إستفتــاء

انتظر...

مع حفظة القرآن
  • أمل يتجدد 10: سلامة الهنائية

    أتممت حفظ القرآن الكريم بتوفيق من الله تعالى ، احفظ من القرآن وفق المقررلي من الحفظ مثلا في المرحلة التأسيسية س...التفاصيل

  • أمل يتجدد 9: أم محمد الراشدية

    مع القرآن الكريم وجدت الراحة والطمأنينة والتوفيق والحمدلله رب العالمين. - أحس براحة وسعادة لأني ...التفاصيل

  • أمل يتجدد 8: صبرية الرحبي

    رحلتي مع القران بدأت عندما كنت بصف الثاني عشر ..حيث كنت أحفظ سورة البقرة وآل عمران وجزء عم وبعض السور المتفرقة ..ك...التفاصيل

  • أمل يتجدد 7: - خصيبة السعيدي من صحم

    - بركات القرآن الكريم لا تعد ولا تحصى، يكفي أن الله يحفظك بحفظك للقرآن ، غير الأشياء المادية والأهم...التفاصيل

  • أمل يتجدد 6: - موزة بنت خميس بن حميد الهنائية

    - والله رحلتي في حفظ القرآن الكريم كانت بالنسبة لي من أحلى وأجمل الرحلات التي عر...التفاصيل

محــاور و لقـاءات
  • الخليلي: نجد فيما عزي للنبي من كتب السيرة أشياء لا يمكن أن تمثل خلقـــــــه الرفيع الذي دلّ عليه القرآن

    دعا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إلى الاستهداء بالقرآن الكريم في معرفة السيرة النبوية، فمما نجد فيما عزي إليه من كتب السيرة بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكون تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم الرفيع الذي دلّ عليه القرآن الكريم. كما دعا سماحته إلى أن يغربل التاريخ فإذا غربل هذا التاريخ وأخذت الزبدة منه فإننا يمكن أن نستفيد من هذه الزبدة وبناء على...التفاصيل

  • سيف الهادي: برنامج أهل الذكر تجاوز المحلية إلى العالمية

    الإعلامي والمذيع التلفزيوني سيف الهادي عرفناه من خلال تقديم...التفاصيل

  • الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة الفضائية: ننشر الإسلام الصافي البعيد عن الطائفية والمذهبية

    يترقب المشاهدون والمتابعون في السلطنة انطلاق بث قناة الاستقامة العمانية الخاصة في شهر رمضان الذي يقترب من الحلول وسط تساؤلات عديدة ينتظر المتابعون الإجابة عنها خصوصا ما يتعلق باختيار اسم القناة وأهدافها وما الجديد الذي ستقدمه. "أثير" التقت الاستاذ خالد العيسري الرئيس التنفيذي لقناة الاستقامة العمانية وأجرت معه حوارا موسعا عن القناة وأهدافها وجديدها وخططها ال...التفاصيل

  • اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة «الميادين» مع سماحة الشيخ الخليلي حول أوضاع الأمة

    أوضح سماحة الشيخ أهمية الحديث عن قضية توحد المسلمين ولملمة شتاتهم، واصفا إياها بأنها قضية «تشغل كل عاقل وتؤرق كل من في قلبه إيمان»، مؤكدا على أن هذا التشتت وهذا التشرذم وهذا العداء، وهذا التنافر بين الأمة، جعل بأس الأمة شديدا بينها، وصدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة يا رسول الله، قال لا، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».وأضاف سماحته: إن الأمة بحاجة إلى من يخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقل بأعماله عن بني جنسه، فكل عمل يعمله الإنسان لا بد من أن يشاركه فيه غ...التفاصيل

  • اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا تقر مبادئها بجامعة السلطان قابوس أهمها: العدالة والإحسان ودفع الضرر

    فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي: علينا تسخير أخلاقيات ديننا في العلوم والبحوث العلمية أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التي عقدت مؤخرا ندوتها العالمية في جامعة السلطان قابوس وضعت اطارا خلقيا عاما فيه جملة من المبادئ أهمها الاستقلال والعدالة والاحسان ودفع الضرر.. مشيرا إلى أن تلك المبادئ مقررة وموجودة في الاعلا...التفاصيل

من أسرار مدرسة الصيــام ( تأملات في أحاديث الصيــام )

 

من أسرار مدرسة الصيــام ((( تأملات في أحاديث الصيــام )))

 

 

كتبه: عبدالله بن سعيد القنوبي حفظه الله تعالى

 

رمضان المعظم 1423هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الحليم المنان، الذي من علينا بصيام شهر رمضان ، والصلاة على الطاهر الزكي والنبي التقي محمد بن عبدالله امام الهداة وسيد التقاة، الصائم القائم الراكع الساجد، وعلى آله اولي الفضل والنهى، واصحابه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين ، وسلم تسليما كثيرا .

 

 اما بعد اخواني المسلمين :

 

احييكم اجمعين بتحية الاسلام المباركة فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته بداية أهنئكم جميعا بمقدم ضيف الرحمن رمضان الذي أنزل فيه القرآن، شهر الصبر والذكر والجود والإحسان، الذي جعله الله سبحانه مضمارا لاستباق الخيرات وفعل الصالحات ، اعاده الله على هذه الامة وقد توحدت كلمتها واجتمع شملها وتحررت مقدساتها .

 

يقول العلامة احمد بن النضر رحمه الله :

 

أهلا بشهر الصوم من شهرِ *** بالناطق المحمود في الذكرِ

أهلا به وصيامه وقيامــه *** خير الشهور وسيد الدهرِ

نزل القران على النبي محمد *** فيه وفيه ليلة القــدرِ

وتُفتح الفردوس فيه لأهله *** وتمضخ الخيرات بالعطـر

وتُغلق النيران عن صُوّامـــه *** ويُغل كل عمرد عفر

 

 

ثم أهنئ نفسي بأن اكون بين اخواني لنتذاكر بعض ما يعود علينا بالخير الوافر في اولانا واخرانا، وماذا عسى الواحد ان يأتي به مع قلة زاد العلم، وضعف الفهم الا ان يتحفكم ببعض ما سطره يراع علمائنا الافذاذ، فإن لكلماتهم نورا، وفيها بركة الاخلاص، لذلك على مرور الاعاصر ظل ما دونوه تحفة لكل وارد، وريا لكل ناهل . هذه بعض الوقفات الايمانية عند أسرار مدرسة الصيام، وبالاخص وقفات عند بعض اسرار احاديث الصيام، وستكون تباعا فارتقبوها، وكل من اراد الزيادة فليتحفنا من سيبه، وكذا المناقشة فإن العلم بالتدارس ، والمرء قوي بإخوانه ضعيف بنفسه ، نسأل الله الاخلاص والقبول فيما نعمل به او نقول .

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

 

 

 

الوقفـــة الاولــــى

عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم اطيب عند الله من ريح المسك، انما يذر شهوته وطعامه من اجلي، فالصيام لي وانا اجزي به، كل حسنة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف الا الصيام فهو لي وانا اجزي به )

هذه هي رواية الامام مالك في موطئه، وله رواية عند الامام الربيع والبخاري وابي داود والترمذي وابن ماجه .

ومعنى الحديث اجمالا:

ان رائحة فم الصائم التي ينفر منها ويكرهها اطيب عند الله من ريح المسك، بسبب ان الصائم يترك شهواته ولذائذه من اجل الجزاء الاوفى من الله، فالصوم عبادة خالصة له سبحانه من دون سائر العبادات لما اختصه به من مزيد فضل، فاعمال الخير يتضاعف جزاؤها الى سبعمائة ضعف الا الصوم فليس له جزاء محدود، ومثوبته لا يعلمها الا الله وحده

وسنقف عند قوله ( فالصيام لي وانا اجزي به ) وهي من قول الحق تبارك وتعالى في هذا الحديث القدسي ، ما السر الذي جعل الصوم له خصوصية عن غيره، مع انا الله يجازي على سائر الاعمال ؟

 دعونا ايها الاخوة نرتشف قطرات مما قاله علماؤنا في ذلك :

ذكر الامام نور الدين السالمي في شرحه لهذا الحديث ج2/47 استشكال تخصيص الصيام بذلك مع ان الاعمال كلها له وهو الذي يجزي بها ، واجيب بأجوبة منها :

1-     ان الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ، وذلك لأن الاعمال لا تكون الا بالحركات بخلاف الصيام فإنما يكون بالنية التي تخفى عن الناس ولا يطلع عليها الا الله، والمعنى ان الرياء لا يدخل على الصيام من حيث انه صائم لآن الجميع متساو في ذلك، الا اذا اخبر عن نفسه بأنه صائم كصوم النافلة ونحوه، بخلاف سائر الاعمال الاخرى فإن الرياء يدخلها لمجرد فعلها ، ذكره المازري ونقله عياض عن ابي عبيد .

2-             ( الصوم لي ) بأنه احب العبادات الى الله تعالى

3-     وقيل: بل الاضافة للتشريف والتعظيم، فالصوم يشرف باضافته لله، كما تشرفت ناقة الله وتشرف بيت الله وعبدالله ومساجد الله .

4-     وقيل: بأن عبادة الصوم لا يعبد بها غير الله، فلم تعظم الكفار في اي عصر من الاعصار معبودا لهم بالصيام بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك فإنه حاصل، فمن المشركين من يصلي لمعبوده ومنهم من يتصدق تقربا اليها، ومنهم من يطوف حولها ، اما الصوم فإنه لله وحده ، وهذا القول هو اظهر الوجوه واحسنها تأويلا عند الامام السالمي رحمه الله

5-     وزاد العلامة الزرقاني في شرحه على موطأ الامام مالك ج2/280 وجوها اخرى : ( الصوم لي ) معناه ان الله وحده هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته ، ويدل على هذا مضاعفة الاجور في شهر الصيام ، وهو علامة على عظم الفضل والاجر فهو غير محدود

6-             وقيل: معناه الصوم احب العبادات الي وهو المقدم عندي، قال ابو عمر: كفى به فضلا للصيام على سائر العبادات

هذا بعض ما قاله علماؤنا في اختصاص لله بالصيام دون سائر الطاعات .

 

ولك ان تتصور اخي الكريم بعد ذلك الدلالات المستوحاة من معنى ( الصوم لي وانا اجزي به ) :

-اولها: بأنه لو تولى جزاك على عمل قمت به في هذه الدنيا احد المسئولين عنك لأسعدك ذلك ، فكيف اذا تولى مكافأتك رئيس الدائرة بنفسه، لا شك سيكون الاكرام ابلغ والجزاء اوفر، ولو لم يكن لك الا شرف اكرام رئيسك لك ولقائك له لكفى فضلا عن الجائزة نفسها

وبالمثل يقال ولله المثل الاعلى تصور ان كل عمل تعمله تلقى جزاه في جنة عدن، لكن جزاء الصيام يكون فريدا من نوعه، فالله سيجازيك عليه بنفسه على حده دون سائر عملك، لا شك بأن ذلك غاية المنى وارفع الدرجات، ان يتولى اكرامك العلي الاعلى بنفسه

ومما زادني شرفا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وان صيرت احمد لي نبيا

-   ثانيها: كما يكون الجزاء على صفاء الصوم تكون العقوبة على فساده، فالمثل بالمثل، ولا يبالي المسوف في عمله ان وجد العقوبة من مسئوله المباشر ،اما ان تكون العقوبة من رئيس المؤسسة فذلك ملا طاقة له بتحمله، فيكفيه ذلا ان يتوعده رئيسه بأنه سيتولى عقوبته بنفسه، فما حالك اذن عندما يتولى الله عزوجل عقوبتك بنفسه، لاشك بأنك تود ان لم تكن شيئا وكنت نسيا منسيا

 

-    ثالثها: ( وانا اجزي به ) بلا عدد ولا حساب وليس لذلك الجزاء غاية ولا نهاية ، بخلاف الاعمال الاخرى فإنها تضاعف الى سبعمائة ضعف كما نص الحديث، اما الصوم فإن الله يثيب عليه بدون تقدير او نظير، كقوله تعالى في شأن الصابرين ( انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب ) وذلك هو غاية الاكرام

 

-    رابعها: ان هذا الجزاء الوافر هو لخواص الخواص، من صاموا ظاهرا وباطنا، صاموا ظاهرا عن الطعام والشراب والشهوة، وصاموا باطنا عن كل خطرات المعاصي وجميع الذنوب

فالصوام نوعان :

 

1-            صائم صائم .

 

2-             صائم مفطر .

 

ولا يكون الجزاء السابغ الا للأول ، اما الثاني فليس له من صيامه الا الجوع والعطش ، وقد احسن من قال :

اذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ *** وفي بصري غض وفي منطقي صمتُ

فحظي اذن من صومي الجوع والظما *** فإن قلتُ : إني صمت يومي فما صمتُ

 

واذا كان الصوم لله فما احلى لقاء الله لمن اخلص صيامه وخلّصه مما يكدره، ساعتها تشتاق النفوس للقاء المجزل الوهاب الذي يجزل للصائمين بغير حساب ، وما ارق قول الشاعر في ذلك :

نسيم الصبا ان زرت ارض احبتي *** فخصهم مني بكل سلامي

وبلغهم اني رهين صـــبابة *** وان غرامي فوق كل غرامي

ولست أبالي بالمقام ولا النـوى *** اذا كان في تلك الديار مقامي

وقد صمت عن لذات دهري كلها *** ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

كما جاء في الحديث ( للصائم فرحتان: فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ) .

والى لقاء اخر عند وقفة اخرى، وصلى على امام الهدى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

الوقفة الثانية: قبلة الصائم

أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبل و وهو صائم؟ قالت: يصنع بنا ذلك و هو يضحك.

 

 هذه هي رواية الإمام الربيع في مسنده و هي عند الشيخين في صحيحيهما. و روى مالك في الموطأ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم كانت إذا ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبل و هو صائم تقول: و أيكم أملك لنفسه من رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و عند عطاء بن يسار أن عبدالله بن عباس سئل عن القبلة للصائم، فرخص فيها للشيخ و كرهها للشاب. و يدل على كلام ابن عباس رضي الله عنهما رواية عند البيهقي مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه و سلم بنفس معناها

 

يقول الإمام السالمي: ج2/26:

(قوله يصنع بنا ذلك) و في حديث عروة عند مالك أنه كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ليقبل أزواجه و هو صائم ثم ضحكت، و في مسلم: كان يقبلني و هو صائم، و رواية المصنف تدل على أنه كان يقبلها و غيرها من نسائه عليه الصلاة و السلام ، و جاء أنه قبل أم سلمة كما في البخاري أو حفصة كما في مسلم أيضاَ. و الظاهر أن كل واحدة منهن أخبرت عن فعله معها

و للبيهقي عن عائشة أنه صلى الله عليه و سلم كان يقبلها و يمص لسانها". انتهى كلام الإمام السالمي

 

و رواية مالك تدل على الترخيص للشيخ الكبير لأن الغالب انكسار شهوته فلا تؤثر عليه القبلة في فساد صيامه شيئا، و المنع للشباب لأن الغالب عليه قوة الشهوة و فورانها. قال ابن عبد البر: أظن من فرق بينهما ذهب إلى قول عائشة: أيكم أملك لأربه من رسول الله صلى الله عليه و سلم؟! أي أملك لنفسه و شهوته.

 

و روى البيهقي عن عائشة أنه صلى الله عليه و سلم رخص في القبلة للشيخ و هو صائم و نهى عنها للشاب، و قال: الشيخ يملك إربه و الشاب يفسد صومه،قال الزرقاني: ففهم من التقبيل أنه دائر مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور، و أن التعبير بالشيخ و الشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم.

 

و المباشرة أشد من القبلة, و المقصود بالمباشرة هنامس البشرة باليد و نحوها. و كذلك المعانقة و الضم و الاحتكاك، فكل هذه أمور تُترك خشية أن تفسد على الصائم صيامه، و إلا فإنه جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه يقبل و هو صائم و يباشر و هو صائم كما هو مروي عند الجماعة إلا النسائي و لكنه كما ذكرت عائشة رضي الله عنها أنه كان أملك لنفسه أو إربه أي حاجته و شهوته.

أما من عرف من نفسه الضعف و عدم الانضباط فيمنع لأنه نزل بمنزلة من لا يملك نفسه، فليس له أن يفعل شيئا من ذلك و إلا كان متعرضا لفساد صومه.

و الصائم الذي يقبل أهله أو يباشر لا يخلو حاله من أحد ثلاثة أمور:

أحدها: أنه مالك لزمام شهوته لا يحدث له ما يفسد صيامه و هو يعرف من نفسه ذلك الانضباط، فالتقبيل و المباشرة في حقه جائز، و التورع و الترك أسلم و أحسن صونا لصيامه و زيادة في الاحتياط.

ثانيها: أنه يملك نفسه و لكنه يتأثر قليلا و ربما أمذى من جراء ذلك، فهذا إن حصل ذلك قيل: يقضي يومه و قيل: لا قضاء عليه. فحاله في خطر لذلك عليه أن يبتعد عن مزالق الأقدام

ثالثها: أنه لا يملك نفسه و ربما واقع أهله و هو صائم، أو ينزل منه المني و لو بدون وقاع، فهذا عليه التوبة و قضاء يومه و الكفارة المغلظة و هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. فهذا يمنع منعا باتا من التقبيل و المباشرة

 

فــــائــدة

 إن الصيام يربي في المسلم تهذيب النفس و تربية الغريزة و إحكام الإرادة، و أن لا يكون مندفعا وراء شهوات نفسه، فإذا ملك نفسه بالامتناع عما أحل الله لأجل الصيام، فهو لترك الحرام من الفواحش أملك لنفسه، قال الحافظ ابن حجر: و لا شك أن من لم يعرض له في خاطره شهوة شيء طول نهاره ليس في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه. اهـ

وفي الحديث القدسي عن رب العزة جل جلاله: ( أيها الشاب التارك شهوته من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي ) رواه أبو نعيم في الحُلية.

وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (

كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ).

 

فهنيئا لك أيها الشاب العفيف ذكراً كنت أو أنثى أن الله يباهي بك ملائكته، وأنك كواحد من ملائكته في طهرك ونورانيتك، وأنت في ظل عرش الرحمن ، هنالك تسمو الروح من حضيض الشهوات وترفرف بأجنحة الشوق إلى طهر الملكوت وقبة الفردوس.

لله قوم أخلصوا في حبه ** فاختارهم ورضى بهم خُدَّاما

قوم إذا جنَّ الظلام عليهمُ ** أبصرت قوماً سُجداً وقياما

يتلذذون بذكره في ليلهم ** ويكابدون لدى النهار صياما

فسيغنمون لدى النبي مجالساً ** ويبوَّأون من الجنان خياما

وتقر أعينهم بما أُخفي لهم ** وسيسمعون تحية وسلاما

والى لقاء اخر مع الوقفة الثالثة إن شاء الله ، وصلى على امام الهدى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

الوقفة الثالثة: من أسرار الصيام

 

أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة)

رواه الإمام الربيع رحمه الله

 

سنتوقف في هذا اللقاء عند قوله عليه الصلاة و السلم: (و لو علمتم ما في رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ).

يقول في تفسيرها الإمام السالمي رحمه الله:

 

 "هذه زيادة تفرد بها المصنف رضوان الله عليه، و المراد منها المبالغة في فضل رمضان، و المعنى: لو كشف لكم ما يحصل لكم في رمضان من الفضل العظيم لتمنيتم أن تطول أيامه حتى يكون شهره سنة كاملة، و ذلك يستلزم أن يتمنوا أن يكون الزمان كله رمضان، و ليس في هذا تمني دوام التكليف و لا طلب المشقة على النفس، لأنه لم تقصد حقيقته، و إنما، أريد به المبالغة فقط. على أن المتمنى جانب الفضائل لا جانب المشقة والله أعلم" اهـ.

 

أيها الأخوة

 

عندما يعيش الصائم رمضان بروحه يحس بعظمة الصيام و أنه جنة وارفة الظلال، نبعها فياض بكل خير، تروي النفوس الظامئة، و تسقي القلوب المجدبة، و تحيي الأرواح بعد موتها.

 

(و لو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة). و نحن ندرك القليل جدا من أسرار الصيام و رغم ذلك نعيش بأرواح ترفرف أجنحتها لتطير إلى روح و ريحان و تقرع باب الجنان، و الصائم لا يتمالك نفسه و هو يرى بركات هذا الشهر تحيط بجميع جوانب الحياة إلا أنه يتمنى أن يدوم هذا الخير و يستمر؛ صلاة و ذكر، قراءة و فكر، صيام و قيام، بر الوالدين، و صلة الأرحام، صفاء روحي، غذاء إيماني، تلاحم و تراحم، محبة و وئام، نظام في أمور الحياة، و انسجام ما بعده انسجام، تغص المساجد بالمصلين، ما أروع أن نرى التالين لكتاب الله و الذاكرين، ابتعاد عن الموبقات، و التوبة و الإنابة، انتظام في ا لأعمال، صدق في الأقوال والأفعال، صحة في الأجسام و الأبدان، كل ذلك وغيره كثير هو قطرة في بحر لجي من أسرار مدرسة الصيام و فوائده ، و يبقى أمر الصيام فوق ما نتصور فهو حقا كما قال صلى الله عليه و سلم: (و لو علمتم ما في فضل رمضان، لتمنيتم أن يكون سنة).

 

الوقفة الرابعة: تابع لأسرار الصيام

سبق في الوقفة الثالثة الحديث عن بعض أسرار الصيام إجمالا، نحاول تفصيلها هنا:

إذا جئت إلى الصيام من أي باب من أبوابه و جدته غاية في المثالية و الواقعية و الكمال و البركة:

 

1-            من ناحية العبادة:

فالصوم حده عبادة يجازي الله عليها بأجر غير محدود، و جعل للصائم بابا يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، كما أن كل عمل صالح يندرج تحت الصيام هو عبادة يضاعفها الله أضعافا مضاعفة، إن كانت فريضة فتضعّف إلى سبعين، و إن كانت نافلة فبأجر فريضة. ريح فمه عندالله كريح المسك، دعاؤه مجاب، ذنبه مغفور، و درجاته مضاعفة.

 

2-            من الناحية الصحية:

 

يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (صوموا تصحوا). هاتان الكلمتان تضمنتا نهاية الإيجاز و الإعجاز، فالصيام من أكبر العوامل لإنهاء أمراض السمنة و التخمة و السكري.

 

فالمعدة تأخذ قسطا وافرا من الراحة من الأعمال المضنية طوال شهور العام، و عند فقد الطعام تلجأ المعدة-إلى امتصاص الدهون المتراكمة في الشرايين و الأوردة، مما يؤدي إلى انتظام تدفق الدورة الدموية و على اتساق نبضات القلب، و التنفس الصحيح، فضلا عن القضاء على الأبخرة و البلغم و الرطوبة الزائدة.

فأسرار الصوم أكثر من أن تحصى في هذا الجانب، مما حدا بغير المسلمين إلى الصيام لأجل ما شاهدوه من منافع الصيام للجسد.و لكن الناس عكست الأمر، فصامت بالنهار، و أجهزت على المعدة ليلا لكثرة الأطعمة التي ضاقت عن هضمها العصارة، و أربكت المعدة، و أنهكت الجسد، و رأيت الناس يزدحمون عل العيادات في ليالي شهر رمضان، جاء الصيام للصحة فأحلناه إلى المرض، و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه".

 

 و قد أحسن الإمام السالمي عندما قال:

 

"لو سئل الأموات قالوا كلهم::: من بشمة البطون كان قتلهم".

 

فالصيام هو تزود روحي أكثر منه جسدي، و بالاتباع لسنة المصطفى صلى الله عليه و سلم تكون الصحة و العافية.

 

فإن الإفطار على التمر و الماء من أسرار النبوة، فالمعدة تكون في جفاف بتركها للطعام في نهار رمضان، فيكون الماء لها مسهلا و لينا، لتستعد بعد ذلك لاستقبال الطعام، و التمر هو الغذاء المتكامل الذي لا يعدله شيء ليعطي طاقة كبيرة للجسد.

 

و من هديه صلى الله عليه و سلم أنه أمر عند الإفطار أن نفطر بطعام لم تمسه النار، و في ذلك حكمة يكشف عنه الطب، إذ أن الطعام المسخن على النار لا يتلاءم مع المعدة التي فقدت الطعام فترة طويلة من الزمن، بل يؤدي إلى اضطرابها، حتى التمر المسخن على النار. ينبغي أن يتناول الصائم تمرا غير مسخن حتى يلتزم بالهدي النبوي.

و كذلك أكلة السحور؛ التي قال فيها صلى الله عليه و سلم: "تسحروا فإن في السحور بركة".

 هذه البركة لا يدركها إلا من ترك السحور، إذ إن القليل من السحور، أو احتساء جرعات من الماء له كبير الأثر في بقاء طاقتها طوال النهار، فسبحان الله الذي علم رسوله صلى الله عليه و سلم من الأسرار ما يتكشف لنا يوما بعد يوم.

 

الوقفة الخامسة : تابع من أسرار الصيام

 

 

3-                                                من الناحية الاقتصادية :

 

ان الصيام يريد من المسلم ان يقتصد في نفقاته ، لأنه يلغي بعض وجبات النهار، وفي ذلك مكسب كبير له ولأمته، والاقتصاد في النفقة مطلب كبير جاء الاسلام لتحقيقه، ولكن الناس عكست هذه الحكمة فبدل ان تقتصد اسرفت اسرافا منقطع النظير، فوصل الحال ببعضهم ان يستدين فوق راتبه لأجل رمضان، ولا والله ليس رمضان بحاجة الى شيء من ذلك الطعام، بل هو بحاجة الى قلوب صادقة واعمال صالحة .

 

ويأتي عليه اخر رمضان وما في جيبه شيء، وقد كان شيئا كثيرا، ايها الناس حقا انها لغفلة من اولي البصائر ، ماذا استفدنا من الشبع والسمن ؟ الا التخمة والبدانة والامراض المهلكة ، وصدق من قال :

يا ايها المتسمنُ *** قل لي لمن تتسمنُ؟

سمنت نفسك للبلى

 

 

زيادة على سوء التخطيط الغذائي الكافيء للأسرة، فبقدر ما تحتاج تشتري حاجتك منه، ولا يجوز لك ان تصدرها الى سلة المهملات والفقراء يتضورون جوعا، وترى الناس افواجا في المحلات التجارية فكل ما حل بأيديهم أخذوه، كأنما ينتظرون حربا عالمية او سنوات مجدبة تأكل الاخضر واليابس لذلك تراهم يسارعون لادخار ذلك الطعام، انه حقا بلاء وجهل وسفه، ونسوا قول المليك الاعلى ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) .

 

لماذا تشتري يا أخي؟

 

يقول : لرمضان، وما ذنب رمضان في هذه المسألة ، انها حجج واهية ليلهث وراء التجديد المزعوم، ومنهم من يقول: لا استطيع ان اخالف المجتمع ، الكل يشتري وسأنبذ بالبخل ان لم اساير الركب، سبحان الله وهل كانت مسايرة كل شيء شريعة يجب اتباعها وعدم الحيدة عنها ، انت مسئول عن نفسك بين القطعان الضالة التي تشبه باخوان الشياطين في التبذير والاسراف ( ولا تبذر تبذيرا،إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين ، وكان الشيطان لربه كفورا).

كأن رمضان أتى إلينا جائعا وظامئا لنطعمه ونسقيه وما درى أولئك الغافلون أننا نحن العطاشى إلى المغفرة والرضوان والعمل الدؤوب، وأن رمضان شهر الاستزاده من الطاعات لا الاستزاده من الشهوات .

 

وفي احصائية بينت ان ما ينفقه المسلمون في رمضان يعادل ما ينفقونه طوال العام ما فيه بيان واضح لكل لبيب مقدار الانحدار في السرف والتبذير، الذي يؤذن بتداعيات خطيرة، منها الافلاس وضياع الطاقات والجهود والأموال

 

وكم نحن بحاجة الى كل ما ندخره لبناء امتنا ، وتخليص معاملتنا، والعود به على كل فقير او محتاج ، والاسهام الفعال من اجل المشاريع النافعة، ذلك ان نهضة الامم باقتصادها وقوتها الرافدة من علم ومال ، وقد احسن من قال :

 

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم *** لم يُبنَ ملك على جهل واقلالِ

 

فالفقر كاد ان يكون كفرا، لأنه انهيار لدعائم الامة، وذوبان لشخصيتها بين الامم التي تزاحم بالكاثر واللبنات الاقتصادية، ورغم سعة مساحة الخيرات المترامية على ربوع ديار المسلمين في شتى صورها واجناسها الا ان سوء التدبير والتوزيع والسرف الذي هو سبب التلف هو الذي حدى بهذه الامة ان تكون في مؤخرة الركب، بينما موازينها الاقتصادية تحتم عليها ان تكون في الطليعة

 

فإذن شهر الصيام جاء ليذكي كل تلك المعاني، وليبصر بعض المسلمين لما يرزحون تحته من سوء التخطيط وعبث التنظيم في ادارة مواردهم المالية، والله سائلهم عن ذلك ، فهل من يقظة بعد هذه الغفوة، وهل من صحوة بعد هذه النومة، لقد جاء رمضان ليقشع غيم الاسراف بكل صورة ويؤمر الناس ان يكونوا معتدلين في نفقاتهم ، منخرطين في حزب الرحمن ( والذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) .

 

 

 

 

 

الوقفة السادسة: تابع لأسرار الصيام

 

4- التكافل الاجتماعي :

ان مما يمتاز به المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي بين افراده واسره، فهو لحمة واحدة يتألم بآلام بعضه البعض، و لا يكون كذلك الا اذا واسى غنيهم فقيرهم ، واعان قويهم ضعيفهم، بل ان النبي صلى الله عليه وسلم عد من بات شبعان وجاره جائع غير صحيح الايمان، لأن الايمان ينافي هذا المسلك المعوج وينأى بشفافية ايمانه عن هذا التعالي والترفع

وسر الصوم في هذا الامر يتجلى في انه يريدك ان تحس ببعض مرارة عيش الجوعى والمساكين وهم يكابدون لأواء هذه الحياة، بين باب يصده ويد ترده، انت ايها الصائم تحس بجوعتك في شهر واحد، اما الفقير فهو يتضور جوعا سائر عامه، فشتان بين من جاع شهرا ومن جاع عمرا، حتى اذا اخذتك شدة الجوع والظمأ تذكرت نعمة الله عليك، وتذكرت واجبك تجاه اخوانك من دينك ومن مجتمعك وربما يكونون من اقاربك ، غفلت عنهم دهرك فجاء الصيام ليذكرك بما غفلت عنه .

وقد ذكر - والله اعلم – عند ارباب السير والتواريخ ان سيدنا يوسف عليه السلام كان يكثر من الصيام، فقيل له : يا نبي الله ، أتجوع وبيدك خزائن الارض؟ قال : أخشى اذا شبعت ان انسى حق الفقراء

يالها من نفوس ما اعظمها ، اين منها نفوس من جمع المال وثمره، وكنزه وادخره، كيف بالله عليك يشعر المتخم بالجائع المعدم ! كيف يتصور المترف حال ذوي الاقتار والاعدام ! فأناس تموت تخمة واخرون يموتون جوعا

كم من فقير صاح من كَلَب زمانه فذهب صوته ادراج الريح، وكم من ضعيف مسكين بكى من شدة الحاجة وما علم عنه جاره بيتَ بيت، كم من محتاج يدور على الشوارع يسأل الناس، كم من فتاة في غضارة شبابها ونضارة عمرها تبيع الشيء اليسير من الطعام وهي متنقلة من مكان الى اخر من شدة حاجتها وحاجة امها واخوانها اليتامى، انها مآسي يندى لها الجبين، وينقطع منها الوتين ، لذلك جاء شهر الصوم ليقرع هذه القلوب قرعا، وينبهها من غفلتها حتى تجود ببعض ما افاء الله عليها على هؤلاء المعدمين

ان ما سبق ذكره في وقفة سابقة من اسراف الناس وتبذيرها ، وتفننها في صنع الاطعمة وتشكيلها، ثم مآل ذلك الى سلة المهملات، لمما يبين فداحة الخطب وشدة الامر ، اذ ان هذا الطعام الذي يرمى به يتوق له الفقير المحتاج الذي تتلمظ شفتاه طعمه، وتهفو نفسه الى ريحه.

ومن طريف ما يذكر ان رجلا كانت عنده مجموعة من المواعين وقد مضى على استخدامها مدة من الزمن ، وبعضها غير صالح للاستعمال، فألقى بها بجوار صندوق البلديات، فلم تمضِ عليها ضحوة من نهار الا وتلك المواعين قد اختفت ، وجاء من جيرانه من اخذها، وبعضهم ممن فاته طرق على صاحبها داره، فقالوا له: لقد وزعت مواعين فأين نصيبنا؟ فقال لهم في دهشة: ما وزعت شيئا منها، انما هي قديمة وقد رميت بها، فقالوا له : لم يمضِ عليها ضحوة من نهار حتى تهاوشها الناس

ترى ألهذا الحد وصل الفقر بالناس، إي وربي وأشد منه واقع ، فليتقِ الله اهل الغنى فيما افاء الله عليهم وبسط لهم من رزق ، فإن النعمة لا تدوم، ودوامها بشكرها، ونفادها بكفرها ( واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد ) .

وشهر الصيام جاء ليفتح بصائر القادرين على العطاء لأناس لا يسألون الناس إلحافا، فهم لا يتعرضون للمسألة حتى يعرفوا، وانما طووا ولم يعرف عنهم احد، ولو جاء الاغنياء بزكواتهم، وجاد كل من زاد معه زادٌ بما زاد لما وجدنا فقيرا يسأل الناس، فعمر بن عبدالعزيز رحمه الله من الزكاة وحدها اغنى الناس ولم يجد فقيرا تدفع له الزكاة حتى اعتق بها الرقاب وزوج العزاب، رغم ان خلافته لما تصل الى ثلاث سنوات

ولقد كان لنا في فعله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة في شهر رمضان، اذ انه كما وصفته عائشة رضي الله عنها أجود بالخير من الريح المرسلة، كريم معطاء ينفق انفاق من لا يخشى الفقر، اذن حقا تلك هي من ابدع اسرار الصيام التي اوجزها عليها الصلاة والسلام في قوله    ( ولو تعلمون ما في فضل رمضان لتمنيتم ان يكون سنة ) .

 

 

 

 

الوقفة السابعة : تابع أسرار الصيام

 

 

5-                                                التربية الروحية والخلقية :

 

مما ريب فيه بأن الصائم في أثناء صيامه يكون في شفافية ايمانية لا مثيل لها، كأنما تتحدر نورانيتها من جبينه، وذلك لما انسكب في قلبه من حب ربه والتفاني في مرضاته، ولما سطعت فيه من انوار الحق ومداومة الذكر والعبادة، مع فتح ابواب الجنة وغلق ابواب النار وسلسلة الشياطين، كل هذا الجو ينثال نوره في قلبه فيسطع بأنوار الحق، لذلك يظهر الصائم الحق من غيره في صورة ملائكية عجيبة، من حسن السمت، وروعة الخُلق ، وصلاح العمل، وطيب القول، وبشاشة الوجه، وحسن المعاملة، مع التواضع الجم، والصبر وسعة الصدر، وغير ذلك مما يتحلى به الصائم سحابة نهاره

 

وبجانب ذلك هناك الترفع عن الشهوات النفسية ولو كانت بما احل الله من الزوجة في نهار رمضان، وذلك له اكبر الاثر في التسامي والتدرج في درجات سلم الكمال والاخلاص والقرب من الله .

 

وناهيكم ان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الصيام مدرسة تهذيب الغرائز، وموئلا من كل المزالق التي ينسج حبائلها الشيطان الرجيم ، لنستمع اليه عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب الشباب ( معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه اغض للبصر واحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) ما اروعها من وصية ، انها الكلمات النبوية التي تأتي بلسما شافيا، لو وردنا حياضها لأصدرتنا في ري وشبع وغناية وكفاية

 

فالزواج هو الحصن الآمن للشباب من فوران الغرائز التي هاج تيارها في هذا العصر، واصبحت نارا يكتوي بها كل من ذاق من ويلاتها ولم يسترشد بمراشد دينه، انها الشهوة المحمومة المجنونة التي لا عقل لها ولا تفكير تعمل عملها في الخفاء حتى تحطم المرء فتجعله اشلاء ممزعة، وما الامراض النفسية والعصبية التي يعاني منها شريحة كبيرة من شبابنا الا اكبر اسبابها الاندفاع وراء تيار الشهوة الجامحة التي تريد ان تروي اوارها وتشبع غرائزها فيؤدي بها الحال الى ركوب الخطر والوقع في الضرر .

 

وعندما نقول : بأن الشهوة مجنونة، نعني انها لا عقل لها ولا احساس فهي حقا امواج تتصارع بالداخل، ولو انساق وراءها الانسان واسلس لها القياد لهوت به في مكان سحيق، ولضربت ذات اليمين وذات الشمال، فشهوته هي غاية مناه لا يعدل بها بديلا ولا يبصر غيرها سبيلا، ولا تهم عنده الوسائل والطرق، او المكان والزمان، فتراه كالمجنون الذي فقد وعيه يخبط يمنة ويسرة

 

ومما اذكى هذه الشهوة وأجج لهيبها المناظر الصارخة والافلام والمجلات والقصص والروايات التي يعجز القلم عن كتابة كلمة واحدة في شأنها لما تحويه من طوفان جارف من الدعوة الصراح لهدم بنيان الاخلاق بمعاول الشهوة المحمومة

 

وان الاسترسال وراء هذا الامر ادى بأن يكون الحليم حيران، لما يراه من وقوع كثير من الشباب في حمأة هذا المستنقع، فكم من جريح وجريحة، وكم من متألم ومتألمة، وكم من متحطم ومتحطمة، ذلك بما كسبت الايادي واجترحت النفوس ، وما ربك بظلام للعبيد، وليس هذا موضوع حديثنا الآن

 

حقا انها نعمة الاسلام التي لا نعرف قدرها لاستهانتنا بها، انه الصيام الذي يحصن الفروج ويكسر الشهوة، ويهذب الغريزة، ويرتفع بالنفوس البهيمية الى الطهر والنقاء والصفاء والتقى، لأن الصوم له وجاء، أي انه يستأصل الشهوة المحرمة استئصالا منقطع النظير

 

وفي نهار الصوم تراه في اصفى ما يكون ، واطهر ما ينبغي ، فالصوم بديل الزواج، وهذا العلاج لا يعرفه الا من سبر اغواره وبحث عن اسراره، ومن العجب ان تسمع شابا يقول لك: لا استطيع الزواج، ولا استطيع الصوم، لا يا اخي بل انت تستطيع الصوم ولكنك لا تريد ان تفارق شهوات النفس العالقة، وانت تعلم بأن الصوم سيكسر شهوتك وسيهذب غريزتك الجائرة

 

ان كثيرا من الامم الكافرة تسعى جهدها بأموالها واعلامها لأمرين:

 

اولهما : تسعى للتقليل من الطوفان الجارف الذي حل بمجتمعاتهم فأحالتها اشلاء ممزعة، وقد بذلت لأجل ذلك ما تسطيع من قوى مادية وفكرية واعلامية، ولكن باءت بالفشل الذريع، فلم يزدد الناس الا انهماكا في الشهوات الى الاذقان، حتى تقززت نفسي من خبر نشرته جريدة سيارة قديمة ومع الخبر صورة الحادث وفاعله، ومفاد الخبر ان امراة اروبية رفعت قضية الى المحكمة تطلب فيها الانفساخ عن زوجها الذي ناهز عمره الخمسين، وما هو السبب يا ترى؟! انه لا يُصدق ! انه مستحيل ! ولكن الصحيفة تثبت بأن هذا الرجل العجوز قد واقع دجاجة مجمدة في مؤخرتها ، اعتذر لاخوتي عن ايراد هذا الخبر، لكن لعل في ايراده تحريكا للعزائم لكي تنهض بأمر هذا الدين

 

 

والنبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الى كبير جهد في هذا الامر اذ انه حصن امته من اول الامر بالصيام الذي يكسر الشهوة الفوارة كسرا، ويطهرها تطهيرا .

 

الامر الثاني : ان اعداء الاسلام اشعلوا مواقد الفتن ، واججوا نار الشهوات، وفتحوا ابواب الغرائز البهيمية على مصراعيها لدكدكة بنيان الامة الشامخ وهم الشباب، فهم قالوا : ( كأس وغانية يفعلان في امة محمد ما لا يفعله الف مدفع) وهم وان استطاعوا جرف بعض شبابنا الا ان الكاثرة منهم عاد الى رشده، وظل الصوم والتصون والطهر حصنا منيعا ضد العتاة الغادرين الذين يسرقون الفضيلة سرقا

 

وقد سلف في وقفة منصرمة بأن الصائم اذا ترك في نهاره ما احل الله له من ازواج فهو لترك ما سواه من الفحش اكثر امتثالا، فالصوم يربي المسلم على ان لا يستعلي على الشهوات المحرمة فحسب بل زيادة فوق ذلك يطلب منه ان يترك ما احل له في يوم صومه، حتى تتربى النفس على الاستعفاف والنزاهة، انه منهج الاسلام العظيم، وهدي النبي الكريم عليه افضل الصلاة وازكى التسليم

 

 

 

 

الوقفة الثامنة : تابع اسرار الصيام

 

 

6-            النظام الاجتماعي وانسجام الحياة :

مدرسة الصيام كلها نظام وانتظام، بدءاً من توحيد امساك الناس في وقت واحد ، وافطارهم في وقت واحد، وصيامهم في بداية الشهر ، وانتهاؤه بآخره، كل هذه خطوط عريضة تعطي الانسان مساحة واسعة ليسير في حياته بنظام لا عشوائية فيه، ساعتها تتسق حياته، وينجز اعماله، ولا يفرط في أي لحظة من لحظات عمره الثمينة

 

ذكر لي بعض الاخوة المدرسين بأنهم يجدون راحة في القاء دروسهم في شهر الصيام، وذلك للهدوء الذي يسود جو الفصل ، فقلت : ذلك من بركة رمضان الذي يفرض على الجميع الانتظام والاحترام، كذلك العامل في مكان عمله اينما كان يكون في تسامٍ غريب، فيحاول ان يبتعد عن القليل والقال والغيبة والنميمة، وكل ذلك من بركة رمضان .

 

حتى ان غير المسلمين يحاولون ان يحترموا مشاعر المسلمين، في شهر الصيام، وتجد من بعض المنحرفين من يكف شره في شهر الصيام، على اقل تقدير في هذا الشهر، ذلك ان شيطانه قد سُلسل بالحديد فسلسل هو معه، حتى ينفك في اخر الشهر فيجري هذا وراءه ليعود لافساده .

 

كما ان شهر الصيام يعطي الاشارة الحمراء لكل صاحب معصية او عادة ذميمة او اجرام او انحراف، ان قف عند حدك فقد جاء شهر الصيام ولا بد لك من ان تكسر عادتك الذميمة، فمنهم من يمن الله عليه بالتوبة والانابة، ومنهم من يترك معاصيه حرمة لرمضان، ومنهم من يتركها خوف العقوبة التي تفرض لمن ينتهك حرمة الشهر، فالصوم افضل زمان لكسر العادات الذميمة، وافضل زمان للتوبة والانابة، فالصيام يساعدك على ترك ذلك في النهار وما عليك الا ان تتركه في الليلة ، ويربيك الصيام طوال شهر كامل على طاعة الله وترك معاصيه، وهذه فترة كافية لتربية النفس وتهذيب اخلاقها، وتقويم اعوجاجها .

 

ولذلك تقل نسبة الاجرام في المجتمع المسلم خلال شهر رمضان المبارك، وذلك لما يسود المسلمين من سكينة وخشية وطاعة .

ومن اروع الدلالة على ذلك ما ذكره الدكتور محمد على البار في كتابه القيم ( هل هناك طب نبوي ؟ ) ذكر بأن ابحاثا قامت في اروبا لرصد كثرة الجرائم بمختلف انواعها طوال الشهر، فوجدوا بأن اقصى معدل للجريمة يصل ذروته في منتصف الشهر، هذه الظاهرة شدت انتباههم وجعلتهم يتساءلون :

 ما هو السر الكامن وراء كثرة الاجرام في هذه الايام بالتحديد؟

 فزادوا في بحثهم،فتكشف لهم ان لقضية الجاذبية بين الارض والقمر دورا في هذه المسالة

وذلك يرجع الى ان تلك الجاذبية المعروفة علميا هي التي تسبب ما يعرف بالمد والجزر، فهذه الجاذبية لها تأثير على السطح المائي لأنه مائع، ام اليابسة فلتماسكها لا تظهر عليها تلك الحركات الاضطرابية، والانسان كتلة متماسكة، لكن تكوينه الداخلي من اكبر عناصره الماء وهذا الماء يعمل بداخله من جراء هذه الجاذبية كما يحدث للمد والجزر سواء بسواء

وان اقوى حالات المد والجزر عندما يكون القمر بدرا مكتملا، وذلك لا يكون الا في وسط الشهر، وبالتحديد في مايسمى بالليالي البيض، ولهذا كان الاجرام في اعلى درجاته في هذه الايام لشدة جاذبية القمر للماء، فيكون الانسان في حالة اضطراب داخلي يوصله الى فعل ما يريد من الاجرام

فإذا علمنا بأن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أمرنا استحبابا ان نصوم الايام البيض ادركنا سر النبوة الذي تكلم به من لا ينطق عن الهوى، نعم المعلم والمربي، الذي ارشدنا الى كل خير، ويأتي العلم ليتوج ذلك بالبرهان الناصع الذي لا مرية فيه

فالصيام اذن من اكبر العوامل لكسرة سَورة الاجرام، ساعتها نعلم الاسر من وراء تلاشي الجرائم والانحراف في شهر رمضان المبارك .

 

 

 

 

الوقفة التاسعة : تابع اسرار الصيام

 

6- تابع النظام الاجتماعي ونظام الحياة :

ان النظام الاجتماعي يتجلى في اروع صوره في التلاحم والتراحم، والزيارة والصلة، والبر والاحسان، وكل ذلك مما يذكيه شهر الصيام في نفوس الصائمين

 

كما يفرض الصيام تطهير النفوس من الغل والحسد والشحناء والبغضاء، وترك الهجر في القول والافحاش في المعاملة، يقول صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه ) .

 

بل يؤدب الصيام الصائم على حسن القول وعدم التفوه بسيئ المقال، يقول عليه الصلاة والسلام : ( فإذا كان يوم صوم احدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، وان امرؤ سابه او قاتله فليقل : اني صائم اني صائم ) وفي هذا التوجيه النبوي ما فيه من رفيع الادب وحسن الخطاب ومقابلة الاساءة بالاحسان، وقوله ( اني صائم ) تذكير لنفسه بأنه في عبادة لا تسمح له بأن يرد عليه بالمثل، او ان يتكلم بهذه الكلمات القبيحة، بل يذكره بحرمة الصوم ومكانته وما ينبغي ان يصان به بعدا عن الترهات .

 

كما في قول ( اني صائم ) تنبيه لهذا الجاهل على ان الصوم يستعلي على هذه الترهات، وينأى عن هذه القاذورات، فهو يتوج الصائم للكمال، وتلك الكلمات تصيبه بالاضمحلال والوبال .

زيادة على ما تقدم فإن في الصوم مزيد تآلف وتعارف وترابط، ومزيد توثيق للعلاقات، كما انه مجتمع للأسرة و المجتمع والامة لتنظر في احوالها ولتستدرك فائتها، ولتستعيد حساباتها، ولكي تدرس تأريخها وامجادها، ولتنأى عن اسباب الضعف والخور، وترتفع الى المعالي والكمالات والفضائل وجلائل الاعمال، ساعتها يحسب لها الف حساب، وتكون في مصاف الامم وفي مقدمتها ، ولن تحتاج الى غيرها، بل غيرها سيصير عيالا عليها كما كان عهد سلفها الصالح ، وتأريخ مجدها التليد الميمون .

 

 

الوقفة العاشرة والاخيرة

 

جوامع حكم لما تفرق ذكره سابقا :

 

وجدت هذا المقال لأحد الاساتذة في الشبكة الاسلامية فأحببت ان اختم بهذه التأملات لتكون كمسك ختام، لما فيه من فوائد جمة ينبغي ان لا نغفل عنها :

 

يقول صاحب المقال :

 

شرع الله العبادات لحكم عظيمة , ومقاصد جليلة , والصوم أحد هذه العبادات التي شرعت لتربية النفوس , وغرس معاني الإيمان فيها , ليستعين بها العبد في سيره إلى الله عز وجل .

وأول هذه المعاني والتي تشترك فيها جميع العبادات

أن الصوم فيه تربية على العبودية والاستسلام لله جل وعلا , فعندما تغرب الشمس يأكل الصائم ويشرب امتثالا لأمر الله , وإذا طلع الفجر يمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات , فهو يتعبد الله عز وجل في صيامه وفطره , فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل , وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل , فالقضية إذا ليست قضية أذواق وأمزجة , وإنما هي قضية طاعة واستسلام وانقياد لأمر الله , وهكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لربه جل وعلا في سائر شؤون حياته

والصوم يربي في النفس مراقبة الله عز وجل , وإخلاص العمل له , والبعد عن الرياء والسمعة , فهي عبادة بين العبد وبين ربه جل وعلا , ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر , فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم , وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس , بل إنه بمجرد فقد النية وقطعها يفطر ولو لم يتناول شيئا من المفطرات طوال يومه , فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية , دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه , ومراقبته له , ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات , ولم يجعل لها جزاء محددا , قال صلى الله عليه وسلم : ( كل عمل ابن آدم يضاعف , الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف , قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به , يدع شهوته وطعامه من أجلي ) . فقوله جل وعلا ( من أجلي ) تأكيد لهذا المعنى العظيم

 

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة , وانتظار ما عند الله عز وجل , حيث يتخلى الصائم عن بعض الأمور الدنيوية , وشهوات النفس ومحبوباتها , تطلعا إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب , وفي ذلك توطين للقلب على الإيمان بالآخرة , والتعلق بها , والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية , التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها .

والصوم يربي على الصبر وضبط النفس , وقوة الإرادة والعزيمة , فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم , فإن المقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات , وفطامها عن المألوفات , ولهذا كان نصف الصبر , والله تعالى يقول : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }

 

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع , وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين , فالصائم حين يرى الناس من حوله صياما كلهم , فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع , فالكل صائم , والكل يعاني ألم الجوع . والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز , لا يستثنى من ذلك أحد لغناه أو جاهه أو منصبه , فأكرمهم عند الله أتقاهم , وأفضلهم أزكاهم .

 

والصوم يضيق مجاري الدم , ويخمد نيران الشهوات , ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم , فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم , ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح : ( الصوم جنة ) , أي وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي , ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام ، وجعله وجاء لهذه الشهوة وقاطعا لها .

 

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين , فيتألم لآلامهم , ويشعر بمعاناتهم , فالذي لا يحس الجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة, وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب , فغيرنا قد لا يجد شيئا من ذلك .

والصوم يهذب الأخلاق ويطهر النفوس من أدران البخل والشح وسوء الخلق , ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان

هذه بعض معاني تلك العبادة العظيمة , وقد جمعها الله عز وجل في قوله : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة 183)

فالحكمة التي شرع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل , وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته , وما لم يكن الصوم طريقا لتحصيل هذه التقوى فقد فقد الغاية والمعنى الذي شرع لأجله , فليس المقصود من الصيام هو مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فقط دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) . قال جابر رضي الله عنه " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم , ودع أذى الجار , وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك , ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء "

فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي تلك العبادة العظيمة , حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها , وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع , نسأل الله أن يوفقنا لحسن عبادته , وأن يتقبل منا الصيام إنه جواد كريم

(انتهى المقال )

وبه تنتهي هذه الوقفات الايمانية التي سعدت بقضائها مع اخواني حتى نتذكر عظمة هذا الشهر واسراره، ولا شك بأن ما ذكرته انما هو تلمسات لبعض الحكم، والا فإن الذي شرعه واختص به هو اعلم بعظم ما اودع فيه من بركة وخير، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

فإن اصبت قول الحق فالحمد لله فذلك فضل الله، وان اخطأت فاستغفر الله، واخوكم طامح الى جميل نصحكم وسديد رأيكم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين .

  أخــر المضاف
بمناسبة استقبال شهر رمضان المبارك شهر الخير والعطاء شهر المغفرة شهر العبادات والاخلاص لله سبحانه وتعالى اتوجه الى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها بالتهاني الطيبة راجيا من الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا واياهم لصيام هذا الشهر الكريم على النحو الذي يرضيه وان يوفقنا للأوبة اليه وان يوفقنا للتخلص من .. التفاصيل