارًا وخلق الله له القدرة في عمل الخير أو الشر وبين له طريق الخير وحثه على سلوكه وبين له طريق الشر وحذره منه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (فصلت:40) .

وقال الشيخ راشد الغنوشي: "إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار أو هي فطرة فقد اختصنا الله بخلقة تحمل القدرة على فعل الخير أو الشر([21])

ثانيًا:السعي لتحقيق الرغبات الإنسانية:

للإنسان في هذه الحياة رغبات وغرائز يسعى إلى إشباعها، وهذا السعي إلى إشباع هذه الرغبات وتملك هذه الغايات يعتبر غريزة فطرية في كل شخص وبدوره يعتبر دليلاً أو مظهرًا من مظاهر حرية الإنسان، يقول حسن بسيوني: "الإنسان بدافع فطرته وغريزته يسعى إلى إشباع حاجاته ون ثم غدت الملكية الفردية واجبًا بالقدر الذي يدفع به الضرر وتكفل الشريعة للأشخاص حرية التملك"([22]). وعن حرية المسكن يقول: "إن طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها تقتضي أن يكون للإنسان مأوى"([23]). ويقول البوطي: "للحرية طرفان الأول يبدأ برغبة الإنسان واختياره وهو يمثل الرغبة والاتجاه الإنساني الذي لا يحب أن يواجه بأي عقبة أو صد، والثاني يتعلق بواقع أو حقيقة كونية اتجهت إليها الرغبة"([24]). ومن هذه الرغبات حب المال والولد. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران:14). "والمزين في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحب الشهوات وذلك أمر جبلي جعله الله في نظام الخلق"([25]).

ثالثًا: حب التخلص من سيطرة الغير:

إن هذا المظهر ملاحظ في الحركات الثورية التي تقوم بها الشعوب المستعمرة للتخلص من الاستعمار، وما المعارك التي تحدث بين شعب وشعب إلا ولها سببان الجشع والطمع في المعتدي وحب الحرية العالة في المعتدى عليهن وما رغبات الموالي والعبيد في كل العصور للتخلص من العبودية والرق إلا مثال لهذا المظهر والمثال على هذا المظهر كذلك ما نسمعه من الصيحات التي ينادي بها بعض الأشخاص عندما يريدون تطبيق رغباتهم ويحسون بمعارضة فيصيحون نحن أحرار نتصرف كما نشاء يقول حسن بسيوني: "إن المرحلة التي يتحرر فيها الإنسان من كل خضوع أو سيطرة لغير إرادته تلك الإرادة الفطرية التي لم تتأثر بعما أملي عليها من ثقافات وعلوم([26]) .

رابعًا: العبودية لله:

العبادة لله هي تحرير للناس من عبودية غير الله فإذا خضع الإنسان لغير الله وعبده فكأنه فقد حريته، أما عبادة الله فهي انطلاق لحرية الإنسان ولما خلق له وعبادة الله هي الموافقة للفطرة قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56).

لذا نرى الناس يميلون بطبعهم إلى عبادة الله ومهما ضلوا في هذا المجال من الحق وابتعدوا عن الهدى لا يلبثون أن يعودوا إليه إذا جاءهم البشير وحذرهم النذير وقام أصحاب الحق بواجب الدعوة خير قيام، فالعبادة الخالصة لله هي التي تحرر الناس من عبودية غير الله فلا تتحقق حرية الإنسان إلا إذا توجه إلى خالقه الواحد الأحد الفرد الصمد فيحس بالاطمئنان والسعادة ويحس بأنه وصل إلى الهدف الذي خلق له. وسوف أتعرض إلى كيفية تحرير عبودية الله الناس من رق عبودية البشر في الفصل الثاني إن شاء الله.

المطلب الأول: حرية العقيدة في الإسلام

- العقيدة لغة:

أصل الفعل " عقد واعتقد بمعنى واحد، والعقد نقيضه الحل. والعقد العهد. وعقد قلبه على الشيء لزمه"([27]). وأقرب ما يكون هذا التعريف الأخير إلى التعريف الاصطلاحي فهناك التزام وذلك بعد معرفة القلب بالأمر يلزمه ويكون له اعتقادًا.

- العقيدة في الاصطلاح:

أما تعريف العقيدة اصطلاحًا فقيل بأنه التصديق بالشيء فقيل بأنها التصديق بالشيء والجزم به دون شك أو ريبة([28])، "فهي بهذا التعريف تكون بمعنى الإيمان فالإيمان هو التصديق وقيل بأنها الجانب النظري الذي يجب على المؤمن الإيمان به أولاً يقينيًا مبنيًا على التصديق الجازم مع الشعور بالرضا وإقبال النفس عليه والاطمئنان به"([29]) وعرفها أبو بكر الجزائري بأنها مجموعة من قضايا الحق البدهية المسلمة بالعقل والسمع والفطرة ويعقد عليها الإنسان قلبه ويثبت عليها صوره جازمًا بصحتها قاطعًا بوجودها وثبوتها لا يرى خلافها أن يكون أو يصح أبدًا"([30]).

وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات نجد أنها متقاربة وتدل على معنى واحد فالعقيدة تصديق جازم وإلزام القلب بالثبات على هذا التصديق "ويقصد تهذيب السلوك وتزكية النفوس وتوجيهها نحو المثل الأعلى"([31]).

 

أولا: أبعاد حرية العقيدة في الإسلام:

‌أ-  قرر الإسلام حرية الإنسان في اختيار العقيدة التي يؤمن بها، فله أن يدخل الإسلام وله أن يبقى على يهوديته أو نصرانيته أو مجوسيته، وللإنسان وحده ملكية هذا الاختيار بدون تدخل من مؤثر داخلي أو خارجي لقسره على اختيار عقيدة معينة، لذا شرع الإسلام الجهاد كما مر سابقًا لحماية هذه الحرية.

‌ب-          للإنسان الحرية في ممارسة شعائر عقيدته التي اختارها من طقوس وأعمال يراها واجب في شريعته التي آمن بها، ولا يحق لأحد منعه من ذلك

‌ج-  إلزام الناس باحترام حق الغير في اختيار عقيدتهم أو حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية.

‌د-  إلزام صاحب العقيدة بالعمل على حماية عقيدته واحترامها فلا يحق للمسلم بعدما اختار عقيدة الإسلام أن يترك هذه العقيدة أو أن ينكر ما علم منها بالضرورة([32]).

‌ه- شرط الإسلام شروطًا حتى يكون هذا الشخص أهلاً لاختيار عقيدته ومن هذه الشروط أن يكون بالغًا عاقلاً أي أنه يتمتع بقدرات الإدراك والنضج الإنساني.

‌و- ومن هذه الشروط كذلك "النضج الحضاري لأن أحوال البدائية الحضارية والتخلف الحضاري قد جعل الإنسان في تصور حضاري واجتماعي وذهني بحرمة القدرة على اتخاذ القرار الإنساني ويحرمه أهلية الحرية"([33]) وبناء على هذا عمل الإسلام في شبه الجزكيرة العربية على تخليص العرب من الهمجية والفوضى التي كانوا يعيشونها فبعد أن نظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية دخلوا في دين الله أفواجا.

 

ثانيا: نهي الإسلام عن إكراه غير المسلم على الدخول فيه

 1- لا إكراه في الدين:

          قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:256)

          فعموم الإكراه بشتى أنواعه منهي عنه في الإسلام "فالنفي في لا إكراه بمعنى النهي"([34]).

          اختلف في سبب نزول هذه الآية روى أبو داوود عن ابن عباس قال كانت المرأة تكون مقلاة([35]) فتجعل نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل لا إكراه في الدين قد بين الرشد من الغي([36]) وقيل "إنها نزلت في رجل من الأنصار يكنى أبا الحصين وكان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أرادوا الرجوع من المدنية أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من الأنصار يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر فأنزل الله لا إكراه في الدين فخلى سبيلهما"([37]).

          وأيا كان سبب النزول فالآية تفيد فائدة لا مرية فيها أن الدين الإسلامي لم ينبنِ على الإكراه والجبر وخصصنا الدين الإسلامي بذلك "لأن اللام في الدين للعهد وهو الإسلام أو أن اللام بدل من الإضافة والمراد دين الله كما قال بعض المفسرين"([38]) والإكراه هو الحمل على فعل مكروه "والعاقل لا يحتاج للإكراه على الدين بل يختار تلقائيًا الدين الحق"([39]) ورغم هذا فنرى الآيات الكريمة تخاطب أصحاب العقول وتثير حفيظتهم لكي ينتبهوا إلى هذا الخطاب الإلهي وهذه الشريعة السمحاء فيتبعون النبي الكريم.

          وهناك سبب آخر يجعل الإسلام يقر حرية ا لاعتقاد ويجعله يأمر أتباعه بعدم إكراه الغير ألا وهو "أن الدين هو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها سلسلة أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه ولا الإجبار"([40]) وكذلك فقد عللت نهاية الآية هذا الحكم بقوله تعالى قد تبين الرشد من الغي فقد ظهر الهدى والرشد وظهر الضلال والكفر والرشد هو "إصابة وجه الأمر محجة الطريق والهدى إصابة الثاني فهو أخص من الرشد"([41]) ولكن القرآن عبر بالأعم وهو الرشد ليشمل الهدى وغيره وهذا هو أسلوب القرآن الحكيم وبلاغته العالية ومن ثم دعت الآية المسلمين بالاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها "أي لا انقطاع"([42]) ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم.

          وهو ما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده وهي "تمثل قاعدة كبرى من قواعد الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه"([43]).

         

وقال تعالى: {َلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(يونس:99) " أي أنه لن يؤمن بك ويقر برسالتك غلا من شاء الله وإنك لن تستطيع أن تكره أحدًا على اتباعك ولو حاولت بكل سبيل"([44]) لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت خلق هذا الكائن البشري مستعدًا للخير والشر ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذلك "فالإيمان إذن متروك للاختبار لا يكره الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا"([45]).

وقال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأنعام: 148-149).

هذه الآية تحاور المشركين الذين يدعون بأنهم مجبورون على الكفر الشرك ويقولون إن الله لا يريد إيماننا وإلا لآمنا فهم ادعوا القسر والإكراه، ولكن الله تعالى يرد شبهتهم هذه ويقول لهم أنه لا جبر ولا إكراه والدليل على ذلك "أن الله عاقب المشركين السابقين لسوء فعلهم ولو أن أعمالهم السيئة كانت بمشيئة الله لما عاقبهم عليها، وأن الاعتذار بالمشيئة نوع من الكذب على الله. ثم بعد ذلك طالب الله المشركين بدليل على زعمهم قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ولو شاء الله أن يجبر الناس لأجبرهم على الهدى ولن يجبرهم على الكفر لأن الله لا يحب الكفر لعباده ولكن الناس لهم الحرية في سلوك طريق معين"([46]) وقد أرسل الله سبحانه الرسل وأيدهم بالدليل والحجة وحذر وأنذر وبشر المؤمنين كل ذلك لكي يختار الناس الخير والإيمان ولو شاء أن يجبرهم على الهدى لما عجز عن ذلك ولكن حكمة الله اقتضت أن يعطي الناس الحرية في الاختيار.

 

2- المفارقة في الدين:

لقد أمر الله رسوله بأن يدعو الناس على عبادة الله، وهذه الآيات القرآنية الكثيرة التي تحث على ذلك والمبينة لهم الهدى والضلال والمبشرة المهتدين بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة والمنذرة الضالين المضلين بالويل والثبور والعذاب الأليم يوم القيامة وبعد ذلك أتت آيات المفارقة فهذا هو الحق فإن ابتعتموه رشدتم وإن توليتم فلي ديني ولكم دين أنا برئ منكم وأنتم بريؤون مني.

قال تعالى : {بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون:1-6).

هذه السورة مكية([47]) نزلت في أفراد متعنتين من كفار قريش أرادوا مساومة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قالوا له يا محمد اتبع ديننا ونتبع دين، نعبد إلهك سنة وتعبد آلتنا سنة فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا قد شركناك فيها، وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدنا خيرًا مما في يدك شركت في أمرنا وأخذت بحظك فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره فأنزل الله هذه السورة فغدا رسول الله إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك([48]) ولا يهما من هؤلاء النفر هل الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف([49]) أو معهم كذلك أبي بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج الذين قتلوا في بدر إلا أن ما يهمنا في هذه السورة هذه المفاصلة في العقيدة وشدة التمسك بالحق فهو ليس تجارة دنيوية تتأثر بقضية العرض والطلب إذا دفعوا أكثر فوافق وإلا فلا وليس الدين يؤخذ بالهوى يطاع عامًا ويرفض عامًا بل من أراد الدين فيأخذه كاملاً في كل وقت وإن رفض فإن الله غني عن العالمين "وهذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجهوري الكامل الذي يستحيل معه اللقاء لأن الاختلاف في جوهر الاعتقاد وأصل التصور وحقيقة المنهج، فالتوحيد منهج والشرك منهج آخر "وهذه المفاصلة ضرورية للداعية وضرورية للمدعوين"([50]). ونظرًا لأهمية هذه السورة فقد ذكر بعض العلماء أنها تعدل ثلث القرآن وقيل ربعه"([51]) وكذلك تعددت أوصاف هذه السورة فوصفت بأنها سورة المنابذة ووصفت بسورة الإخلاص([52]) وإذا نظرنا على تركيبة هذه السورة اللغوية نجد أنها تعبر تعبيرًا لا يجعل مطلق الشك لأحد بمدى جزم القرآن في أن يفاصل المشركين فقد كرر نفي أن يعبد ما يعبدون مرتين ونفى أن يعبدوا ما يعبد مرتين ثم ختم السورة بقوله لكم دينكم ولي دين إمعانًا في هذا المعنى وقطعًا لك من تسول نفسه أن يساوم الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد الدعاة في عقيدته لذا ذكر في سبب النزول بعد أن أورد السبب "فآيسوا عند ذلك"([53])

ولقد ختمت هذه السورة بقوله تعالى:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ولهذه فوائد عظيمة تؤيد المفاصلة منها كما ذكره المفسرون:

1-  معنى التهديد وعناه إن رضيتم بدينكم فقد رضينا بديننا.

2- معنى الآية يقول إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك.([54])

3-  لكم دينكم فكونوا عليه إن كان الهلاك خيرًا لكم ولي ديني لأني لا أرفضه([55]) وهناك آراء أخرى تدور حول هذا المعنى.

ومن أساليب المفارقة أنه بعدما آيس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ورأى أن الدعوة والإنذار والتحذير لا يجدي مع هؤلاء لجلافة قلوبهم وجمود عقولهم قال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الزمر:14-15). إذ بعد ما دعوتهم يا رسول الله وبينت لهم ما أرسلت به ولم تأل جهدًا فاتركهم وشأنهم فليس لك قوة على جبرهم بل لم يجعل الله الإيمان بالجبر والإكراه وإنما جعله بالاقتناع والتصديق فلما لم تُجْدِ معهم الكلمة الحسنة ولا المجادلة بالحسنى أتركهم وشأنهم فسوف يلاقون ما يوعدون به وتأتي آية الزمر تكمل هذا فتوجه قل الله أعبد مخلصًا له ديني زودهم بقوله "إنني قصرت عبادتي في الله فلا أعبد سواه يفهم هذا من تقديم لفظ الجلالة على الفعل"([56]) المعنى أنني مخلصًا له العبادة، وأنتم افعلوا ما شئتم واعبدوا من دونه "وهذا أمر يفيد التهديد"([57]) والتقريع والتوبيخ فإنكم ستعلمون وبال عبادتكم إذا لقيتم ربكم ويتضح من هذا الأسلوب "التخيير"([58]) ثم يذل هذه الآية ببيان عاقبتهم إذا تولوا ألا ذلك هو الخسران المبين فهذه قمة التهويل والإنذار "إذ جعلها جملة مستأنفة وصدرها بحرف التنبيه ووسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ووصفه بالمبين فجعل خسرانهم غاية في الفظاعة ونهاية في الشناعة"([59]) فالله سبحانه وتعالى رحيم بعاده إذ لم يكتف سبحانه بأن خلق لهم القدرة على فعل الخير واجتناب الشر بل حذرهم من الشر بأبلغ أسلوب وأرسل لهم النبيين والمنذرين لئلا يقعوا في المحظور وبعد ذل فمن أصر على كفره وكره الإيمان فلا يلومن إلا نفسه وليس الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولاً عنه بل الإنذار والتبشير هي مهمته وإذا كره الإنسان إتباعه فقد انتهت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإمعانًا في هذا المعنى خاطب الله سبحانه في الآية العشرين من سورة آل عمران رسوله الكريم قائلاً له {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران:20) فهناك محاججة والمحاججة "أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر حجته ومحجته([60]) وهناك جهد استفرغه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الناس فجاءه الخطاب الإلهي بعدما افرغ صلى الله عليه وسلم جهده في مناصحتهم ولم يترك وسيلة إلا وعمل بها لإفهامهم ولكنهم لم يفهموا" "وجاءه الخطاب ليوجد لهم هذا السؤال الذي يحوي امتهان لأفهامهم وعقولهم فكأنما أصبحت الحجج عندهم كلا حجج وأصبحت البراهين أضيع ما يكون لديهم فلم يبق سوى أن يسألهم أأسلمتم بعد هذا كله أم لا يجدي الضرب على الحديد البارد"([61]) فإن تولوا فإن الله لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم وهذه الآيات وإن كانت نزلت في وفد النصارى من نجران الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وناظروه في القرآن والإسلام والنصرانية ثم لم يدخلوا الإسلام([62]) إلا أنها عامة إذ فيها للذين أوتوا الكتاب والأميين "والأميون هم مشركوا العرب" ثم يأتي الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن تولوا لم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت والله بصير بالعباد يقول سيد قطب في هذه الآية "وكان هذا قبل أن يأمره الله سبحانه وتعالى بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا إما اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه وغما على التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية حين لا إكراه على الاعتقاد"([63]) وهذه لفتة من سيد قطب إذ أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المشركين من الوثنية وأهل الكتاب وهذا القتال من جهة عملية وغلا في الحقيقة لا يمكن إدخال الإيمان بالله واتباع الدين إلى قلوب الناس بالقوة ولكن شرح الجهاد كما قدمنا في الفصل الأول لأغراض نبيلة كما تقدم وإنما نقصد في هذه الآيات في هذا المطلب التحذير من الأعراض عن الدين والحق مع إعطائهم الخيار في الاعتناق وحتى التخيير بن القتال أو دفع الجزية أو الإسلام هو عبارة تأييد للحرية.

وقد تكرر الخطاب الإلهي بالتحذير من الأعراض عن الحق في كثير من الآيات ففي سورة آل عمران الآية رقم 32 قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:32). وعدم محبة الكافرين "عدم الرضا عنهم والغفران لذنوبهم"([64]) وذلك بسبب إعراضهم عن الحق وإعراضهم عن طاعة الله ورسوله([65]) وفي سورة النور آية رقم 54 نجد كذلك فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم بعدما أمر بطاعة الله وطاعة رسوله قال إذا أعرضوا فإنما عليه ما أمر به وقد فعل وعليكم ما أمرتم به من الطاعة وهذا وعيد لهم([66]) فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ما أمر به من التبليغ فله الأجر العظيم وأنتم لم تفعلوا ما أمرتم به من الطاعة فلكم العذاب الأليم إذ ليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ "ولا يجب على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالته بلاغًا يبين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به"([67]).

وهناك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم لهذا الخطاب الإلهي الذي يبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم من ذنب إعراضهم، ويحملهم مسؤولية اختيارهم السيء، وتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث لجبر الناس بل لاقناعهم باتباع الدليل وما يرجحه العقل السليم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ فتارة يقول تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (النحل:82) والتولي الإعراض أي فإن أعرضوا عن الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلغت البلاغ المبين للمحجة القصر في وما عليك إلا البلاغ المبين أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام"([68]) وتارة يقول: { وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (الحديد: من الآية24)، وفي كل هذه الآيات يكون إسناد الفعل إلى الشخص بنفسه فمن تولى ويتولى فالأول فعل ماضي للغائب والثاني فعل مضارع كذلك للغائب ولم ييكن قط إسناد الفعل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك دليل على أن أمر الإعراض كان بسببهم وحدهم.{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (الممتحنة:6) . أي لكم في إبراهيم قدوة حسنة وإنما تكون هذه القدوة لمن يخاف الله ويخاف عقاب الآخرة أو يطمع في الخير من الله في الدنيا والآخرة وأما من يعرض من الناس عن إبراهيم وأمته فإن الله هو الغني عن خلفه الحميد إلى أوليائه([69]).

3- الحث على اختيار الإيمان والتحذير من الكفر:

          لقد خلق الله الإنسان وخلق له الضرورة على فعل الخير والشر وخلق له العقل الذي يميز بين الخير والشر وحثه على اختيار الخير وحذره من اختيار الشر قال تعالى:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} (الكهف:29)

          فهذه الآية تعطي الخيار للإنسان أن يختار الطريق التي يميل إليها قلبه وتترجم هذا الميل جوارحه، يعمل العمل الصالح الذي يسعد به أو عمل السوء الذي يشقى به في الدنيا والآخرة أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنًا. وهذه السور كلها مكية فهي تخاطب كفار قريش المعاندين المستكبرين وتخاطب من أتي بعدهم ويسر على منهاجهم من المشركين، ولا يدل هذا على استحسان القرآن لم يختارونه سواء أكان حقًا أم باطلاً ولكن فيه تحذي لمصيرهم إذا اختاروا السوء فلا أحد يجبرهم على شيء وفي هذه الآيات دليل على ذلك فهي تنفي مطلق الإكراه وتكرس تكريسًا أبديًا للحرية التي قام عليه الإسلام"([70]) وقد عبرت هذه الآية بهذا التخيير بع ما بينت أن الحق هو "ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى"([71]) أو هو القرآن([72]). وهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يرد على قومه ويخاطبهم بهذا الأسلوب "أيها الناس الحق من ربكم ليس إلي من ذلك شيء ولست بطارد لهواكم من كان للحق متبعًا وبالله وما أنزل على مؤمنًا فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على كفركم نارًا أحاط بكم سرادقها([73]) وإن آمنتم به وعملتم بطاعته فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته"([74]) حقًا إنه تخيير وحرية لا جبر ولا إكراه حدد مصير المؤمن ومصير الكافر ثم وضع كل ذلك تحت مشيئة الإنسان والتي لا بد أن تتعلق مشيئته بمشيئة الله فهو ليس له مشيئة منفصلة وقد اقتضت مشيئة الله هذه الحرية بهذا الشرط والجزاء من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ومع هذا فقد قدم الإيمان حثًا للناس على اختياره وأما في التحذير وبيان مصير الطرفين فقد قدم مصير الكافر حتى يصاب بالخوف والقشعريرة ويقر طالبًا بيان الطريق الثاني ومصيره فلا يدعه عقله إلا إتباعه والاستقامة على الحق الذي هو من عند الله كي لا تحيط بهم سرادق النار ولا يشوي وجوههم المهل.

          وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً}(الإسراء:18-19) . فالعاجلة هي الحياة الدنيا بدليل قوله ومن أراد الآخرة والذي يريدها سوف ينالها بلا شك ولكن بالقدر الذي يريده الله سبحانه وتعالى ولمن يريد سبحانه وتعالى يريد منهم أن يعطيه أو من يريد التعجيل له([75]). ثم في الآخرة يندم على هذا الاختيار لسيء إذ يلقى فيه جهنم مذمومًا مدحورًا وأما الذي يريد الآخرة ويعمل لتحقيق هذه الرغبة مع توفير الإيمان فإن الله لا يضيع عمله، وقد أيدت هذه المنهجية الكثير من الآيات ومنها الآية الأربعون من سورة فصلت { أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}فصلت: من الآية40)، يقال بأنها نزلت في أبي جهل المشرك الطاغية كبير كفار قريش وعما بن ياسر الصحابي المستضعف في الجاهلية أعزه الله بالإسلام "عمار خير لأنه يأتي آمنًا يوم القيامة وأبو جهل شر لأنه يلقى في النار"([76]).

          وهناك آيات تبين نعم الله سبحانه وتعالى على عباده وما رزقهم به من الخير سواء أكان خيرًا معنويًا وهو الرشد والهداية والدين الحنيف أو خيرًا ماديًا كتسخير الليل والنهار الذي جعلهما الله سبحانه وتعالى خلفة قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} (الفرقان:62) "يخلف هذا إذا ذهب هذا جاء أي خلفه أو يخالف أحدهما صاحبه وقتًا ولونًا"([77]) كل هذا خلقه الله سبحانه وتعالى للإنسان لكي يتفكر فيه للوصول إلى معرفة الخالق والإيمان به.

          ومن هذه الآيات آيات تذكر الناس بما أعد لهم يوم القيامة، وبهول الحشر والنشر، وأنه إذا ماتوا فلن يتركوا سدى بل هناك جنة ونار نعيم وجحيم رضوان وسخط، وتذكرهم كذلك بمصائر الأقوام التي سبقتهم وما آلوا إليه ثم تطلق لهم حرية العمل بعد أن توسع آفاقهم بالمعرفة وتنير ضمائرهم الشخصية الكامنة في الاختيار المناسب وتحقيق مشيئتهم{فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} (عبس:12) ، أي هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتف إليهم ولا تشغل قلبك([78])،{ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} (الإنسان: 29)، و(المزمل 19)،  {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} (النبأ: من الآية39)، أي مرجعًا والمعتزلة اجتمعوا به على الاختيار والمشيئة، وروي عن ابن عباس أنه قال فمن شاء الله به خيرًا هداه حتى يتخذ على ربه مآبا([79]).{ِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} (التكوير:28)، التقدير إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم وفائدته إن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم ثم بين أن مشيئة الاستقامة متوقفة على مشيئة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين([80])، كل هذا واضح وضوحًا لا يشك فيه أحد يريد الحق أن مشيئة الإنسان أطلق لها العنان في الاختيار ثم هي التي تتحمل مسؤولية هذا الاختيار بلا جبر ولا إكراه بل هي حرية تامة وهذا من عظيم رحمة الله فعلى الإنسان أ، يطلب الحق والنجاة كي يوفقه الله سبحانه وتعالى على الاختيار السليم ويترك العناد وطلب الشهوات لئلا يخذله الله إن الله على كل شيء قدير.

المطلب الثاني : حرية الفكر والرأي في الإسلام

تمهيد:

          الفكر والرأي بينهما ترابط فالإنسان أولاً يفكر ثم يتكلم، فالفكر دائمًا يسبق الرأي، والذي يتكلم بدون فكر غير عاقل ولا بد أن يلقى به تسرعه على الخطأ والندم، ونظرًا لهذا الترابط بينهما أردت في هذا الفصل الحديث عنهما معًا من خلال مباحثهما وقد جاء هذا الفصل بعد فصل حرية العقيدة وإنما قدمت حرية العقيدة لما لها من أهمية في حياة الإنسان.

-         الفكر وأبعاد حريته

الفكر في اللغة:

          الفكر في اللغة مأخوذ من فَكَرَ فيه وأَفْكَر وفكَّر والمصدر منه الفِكر بالكسر ويجوز الفتح وهو إعمال النظر في الشيء"([81]) من هذا التعريف اللغوي يتضح معنى الفكر بأنه إعمال النظر وهو لا يبعد عن التعاريف الاصطلاحية التي سوف أذكرها إن شاء الله تعالى.

الفكر في الاصطلاح:

          هناك عدة تعاريفات للفكر في الاصطلاح وهي قريبة من بعضها البعض والآن سوف أقوم بعرض هذه التعريفات:

1-  الفكر "ترتيب أمور معلومة للوصول إلى مجهول"([82]) قال ابن خلدون: الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع وينتهي الفكر حيث يبدأ العمل"([83]).

2-  "الفكر اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان سواء أكان قلبًا أم روحًا أم ذهنًا بالنظر والتدبر لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة"([84]).

3-  الفكر الإسلامي هو "المنهج الذي يفكر به المسلمون أو الذي ينبغي أن يفكروا به لا ما هو شائع اليوم من أنه المبادئ والتعاليم التي جاء بها الإسلام أو الرؤى والأفكار التي أثمرها المسلمون"([85]).

بالنظر إلى أصل استخدام كلمة الفكر في اللغة تكون التعريفات السابقة التي ترى أن إعمال الفكر هو الفكر هي الأقرب إلى الصواب إذ أن الفكر في اللغة إعمال النظر وهو إعمال الفكر أما التعريف الثالث فهو منهج إعمال الفكر أو طريقة إعماله. وهو يرد على فكرة سائدة وهي أن الفكر الإسلامي هو المبادئ الإسلامية وأفكار المسلمين ويقول إن هذا خطأ والصواب أن الفكر الإسلامي هو المنهج الذي ينبغي أن يفكر به المسلمون فهذا التعريف راعى المنهج كما راعت التعريفات السابقة إعمال الفكر أو عملية إعمال الفكر.

     ومما لا يخفى أن الفكر من خصائص الإنسان لا يشترك معه أي مخلوق، ولا يطلق إلا على ا لعمليات الذهنية التي يقوم بها الإنسان، وأما الموجود في الحيوان والتي تشبه عملية الفكر عند الإنسان فإنها لا تسمى فكر بل هي توجيه غريزي وهذا ما يفسر تعريف المناطقة للإنسان بأنه هو الحيوان الناطق أي المفكر([86]).

وبهذا تكون حرية الفكر إطلاق العنان للعقل الإنساني في النظر في هذا الكون وإعمال فكره للوصول على نتائج تنفعه وتنفع المجتمع. ولكن لا بد لهذا الفك رمن حدود وهذا ما دعا إليه الإسلام إليه إذ أنه دعا على التفكير ورحب به ولكن لكون ذلك في دائرة نطاق العقل وحدود مداركه فدعا إلى النظر في خلق الله في السموات والأرض والإنسان نفسه وفي الجماعات البشرية ولم يحظر عليه إلا التفكير في ذات الله لأن ذات الله فوق الإدراك([87]) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره"([88]).

- أبعاد هذه الحرية في الإسلام فهي:([89])

1-  حرية الفكر تتعلق بحرية الإرادة الإنسانية وأخلاقية القرار الإنساني ولكن ضمن إطار الالتزام العقائدي.

2-  يبقى في منهج الإسلام وعقليته أن موئل القرار النهائي للإنسان يتعلق بإرادته الحرة تسأل وحدها عنه وتجني وحدها آثاره.

3- العقل المسلم والمنهج المسلم جاد ومسؤول ولا مجال للمسؤولية إلا باستكمال السعي الإنساني بشرط القرار الناتج من علم وفحص وتدرب.

4- الاستبداد بفكر الإنسان قضاء على معنى الحياة لا يقبلها منهج الإسلام وأن العقل المسلم يقوم على أساس التزام حق الإنسان في حرية العقيدة والفكر.

5- إذا كان فكر الأمة معافى كانت أقدر على التسامح وإفساح المجال أمام الأفراد والفئات لممارسة حقوقهم في حرية الفكر والعقيدة.

هذه بعض أبعاد حرية الفكر في الإسلام، بينما لو قارنا بين الإسلام وبين أوروبا في العصور الوسطى نجد أن هناك بونًا شاسعًا فبينما الإسلام حض على حرية الفكر نجد "أن الوسيلة التي استخدمت في أوروبا للقضاء على الحرية ومنع الفكر من الانطلاق كانت في ذلك الحين محاكم التفتيش الشهيرة التي عاشت 500 سنة"([90]) وهذا في أيام طرد النصارى للعرب من الأندلس.

-         الرأي وأبعاد حريته:

الرأي في اللغة مأخذوذ من رَأَى يَرَى رأيًا ورؤية أبصره بحاسة البصر أو اعتقده أو دبره والرأي الاعتقاد والعقل والتدبير والنظر والتأمل([91]) إذن فللرأي أربعة معان الاعتقاد والعقل والتدبير والنظر أو التأمل.

وأما الرأي في الاصطلاح فهو:

1-   يطلق الرأي على "النظر العقلي لأجل المعرفة كما يطلق على ما يتوصل غليه العقل من اعتقاد بعد النظر"([92]).

2-   الرأي هو ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الإمارات([93]).

وكما نلاحظ أن هذين التعريفين يدوران حول معنى واحد وهو رؤية العقل للأمر وعندما نقول حرية الرأي فإننا نقصد "أن يكون المرء حرًا في تكوين رأيه لا يتبع غيره وأن يعلن هذا الرأي بحرية كيفما شاء وبالطريقة التي يريدها"([94]).

          فهناك جانبان لحرية الرأي الجانب الأول جانب تكوين الرأي وهو جانب فكري عقلي وجانب إبداء الرأي وهو الذي يطلق عليه حرية التعبير.

          والإسلام راعى جميع جوانب حرية الفكر والرأي فهو يسعى إلى أن يبدي الناس آراءهم ولي هذا فحسب "بل إنه يطالب أن يكون هذا الإبداء إيجابيًا يشارك في تكوين رأي عام مستنير يعرف حقوقه وواجباته ويعمل دائمًا لخير مجتمعه"([95]).

أبعاد حرية الرأي:

1- هي عبارة عن حرية الإنسان في طريقة النظر العقلي وأساليبه دون أن تفرض عليه من الآخرين معطيات وأدوات من شأنها أن تؤدي به إلى الخطأ ودون أن يلزم سلوك طريقة معينة شأنها أن توصله إليه نتيجة مبتغاة سلفًا حقًا كانت أم باطلا.

2-  "حرية الإنسان في الإعلان عن رأيه الذي توصل إليه بالنظر والبحث وإشاعته بين الناس والإقناع به"([96]).

3-  أنه من واجب المواطن المسلم أن يمارس حقه في النقد وأن يبقى بشجاعة إلى انب الحق والعدالة.

4-  يطلب المجتمع من أفراده جميعًا النهوض بالمستوى الخلقي والاجتماعي للأمة بكل الوسائل الممكنة.

5-  لا يجوز استخدام حرية الرأي للتحريض على إثارة الشغب واختلال الأمن والقدح بالآخرين([97]).

      أولا: الإسلام والعقل

لقد كرم الله الإنسان على سائر خلقه وفضله عليهم إذ أنعم عليه بنعمة العقل ونظرًا لهذه الأهمية فقد امتن الله سبحانه وتعالى على الناس أن رزقهم العقل قال تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78) ، ففي هذه الآية امتن الله على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح وقيل الدماغ وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى([98]). فالعقل نعمة بل هو أعظم نعمة أنعمها الله سبحانه وتعالى على الناس لذا فإن الله سبحانه وتعالى سوف يسأل الإنسان يوم القيامة عنها أو سيشهد العقل عليه بما يفعل قال تعالى: {َلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}(الإسراء:36) فقد قيل إن الله يسأل هذه الأعضاء عما قال صاحبها من أنه سمع أو أبصر أو علم فتشهد عليه جوارحه بالحق([99]) وذلك كقوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النور:24). وقيل معناه صاحب السمع والبصر والفؤاد وهو المسؤول.([100])

          و العقل سبب استخلاف الإنسان في الأرض هو سبب التكليف وحمل الأمانة قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (الأحزاب:72) . والأمانة هي الطاعة كما رواه ابن كثير عن ابن عباس إذ قال ابن عباس عرضها على آدم فقال الإله إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخ بما فيها قال يا رب وما فيها قال إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم([101]) وقال القرطبي الأمانة هي جميع وظائف الدين على الصحيح ونسب هذا القول للجمهور([102]) ،وعلى هذا تكون الأمانة هي التكليف وإنما كلف الإنسان لأنه عاقل إذ أن المجنون لا يكلف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق"([103]).

ثانيا: الحوار العقلي في الإسلام:([104])

خاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان طالبًا منه وآمرًا له أن يتفكر فيما حوله، قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ،قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (يونس:35) . وأول هذا التفكير أن يتفكر في نفسه من بدء خلقه من نطفة وجعل فيه الروح هل شركاؤكم هم الذين خلقوكم والشركاء المقصود بهم في سورة يونس هم الذين اتخذوهم آلهة من الأوثان وغيرها"([105])، "وهل أشراف هؤلاء الذين جعلتم آلهة من الملائكة والمسيح وعزير"([106]) هل هؤلاء يهدوكم إلى الحق كهداية الله. ثم يوجه الله سبحانه وتعالى اللوم قائلاً: { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي "كيف تصرفون إلى عبادة الغير مع عجزهم عن خلقكم وهدايتكم"([107]) ثم هناك نقاش آخر في نوع آخر من الخلق داعيًا العقل في التفكر فيمن خلق السماوات والأرض ودبرهما وصرفهما كما يشاء، قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الرعد:16)، فتخرس ألسنتهم وتستيقن قلوبهم وعقولهم بالحق ولكن لا يستطيعون النطق عنادًا وكبرياء فيكفيهم الحق مؤنة ذلك قائلاً قل الله ثم. رادًا عليهم رغم أنكم تدركون ذلك اتخذتم من دون الله من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فكيف يستطيع أن ينفعكم أو يضركم إن هذا لسفه ما بعده من سفه وعبث لا يليق بالعاقل ثم يتدرج معهم منكرًا عليهم كفرهم وشركهم قائلاً هل يمكن أن يستوي الأعمى والبصير أي الجاهل والعالم" ([108])، أو "المشرك والمؤمن"([109]) والظلمات والنور فالظلمات هي الجهل والشرك والنور العلم أو الإيمان، ثم يحاول الحق سبحانه وتعالى تفسير شركهم وكفرهم أم أنهم يظنون أنّ هؤلاء الشركاء خلقوا أشياء فتشابه هذا الخلق عليهم فلم يستطيعوا أن يميزوا بين خلق الله وخلق هؤلاء الشركاء فعبدوهم لذلك ثم يختم الآية بأن الله خالق كل شيء وهو المنفرد بالخلق "فلا يشكل على ذي عقل أن عبادة ما لا يضر ولا ينفع جهل فإذا اقروا بأن الله خالق كل شيء فما وجه إشراكهم ما لا يخلق ولا يضر([110]).

قال تعالى: {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (النمل:64).

فهذه دعوة للعقل بالتفكر في خلق الإنسان، ثم في خلق السماوات والأرض، وبعد ذلك في رزقه، في هذا الذي يهيئ الأسباب من السماوات والأرض ومع هذه الآيات وهذه الأدلة يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا هو الإله لهم وحده فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه آله أخرى([111]). ومع هذا ومع وضوح الأدلة يأمر الله سبحانه وتعالى أن يخاطبهم قائلاً لهم "هاتوا برهانكم على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى"([112]) وهذا البرهان الذي يطالبهم به "إما أن يكون نقليًا"([113]) ولا دليل نقلي في ذلك وغما أن يكون دليلاً عقليًا وهذا فيه ما فيه من طلب إعمال العقل والتدبر به وإمعان النظر للوصول على نتيجة مرجوة وهي الإيمان بالله واتباع نبيه.

ثالثا: الإسلام يذم المعطلين عقولهم:

إن تعطيل العقل معناه رفض نعمة أنعمها الله سبحانه وتعالى على الإنسان بل هي أعظم نعمة لأنها مناط التكليف وما يميز بين الإنسان والحيوان الأعجم هو العقل، وعد إعمال العقل سبب لبقاء الإنسان تحت قيود العبودية والتبعية وبما أن القرآن جاء ليحرر الإنسان من هذه العبودية عمل على إطلاق التفكير العقلي من قيوده وقد ذكرت في المبحث الأول من هذا الفصل كيف أطلق القرآن التفكير وإنما أردت في هذا المبحث أن أذكر كيف ذم القرآن من يعشق الذل والعبودية فيتبع أهواءه ويهمل عقله وسوف أذكر أولاً بعض الآيات التي تذم تعطيل العقل بكافة أنواعه ومنزلة هذا الذي عطل عقله.

فمن هذه الأنواع تقليد الآباء والكبراء وتخاطب الآيات القرآنية هؤلاء الناس الذين يقلدون آباءهم في العقيدة والذين يتبعون سادتهم وكبراءهم قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (البقرة:170) وفي سورة الأحزاب {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} (الأحزاب:67). "ففيها رد على من يعطل تفكيره ويغلق منافذ المعرفة الهداية ويتلقى أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة"([114]) وجاءت آية البقرة بعد آيات التحذير من وساوس الشيطان للدلالة على أنه لا فرق بين متابعة هذه الوساوس وبين تقليد الآباء "إذ التقليد بسبب هذه الوساوس"([115]) وهي وإن كان ظاهر الخطاب موجه إلى المشركين العرب إلا أنها تشمل كل من تمسك بتقليد الآباء من أي جنس كان فهي تخاطب الجميع وتنكر عليهم اتباع الآباء "لأن الآباء لا يعقلون من أمر الله شيئًا وليسوا مصيبين ولا يدركون الرشد وإنما يتبع العالم فكيف تتبعون جهالاً"([116]) وقوة ألفاظ الآية تغطي "إبطال التقليد"([117]) وشبيهة بهذه الآية آية المائدة قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } (المائدة: من الآية104)، فهم لا يرجعون إلى الحق وهم لا يفكرون فيما يعملون ويقولون فقد عطلوا عقولهم واتبعوا غيرهم فسخر منهم وجعلهم آلة في يده يصرفها كما يشاء حتى في أخص خصوصياتهم ألا وهو العقيدة

رابعا: الشورى:

أخذت الشورى من الفعل "شاور يشاور والمصدر منه تشاور أو مشاورة والتشاور والمشاورة المشورة واستخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم شرت العسل إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه"([118]) قالت تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }(آل عمران: من الآية159)، والشورى الأمر الذي يشاور فيه قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: من الآية38)"([119]). هذه المعاني اللغوية لكلمة الشورى لا تختلف كثيرًا عن المعاني الاصطلاحية التي أصبحت تطلق عليها كلمة الشورى أو الفعل شاور.

والشورى الإسلامية هي "التجسيد لإرادة الأمة الحرة المحكومة بإطار حاكمية الله"([120]) وقد شرعت الشورى في الإسلام حتى لا يكون فرد واحد أو مجموعة قليلة من الشعب هم المسيطرون على آراء الأمة سواء أكان في تعيين الحاكم أو اتخاذ القرارات ولذا فقد أخذت الشورى في الإسلام مفهومًا سياسيًا "ورسخت جذورها في المجتمع الإسلامي وأصبحت تميز نظام الحكم في الإسلام عن بقية الأنظمة غير الإسلامية"([121]) وصار حتمًا على الحاكم أن يستشير الأمل بل يقول الفقهاء "أن الذي لا يستشير الأمة يجب عزله"([122]) "والشورى تفرض اجتماع الناس في الأمر والاختلاف في الآراء"([123]) "وعلى المستشير أن ينظر في هذه الخلافات"([124]).

وقد أكثر المفكرون من الكتابة في موضوع الشورى لما لها من أهمية في الحياة الفكرية والسياسية للأمة الذي نعنيه في هذه الوريقات آيات وردت في القرآن الكريم بعضها تأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يستشير أصحابه وبعضها تمتدح المؤمنين بأنهم متشاورون لا يستبدون بالآراء دون الأمة وبعضها تضرب نماذجًا لأمم متحضرة وغير متحضرة اجتمعت للتشاور في أمورها وخرجت بقرار جماعية بغض النظر عن نوع هذه القرارات هل هي إيجابية أم سلبية مع العلم بأن القصد أن يصلوا إلى نتائج إيجابية على رأيهم وفكرهم وكل هذا دليل على حرية الرأي فمن لوازم الشورى إبداء الآراء ومناقشتها فللمسلم أن يظهر آراءه وله أن يناقش آراء الآخرين.

- أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستشارة:

الشورى "آلية من آليات المشاركة في إنتاج الرأي وفي صنع القرار([125]) لذا نجد الأمر صريحًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه([126])، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159)، رغم أنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطأ المقصود بذلك لكي يتعلم المسلمون ويكون قدوة لهم عند الرغبة في صنع القرار وإدارة الأمة فلا ينفردون بالقرار، وقد قصد الله سبحانه وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتشاور "أن يتعرف على آراء المستشارين فتوجب على أهل الشورى أن يبدوا آرائهم دون إجبار أو إكراه"([127]). وقد نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد التي استشار فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج من المدينة أو البقاء فيها وقد أشار معظم الصحابة بالخروج، "فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنه لم يكن يريد الخروج ولكن نزولاً على رغبة الجماعة خرج فحدثت الهزيمة([128]) واستشهد الكثير من الصحابة فنزلت هذه الآيات تثبت مبدأ الشورى "ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف"([129]) ولكن شاءت الإرادة الإلهية أن يبقى هذا المبدأ وذلك أن الإسلام تشريع لأمة وليس لفترة معينة تنقضي بانتهاء تلك الفترة، فبقيت الشورى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وتعبيرًا لهذا المبدأ جاءت الألفاظ المناسبة لإقرار مبدأ الشورى، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بها نبيه بفعل الأمر وشاورهم للدلالة على الوجوب كما ذهب إليه جمهور الأمة([130]) وقيل للندب وذهب إليه الشافعية([131]) وأما قوله في الأمر ليدل على عموم الأمر المستشار فيه والمقصود "الذي لم يحدده الله سبحانه وتعالى وجعل تفصيله للأمة كأمر الحرب"([132]) وكذلك قوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله أي فإذا عزمت على المشاورة وعلى ما أشير عليك فتوكل على الله"([133]) والشورى هي عبادة للحاكم وللمحكومين، فالحاكم إذا استشار فقد أطاع أمر الله، والمحكومين إذا أشاروا على الحاكم بأمر فق أطاعوا أمر الله كذلك. "وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقطع أمرًا دون أصحابه قبل الأمر وبعده وذلك تطمينًا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلون"([134]) والآن لنضرب أمثلة على مشورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

1-  شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى يوم بدر([135]).

2-  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكم([136]).

3-  استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج يوم أحد([137]).

المطلب الثالث: الحرية والعبودية في التصور الإسلامي

تمهيد:

العبودية في الشريعة الإسلامية لها جانبان، جانب معنوي وجانب مادي.

ولقد اعتنى القرآن الكريم ببيان منزلة كل منهما، وببيان مظاهر تكريم الله للإنسان إذ خلصه من رق العبادة في الجانب المعنوي والمادي

أولا: العبودية لله مصدر الحرية:

الإنسان متعبد بفطرته، لذلك لا نستطيع أن نجد مجتمعًا أو حضارة قامت في الأرض إلا ولها طقوس دينية سواء أكانت صحيحة أم باطلة. وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يرسل للناس رسلاً يهدونهم إلى المعبود بحق وترك عبادة غيره، "وذلك لأن البشر خلق لله لا يخضعون إلا له وحدة بالعبودية من أي نوع كان وبصرف النظر عما إذا كانت هذه العبودية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية"([138]).

ولقد كانت في الجاهلية قبل الإسلام الكثير من القيود الناتجة عن الجهل وهي قيود معنوية مثل الشرك بالله فأمر الناس بوجوب التوحيد الذي به يتم "تحرير الناس من استعباد كل الطواغيت والقوى المادية والموهومة والظواهر الطبيعية التي طالما استعبدته على مر تأريخ الوثنيات"([139]) فعبودية غير الله هي عبارة عن ذلك واستعباد، أما الإسلام فشعاره "مزيد من العبودية لله ومزيد من أحكام الارتباط مع الإسلام على مستوى الشعب أو على مستوى الدولة معناه راحة المسلم واطمئنانه وراحة المجتمع المسلم"([140]).

إذن فقصد الله بالعبودية وتحرر الناس من عبودية غير الله هو مدعاة للأمن والطمأنينة لكافة أفراد المجتمع لذلك حرص الإسلام على هذا التحرير ويظهر ذلك من خلال الآيات القرآنية الكثيرة لتي تدعو الناس إلى إفراد العبودية لله وتحذرهم من مغبة الشرك بالله أو الجحود وهذا ما سوف نراه في هذا المبحث.

القرآن كله آيات ناطقة بالتوحيد ونبذ الشرك وذلك "لأن تحرر الإنسان من سطوة أخيه الإنسان لا يستثنى إلا في ظل العبودية الصادقة لله، بل تبنى حرية الإنسان في الوجه الثاني لعبودية الله ذلك لأن الإنسان عندما يستيقن أنه عبد مملوك لله وحده يدرك ألا سلطان لأحد غير الله عليه([141]).

فقد أنزل القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام لإنقاذ البشرية من الاستعباد والذل عندما أذن سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن تنيب إليه مخلصة فأرسل رسوله إليهم هاديًا ومبشرًا ونذيرًا. ودعاهم على عبادة الله وحده، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ،

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر:11-15) أي إنما أمرت فيما أنزل إلي "بأن أعبد الله وحده ولا أجعل له شريكًا في عبادتي بل أخلص له الدين حنيفًا مسلمًا وغلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناس وإليه مصيري". وأخاف إن عصيت ربي فيما أمرني به من عبادته عذاب يوم القيامة"([142]).

    ثانيا: عبودية الإنسان لأخيه الإنسان:

لقد استعبد الإنسان أخاه الإنسان قبل الإسلام حيث أن نظام العبودية كان سائدًا تقوم عليه الحياة. لذا اتخذ الإسلام موقفًا من الرق يتمثل فيما يلي:

          بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن الثامن الميلادي، وقد كان نظام الرقيق موجودًا على نطاق واسع، وتقوم عليه الحياة الاقتصادية والسياسية الاجتماعية في المجتمع فلم تكن من الحكمة أن يمنعه مرة واحدة فالإسلام راعى التدرج في التشريع وعدم المعارضة الصريحة لما كان موجودًا إلا إذا أدت الضرورة إليه وكان الأمر مما يجب أن يبتر من المجتمع سريعًا لئلا يستفحل.([143])

          لذا وضع الإسلام خطة تدريجية للقضاء على الرق وذلك بتحريم كثير من روافده مثل:

-         الاتجار بالرقيق فقد كان يجوز للوالد أن يبيع ولده إذا أراد ذلك بل يجوز له أن يبيع نفسه.

-         رق الديون وذلك بأن يسترق صاحب الدين من عليه الدين في حالة عجزه عن سداد ما عليه.

-         رق الجرائم إذ كان السارق والقاتل في بعض العادات يسترقه ن سرق عليهم أم قتل قتيلاً منه.

-         رق الحبش فقد كانوا يعتبرون الرجل الأسود أو الحبشي مملوكًا.

-         الاسترقاق بدون وجه حق فقد كانوا يخطفون الناس ويبيعونهم.

فكان خطة الإسلام في القضاء على هذه الأسباب تتمثل في الآتي:

1-             حرم بيع النفس أو الأولاد أو الزوجة فالحرية هبة من الله ولا تسقط إلا بتشريع منه.([144])

2-      على الدائن إنظار المدين وعدم التعجيل عليه في طلب ما له قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة: من الآية280)، بل نصحه أن يترفق به ويتنازل عن دينه قال تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: من الآية280)

3-             جعل لجرائم القتل والسرقة التي كانت سببًا للاسترقاق عقوبة فالمجرم يعاقب بها ولا يسترق.

4-             حرم الخطف والسبي والأخذ بالباطل.

5-      حرم استعباد الناس بدون وجه حق مثل كونه أسود أو شابه ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته وفيه رجل باع حرًا فأكل ثمنه"([145])

رق الحروب:

          قام المشركون بمعاند الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاربته بكل ما أوتوا من قوة بالفعل والقول فكانوا إذا حاربوا المسلمين استرقوهم وباعوهم فمن العدل أن يعامل المسلمون أعاءهم بالمثل([146]) وأن يسترقوهم إذا ظفروا بهم في المعارك مع العلم أ، الإسلام لم يطبق هذا إلا في نطاق ضيق.

          فقد خير الله سبحانه وتعالى المسلمين في معاملة الأسرى بين أمرين المن والفداء ولم يذكر الاستعباد قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } (محمد:4)، ففي الآية إرشاد إلى معاملة الأسرى وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال"([147]) وقيل "لأنه من مكارم الأخلاق"([148]) وعدم ذكره الرق في هذه الآية التي جاءت في الحرب وكان الحرب هو المنبع الرئيس للرق "دليل على أن الإسلام لم يجعل الرق أصلاً من أصوله بدليل أنه سعى إلى تحريره بمختلف الوسائل"([149])

رق الإرث:

          أما المنبع الأخير الذي هو من منابع الرق والذي ضيقه الإسلام وهو إرث الرقيق فقد قلل منه عن طريق تشريع أمور منها: إن ولد الحرة حر ولو كان أبوه عبدًا، والأمة إذا تزوجها حر واشترطت أن يكون أولادها أحرارًا فهم أحرار، ويكون الأولاد أحرارًا كذلك إذا كانوا ذوي رحم من زوجها بأن يتزوجها ابن عم سيدها، أو إذا تزوج رحل إمرأة وهي أمة يظنها حرة فأولاده يكونون أحرارًا، وكذلك إذا وطأها سيدها وولدت منه يكون أولادها أحرارًا وتعتق هي بموته([150])

 التحرير الوجداني للرقيق:

          لقد أعطى الإسلام العبيد كافة الحقوق الإنسانية حتى أنه يعيش في المجتمع الإسلامي كفرد له كيان وشخصية معتبرة ومن هذه الحقوق:

أولاً: الحق الإنساني في الحياة:

          لقد كفل الإسلام الحياة الكريمة للعبيد وحرم الاعتداء عليهم بالقتل ونحوه بل أو جب العقاب على من يعتدي عليهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:178). فعقوبة العبد الذي يقتل عبدًا عمدًا القصاص.

ثانيًا: الكرامة الإنسانية:

          للإنسان كرامة فضله الله بها ولو أن بعض الظروف أدت بإنسان ما إلى أن يكون مملوكًا لآخر فله كرامة ولا يصح أن يؤذى لهذا السبب بإهانة أونحوها، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مناداة الرقيق بقوله عبدي وأمتي ونهى أن ينادي الرقيق سيده بمولاي([151]) ولتطبيق هذا النهي الأثر البالغ في شعور إحساس المملوك فهو لا يعير لأنه مملوك بل ينهى عن أن ينادي سيده بمولاي إذ أن هذه الكلمة إنما تقال للخالق جل وعلا.

ثالثًا الأخوة الإنسانية:

          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فيطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس([152])، ويظهر من هذا الحديث نوع من أنواع الإحسان إلى المماليك وهو لا يميز أولاده عليهم في شيء فهم إخوان الأسياد فقد جعلتهم الملابسات ملك اليمين ولكنهم يضلون بأصر الإنسانية([153]). وهذا الحديث يشعر المماليك بأنهم إخوان أسيادهم.

رابعًا المعاملة في الواقع:

          أعطى الإسلام المملوك حقوقًا عديدة وأمر المسلمين بمراعاة هذه الحقوق ومنها:

وجوب الإحسان بالمماليك:

          أوجب الإسلام إحسان معاملة الرقيق ويفهم هذا من قرن الإحسان بهم بعبادته تعالى([154]) قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء:36)، وهذا الإحسان يكون بأمور منه كما ذكره الفقهاء "أن يشبع بطنه ويكسو جسمه ولا يستعمله إلا بما يقدر عليه ولا يكلفه فوق طاقته"([155]) فق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس"([156])

تزوج المملوك:

          ومن أنواع الإحسان إلى العبيد الذي أمر به القرآن ما دل عليه قوله تعالى: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النور: من الآية32)، والأيامى "هم الذين لا أزواج لهم من الجنسين والمقصود بهم الأحرار"([157]) وأما باقي الآية ففيها دليل على وجوب تزويج المولاة والمملوك وذلك عند طلبهما"([158]) "وقد صفت الآية الكريمة أن العبيد والإماء يجب تزويجهم إذا كانوا أهل صلاح"([159]).

عدم إيذاء المملوك:

          وهناك أمر آخر من جهة مراعاة حقوق الرقيق فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيذاء العبيد وضربهم والذي كان منتشرًا في الجاهلية وورد هذا النهي في أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها:

·   عن أبي مسعود الأنصاري قال بينما أنا ضارب غلامًا لي بسوط إذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيته سقط السوط من يدي فقال: اعلم يا أبا مسعود إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، فقلت: والذي بعثك بالحق نبيًا ما ضربت عبدًا أبدًا أو قال مملوكًا" وفي رواية فقلت هو حر لوجه الله فقال: لو لم تفعل للفحتك النار([160]).

·       وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لطم مملوكًا أو ضربه فكافرته عتقه"([161]).

الرفق بالمملوك:

          قال صلى الله عليه وسلم: "أوصاني جبريل عليه السلام برفق المملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يستخدم أبدًا"([162]).

          فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن ابن آدم لا يستخدم أبدًا دليل على أن هذه مرحلة من مراحل عتق العبيد فقد حرص الإسلام على الإحسان بهم وعلى عتقهم حتى تنتهي بهم الحالة إلى ألا عبيد في الإسلام وقد طبق الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأمر فها هو "عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند سفره إلى الشام كان يتبادل مع غلام له ركوب البعير مرحلة لعمر ومرحلة لغلامه([163]) حقًا أنها سماحة وإنها دعوة للتحرير والإطلاق عن ربقة الاستعباد فالإسلام دين الحرية بكافة أنواعها.

ثالثا: التحرير الجسمي للرقيق:

          بعدما عمل الإسلام على تجفيف منابع الرق وبعد أن حرر الرقيق معنويًا سعى إلى تحريرهم ماديً وذلك بعدة أوامر تعمل على تخليص الرقيق من الرق ومن هذه الأوامر.

الأمر الأول: الترغيب في العتق بالقرآن والسنة:

          جعل الله  سبحانه وتعالى الثواب الجزيل للذي يعتق عبدًا قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة:177).

          فهي دعوة صريحة إلى العتق "وإلى تحرير الناس من عبودية البشر إذ جعل العتق من أعظم العبادات ومن أصول البر"([164]). وعطف العتق في هذه الآية على الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وعلى الإحسان على الأقارب واليتامى والمساكين والسائلين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر " وهذا دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب واعتبارها أن الإنسان خلق ليكون حرًا"([165]).

          قال تعالى: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ} (البلد:11-13) العقبة التي هي جبل في جهنم وهي كناية عن النجاة من العذاب وهذه العقبة تقطع بالعتق وقطعها أمر ليس بالسهل بل هو أمر عظيم والدليل على ذلك "التكرار والتهويل {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}"([166]).

إذًا فالعتق منجاة من النار وسبب لدخول الجنة ويؤيد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل غرب منها إربًا من النار" وفي رواية عضوًا بدل إربًا"([167])، فهذه أدلة على عظمة الإسلام وعلى دعوته للحرية والتحرير فإن الله سبحانه وتعالى جعل الفضل العميم والثواب الجزيل على هذا الذي يعين أخاه في محنته ويفكه من أسر الذل والاحتقار إلى فسيح الحرية.

الأمر الثاني: مصارف الزكاة:

          قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:60).

          في هذه الآية ورد التصريح بأن أحد مصارف الزكاة هو في الرقاب وقد اختلف في هذا قيل إن في الرقاب هو معناه أنه المكاتب([168]) وهذا سوف أتعرض إليه في الأمر الرابع من هذا المطلب وقيل إن في الرقاب معناه عتق العبيد ويكون ولاؤهم للمسلمين([169]).

          وعلى القولين فإن الرقيق لهم نصيب من الزكاة سواء أكانوا مكاتبين أم رقيقًا، فعلى الدولة الإسلامية عتق الرقيق وتخليصهم من ربقة الاستعباد إذ هي المسؤولة عنهم وهي أيضًا المخاطبة بتوزيع الزكاة على مستحقيها بعد جمعها من الواجبة عليهم، فعليها أن تعين العبيد بعتقهم وتحريرهم من العبودية.

الأمر الثالث: الكفارات:

          من الوجوه التي جعلها الله سبحانه وتعالى في كتابه منفذًا من منافذ العتق، ومخلصًا من العبودية إلى التحرير الكفارات، فهناك أعمال إذا عملها الإنسان لزمه أن يعتق بسببها رقبة مع توبته إذا أراد أن يتوب ولن تقبل توبته غلا بهذا العتق أو ما يقوم مقامه عند عدمه.

          قال تعالى: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء: من الآية92).

          والسر في جعل كفارة القتل الخطأ هو "أنه أعدم نفسًا من المؤمنين فصارت كفارته أن يوجد نفسًا أخرى والعتق كالإيجاد كما أن الرق كالعدم"([170])، ونلاحظ في الآية أن كافرة القتل الخطأ وهي العتق ليس إذا قتل المؤمن مؤمنًا خطأ فقط وإنما حتى إذا قتل المعاهد والمستأمن يلزم العتق.

          وأما كفارة الظهار فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:3)، وسبب نزول هذه الآية "أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ظاهر مني حيث كبر سني ورق عظمي فقال صلى الله عليه وسلم لوس أعتق رقبة قال مالي بذلك يد إلى أن قال فصم شهرين متتابعين ... الخ"([171])

        وفي كفارة اليمين وهي الإطعام أو العتق قال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89).

          فهي بالخيار بين هذه الثلاثة إن شاء أطعم وإن شاء كسى وإن شاء أعتق وإذا لم يستطع كل هذه فعليه صوم ثلاثة أيام.

          فهذه ثلاثة أنواع من الكفارات ذكرها القرآن، فيها عتق الرقبة وهناك نوع آخر ذكرته السنة، وذلك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت. قال: ما أهلكك. قال: وقعت على أهلي وأنا صائم. فقال رسول الله: هل تجد رقبة. قال: لا الحديث"([172]) فهذا الذي خالف أمر الله سبحانه وتعالى في الصيام وفعل ما يؤدي إل نقضه بجماع أو نحوه فعليه كفارة هذه الكفارة تبدأ بعتق الرقبة. وإذا نظرنا إلى هذه الكفارات نجد أن العتق هو الأمر الأول في كفارة كل من القتل والظهار والصيام وإذا لم يجد أو لم يستطع عتق رقبة انتقل إلى الخيار الثاني فلا يمكن أن ينتقل إلى الخيار الثاني وهو يستطيع للأول.

ولكن بقي هناك أمر وهو أن يشترط في هذه الرقبة أن تكون سليمة العيوب، فلا يمكن أن يمل أحد من عب له بعد أن يكبر ويعجز عن العمل فيعتقه ويقول اعتقت رقبة، فق شد كثير من العلماء في ذلك واشترطوا شروطًا من هذه الشروط قدرته على الكسب وأما المملوك الذي به عيب يمنعه من الكسب فلا يجزي في الكفارات([173]) وكذلك من الأمور التي تساعد على عتق العبيد ما قاله كثير من العلماء أو جمهور الأمة أ، الذي يملك جزءًا من عبد وأعتقه ينعتق الباقي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من أعتق مملوكًا بينه وبين آخر فعليه خلاصه"([174]) قال شارح الحديث "والحديث بإطلاقه يدل على انعتاق العبد من غير استسعاء([175]) وهو المعتمد"([176])

فهذا الذي يعتق جزءًا من عبد ينعتق جميع مباشرة فليس لله شريك في ملكه وهذا منفذ آخر من منافذ العتق في الإسلام. أقره رحمة للعالمين.

الأمر الرابع: المكاتبة:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } (النور: من الآية33).

والمكاتبة هي "أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا، مأخوذة من الكتاب لأن السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، أو لأنه مما يكتب لتأجيله"([177]) وهذا الأمر ظاهره للوجوب كما رجحه الكثير من العلماء([178])، وقيل هو للندب والاستحباب([179]).

والمكاتبة طريق مشروع للتقليص من العبيد، ولتوسيع مجال الحرية، وذلك "إذا رأى المملوك أنه يستطيع أن يجد ما يعتق به نفسه ويشتري نفسه من سيده وكانت رغبته ملحة في ذلك فعلى السيد أن يوافقه إذا رأى أنه أهل لذلك يستطيع أن يؤدي الذي عليه وذلك يفهم من قوله تعالى: { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}"([180])، اختلف في الخيرية المراد في هذه الآية فقال ابن عباس وعطاء المال وقال مجاهد والحسن والنخعي الدين والأمانة وقافل مالك سمعت بعض أهل العلم يقول القوة عن الاكتساب والأداء عن الليث نحوه وهو قول الشافعي وقال عبيدة السالماني إقامة الصلاة([181])، وعلى السيد أن يعينه وذلك بإسقاط بعض ما عليه قوله تعالى: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ}. وبعد أن يكاتبه فقد قال الكثير من العلماء أن المكاتب يكون حرًا([182])، وقيل لا يكون حرًا حتى يؤدي جميع ما عليه([183]).

وبعد فهذه أهم الطرق والوسائل التي استخدمها الإسلام لتصفية نظام الرق في العالم ولو طبقت الشريعة الإسلامية لما وجدنا رقيقًا بعد فترة بسيطة، إذ لا ينابع تدفق الرقيق ولا إهانة ولا إذلال ولا خضوع إلا لله والحق، بل من كان مهانًا مستعبدًا يصير حرًا طليقًا يعمل الخير ويسعى إلى مصلحة مجتمعه وأهله ولا ظلم ولا جور إذ أن الإنسان يعلم أنه مجرد مخلوق ضعيف للخالق العظيم القوي الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.


المبحث الثالث   ضوابط الحرية في الإسلام

تمهيد:

الضبط في اللغة لزم الشيء وحبسه وحفظه بالجزم([184]) فعلى هذا التعريف كانت ضوابط الحرية عبارة عن حفظ لها لتحقيق الحرية وليس تقييدًا لها وإنما تحبس إذا جاوزت الحدود الموضوعة لها.

والضوابط في الاصطلاح تنقسم إلى ضوابط اجتماعية وضوابط شرعية وضوابط عقدية، فالضوابط الشرعية والعقدية تختص بالمجتمع الديني الإسلامي ذلك لأن الضوابط في المجتمع الإسلامي تعرف بأنها مجموعة من القواعد والإجراءات الشرعية التي تستهدف استقامة الناس أعضاء المجتمع الإسلامي على شريعة الله وعلى صراطه المستقيم"([185]) فهذا تعريف الضوابط في المجتمع الإسلامي مرتبط بالشريعة والعقيدة الإسلامية.

أم الضوابط في المجتمعات الأخرى فتعرف بأنها "مختلف الوسائل والمظاهر التي يمارس بها المجتمع سلطته على سلوك أعضائه"([186]).

وعلى هذا تكون الضوابط في المجتمعات الغير إسلامية عبارة عن ضوابط اجتماعية بحته إذ لا دين ولا شريعة لذا كانت قوانينهم من صنع أفراد في المجتمع.

ولكن الإسلام لم يهمل الضوابط الاجتماعية بل اعترف بها، ويمكن تقسيم الضوابط في المجتمع الإسلامي إلى ثلاثة أقسام:

-         الضوابط العقدية.

-         الضوابط الشرعية.

-         الضوابط الاجتماعية.


المطلب الأول: الضوابط العقدية:

          ومن الضوابط التي تحقق الحرية المتساوية لجميع الأفراد الضوابط العقدية التي تتمثل في احترام المسلم لعقيدته واحترام الكتابي العقيدة الإسلامية احترام المسلم أهل الكتاب.

أولا: احترام المسلم عقيدته:

          أوجب الإسلام على متبعيه احترامه، فقد جعل لهم حرية قبل الدخول فيه ولكن إذا اتبعوه فلا يصح لهم الخروج منه ومن هذا المنطلق حرم الإسلام الردة وهي:

          "ترك المسلم دينه الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى له واعتناق دين آخر غير دين الإسلام أو إيمانه بعقوبة مكفرة تتنافى مع نظام الإسلام([187]). وهذا ما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.

قال  تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:100-102).

ففي هذه الآية: يتعجب الله سبحانه وتعالى وينكر على من يرتد عن الإسلام إلى الكفر مع قوة أسباب الإيمان وقطع الكفر قال تعالى: {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} والتي تدفع الشبه والوساوس وفيكم الرسول وهو متمكن من قوة الحق([188]).

وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:217) قال الرازي في هذه الآية لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ذكر بعده وعيدًا شديدًا على الردة فقال ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واستوجب العذاب الدائم في النار([189]). فالردة محرمة شرعًا بل جعل الله سبحانه وتعالى عليها عقوبة وهي الخلود في النار.

وتحريم الردة ليس من الحجر على حرية الرأي أو حرية العقيدة لأن الحرية الرئيسية تعطى لغير المسلم قبل اعتناقه للإسلام وهو مخير إن شاء أن يدخل في ظل الإسلام أو يبقى على دينه أما بعد أن دخل في الإسلام وأصبح عضوًا في المجتمع الإسلامي فلا يجوز أن يخرج من الإسلام بحال من الأحوال.

وكذلك الولد الذي نشأن نشأة إسلامية ليس له أن يرتد بعد بلوغه لأن الله وضعه في مرتبة عالية مرتبة المؤمنين وليس له الانحدار إلى مرتبة سفلى.

وخلاصة القول إن الإسلام أعطى الحرية للمسلمين ولغير المسلمين واعترف بها كحق إنساني يجب أن يتصف به الإنسان "ولكن لا يعني هذا في عرف الإسلام أن يلغي هذا من حدود الله أو أن يعدل بعض قوانين الإسلام إلا أن يجد له استنادًا من النصوص"([190]).

ثانيا: احترام الكتابي العقيدة الإسلامية

          القصد من هذا المطلب أن الإسلام أعطى أهل الديانات السماوية حرية في عدم الدخول في الإسلام بشرط أن يحترموا العقيدة الإسلامية ولا يتعمدون إهانة شعائر الإسلام.

وأما كيفية هذا الاحترام ومظاهره فهي:

-    يلزمهم أن يتقيدوا بأحكام الشريعة الإسلامية في الدماء والأموال والأعراض أي في النواحي المدنية والجنائية ونحوها شأنهم في ذلك شأن، المسلمين، ولا يؤذن لهم بقتل غيرهم أو بعضهم البعض أو الزنا أو نحوها.

-    عليهم أن يحترموا شعور المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فلا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام ورسوله وكتابه، وليس لهم أن يروجوا العقائد والأفكار التي تتنافى مع الإسلام ما لم يكن ذلك جزءًا من عقيدتهم كالتثليث والصلب فليس لهم ترويج الإلحاد ونحوه.

-    عليهم احترام الشريعة الإسلامية وعدم معارضتها "فعليهم في كل ما يراه الإسلام منكرًا أو حرامًا في حق أتباعه وهو مباح في دينهم إذا فعلوه ألا يعلنوا به ولا يتحدوا به جمهور المسلمين([191]).

هذا من ناحية احترام عقيدة المسلمين وعليهم حقوق مالية أخرى لا داعي لذكرها هنا.

وقد شرع القرآن هذه التشريعات لسببين هما:

·   روعي في ذلك مصلحة الجميع لئلا تثور الفتن والاضطرابات بينهم وبين عوام المسلمين لئلا يكون في ذلك ترويج لعقائدهم وتحريف لعقائد المسلمين وإغراء لسفهاء المسلمين على ترك دينهم واتباع دين النصارى أو اليهود ثم يحكم عليه بالقتل ردة فتكون المفسدة أعم.

·   هذا لأنهم عاشوا داخل المجتمع الإسلامي وداخل الدولة الإسلامية فعليهم احترام هذه الدولة وهذا الشعب الذي أخذ على عاتقه حمايتهم وحماية حقوقهم ومراعاة مصالحهم وتوفير العدالة والسلام لهم الذي لا يجدونه حتى في ظل دولهم التي تعتقد كاعتقادهم.

ثالثا: احترام المسلم أهل الكتاب:

          لقد سمح الإسلام لأهل الكتاب أن يعيشوا في المجتمع الإسلامي بشرط أن يعطوا الجزية. قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29)، والجزية هي ما يؤخذ من أهل الكتاب وسميت بذلك للاحتراز بها في حق ربهم([192]) وهي مشتقة من الجزاء وعرفت اصطلاحًا بأنها مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب([193]). فأهل الكتاب في حقيقتهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق وبسبب هذه الأوصاف أوب الإسلام محاربتهم حتى يذعنوا للإسلا بالدخول فيه أو دفع الجزية وذلك لإزالة العوائق المادية منجهة ولتحرير الناس من الدينونة بغير دين الحق على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار "يكسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الق وعندها يتم التحرير بضمان كل فرد أن يختار الدين الق على اقتناع ما لم يقتنع بقي على عقيدته وأعطى الجزية"([194]) ورغم ذلك فقد منحهم الإسلام الكثير من الحقوق منها:

-         "يجب أن يترك أهل الذمة أحرارًا في معابدهم وأحوالهم الشخصية وأباح لهم التمسك بعقائدهم"([195]).

-    أباح لهم التمتع بما هو حلال عندهم وإن كان هذا الحلال حرامً عند المسلمين كالخمر والخنزير ولم يفرض عليه أدنى عقاب لذلك([196]).

-         عند موت أحدهم يترك لهم أمر تركته حتى يقسمونها كما هو في دينهم ولا يتدخل في شؤونهم إلا إذا طلبوا هم ذلك.

-    أباح لهم بناء الكنائس في المدن المفتوحة على ما اصطلحوا عليه هم وإمام المسلمين فيكون التوزيع على طريقة الشريعة الإسلامية وأم المدن التي بناها المسلمون فلا يجوز ذلك([197]).

-    كفل لهم حرية اعتقادهم وحقهم في ممارسة عبادتهم وإظهار شعائرهم الدينية في أمصارهم وأعيادهم الخاصة ولو كان يساكنهم نفر من المسلمين ومنع إكراههم على غير ما يعتقدون وإن كانوا في القرى والبلاد الإسلامية الخالصة فللدولة الإسلامية الخيار في أن تطلق لهم في ذلك أو تضع القيود على حسب المصلحة العامة([198]).

-    "لهم حق التعلم وتعليم أبنائهم مبادئهم فلهم إقامة المدارس الخاصة بهم ولا يوجد ما يمنعهم من حرية إبداء الرأي والاجتماع بشرط عدم إساءة استعمال الحق كأن يبشروا بدينهم"([199]).

-         لهم الحرية في التخلف عن دعوة القضاء إن صادفت هذه الدعوة يومًا من أيام أعيادهم.

-         لهم حرية مزاولة المهن والحرف والأعمال التي يشاؤون ولهم حرية السكنى والانتقال أنى شاؤوا([200]).

ونختم هذا المطلب وهذا المبحث بعهد سيدنا عُمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل إيلياء (القدس) بعد الفت يمثل هذا العهد مطلق التسامح والحقوق التي راعاها الإسلام لأهل الذمة:

" بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقض منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، على أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغ مأمنه ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبانهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتلا فلان فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع على أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلقاء وذمة المؤمنين إذا أعموا الذي عليهم من الجزية".

شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمسة عشر للهجرة([201]).


المطلب الثاني: الضوابط الشرعية:

تتمل الضوابط الشرعية في العقوبة والعقوبة هي "الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع والمقصود منها إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد واستنقاذهم من الجهل"([202]). فالمقصور من العقوبة أمران إصلاح المجتمع وحمايته ففيها إجراء وقائي وعلاجي في آنٍ واحد.

لقد ضبطت الحرية بالعقوبة لأن الله سبحانه وتعالى منع الناس من بعض الأعمال لأنها تعود بالضرر على إنسان والإنسانية، ولما كان الإنسان يحب العجلة ولا يفكر في عواقب أمره كان من الممكن أن يفعل هذه الأفعال رغم خطورتها ومنة من الله سبحانه وتعالى ورتحمة منه جعل لها عقوبات، من يتجاوز تلك الأفعال يعاقب عليها حتى لا تسول لامرئ نفسه في اختراق حق المصلحة العامة.

والعقوبة إما أن تكون حدودًا حدها الله سبحانه وتعالى وعلى الحاكم أن ينفذها وإما أن تكون غير حدود وتشمل القصاص والتعازير والكفارات.

أولا: الحدود:

الحدود هي التي وضع لها الشارع الحكيم حدًا لمن يتجاوز ذلك الفعل لا يجود الزيادة عليه ولا النقصان عنه ولها أنواع عديدة منها:

1- حد الزنا:

للزنا حالتان إما أن يكون محصنًا وإما أن يكون غير محصن وحدد الإسلام لكل منها عقوبة أما عقوبة غير المحصن فقد قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور:2)، وأم المحصن فعقوبته الرجم لحديث جاء رجل من أسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم اعترف بالزنا فأعرض عنه ثم اعتراف فأعرض عنه حتى شهد أربع مرات فأمر به فرجم"([203]) فقد اعتبر الإسلام الزنا جريمة ضد الأخلاق وشرف الشخص وليست من جرائم الزواج الخاصة التي لا تهم إلا الزوجين([204]).

ووضعت عقوبة الجلد على أساس محاربة الدوافع التي تدعو للجريمة والدوافع التي تصرف عن الجريمة فالدافع للجريمة اللذة والدافع عنها الألم فألم العقوبة ينسي متعة اللذة والتفكير فيها.

وأما عقوبة الإحصان فلما كانت مضنة الزنا بعد الإحصان نادرة إلا الذي لم يتمكن العلاج منه ولم يبق به فائدة للعلاج وكذلك حودث المشاكل واختلال الأم والفوضى يكون أكثر مدعاة إذا اعتدى الرجل على عرض أخيه وهناك ما يؤيد هذه العقوبة في العقوبات الحديثة فهي لا تختلف عن الرمي بالرصاص أو اشنق أو الكهرباء أو التسمم فلكها عبارة عن موت بطيء بل يمكن أن يكون الرجم أسرع من بعض هذه فهناك مئات الأشخاص برمون هذا الزاني رمية رجل واحد([205]).

2- حد القذف:

هو الجلد وعدم الأهلية لشهادة قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور:4-5) لأن القاذف يؤلم المقذوف إيلامًا نفسيًا والجلد يؤلمه كذلك إيلامًا بدنيًا فهذا الجلد يعني الإيلام الحسي يساوي الإيلام النفسي وأما عدم الأهلية للشهادة فإن القاذف يحقر المقذوف فاستحق القاذف التحقير وذلك بعدم قبول شهادته من المجتمع ككل وليس من المقذوف فقط.

3- حد السرقة:

          حد السرقة هي قطع اليد قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38)، وفائدتها فهي أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ويريد أ، ينميه عن طريق الحرام وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطع في ثمر عمل غيره فالدافع إلى السرقة زيادة الكسب والقطع يؤدي إلى نقص الكسب([206]).

4- حد الحرابة:

          عقوبة الحرابة هي القتل أو القتل والصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:33-34) عقوبة قطع اليد والرجل من خلاف وضعت على نفس أساس عقوبة السرقة وغلظت للمناسبة بينهما لأن قاطع الطريق يكون على ثقة من النجاة ويسرق جهارًا ويطارد، لو افترضنا بأن هناك سارق سرق مرة أخرى بعد العقوبة فإنه يقطع منه جزء آخر وقاطع الطريق يسرق عدة مرات وبشكل مرعب ويخل الأمن.

          وأما عقوبة النفي فإنها للذي يخل بالأمن ويخيف الناس فعوقب بعدم الاستقرار في الأرض وكأنه مطرود وخائف.

          وأما عقوبة القتل والصلب فالقتل على أساس القصاص والصلب تخويفًا للجمهور.

ثانيا: غير الحدود:

1- القصاص:

          وأما عقوبة القتل فهي القصاص قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:178-179). الدافع للقتل هو تنازع البقاء وحب التغلب والاستعلاء فإذا عل بأنه سوف يقتل فلن يقدم على قتل أخيه. وكما قيل "بوجودم عقوبة القصاص يتوفر الأمن والاستقرار ويتمتع النظام العام بجميع مقوماته الحيوية لنشر العدالة والسعادة بين البشر وشرعت عقوبة القصاص على أساس معرفة نفسيات الإنسان وحبه للبقاء والأثرة والاستعلاء"([207]) فإذا علم المعتدي بأنه سوف يلاقي نفس مصير من اعتدى عليه فإنه لن يعتدي على أحد([208]).

2- التعازير:

          وأما عقوبة التعازير فقد ثبتت بالأدلة التالية: قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} (النساء: من الآية34).

          فقد استدل بهذه الآية على أن التعزير غير محدد غذ لم يحدد كم مدة الهجران ولا كم عدد الضرب بل راجع إلى المصلحة فمتى ما تحققت امتنع الضرب أو الهجر لقوله تعالى: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}.

          وقال تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(التوبة:118)، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى تاب الله عليهم ولم تكن المقاطعة عقوبة محددة، بل كانت التعازير أقل وضررها أهون جعلت تحت تصرف القاضي الذي يجب أن يراعي المصلحة العامة ولا يراعي مصلحة شخصية وكذلك لأنها تمس المجتمع جعل البت فيه من حق الحاكم.

3- الكفارات:

     دلت على عقوبة الكفارات الآيات التالية:

قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة: من الآية184)

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} (المائدة:95 .

وقال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (البقرة:196)

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} (المجادلة:3-4)

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:92).

وقال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89).

          فلما كانت عصيان لأوامر الله وخلافًا لنواهيه فجعلت العقوبة تى يتجدد إيمان الفرد ويزيد ارتباطه بالمجتمع.

فائدة هذه التشريعات بشكل عام هو:

·       انتشار الأمن والطمأنينة وذلك إذا أقيمت الحدود وامتنع أصحاب الجرائم من ارتكاب جرائمهم فيسود الأمن.

·   حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل فتحريم الردة حفظًا للدين، وذلك إذا علم الإنسان بأنه إذا ارتد عن دينه فسوف يقتل فلن يرتد، وحفظ النفس بتحريم القتل فإذا علم الشخص الذي ينوي قتل أحد بأنه إذا قتل فسوف يقتل فلن يقدم للمعصية.

·   وحفظ المال بتحريم السرقة وحفظ العرض بتحريم الزنا والقذف وحفظ العقل بتحريم الخمري فإذا علم من تسول نفسه بارتكاب هذه المحرمات بأنه سوف يعاقب فلن يقدم عليها([209]) وهذه الضرورات الخمس يجب الحفاظ عليها لأنها مقومات المجتمع.

·   طاعة الله تعالى إذ أن الله أمر بإقامة هذه العقوبة فإذا أقامها المجتمع رضي الله عنهم واستحقوا ثوابه وتنمو في نفس الجاني والمجتمع ككل عوامل الخير وتكبو عوامل الشر لذا فلإقامة الحدود عامل نفسي([210]) وديني إذ تهذب النفوس وتعلقها بالله.

·   شفاء لما في الصدور من غل وحقد اتجاه الجاني فبالقصاص يعرف ولي المقتول بأن القاتل قتل فلا يطلب الثأر وبقطع اليد علم صاحب المال بأن السارق عوقب فلا يكون في نفسه بغض وحسد وهكذا باقي العقوبات.

·   تأديب الجاني وذلك بتطهيره من المعاصي ويرى أن المجتمع كله ضده ونبذه وأقام عليه الحد متمثلاً في حاكمه وأعانه المجتمع على ذلك ولذا قيل بأن لإقامة الحدود أثر اجتماعي.

·       تكفير الذنوب التي ارتكبت بسبب مخالفة الله فمن أذنب ذنبًا وأقيم عليه الحد وهو تائب فكأنه لم يذنب.


المطلب الثالث: الضوابط الاجتماعية:

     كما أن للحرية ضوابط عقدية وشرعية لها ضوابط اجتماعية والضوابط الاجتماعية عبارة عن العادة والعرف.

أما العادة فهي "كل عمل خيرًا كان أو شرًا يصير عادة بميل النفس إليه وإجابة هذا الميل بإصدار العمل مع تكرار ذلك"([211]) وعلى هذا تكون العادة فعل متكرر يفعله الإنسان ويميل إليه.

وأم العرف فهو في اللغة كل ما يتعارف عليه من أفعال([212]) والعرف في الاصطلاح قيل بأنه "العادات الجماعية التي أثبتت صلاحيتها وملائمتها للمجتمع وأصبحت سوكًا عامُا يمارسه الأغلبية العظمى من أفراد المجتمع، وتتكون من ركنين مادي وهو ممارسة سلوك معين، ومعنوي وهو الشعور وضرورة احترامها"([213]) وقيل العرف "ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول"([214])، وقيل العرف "ما اعتاده جمهور الناس وألفوه من فعل شاع بينهم أو لفظ تعارفوا على إطلاقه على معنى خاص بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره"([215]).وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات للعرف نجد أنها تدور حول معنى واحد وهو الأمر الذي يعتاده مجموعة من الناس ولكن التعريف الأخير يزيد فيه قضية التعارف باللفظ فالعرف عندهم قسمان فعلي وهو العمل المعتاد وقولي وهو اللفظ الذي اعتاد الناس إطلاقه على فعل معين أو معنى خاص مثاله إطلاق لفظ الولد في العرف على الذكر دون الأنثى رغم أنه في الأصل اللغوي يستخدم للذكر والأنثى.

والعرف "وسيلة مهمة وجوهرية وأساسية في الضبط الاجتماعي وهو معتمد في وجود القانون وفي عدم وجود القانون وتظهر أهميته في رعاية القيم الروحية والخلقية"([216]).

وتكمن أهمية العرف في أن الفرد لا يستطيع مخالفة المبادئ العرفية الموجودة في المجتمع ولو فعل لتعرض للجزاء الاجتماعي، لهذا كان للعرف دور أساسي في ضبط الحرية.

ولما جاء الإسلام وجدت في ذلك العصر نوعان من الأخلاق أخلاق تحسنة حث القرآن الكريم ودعا إليها مثل قول الصدق قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119) وقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (الزمر:33)

ودعا إلى ترك العادات السيئة لأنها ضارة بالفرد والمجتمع فقد نبذ الكذب قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (النحل:105) ،ونبذ كذلك الظلم الذي كان منتشرًا في العصر الجاهلي قال تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} (الفرقان: من الآية19).

وبعد أن خلَّص القرى،المجتمع من العادات السيئة واقر العادات الحسنة أمر بالتزامها قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (لأعراف:199) أي خذ من أخلاق الناس وأعمالهم الحسنة([217]).

ومراعاة العرف والعادة أمر مشروع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ........ رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"([218]) وللقاعدة الفقهية المشهورة العادة محكمة([219]). وقد اعتبرت العادة العرف مرجعًا في الكثير من المسائل الفقهية مثل البناء على الصلاة في الجمع والخطبة والجمعة وفي الشرب والسقي بالأنهار المملوكة ونحوها([220]).

إذا فللضوابط الاجتماعية دور في ضبط الحرية فمثلاً مخالفة الآداب الاجتماعية العامة يعتبر مرفوضًا فالإنسان الذي يخرج من منزله إلى الأماكن العامة لابسًا ما يستر عورته فقط يرفضه المجتمع ويعتبره شاذًا ولا يمكن أن يقر اجتماعيًا رغم أنه غير محرم شرعًا.


المبحث الرابع: الحرية في الإسلام وفي المذاهب الوضعية.

أتهم الإسلام في العصور الحديثة من قبل أعدائه والخائفين على نفوذهم من انتشاره وإيمان الناس به بالتضييق والتقييد لحرية أتباعه، وقد أكثروا في ذلك القول والافتراء حتى تنطلي خدعهم على ضعفاء العقول، وقد نادوا بمبادئ في رأيهم هي الحرية وهي الخلاص من قيود الإسلام والعادات التي يتصورونها، وما علموا بأن ما قالوه هو التقييد وهو الضيف وأن ما اتهموه بالقيد هو مطلق الحرية الذي يترك الإنسان يرفرف في أمان ومودة ومحبة إذ ليست الحرية هي الجري وراء الأهواء مهما تكن هذه الأهواء ضارة للمجتمع معارضة لحقوق الناس بل الحرية هي احترام المبادئ والقوانين واعتراف الفرد بحقوق الناس ومراعاتها.

ومن هذا المنطلق أحببت أن أبين آراء الأنظمة السياسية الوضعية في الحرية .

المطلب الأول: الحرية في المذهب الفردي (الرأسمالي)

          قبل أن أتعرض إلى آراء هذا المذهب في الحرية لا بد من تعريف هذا المذهب ومتى وجد.

1- ما هو المذهب الفردي:

          "المذهب الفردي هو الفلسفة السياسية للنظام الديمقراطي كما أن النظام الرأسمالي هو التطبيق العملي لهذه الفلسفة في المجال الاقتصادي([221]).

          ومن هذا التعريف يتبين أن للمذهب الفردي اتجاهين اقتصادي وهو المسمى بالنظام الرأسمالي وسياسي وهو المسمى بالديمقراطية، وأما تعريف الرأسمالية "فهي النظام الاقتصادي الذي يقوم على الملكية الخاصة لموارد الثروة ويطلق المجال لحريات الأفراد والمشروعات الخاصة ويعد الربح حافزًا أساسيًا على التقدم الاقتصادي والاجتماعي"([222]) ويظهر في هذا التعريف تعبير الحرية هي حريات الأفراد في عل ما شاؤوا من الأعمال الاقتصادية، وأما لجانب السياسي وهو النظام الديمقراطي "فهو حالة سياسية تكون فيها السيادة للمواطنين كافة بلا تمييز على أساس المولد والثروة أو القدرة([223]) هذا هو تعريف الجانب السياسي وكذلك يظهر فيها حرية الشعوب في اختيار الحاكم ولسنا في حاجة إلى التطويل في التعريف فالمراد هو صلة هذه المذاهب بالحرية.

2- نشأة المذهب الفردي:

          أم اعن ظروف نشأته فقد قيل: " ظهر هذا النظام بعد انتهاء النظام الإقطاعي وتدهور النفوذ الاقتصادي للملاك وسعود الطبقة الوسطى وله صلة وثقة بالثورة الصناعية واقتران بسياسة الحرية وابتعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية"([224]).

          أما عن تأريخ نشوئه "فقد ظهر في القرن الثامن عشر ونادى بتقديس الحريات الفردية وتحقيق مصالح المحكومين وتأكيد حياد سلطة الدولة تجاه نشاط الأفراد"([225]). وقيل إن الحرية الاقتصادية سادت في القرن التاسع عشر ومقتضاه أن مصلحة المجتمع تتحقق في ترك الأفراد أحرارًا دون تدخل من جانب الدولة([226]) ويمكن الجمع بين هذين الرأيين في أن المذهب الفردي كنظام سياسي نشأ في أواخر القرن الثامن عشر، وكنظام اقتصادي نشأ في أوائل القرن التاسع عشر يؤيد هذا القول ما ذكره إسماعيل بدوي حيث قال "وظهر المذهب الاقتصادي الحر أو الرأسمالي نتيجة لظهور هذا المذهب"([227]) أي الفردي.

3- آراء المذهب الفردي في الحرية:

          بعد ما تكلمت عن تعريف المذهب الفردي وعن ظروف نشأته وتأريخ نشأته أتكلم عن آراء هذا المذهب في الحرية.

1-      إن الحريات العامة هي الحقوق الطبيعة للأفراد أي أنها خاصة بالإنسان فهي مقدسة لا يصح التنازل عنها وإن جاز أن تحدد بحدود وتنظم ممارستها للفرد.

2-             يجب على الدول ألا تتعرض للأفراد عند ممارستهم حرياتهم.

3-             يجب أن يترك كل شخص حرً في تحقيق مصلحته الشخصية فلا يجوز المساس بالحرية.

4-             ترك الحرية للفرد يعتبر تحقيقًا للمصلحة العامة لأنها مجموعة من مصالح الأفراد.

5-             ينبغي ألا تراقب الدولة حرية الأفراد الاقتصادية لأن الرقابة الاقتصادية هي رقابة الحياة بأسرها.

6-             يرى أن الحرية سابقة على وجود الدولة لذا فالحرية لا تقبل التقييد مطلقًا.

7-             يعتني هذا المذهب بالحرية السياسية أكثر من غيرها ويسميها الديمقراطية.

8-             يؤمن بأن مصلحة الفرد لا تتعارض مع مصلحة الجماعة لأن الجماعة مجموعة من الأفراد.

9-             تستلزم هذه الحرية تنظيمًا قانونيًا يعترف للفرد بحريات أخرى كحرية التملك.

10-        يرتكز المذهب الفردي على الحريات الذاتية الحريات السياسية([228]).

وبالنظر إلى هذه الآراء وهذه المبادئ نستطيع أن نستخلص الكثير من التناقض والقصور في هذه المبادئ، وهي:

-         الرأسمالية نظام مادي ينطلق من مبدأ الاستبداد بالحكم دون الله والأصل في الحاكمية أن تكون لله.

-    الرأسمالية مادية لأنها تجعل القيمة التامة للمصلحة وتقيم الحقائق الأخرى من دين وأخلاق وتعد ما تنطوي عليه من تلك القيمة المادية.

-         انطلقت الرأسمالية العقلية النفعية من المصلحة الذاتية فقضت على القيم الأخلاقية لأن من انحسر تفكيره في ضمن نطاق ضيق المصلحة لا يستشرق ليرى جمال القيم الخلقية وروعتها فالرجل الرأسمالي يعيش بعيدًا عن المناقب السلوكية ولا ينظر إلى الحياة غلا من زاوية المصالح الخاصة.

-    عندما أطلقت الرأسمالية الحرية الاقتصادية تكتلت الأدمغة البشرية ومضت قدمًا في تحقيق مصالحها الذاتية وأحرزت ثروة طائلة وصارت هذه الثروة كل شيء بالنسبة إلى أمة المصالح التي تسودها العقلية النفعية بصورة كاملة([229]).

-    يقول في البند الثالث بأنه يجب أن يترك كل شخص حرًا في تحقيق مصلحته الشخصية، ولكن قد يوجد ضعفاء لا يستطيعون تحقيق مصالحهم فهو بذلك يهمل هؤلاء الضعفاء ولا يعينهم في الوصول إلى حقوقهم المشروعة بل يعتني بالأقوياء فقط.

-    يقول في البند الرابع ترك الحرية للفرد يعتبر تحقيقًا للمصلحة العامة لأنها مجموعة من مصالح الأفراد، غير أن الملاحظ أنه قد لا يوجد انسجام في بعض الأحيان بين حريات الأفراد بعضهم البعض وبين حرياتهم ومصلحة المجتمع، فمثلاً في الإنتاج الزراعي م مصلحة المنتج تقليل الإنتاج حتى ترتفع القيمة ومصلحة الجماعة العكس وهو زيادة الإنتاج حتى تنخفض القيمة وهو ما يعارض البند الثامن كذلك الذي ينادي بأن مصلحة الفرد لا تتعارض مع مصلحة الجماعة وقد رأينا أنها قد تتعارض.

-    في البند العاشر يقول أن هذا المذهب يرتكز على الحريات الذاتية والحريات السياسية، وهذا يسبب ظلمًا للإنسان وذلك لأن السلطة تكون في النهاية تحت سيطرة القوة الاقتصادية التي سيمتلكها بناء على هذا النظام قلة من الناس والديمقراطية الحقيقية تكمن في توزيع الموارد الاقتصادية حتى تكون فرص السيادة متساوية للجميع حتى لا يكون ضغط اقتصادي على أحد.

-    الحقوق والحريات تظهر بظهور احتكاك الأفراد بعضهم ببعض وهذا بدوره يؤدي إلى إقامة الدول على شكل بسيط أو واسع بحسب كثرة تلك المجتمعات، وبعد ذلك تنظم هذه الحالة السياسية علاقات الأفراد فتظهر الحقوق والحريات.

-    من ناحية عامة فإن هذا المذهب يحقق بعض الحريات من الناحية القانونية دون أن تمس الواقع فهو يضمن حرية التملك والعمل والإنتاج والاستهلاك والمنافسة ولكنه لا يضمن للفرد بأن يكون مالكًا أو أن يجد عملاً أو أن يكون منتجًا أو منافسًا فهو لا يضمن الحريات الاقتصادية فلذلك تقتصر على الأقوياء دون الضعفاء.

المطلب الثاني: الحرية في المذهب الاشتراكي:

          المذهب الاشتراكي هو المذهب الثاني بعد الرأسمالي الذي اشتهر في العالم في القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر([230]) لذا كانت له نظرته الخاصة في موضوع الحرية ولكن قبل عرض مبادئ هذا المذهب يجدر التعريف به وذكر ظروف نشأته.

1- تعريف المذهب الاشتراكي:

          عرفت الاشتراكية بأنها "مذهب اقتصادي وسياسي يعارض النظام الرأسمالي الذي يقوم على الملكية الفردية والمشروع الخاص، ويدين بالحرية الاقتصادية ويقر الفوارق بين الطبقات([231]). ونلاحظ على هذا التعريف مخالفته للنظام الفردي الرأسمالي في قضية جوهرية وهي الملكية الفردية، فهو ينكر حرية التملك ويقر أن المصادر هي ملك الجميع، وأما قوله بأنه يدين بالحرية الاقتصادية فما المقصود منها وهو منع الملكية الفردية إلا إذا كان يرى بأن لكل فرد الحق في عمل ا يناسبه وما يتمشى مع ميوله الشخصية وهو كذلك يخالف النظام الرأسمالي في مسألة المساواة بين الطبقات فالمذهب الاشتراكي يقر الفوارق الطبقية.

2- ظروف نشأة هذا ا لمذهب:

          بعد التعريف بهذا المذهب ولاحظنا أنه نشأ للرد على النظام الرأسمالي الفردي لذا تكون نشأته "عندما عجز المذهب الفردي عن حل مشكلات المجتمع الذي أدى لظهور طبقة من الرأسمالية القلة ووجود أغلبية فقيرة"([232]) فظهر هذا المذهب لحماية الفقراء والعمال وأخذ حقوقهم من أصحاب العمل. وأما عن تأريخ ظهوره "في إثر الثورة الصناعية وما ترتب فيها من ظهور فوارق بين الطبقة العمالية وغيرها وتكدس الثروات وبعد ظهور الآراء المناهضة للرأسمالية فظهر كارل ماركس ويرى أن الاشتراكية مرحلة محتومة تؤول إليها الرأسمالية بناء على تفاعل قوانين لا قبل للأفراد بمعارضتها أو الوقوف في سبيلها"([233]). إذن الاشتراكية هروب من أخطاء الرأسمالية ولكنهم عارضوا الرأسمالية بكل ما فيها من محاسن ومساوئ فلم تكن الاشتراكية أرحم من الرأسمالية على الإنسانية لذا لم تلبث أن تلاشت واضمحلت كما تشاهد في العصر الحاضر.

3- آراء الاشتراكية في الحرية:

          لقد اعتنى مذهب الاشتراكية بالجماعة ولم يعتن بالفرد إلا لأنه جزء من هذه الجماعة فهو يجعل نصب عينه مصلحة المجتمع مما أدى إلى الإضرار بالمصالح الفردية ويمكن استخلاص هذا من خلال آرائهم:

1-             ألغى النظام الاشتراكي حرية التملك الخاصة من قبل الأفراد وجعل الدولة تملك جميع أدوات الإنتاج([234]).

2-             تقوم الدولة بتوفير جميع الخدمات الصحية والتعليمية وليس للأفراد حرية في إقامة مدارس أو مستشفيات خاصة([235]).

3-      يستهدف المصلحة العامة لن الفرد خلية في كيان المجتمع وحقوق امتيازاته مؤقتة تمنحها له الجماعة أو تسحبها عنه([236]).

4-             الفرد ليست له حقوق مستقلة عن المجتمع وليست له حقوق طبيعية ثابتة([237]).

وإذا نظرنا إلى هذه الآراء نجدها مجحفة بحق الحرية البشرية فهي قمة التقييد والتضييق فهناك إفراط في الحرية عند الرأسمالية وتفريط فيها عند الاشتراكية ويثبت هذا التفريط من خلال هذه العناصر:

(1)     في البند الأول إلغاء حرية التملك، ونحن نعلم أن التملك أو حب التملك غريزة إنسانية طبع الإنسان عليها فكيف نستطيع أن نمنعه شيئًا خلق حبه في قلبه، ولكننا يمكن أن نهذب هذه الطبيعة وهذه السجية عن طريق بعض القيود التي يجعلها متوافقة ومع المصلحة العامة وخير البشرية كما هو في الشريعة الإسلامية وهذا القول يشمل كذلك البند الثاني.

(2)     في البند الثالث يقول بأنه يستهدف المصلحة العامّة لأن الفرد خلية في كيان المجتمع، حقًا إن الفرد خلية في كيان المجتمع ولكن لا يترك هذا قناعة بأن تهمل مصلحته الشخصية وينظر إليه كقطعة صماء في بناء المجتمع بل ينبغي مراعاة شعوره وأحاسيسه وآرائه ورغباته حتى يكون عاملاً فعالاً وخليقة حية تدر على المجتمع الخير الوفير والفائدة العامة فيعمل لمصلحة المجتمع وفي تحقيق السعادة لأبناء جنسه مع تيقنه بأن له النصيب الوافر من هذا الشقاء الذي يقوم به في سبيل إسعاد الإنسانية وكذلك الرد على البند الرابع.

(3)     وفي نظرة عامة لا نطيل الجواب على هذا المذهب فقد أثبتت الأيام فشله وها نحن نرى في العصر الحاضر انهيار الأنظمة الاشتراكية واحدًا بعد الآخر وتلاشيها فالذي يتمسك بها مع هذا إنما هو مغالط للواقع وليس هذا مجال تحليل هذا المذهب وتتبعه إذ أننا نريد الجانب الذي به حرية منه فقط واتضح لنا أنه يمتهن الحرية ولا يعترف بها إذ كل همه مراعاة الجماعة بصفة مجتمع وليست بصفة أفراد.

المطلب الثالث: الحرية في المذهب الوجودي

1-  متى نشأ مذهب الوجودية:

          ظهر هذا المذهب في القرنين التاسع عشر والثامن عشر وذلك بعد قيام الثورة الصناعية([238]). ويتميز مذهب الوجودية بميله إلى الوجود "إن غرضه الأساسي هو كل موجود أو هو وجود كل ما هو موجود في الواقع والحقيقة"([239]) فعندهم على الإنسان أن يثبت وجوده ويثبت ذاته ويجب على هذه الذات أن تثبت نفسها بكل ما تستطيع من خير أو شر فميدانها التي تسبح فيه هو الذات الإنسانية وهو يؤله هذه الذات تأليهًا تامًا ومطلقًا"([240]).

          وتعتبر الحرية من أهم ما ركزوا عليه، إذ يرون أن الذات الإنسانية لا تتحقق إلا إذا كانت حرة وإن الحرية تعتبر إحدى الأركان الأساسية التي تستند عليها الفلسفة الوجودية وأعطتها كل الأهمية في الوجود الإنساني حتى أنها جعلت من الحرية الشيء الذي لا يستطيع الإنسان أن يعش بدونه يقول سارتر في جميع كتبه الأدبية "إن الإنسان حر وهو محكوم عليه بالحرية"([241]) ولكن الحرية عندهم ليست حرية حقيقية بل هي "ترك الحبل على الغارب للناس في كل ما يصنعون فإذا تركتهم بفعلون كل ما يريدون ارتكبوا أمورًا سيئة"([242]) وهذا  ما جعل الحرية عندهم متناقضة وسوف يتضح هذا عند الرد على آرائهم في الحرية، ولا ينبغي أن نغفل جانبًا مهمًا وهو أن الوجودية عندما تنتشر في مجتمع يتعطش إلى الحرية في جميع صورها "فإنها لا تؤثر فيه كنظرية مجردة حول الحرية بقدر ما تحفزه على النداء والمطالبة بها"([243]).

2- آراء الوجودية في الحرية: ([244])

1-             الحرية مفهوم إنساني وأن الإنسان حر وهو محكوم عليه بالحرية.

2-             الحرية هي السابقة على ما سواها والحرية الوجدانية متقدمة على الحرية السلوكية.

3-      ترفض تحديد الحرية بحدود فيقول سارتر في روايته الذباب "لم يكن الواجب خلقي حرًا فإنك لم تكن تخلقني حتى امتنعت عن أن أكون ملكً لك وليس في السماء خير مطلق أو شخص من الأشخاص قار على توجيه الأوامر لي ذلك لأنني إنسان وعلى كل إنسان أن يخلق طريقه"([245]).

4-             يرون أن الحرية شاملة في اختيار كل شيء في حياة الإنسان كوجوده لأن الحرية في نظرهم هي "الحقيقة الإنسانية الملازمة للإنسان في حياته ولا وجود للجبر والحتمية مطلقًا في تفكيرهم"([246]) والفرد جوهرة الحرية التي تؤكد نفسها في مقابل ما عداها"([247]) " وطابع الوجود هو الاختيار والتغيير والإنفراد والذاتية ولا يوجد انفصال بين الحرية والذات([248]).

5-             الإرادة والعاطفة عنصران هامان من عناصر إدراك الذات.

6-      يرون أن الحرية هي المصدر الوحيد لكل قيمة وأنها لا غاية لها غير أن تريد نفسها فنحن نريد الحرية من أجل الحرية ويقول في ذلك إن ما أصنعه ليس مهمًا بل المهم مدى ما استمتع به من الحرية في صنعي له([249]).

7-      الإنسان عندهم يملك إرادة اختيار نوع الحياة التي يريد أن يعيشها وهو الذي يحدد مصيره كوجود إنساني وذلك كله ي إطار الحرية([250]).

وهذه أهم الآراء التي ينادون بها والتي تدل على إلحادهم وإنهم كالأنعام بل هم أضل، فأرادوا أن يشبعوا غرائزهم الشهوانية بهذه الدعوى التي يدعونها ويذروا الدين وراء ظهورهم ولقد انبرى العلماء من ظهور هؤلاء الفوضويين وإلى وقتنا الحاضر في الرد عليه وبيان زيغ آرائهم وإذا نظرنا نظرة بسيطة إلى كتابات هؤلاء الملاحدة نجد التناقض، ونجد عدم إمكانية تطبيق هذا الهراء في حقيقة الواقع، فقد صادموا الواقع والفطرة فأرادوا أن يغيروا هذه الأفكار قليلاً وذلك يتضح من بعض كتاباتهم فمثلاً يقول أحدهم: "لا يسعني أن أعتبر الحرية هدفًا لي إلا إذا اعتبرت حريات الآخرين هدفًا لي أيضًا ويقول حريتك أن تري نفسها أو أن تخرج من فرديتها وأن تريد الحرية عند الجميع"([251]) ويقول سيمون دي في ذلك "لفكرة التحرير معناها المادي والملموس يجب أن يكون الفرح بالوجود قائمًا في كل فرد من الأفراد"([252]) وهذه الدعوة إلى أن تكون الحرية حقًا للجميع وبنفس المستوى يستلزم تقييدها بقيوم هي قوانين عامة متساوية لدى الجميع ليس بها ظلم على أحد وهذه القوانين هي التي تجعل الحرية كاملة كما يقال "لا أكون حرًا بصورة كاملة إلا عندما يكون البشر كلهم أحرارًا وغلا عندما تكون القيمة قانونًا عامًا عند الجميع فمع وحدة البشرية تكون الحرية"([253]).

وأما الردود على آراء هذا المذهب فمنها:

1-      كثرًا ما يرفض أتباع هذه الفكرة تحديد الحرية وذلك يظهر في رأيهم الثلاث والرابع ويجب على الإنسان أن يحقق رغباته وكما يقال: "الرغبة الأساسية التي يشعر بها أي واحد من الناس هي أن يملك أوقاته بالمتعة دون أن يتحمل مسؤولية أي انضباط ولكن النظام الكوني قائم على ضرورات لا مرد لها فإن لم تخضع لهذه الضرورات شقي لأن الحرية تفاعل يتم بين الإنسان والأنظمة الكونية المحيطة فيجب أن تخضع الحرية للضرورة ولا العكس"([254]) أي تكون مطلقة دون حدود وقيود تفرض عليها([255]).

2-      في البن السابع إن الإنسان يملك حياته ويملك مصيره وهذا تناقض مع الواقع فلو كان الإنسان يملك مصيره لأبعد الموت عنه ولو كان يملك الحياة التي يعيشها لأبعد الفقر والحزن وجميع منغصات العيش التي يرزأ بها الناس على اختلافهم.

3-      في البند السادس يرى بأن الحرية مصدر لكل قيمة نعم إنها مصدر لبعض القيم وليست مصدر لكل القيم فالعبد المملوك عنده الكثير من القيم، ومن أعظم القيم عدم الإضرار بالآخرين الذي ينافي إطلاق الحرية.

4-      من خلال البند الأول والثاني يظهر كلام إنشائي المقصود به ترويج هذه الكفرة وخداع بعض ضعفاء النفوس بهذه الكلمات الرنانة عن الحرية، وأنها مفهوم إنساني ولحرية الوجدانية السابقة على السلوك. وهذا كله تستطيع أن تقول فيه بأنه مهما كان فيه نوع من الصحة لا بد من أن يقيد بقيود لتحقيق هذه الحرية للجميع وبدرجة واحدة.

وأخيرًا إننا نقول إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون متناسقًا ومنسجمًا مع بعضه البعض، وكل كائن فيه يدور حول حلقة معينة لا يستطيع تجاوزها، ونعم إن للإنسان إرادة واختيار هذه الإرادة هي التي تبين سلوك الإنسان "لا يمكن أن تجاوز الإنسان ذاته وهذا ما يدين به الوجوديون أنفسهم وعندما يتجاوزون ذلك متجاهلين هذه الحقيقة ويتصادمون مع الواقع وقفوا مستسلمين لما يسمونه بالقلق واليأس والسقوط"([256]).

إذًا ليست حرية مطلقة بل مرهونة باليأس والسقوط والقلق، أما المؤمن الحقيقي الإيمان المرتبط بالله فيدرك أنها ليست حرية مطلقة بل مقيدة بحسب ما يفيد البشرية فلا قلق عندهم ولا سقوط ولا يأس.

المطلب الرابع: الحرية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

كانت أوروبا والعالم الغربي معًا ترزخ تحت نير الظلم والجهل وذك في العصور الوسطى، وقام المفكرون في أوروبا والعالم عامة بالتحذير من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، حيث ظهرت الثورة الفرنسية الكبرى فأصرت إعلان حقوق الإنسان، وهو أول إعلان في أوروبا ولكنه اقتصر على الدعاية دون أن يطبق على أرض الواقع على أن تبنت هيئة الأمم المتحدة ذلك وأصرت في العاشر من كانون الأول عام 1966م الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية([257]) والذي نعنيه في هذا المطلب هو حق الحرية وماذا نظر إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

1- مواد إعلان حقوق الإنسان في الحرية الشخصية:

          جاء في المادة الأولى يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق وقد وهبوا عقلاً وضميرًا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء([258]).

          وجاءت اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م في الفقرة الأولى من المادة التاسعة لكل فرد الحق في الحرية والسلام الشخصيين ولا يجو حرمان أحد من حريته إلا على أساس من القانون وطبقًا للإجراءات المقررة([259]).

2- حرية العقيدة والفكر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

          في المادة الثامنة عشر لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والحرية ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرًا أم جماعة([260]).

جاء في النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان ما يلي:

          في المادة  التاسعة الفقرة الأولى كل فرد حر باعتناق المذهب الذي يميل إليه، وبالتام العقيدة التي يؤمن بها أو بالعدول عنها بكل حرية إلى غيرها، ومن مستلزمات حرية الاعتقاد التعبير عنها بالممارسة أو التعليم أو إقامة الشعائر الدينية الخاصة بشك لفردي أو جماعي في محيط خاص أو علنًا أما الجميع.

          وفي الفقرة الثانية ولا يجوز تقييد هذه الحرية أو الحد منها إلا في الحالات التي ينص عليها القانون([261]).

3- حرية الرأي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

          ففي المادة التاسعة عشر لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية([262]).

          وجاءت المادة 29 منه لتقييد هذه الحقوق والحريات التي كررها الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966م وهذا التقييد يتعلق باحترام حق الغير أو سمعتهم وبحماية الأمن والنظام أو الصحة أو الآداب العامة([263]).

          بعدما رأينا المواد القانونية لحماية حقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والنظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان نستطيع أن نقول بأنهم أخيرًا عرفوا كرامة الإنسان والتي سبقهم الإسلام لتحقيقها وذلك في مجال الحرية الشخصية إذ نصوا بأن جميع الناس يولدوا أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق ورأينا في الفصل الثاني أن الإسلام سعى جاهدًا عن طريق التدرج في التشريع للقضاء على الرق والاسترقاق.

          وأما في مجال حرية العقدة فكان النظام الأوروبي أكثر صراحة في هذه القضية من الإعلان العالمي إذ صرح بحرية كل فرد باعتناق المذهب الذي يميل إليه أم النظام العالمي فكان ضمن فقرة حرية التفكير ولكننا نلاحظ أن النظام الأوروبي والإعلان العالمي نصا على أن لكل شخص حرية تغيير دينه وهذا ما لا نوافق عليه فلا يمكن أن يترك الإنسان الإسلام ويعتنق دينًا آخر مهما كان هذا الدين كما لاحظناه في فصل ضوابط الحرية لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة ولأن الدين الإسلامي هو الدين الذي يقره العقل والفطرة السليمة.

          أما في مجال حرية الرأي ففي المادة التاسعة عشر عموم بلا تقييد ولكن قيدته المادة التاسعة والعشرون وذلك باحترام حق الغير وسمعتهم ولحماية الأمن والنظام أو الصحة أو الآداب العامة.

          ولكن هناك فرق بين حقوق الإنسان في الإسلام ومنها الحرية وبين حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حيث النشأة والمصدر، أما من حيث النشأة فقد نشأت حقوق الإنسان في الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا ويهدف إلى إضفاء الشرف والكرامة على الإنسانية والدعوة إلى تصفية الاستغلال والقمع والظلم.

وظهرت فكرة حقوق الإنسان في العالم غير الإسلامي في القرن الثالث عشر الميلادي أي بعد نزول الإسلام بسبعة قرون نتيجة ثورات طبقية في أوروبا ثم في القرن الثامن عشر في أمريكا لمقاومة التمييز الطبقي أو التسلط السياسي أو الظلم الاجتماعي، وفي إنجلترا صدر عام 1627م حيث أصدر الملك شارل الأول قانون إعلان الحقوق.

وظهرت فكرة حقوق الإنسان خلال إعلام استقلال أمريكا عام 1776م، وكان المقصود تقرير حق الإنسان بيان المسوغ للحرب التي أعلونا على إنجلترا عام 1775م.

وأما فرنسا فقد أصدروا قانونًا عام 1791م ثم جاءت المؤسسات الدولية في القرن العشرين فأعلنت حقوق الإنسان في مواثيقها سنة 1919م في عصبة الأمم وفي سنة 1941م في ميثقاف الأطلسي ثم في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م الذي أسس لجنة حقوق الإنسان فعملت على صياغتها وأصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م([264])، ومن حيث المصدر فإن حقوق الإنسان في الإسلام تنبع من الاعتقاد بالله وحده أنه هو صدر الحقوق والشرائع والقوانين وهو المشرع لكل حقوق الإنسان وأنه لا يجوز لأي فرد كائنًا من كان حتى لو كان خليفة أو قائدًا سياسيًا أو أي حكومة أو مجلس شؤون أو هيئة أن يضيق من هذه الحقوق الشرعية التي وهبها الله تعالى للإنسان أو يعدل فيها أو يلغيها لذا فهي ثابتة لا تتغير بتغير العصور لأنها م تشريع العالم الخبير الحكيم سبحانه وتعالى. أم مصدر حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نتيجة ثورات طبقية وشعبية مثل ما حدث في أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي أو للرغبة في الحرب والانتقام مثل ما حدث في إعلان حقوق الإنسان في أمريكا عام 1776م أو بسبب تغلب فئة من الناس على الآخرين فيضعون القوانين التي تخدم مصالحهم مثل ما حدث في إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي أعقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.


المبحث الخامس: آثار الحرية على النشاط الإنساني:

عندما يعلم الإنسان أنه حر طليق يعمل ما شاء بحدود الشريعة فهذا دافع له للعمل، والاجتهاد أم العبد فهو إذا عمل إنما يعمل لسيده فهو لا يملك أن يعمل ولا يملك أن يرفض أوامر سيده فهو دائم كسول خامل يعتم على ما يعطى من أوامر وغذاء وهذا ما يفسر قول الله سبحانه وتعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (النحل:75) فالعبد المملوك لا يقد رعلى شيء والحر الغني الكريم ينفق سرًا وجهرًا فهل يستوي في نظر العقل والعاقل صاحب هذه الصفة وتلك. وقد ضربت هذه الآية مثلاً بين الصنم والله عز وجل فالصنم هو يشبه بالعب المملوك الذي لا يملك من أمره شيئًا لأنه جماد مخلوق لله والله هو الغني الحميد الكريم الذي يعطي من يشاء بدون أن يخل أو ينقص ذلك في ملكه شيء.

هذا بالنسبة للعبودية المادية عبودية الرق، وأما بالنسبة للعبودية المعنوية فهي من باب أولى إذ الملزم على ألا يعتقد إلا اعتقادًا واحدًا لا يدري صحته من ضعفه مدعاة للكسل وعدم التفكير والبحث عن الأدلة وبع أن رأينا سماحة الإسلام ودعوته للحرية مخالفًا الأنظمة الوضعية فسوف يتضح في هذا المبحث آثار هذه الحرية ودورها في حياة الناس وهل إذا بقي الإنسان بدون حرية وإذا أقيم عليه ا لحجر والقسر يكون إنتاجه وفوائده التي تعود على المجتمع مثل الشخص الذي يكون حرًا طليقًا متخلصًا من جميع أنواع القسر والاستعباد؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة هذه المطالب التالية:

المطلب الأول: إدراك العقيدة الصحيحة:

إذا كان الإنسان حرًا يستطيع أن يفكر ويصل إلى النهاية المرضية إذ يكون حرًا في تدينه وتفكيره يميز بين الأدلة ويعتمد على الأدلة الصحيحة ويطرح الأدلة الخاطئة حتى يصل إلى الصواب ليحيا الإنسان الحياة الكريمة العزيزة منسجمًا مع معتقده ودينه وخاصة إذا كان الدين هو الحق الثابت المنزل من الله تعالى المحفوظ من التحريف والتبديل المنسجم مع الفطرة والدافع والتصور الصحيح عن الكون والحياة والإنسان"([265]) نعم إنه سبيل حق وعقيدة صحيحة ينعم بها الإنسان دنيا وآخرى ولقد رأينا عندما طبق المسلمون هذا المبدأ ألا وهو حرية العقيدة دخل الناس في دين الله أفواجًا فلم يتوانوا في إتباع العقيدة الصحيحة وبلغ الإسلام في ذلك شأنًا عظيمًا ونزلة رفيعة لأن صاحب الحق لا يرى الضير في التعرف على الباطل وصاحب الباطل يخاف من سماع الحق فلما علم النسا أن ما هم عليه باطل وأن الدين الحق هو دين الإسلام تركوا ما هم عليه واتبعوا الإسلام يقول د/ فتحي الدريني في ذلك "إن السر في بلوغ الإسلام شأنً بعيدًا من العدل والتسامح أنه لا يجد ف يمنح المخالف حرية العقيدة وممارسته لشعائر دينه حرجًا يضعف من الثقة بما هو عليه من الحق المبين"([266]). فإذا دخل الإنسان الإسلام ورأى ما فيه من حرية فسوف يختلف منهجه في الحياة عما كان عليه قبل الإسلام وذلك لأن "الحرية والحق عمومًا في الشرعية الإسلامية تكليف قبل كل شيء وأنه الفعل والترك بغية الامتثال إنه العبادة إنه التخلص من الرغب والرهب إلا في الله إنه يتطلب ليس فقط عدم الإضرار بالآخرين وإنما العمل على نفعهم أيضًا إن الإنسان حين تصح إرادته وقدرته وحريته على هذا النحو يبذل كل شيء حتى ذاته وعن رضى لتكون كلمة الله هي العليا"([267])، لذا لا تعجب أن ترى القرآن، قد أمر بتحقيق هذه الحرية في كثير من الآيات لأن الله سبحانه وتعالى يعلم بأن الإنسان العاقل الذي يحكم عقله ويمعن التفكير لا بد أن يصل إلى هذه العقيدة أما الرجل الذي ليس به عقل أو عطل عقله فإما أن يبقى على هذا فلا خير فيه وإما أن يدرك الحق ويتبع العقيدة الصحيحة فينعم بها.

المطلب الثاني: تصويب الآراء:

هذا الأثر ناتج من تحقي حرية الرأي ويعتمد أكثر ما يعتم على مبدأ الشورى التي هي نوع من أنواع حرية التعبير عن الرأي. "والشورى هي الطريقة الصحيحة لمعرفة أصوب الآراء والوصول إلى الحقيقة وجلاء الأمر وهي أثر طبيعي لاحترام العقل"، "والشورى سبيل لمعرفة الرأي الصواب عن طريق مناقشة الآراء وظهور أفضلها وهي سبب لقلة الخطأ وبها يستفاد من جهود الآخرين وخبراته وهي عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها"([268]).

"والفائدة من الشورى الإطلاع على رأي وجيه وتلقيب وجهات النظر في الموضوع والانتباه على مختلف الجوانب والأدلة والأحكام التي يتفطن لها الجماعة أكثر من الواحد"([269]).

فإذا ناقش مجموعة من الناس مسالة ما وأبدى كل واحد رأيه واعتراضه على آراء غيره فإنهم لا شك أنهم سيخلصون إلى رأي واحد متفق عليه بعيدًا عن الخطأ وهذا إذا كان مقصود سعيهم ومنشود إرادتهم الوصول على الصواب، فمريد الصواب يصله بتقليب الآراء وتحقيق مبدأ الشورى وليس بالاستبداد بالأمر والدكتاتورية المقيتة.

المطلب الثالث: تحقيق الرغبات:

للإنسان في حياته رغبات عديدة هذه الرغبات منها الجسمية ومنها الفكرية ومنها السياسية غيرها من الرغبات، فالإنسان الحر هو الذي يستطيع أن يشبع رغباته هذه بتحقيقها، أما المستعبد المكروه والمغلوب على أمره فإنه يحس دائمًا بالضعف والظلم ويكون ناقمًا على مجتمعه.

وأما تحقيق الرغبات فهي من حقوق الإنسان بل من أجلها إذ يشعر الإنسان بالراحة والطمأنينة لأنه "من فوائد الشورى إطلاع الحاكم بآمال قومه ومطامحهم وأفكارهم"([270]) " إن كفاحك لتكون حرًا يعني نشدان إزالة العوائق وإن نضالك من أجل حريتك الشخصية يعني نشدان للجم التدخل والاستغلال والاستعباد لك من قبل أناس غاياتهم غايات خاصة بهم وليست غاياتك بتاتًا"([271]) وهذا من باب تحقق الشورى التي هي من حرية الرأي فإذا تحققت الشورى يعلم الحاكم ما هي رغبات شعبه وآمالهم فيعمل على تحقيق تلك الرغبات أما في مجال تحقيق الرغبات الجسدية فيقول البوطي "والرغبة الأساسية التي يشعر بها أي واحد من الناس هي أن يملأ أوقاته كلها بالمتعة التي تهفو غليها نفسه دون أن يتحمل الانضباط بأي عمل"([272]) فهذه رغبة الإنسان ولكن لسنا مع البوطي في قوله عدم الانضباط بل يجب حتى تتحقق الحرية أن تكو منضبطة بضوابط كما سنأتي في الفصل القادم منها احترام حق الآخرين.

المطلب الرابع: بناء الحضارات:

تقاس الأمم بمقدار ما قدمته للمجتمع الإنساني من إبداع وتطور حضاري الذي يساعد على سعادة البشرية فهناك الحضارة اليونانية والحضارة الفارسية والحاضرة الصينية والحضارة الإسلامية لم تقم كل هذه الحضارات لو اتصفت بالاستعباد والتسلط والقهر ولكنها اتصفت بالحرية التسامح فقامت فلما ذهبت هذه الصفة ورجعت إلى القهر والظلم زالت فكيف ساعدت الحرية حتى قامت هذه الحضارات يقول أحد الكتاب: "فملكات الإنسان لا يمكن أن تتفتح وتصقل غلا إذا تمتع بحريته وكانت لديه الإمكانات الكافية لتصويرها وإعدادها إن تجريد الإنسان من حريته وسلبه هذه الحرية عبارة عن تحويله على آلة صماء بعيدة عن الخلق والإبداع" ز ثم قال: "فتأريخ الإنسان مرتبط بتأريخ الحرية حيث تتفتح الملكات ويزدهر العلم ويعلو مستوى الثقافة والمجتمع وتقوم الحضارات الراقية وحين تلمس آثار الحرية والتقدم"([273]) هكذا للحرية دور ف يتطور المجتمع وقيام حضارته وهذا شاهد عبر القرون وبالنظر إلى تأريخ الحضارات فإذا فتح المجال أمام العقول للنظر والفكر أبدعت وإذا سلبت هذه القدرة تخلفت وتقهقرت وسارت للوراء حتى تسقط في هاوية سحيقة في هاوية التخلف والجهل والدمار فتقدم الحضارات يحتاج على عمل والعمل يحتاج على حرية وحرية العمل هي التي ت ساعد على هذا التقدم "لأن العمل هو سبيل تقدم الدول وأساس بناء الحضارات وسبيل لرفاهية المجتمع وازدهاره لذلك اهتمت النظم جميعها بحرية العمل"([274])، ومن ناحية أخرى فإن للحرية يدًا طولى في تحقيق الرفاهية للشعوب التي بدورها تساعد على الإبداع بتوفير الأدوات والسبل التي تعين لتحقيق ذلك "وكانت الحرية هي التي أنارت طريق البشرية في كفاحها الطويل المستمر من أجل تحقيق المزيد م الرفاهية والتقدم فلا مجال للإبداع بدون حرية ولا قيمة للتقدم بدون تحقيق المزيد من الحرية"([275]).

أما حرية الرأي فكذلك لها دور في بناء الحضارات وذلك بمناقشة تجارب الآخرين السابقة إذ كل أفكارهم وإنتاجهم يصب في مصلحة واحدة وغاية سامية هي تقدم الأمة وعلوها ورفعة شأنه إذ "من فوائد الشورى أنها سبيل للاستفادة من علم العلماء وخبرة أحاب الخبرة"([276]).كذلك إن الآراء السليمة هي التي تكون الجو المناسب للتقدم الحضاري المنشود"([277]). وكذلك باقي الأنواع من أنواع الحرية فلا بد أن نعلم أن الوصول إلى العقيدة الصحيحة يؤدي إلى تقدم الأمة، وقيام الحضارة والتسامح بين شعوبه فقد ساعد الكثير من أهل الديانات الأخرى غير الإسلامية الذين كانوا يعيشون داخل الدولة الإسلامية ساعدوا في قيام الحضارة الإسلامية فترجموا الكتب وألفوا في العديد من الفنون والعلوم الأخرى وكذلك حرية الفكر، فللإنسان أن يتفكر في المخلوقات حتى يستنتج قانونًا تسير عليه المخلوقات الكونية، وله كذلك أن يجري التجارب لتحقيق هذه الأفكار حتى يميز الصواب من الخطأ.

المطلب الخامس: الاجتهاد في العمل:

إذا وجد الإنسان نفسه أنه حر في تصرفاته ليس عليه جبر أو قسر أحد فإنه يؤدي به إلى الاجتهاد حتى يصل إلى غايته التي ينشدها والتي تحقق الراحة والطمأنينة له وللمجتمع الإنساني ككل، فإذا اجتهد أخلص وإذا أخلص أبدع وإذا أبدع قامت الحضارة وتطورت الأمة واستفادت البشرية ونعمت بهذا الإبداع وهذه اليد التي عملت بكل تفان وبكل إخلاص، أم الرجل المقهور الذي لا يعمل إلا إذا أجبر وإذا ذهب الرقيب عنه يتكاسل وذلك لأنه يحس بأن هذا العمل لا يعود بالفائدة له فلا يهتم به فلماذا يشقى وينعم بشقائه غيره، ولماذا يظل تحت قهر هذا الشخص الآخر الذي تسلط عليه وسلب حريته وبعد ذلك تنشر هذه الأفكار في المجتمع وينتشر الكسل والخمول والرذائل عمومًا والبحث عن المصدر السهل للمال وتظهر الأنانية ويختل الأمن وتزول الحرية عمومًا "لأنه لأن يكون الإنسان حرًا لا بد أن يضطلع بعمل يؤديه أداء القادر الماهر العارف بأسرار مهنته وهو حر بمقدار ما يكون في سعيه أن يسيطر على سادة عمله ذلك لأنه بهذه السيطرة يتصرف على هدى من المعرفة تصرفًا مؤديًا به إلى تحقيق غايته أما غير الحر فلا يعرف أنه يقف أمام وقائع الحياة فاغرًا فاه من ذهول التائه الذي ضل ا لطريق"([278]).

المطلب السادس: تحقيق تكريم الله للإنسان:

لقد كرم الله الإنسان عن سائر الخلق قال تعالى: {)وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70)، وقد خلق الله تعالى هذا الكون ليسخره للإنسان ومن أجل أن يعود بالنفع إليه وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تتكلم عن هذا التسخير.

ومن ضمن ما كرم الله به الإنسان العقل الذي لا يوجد في سائر الحيوان وهذا العقل هو الذي يميز الخير من الشر وأمره باختيار الطريق المناسب له، وحدد له مصي ركل مسلك يسلكه فجعل الحجر والقسر على الإنسان ومنعه من سلوك الطريق الذي يراه مناسبًا له ومنعه من تحقيق رغباته منافيًا للعقل فالحرية تحقق هذا التكريم الذي كرم الله به الإنسان، يقول ممجدي عبدالحليم "كما أنها (الحرية) من مقتضى تكريم الله للإنسان هي مظهر من مظاهر المساواة، وحرية الرأي النقد واعتراف بشخصية الفرد"([279]) فالإنسان الحر الذي يعمل وفق ما يرشده عقله ويعمل ما يحقق رغباته حرًا مختارًا في ذلك هو الرجل الذي حقق كرامته بحث ونال النصيب الذي خلقه الله تعالى من حقوق وأما الشخص الذي لا ينال هذه الحرية بل يبقى دائمًا مستعبدًا مهانًا هو إنسان مظلوم مقيد ومتى ما ينال هذه الحرية يشعر بأن كرامته قد عادت له وأن حقه قد استوفاه يقول بسيوني: "وبهذه الحرية (الحرية الشخصية) يشعر الإنسان بكرامته وتفضيله على سائر مخلوقات الله"([280]).

المطلب السابع: تأليف القلوب وتحقيق الوحدة الإنسانية:

هذا الأثر تسببه الشورى فإذا علم جميع الأفراد أن لهم الحق في اختيار يرغبون فيه وأن لهم الحق في إبداء رأيهم ومناقشة آراء الآخرين فسوف تتآلف قلوبهم وتتحقق الوحدة الإنسانية إذ أن فوائد الشورى "أنها العامل الأول لنسج أواصر الألفة والمحبة بين الأمة وقاداتها وتذكر الإمام والمسلمين بنوع العلاقة بينهم في منظور الشرع"([281]) "وترجع أهمية الشورى إلى أنها تؤلف قلوب الجماعة"([282]) حقًا أنها تؤلف القلوب فإذا علم كل شخص بأنه محترم الرأي سواء أكانت آراؤه سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم شخصية وأنه لا أحد يستطيع أن يجبره على شيء يكرهه فسوف يعمل على نيل جميع الناس حقوقهم ولن يتعدى عليها وسيكون الحاكم مجتهدًا في تحقيق رغبات الناس على اختلاف طبقاتهم فتتأكد أواصر المحبة بين الجميع وتتحقق الوحدة ويعمل الجميع في خدمة الإنسانية وليس في خدمة الذاتية.


الخاتمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وبعد ...

فإن موضوع الحرية موضوع طويل يتشعب، ومن خلال هذا البحث المتواضع أستطيع أن أقول أن هناك فوائد جمة استطاع الباحث التوصل إليها منها :

1-             الحرية عرفتها جميع الشعوب وطمحت إلى تحقيقها فقد عرفها الساسانيون واليونان والبيزنطينيون والمسلمون.

2-      هناك نظرة خاطئة في الغرب للحرية وذلك أنه يوجد منهم من يقول بإطلاق الحرية وأن فتح المجال أمام الشهوات بدون أي قيد هو الحرية.

3-             حتى تتحقق الحرية بصفة متساوية ويستطيع أن ينعم بها جميع أفراد المجتمع فلا بد من ضوابط لها.

4-             تنتهي حرية الشخص عندما تبدأ حقوق الآخرين.

5-             الدين الإسلامي موافق للفطرة وما دعا إليه يؤيده العقل السليم والفطرة الصاية.

6-      شرع الجهاد لتأمين حرية العقيدة والفكر والرأي وليس لنشر الإسلام فالإسلام لم ينتشر بالسيف وإنما بالدعوة الخالصة والحجة الواضحة.

7-             حرية التدين من أهم حقوق الإنسان بعد حق الحياة إن لم يسبقه فهو اعتراف بكيان المرء وشخصيته وتفكيره.

8-             قاعدة الإسلام الخالدة أنه لا إكراه في الدين فلا يصح إكراه غير المسلمين للدخول في الإسلام.

9-             حرية الفكر والرأي من أهم الحريات التي دعت إليها الكثير من الآيات القرآنية.

10-   استخدم القرآن منهج الحوار العقلي وأمر الإنسان بالتفكير المعنوي والحسي في الموجودات ليصل إلى معرفة خالق الوجود.

11-        مبدأ الشورى من أهم المبادئ التي توثق العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتجعل الجميع يعمل لمصلحة المجتمع.

12-   الشورى ليست خاصة في النواحي السياسية بل تشمل كل نواحي المجتمع فالإنسان الذي يستشير غيره ويبدي آراءه هو إنسان محترم موفق في حياته يصل إلى نتيجة مرضية.

13-   بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونظام الرق منتشر في الأرض بشكل رهيب فعمل الرسول صلى الله عليه وسلم على القضاء عليه تدريجيًا وهذا هو منهج القرآن في القضاء على العمل غير الحسن.

14-        حرم الإسلام الكثير من أبواب الرق التي كانت موجودة قبل الإسلام وضيق على الباقي منها.

15-        فتح القرآن سبل تحرير العبيد في أوسع نطاق من خلال الكثير من التشريعات الإلهية.

16-        أمر القرآن الناس بالتوجه بالعبادة إلى مستحقها وهو خالق الكون ومن بيده النفع والضرر.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني ممن يعمل بما يعلم وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يعلمني ما لم أعلم ويفقهني ما لم أفقه وان يستر عيوبي ويسد خللي إنه غفورٌ رحيم قدير على كل شيء وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.


قائمة المصادر والمراجع

a.                القرآن الكريم.

أولاً: قائمة المصادر:

1-             إبراهيم الزجاج، ت311هـ، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبدالجليل شلبي، ط1، دار الحديث، القاهرة، 1994م.

2-      إبراهيم بن موسى الشاطبي، ت790هـ، الموافقات في أصول الشريعة، خرج آياته إبراهيم رمضان، ط3، دار المعرفة، بيروت، 1997م.

3-             أحمد بن حنبل الشيباني، 164هـ - 241هـ،المسند شرحه أحمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، 1995م.

4-      أحمد بن شعيب النسائي 215هـ - 313هـ، السنن بشرح جلال الدين السيوطي، ط4، دار المعرفة، بيروت، 1997م.

5-             أحمد بن عبدالله الكندي، ت557هـ، المصنف، وزارة التراث بسلطنة عُمان، مسقط.

6-      أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، 773هـ -852هـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق عبدالعزيز ابن باز، دار الفكر، بيروت، 1996م.

7-      أحمد بن علي الرازي الجصاص، ت370هـ ، أحكام القرآن، ضبط عبدالسلام محمد علي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985م.

8-             أحمد بن فارس بن زكريا 329-395هـ، معجم مقاييس اللغة، تقيق عبدالسلام هارون، دار الجيل، بيروت.

9-      أحمد بن محمد النحاس ت 338هـ الناسخ المنسوخ في كتاب الله واختلاف العلماء في ذلك، تحقيق محمد عبدالسلام، ط1، مكتبة الفلاح، الكويت، 1988م.

10-   أحمد بن يوسف السمين ت756هـ، عمدة الحافظ في تفسير أشرف الألفاظ، تحقيق محمد دغيم، ط1، دار السيد، مصر، 1987م.

11-        إسماعيل بن كثير القرشي، ت774هـ ، تفسير القرآن العظيم، ط1، دار الخير، بيروت، 1990م.

12-        جلال الدين السيوطي ت911هـ، أسباب النزول، ط1، دار قتيبة، دمشق 1987م.

13-        جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر، تخريج خالد عبدالفتاح، دار الفكر، ط1، 1996م.

14-   الحسين بن أحمد  بن خالوية ت 370هتإعراب القراءات السبع وعللها، تحقيق عبالرحمن بن صالح العثيمين، ط1ب،، متبة الخانجي، القاهرة، 1992م.

15-   الحسين بن محمد الأصفهاني ت 502هـ، المفرجات في غريب القرآن، تحقيق محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت، 1998م.

16-         الخليل بن أحمد الفراهيدي 100-170هـ، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزمي، سلسلة المعاجم والفهارس.

17-        خميس بن سعيد الشقصي، منهج الطالبين، تحقيق محمد عبدالمنعم، وزارة التراث بسلطنة عُمان، مسق.

18-        سليمان بن الأشعف، سنن أبي داوود في عون المعبود، دار الفكر، بيروت، 1995م.

19-   صديق حسن القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، تقديم عبدالله إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية، بيروت، 1995م.

20-        عامر بن علي الشماخي، كتاب الإيضاح، ط2، وزارة التراث بسلطنة عُمان، مسقط.

21-        عبدالرحمن بن خلدون ت 808هـ المقدمة، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993م.

22-   عبدالله بن حميد السالمي ت 1332هـ، شرح الجامع الصحيح تعليق عزالدين التنوخي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عثمان، مسقط.

23-   عبدالله بن حمي السالمي ت 1332هـ، شرح طلعة الشمس في أصول الفقه، ط2، وزارة التراث بسلطنة عُمان، مسقط، 1985م.

24-   عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي ت 255هـ، سنن الدارمي، تحقيق مصطفى ديب البغا، ط2، دار ................، بيروت، 1996م.

25-        عبدالله بن عمر الشيرازي البضاوي ت791هـ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق عبدالقادر العشاء، دار الفكر، بيروت، 1997.

26-        عبدالله بن محمد بن بركة، كتاب الجامع، تحقيق عيسى الباروني، وزارة التراث بسلطنة عُمان.

27-   عبدالله بن محمد بن قدامة 541-620هـ، المغني، تقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي، وعبدالفتاح الحلو، ط2، هر القاهرة، 1992م.

28-   عبدالملك الجويني، ت478هـ،ك تاب التلخيص، تحقيق عبدالله جولم وشبير العمري، ط1، دار البشائر، بيروت، 1996م.

29-   علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، ت468هـ، أسباب النزول للقرآن، تحقق كمال زغلول، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1991م.

30-   علي بن محمد الجرجاني ت816هـ، كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988م، وكذلك بتحقيق عبدالمنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة.

31-        علي بن محمد الخازن ت 725هـ، لباب التأويل في معاني التنزيل، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995م.

32-        علي بن محمد الماوردي، ت450هـ،النكت والعيون، راجعه عبدالمقصود، عبدالرحيم دار الكتب العلمية، بيروت.

33-   الفضل الطبرسي، مجمع البيان، تحقيق السيد هاشم الرسولي وفضل الله الطباطبائي، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1986م.

34-        مجد الدين الفيروز أبادي 729-817هت، القاموس المحيط، مطبعة السعادة، مصر.

35-        محسن بن مسعود القزاء البغوي ت516هـ، معالم التنزيل، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995م.

36-        محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، وزارة التراث بسلطنة عُمان، 1988م.

37-        محمد أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت.

38-        محمد بن أحمد بن حيان أبو حاتم، المجروحين، دار العربي، حلب 1396هـ.

39-        محمد بن أحمد السمرقندي ت373هـ، بحر العلوم، ط1، دار الفكر، بيروت، 1997م.

40-        محمد بن إسماعيل البخاري، ت276هـ، صحيح البخاري، بحاشية السندي، دار المعرفة، بيروت.

41-        محمد بن جرير الطبري، ت210هـ، جامع البيان عن تأويل القرآن، دار الفكر، بيروت، 1995م.

42-        محمد بن جرير الطبري، ت210هـ، تأريخ الأمم والملوك، ط1، دار الفكر، بيروت، 1967م.

43-        محمد جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل، تعليق محمد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر، بيروت، 1978م.

44-        محمد بن الحسن بن دريد، ت321هـ، جمهرة اللغة، تحقيق رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1987م.

45-   محمد الدمشقي، ابن الجزري، ت833هـ النشر في القراءات العشر تقديم علي محمد الصباغ وتخريج زكريا عميرات، ط1،دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م.

46-        محمد السيزاوي، الجديد في تفسير القرآن المجيد، ط1، دار التعارف، بيروت.

47-   محمد شمس الحق العظيم أبادي 1273هـ-1329هـ، عون المعبود، شرح سنن أبي داوود، إشراف العطار، دار الفكر، بيروت، 1995م.

48-        محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر.

49-   محمد بن عزيز السجستاني، ت320هـ، غريب القرآن على حروف المعجم، تحقيق صلاحية، ط1، دار طلاس، دمشق، 1993م.

50-        محمد العمادي أبو السعود ت951هـ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

51-        محمد بن عمر المحشي، حاشية الترتيب، وزارة التراث بسلطنة عثمان، 1983م.

52-        محمد بن عمر الرازي الفخر ت 604هـ، التفسير الكبير، تقديم خليل محيي الدين، دار الفكر، بيروت، 1995م.

53-        محمد بن علي الشوكاني، ت1250هـ، فتح القدير، دار الفكر، بيروت، 1993م.

54-        محمد بن عيسى الترمذي، السنن بشرح الميار كفوري، ت1253هـ، تحفة الأحوذي دار الفكر بيروت، 1995م.

55-        محمد بن مكرم بن منظور، 630-711هـن لسان العرب، دار صادر، بيروت.

56-   محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه، 209هـ-273هـ، السنن بشرح الإمام أبي الحسن الحنيف السندي، تحقيق خليل مأمون شيحا، ط2ن دار المعرفة، بيروت، 1997م.

57-        محمد بن يوسف أبو حيان، ت754هـ، البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، 1992م.

58-        محمد بن يوسف طفيش، 1332هت، هيميان الزاد إلى دار المعاد، وزارة التراث بسلطنة عُمان، 1983م.

59-        محمد بن يوسف طفيش، 1332هـ، تيسير التفسير، وزارة التراث بسلطنة عُمان، 1986م.

60-   محمود بن أبي الحسن النيسابوري، 553هـ، إيجاز البيان عن معاني القرآن تحقيق القاسمي، ط1، دار الغربي، بيروت، 1995م.

61-        محمود الألوسي، ت270هـ، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

62-        محمود بن عمر الزمخشري 467هـ-538هـ، أساس البلاغة، ط1، مكتبة لبنان، لبنان، 1996م.

63-        محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف في التفسير، دار الفكر، بيروت.

64-        محي الدين بن شرف النووي، ت676هـ، شرح مسلم، دار المعرفة، بيروت، 1997م.

65-        مسلم بن الحجاج القشيري، 204-261هـ، صحيح مسلم بشرح النووي، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1997م.

66-        مهنا بن خلفان البوسعيدي، لباب الآثار الواردة من الأولين والمتأخرين من الأخبار، وزارة التراث بسلطنة عُمان، مسقط.

 

ثانيًا: قائمة المراجع:

1-   إبراهيم حداد، الحرية عند العرب، دار الثقافة، بيروت.

2-   إبراهيم القطان، تيسير التفسير، راجعه عمران أبو حجلة، ط1، عمّان، الأردن، 1983م.

3-   أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون، الدار السعودية، جدة، 1985م.

4-   أبوبكر الجزائري، عقيدة المسلم، ط1،القاهرة، 1987م.

5-   إحسان الهندي، أحكام الحرب والسلام في دولة الإسلام، ط1، دار الخير للطباعة، دمشق، 1993م.

6-   أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، مكتبة الاستقامة، مسقط.

7-   أحمد رضا، معجم متن اللغة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1958م.

8-   أحمد بن محمد بن علي المقري، المصباح المنير، المكتبة العلمية، بيروت.

9-   أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، ط3، مصر، 1974م.

10-        إسماعيل بدوي، دعائم الحكم في الشريعة الإسلامية (الحقوق والحريات)، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994م.

11-   إسماعيل بن مظهر، القانون والحرية فيحضارة الغرب، الرسالة الثانية من رسائل الفكر الحر، المقطف والمقظم، مصر، 1947م.

12-        إشعيا برلين، أربع مقالات في الحرية، ترجمة عبدالكريم محفوظ، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، 1980م.

13-        أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت.

14-        أنور أحمد رسلان، الحقوق والحريات في عالم متغير، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993م.

15-        برنارد لويس، اليهود في ظل الإسلام، ترجمة حسن أحمد بسام، مركز الدراسات العسكرية، دمشق، 1995م.

16-        بليخانوف، الماركسية، قضايا أساسية، ترجمة وطباعة دار التقدم، موسكو، 1983م.

17-        بيروغوف، ما هي المنظومة الاشتراكية العالمية، ترجمة طارق معصراني، دار التقدم، موسكو، 1988م.

18-        الثورة الرأسمالية، ترجمة أحمد العناني، مركز الكتب الأردني، 1991م.

19-        الموسوعة العربية الميسرة، 1988م، دار النهضة للطباعة والنشر، بيروت، 1988م.

20-        جان حال روسو، في العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان فرفوط، دار العلم، بيروت.

21-        جبران مسعود الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، 1986م.

22-        جبر الدين عبداللطيف، اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، الهيئة السنوية للكتاب، القاهرة ، 1995م.

23-        جون هولت، الحرية وما ورائها، ترجمة نظمي لوقا، دار المعارف، القاهرة، 1972م.

24-        حسن البنان العقائد، تحقيق رضوان محمد رضوان، القاهرة.

25-        حسن السيد بسوني، الدولة ونظام الحكم في الإسلام، ط1، عالم الكتب، مصر، 1985م.

26-        حسني دوريش عبدالحميد، القضاء حصن الحرية.

27-        راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993م.

28-        ربا زانوف، محاضرات في تأريخ الماركسية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1979م.

29-        ركريا عابدين، الإيمان بالحق وأثره في بناء شخصية السلم، دار الكتب، الرياض، ط1، 1987م.

30-        زكي شعبان، أصول الفقه الإسلامي، بيروت، 1974م.

31-        سامي خرطبيل،الوجود والقيمة، دار الطليعة، ج1، بيروت، 1980م.

32-        سري نسيبة،الحرية الحد والمطلق، ط1، دار السلام، مصر، 1991م.

33-        سعيد حوى، الأساس في التفسير، ط3، دار السلام، مصر، 1991.

34-        سعيد حوى، الإسلام. مراجعة وهبي سليمان، ط3، مكتبة وهبة، القاهرة، 1987م.

35-        سفر غرم الله الرميثي، الجناية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار طيبة، السعودية.

36-        سليم بركات، مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث، ط2، دار دمشق، بيروت، 1984م.

37-        سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، مصر، 1996م.

38-        سيد قطب، نحو مجتمع إسلامي، دار الشوق، مصر.

39-        سيريك، الحرية في القرن العشرين، تعريب طه السباعي، مكتبة الأنجلو المصرية.

40-        صلاح فوال التصوير القرآن للمجتمع، دار الفكر العربي، القاهرة.

41-   طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر،المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة إسلامية المعرفة، القاهرة، 1996م.

42-        عبدالحميد أحمد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم، ط2، مكتبة المار، مصر، 1992م.

43-        عبدالرحمن حسن حبنكه، الأخلاق الإسلامية وأسسها، ط3، دار العلم، دمشق، 1992م.

44-   عبدالرحيم صوفي، جرائم الأسرة في الشرعية الإسلامية والقانون المصري والفرنسي، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1988م.

45-        عبدالعزيز الخياط، وأمرهم شورى بينهم، مؤسسة آل البيت، المجمع الملكي، الأردن، 1993م.

46-        عبد العزيز محمد محسن،الحماية الجنائية للعرض في الشريعة، دار النهضة العربية، مصر.

47-        عبدالقادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، ط1، ار الكتاب العربي، بيروت.

48-        عبدالله العروي، مفهوم الحرية، ط4، المركز الثقافي العربي، بيروت ، 1980م.

49-        عبدالله ناصح علوان، حرية الاعتقاد في الشريعة الإسلامية ط4، دار السلام، 1993م.

50-        عبدالله الحميد،التشريع الجنائي الإسلامي.

51-   عبدالمجيد النجار، دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، أمريكا، 1992م.

52-        عفيف طباره، روح الدين الإسلامي، ط30، دار العلم للملايين، بيروت، 1995م.

53-        علي عبدالعال عبدالرحمن، بحوث في جريمة السرعة وعقوبتها في الفقه الإسلامي، دار الهوى للطباعة، القاهرة، 1988.

54-        علي عبدالواحد وافي، حقوق الإنسان في الإسلام، ط5، دار النهضة ، مصر، 1979م.

55-        علي محمد حجازي، قبسات من هدي القرآن والسنة، ط1، ار الثقافة، قطر، 1990م.

56-        عازي الأحمدي، الوجودية فلسفة الواقع الإنساني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1964م.

57-        فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1987م.

58-        فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام، دراسة في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي والإسلامي، ترجمة معن زيادة ورضوان السيد، معهد الإنماء العربي، لبنان، 1987م.

59-        فردماينروتكا، في سبيل الحرية، ترجمة نصر بن وهابن دار الثقافة.

60-        فوزية دياب، القيم والعادات الاجتماعية، بيروت، 1980م.

61-        لينين، عن التحرر الوطني والاجتماعي، ترجمة وطباعة دار التقدم، موسكو، 1986م.

62-        مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، السعودية، 1416هـ.

63-        محمد البهي، الفكر الإسلامي، والمجتمع المعاصر، الدار القومية للطباعة والنشر.

64-        محمد تقي المدرس، الفكر الإسلامي في مواجهة الحضارة، دار التربية، بيروت.

65-        مجدي عبدالحليم، الرأي العام في الإسلام، ط2، دار الفكر العربي، بيروت، 1990م.

66-        محمد أسد، منهاج الإسلام في الحكم، ترجمة منصور ماضي، ط6، دار العلم للملايين، بيروت، 1983م.

67-        محمد أمين الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، دار البشير، عمّان، الأردن، 1989م.

68-        محمد حسين الذهبي، أثر إقامة الحدود في استقرار المجتمع، مكتبة وهبة، مصر، ط2، 1986م.

69-        محمد حسين الطباطباني، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جامعة المدرسين بقم، ومؤسسة الأعلمي، بيروت.

70-        محمد حمد خضر، الإسلام وحقوق الإنسان، دار مكتبة الحياة، بيروت.

71-        محمد رأفت عثمان، الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية في الفقه الإسلامي، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1983م.

72-        محمد رمضان البوطي، الشورى في الإسلام، مؤسسة آل البيت (خصائص الشورى ومقوماتها).

73-        محمد رمضان البوطي، الإسلام ملاذ كل المجتمعات، ط1، دار الفكر للطباعة والنشر.

74-        محمد رضا، تفسير المنار، ط2، دار الفكر، مصر.

75-        محمد الزحيلي، الإلامة والذمة في الموجز في معاملة غير المسلم في الإسلام، مؤسسة آل البيت، الأردن، 1994م.

76-   محمد الزحليلي، حقوق الإنسان في الإسلام، دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان، ط2، دار ابن كثر، دمشق، 1997م.

77-        محمد عزيز الحياري، من الحريات إلى التحرر، دار المعارف، مصر.

78-        محمد بن علي الصابوني، صفوة التفاسير، ط2، دار الفكر، بيروت، 1997م.

79-        محمد علي قطب، الإسلام وحقوق الإنسان، دراسة مقارنة، ط1، دار الفكر، بيروت، 1997م.

80-        محمد عمارة، هل الإسلام هو الحل كيف ولماذا؟، ط1، دار الثقافة، قطر، 1990م.

81-        محمد عمر شابرا، الإسلام والتحدي الاقتصادي، ترجمة زهير السمهوري، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996م.

82-        محمد ناصر الدين الألباني، صحيح سنن الترمذي، المكتبة الإسلامية، بيروت، 1988.

83-        محمد ناصر الدين الألباني، ضعيف سنن الترمذي، المكتبة الإسلامية، بيروت، 1988م.

84-        محمد ناصر الدين الألباني، صحيح سنن ابن ماجه، المكتبة الإسلامية، بيروت، 1991م.

85-        محمود الخالدي، نظام الشورى في الإسلام، ط1 مكتبة الرسالة الحديثة، الأردن، 1986م.

86-        محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ط17، دار الشروق، مصر، 1997م.

87-        محمود عبدالوهاب، الرق في الإسلام، ط1، دار الاعتصام، مصر.

88-        محيي الدين درويش، إعراب القرآن وبيانه، ط5، دار ابن كثير، دمشق، 1996م.

89-        مصطفى الرافعي، الغلام نظام إنساني، ط3، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

90-        الموسوعة العربية الميسرة، دار نهضة لبنان، 1988م.

91-        معنى الوجودية دراسة توضيحية مستقاة من أعلام الفلسفة الوجودية، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

92-        ملحم قربان، الحقوق الإنسانية، فعل التزام، ط1،المؤسسة الجامعية، 1989م.

93-        منير تحميد البياتي، النظام السياسي الإسلامي، دار البشير، عمّان، 1994م.

94-        المعجم الوسيط، دار الدعوة، تركيا.

95-        الموسوعة الفقهية، القاهرة، 1993م.

96-        مربوس كزرنفورث، دفعاً عن الماركسية، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1985م.

97-        نمر محمد خليل النمر، أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي، ط1، المكتبة الإسلامية، عمّان، 1409هـ.

98-        هنية مفتاح القماطي, الأخلاق و العرف ,منشورات جامعة قاريونس, ليبيا، ط1، 1991م.

99-        وهبة الزحيلي،التفسير المنير، دار ابن كثير، دمشق.

100-  يوسف حامد العالم، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

101-  يوسف علي محمود غيطان، عقوبة القتل في الشريعة الإسلامية، ط1، دار الفكر، الأردن، 1995م.

102-  يوسف القرضاوي، غير المسلم في المجتمع الإسلامي، ط5، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1992م.


فهرس الموضوعات

 

ت

الموضوع

الصفحة

1

المقدمة

2

2

المبحث الأول: مفهوم الحرية

5

3

المطلب الأول الحرية لغة واصطلاحا

5

4

المطلب الثاني تطور مفهوم الحرية

8

5

المطلب الثالث الحرية قضية فطرية

8

6

المبحث الثاني مظاهر الحرية في الإسلام  

10

7

المطلب الأول حرية العقيدة في الإسلام

12

8

المطلب الثاني حرية الفكر والرأي في الإسلام

24

9

المطلب الثالث الحرية والعبودية في التصور الإسلامي

35

10

المبحث الثالث ضوابط الحرية وفيه عدة مطالب

47

11

المطلب الأول الضوابط العقدية

48

12

المطلب الثاني تطور الضوابط الشرعية

53

13

المطلب الثالث الضوابط الاجتماعية

59

14

المبحث الرابع مقارنة بين الحرية في الإسلام والحرية في المذاهب المعاصرة وفيه عدة مطالب

61

15

المطلب الأول الحرية في المذهب الفردي الرأسمالي

61

16

المطلب الثاني الحرية في المذهب الاشتراكي

65

17

المطلب الثالث الحرية في المذهب الوجودي

67

18

المطلب الرابع الحرية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

71

19

المبحث الخامس آثار الحرية وفيه عدة مطالب

75

20

المطلب الأول إدراك العقيدة الصحيحة

75

21

المطلب الثاني تصويب الآراء

76

22

المطلب الثالث تحقيق الرغبات

77

23

المطلب الرابع بناء الحضارات

77

24

المطلب الخامس الاجتهاد في العمل

79

25

المطلب السادس تحقيق تكريم الله للإنسان

79

26

المطلب السابع تأليف القلوب وتحقيق الوحدة الإنسانية

80

27

الخاتمة

81

28

قائمة المصادر والمراجع

83

29

فهرس الموضوعات

95

 

 



([1])محمد بن مكرم بن منظر الأفريقي ت711هـ، لسان العرب، مجلد4، دار صار، بيروت، باب الراء فصل الحاء ص181.

([2]) معجم اللغة العربية، عالم المعرفة، مجلد3 ص450.

([3]) محمد بن الحسن بن دريد ت321هـ، جمهرة اللغة، تحقيق رمزي بعلبكي ج1، دار العلم للملايين، بيروت 1987، ص96.

([4]) الفراهيدي، العين، مصدر سابق، ج3،ص34 باب الراء فصل الحاء.

([5]) أخرجه الدارمي في كتاب الوصايا، باب إذا أوصى يعتق عبد له أبق ويوى هذا اللفظ ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو للراوي إذ الحديث عن يحيى بن أبي إسحق قال سألت القاسم بن عبدالرحمن ومعاوية بن قرة عن رجل قال في وصيته كل مملوك لي حر وله  مملوك ابق فاقلا هو حر، أنظر الدرامي عبدالله بن عبدالرحم الدارمي ت سنة 255هـ، سنن الدارمي تحقيق مصطفى ديب البغا ، ج3 دار القلم بيروت، 1996م، الطبعة الثانية، ص 884.

([6]) معجم اللغة العربية، مجلد 3 ص 450.

([7]) المرجع ذاته، بتصرف، مجلد3 ص450.

([8]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، مجلد3، ص7.

([9]) ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، مجلد 4، ص180.

([10]) مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، السعودية، 1416، ص398.

([11]) محمد حمد خضر، الإسلام وحقوق الإنسان، دار مكتبة الحياة، بيروت ص15.

([12]) حسن السيد بسيوني، الدولة ونظام الحكم في الإسلام، الطبعة الأولى، عالم الكتب، مصر، 1985م،ص113.

([13]) سري نسيبة، الحرية الحد والمطلق، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1995م، بيروت ص 41.

([14]) محمد سعيد رمضان البوطي، الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت، 1984م، ص 103.

([15]) فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام، دراسة في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة د/ معن زيادة، د/ رضوان السعد، معهد الإنماء العربي، لبنان 1978، ص 27.

([16]) المرجع ذاته، ص27، بتصرف.

([17]) إسماعيل مظهر، القانون والحرية في حضارة الغرب، المقطف والمقضم، 1947، رسائل الفكر الحر، الرسالة الثانية، ص13.

([18]) محمد عزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، ص191.

([19]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص38.

([20]) محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق الطبعة 17، 1997م، مصر، ص49.

([21]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدول الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 1993م، ص38.

([22]) بسيوني، الدولة ونظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، 139.

([23]) المرجع ذاته، ص 139.

([24]) البوطي، الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية لماذا وكيف، مرجع سابق ص104.

([25]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج3،ص180.

([26]) بسيوني، الدولة ونظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق ص 130.

([27]) ابن منظور، لسان العرب، ج3 كتاب الدال باب العين ص300 دار الفكر بيروت، ط3، 1994م.

([28]) سيد سابق، العقائد الإسلامية، ص8.

([29])زكريا عابدين، الإيمان بالحق وأثره في بناء شخصية المسلم، دار الكتاب للنشر والتوزيع، الرياضي، 1987م، ص9.

([30]) أبو بكر الجزائري، عقيدة المسلم، ط3، القاهرة، 1987م،ص21.

([31]) حسن البنا، العقائد، تحقيق رضوان محمد رضوان، القاهرة، ص7.

([32]) إسماعيل بدوي، دعائم الحكم في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص149، بتصرف.

([33]) عبدالحميد أحمد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم، مكتبة المنار، الطبعة الثانية 1992م، ص141.

([34]) محمد جمال الدين القاسمي محاسن التأويل علق عليه محمد فؤاد عبد الباقي ط2 1978م دار الفكر بيروت ج2 ص324-327 .

([35]) أ ي لا يعيش لها ولد، أنظر لسان العرب، ج15، ص198.

([36]) سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، باب الأسير يكره على الإسلام، رقم الباب 126، ورقم الحديث 2679، أنظر محمد شمس الحق العظيم أبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داوود، إشراف العطار، دار الفكر، بيروت، 1995م، ورواه كذلك ابن جرير في تفسيره ج3، ص21.

([37]) أنظر علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت468هـ، التفسير الكبير، تحقيق خليل محيي الدين، ج4، دار الفكر، بيروت، 1995م، ص16.

([38]) محمد عمر الرازي الفخر، ت606هـ، التفسير الكبير، تحقيق خليل محيي الدين، ج4، دار الفكر، بيروت، 1995م، ص16.

([39]) محيي الدين الدرويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، الطبعة 5، ج1، دار ابن كثير، سنة 1996م، ص 388.

([40]) محمد حسين الطباطباني، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جامعة المدرسين قم إيران، مجلد1، ص 3432.

([41]) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الطبعة الثانية، ج3، دار الفكر، ص35.

([42]) أحمد يوسف السمين الحلبي، ت756هـ، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، تحقيق محمد محمد السيد دغيم، الطبعة الأولى، دار السيد للنشر، مصر، 1987م، ص 427.

([43]) رضا، تفسير المنار، ج3، ص39.

([44]) محمد بن جرير الطبري، ت310هـ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مجلد7، ج11،دار الفكر، بيروت، 1995م، ص 224-225، بتصرف.

([45]) سيد قطب، في ظلال القرآن، مجلد3، ص1821.

([46]) عفيف طباره، روح الدين الإسلامي، الطبعة الثلاثون، دار العلم للملايين، بيروت، 1995م. ص 158-159، بتصرف.

([47]) روي عن قتادة أنها مدنية ولكن سبب النزول يؤيد ما ذكرنا بأنها مكية، أنظر أبو حيان البحر المحيط، ج1، ص558.

([48]) علي بن أحمد الواحدي، ت468هـ، أسباب النزول، تعليق مصطفى البنا، الطبعة الثالثة، دار ابن كثير، دمشق، 1997م، ص378، وأخرجه كذلك الطبراني وابن أبي حاتم وعبدالرزاق بن وهب.

([49]) ذكر القرطبي أنه الأسود بن عبدالمطلب الظاهر أنه خطأ فالمشهود أن الذي عاند الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسود بن المطلب ولا يوجد الأسود بن عبدالمطلب، وهذا الذي ذكره الطبري، أنظر الطبري، جامع البيان، مجلد15، ج3، ص430.

([50]) سيد قطب، في ظلال القرآن، ج1، ص3993.

([51]) محمد أحمد الأنصاري القرطبي، ت671هـ، الجامع لأحكام القرآن، ج3، دار الكتب العلمية، بيروت، ص156.

([52]) الفخر الرازي، التفسير الكبير، مجلد 16، ج 31، ص 148، بتصرف.

([53]) أنظر الواحدي، أسباب النزول، ص378.

([54]) الفخر الرازي، التفسير الكبير، مجلد 16، ج 31، ص148.

([55]) المرجع ذاته، ص148.

([56]) محيي الدين الدرويش، إعراب القرآن وبيانه، ج8، ص 3-4.

([57]) محمد بن علي الشوكاني، ت 135هـ، فتح القدير، ج 4، دار الفكر، بيروت، 1993م، ص 648.