إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بثت في:

14/ربيع الأول/1431هـ

1/مارس/2010م

-----------------------

 

مقدم البرنامج: بسم الله الرحمن الرحيم.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الجديد لنواصل فيه موضوع محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-.

محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-عقيدةٌ عند كل مسلم، وشعورٌ بالاحترام والتقدير عند غيرهم، وقد سَجَّلتْ صفحات الكتب أقوالاً وثناءاتٍ كثيرة من مفكري الشرق والغرب لشخص النبي-صلى الله عليه وسلم-، لم يكن حُب عاطفة وإنما كان إعجاباً بالمنهج والسلوك والأخلاق، واندهاشاً من القدرة العجيبة في صناعة الرجال، وحلِّ المشكلات، ووضع قواعد دولة الإسلام الخالد في مدةٍ قصيرة، قدرةٌ أقرَّ معها هؤلاء بأن محمداً رسول الله، وأن ما قدمه وقام به وحيٌ من الله، كما قال بسمارك-قائد ألمانيا الحديدي المشهور-: (يا محمد إن الكتاب الذي نشرته ليس من قريحتكَ، وإنكار ألوهيته هراء، بناءً على هذا إني أعظمك بكل الاحترام.. راكعاً في حضورك المعنوي).

 

إخوتي الأعزاء: إن المسلم يحتاج إلى أن يقف على هذه العظَمة، ويقف أمام هذه الشخصية التي صاغها ربنا عز وجل ليتخذها المؤمنون قدوةً مدى الحياة كما أمر الله، فما هي تجليات هذه العظَمة؟ وكيف نجعل سيرته-صلى الله عليه وسلم-ومحبته عقيدةً ينقلها الكبير للصغير، والوالدان للأبناء؟ هذا ما سوف نتعرف عليه-بحول الله تعالى-في هذا اللقاء وعلى غيره من الأمور المتعلقة بمحبة النبي-صلى الله عليه وسلم-كما سوف تستمعون في العناصر بحول الله.

 

*********************

أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ..

 

الشيخ كهلان: حياكم الله، وأنا أُحيِّيَ  الإخوة والأخوات الذين يتابعون هذا البرنامج، وأرحب بمن سوف يشارك-بمشيئة الله تعالى- في هذه الحلقة التي جعلناها امتداداً للموضوع الذي ابتدأنا به في الحلقة الماضية-الأسبوع الماضي-ألا وهو موضوع محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-، ونسأل الله عز وجل في مستهله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه تعالى سميعٌ مجيبٌ.

 

مقدم البرنامج: آمين..

فضيلة الشيخ كهلان: الآن نريد أن تحدثونا عن ما ورد في الحلقة الماضية بشكلٍ مختصر، وما هي العناصر الجديدة التي سنطرقها اليوم في هذه الحلقة بإذن الله؟

 

الشيخ كهلان: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الموضوع الذي ابتدأنا به الأسبوع الماضي متزامناً مع ذكرى ميلاد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هو موضوع محبته-عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، وقد قلنا في الحلقة الماضية بأن محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-شعورٌ دافقٌ في جوانح كل من رضي بالله رباً وبمحمدٍ-صلى الله عليه وسلم-نبياً ورسولاً، وبالإسلام رسالةً ودِيناً، وشعورٌ غامرٌ يملأ قلوب الصغار والكبار الرجال منهم والنساء؛ ذلك لأنه يتعلق بخاتم الأنبياء والمرسلين.. سيد الثقلين.. ونور الكونين محمدٍ-صلى الله عليه وسلم-، الذي اجتمعت فيه كمالات الخصال البشرية جمعاء، والذي هو أحب الخلق إلى الخالق سبحانه وتعالى، والذي هو صفوة النبوة وخاتَمة الرسالات، والذي شرَّف الله تعالى هذه الأمة بأن جعلها أمته التي بُعِثَ فيهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى.

 

وقلنا: بأن ذلك الشعور الذي يملأ قلب كل مسلمٍ في حقيقة الأمر ينبغي أن يُوجَّه الوجهة الصحيحة، وأن يُترجَم ترجمةً في أرض الواقع تشهد لصاحبها بصدق المحبة، فنحن لا يمكن لنا أن نحمِل الناس على كذب المشاعر أو ادعاء المحبة الزائفة، بل إننا نقول بأن محبته-صلى الله عليه وسلم-أمرٌ مغروسٌ في نفوس المؤمنين جميعاً؛ لكنهم قد لا يعينهم الواقع في ترجمة محبتهم أو أنهم لا يعون الترجمة الصحيحة أو لا يكترثون بتحويل حبهم ذلك إلى وجهةٍ إيمانيةٍ باعثةٍ لهم إلى الخير والتأسي به-عليه أفضل الصلاة والسلام-؛ ولذلك كان حديثنا بعد بيان هذه المقدمة وبيان الأدلة الشرعية من نحو قوله جل وعلا: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2)، وفي مثل قوله سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128)، هذه الآيات التي تبين أن محبته-صلى الله عليه وسلم-تسوق الناس إليه كل الأسباب والاعتبارات التي يمكن أن تُحقق هذا الأثر البالغ في النفوس؛ فهو-صلى الله عليه وسلم-إنما ابتُعِثَ لكي يجعل من وجود البشر وجوداً سرمدياً خالداً حينما يتأسوا به ويقتدوا بأوامره ونواهيه فيسعدوا في الحياة الخالدة الأبدية، فكأن سبب وجودهم الحقيقي الخالد لا يكون إلا بالاتصال بشخص رسول الله-صلى الله عليه وسلم-اقتداءً وتأسياً.

 

وكذا الحال حينما ننظر بأنه كان رحيماً.. شفوقاً بهذه الأمة.. يعز عليه كل ما فيه العنت والمشقة على الناس فإنه لا شك هذا الوصف يدفع الناس إلى أن يُكِنُّوا كل المحبة والاحترام لهذا النبي الخاتم، كيف إذا أضفنا إلى ذلك أن الله عز وجل خاطبنا في كتابه الكريم بأن نتأسى به في كل أمرٍ من الأمور حينما قال سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ...} (الأحزاب:21)؟!! فجعل الأسوة والقدوة في شخصه-صلى الله عليه وسلم-الجامعة لكل الفضائل والكمالات التي يحتاج إليها الناس في هذه الحياة الدنيا حتى يسعدوا فيها وحتى ينجحوا في الحياة الآخرة.

 

ثم مررنا بعد ذلك على ما يتصل بالفارق بين حب العاطفة الفطري الطبعي وبين حب الاختيار، وقلنا بأن هذه الأدلة الشرعية وغيرها من مثل حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار"، ومن مثل قوله-صلى الله عليه وسلم-: "والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، ومن مثل حديث عمر بن الخطاب حينما أخذ بيد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقال: "والله إنك لأحب الناس إليَّ إلا من نفسي"، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر بن الخطاب: "فإنه الآن، والذي نفسي بيده إنك لأحب الناس إليَّ حتى من نفسي"، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "إنه الآن يا عمر"، قلنا: إن هذه المحبة التي نتحدث عنها هي محبة الاختيار أي أن يسعى المؤمن إلى أن يغرس هذه المحبة في قلبه، وهي لا تتعارض مع محبة الطبع؛ لكنها مشروطةٌ بأن تكون مُؤْثَرَةً على كل أنواع المَحبَّات الأخرى، فيؤْثر محبته لله عز وجل ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-على ما سواهما، فإذا ما تعارض أمرٌ من حبيبٍ غير رسول الله-صلى الله عليه وسلم-كوالدٍ أو ولدٍ أو زوجٍ أو خليلٍ أو صاحبٍ تعارض مع أمرٍ من أوامر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-كانت الأَثرة لمحبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-على محبة أيٍّ كان، وكان الرجحان والاتباع لهوى حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؛ لأن فيه النجاة والسعادة، وفي مخالفة محبته الهلكة-والعياذ بالله-.

 

وذَكَرنَا طرفاً من الأدلة الشرعية الواردة في هذا الباب من نحو قول الله عز وجل: {... وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)، وكما في قوله سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء:59)، ومن مثل  قوله عز وجل-وهو أمرٌ ينبغي أن ننتبه إليه-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء:80)، والأدلة في ذلك كثيرة، وسوف نتعرض بمشيئة الله تعالى اليوم لغيرها من الأدلة التي تتحدث عن المحبة الصادقة لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-وترجمتها في واقع حياة كل واحدٍ منا.

 

مقدم البرنامج: الآن تذكير بسيط بعناصر اليوم..

 

الشيخ كهلان: عناصر اليوم هي امتدادٌ للأسئلة التي طرحها عددٌ من الإخوة والأخوات الذين شاركوا في تلك الحلقة .

نريد أن نَعرِف ما هي البواعث التي يمكن أن تكون وراء حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ ثم كيف يمكن لنا أن نغرس هذه المحبة في نفوسنا وفي نفوس ناشئتنا بحيث تكون بحسب ما يحقق النفع لهذا الإنسان في دينه ودنياه وفي آخرته وما يوافق سائر الاعتبارات والبواعث الشرعية الداعية إلى محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ كذلك سوف نتأمل في بعض الجوانب مما كان عليه صحابة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في محبتهم له-عليه الصلاة والسلام-كأمثلةٍ نريد أن نتعرف من خلالها على بعض ما نحن عليه اليوم من صدق محبتنا له أو من ترجمة أو من مقاييس نَزِنُ بها حبنا له-عليه الصلاة والسلام-.

 

وكنا قد تعرضنا في الحلقة الماضية لمسألة الاحتفالات بالمولد، وكيفية إظهار الحب له-صلى الله عليه وسلم-؛ فلذلك لن نتعرض لها اليوم، وإنما سوف ننطلق إلى هذه العناصر الجديدة المتصلة، سوف نتعرض لمسألة كيف يكون حُبُّنا حقيقياً هل برفع الشعارات أو بتلاوة الأشعار والأناشيد أم بغير ذلك من المظاهر؟ ثم إننا نريد أن نقف مع مظاهر الكمالات في شخصيته-صلى الله عليه وسلم-، كثيرٌ من الناس لا يدرك ما هي جوانب الكمال والفضائل في شخصيته-عليه الصلاة والسلام-سوف نحاول أن نقف عندها اليوم، وبعد ذلك سوف نتعرف على كيفية الانتفاع من المشاعر التي يُكِنُّها المسلم في قلبه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

 

مداخلة متصل: لدي نقطتان لو تكرمتم:

النقطة الأولى: بعض الناس من منطلق حبه للرسول-صلى الله عليه وسلم-ولهذا الدين الحنيف يحاول التمسك بما جاء به أو بما أُثِرَ عن النبي-صلى الله عليه وسلم-؛ لكنه قد يأخذ أمراً ولا يحسن تطبيقه، ولا ينظُر إلى السياق الوارد فيه، فيطبقه بدون وعي، فنرجو من فضيلة الشيخ أن يتكرم بالتنبيه على هذه النقطة.

قضية أخرى: نرى كثيراً من المسلمين لا يُظهِرون محبتهم للرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولا اهتماماً بدراسة سيرته وأخذ العبر منها إلا عندما يساء أو يحاول كما يتصور الآخرون أن يُسيئوا إلى شخص الرسول-صلى الله عليه وسلم-، فعندها كأن الأمة تستفيق وتنتبه، أي كأن الأمة تحتاج إلى من-أستغفر الله من هذه العبارة-يُسيء لشخص الرسول-صلى الله عليه وسلم-ينتبهوا ويتبينوا أهمية الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وأنهم لابد من أن يقتدوا به، وأن يدافعوا عنه، وأن يحرصوا على الدين إلى آخر هذا الأمر..

وكذلك حتى في ردة الفعل هذه قد تشهد أحياناً ردة فعل قد تَخرُج عن حدود الإسلام، فبدل أن تؤدي إلى تحسين صورة المسلمين والرسول-صلى الله عليه وسلم-لدى الآخرين ربما تؤدي إلى نتيجة عكسية، وإلى تشويه صورة الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وصورة الإسلام.

 

مقدم البرنامج: نقف الآن مع هذه الآية القرآنية لننطلق بعدها في حوارنا بإذن الله.

 

*********************

{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24).

 

مقدم البرنامج: صدق الله العظيم.

فضيلة الشيخ دعنا أولاً نقف مع هذه الآية القرآنية لتبين لنا ما يستفاد منها في شأن محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-؟

 

الشيخ كهلان: هذه الآية هي من أصرح ما ورد في كتاب الله عز وجل مما يتصل صراحةً بمحبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وهذا فيه تصحيحٌ لما كنتُ قد ذكرتُه في الحلقة الماضية من أن التعبير بالمحبة في حق رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لم يرد صراحةً وأن الآيات التي وردت هي مما تدعو إلى المحبة وإن كانت لم تُصرِّح لكن هذه الآية في الحقيقة آيةٌ صريحة في وجوب إيثار محبته-صلى الله عليه وسلم-على سائر أعراض وأغراض ومتاع الحياة الدنيا وسائر الاعتبارات التي يمكن أن يستصحبها المرء في حياته؛ لذلك نجد أنها عبَّرت عن كل أنواع المحبة التي قد تَصدُر من الإنسان {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

 

فهذه الآية هي غايةٌ في التحذير من العلائق والأهواء التي قد تؤدي إلى التقصير في القيام بحقوق الديانة والعبودية لله عز وجل؛ فلذلك جاءت مستعرضةً لسائر أصناف العلائق هذه التي تشوبها مشوبة المحبة والهوى من ذوي القرابة أو أسباب المخالطة التي يمكن أن تكون بين المؤمنين والكافرين، حتى وإن كانوا فقط من العشيرة أو من المعارف أو من الأسباب التي تتعلق بها النفوس من متاع هذه الحياة الدنيا، فتحُول هذه الأسباب بين الإنسان وبين صدق التزامه بحقوق الإسلام كالمتاع والأموال والتجارة والمساكن بعد ذِكرِ أخص ما يمكن أن يَصرِف الإنسان عن المحبة الصادقة لله ورسوله والجهاد في سبيله وهي الآباء والأبناء والإخوان؛ فلذلك ذُكِرَ في البداية ما كان التعلق بهم أقوى من هذه الصلات والقرابات القريبة من الآباء والأبناء والإخوان، ثم ذُكِرَ بعد ذلك ما هو من علائق هذه الحياة الدنيا من المتاع.. من الأموال والمساكن والتجارة، وبيَّن أن إيثار هذه جميعاً-للمخاطَبين الذي هم عموم المؤمنين وسائر الناس-أن إيثار هذه العلائق على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله ليس من شأن المؤمنين وأمرٌ لا يحبه الله عز وجل وإنما هو من صفات الفاسقين، وقد توعد الله تعالى على مثل هذه الحالة، فلذلك قال: {... فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ...} وهذا وعيدٌ شديدٌ {... فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

 

والآية مع ما جَمَعَتْهُ من أصناف العلاقات وذويها-ذوي القرابات-فإنه في ذات الوقت هذه الآية من شأنها أن تدعو إلى تأليف القلوب وإلى طمأنة النفوس وإلى التقريب بينها؛ لأن الإيمان الصادق الذي يُؤْثِر حب الله وحب رسوله قد يؤدي إلى شيءٍ من الهجران أو عدم الطاعة أثراً من آثار محبة هذه الأصناف؛ لكن لما يعلَم المؤمن أن من شأنه ومن شأن إخوانه المؤمنين أن يؤْثروا حب الله وحب رسوله فإن ذلك سوف يبعث في نفسه أن عدم اتباعه ما كان إلا لإيثار ما هو أولى بالاتباع، فلا يَحمِل في نفسه على أخيه أو على ابنه أو على زوجه أو على قريبه وحبيبه شيئاً من الضغينة والحقد، بل يدعوه ذلك إلى أن يتأسى به، وأن يسلك سبيله، وأن يدعوه إلى مزيدٍ من الثبات على إيثار محبة الله، ومحبة رسوله-صلى الله عليه وسلم-.

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ قبل أن تُكمِل..

طبعا كما قلتم في نهاية حديثكم أن حبّ الله تعالى ورسوله لا يعني طبعا هجران الأقارب، وقد كان النبي-صلى الله عليه وسلم-محباً لأهله وأقربائه، ووردت في ذلك نصوص، الآن لنأخذ من هؤلاء (الأبناء).. الأخت المتصلة في الحلقة الماضية تريد من الأبناء أن يعينوا آباءهم على حب النبي-صلى الله عليه وسلم-وامتثال أمره؛ ولكن تقول ما هي الطريقة التي نجعل من أبنائنا محبين للنبي-صلى الله عليه وسلم-حتى يعينونا نحن ؟

 

الشيخ كهلان: نعم أحسنتم.. هذه نقطة مهمة، وهي من الأسس التي نريد أن نتعرض لها اليوم وهي غرس المحبة في نفوس الناشئة بحسب مراحلهم العمرية..

أولاً لابد من أمرين مهمين، الأمر الأول: هو وعي الأمهات والآباء وسائر الأولياء والمربين بحقيقة محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وكيف تكون مَحبةً صادقة، بمعنى أنهم لابد لهم أن يكونوا على وعيٍ وعلمٍ بأهمية هذا الأساس من أسس قيام الدين صحيحاً موافقاً لما يريده الله سبحانه وتعالى.

بعد ذلك يأتي أمر الأسوة الحسنة من قِبَلِ الآباء والأمهات والمربين؛ فإن خير وسيلةٍ لغرس محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بعد العِلم بها والتعرف عليها التطبيق من قِبَلِ الأولياء والمربين الذين هم الأسوة للناشئة من الأولاد من بنين وبنات.

بعد هذين الأمرين لابد - ونحن في واقعٍ تنوعت فيه المهارات وتعددت فيه وسائل المعرفة والعلوم وازدادت متطلبات ما يحتاج الآباء إلى غرسه في نفوس أولادهم - فإنه لابد  من اتباع الأساليب الصحيحة، وهذه الأساليب هي عديدةٌ متنوعة لكنها في ذات الوقت-بحمد الله تعالى-متوفرة، فإنه يمكن للأولياء أن يلجأوا إلى الكتب المتخصصة-فأنا لا أدَّعي أني متخصص-المتعلقة بتربية الأطفال.. المتعلقة بغرس حب نبي الله-صلى الله عليه وسلم-لدى الناشئة، وسوف يجدون الكثير من المواد النافعة في هذا الباب، وأنا أثُني هنا على موقعٍ أنشئ خصيصاً للتعريف برسول الله-صلى الله عليه وسلم-، واسم الموقع رسول الله.. هذا هو اسم الموقع، فيمكن الاعتماد عليه..

 

لكن حسب ما قرأتُ هناك جملة من الطرق التي يحتاج أن نلتزم بها ونحن نغرس محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-في أبنائنا.. وفي أنفسنا في الحقيقة، من هذه الطرق:

أن نربط بين أفعالنا الصحيحة الموافقة للشرع وبين نسبتها إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فحينما تَصدُقُ الأم فإن الأَولى أن تخبر ولدها أن صِدقَها هذا إنما هو تأسٍّ برسول الله-صلى الله عليه وسلم-الذي كان معروفاً بالصدق والأمانة، حينما تقوم بشيءٍ من الأعمال الحسنة أو الأخلاق الفاضلة فإنها تربط ذلك وتنسبه إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أننا تعلمنا ذلك من رسولنا محمدٍ-صلى الله عليه وسلم-، فترتبط هذه الأفعال الحسنة في ذهن هذا الناشئ بشخص رسول الله-صلى الله عليه وسلم-مما يغرس في نفسه المحبة والقدوة الحسنة؛ لأن ناشئة اليوم هم أشد ما يكونون في حاجةٍ إلى الأسوة الحسنة، وما لم يكن التلقي من قِبَلِ الوالدين والمربين عموماً ما لم يكن تلقياً صحيحاً فإن ذلك سوف يؤدي إلى ضياع الناشئة وبالتالي إلى أن يتخذوا أمثلةً وقدواتٍ غير رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، بل قد تكون القدوة التي يتخذونها مصدر انحرافٍ-والعياذ بالله-وضلال وبُعْدٍ عن الهداية، وبالتالي فلابد من ربط هذه التصرفات.. حتى التصرفات البسيطة، وهذه يمكن أن تُلقَّن حتى الناشئ الصغير أن الصدق إنما أخذناه تأسياً برسول الله-صلى الله عليه وسلم-.. الأمانة كذلك.. البعد عن الكذب.. الوفاء بالعهد.. المحبة فيما بين الإخوة والأخوات.. وفي ما بين الأسرة من والدين ومن أولاد هذه مما تعلمناه من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، طبعا بعباراتٍ يفهمها هذا الناشئ.

 

ثم بعد ذلك لابد من التعريف بسيرته وهديه-صلى الله عليه وسلم-، كثيرٌ من الآباء يركزون على تلقين أطفالهم نسب رسول الله اسمه ونَسَبَهُ وإلى آخر المعلومات على حساب هديه وخُلُقِهِ القويم، فتجد بعد ذلك هذا الطفل قد صار يافعاً ويحفظ نسب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ويعرف قبيلته ومسكنه وميلاده ووفاته لكنه بعيدٌ عن التأسي به، فكأن المحبة إنما هي في معرفة جوانب مع أنها هذه مهمة، وينبغي أن تُعرَّف؛ لكن هناك ما هو أولى منها.. هناك ما هو أحق أن يُعلَّم إياه هذا الناشئ، وأن يسمعه.

 

وبعد ذلك يمكن إجراء مسابقات بحسب الأعمار، كترتيب مثلاً أحداث حياة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ويُركَّز على الحوادث التي فيها منفعةٌ للناشئة: كيف كان يتعامل مع الأطفال على سبيل المثال.. كيف كان يتعامل-صلى الله عليه وسلم-مع الحيوانات العجماء.. كيف كان يداعب أو يمازح ويلاطف الصبيان-صلى الله عليه وسلم-.. كيف كان يلاعب الحسن والحسين-عليهما السلام-، وهذه يمكن أن تصاغ منها جملة من المسابقات.. كترتيب حوادث أو كأسئلةٍ مباشرة أو كأسئلة صح أم خطأ، مما يعين، على أن ذلك مما لا ينبغي أن يقتصر على فترةٍ واحدةٍ فقط ثم بعد ذلك يُهمَل هذا الجانب، وسنأتي-بمشيئة الله-لجملةٍ أخرى  من الطرق والأساليب.

 

مقدم البرنامج: طيب فضية الشيخ كان مما ورد في سؤال الأخت المتصلة في الحلقة الماضية تسأل عن مراعاة المراحل العمرية لدى الطفل، قد يكون مثلاً في مرحلة عمرية لا يستوعب معنى هذه المحبة، ويحتاج إلى أساليب أخرى حتى تصل إليه محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-، ما هي الطرق؟ هل هناك مثلاً مراعاة معينة لهذه الفترات العمرية أم هناك أسلوب واحد؟

 

الشيخ كهلان: لا، هو بطبيعة الحال لا شك أنه ليس بأسلوبٍ واحدٍ، وهذا الأسلوب لا يمكن أن يكون واحداً في كل المراحل العمرية؛ لذلك أنا ابتدأت في الحقيقة بما هو أقرب إلى سني الطفولة الأولى ثم بعد ذلك فترة الصبا ثم بعد ذلك فترة المراهقة؛ لكن لا يمكن.. لا يتأتى ذلك إلا بعد تطبيق الشرطين الأوليين، وهو: وعي الأولياء والآباء والأمهات، ثم الأسوة الحسنة من قِبَلِهِم؛ لأن غرس المحبة بالفعل أبلغ من غرسها بالقول، ثم هذا الفعل عندما يُوصَل برسول الله-صلى الله عليه وسلم-سوف يولد المحبة تلقائياً لدى نفوس الناشئة؛ فالأعمال المحببة.. الأعمال الصالحة.. الأعمال الخيرة التي تجد التشجيع وتجد الاستبشار والسرور من قِبلِ الأم أو الأب مربوطةً بأن مصدرها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-سوف تجعل الطفل حريصاً على أن يفعل هذه الأفعال، وأن يلتزم بها سائلاً عن غيرها من الأفعال التي يمكن أن تعين.

 

أما مسألة المسابقات وترتيب حوادث وغير ذلك من الأمور والتعريف بالسيرة وبالحوادث التي تعرض لها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فهذه تكون في مرحلة بعد السني الأولى من الطفولة، بين هذه وتلك لابد من التركيز على قَصص سيرة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الصحيحة الثابتة، وقد تمت صياغتها بشكلٍ يعين على تَقبُّل الأطفال لها، الآن كل أطفالنا أو كثيرٌ من أطفالنا يرغبون في حكايةٍ قبل النوم أو أنهم لا يهدأون إلا أن تقصَّ لهم قصةً أو حكاية أو أنهم يريدون في طريقهم.. في انتقالهم من بلدةٍ إلى أخرى أن يسمعوا قصة، إذاً لابد من أن نستثمر هذه الرغبة في أن نحكي لهم سيرة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وصُنِّفت الكثير من الكتب والقَصص وعُرضَت سيرة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بما يعين الأولياء والمربين على عرضها بشكلٍ شائقٍ ماتعٍ لأطفالهم، فتُنتَهز مثل هذه؛ لذلك قلتُ لا يكفي مثلاً أن نقول فترة الصيف لكننا نهملهم أثناء الدراسة..، لا، بل ننتفع من مثل هذه المناسبات، وهم لا يسأمون من التكرار حتى لو كانت قصة سمعوها لما سَئموا من سماعها، ثم تجد بعد ذلك أنهم هم يروونها ويحكونها حتى ولو كانوا أطفالاً صغاراً لغيرهم من الأطفال، إذاً موضوع القصة والحكاية أمر مهم في هذا الباب.

 

مقدم البرنامج: فقط لتوضيح هذه المسألة أكثر.. حتى نشبعها بحول الله:

قد يريد الإنسان وتريد الأم أن تكون محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-موجودةً في نفس هذا الطفل فتذكِّره بها من خلال التوجيهات المعينة؛ لكن هل تنصحون-فضيلة الشيخ-أن يكون لدى الإنسان في التعامل مع هذه المراحل العمرية فقهٌ في التعامل مع ذلك الواقع.. مع ذلك الحدث؟ كأن مثلاً نضرب مثالاً على ذلك: الطفل يريد ألعاباً كثيرة، وتريد الأم أن تقول له: أن النبي-صلى الله عليه وسلم-نهانا عن كثرة الألعاب.. ولديك ألعاب، هل ترون أن إدخال مثل هذا النص في لحظاتٍ يرغب فيها الطفل في اللعب ويرى أن حرمانه منها أمرٌ غير طيب؟ هل ترون من المناسب مثلاً إدخال مثل هذا النص؟ أي هذا لابد من الفقه..

 

الشيخ كهلان: هو لابد بالإضافة إلى الفقه لِما له من أهميةٍ بالغةٍ لابد  من مراعاة الجوانب النفسية للطفل بحيث إنه لا يُبغَّض في شخص رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ففي اللحظة التي يكون فيها راغباً وهو طفل تسوقه مشاعره وعواطفه يُبيِّن أن سبب المنع مما يريد وأن سبب الحرمان هو ما جاء على لسان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قد يورثه ذلك بعض الآثار السلبية؛ فلذلك ينبغي أن يتنبه الأولياء لمثل هذه الأمور، ويكون الغرس.. يكون التعليم هنا والتثقيف بأسلوبٍ لا يزيد الطفل إلا محبةً في رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

 

فمثلاً في هذا السياق يمكن أن يوعز إليه مثلاً بأنه هل يرغب في أن يتصدق بما لديه مثلاً من ألعاب فائضة زائدة يتصدق بها على أطفالٍ فقراء ومساكين لأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-علمنا ذلك.. هل يريد أن يحظى بأجرٍ أكبر بأن يصبر ويتأنى..، أي يُربَط بالجوانب الإيجابية التي تغرس مزيداً من المحبة في نفسه؛ ولذلك أنا قلتُ بدايةً- مع أني غير متخصص-لكني أحب أن أقرأ في هذه المجالات، وأنصح أن يُقرأ فيها؛ لأن هناك عدداً من المتخصصين كتبوا فيها؛ لذلك حتى لما قلتُ بأن السيرة عُرِضَت بشكلٍ مبسطٍ للأطفال سوف نجد الكثير من ما أُلِّف في هذا الباب، وتُنتَهَز هذه الأيام فرصة معرض مسقط الدولي للكتاب لانتقاء المناسب، ولا بأس أن يُستَشار أهل الخبرة في ذلك لما يصلح للأطفال.

 

 يَذكُر بعض المربين والمعلمين في هذا السياق الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-من قِبَلِ الأولياء والآباء والأمهات والبالغين من الأسرة حتى يتعود هو على ذلك ، لا بأس من الأشعار والأناشيد الدينية التي تغرس المحبة، وتحفيظها للأطفال؛ لأنهم يهوون ذلك، ويمكن لهم أن تُجرَى بينهم مسابقات في الإنشاد ببعض الأبيات البسيطة الخفيفة التي يمكن أن يحفظها الأطفال، وأَيُّ طفلٍ من أطفالنا لا يحفظ طلع البدر علينا! فلماذا لا يُحفَّظ غيرها من ما يدعوه إلى التعرف على سيرة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ إذاً هذه فقط بمثابة رؤوس أقلام لهذا الموضوع.

 

مقدم البرنامج: بهذا الصدد الذي قلتموه فضيلة الشيخ أتذكر موقف النبي-صلى الله عليه وسلم-من الطفل الذي كان يلعب بالطير ثم عاد إليه بعد فترة يسأله عن الطائر مع أن اللعب بالطائر قد يعرضه إلى الموت أو شيء من هذا القبيل؛ لكن الموقف فيه تجليات أديبة "يا أبا عمير: ما فعل النغير؟".

الآن نأتي إلى موضوع يتعلق هذه المرة بالكبار، والتزامهم بأمر النبي-صلى الله عليه وسلم-في سؤال الأخ المتصل يقول: يرغب البعض في أن يتمسك بما أُثِرَ عن النبي-صلى الله عليه وسلم-لكنه لا يدقق في معناه وفي مغزاه، ولا يتدبر في السياق الذي ورد من أجله، ما هي الخطوات التي يتبعها الإنسان حتى يُنَفِّذ ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، ويترجم تلك المحبة عملياً؟

 

الشيخ كهلان: هي نقطة مهمة..

لا شك أن التأسي برسول الله-صلى الله عليه وسلم-مطلبٌ ديني لا خلاف فيه؛ لكن الاقتداء به والتأسي إنما يكون فيما ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-أولاً، وأن يُقَرَّرَ بحسب ظروفه وسياقاته التي ورد فيها، ويكون ذلك من قِبَلِ أهل العلم، فَتُبيِّن السياقات أي لا يأتِ ويقول قائل بأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه بالغلظة لأنه يقول: {... وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ...} (التوبة:73)، لا، هذا خطابٌ خاص لوضعٍ خاص في حالة القتال، فالله سبحانه وتعالى يأمر نبيه بذلك في قتال الكافرين؛ لكنه في معاملته لسائر الناس إنما أَمَرَه بالمعاملة بالحسنى، وفي معاملته مع أصحابه إنما أَمَرَه بأن يكون رفيقاً {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...} (آل عمران:159).

 

وكذا الحال بالنسبة إلى السياقات مثل ما ورد في قصة النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حتى ولو كان قصدهم حسناً لكنهم يريدون أن يُدخِلوا ما ليس من الدين فيه، فإذا به-عليه الصلاة والسلام-يقول: "فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"، فإذاً ينبغي للمسلم أن يكون حذراً، وأن يعرف.. أن يفهم ما ورد عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فهماً صحيحاً؛ حتى يكون تأسيه تأسياً موافقاً لما كان عليه-عليه أفضل الصلاة والسلام-، وقلنا بأن ذلك لابد له-لا شك من القصد الحسن، والنية الخالصة-لكنه لابد أن يكون من حيث ذاته موافقاً للكيفية الشرعية لذلك الفعل أو القول الذي يريد أن يَتأسى به، وأنا أحسب أن سؤال الأخ المتصل يتصل بكثيرٍ من فضائل الأعمال، وببعض المظاهر، هذه مع الحث على التقيد بها والالتزام بها لكن أن تكون موافقةً لهدي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بحسب ما يقرره أهل العلم من سياقاتها واعتباراتها وفهمها الفهم الصحيح.

 

مقدم البرنامج: نعم.. وخاصة فيما يتعلق بمواقف غضب فيها النبي-صلى الله عليه وسلم-.

 

الشيخ كهلان: نعم، نحن نعرف أنه يغضب لله عز وجل حينما تنتهك حرمةٌ من حرمات الله.

 

مقدم البرنامج: طيب فضيلة الشيخ الحديث يطول بنا ولدينا مجموعة من الفواصل، ولكن قبل هذا الفاصل أنتم ذكرتم في الحلقة الماضية أن كل الناس يحبون النبي-صلى الله عليه وسلم-، ونريد توضيحاً لهذه العبارة؛ لأن البعض يقول بأن حب النبي-صلى الله عليه وسلم-عند بعض الناس ليس صحيحاً؛ لأنه لا يُترجَم واقعاً، ويؤْثر الإنسان الكثير من المَحَبَّات الأخرى على محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-، هذا السؤال نريده أن يكون مع حديثكم عن ترجمة محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-في واقعنا المعاصر، هل برفع الشعارات..؟ بإقامة الاحتفالات..؟ بالإنشاد والمهرجانات..؟ باختصار فضيلة الشيخ: كيف يستطيع الفرد المسلم من أن يجعل محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-حبًّا حقيقياً؟

 

الشيخ كهلان: بالنسبة للنقطة الأولى وهي مسألة أن كل من رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً ورسولاً فإنه مُحِبٌّ لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-ذلك أننا لا نتوقع ممن اختار الإسلام ورضي هذا المنهج إلا أن يكون محبًّا للنبي-صلى الله عليه وسلم-؛ لكنه قد يُخطِئ في ترجمة محبته.. قد يتردد في ترجمة محبته.. قد تشغله الحياة الدنيا وزخارفها من أن يكون متأسياً حق الاقتداء والتأسي به-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-؛ فلذلك ليس من الحكمة أن يُتَّهَمَ الناس في مشاعرهم، وأن يُكَذَّبُوا في حبهم للرسول-صلى الله عليه وسلم-، بل نقول بأنهم مُحبُّون له لكنهم مخطئون في ترجمتهم، وينبغي أن يُوجَّهَ ذلك الشعور.. أن تُوجَّه تلك العاطفة الدافقة المستكنة في أعماق قلوبهم إلى الخير، وأن يُؤخَذ بأيدي هؤلاء إلى ما يعود عليهم بالأثر الإيجابي، وينعكس على سلوكهم وشخصياتهم عملاً صالحاً وخلقاً فاضلاً وغيرةً على الدين وحبًّا لكل من ينتسب إلى هذا الدين، إذاً هذا الذي نقول، ونحن لا نَحمِل أحداً من المسلمين إلا على أنه محب لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-وإن أخطأ في الترجمة وتحويل ذلك الشعور إلى واقعٍ، كيف-كما تفضلتَ-إذا كان ممن لا ينتسب إلى هذا الدين بل هم من أعداء الإسلام وهم يُصرِّحون بمدى إعجابهم واحترامهم لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-حينما درَسوا سيرته وعَلِموا فضله؟!! ولا تزال هذه الأمثلة تتكرر عبر التاريخ، حتى في وقتنا المعاصر كثير ممن لا ينتسب إلى هذا الدين يعترفون بجوانب العظمة في شخصيته-صلى الله عليه وسلم-، فإذاً كيف لا نتوقع ممن ينتسب إلى هذا الدين أن يكون غير محبٍّ له-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-؟!!

 

أما كيفية الترجمة فأنا أؤكد على أن إظهار المحبة لا يمكن أن يتسع له قالبٌ واحد، وأن يُضيَّق ما هو واسع، وأن يُحمَل الناس على طريقةٍ واحدةٍ؛ لكن مهما تعددت الوسائل واختلفت مظاهر التعبير فإنها مشروطةٌ بأن تكون موافقةً لهدي الدين، وأن تكون بعيدةً عن المبالغة أو الإفراط أو التفريط، وأن يكون المقصود منها معناها الحقيقي وجوهرها وهو الانتفاع والعبرة والعظة والاقتداء، وليس أن تكون مجرد طقوس تقام، وعبراتٍ تراق، وإنما العِبرة لا العَبرة، وأن تكون المعنى والمغزى لا المظهر والطقس، فلو كان المسلمون يدركون هذه المعاني لانتفعوا من المحطات التي تحصل لهم في حياتهم، حينما يتذكرون ميلاده-صلى الله عليه وسلم-فما فائدة أن يقوموا بتلاوة أشعارٍ ثم لا يترجمون ذلك واقعاً في حياتهم وإنما هي مجرد اجتماع يرددون فيه بعض العبارات، أما إذا كان يصاحب ذلك الانتفاع والعِبرة والعظة والاهتداء فذلك خير.

 

كذا الحال بالنسبة لنقل بعض الناس يحمل مشاعر في قلبه ويعبر عنها بمقطوعةٍ أدبيةٍ من نظمٍ أو نثرٍ، لا يمكن أن نَحجُر على الناس ونقول: لا.. ليس ذلك من ما عهده السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، إنما هي كلماتٌ انطلقت من حنايا قلبه في مثل هذه المناسبة وعبَّر فيها عن حبه، فإذاً هذا شكلٌ ومظهرٌ؛ لكن الذي يؤسف له أن يكون التأسي أو أن يكون إظهار الحب إنما هو كما قال الأخ المتصل ردة فعلٍ من عدوٍّ حاقدٍ أو جاهلٍ أو قاصدٍ مقاصد سوء، وأن تكون مجرد عاطفة تثور ثم مع مرور الأيام لا تلبث أن تزول وتغور، هذا مما لا يُحمَد في هذه الأمة.. أن يكون تذكرها لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-مشروطاً بانتقاصٍ من منزلته ومن مكانته-عليه أفضل الصلاة والسلام-لا، لا ينبغي أن يكون ذلك هو شأن المسلمين وديدنهم.. أن تكون تصرفاتهم حيال حبهم لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-وإظهار هذه المحبة مجرد ردود أفعالٍ للآخرين، بل لابد لهم من مبادرات لتعريف الآخر، مبادرات تُؤَسَس بدايةً ويُسعَى إليها تأصيلاً لتعريف الناس برسول الله-صلى الله عليه وسلم-وبيان فضله على هذه الأمة وبيان فضله على الناس جميعاً وبيان المعاني الحقيقية لقول الله عز وجل واصفاً إياه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107).

 

مقدم البرنامج: وهذه ردات الفعل قد تأخذ في بعض الأحيان أشكال العصبية ولذلك تصحبها أعمال تخريبية.

 

الشيخ كهلان: وبالتالي نعم يكون التعبير عن المحبة تعبيراً خاطئاً، ويكون جالباً للإثم في حين كان المقصود أن يكون سبباً للأجر والثواب، وللعِبرة والعِظة، ويدعو للأسف الشديد إلى عكس المقصود.. سوف يزيد من تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ومن حقد الآخرين على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بدل أن يحقق الغرض الأسمى الذي هو تعميم محبته، وبيان رحمة رسالته للناس، ودعوة الناس إلى هذا الخير العظيم.

 

مقدم البرنامج: تصبح ردَّات فعلٍ متبادلة..

نقف الآن مع هذا الفاصل الآخر، ثم نناقش ما جاء فيه بإذن الله.

 

*********************

أبو عقيلٍ عن جده قال: كنتُ مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-، فقال عمر: والله يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا نفسي، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال عمر: فأنت الآن والله أحب إليَّ من نفسي، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "الآن يا عمر".

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ هذا الموقف موقف عمر-رضي الله عنه-مع النبي-صلى الله عليه وسلم-نحتاج معه إلى بعض تأمل، فهو في البداية قال: "أنت أحب إليَّ إلا من نفسي"، ولما قال له النبي-صلى الله عليه وسلم-: "لا ..." كانت الاستجابة فورية، هل أدرك في تلك اللحظة أن يبدِّل موضوع الحب؟

 

الشيخ كهلان: أحسنتم..

هو كان في جملته الأولى-رضي الله عنه-يُعبِّر عن حب العاطفة؛ فهو يُكِنُّ من العاطفة والمودة لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-ما عبَّر عنه بتلك الصيغة، فلما نبهه-عليه الصلاة والسلام-إلى الحب الاختياري الواجب عليه تَدارك عُمر ذلك وصرَّح بأنه في هذا السياق لا يفوق حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في نفسه أيُّ حُبٍّ آخر، فحُبه-عليه الصلاة والسلام-في نفسه مقدمٌ وله المنزلة الأولى، وحب نفسه كيف يُقدَّم وهم يؤثرون أنفسهم على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يُضحُّون بأنفسهم.. يجودون بأرواحهم في سبيل الذود عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، كما هو معروف من سيرتهم-رضوان الله تعالى عليهم-عمر وأبو بكر الصديق وغيرهم من صحابة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؛ فلذلك كان قول عمر في البداية ثم تَدارُكُه لمَّا نبهه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ولذلك عَلِمَ منه النبي-صلى الله عليه وسلم-هذا فقال: "فإنه الآن يا عمر".

 

مقدم البرنامج: طيب الآن نأتي فضيلة الشيخ إلى الجوانب-جوانب الفضائل والكمالات-التي يحتاج المسلم المعاصر أن يقف عندها ويتأمل فيها حتى يكون حبه للنبي-صلى الله عليه وسلم-حباً صادقاً، وحتى يَنتفِعَ من المشاعر التي يُكِنُّها للنبي-صلى الله عليه وسلم-.

 

الشيخ كهلان: جوانب الفضائل والكمالات في شخصيته-عليه الصلاة والسلام-لا تنتهي، ولا يمكن أن نستوعبها في حلقةٍ ولا في حلقات، وكم أُلِّفتْ من مؤلفات ومن مجلدات في بيان هذه الجوانب؛ لكني أريد أن ألفت النظر إلى أمرين اثنين، الأمر الأول: هو أن من جوانب العظمة والكمال في شخصيته-عليه الصلاة والسلام-جانب الدعوة الجامعة التي جاء بها، الدعوة الجامعة أقصد بها هذه الرسالة التي أتى بها محمدٌ الخاتم-صلى الله عليه وسلم-، أين ما تأملتَ في جوانب هذه الدعوة وقلَّبتَ نظرك في تشريعات هذه الرسالة وجدتَها محفوفةً بالرحمة والرفق بالناس، واليسر بهم، ودعوتهم إلى كل ما فيه خيرهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، كل ما من شأنه إصلاح أحوال الناس والحياة سوف تجده مغموراً مشمولاً بتوجيهات هذا الدين وتشريعاته العظيمة؛ فلذلك رسالته رسالة رحمة وسلام ومحبة ووئام بين الناس، التعرف على هذه الرسالة التي جاء بها هذا النبي الخاتم وحياً من عند الله عز وجل هو جانبٌ من التعرف على شخصيته العظيمة وكماله البشري-صلى الله عليه وسلم-، وقد أُلِّفَتْ في ذلك الكثير من المؤلفات، حينما ننظر فيها-كما قلتُ-من هذه الزاوية.. حينما تَنظُر في التضحيات التي بذلها هو–صلى الله عليه وسلم-في سبيل إيصال هذه الرسالة والدعوة إلى الناس.. تلقيه لهذه الرسالة ثم تبليغه لها سوف تكتشف من جوانب الكمالات والتضحية والصبر والعزم والصلة بالله سبحانه وتعالى والرفق بالناس الشيء العجب الذي لا ينقضي، فيزداد الحب له في النفوس، والتقدير له، والرغبة في التعرف على هذه الدعوة وهذه الرسالة الخاتمة.

 

كذا الحال حينما تَنظُر في الجانب الآخر: مع الدعوة الجامعة هناك عبوديةٌ خالصة؛ هذا الرسول الذي هو بشر عبدٌ من عباد الله عز وجل كان من أكثر الناس عبادةً وخشوعاً وتقرباً إلى الله عز وجل مع أنه أعلاهم منزلةً وأعظمهم شرفاً وأقربهم إلى الله تعالى، كان يقوم أغلب الليل.. كان يصبر ويضحي في سبيل إيصال الخير والهداية للناس.. كان يَضرَع إلى ربه داعياً متبتلاً ودموع عينيه تنهمر فتبلل لحيته وحِجره وموضع سجوده.. عانى من الجوع، وصبر على لأواء العيش إلى أن وصل به الحال إلى أن يربط الحجارة على بطنه-صلى الله عليه وسلم-، كان لا يرضى إلا أن يتفقد كل فردٍ من صحابته الكرام صغيراً كان أو كبيراً رجلاً كان أو امرأة أو عجوزاً فيقضي لهم حوائجهم وهو خير الخلق أجمعين؛ فلذلك لما نام على الحصير وأثَّر الحصير في جنبه الشريف ورآه عمر فاستعبر عمر وقال: هؤلاء ملوك الدنيا هم على ما هم فيه من سعة الدنيا، فرسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول له: "أولئك لهم الدنيا، ونحن لنا الآخرة" ليعلم، ثم يُباسِط وسط كل ذلك، ومباسطته لإخوانه وأصحابه وحَملُهم على السعة وعلى الرفق واللين فيه من الدلالات والشواهد على عظمته-صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك نجد أن القرآن الكريم يشير إلى معنى-في الحقيقة لابد أن نتأمل فيه-لمَّا وصفه-لأختم هذا السؤال الذي يجمع الجانبين: جانب الدعوة الجامعة، والعبودية الخالصة-يقول سبحانه في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...} (الأعراف:157)، ثم قال: {... فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف:157-158).

 

مقدم البرنامج: جزاكم الله خيراً فضيلة الشيخ..

نشكركم على هذا العطاء الثَّر في موضوع محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-.

 

الشيخ كهلان: بارك الله فيكم، والشكر لكم.

 

مقدم البرنامج: نشكر أعزاءنا المستمعين على استماعهم وإنصاتهم ومشاركتهم كذلك، ونذكِّرهم بأن حلقتنا القادمة بإذن الله تعالى ستكون عن الغيرة، نرجو أن تكون هناك مشاركات حول هذا الموضوع-موضوع الغيرة-، نلقاكم بحول الله تعالى إذاً في الحلقة القادمة، إلى ذلك الحين نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تمت الحلقة