بسم الله الرحمن الرحيم

الله أكبر ، الله أكبر ،الله أكبر ،

الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،

الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا

الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا

الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا .

    لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون .

الحمد لله القائل في محكم التنزيل أمراً لسيدنا إبراهيم الخليل u: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) .

وأمره ربه بإن يذبح ابنه إسماعيل u فامتثل لأمر ربه، ففداه الله بذبح عظيم، وجعلها من بعد من سنة سيد المرسلين، نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما لبى لبه الملبون، وكبر له المكبرون، وحمده الحامدون، سبحانه تقدست أسماؤه وجلت عظمته، المتفرد بالبقاء فلا بقاء بعده، والمتفرد بالعطاء فلا معطي إلا هو، سبحانه الباسط القابض المعطي المانع المعز المذل، الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.

ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدالله ورسوله، أرسله الله تعالى بالطريقة السمحة وبالنور المبين وبالذكر الحكيم، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأقام الحجة ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، حتى استقام دين الله، والقوم الكافرون كارهون.

صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وعلى أتباعه وحزبه، وكل من سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا

عباد الله:

إنكم في أيام عظيمة، عظم الله قدرها في السماء، وتفضل فيها على أهل الأرض بالنعماء، وأشهد على ذلك ملائكته الكرام، وجعلها أياماً جليلة كريمة، أمر فيها عباده بتجليله وتحميده وتعظيمه، إذ يقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً* تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً).

فعلينا إخوة الإسلام أن نكثر في هذه الأيام من التهليل والتكبير والتحميد، خاصة دبر كل فريضة في يوم العيد وسائر أيام التشريق، لقوله جل ذكره: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) أي العيد وما بعده، لقوله بعدها (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْه) أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) إلى اليوم الثالث عشر .

وقد سن لنا نبينا الكريم r في هذه الأيام العظيمة التقرب إلى الله بذبح الأضحية، تخليداً لذكرى الخليل إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ابنه ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فنعم الأب ذلك الأب، وأكرم بالابن ذلك الابن، كلاهما انصاعا لأمر الله، وصبرا لقضاء الله، فناداه مولاه (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) .

فصار هذا الفداء سنة مباركة في ديننا القويم، وعملاً واقعاً من نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فقد جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام" ضحى بكبشين أملحين موجوءين "ذبحهما بيمينه وسمى وكبر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله انه قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْأَضْحَى بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ وَقَال: (َ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَر،ُ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي).

وتذبح الأضحية بعد صلاة العيد لا قبلها لقوله تعالى ( فصلِّ لربك وانحر ) فمن ذبح قبلها فليعد، كما يجوز أن تذبح الأضحية في يوم العيد وسائر أيام التشريق الثلاثة.

ومن أراد الذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته، كما أمر النبي r ، وينهى في الذبح عن أمور، فعن جابر بن زيد رحمه الله قال : سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " نهى في الذبح عن أربعة أوجه : الخزل ، والوخز ، والنخع ، والترداد ".

قال الربيع رحمه الله: الخزل : إدخال الحديدة تحت الجلد واللحم ، ويذبح قبالته ، والوخز : الطعن برأس الحديدة في رقبة الشاة بعد الذبح ، والنخع : كسر الرقبة ، والترداد : الذبح بالحديدة الكليلة التي تتردد في اللحم.

ومن هديه r أنه أمر بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام لقوله عليه الصلاة والسلام: (فكلوا ، وتصدقوا ، وادخروا).

واعلم-يا أخي-أن ما تتصدق به هو الذي يبقى ذخره وأجره عندالله، وما تأكله يفنى، جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "(ما بقي منها ؟) قالت : ما بقي منها إلا كتفها قال : (بقي كلها غير كتفها ).

 هذا هو أمر الأضاحي لمن التزم حدها وشرطها، تقربه إلى الله وتورثه رضوانه وتقواه، يقول سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) .

 الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.

إخوة الإيمان:

   إذا كان الإنسان يُبتلى في حياته فإن البلاء له ضروب متعددة، ذلك ليعلم أن الله الذي أعطاه قادر على أن يحرمه، وأن الذي قوَّاه وشد عضده قادر على أن يسلبه قوته، وأن الذي أغناه وبسط له من رزقه قادر على أن يقبض عنه نعمه ويفقره، يقول جل ذكره: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)، متى يجأر الإنسان؟ متى يستغيث بالله؟ عندما تذهب عنه النعمة، عندما يحس بالضائقة والشدة، وهكذا حال الإنسان ينسى نعم الله في الرخاء ويذكره ربه في البلاء.

   وإن هذه الأمة لتُبتلى في كثير من أمورها: في دينها-والعياذ بالله-وفي مقدساتها، في دمائها وأعراضها، وفي هذا العام تُبتلى بهذه الأمراض والأوبئة التي هي آية من آيات الله لتتجلى قدرة الله تعالى في كل شيء، وإن خلقه لن يعجزوه في أرض ولا في سماء، فكم من إنسان تكبر وتجبر، فأراه الله ضعفه، وكم من إنسان تعالى في الأرض وأشر وبطر فأركسه الله، وناهيكم بالقرآن يحدثنا عما حل بالأمم السابقة، كيف أنها لما استقامت على طاعة الله مكن الله لها في أرضه وبسط لها نعمه، وكيف أنها لما بغت وطغت وحادت عن منهج الله ورسله جعلها الله عبرة، وأهلكها بالنعم التي افتخرت بها.

   هذا فرعون الطاغية الذي زعم أنه إله من دون الله (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) تفاخر على الناس بقوله (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) افتخر بالماء فكانت عقوبته أن أغرقه الله بالماء الذي افتخر به، يقول جل جلاله: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ*آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ).

   وقارون الذي اغتر بأمواله وكنوزه العظيمة، (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، جمع وكنز وثمَّر وأنكر حق الله ، ونُصِح فلم ينتصح، ووُعِظ فلم يتعظ، وخُوِّف بالله فلم يخف، وتفاخر وتكبر وبطر على الناس، فكانت عقوبته من جنس ما تفاخر به (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ).

   وأين أنتم من مملكة سبأ العظيمة في اليمن؛ التي كانت تطاول السحاب بقصورها، وتبهج الأنظار والنفوس بثمارها وبساتينها ورياضها (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) كثَّر الله ثمارها وخيرها وبارك في أرضها ومائها وهوائها، ولكن جحدوا نعم الله ومنعوا حق الله، ولم يشكروا فأهلكهم الله بحرمانهم ذلك الخير العظيم، وبدلهم الله بعد النعمة بالنقمة، وبعد العزة بالذلة ، أرسل الله عليهم سيلاً جارفاً بعد أن انهار سد مأرب العظيم فذهب بنعمهم وبساتينهم (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ*ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ).

   وكذلك عاد قوم هود عليه السلام، فإنهم استطاروا بالبنيان (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ)، كانوا يبنون القصور في قمم الجبال ، وتفاخروا وكذبوا رسل ربهم، فأهلكهم الله وجعل ديارهم خاوية (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ* فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).

 الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا .

  عباد الله:

   إن الله تعالى يرسل من العقوبات والقوارع والنذر على اختلاف الزمان والمكان، هذا العصر تطور فيه العلم، وتقدم فيه الطب، وإذا به جل وعلا يرسل جرثومة أو فيروساً لا يُرى إلا مكبراً بالمجهر عشرات المرات، يعمل في البشرية عمله، يقض مضجع الآمنين، يأكل اقتصادهم ويرعب الدول، يأتي على الأخضر واليابس، ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، فإذا بالناس في خوف ووجل، ذلك ليعلموا أن الله يمهل ولا يهمل (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ )، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، فأين المعتبر يا عباد الله!

   كانت بالأمس حياتنا تفيض بالنعم، من ثمار وبركات في كل شيء، في زروعنا وثرواتنا السمكية، في برنا وبحرنا في صحة أجسادنا، بل حتى  في تقارب النفوس ومحبة القلوب، أين ذهب كل ذلك؟ نِعمٌ رُفِعت، وبلاء نزل، وخيراتٌ سُلِبت، وصحة ذهبت، وقلوب تفرَّقت،، بل نفوس تقاطعت وتحاسدت وتقاتلت، انكبت على الدنيا شحاً وطمعا، قضماً وهضماً لحقوق الضعفة والمساكين والأرامل والأيتام، إذا كانت الدنيا شريكاً بين أخوين تقاتلا، وإذا كانت بين جارين تقاطعا، حتى بين الآباء والأبناء، وكذلك بين الأصحاب والخلان، فأي مصيبة بعد هذه المصيبة، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فأين المعتبر والمدَّكِر!

   أما الكفار فإن الله يبتليهم بالأعاصير والزلازل والبراكين والأمراض الفتاكة، من الجمرة الخبيثة وانفلونزا الطيور إلى انفلونزا الخنازير الآن، وعِبرُ الله فيهم ولكن لا يعتبرون (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)، ولا يمر عام إلا فيه البلاء العظيم يعم البشرية بسبب ماذا؟ بسبب بعد الناس عن الله، فالكفار يكفيهم كفرهم بالله وكفى بالكفر جريمة، )ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ونظامهم الاقتصادي قد انهار بسبب أكلهم الربا وأكل أموال الضعفة، والظلم الاجتماعي والطبقية المقيتة التي يعيش فيها البشر كالحيوانات المفترسة يقضي الغني على الفقير والقوي على الضعيف، أما الانحدار الأخلاقي فحدث بما شئت من تفسخ وعري.

   كل هذه الأمراض صدروها إلينا، صدروا إلينا أمراضهم وانحرافم ونكباتهم وانتكاساتهم، فصار بعضنا يتابعهم شبراً شبراً وخطوة خطوة، أليس من أبناء المسلمين الآن من ألحد وكفر بالله، ومن شبابنا من يستهزئ بدين الله، من أين تأتينا الرحمة والربا غشي الناسَ ودخل في صغير حياتنا وكبيرِها، من أين تأتينا رحمة الله وقلوب بعضنا متقاطعة، على الدنيا يتقاتلون ويتنافسون، والحسد أكل قلوب بعضنا البعض، حتى يُدبَّر الأخ لأخيه المكائد، والجار لجاره والصاحب لصاحبه ليمكر به ويقضي عليه، فمن أين تأتينا رحمة الله! وإذا كنا نستهتر بالقيم والأخلاق، ومن شباب المسلمين فتياناً وفتيات من ينبذ القيم والأخلاق وينحرف عن الفضيلة، فمن أين تأتينا رحمة الله!

   أليس هذا المرض الذي يخيفنا آيةً من الله وسوطَ عقوبةٍ للتذكير، فمن يعود ويعتبر ويرجع إلى الله! (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى)، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)، ثم ماذا؟ يقول الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ*وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ* أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)، فأي عقوبة بعد هذه العقوبة! وأي بلاء بعد هذا البلاء! وأي تذكرة وعظة بعد هذه العظات! ألا هل من عودة، ألا هل من رجعة؟ ألا هل من محاسبة! فلنتعاون ولنتناصح فإن النجاة ما تناصحنا، وإن البلاء ما تخاذلنا، بسم الله الرحمن الرحيم (وَالْعَصْرِ*إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) أما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو سبب هلاك الأمم السابقة، وهو سبب بلاء هذه الأمة (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، قالت السيدة زينب رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" أي الزنا.

الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا

   فإذن علينا بالعودة إذا كنا نريد رحمة الله، فلنرجع إلى الله (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)، مع الاستغفار يكون الخير والبركة في الأنفس والأموال والأولاد، ومع عدم الاستغفار والتوبة لن يكون إلا المحق والمقت والعقوبة والنقص في كل شيء، والله يقبل التائبين المستغفرين (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)، (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).

   وكذلك الصدقة فأكثروا من الصدقات فالنبي r يقول: «الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء»، ومن أصيب بهذا المرض فليتصدق سراً وعلانية، فالصدقة من أسباب الشفاء، يقول عليه الصلاة والسلام: «داووا مرضاكم بالصدقة» فالصدقة سبب للشفاء والعافية، وسبب لرفع مقت الله وغضبه.

   كذلك الدعاء، توجهوا إلى الله بالدعاء، فالأمة مهما توجهت إلى الله خائفة وجلة رحمها الله، ومهما استغنت عن الله أوكلها الله إلى نفسها وخذلها، فاللهم سلِّم سلِّم، اللهم عافنا في الأولى والآخرة، اللهم عافنا من هذا البلاء، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير.

  الله أكبر ،الله أكبر ،الله أكبر ،لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد كثيرا.

   أيها الإخوة الأكارم:

   اعلموا بأن الله خلق الدنيا مزرعة للآخرة، فمن عمرها بالخير وجده في الدار الآخرة، ومن ترك العمل هنا ضاع في آخرته (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، واعلموا أن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، كما جاء في الحديث الشريف «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، فطوبى لعبد أحب لقاء الله فاستعد لذلك بالعمل الصالح (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)، فماذا قدَّمنا ليوم أوبتنا لربنا؟ نرى هذه الأمراض الفتاكة، ونرى الحوادث التي تطحن الشباب طحنا، كيف نغتر أم كيف نلهو ونعبث والموت لنا بالمرصاد، فالنُّقلة قريبة، لا يدري أحدنا أيصبح أو يمسي؟ هل يبيت في فراشه فيصبح أو لا ترجع روحه، أفلا نعتبر بآبائنا الذين ماتوا، وإخواننا الأحباء الذين فارقونا، كم حملنا من جنازات! ووضعنا أصحابها في اللحود ومراتع الدود، ولكن ما زال كثير منا لاهٍ عابث، فالعبرةَ العبرةَ والعظةَ العظةَ والاستعدادَ للقاء الله بطاعته والعمل الصالح ، فاللهم إنا نسألك خير الدنيا والآخرة، ونسألك العمل الصالح، والفوز بالجنة والنجاة من النار.

  هذا وصلوا وسلموا.........