إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بثت في:

7/ربيع الأول/1431هـ

22/فبراير/2010م

----------------------

 

مقدم البرنامج: بسم الله الرحمن الرحيم.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الجديد الذي نهنئكم فيه بدايةً بالمولد النبوي الشريف، ونتحدث بحول الله تعالى في هذا اللقاء عن حب النبي-صلى الله عليه وسلم-.

 

حب النبي-صلى الله عليه وسلم-عقيدةٌ تتعدى الشعور القلبي والعمق الروحي إلى الحركة العملية والسلوك الفعلي، إنه عقيدة تشرح الشق الثاني من شهادة الإيمان، وقيمةٌ إيمانيةٌ غالية الثمن لا يتحقق الإيمان الكامل إلا بها، بَيْدَ أن طرائق الناس في التعبير عن الحب النبوي قد تعددت، واتخذت مسالك شتى، يتجه بعضها إلى ابتعاث هذا الحب وتجديده عن طريق رياضة السلوك، ويتجه بعضها إلى ابتعاثه عن طريق رياضة الروح، ورأى آخرون أنها قد تتحول إلى عاطفةٍ قوية لكنها تفتقد الضبط لتمنح الحب النبوي درجة الحب الإلهي وذلك من حيث يشعر المرء ومن حيث لا يشعر؛ لكن المتفق عليه بين هؤلاء جميعاً أن حب النبي-صلى الله عليه وسلم-عقيدةٌ إيمانية وإن اختلف التعبير عنها، ونحن هنا في هذا اللقاء لسنا بصدد الإيغال في تفاصيل هذه القضايا بقدر ما نحتاج إلى تجلية موضوع الحب النبوي وإعادة التذكير به في عالمٍ تزاحمت فيه الشخصيات التي تُقدِّمُ نفسها للقدوة عن طريق وسائل الإعلام، فما هو الحب النبوي؟ وكيف يجدده المرء باستمرار مع حلول مثل هذه المناسبات؟ هذا الذي نناقش فيه اليوم بإذن الله تعالى فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي.

 

*********************

أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ..

 

الشيخ كهلان: حياكم الله، وأرحب أنا  بالإخوة والأخوات الذين يتابعون هذا البرنامج، وأُحيِّي من سوف يشارك منهم بمشيئة الله تعالى في موضوع الحلقة اليوم، وأسأل الله عز وجل في مستهل هذا اللقاء أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه تعالى سميعٌ مجيبٌ.

 

مقدم البرنامج: آمين..

في البداية فضيلة الشيخ نريدك أن تبين لنا أهمية موضوع الحلقة، وما تشتمل عليه من عناصر، طبعاً الحب النبوي موضوعٌ واسعٌ وكبير وقد يحتاج فيه الإنسان إلى طرح نقاطٍ كثيرة فما الذي يمكن أن يشارك به المستمع اليوم والمستمعة في هذا اللقاء؟

 

الشيخ كهلان: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن موضوع اليوم-كما تفضلتَ-موضوعٌ يحلو به الحديث، ويطيب به الكلام؛ لأنه يتعلق ببدر التمام، ونور الظلام، سيد الكونين نبينا محمدٍ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فهو نوعٌ خاصٌ من الموضوعات التي تهم كل فردٍ من أبناء هذه الأمة، فما من فردٍ مهما كان سلوكه في هذه الحياة إلا ولمحمدٍ بن عبدالله-صلى الله عليه وسلم-في قلبه منزلةٌ رفيعة، رجلاٌ كان أو امرأة، فكل من آمن بالله رباً ورضي بمحمدٍ-صلى الله عليه وسلم-نبياً ورسولاً فإنه يُكِنُّ في أعماق نفسه منزلةً رفيعةً ومحبةً عاليةً لهذا النبي الخاتم، وكيف لا يشعر نحوه بالمحبة وبهذا الشعور الغامر وهو-عليه أفضل الصلاة والسلام-أحق من يمكن أن توجه مشاعر الحب نحوه؛ لأنه سبب الهداية، فهو البشير النذير، وهو المُزكي لهذه النفوس، وهو الباعث للقيم والأخلاق، وهو الهادي إلى طريق الأمان وإلى طريق السلامة وبَرِّ الأمان، وهو-عليه أفصل الصلاة والسلام-خاتم الأنبياء والمرسلين.. أفضل الخلق أجمعين.. سيد الأولين والآخرين؛ فلذلك يطيب الكلام بالحديث عن محبته-عليه أفضل الصلاة والسلام-.

 

ثم هذه المحبة لابد أن تُعرَّف، وذلكم الشعور الكامن في نفوس المؤمنين لابد أن يوجه وجهته الصحيحة، فلئن كان الواحد منا يُكِنُّ مودةً ومحبةً وشعوراً غامراً نحو رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فإن هذه المشاعر الفياضة الإيجابية ينبغي أن يُنحى بها إلى المنحى الذي يُبلِّغُ هذا المرء إلى أن يُحشَر مع من يحب، وإلى أن يكون مع من يُخالِل، وإلى أن يحظى برفقة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في الدار الآخرة، وإلى أن يشرب من حوضه المورود شربةً لا يظمأ بعدها أبداً، وإلى أن يكون من إخوانه-صلى الله عليه وسلم-الذين أَشفق عليهم هو-عليه الصلاة والسلام-وقال: "إخواني الذين يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني".

 

كل هذا يدفعنا ونحن نستنشق عبير ذكرى ميلاد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إلى أن نقف مع هذا الموضوع في هذه الحلقة وفي الحلقة القادمة -بمشيئة الله تعالى-؛ لأن الموضوع-كما تفضلتَ-فيه الكثير من المحاور، ويمكن أن يمتد به الحديث، لكننا سوف نحاول أن نحصر حديثنا ومحاور نقاشنا في جملةٍ من العناصر سوف تستوعبها-بمشيئة الله تعالى-حلقتان من هذا البرنامج المبارك بمشاركة الإخوة والأخوات في هذا الموضوع المفتوح للنقاش، سوف نحاول أن نتعرف على معنى المحبة، وإلى جوانبها وبواعثها، هل جوانب هذه المحبة التي تحملها النفوس هي جوانب عقديةٌ إيمانيةٌ فقط؟ أم أنها جوانب عاطفية؟ أم أنها جوانب روحية؟ أم أن هناك اعتبارات وجوانب ينبغي أن تصاحب محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-المغروسة في النفوس؟ ثم كيف تُعزَّزُ هذه المحبة؟ وكيف يمكن أن يصل الواحد منا إلى أن يكون حبه لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-أعظم منزلة عنده وأكثر تَقْدُمَةً من أي حُبٍّ آخر يمكن أن يكون في حياته سواءً كان حباً لوالدٍ-أبٍ أو أم-أو كان حباً لولدٍ أو كان حباً لصاحبةٍ-زوجةٍ-أو كان حباً لأخٍ أو صاحبٍ أو خليلٍ أو صديقٍ كيف يمكن أن يكون حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فوق كل أنواع هذه المحبة؟

 

ثم سوف نحاول أن ننظر بعد ذلك إلى ترجمة هذه المحبة في واقع الحياة، وكيف يمكن أن نجعل من محبتنا سبباً لنجاتنا، وما هو برهان المحبة.. كيف تكون المحبة صادقةً، وكيف تكون مجرد دعوى، وسوف نخرج بعد ذلك إلى ما يغرس في النفوس الحب الصادق من صفات الكمالات في شخصية رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بمعنى سوف نُعَرِّج-إن لم يتسع اليوم المجال ففي الحلقة القادمة-إلى جوانب الفضائل والكمالات في شخصية رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وفي كل هذه العناصر سوف نحاول أن يكون استمدادنا من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-القولية والفعلية وسيرته الشريفة-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-، وعلى هذا فالمجال مفتوح للإخوة والأخوات لكي يشاركوا، ولن نشترط نوعاً في هاتين الحلقتين؛ نظراً لنفاسة الموضوع الذي نتحدث فيه، ولكونه لا يخص أحداً دون أحد، فليست فئةٌ من فئات المجتمع ولا صنفٌ من أصناف المتدينين أو المسلمين عامةً يختص بمحبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وكلهم يغترف من محبته ما يناسب مشربه، ولذلك فإننا نرحب بأي مشاركةٍ في هذا المجال ولو كانت تعبيراً صادقاً يخرج من قلبٍ محبٍ لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-بكلماتٍ فيها نفعٌ لنا جميعاً بإذن الله عز وجل أو كانت استفساراً عن موضوعٍ يتصل بهذه العناصر أجمع أو بغيرها من ما يتصل بهذا الموضوع أو كانت شيئاً من الأدبيات أو شيئاً من المواقف أو غير ذلك من ما يمكن أن يتيحه مجال الحديث بإذن الله.

 

مداخلة متصل: لدي بعض النقاط:

كثيرٌ من الناس قد يظن أن تواقيت هذه المناسبات النبوية قطعية، فلو تكرم فضيلة الشيخ نبه على هذه القضية.

 هو ذَكَرَ أن هذه الحلقة يشارك فيها الجميع، و ذَكَرَ أن كل مسلم يحب الرسول-صلى الله عليه وسلم-؛ لكن هل من يُقَصِّر في الدين يعتبر أنه يحب الرسول-صلى الله عليه وسلم-حباً حقيقياً أم أن في محبته نقص؟

نقطة أخرى: نرى كثيراً من الناس بسبب حبهم للرسول-صلى الله عليه وسلم-يَذكُرون روايات قد تكون ضعيفة لبيان قدر النبي-صلى الله عليه وسلم-، وغرس محبته في قلوب العباد، أليس في القرآن الكريم وفي الثابت من السنة النبوية ما يغني عن هذه الروايات الضعيفة؟

 من النقاط التي أحب أن أطرحها: أن بعض الشباب خاصة عندما يستقيم شخص على دين الله سبحانه وتعالى ينهالون عليه بذكر السنن والمستحبات، فيحاولون أن يَحمِلونه على تلك السنن، ربما يؤدي هذا إلى النفرة، فنرجو من فضيلة الشيخ أن يبين هذه القضية.

 

مداخلة متصل آخر: إمام مسجد في مسقط في خطبة الجمعة حكا قصة، كنت أريد أن أعرف المغزى منها، لعلنا كلنا نستفيد منها، يقول بأنه كان يتحدث مع أحد الأشخاص في ليلة الجمعة-كان يوم الخميس-عن التوسل بجاه الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وسلم-بعد مماته، فقال-بعدما أثنى على الله سبحانه وتعالى بما يستحق من الثناء وصلى على الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وسلم-قال: والله لا أكذب.. والله لا أكذب.. والله لا أكذب..، وحكا القصة أنه كان يتحدث مع أحد الأشخاص عن التوسل بجاه الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وسلم-، وقال حضَّرتُ لخطبة الجمعة ونمت، فرأيت أن السماء توسَّعت وازينت والأرض توسعت وازينت وسمع هاتفاً يقول: (لو أن إنساناً توسل إلينا بجاه الحبيب المصطفى على أن نغير له السموات والأرض لغيرناها له، إنَّ أمرنا أن نقول للشيء كن فيكون)، فأنا أعرض الموضوع على فضيلة الشيخ كهلان-ربنا يكرمنا بعلمه، ويمد لنا في عمره، ويعطيه الصحة والعافية-أريد أن أتأكد من التوسل بجاه الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وسلم-.

 

مقدم البرنامج: إذاً بعد هاتين المكالمتين نقف مع هذه الآية القرآنية ثم ننطلق بعدها في حوارنا بإذن الله.

 

*********************

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).

 

مقدم البرنامج: صدق الله العظيم.

فضيلة الشيخ هنا سؤال للأخ المتصل الأول يلتقي مع ما نريده من هذه الآية-بحول الله سبحانه وتعالى-التي استمعنا إليها، نريدكم أن تحدثونا من خلالها كيف تناول القرآن الكريم موضوع محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-؟ وما المقصود بالمحبة خاصةً وأن الأخ المتصل الأول يقول أن في القرآن الكريم ما يكفي للاستشهاد به عن الروايات الضعيفة في هذا الموضوع؟

 

الشيخ كهلان: هذه الآية التي أنصتنا إليها من سورة الأحزاب قول الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} هذه الآية التي يحفظها كثيرٌ من الناس، ويَعلمها أغلب المسلمين فيها من الدلالة على أهمية محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-المحبة الصادقة التي تنبعث من مشاعر فياضةٍ تلامس شغاف القلب ثم يظهر أثرها بعد ذلك في سلوك هذا المُحِب، فالآية تجعل من ذات رسول الله-صلى الله عليه وسلم-موضعاً للاتِّساء والاقتداء؛ فلم تَذكُر خصلةً من خصاله أو صفةً من صفاته وإنما قالت: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ...}، لم تَذكُر صفةً أو طبعاً أو سجيةً من سجاياه أو لم تَذكُر خُلُقاً من أخلاقه مفردةً أو على سبيل الجمع، وإنما قالت: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ...} أي في ذات رسول الله.. في شخصه، وهذا لكي يشمل الاتساء والاقتداء به-عليه أفضل الصلاة والسلام-كل ما يَصدُر عنه من أقوالٍ وأفعالٍ ومن صفاتٍ وسجايا، فحينما نقول الأقوال والأفعال فإن ذلك يعني كل ما صَدَرَ عنه-عليه الصلاة والسلام-من ما يتصل بالتشريع أمراً ونهياً.. ندباً وكراهةً وإباحة، وحينما نقول من صفاته الذاتية أي ما يتحلى به رسولنا الخاتم-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-من صفاتٍ كالصبر، والحزم، والشجاعة، والكرم، والإقدام، وغيرها من كريم الخِلال، وجميل الصفات التي للناس فيها مجالٌ للاقتداء والتأسي.

 

وكذا الحال بالنسبة إلى ما يصدر عنه من أخلاقٍ وطبائع وسجايا، فإن كل ذلك مشمول بعموم هذه الآية، فليس المقصود أن تحصر مجالات الاقتداء به في وصفٍ خاصٍ من صفاته-عليه الصلاة والسلام-، وإنما المقصود بها عموم أحواله.

 

كذلك نجد بعض الآيات تتحدث عن صفاته-عليه الصلاة والسلام-مدحاً وثناءً {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) ونجد مثل هذه الآية التي أنصتنا إليها نجد قول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ...} (الجمعة:2)، نجد قوله سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128) فإذاً هذه سجاياه وخصاله، وهذه دعوته التي جاء بها، فدعوته دعوة خير.. دعوة إنقاذٍ لهذا الإنسان؛ لأنها تهدي من الضلال إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الغواية إلى الرشد؛ ولأنها تُنقِذ من النار إلى الفردوس الأعلى وإلى الجنان العالية.

 

فإذاً حينما يكون هذا الذي يحدثنا عنه القرآن بهذه المنزلة في سجاياه وخِلاله وصفاته وفي دعوته التي جاء بها إلينا فإذاً هو حقيقٌ وجديرٌ بكل محبةً تنبعث من قلوب الذين يؤمنون به، ومع ذلك فلا شك أن القرآن الكريم استعرض جملةً من سيرته-صلى الله عليه وسلم-وبيَّن منزلته عند ربه جل وعلا وهذا بابٌ آخر لمحبته-عليه الصلاة والسلام-وهو هذه المنزلة التي يتبوأها عند ربه تبارك وتعالى جبار السموات والأرض الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} (الضحى:1-8) إلى آخر ما نجده في كتاب الله عز وجل من ما يبين منزلته-صلى الله عليه وسلم-عند ربه تبارك وتعالى مما سوف يأتي.

 

لكن ما ورد في اتصال الأخ المتصل الأول من التنبيه إلى أنه اختلط بهذا الموضوع وببيان بواعث محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أحاديث ليست باليسيرة مما هي ضعيفةٌ أو موضوعة هذا كلامٌ في محله وهو كلامٌ صحيح؛ لكن هذا لا يعني أن لا نلتفت إلى ما هو صحيحٌ ثابتٌ من أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الواردة في وجوب محبتنا له.. إيجاب محبتنا لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-كقوله عليه-أفضل الصلاة والسلام-في الحديث الصحيح: "ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه من ما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار"، وكقوله-صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ: هذه العاطفة قد تغلب على المرء وهو يتشرب حب النبي-صلى الله عليه وسلم-فتدفعه إلى قبول أي قولٍ مأثورٍ ضعيفٍ أو صحيحٍ ليقوده إلى هذه المحبة النبوية، حتى أن البعض ربما يجعل من الرؤى المنامية التي تأتيه خيالاً أو تأتيه بسبب انفعال هذه المحبة يجعلها دليلاً على هذه المحبة كما قال الأخ المتصل الثاني؛ حيث استمع-طبعا هذا يُدخِلنا مباشرةً في سؤاله-استمع إلى من يقول أن التوسل بالنبي-صلى الله عليه وسلم-تدل عليه الرؤى المنامية؛ لأنه كما قال: سمع هتافاً من السماء يدل على أن هذا التوسل من شأنه أن يغير حتى في أنظمة الكون لو دعا الإنسان بهذا، هل بالفعل هذه المحبة النبوية تؤدي إلى مثل هذه النتيجة؟ وما مدى مشروعيتها؟

 

الشيخ كهلان: نعم أحسنتَ.. هذه نقاط مهمة.. وكل من طرحها أنا في ظني أنه يريد أن ينبهنا إلى قضية؛ فما ذكره الأخ المتصل الأول وما ذكره الأستاذ المتصل الثاني إنما يشيران به إلى أهمية الاعتدال في كل شيء.. حتى في محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أو حتى في تطبيق هذه المحبة وترجمتها في واقع حياة المسلم؛ ذلك أن الناس بين إفراطٍ وتفريطٍ حتى في محبته وفي إظهار الحب له-عليه الصلاة والسلام-، فمنهم من يُغالي، حتى أنه يُدخِل إلى هذا الدين ما ليس منه، فإن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن لنا في كتابه الكريم أن محمداً-صلى الله عليه وسلم-بشر رسول، وأنه عبدٌ من عباد الله عز وجل، وبيَّن لنا صفاته وأحواله البشرية ، وكما أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بنفسه حذَّر من إطرائه والمغالاة في حبه أو في إطرائه بحيث يَخرُج عن طَوْرِ تكريمه وإنزاله المنزلة اللائقة إلى حدِّ الغلو في حبه وإضفاء شيءٍ من صفات الألوهية أو القداسة فإن هذا أمرٌ بيَّن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لهذه الأمة خطورته، وحذر من أن تقع هذه الأمة فيما وقع فيه من قبلها من الأمم.

 

ولذلك أقول جواباً على هذه النقطة: بأنه لا يجوز الغلو والمبالغة كما لا يجوز التفريط وإظهار دعوى المحبة فقط دون أي أثرٍ لذلك في أرض الواقع.. لا يمكن أن يكون أيٌّ من ذلك شاهداً على المحبة الصادقة المتزنة الصحيحة نحو رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ولهذا فلنأخذ أولاً جانب التقصير-كما قال الأخ المتصل الأول لكونه طرح سؤاله بدايةً-باختصار: جانب التقصير لا يعكس المحبة الصحيحة، وإنما قد تكون هذه المحبة مجرد مشاعر؛ ولذلك قلنا إن من ضمن العناصر التي سوف نتناولها كيف تُنمَّى هذه المشاعر لكي يظهر لها أثرٌ في أرض الواقع، ولكي تكون صادقةً تعكس محبةً حقيقيةً موجودةً في هذه النفس، فليس كل أحدٍ يقصد المخالفة، هناك الغافل الذي يحتاج إلى تذكير، وهناك الجاهل الذي يحتاج إلى تعليم.. هناك الذي تغلبه نفسه ولكنه يمكن أن يَدَّكِرَ فيتوب إلى الله عز وجل، وهناك الذي  لعله شارف على اليأس والقنوط من رحمة الله بسبب ما اكتسبت يداه ويظن أن لا ملجأ له فيزداد انحرافاً وبُعْداً عن ترجمة محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في أرض الواقع، ولهؤلاء جميعاً نقول بأن هناك منهجاً قاصداً راشداً ينبغي لهم أن يتأسوا به، وأن يقتدوا به في إظهار محبتهم للرسول-صلى الله عليه وسلم-، وأن لا يكتفوا بتلك المشاعر الفياضة في جوانح نفوسهم فقط.

 

أما بالنسبة لمن يبالغ : نحن نعلم أن مسألة التوسل بجاه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هي مسألةٌ خلافية بين أهل العلم، والراجح عندنا هو عدم جواز التوسل بالرسول-صلى الله عليه وسلم-ولا بجاهه بعد وفاته اللهم إلا في دعاء الاستسقاء، وأما ما سوى ذلك فإنه مما لا يصح، وأحكام هذا الدين لا تؤخذ من الرؤى والمنامات، نعم الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح هي إحدى علامات الصلاح، وهي شيءٌ مما تبقى من النبوة كما قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، لكن لا يعني ذلك أنها تؤخذ منها الأحكام، وتبنى عليها التشريعات..، لا، لابد من التنبه لذلك.. لابد من الإيقان بأن ما يراه الواحد منا في منامه هو ليس مصدراً للأحكام الشرعية لكي يقال بأن هذا حلالٌ أو جائزٌ أو حرامٌ أو مندوبٌ أو غير ذلك.

 

وفي خصوص هذه القضية: أولاً أن هذا الدين جاء لكي يدعو الناس إلى أن يتوجهوا بعبادتهم ودعائهم لله عز وجل بدون واسطة، أيًّا كان علو مقام هذه الواسطة، حتى ولو كان أفضل الخلق وهو صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك القرآن يعلمنا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5) بلا واسطة، ورسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول-يعلم أمته كما في الحديث-: "احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، ويقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى عليه السلام"، والله عز وجل يقول لنبيه-صلى الله عليه وسلم-لكي يُخاطِب قومه: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:188).

 

مداخلة متصل ثالث: الشيخ أنا أسأل عن الاحتفال بالمولد النبوي: كان منذ زمن في الولايات يحتفلون بالمولد النبوي عن طريق القراءة من كتاب وشيء من القرآن الكريم، لكن في العصر الحديث قالوا إن هذه بدعة، فالآن في معظم الولايات توقف الناس عن القراءة وما شابه، فما نصيحة الشيخ حول هذا الموضوع هل يشجع على إرجاع هذه العادة أم تركها هو الصحيح؟

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ أنتم ذكرتم أنه لابد أن يكون هناك اعتدالٌ في محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-لا إفراط ولا تفريط، بَيْدَ أن الملاحظ عند الناس الذين يَدْعُونَ إلى موضوع الاعتدال والذين يَدْعُونَ إلى موضوع المبالغة وغيرها هناك أمورٌ تتبدَّى يحتاج المرء إلى أن يفهمها جيداً..

سأقولها ولكن بعد هذه المكالمة..

 

مداخلة متصل رابع: حب النبي-صلى الله عليه وسلم-كما هو معروف يجب أن يُغرَس في قلوب الناشئة، وفي قلوب كل الناس، وفي قلوب كل المسلمين في حياتنا اليومية؛ ولكن كما تكرم الشيخ قبل قليل هو ذكر أن هناك مغالاة في هذا الأمر؛ حيث إن كثيراً من الناس يرفع الرسول-صلى الله عليه وسلم-إلى مرتبة الألوهية، وهذا من ما نُهِيَ عنه؛ فإن الرسول-صلى الله عليه وسلم-هو بشرٌ مثلنا، وقع منه خطأ، فهذا أمر يجب أن يتنبه له الناس جميعاً.

وإذا تكرم علينا فضيلة الشيخ: قبل قليل كان السؤال حول الاحتفال بالمولد النبوي، وكما هو كان معروفاً في بعض الأماكن من قراءات لبعض الكتب، فالاحتفالات يمكن طبعا أن تؤخذ بصورة أخرى وهي إحياء الدروس لسنة النبي-صلى الله عليه وسلم-.. تطبيق ما كان الرسول-صلى الله عليه وسلم-عليه، وتذكير هؤلاء الناس بأخلاقه وصفاته-صلى الله عليه وسلم-، وهو القدوة والأسوة لنا جميعاً.

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ نعود إلى سؤالنا: طبعا الذين بالغوا في محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-استعانوا على ذلك بمجموعةٍ من الروايات الضعيفة، والرؤى المنامية، وغيرها من السلوكيات والاحتفالات وغيرها على كل حال، والذين دعوا إلى الاعتدال بقيت هذه المحبة في قلوبهم ولكن تبدت هذه المرة-كما في سؤال الأخ المتصل الأول-في أشكالٍ أخرى، فهناك دفعٌ كبيرٌ للمستحبات الواردة عن النبي-صلى الله عليه وسلم-والاقتداء في أشياءٍ كثيرة جداً قد يَنظُر إليها الذي يُخاطَبُ بها على أنها ثقيلةٌ عليه أو كثيرةٌ عليه أو أُكثِر منها من غير تمحيص لها ربما أو مراعاة لواقع المخاطَبِ بها، هل هذا  نوعٌ من المبالغة؟ كيف يكون الاعتدال وسط هذا؟

 

الشيخ كهلان: أولاً: الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {... قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} (الإسراء:93)، فبشرية رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أمرٌ متفقٌ عليه لا جدال فيها، وهو مع بشريته رسولٌ خاتمٌ معصومٌ من الخطأ؛ ولذلك أنا قدَّمتُ هذه الآية حتى أصحح لاتصال الأخ المتصل الرابع قبل الإجابة على سؤالك، أن كلمة وقع منه الخطأ هذه مما لا ينبغي أن تقال في حق رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ما نجده من عتاب لبعض المواقف التي صَدَرَتْ منه-صلى الله عليه وسلم-إنما هو عتابٌ لمخالفته ما هو أولى في حقه باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين، وإلا فتلك التصرفات التي عوتب عليها سواء مثل ما ورد في أسرى بدر أو ما ورد في اشتغاله-صلى الله عليه وسلم-بدعوة كبار رجال قريش والانصراف عن ابن أم مكتوم إلى آخر بعض المواضع التي تُفهَم منها إشارات عتابٍ في كتاب الله عز وجل إنما كانت-كما قلتُ-من باب مخالفة الأَولى في حقه-عليه الصلاة والسلام-.. في حق مقام النبوة؛ ولذلك نجد أنها تأتي { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...} (الأنفال:67) كذا الحال بالنسبة لـ {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (عبس:1-3)، الآيات نفسها تبين عذر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في انصرافه عن ابن أم مكتوم إلى الحديث، العتاب كما يقول الكثير من المفسرين ليس في كون الموقف خطأً، وإنما في الانصراف عن البشاشة، وإظهار البِشر لابن أم مكتوم، وإلا فرجاء إدخال صناديد قريش إلى هذا الدين أمرٌ معتبرٌ شرعاً؛ ولذلك لم يكن العتاب حول هذه القضية، وإنما كان العتاب حول الانصراف عنه { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (عبس:1-3)، لم يأتِ عتابٌ صريحٌ في كون تصرف النبي-صلى الله عليه وسلم--في ذاته بالتصرف الذي يتناسب ومقام النبوة من حيث دعوة صناديد قريش.

 

مداخلة متصلة: نريد من الشيخ أن يبين لنا كيف يمكن أن ندخل محبة رسول الله في قلوب أطفالنا بما يتناسب مع مراحلهم العمرية ومتطلباتها المختلفة، بحيث ينشأ هذا الحب في نفس الطفل منذ صغره، ومن المؤكد أن لكل مرحلة طريقتها أو أسلوبها.

 

مقدم البرنامج: سنعود لهذا السؤال إن شاء الله..

 

الشيخ كهلان: أما بالنسبة لسؤالكَ الذي تفضلتَ وكان حول اختلاط الأولويات-دعني أسميه بهذا الاسم-: هذه من المشكلات التي ينبغي أن تُصَحح.. من القضايا التي يقع فيها كثيرٌ من الناس، ولا يُحسِنون معرفة سُلَّمِ الأولويات فيها، فإن طريق الصلاح والاستقامة بل سلوك هذا الإنسان في هذه الحياة لا شك فيه أولويات، وأهم هذه الأولويات هو غرس الإيمان الذي يبعث إلى العمل الصالح، وهذا الإيمان بكل ما فيه من: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والملائكة، والكتب، والرسل حينما يتمكن من نفس المؤمن ويكون فاعلاً فيها فإنه سوف يبعثه إلى العمل الصالح، هذا العمل الصالح فيه أولويات، فهناك المحرمات التي يجب أن ينتهي عنها، وأن يقف عنها، وأن لا يقربها، وأن يتوب منها، فيتخلص منها فوراً، هذه لا إرجاء فيها.. لا يمكن أن يتراخى فيها، عليه أن يتوب.. يبادر إلى التوبة، ويستغفر الله سبحانه وتعالى، ويتخلص من تبعاتها قدر استطاعته فيما يتعلق بالتبعات.

 

كذلك أداء الواجبات، لابد من أن يُغرَس في نفس المسلم التائب ما يدعوه إلى المحافظة على الواجبات والفرائض قبل محافظته على السنن والمندوبات؛ فلذلك لابد من أن يَفهَم الدعاة وأهل العلم والناس أن هناك أولويات لابد من مراعاتها، وأن هذه الأولويات هي واضحة، ثم بعد ذلك يأتي ما يسميه أهل العلم فضائل الأعمال، لكن كيف يتمكن من ذلك؟ هنا لابد من العِلم، وبالتالي فإن التأسي برسول الله-صلى الله عليه وسلم-مدعاةٌ إلى التعلم، ومحبة النبي-صلى الله عليه وسلم-تكون صادقةً حينما يكون المحب مقتدياً به-عليه الصلاة والسلام-فيما جاء به، وقد جاء-صلى الله عليه وسلم-بالأمر بالعلم، وبالحث على السعي إلى طلب العلم، وبالأمر بالتعلم، ودعوته وَصَفَهَا الله سبحانه وتعالى بأنها {... وَيُعَلِّمُهُمُ ...}، وكان-صلى الله عليه وسلم-حريصاً في كل تعليماته وتوجيهاته وإرشاداته خلال حياته كلها على أن يَغرِس أهمية العلم، وما تمكن أصحابه من بعده من نشر هذا الدين وبسط أخلاق هذا الدين إلا بما تعلموه منه-عليه الصلاة والسلام-، وبحرصهم على تعلم شتى أنواع العلوم والمعارف، وهذا يدعونا.. وأنا أريد أن أركِّز إلى أن التعلم مقدمٌ على كثيرٍ من فضائل الأعمال.

 

مقدم البرنامج: في الحقيقة هذا الموضوع ذات شجون، لو فتحنا الباب هكذا على مصراعيه لدخلت أمورٌ كثيرة، أنا أضرب مثالاً على ذلك مثلاً: الصفات الجِبلِّيَة التي كان يفعلها النبي-صلى الله عليه وسلم-وهي طبعا.. القيام والجلوس والأكل والشرب واللباس وغيرها من الأمور التي جعل منها الناس سُنَّةً، وفرضوها أو ربما ساقوها إلى الناس على اعتبار أنها من الأشياء التي لابد من الالتزام بها، أنا أَذكُر أن كاتباً يَذكُر أن الذي يُسلِم من بلدٍ معينٍ يَتَّبِعُ لباس قومه ووطنه أي ليس بالضرورة أن يلبس لباس الشرق على اعتبار أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يلبس ذلك، الأوروبي مثلاً عندما يدخل في الإسلام تجد بعض الدعاة من يذهب إليه ليعطيه جلباباً وعمامةً وغيرها فيخالف لباس قومه، هذه أمور إن شاء الله ربما سنناقشها في الحلقة القادمة، لكن هناك موضوعٌ مهم توجزوه لنا بحول الله تعالى لأننا نريد أن ننتقل إلى المحور الثاني الذي يدخل ضمن سؤال الأخت المتصلة، موضوع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: كيف ينبغي أن يكون؟ وما هي الصورة المثُلى؟ لا نريد أن نضرب صُوَراً.

 

الشيخ كهلان: أولاً أنا أريد أن أؤكد  على أن التعبير عن محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لا يمكن حصرها.. لا يمكن أن نقول بأن إظهار المحبة إنما يتجلى في نَسَقٍ واحدٍ ولا يحتمل نسقاً آخر، وعلى هذا فأنا أريد أن أنبه فقط إلى أن التأسي به-صلى الله عليه وسلم-والاقتداء حتى بالصفات الجِبِلِّيَّة حينما يُخلِص المرء قصده لله عز وجل حتى فيما يتصل بكيفية الأكل والشرب والمشي وغير ذلك من الصفات هذا محمود مع خلوص النية، ومع قصد الاقتداء بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، فهذا لا شك محمودٌ، وله الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى، ومن هنا قلتُ بأنه لا يمكن أن نَحمِل إظهار المحبة على نسقٍ واحدٍ فقط؛ لكن تقديم ذلك على ما هو أَولى وأهم هذا هو المحذور الذي ينبغي أن ينتبه له الناس أو أن يكون في ذلك-وهو غير لازمٍ.. غير واجبٍ شرعاً-أن يكون في ذلك مجلبةٌ لتفويت ما هو واجبٌ أو لجلب مضار قد تَصُدُّ عن ما هو واجبٌ أو قد تؤدي إلى الوقوع في حرجٍ في هذا الدين.

 

فإذاً هناك مجال.. هناك مساحة من المباحات، ومن العادات التي أقرها هذا الدين، والتي جعل فيها فسحةً وسعةً للناس، ولا ينبغي للناس أن يُضيِّقوها، ويدخل في ذلك ما يتصل بما أشرتَ إليه من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك مع كون الاقتداء بالرسول-صلى الله عليه وسلم-فيها أمرٌ محمودٌ؛ لكن على أن لا يكون ذلك على حساب الواجبات والشرائط والأركان والفرائض أو أن يكون مجلبةً للاستهزاء بهذا الدين أو للسخرية منه أي أنه لا يُحقق مقاصد هذه الشريعة، ولا يخدم الغايات الأهم والأَولى في هذا الدين الحنيف؛ ولذلك ينبغي أن يدرك الناس هذه الحقائق البسيطة، في المقابل لا ينبغي لهم أن يُضيِّقوا على من اختار أن يتأسى برسول الله-صلى الله عليه وسلم-في مظهره ولبسه وطريقة أكله وشربه، بل ينبغي أن يحظى هذا بالتقدير والاحترام شريطة أن يكون فعله ذلك موافقاً لقواعد العلم، وموافقاً لما تقرره الأدلة الشرعية في المجالات التي يريد أن يتأسى فيها برسول الله-صلى الله عليه وسلم-، لا أن تكون مجرد مزاعم وأوهام أو تكون روايات ضعيفة منسوبةً إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-من أقوالٍ وأفعالٍ وصفاتٍ وهو عنها بعيد.

 

كذلك في هذا السياق هذا سيدفعنا إلى مسألة الحديث بكيفية الاحتفال..

أولاً الاحتفال إنما هو الأصل فيه أن يكون بالاعتبار والتذكر والانتفاع، ولا يُقصَد من ذلك ترديد طقوسٍ معينة، والالتزام بأن يَقرَأ كتاباً ما أو قصيدةً معينةً ويظن أنه بذلك يُحيي ذكرى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لا؛ لكن ما من شك أن تكريم العظماء وتذكر أفعال العظماء ومن هم صفوة الخلق ومن كان لهم أثرٌ في واقع حياة الناس هذا أمرٌ لا حرج فيه؛ لكن على أن لا يُفهَم منه أن ذلك من الدين، وأن ذلك من العبادات المسنونة التي وردت فيها أدلةٌ شرعيةٌ، أي إظهار المحبة بأي شكلٍ من الأشكال طالما أنه لا يخرج عن حدود هذه الشريعة الحنيفة السمحاء، ولا يتعارض مع شيءٍ من عقيدته فإن الشرط-بعد هذه الشروط-أن يكون باعتدال.. أن يكون موافقاً للأدلة الشرعية، وأن يكون القصد منه العبرة والعظة والتعلم، لا يكون القصد منه المرح واللهو والخروج به عن غايته الشرعية التي هي-كما قلتُ-العبرة والعظة والعلم والتعلم؛ فلذلك ليس هناك شكل واحد نستطيع أن نؤطر للناس ونقول هذا هو النسق الذي يمكن أن تُحيوا به ذكرى ميلاد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

 

وأنبه-كما أشار الأخ المتصل الأول- إلى أن هذا التاريخ الذي يحتفل فيه أغلب المسلمين بميلاده-صلى الله عليه وسلم-هو موضع خلاف بين العلماء؛ لكن الكثير منهم يرى بأن هذا التاريخ هو التاريخ الذي ولد فيه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-تحرياً لكنه لا ميزة له عن غيره، وهناك أقوال أخرى في تاريخ مولده، ولكن العبرة إنما هي بالمعاني المصاحبة لتذكر ميلاده-صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي أَخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو البشير النذير، وهو الرحمة للعالمين جميعاً، وهو الذي أرسله الله تعالى للناس كافة.. خاتماً للأنبياء والمرسلين، فإذاً أنا لا أرى بأن الاحتفال يكون بقراءة كتابٍ معين وتلاوته وترديد الناس وراءه بطريقةٍ معينةٍ-هذه من الطقوس-.. وأن يجتمع الناس لذلك، منهم من يعي ومنهم من لا يعي.. منهم من لا يعجبه إلا النغم الذي يسمعه-أي الجرْس الموسيقي-لذلك الذي يَقرأ لكنه لا يعي كلماتها، وفي أبيات هذه القصائد التي يرددها الناس مبالغات، وفيها رواياتٌ ضعيفة.. وفيها إشارة إلى حوادث لم تقع حقيقةً كما يقرر أهل العلم..، لا، إنما يكون ذلك باعتدالٍ-كما قلتُ-، وأن يكون القصد العبرة والعظة والتعلم، والتأسي بالنبي-صلى الله عليه وسلم-وإحياء سيرته وبثها الذي يدفع إلى التأسي به والاقتداء في واقع حياة الناس.

 

مقدم البرنامج: هو الحقيقة موضوع الصفات الجِبِلِّيَّة  الذي تحدثتم عنها-ونحن لا نتحدث عن الصفات التي ورد فيها أثر: كالأكل باليمين مثلاً وردت فيها سُنة على كل حال، واللباس يكون ساترا وغيرها-ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى توسعة في النقاش..

 

الشيخ كهلان: عمر مثلاً في حَجَّتِهِ كان يتأسى برسول الله-صلى الله عليه وسلم-، حتى في نعله التي يلبسها.. حتى كان يتحرى موضع قدمه الشريف-صلى الله عليه وسلم-.. ولا غرو في ذلك، لنتذكر أن الله تعالى أكرمنا بخير الخلق، نحن من أمة خاتم الأنبياء والمرسلين وهو صفوة الناس جميعاً.. سيد الأنبياء والمرسلين الذين هم صفوة الخلق على الإطلاق، فلا شك أنه تكون له منزلة عظيمة، إذا كان الناس في واقع حياتهم اليوم إنما يتأسون بعظمائهم من علماء ومخترعين ومكتشفين وقادة ومؤثرين فاعلين مصلحين فما بالك بمن تجتمع فيه هذه الصفات كلها وبمن أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين! ليس للناس فقط.. ليس للثقلين فقط، وإنما للكون بأسره بكل موجداته، لا شك هو أحق أن يُتأسى به ويُقتدى حتى في غير الصفات التي أرشد فيها نبينا-صلى الله عليه وسلم-إلى أنها من المسنونة أو المندوبة.

 

تجد كثيراً من الناس حينما يتحدث عن محبة الرسول-صلى الله عليه وسلم-يَذكُر صفات خِلقته من وجهه المضيء وصفاته ولحيته وقامته إلى آخره، ويُصوِّر شخص رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بالعروس العذراء الجميلة، ويظن أن ذلك هو الذي يبعث الناس إلى محبته..، لا، هذا الدين لم يأتِ بذلك؛ ولذلك لا نجد وصفاً لهيأته في كتاب الله عز وجل أو في حديثٍ صحيحٍ إلا ما روي من وصف صحابته له-صلى الله عليه وسلم-، وكانوا يقصدون بذلك التعريف به، فكيف يأتي من بعدهم ويحاولون وكأنهم يريدون أن يرسموا لنا صورةً لشخصيته-صلى الله عليه وسلم-في حين أن ذلك لا يغير من حقيقة المحبة شيئاً.

 

مقدم البرنامج: نبقى الآن مع هذا الفاصل لأنه بقي لدينا وقت قليل حتى نَدخُل في موضوع المحبة وتربية الأبناء على الحب.

 

*********************

عن أنسٍ عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يُؤمِن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين".

 

مقدم البرنامج: فضيلة الشيخ هذا الحديث يبين منزلة محبة النبي-صلى الله عليه وسلم-بين سائر مشاعر الحب الفطرية التي يحملها الواحد منا-يحملها طبعا بين خلجات نفسه لوالديه ولولده ولزوجته-، الآن كيف يستطيع الواحد منا أن يجعل لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذه المنزلة الفائقة الغالبة على أنواع المحبة الأخرى؟ وهنا إن رأيتم أن تخصصوا جزءًا-وإن كان الوقت ضيق-لسؤال الأخت المتصلة..

 

الشيخ كهلان: يمكن أن نؤجل؛ لأن الأخ المتصل الرابع-بارك الله فيه-أشار إلى نفس هذه النقطة وهي: غرس المحبة في النفوس- في نفوس الناشئة-، وهي التي تسأل عنها الأخت المتصلة، فهي قضايا مهمة، وبالتالي يمكن أن نرجئها.. نخصص لها عنصراً خاصاً.

 

لكن لأن هذا السؤال يتصل بقضية هامة، ولابد من توضيحها:

هذا الحديث الذي أنصتنا إليه كما في أحاديث أخرى وردت عنه-عليه أفضل الصلاة والسلام-أبرزها ما ورد من قصة أنه أخذ بيد عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-فإذا بعمر بن الخطاب يقول للنبي-صلى الله عليه وسلم-: "والله إنك لأحب الناس إليَّ إلا من نفسي يا رسول الله" فإذا بالنبي-صلى الله عليه وسلم-يقول له: "لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فعمر بن الخطاب-رضي الله عنه-أدرك ما أرشده إليه أو ما نبهه إليه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقال له: "فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي"، فقال-عليه أفضل الصلاة والسلام-: "الآن يا عمر"، هذا الحديث كيف نفهمه في ظل ما أنصتنا إليه من حديث رسولنا-صلى الله عليه وسلم-الذي ورد في عدة روايات-"لا يؤمن عبدٌ" وفي رواية "لا يؤمن الرجل" وفي رواية "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" والرواية التي أنصتنا إليها "من والده وولده والناس أجمعين"-؟

 

هناك حبٌّ فطري طبعي لدى الناس، وهناك حبٌّ اختياري، هذه المحبة التي نتحدث عنها هي المحبة الاختيارية أي أن يحمل الواحد منا نفسه على حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، أما الحب (حب الطبع.. حب الفطرة) فهذا مما لا يتحكم فيه الإنسان، فهو يحب والديه.. يحب أمه.. يحب والده.. يحب ولده-بالنسبة للوالد يحب ولده-.. وبالنسبة لكثيرٍ من الأزواج يحب الواحد منهما الآخر، ولنقل كثير من الأزواج لأن بعض الأزواج  لا يتحقق فيهم ذلك؛ لكن كثير من الناس  تجد أنه يُخالل أخاً له لصفاتٍ تعجبه فيه ويحبه حبًّا جمًّا، هذا حب طبع، وهذا حبٌّ فطري لا يؤاخذ الناس عليه، وإنما يؤاخذون بما يُتبِعون هذه المحبة من آثارٍ ومظاهر.

 

لكن حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الذي تتحدث عنه هذه الروايات هو حب الاختيار أي أن يسعى كل واحدٍ إلى أن يغرس في نفسه محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي فلو خُيِّرَ بين ما يُترجِم له محبته للنبي-صلى الله عليه وسلم-وبين ما يُترجِم له محبته الطبيعية لوالده أو لولده لقدَّم بلا ترددٍ محبته لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فإن أَمَرَهُ والده بأمرٍ يخالف ما أتى به رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فإنه لا يفعل ذلك؛ لأن حبيبه المصطفى-عليه الصلاة وأزكى السلام- أَمَرَهُ أو نهاه عن ذلك الشيء أو أَمَرَهُ بما يخالف ما يأمره به والده؛ فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وطاعة الوالدين إنما تكون من طاعة الله سبحانه وتعالى، كذلك يظهر حب الاختيار-كما قلتُ-في أن يسعى أو أن يجد من نفسه هذا المحب أنه يستسهل أن يضحي بنفسه في سبيل حفظ محبوبه المصطفى-صلى الله عليه وسلم-.. في سبيل الدفاع عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أن لو كان حيًّا وكان هناك ما يمكن أن يُؤَثِّر في حياته فإن هذا المحب يمكن له أن يجود بنفسه؛ لأنه يعلم أن سلامته الحقيقية إنما هي من حفظ هذا الدين، وأن سبب حياته السرمدية الهانئة الخالدة في الآخرة إنما تَوَصَّلَ لها ببعثة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إليه وتصديقه به وبالتالي باتباعه، فيعلم أنه سبب سعادته الأبدية؛ فلذلك هو يُؤْثِر أوامره ونواهيه على سائر الأوامر والنواهي، هذا هو الحب الذي نتحدث عنه.

 

ولذلك لما كان في القصة بين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذا هو المقصود، كان عمر يتحدث عن الحب الطبعي الفطري؛ فلذلك قال: "... إلا من نفسي"، فالنبي-صلى الله عليه وسلم-أرشده إلى حب الاختيار؛ ولذلك جاءت الإجابة فوراً جاءت الإجابة من عمر "فإنه الآن يا رسول الله، والله لأنت أحب إليَّ من كل شيء"، فقال له-صلى الله عليه وسلم-: "إنه الآن يا عمر"، وهكذا ينبغي لكل واحدٍ منا أن يغرس في نفسه حباً اختيارياً.. أن يحمل نفسه على محبة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وهذا يحصل له بعدة طرق سوف نتعرض لها، أي إن كان لا يعرف كيف يحب الرسول-صلى الله عليه وسلم-فسوف نتعرض لذلك في نقطةٍ منفصلةٍ؛ لأنها مهمة.. كيف يمكن له أن يغرس هذا الحب الاختياري إن كان هو يجد في نفسه بعض محبة أو إن كان لا يستشعر هذه المحبة أو إن كان هناك حبٌّ فطريٌّ طاغٍ على حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فإن هناك من الوسائل والأسباب ما يُمكِّنه من تصحيح هذا الوضع لكي يكون كما قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين".

 

مقدم البرنامج: على كل حال نحن وصلنا إلى نهاية الحلقة الآن، وهذا الموضوع الشائق يحتاج بالفعل إلى حلقاتٍ لنعالج الكثير من نقاطه المهمة فيما يتعلق بمحبة النبي-صلى الله عليه وسلم-، نشكركم في نهاية هذا اللقاء فضيلة الشيخ..

 

الشيخ كهلان: بارك الله فيكم.

 

مقدم البرنامج: نشكركم أعزاءنا الكرام على الاستماع والمشاركة، ونهنئكم بالمولد النبوي الشريف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيده علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية بكل خير، وكل عامٍ وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تمت الحلقة