إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

 

  الحمدُ لله الذي فضّلَ شهرَ رمضانَ بجعلِه ميقاتاً لنزولِ القرآنِ ؛ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفرقانِ ، وشرعَ صيامَه وجوباً ، وجعلَ قيامَه نفلاً مندوباً ، أحمدُه تعالى بما هو له أهلٌ من الحمدِ وأُثني عليه ، وأستغفرُه من جميعِ الذنوبِ وأتوبُ إليه ، وأؤمنُ به وأتوكّلُ عليه ، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ، من يُطعْ اللهَ ورسولَه فقد رشدَ ، } وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا { ( الأحزاب/36) ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه ، أرسلَه إلى خلقِه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى اللهِ بإذنِه وسراجاً منيراً ، فبلّغَ الرسالةَ ، وأدّى الأمانةَ ، ونصحَ الأمةَ ، وكشفَ الغمّةَ ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِكَ ورسولِكَ سيدِنا محمدٍ ، وعلى آلِه وصحبِه ، وعلى كلِّ من اهتدى بهديه ، واستنَّ بسنتِه ، وسارَ على نهجِه ، ودعا بدعوتِه إلى يومِ الدِّينِ ، أما بعدُ :

   فيا عبادَ اللهِ :

    اتقوا اللهَ ، وأخلِصُوا للهِ تعالى أعمالَكم ، واعلموا أنّكم في شهرٍ كريمٍ ، وموطنٍ عظيمٍ ، } شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ { ( البقرة/185) ، هذا الشهرُ الكريمُ تتضاعفُ فيه الأجورُ ، وتُرفَعُ فيه الدرجاتُ ، وتٌمحى فيه السيئاتُ ، فهو حلبةُ سباقٍ للمتسابقين في عبادةِ اللهِ سبحانه وتعالى الذين يحظَون بهذه الأجورِ كلِّها ، فجديرٌ بالعاقلِ أن ينتهزَ فيه الفرصةَ لأداءِ الطاعاتِ ، والتقرّبِ إلى اللهِ سبحانه وتعالى بصنوفِ القُرُباتِ ، وقلْبِ مجرى حياتِه من المعصيةِ إلى الطاعةِ ، ومن الغيِّ إلى الرُّشْدِ ، ومن الضلالةِ إلى الهدى ، وقد منَّ اللهُ سبحانه وتعالى على عبادِه في هذا الشهرِ العظيمِ بمنّةٍ كبيرةٍ جسميةٍ ، وهي إنزالُ القرآنِ على قلبِ محمدٍ ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ ، ذلكم الحدَثُ التأريخيُّ الكبيرُ الذي قلَبَ مجرى الحياةِ ، فعادت الإنسانيةُ إلى رشدِها بعد ما تسكّعتْ في غيِّها أحقاباً وقروناً ، وقد امتنَّ اللهُ سبحانه وتعالى على عبادِه بهذه النعمةِ العظيمةِ في قولِه : } شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ { ( البقرة/185) ، وقد ربطَ تعالى بين هذه المنّةِ وبين فرْضِ صومِ هذا الشهرِ الكريمِ حيثُ قالَ : } فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ { ( البقرة/185) ، وفي هذا ما يُشعِرُ بأنّ هدايةَ القرآنِ إنما تترسّخُ بأداءِ هذه العبادةِ ؛ ذلك لأنَّ للقرآنِ نورانيةً ، وللصيامِ شفافيةً ، فإذا التقت نورانيةُ القرآنِ مع شفافيةِ الصومِ في القلوبِ اهتدت القلوبُ إلى بارئِها سبحانه وتعالى ، فتلقّتْ أوامرَه بالإذعانِ والطاعةِ ، واستسلمتْ له منتهى الاستسلامِ ، وانقادت لحكمِه ، ووقفَتْ عند حدودِه .

     والصيامُ عبادةٌ مقدّسةٌ في كلِّ الشرائعِ السابقةِ ، ولذلك ربطَ اللهُ سبحانه وتعالى بين فرضِه الصيامَ على هذه الأمةِ ، وبين إخبارِهم بأنَّه فرضٌ على مَن قبلَهم في قولِه عزَّ مِن قائلٍ : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { ( البقرة/183) ، وبيّنَ لهم الغايةَ مِن هذه العبادةِ المقدسةِ ، وهي تأثيرُها على نفوسِ الصائمين بغرْسِ روحِ التقوى في قلوبِهم ، والتقوى بها قيامُ عوجِ هذه الدنيا ؛ فإنّ الإنسانَ إذا لم يكنْ متقياً لربِّه سبحانه وتعالى لم يُراعِ للهِ تعالى حقّاً ، ولم يُراعِ لمجتمعِه إلّاً ولا ذمّةً ، وإنما تقوى اللهِ سبحانه وتعالى صلةٌ بين العبدِ وربِّه ، وهي أيضاً رِباطٌ بين الفردِ ومجتمعِه ، فالعبدُ الذي يتقي اللهَ سبحانه وتعالى يكونُ عضواً بنّاءً في مجتمعِه ، وتأثيرُ هذه العبادةِ المقدسةِ على نفوسِ الصائمين بغرْسِ روحِ التقوى فيها ؛ إنما يتمُّ ذلك إذا ما حافظَ الإنسانُ على هذه الشعيرةِ المقدسةِ على نحوِ ما شرعَ اللهُ سبحانه وتعالى في كتابِه ، فإنَّ هذه العبادةَ إنما شُرِعتْ لضبطِ النفسِ وتقييدِ الجوارحِ عن معاصي اللهِ الظاهرةِ والباطنةِ ، ففيها تقويةٌ للجانبِ الروحيِّ على جانبِ الجسمِ ، فللجسمِ مطالبُ ، وللروحِ مطالبُ ، وإذا طغتْ مطالبُ الجسمِ على مطالبِ الرُّوحِ أدى ذلك إلى الهلاكِ والعياذُ باللهِ ؛ بحيثُ يكونُ الإنسانُ أسيراً لشهواتِه ، منقاداً لنزعاتِه ونزغاتِه ، أما إذا تمكَّن الجانبُ الروحيُّ في الإنسانِ ، وسيطرَ على الجانبِ الجسميِّ ؛ فإنّ ذلك يؤدي إلى التوافقِ ، ويؤدي إلى التوائمِ ما بين مطالبِ الروحِ ومطالبِ الجسمِ .

     وبالصيامِ يتمكّنُ الإنسانُ من السيطرةِ على شهواتِه ، فإنّه إنْ أرسلَ لنفسِه العنانَ في شهواتِها استرسلتْ إلى غيرِ حدودٍ ، أما إذا ضبطَها وقيّدَها بهذه القيودِ الشرعيّةِ كانَ في ذلك وِفاقٌ لهذه المطالبِ كما ذكرتُ ، وبجانبِ هذا فإنَّ الصومَ المشروعَ ليسَ هو مجرّدَ كفِّ النفسِ عن هذه المفطِّراتِ المشهورةِ ، وهي الأكلُ والشربُ ومواقعةُ النساءِ ، بل هو بجانبِ ذلك أيضاً ضبْطٌ للنفسِ ، وقيدٌ لها عن كلِّ ما يُمنعُ ويُحظرُ من مكروهاتِ الأقوالِ والأفعالِ ، فالنبيُّ r يقولُ : « منْ لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به ؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه » ، وهذا الكلامُ خارجٌ مخرجَ التهديدِ والوعيدِ لأولئك الذين ليس لهم نصيبٌ من صيامِهم إلا الجوعَ والظمأَ فحسب ، فمَن صامَ عن الأكلِ والشربِ فحسب ، وهو بجانبِ ذلك يُرسِلُ طرَفَه في محجوراتِ اللهِ سبحانه وتعالى ليسَ له من صيامِه إلا الجوعُ والظمأُ ، وكذلك الذي يقضي سحابةَ نهارِه ولسانُه كالسيفِ الذي يمزِّقُ أعراضَ الناسِ تمزيقاً بدونِ مبالاةٍ بحرُماتِ اللهِ سبحانه وتعالى التي فرضَها في وجوبِ المحافظةِ على هذه الأعراضِ ، فإنّ ذلك أيضاً ليس له مِن صيامِه نصيبٌ إلا الظمأَ والجوعَ فحسب ، وكذلك الذي يقضي سحابةَ نهارِه وهو يعامِلُ الناسَ بما لم يشرعِ اللهُ سبحانه وتعالى من محرماتِ المعاملاتِ كالربا ونحوِه ؛ ليس له نصيبٌ من صيامِه إلا الجوعَ والظمأَ ، وهكذا كلُّ الذين يأتون محارمَ اللهِ تعالى وينتهِكُونها ؛ ليس لهم نصيبٌ من صيامِهم إلا الجوعَ والظمأَ ، فالنبيُّ r يقولُ : « لا إيمانَ لمَن لا صلاةَ له ، ولا صلاةَ لمنْ لا وضوءَ له ، ولا صومَ إلا بالكفِّ عن محارمِ اللهِ » .

     والصيامُ يعلِّمُ عبادَ اللهِ سبحانه وتعالى النِّظامَ ؛ بحيثُ يشترِكون جميعاً في الإفطارِ وفي الإمساكِ في وقتٍ واحدٍ ، لا فرقَ في ذلك بين غنيٍّ وفقيرٍّ ، ولا بين قويٍّ وضعيفٍ ، ولا بين حاكمٍ ومحكومٍ ، ولا بين إنسانٍ وآخرَ ، بل الكلُّ يشترِكون في تناولِ وجبةِ الإفطارِ في وقتٍ واحدٍ ، كما يمسكون عن الطعامِ جميعاً في وقتٍ واحدٍ ، وهو يذكّرُ الأغنياءَ بحاجاتِ الفقراءِ والبؤساءِ الذين تعوزُ أحدَهم اللقمةُ التي يسدُّ بها حاجتَه من الطعامِ ، فجديرٌ بالإنسانِ الذي يصومُ نهارَه أنْ يرقَّ للفقراءِ والمساكينِ الذين أدقعَهم الفقرُ ، والذين يُعانون من البأساءِ و اللأواءِ في هذه الحياةِ ، فيشرِكُهم فيما أفاءَ اللهُ تعالى عليه مِن فضلٍ ، وفيما وهبَه إيّاه من رزْقٍ .

    وبجانبِ هذه المنافعِ الروحيةِ فإنّ هنالك منافعُ جسميةٌ أيضاً في الصيامِ ، فإنّ الصيامَ صحةٌ كما رويَ في الحديثِ عن رسولِ اللهِ r : « صومُوا تصحّوا » ، فالجسمُ تبقى فيه ترسّباتٌ من الأطعمةِ ؛ خصوصاً الأطعمةَ الدهنيةَ ، ولكنّ الصومَ يقضي على هذه الترسّباتِ .

     فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، وأدُّوا هذه الشعيرةَ المقدسةَ كما فرضَها اللهُ تعالى عليكم مخلِصين له الدِّينَ ، وابتغُوا فيما عند اللهِ ، فما عند اللهِ خيرٌ وأبقى . أقولُ قولي هذا ، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ، فاستغفِرُوا اللهَ يغفرْ لكم ؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ ، وادعوه يستجِبْ لكم ؛ إنه هو البرُّ الكريمُ .

*         *        *

     الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، والعاقبةُ للمتقين ، ولا عدوانَ إلا على الظالمين ، أحمدُه تعالى بما هو له أهلٌ من الحمدِ وأشكرُه ، وأتوبُ إليه من جميعِ الذنوبِ وأستغفرُه ، وأؤمنُ به ولا أكفرُه ، وأُعادي من يكفرُه ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ، وأشهدُ أنّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِكَ ورسولِكَ سيدِنا محمدٍ ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ ، أما بعدُ : 

    فيا عبادَ اللهِ :

     إذا كان شهرُ الصيامِ المبارك موسماً للعباداتِ ؛ فإنه لجديرٌ بالعبدِ المسلمِ أن يغتنِمَ فرصتَه في هذا الموسمِ المُبَاركِ ، فلا يفوِّتُ فيه فرصةً يمكنُه أن يتحيّنَها في أداءِ أيِّ شيءٍ من العباداتِ التي هي محبّبةٌ إلى اللهِ سبحانه وتعالى ؛ سواءً كانت مِن المفروضاتِ أو كانت من المندوباتِ ، فعبادُ اللهِ الصالحون يحاسِبون أنفسَهم في هذا الشهرِ الكريمِ ويراقِبونها ، وينتهِزون فرصةَ هذا الشهرِ الكريمِ بالدقائقِ والثواني من غيرِ أن يُفرِّطوا في لحظةٍ من اللحظاتِ ، فهم لا يقضُون سحابةَ نهارِهم في المزاحِ والفكاهاتِ ، أو يقضُون سهرَهم في السهراتِ التي تمتلئُ بالقهقهاتِ والضحكاتِ ، والتي لا تخلو غالباً من سقَطاتِ القولِ وعثَراتِ اللسانِ ، ولكنّهم يصونون أنفسَهم ليلَهم ونهارَهم في هذا الشهرِ الكريمِ عن كلِّ قولٍ إلا ما كانَ قربةً إلى اللهِ سبحانه وتعالى ؛ من ذكْرِ اللهِ وتلاوةِ كتابِه ، وتدارُسِ العلمِ النافعِ ، والتآمرِ بالمعروفِ والتناهي عن المنكرِ ، كيفَ والأجورُ تضاعَفُ في هذا الشهرِ ، فمَن أدّى فيه نافلةً كانَ كمَن أدّى في غيرِه فريضةً ، ومن أدّى فيه فريضةً كان كمَن أدّى في غيرِه سبعين فريضةً ، وقد جاءَ في الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ r أنّه قالَ لأمِّ سنان الأنصاريةِ : « ما منعَكِ أن تحجِّي معنا هذا العامَ ؟ » ، فقالت له : يا رسولَ اللهِ ، إنّا لا نملكُ إلا ناطحين ، أما أحدُهما فركبَ عليه أبو فلانٍ وولدُه ؛ تعني زوجَها وولدَها ، وأما الثاني فإنّا نسقي به زروعَنا ، فقال لها النبيُّ r : « إذا كان رمضانُ فاعتمِري ؛ فإنّ عمرةً في رمضانَ تعدلُ حجةً معي » ، مَن الذي يزهدُ في هذا الخيرِ العظيمِ ؟! ومَن الذي لا يريدُ أن يغتنِمَ هذه الفرصةَ المباركةَ ؟! فيتقرّبَ إلى اللهِ تعالى بصنوفِ العباداتِ ، وأنواعِ القُرُباتِ ؛ من عمرةٍ وصلاةٍ ، وزكاةٍ وصدقةٍ ، وبِرٍّ بالوالدينِ وصلةٍ بالأرحامِ ، وأمرٍ بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكرِ ، وتلاوةٍ لكتابِ اللهِ تعالى في هذا الوقتِ الذي تُضاعَف فيه الأجورُ ، وتُرفعُ فيه الدرجاتُ ، وتُمحى فيه السيئاتُ لمن تابَ وآمنَ وعملَ صالحاً ثم اهتدى ، وقد جَاء في وصفِ الرسولِ r أنّه كانَ أسرعَ الناسِ إلى الخيرِ ، فكانَ أسرعَ إلى الخيرِ من الريحِ المرسلةِ ، وكانَ أكثرَ ما يكونُ إسراعاً إلى الخيرِ ؛ أي جوداً بما عندَه من الرزقِ في شهرِ رمضانَ عندما يلقى جبريلَ يعرضُ عليه القرآنَ الكريمَ ، كانَ النبيُّ r يعرضُ القرآنَ الكريمَ على جبريلَ في هذا الشهرِ الذي ابتدأَ نزولُ القرآنِ الكريمِ فيه ، وكانَ r يعرضُ ما أُنزِلَ عليه في كلِّ شهرِ رمضانَ من كلِّ عامٍ ، فلمّا كانَ العامُ الذي قبُِضَ فيه الرسولُ r عَرضَ فيه القرآنَ الكريمَ على جبريلَ مرّتينِ ، فجديرٌ بالإنسانِ أن يغتنِمَ هذه الفرصةَ ويتأسّى برسولِ اللهِ r في الإكثارِ من تلاوةِ كتابِ اللهِ تعالى في هذا الشهرِ الكريمِ ، مع تدبّرِ معانيه ، والوقوفِ عند أوامرِه ونواهيه ، وعقْدِ العزمِ على العملِ بكلِّ ما فيه ، وبجانبِ ذلك ينبغي للإنسانِ أيضاً أن يقتديَ بالرسولِ r ، فيضاعِفَ من خيرِه للناسِ في هذا الشهرِ الكريمِ .

    فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، وتزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التقوى ، فطُوبى لامرئٍ تزوّدَ من يومِه لغدِه ، ومن حياتِه لمماتِه ، ومن صحتِه لسقمِه ، ومن شبابِه لهرمِه ، والفرَصُ تفوتُ ، فالناسُ متسابقون في حلبةِ هذه الحياةِ ، فربَّ غادٍ غيرُ رائحٍ ، وربَّ رائحٍ غيرُ غادٍ ، وربَّ إنسانٍ منَّ اللهُ عليه بمنّتِه بلقاءِ شهرِ رمضانَ هذا العامَ ، ولم يلقَه بعد عامِه هذا أبداً .

    فاتقوا اللهَ ، وانتهِزُوا هذه الفرصةَ لتؤدُّوا ما فرضَ اللهُ عليكم ، ولْتتوبُوا إلى اللهِ تعالى ربِّكم ، ولْتتزوّدوا التقوى من هذه الحياةِ الدنيا}  وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى { ( البقرة/197